ومن الضوابط ثانياً: عدم الخلوة، يقول النبي ﷺ : «لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا» (١) .
ومن الضوابط ثالثاً: أن يكون الخاطب عازماً على الزواج، وقد سأل وتحرى عن كل شيء، فلم يبق له إلا النظر، أما أن يستغل ذلك بعض الشباب للاطلاع على مكنونات البيوت، وكسر قلوب العذارى، فلا تنظر أيها الشباب إلا بعد أن تكون عازماً على الزواج من هذه المرأة ولم يبق لك إلا التأكد من جمالها وتطبيق السنة في النظر إليها لأنه أحرى أن يؤدم بينكما.
تلك أسس في اختيار الزوج لزوجته تنبغي مراعاتها من قبل الراغبين في الزواج وذويهم.
стр. 37
مقومات اختيار الزوجة لزوجها (١)
أسس ومعايير في اختيار الزوجة لزوجها تنبغي مراعاتها من قبل الراغبين في الزواج وذويهم، هذه أسس نوصي بها المرأة ووليها وكلَّ من له علاقة في شأن المرأة، أن تكون لهم معايير أيضاً في قبول المتقدم للزواج أو رده، وقبل الدخول فيها لا بد من التنبيه إلى أمر مهم، هو أن المرأة هي الطرف الأضعف في باب النكاح، وذلك لأمور أربعة:
أحدها: أن المرأة تعتبر أسيرة عند الرجل بدليل قوله: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» (٢)
стр. 38
ثانياً: ولأن القوامة بيد الرجل لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ النساء:٣٤
ثالثاً: ولأن المرأة مرهفة المشاعر والأحاسيس فهي لا تحتمل رجلاً دنيئاً في الصفات والأخلاق، يؤذيها في نفسها ومشاعرها ويلوث فضاء بيتها بالبذيء من العبارات والساقط من القول.
رابعاً: ولأن المرأة لا تستطيع أن تبين حجتها في الخصومة، فقد يظلمها ولا تستطيع أن تجابهه كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ الزخرف:١٨ أي لا يستطيع أن يظهر حجته في الخصومة.
لهذه الأمور الأربعة التي تدل على ضعف المرأة ينبغي لها ووليها الاهتمام البالغ بأمر قبول الخاطب أو رده.
فمن معايير اختيار الزوجة لزوجها:
стр. 39
أولاً: الدين:
فينبغي أن يكون صاحب ديانة، والمراد بذلك الزيادة على الواجبات، لا ما يدخله في الدين فقط، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ النور:٣٢، وقَالَ رَسُولُ الهدى ﷺ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ» (١) ، فقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بتزويج من كان مَرْضِي الدين والخُلُقُ، وهذا يدل على أنه من كان فاسد الدين سيئ الخلق لا ينبغي تزويجه، ففيه حث على اختيار الأزواج، واعتبار المؤهلات الشرعية، وكثير من الأولياء لا يُعِير هذا الجانب اهتماما عند تزويج موليته، فلا يختار لها الرجل الذي أرشد إليه الرسول، وإنما يختار لها الرجل الذي يهواه هو، حتى ولو كان فاسدًا في
стр. 40
دينه، سيئًا في خلقه، لا مصلحة للمرأة من الزواج به، فكم سمعنا من مشاكل النساء اللاتي وقعن في سوء الاختيار
- هذه تقول: إنها بليت بزوج لا يصلي
- وهذه تقول: إن زوجها يشرب المسكرات ويتعاطى المخدرات
- وهذه تقول: أن زوجها أمرها بالسفور وإلقاء الحجاب
- وهذه تقول: إن زوجها يستمتع بها في غير ما أحل الله، يجامعها في نهار رمضان، أو يجامعها وهي حائض، أو في غير المحل الذي أباح الله.
- وهذه تقول: إن زوجها لا يبيت عندها لأنه يسهر مع الفسقة.
والمسؤول عن ذلك هو وليها الذي أساء الاختيار لها، وخان أمانته عليها.
стр. 41
ومن المعلوم أن اختيار الولي للزوج الصالح هو اختيارٌ لصلاح البنت وأولادها، واختياره للزوج الفاسد هو اختيار أيضاً لفساد البنت وأولادها؛ ذلك أن تأثير الزوج كبير، وهو مؤثر في تنشئة ذريته على الصلاح أو الفساد، وتنشئة الفاسد لذريته على الفساد أمر معهود كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ نوح:٢٧ إذا علمت ذلك جيداً أيها الولي فاعلم أنك مسؤول أيضًا عن فساد موليتك وفساد ذريتها بسبب هذا الزوج الذي غششتها به وأنت تعلم أن الفاسد لا يلد إلا فاسداً في الأغلب، إلا أن يشاء الله رب العالمين.
ومن معايير اختيار الزوج أيضاً
الخلق الطيب
كما قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ النور: ٢٦، وأوصى النبي ﷺ بقبول من اجتمعت فيه صفتان
стр. 42
هما: الدينُ والخلقُ فقال: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ» ، ولما استشير النبي ﷺ في ثلاثة خُطاب فقال عن أحدهم بأنه «ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ» (١) «لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ» (٢) .
وإذا تفاوت الرجال في الصفات فلا شك أن من أقربهم منزلة إلى قلوب الناس مرضي الدين والخلق كما أنه هو الأقرب منزلاً يوم القيامة من النبي ﷺ ، فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا» . (٣)
стр. 43
وإن الخلق الطيب هو من أبرز معالم الدين، ولذا قرنه النبي ﷺ به فقال: «مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ» وحصر النبي ﷺ البر في حسن الخلق فقال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ» (١) ، ويتبين بذلك أن الخلق الحسن من بدهيات الدين القويم وأساسياته، ولم نفرد الحديث عن الخلق الطيب مع دخوله في الدين دخولاً أولياً إلا لأن النبي ﷺ أفرده فقال: «مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ» . وذلك احتياطاً منه للنساء من الأنذال من الرجال الذين جبلوا على سوء الخلق وسيء الطباع، فيؤذون المرأة في نفسها بالضرب في الوجه وتقبيح صورتها ونحو ذلك مما يؤذي المرأة جداً.
وأمر آخر في إفراد الخلق عن الدين هو أن مفهوماً سيئاً منتشراً يقضي بأن صاحبَ الدين هو صاحبُ الخلق مباشرة دون سؤال عن خلقه، والحقيقة أنه لا تلازم بين الدين والخلق عند البعض من الناس في هذا الزمان، فكان لزاماً على كل ولي أن يسأل عن توفر الشرطين وهما
стр. 44
الدين والخلق ولا يغني أحدهما عن الآخر خاصة في هذا الزمن الذي انتشر فيه الجهل وامتلأ بالمتناقضات.
ومن معايير اختيار الزوج أيضاً
حسن الهيئة في الرجل
كما طلب الرجل الجمال في المرأة، وهذا أمر أيضاً جبلت النساء عليه، وأمر الله الأزواج بمراعاته وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٢٨. قال ابن عباس: (إنِّي أُحِبّ أَنْ أَتَزَيَّن لِلْمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبّ أَنْ تَتَزَيَّن لِي ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره يَقُول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ البقرة:٢٢٨) . (١)
стр. 45
ومما يدل على أن النساء أيضاً فطرن على الاهتمام بمظهر الرجال ما ورد في قصة حبيبة بنت سهل عندما اختلعت من زوجها ثابت بن قيس فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت «يَا رَسُول اللَّه لَا يَجْمَع رَأْسِي وَرَأْسه شَيْء أَبَدًا! إنِّي رَفَعْت جَانِب الْخِبَاء فَرَأَيْته أَقْبَلَ فِي عِدَّة، فَإِذَا هُوَ أَشَدّهمْ سَوَادًا وَأَقْصَرهمْ قَامَة وَأَقْبَحهمْ وَجْهًا» (١) . ولكن الأمر الذي يجدر التنبيه عليه هنا هو أن المعيار عند النساء يختلف عنه عند الرجال، فالمطلوب عندهم حسن المظهر من تفوقه عليها في الطول والجسم ونحو ذلك وليس المطلوب عندهم الجمال والوسامة ونحو ذلك.
ومن معايير اختيار الزوج أيضاً:
أن تأخذ المرأة الرجل الذي نظرت إليه
стр. 46
لأن ذلك أقرب للنفوس وأحرى في التوافق كما قال النبي ﷺ : «فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (١) وتكون الرؤية بنفس الضوابط المتقدمة في نظر الرجل إلى مخطوبته.
ومن المعايير أيضاً:
القدرة على تحقيق النفقة عليها وحوائجها
فالقدرة المالية معتبرة شرعاً، ولذلك فإن النبي ﷺ لما استشارته فاطمة بنت قيس في ثلاثة نفر تقدموا لها عاب أحدهم بأنه «صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» (٢)
ومع اعتبار القدرة المالية في النكاح إلا أنها أيضاً لا تكون مبرراً في ترك النكاح إلا عند العجز التام كما هي الحال في بعض أصحاب النبي
стр. 47
صلى الله عليه وسلم الذين كانوا لا يجدون شيئاً من متاع الدنيا فلم يجد أحدهم خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فزوجه النبي ﷺ على ما معه من القرآن (١)
ومن معايير اختيار الزوج أيضاً: أن يكون قادراً على الإنجاب، فإذا علم أن الرجل لا يولد له، فلا تتزوجه المرأة التي تنجب لأن في هذا تفويت لوصية النبي في المكاثرة بأمته يوم القيامة، ولما فيه من الإضرار بالمرأة وفطرتها، فكل إنسان مجبول على حب الولد.
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا قَالَ لَا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» (٢)
стр. 48
وهذا في حق الرجال الذين بمقدورهم الزواج من ثانية وثالثة ورابعة إذا كانت زوجاتهم لا ينجبن فكيف بالمرأة التي لا تعدد، وليس لها خيارٌ آخر إلا طلب الطلاق، فالمرأة في هذا الشرط من باب أولى لأنه ليس لها طريق إلى الولد إلا بالطلاق.
قد يفرط كثير من الأولياء في أمر الخاطب ثم ينتج عن ذلك تفرق أسر وتشتتها، فكم سمعنا وقرأنا عن أسر تم عقد الزواج والترابط بينها ثم لا تلبث إلا الأيام اليسيرة أو الأشهر القليلة حتى ينحل ذلك العقد وينقلب الترابط على تفرق؛ فترجع الفتاة على أهلها كسيرة حسيرة ثم تجلس في انتظار الطارق الآخر، وقد يطول الزمن بها، بل قد يعزف عنها الخطاب.
وبكل حال فلو بحثنا سبب ذلك التفرق فلربما يتحمل الولي جزءاً كبيراً منه، ولذا لا بد من القول بصراحة تامة: إن ذمة الوالد أو الولي لا تبرأ من الإثم حتى يخلص النصح لابنته وينتهج المنهج الشرعي في
стр. 49
التعامل مع الخاطبين، ولا بد من التنبيه في هذا المقام على أمور مهمة باختصار لعل الله أن ييسر الوقت الذي نبسط فيه الكلام عنها:
الأمر الأول: يحصل من بعض الآباء إذا تقدم الخاطب إلى بيته أن يصم أذنيه ويغمض عينيه عن كل طارق إلا عن قريب له كائناً ما كان، صالحاً أو طالحاً، تقياً أو شقياً، لا يهمه ذلك كله إنما همه الأول والأخير أن يكون المتقدم لابنته قريباً في النسب وهذا والله من الظلم كيف يجعل ابنته وقفاً على ابن عم أو قريب لها بغض النظر عن صلاحه وحسن سيرته؟
الأمر الثاني: لا بد من استشارة الفتاة في خطيبها وعدم إجبارها، فعليك أيها الولي أن تستشير ابنتك في خطيبها، هذا إذا كان المتقدم مرضي السيرة، أما إذا كان سيء السمعة والسيرة فلا مرحباً به ولا كرامة، بل إن من تمام المسؤولية عدم استشارتها في أمره، ويجب عليك أن تصرف ذلك الخاطب عنها.
стр. 50
الأمر الثالث: وقد يكون غريباً عند البعض ومستشنعاً عند آخرين
قد يترك بيت من بيوت المسلمين لا يطرقه خاطب وقد يكون في ذلك البيت فتاة أو أكثر شاهد القول أن تلك الفتاة قد تمكث أزماناً ولم يتقدم إليها أحد أو يتقدم لها من لا يصلح فتتعذب المسكينة في داخلها لكن الحياء يمنعها من إظهار ذلك!!! أيا ترى وفي مثل هذه الحال هل يمكن للولي أن يقوم بشيء في مصلحة ابنته؟؟ وجواب ذلك نقول: نعم ويؤجر عليه أجراً عظيماً ويثاب عليه وله سلف في ذلك، يمكنه أن يقوم بالبحث عن زوج يرضاه لابنته فيذكر له ذلك أو يوسط من يذكر له أن عنده فتاة في سن الزواج فلو تقدمت إليها، فإن رغب الشاب وإلا بحث عن غيره.
ولا يقال: إن هذا من العيب ونحو ذلك، دع عنك هذا الكلام واستمع إلى ما قاله الإمام البخاري ﵀ في الصحيح: بَاب عَرْضِ الْإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ، ثم ساق خبراً فيه أن عمر بن
стр. 51
الخطاب عرض ابنته حفصة على عثمان فلم يرغب ثم عرضها على الصديق فلم يرغب فتزوجها النبي ﷺ بعد ذلك فدخلت باب التشريف، وسميت بأم المؤمنين ﵃ أجمعين. (١)
ولما رأى صاحب مدين ما في موسى من الصفات الحسنة عرض عليه الزواج من إحدى ابنتيه فقال: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ القصص: ٢٧، وقال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: ليس من العيب أن يبحث الرجل عن زوج صالح لابنته أو أخته. أ. هـ.
стр. 52
الأمر الرابع: من براءة الذمة أن يخبر الولي الخاطب بما يكون في تلك المخطوبة من الأمور التي قد تحل عقد الزوجية إذا علم بها الزوج وذلك مثل العيب الخلقي الواضح أو المرض الخطير ونحو ذلك.
الأمر الخامس: السؤال والبحث عن حال الخاطب، وهذا من المسؤولية بمكان عظيم، فبعض الأولياء قد يتقدم إلى ابنته خاطب لم يكن عنده سابق علم به فيكتفي ببحث يسير أو معرفة عامة عن ذلك الخاطب، وهذا لا يكفي في هذا المقام، بل عليك أيها الولي أن تتحرى وتسأل حتى يتبين لك حاله أتم بيان فإما أن تقبله براحة أو ترده بقناعة.
الأمر السادس: يتهاون كثير من الأولياء في شأن الخاطب الذي يتهاون بالصلاة بحجة أن غيره كانوا على شاكلته ثم منَّ الله عليهم بالهداية، ولا ريب أن هذا من تلبيس الشيطان عليهم، وإلا فبأي وازع يسمح الولي لنفسه أن يزوج ابنته من رجل يتهاون بالصلاة؟ فمن لم يراقب الله ويقوم بما أوجب الله عليه فمن باب أولى ألا يقوم بحقوق زوجته وأولاده.
فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» . (١) ، وقال ﷺ وهو في فراش الموت «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ» . (٢)
أيها الأخوة في الله وللزوجة على زوجها حقوق كثيرة جدا منها:
أولاً:أن يعاشرها بالمعروف
استجابة لقوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ النساء: ١٩،ولقوله ﷺ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (٣)
стр. 55
والخيرية للمرأة ليست بالأثاث الفاخر والمنزل الكبير والسيارة الفاخرة!! لا، إنما أن تؤدي لها حقها.
فرسولنا ﷺ من خير الناس لنسائه، ومع ذلك كانت عائشة ﵂ تنام مع رسول الله ﷺ في غرفة ضيقة، فكان ﷺ (١) إذا سجد بالليل وهو يصلي غمز عائشة حتى يتمكن من أن يسجد فإذا قام من سجوده مدت رجلها.
لقد ضرب لنا النبي ﷺ مثلا أعلى في حسن معاملة زوجاته ﵅ فتعالوا بنا لندخل بيت رسول الله ﷺ ولنرى ماذا كان يجري بين تلك الجدران المباركة.
كان النبي ﷺ من أكثر الناس نساءً، فقد أباح الله له أن يتزوج ما شاء من النساء (٢) ، ولم يبح الله لأحد سوى نبيه صلى
стр. 56
الله عليه وسلم أن يتجاوز الأربع من الحرائر، وقد كان يتعامل ﷺ مع زوجاته بالعدل والإنصاف ويقسم بالسوية ولا يميل نحو هذه دون تلك، وقد ضرب أروع الأمثلة للأزواج في العدل بين نسائهم.
الرجل اليوم إذا كان عنده امرأة واحدة قلما يعطيها حقها كاملا بسبب قلة الدين والغفلة والجهل وحب الهوى وحب الذات وقلة ذات اليد وكثرة المتطلبات المعيشية، فكيف إذا كان عند الرجل أربع نساء، لا شك أنه أبعد ما يكون من العدل، إلا من رحم الله.
نبينا ﵊ كان عنده تسع نساء، ويقسم بينهن بالسوية في النفقة والكسوة، وفي الطعام، وفي المبيت، ويقرع بينهن إذا أراد أن يسافر، فأيها خرج سهمها خرجت معه، وكلهن يرضين بهذه القرعة من غير اعتراض.
стр. 57
وبلغ من معاشرته ﵊ لنسائه، أنه كان يداعب عائشة، وكان يناديها يا عائش على سبيل الترخيم والمداعبة، وبلغ منه ﵇ أنه يضع فمه في موضع فيها في الشرب من الإناء، بل أنه «كَانَ يَأْخُذُ الْعَرْقَ (١) فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ فَأَعْتَرِقُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فَيَعْتَرِقُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنْ الْعَرْقِ وَيَدْعُو بِالشَّرَابِ فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَآخُذُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فَيَشْرَبُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنْ الْقَدَحِ» (٢) .
بل أنه ﵊ بلغ من تواضعه ومداعبته أهله والتحبب إليها، أنه سابقها يوما في أول الزواج فسبقته، ثم إنه بعدُ تسابق
стр. 58
معها بعدما حملت اللحم - يعني أصبحت سمينة - فسبقها ﵇، وقال لها «هَذِهِ بِتِلْكَ» (١) .
وكان ﷺ يحزنه ما يحزن نساءه، ويسره ما يسرهن، فلما رأى عائشة في حجة الوداع قد حاضت ورجع الناس بحجة، فحزنت لذلك، أمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم لتأتي بعمرة تطييبا لخاطرها (٢) .
وكان النبي ﷺ في بيته عاملا مشاركا معينا لأهله، لا يفعل كما يفعل كثير من الأزواج اليوم، بقول: هذه زوجتي وهي مأمورة بخدمتي ولا علي، وإنما يجلس في بيته يضع رجلا على رجل يصدر الأوامر هات كذا، اذهبي، تعالي، افعلي كذا، ليس عنده شغل في البيت إلا إصدار الأوامر، لا يتحمل شيئا من المسؤوليات ولا التبعات.
стр. 59
غير أن النبي ﷺ كما تقول عائشة «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ» (١) ، أو يقوم في مهنة أهله، يعني ربما قام بالعمل الممتهن، وقد ثبت أنه ﵇ كان يعين أهله، ولا عيب على الرجل أن يعين أهله، إذا دخلت بيتك ووجدت أهلك مشغولة في عمل ما فتطلب الأمر منك مثلا - أن تعد رضاعة الحليب للبنت أو للطفل، ما الذي يضرك من ذلك؟ أو أن تحضر الطعام، فلا حرج في ذلك، ففي رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة.
ولقد ضرب النبي ﷺ المثل الأكمل والأمثل في عدله بين نسائه، ففي البيت كان يقسم الأيام بينهن، ويعطي كل ذي حق حقه. فصلوات ربي وسلامه عليه.
ثانيا: ومن حق الزوجة على زوجها أن يُطعمها، ويكسوها من الحلال، ويؤدبها كما أمره الله إذا رأى منها نشوزاً.
стр. 60
قال ﷺ : «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» (١) ، وقال ﷺ «أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» (٢) .
وأما نشوز المرأة - ويا للأسف أيها الأخوة ففي هذه الأيام إذا نشزت المرأة لم يحسن الزوج التعامل معها فتراه أما أن يضربها ضربا مبرحا أو أن يقوم بتطليقها وللأسف الشديد وذلك جهلا منه وعدم معرفة -.
فتعالوا لنرى كيف عالج النبي ﷺ نشوز المرأة: كان ﵇ رفيقا، لم يثبت عنه ﵇ أنه ضرب زوجة أو
стр. 61
خادما أبدا، وقال ﵇ يوما «لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ» (١) .
وقد أباح الشرع للرجل ضرب زوجته أحيانا عند الحاجة والضرورة، وبشروط وحالات خاصة، وعلى مراحل، فلا يصار ولا يلجأ إلى الضرب، من أول مرة، وهناك صفة لهذا الضرب وهو: أن يكون ضربا غير مبرح لا يكسر ولا يورم ولا يجرح ولا يدمي، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ النساء: ٣٤، فجعل الضرب في المرحلة الثالثة، وقبل الضرب أباح الشرع للرجل أن يعلق السوط أو العصا ليرهب أهله (٢) ، ليريهم أن العصا حاضرة، وأنه ممكن أن يلجأ إليها في بعض
стр. 62
الأحوال حين يقتضي الأمر ذلك. وقدم الوعظ والإرشاد والزجر على الضرب. والهجر في المضجع يكون بأن يبيت معها في الفراش ويليها ظهره، وهذا أشد إيلاما من الضرب خصوصا للمرأة التي اعتادت زوجها وأحبته وتعلق قلبها به، فضرب النساء ليس بطولة.
وقد حدثني أحدهم عن رجل ضرب زوجته فكان يلكمها وكأنه في حلبة للملاكمة فكانت إذا أغمي عليها جاء برأس من البصل فيضعه على أنفها لتستيقظ ومن ثم يعاود ضربها؛ فبئس الزوج هذا الذي يضرب زوجته ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثا: ومن حق الزوجة على زوجها أن يعطيها حقها في الفراش.
قال الله تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٢٨، قال ابن عباس ﵄: (إنِّي أُحِبّ أَنْ أَتَزَيَّن لِلْمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبّ أَنْ تَتَزَيَّن لِي) (١) ، و «آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي
стр. 63
الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ سَلْمَانُ» (١) .
رابعا: ومن حق الزوجة على زوجها أن يحفظ سرها عامة، وسر الفراش خاصة.
وهذا أيها الأخوة والله ما عاد الرجل يرقب فيه إلّا ولا ذمة لا سيما أن الذمم قد ضعفت في هذه الأيام فترى الرجل ما أن يتزوج حتى
стр. 64
يخبر أصدقاءه بما فعل في تلك الليلة، إلا من رحم ربي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول النبي ﷺ «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (١)
خامسا: الصبر على أذى النساء.
فقد كان ﵊ يصبر على أذى النساء وربما كانت نساؤه يراجعنه في الأمر، وفي الحديث عن النبي ﷺ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» . (٢)
المرأة هي المرأة خلقت هكذا، فيها اعوجاج، فيها خير وفيها شر، فعليك يا مسلم يا عبد الله أن تستمتع بها وأن ترفق بها، إذا ابتغيت امرأة
стр. 65
كاملة الأوصاف فلن تجد وهيهات هيهات، قال ﷺ : «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (١)
ويحسن بنا أن نختم هذا الموضوع بما ذكره الإمام ابن حزم من بيان مجمل لأخلاق النبي ﷺ ، قال ﵀ (٢) : (كان رسول الله ﷺ على خلقٍ عظيم، كما وصفه ربه تعالى. وكان صلوات الله عليه وسلامه أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، لم تمس قط يده امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرمٍ منه. وكان ﵊ أسخى الناس، لا يثبت عنده دينار ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يعطيه ويجنه الليل، لم يأو منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله تعالى إلا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من الشعير والتمر،
стр. 66
ويضع سائر ذلك في سبيل الله تعالى. لا يسأل لله شيئاً إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى يحتاج قبل انقضاء العام.
يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن. أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، يجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها ويأكلها. ولا يقبل الصدقة ولا يأكلها، تستعتبه الأمة والمسكين، فيتبعها حيث دعواه، ولا يغضب لنفسه، ويغضب لربه، وينفذ الحق وإن عاد ذلك بالضرر عليه وعلى أصحابه، يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ومرة يأكل ما وجد، لا يرد ما حضر، ولا يتكلف ما لم يحضر، ولا يتورع عن مطعم حلال، إن وجد تمراً دون خبز أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أكله، وإن وجد حلواء أو عسلاً أكله، وإن وجد لبناً دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخاً أو رطباً أكله.
لا يأكل متئكاً ولا على خوان، منديله باطن قدميه، لم يشبع من خبز بر ثلاثاً تباعاً حتى لقي الله تعالى، إيثاراً على نفسه، لا فقراً، ولا بخلاً. يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز. يمشي وحده بين
стр. 67
يدي أعدائه بلا حارس. أشد الناس تواضعاً، وأسكتهم في غير كبر، وأبلغهم في غير تطويل، وأحسنهم بشراً. لا يهوله شيء من أمور الدنيا. ويلبس ما وجد، فمرة شملة، ومرة برد حبرة يمانياً، ومرة جبة صوف، ما وجد من المباح، لبس خاتم فضة، فصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما في الأيسر.
يردف خلفه عبده أو غيره. يركب ما أمكنه، مرة فرساً، ومرة بعيراً، ومرة حماراً، ومرة بغلة شهباء، ومرة راجلاً حافياً بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة. يعود كذلك المرضى في أقصى المدينة. يحب الطيب، ويكره الريح الرديئة. يجالس الفقراء، ويواكل المساكين، ويلزم أهل في أخلاقهم، ويستألف أهل الشرف بالبر لهم. يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر. يمزح ولا يقول إلا حقاً، يضحك في غير قهقة، ويرى اللعب المباح فلا ينكره. ويسابق أهله على الأقدام، ويرفع الأصوات عليه فيصبر.
стр. 68
له لقاح (١) وغنم، يتقوت هو أهله من ألبانها. وله عبيد وإماء، لا يتفضل عليهم في مأكل ولا ملبس. ولا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى، أو فيما لابد له من صلاح نفسه. يخرج إلى بساتين أصحابه، ويقبل البر اليسير، ويشرب النبيذ الحلو. ولا يحقر مسكيناً لفقره وزمانته، ولا يهاب ملكاً لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله تعالى مستوياً.
أُطعم السم، وسحر، فلم يقتل من سمه، ولا من سحره، إذ لم ير عليهما قتلاً، ولو وجب ذلك عليها لما تركهما. قد جمع الله له السيرة الفاضلة، والسياسة التامة. وهو ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، ونشأ في بلاد الجهل والصحارى، في بلد فقر، وذي رعية غنم. ورباه الله تعالى محفوفاً باللطف، يتيماً لا أب له، ولا أم، فعلمه الله جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة. وأوحى إليه جل وعلا أخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا، ولزوم الواجب، وترك الفضول من كل شيء. وفقنا الله تعالى
стр. 69
لطاعته ﵊ في أمره، والتأسي به في فعله، إلا فيما يخص به، آمين) ا. هـ
стр. 70
رسالة إلى الأزواج.... فقط !! (١)
إن من المُشَاهَد على الواقع؛ أن كل إنسان ينظر إلى حقوقه في الدنيا بنظرة المتعطش اللهفان على تحقيقها وتلبيتها، وهذا لن يتحقق له لأن هذه فطرة الله تعالى في خلقه في هذه الدنيا ـ همّ حزن غضب رضا صفاء كدر سعادة نكد ـ، بل ويطالب بها بكل ما أوتي من قوة، وإن من أبرز المطالِبين بحقوقهم نحو الفريق الآخر؛ هم الرجال.
فالزوج يطالب زوجته بأن تكون زوجة مثالية، ودودة، عطوفة، مجيبة ومطيعة لأوامره، متجملة متزينة جذابة ... الخ.
وفي المقابل بعض الأزواج يكيلون الإهانات لزوجاتهم، ويضيعون الحقوق الواجبة عليهم تجاههن. نعم للزوج حقوق واجبة على زوجته، ولكن أين حقوق الزوجة عند زوجها؟
стр. 71
فالزوجة تتساءل؛ الكُتّاب يكتبون، والمطابع تنتج لنا الكتب العديدة المختلفة الأساليب في بيان حقوق الزوج على زوجته، بينما نرى القليل من هذا الكمّ الهائل من المؤلفات؛ يتكلم عن حقوق الزوجة على زوجها، أوليس لنا نصيب من الحقوق فتوجه النصائح نحو أزواجنا كي تعتدل الكفة بالنصائح والتوجيهات ولتستقيم الحياة الزوجية وتستقر، مع علمنا أن الشريعةلم تُهمل هذا الجانب؟!
فنقول: بلى. إن للزوجة على زوجها حقوقاً كثيرة، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ النساء:١٩
قال السعدي (١) : (وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة
стр. 72
والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال) .
قال ابن عباس ﵄: (إنِّي أُحِبّ أَنْ أَتَزَيَّن لِلْمَرْأَةِ , كَمَا أُحِبّ أَنْ تَتَزَيَّن لِي ; لِأَنَّ اللَّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة:٢٢٨، وما أحب أن أستوفي جميع حقي عليها لأن الله يقول ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ البقرة:٢٢٨) . (١) ، وأعلى من قول ابن عباس؛ قول النبي الكريم ﷺ في الحديث الصحيح، أنه سئل «مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» (٢) .
стр. 73
وفي خِضَم مطالبة البعض بحقوق المرأة، وهم في الحقيقة يطالبون بخروج المرأة في الشارع ومزاحمة الرجال.
ونحن نقول: لا، ليس هذا الذي نطالب به، ولكننا نقول: إن للمرأة - وأخصص هنا - (الزوجة) حقوقاً مشروعة نطالب بها الأزواج، فشتان بين تلك المطالب وبين ما نطالب به.
وسأخاطب كل فئة من الأزواج بما فيهم من اعوجاج؛ لعلهم يقيمون ذلك الإعوجاج كي يسعدوا في حياتهم الزوجية، وسأخاطب البعض بالعقل، من باب قول علي ﵁: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ) (١) ، وسأتكلم بكلمات بسيطة ولن أتكلف في انتقاء العبارات، كي تصل إلى القلوب، وأن نصل إلى الغاية المنشودة، وهي التقليل والتخفيف من المشاكل الأسرية التي كثُرت في هذا الزمن بسبب الجهل أو التجاهل من الأزواج بالحقوق التي عليهم نحو زوجاتهم، ولا نقول أن المشاكل ستنقطع؛ بل هي الحياة الدنيا:
стр. 74
فأبدأ بذلك الرجل: التارك للصلاة
فأقول له: ألا تستصغر نفسك إذا رأيت زوجتك وهي تصلي؟
ألا تحتقر نفسك إذا وجّهتك زوجتك وأيقظتك للصلاة؛ وأنت معاند لها؟
كيف تريد السعادة في بيتك وأنت تارك لركن من أركان الإسلام؟
كيف ترغب في الاطمئنان في حياتك الزوجية؛ وأنت لاهٍ عن ذكر الله؛ وإن الصلاة من ذكر الله تعالى؟
كيف تريد أن تسعد بالحلال مع زوجتك؟
والرسول ﷺ يقول: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (١) ،وقال: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ» (٢) .
стр. 75
الرجل الثاني:صاحب السهر بالليل خارج الدار إلى منتصف الليل وقد يمتد إلى الفجر
فأقول له: يا من تخرج من بيتك وتطيل السهر في لعب الورقة والشطرنج والطاولة.. وغيرها من اللهو المحرم كالذين يسهرون أما شاشات الفضائيات الإباحية، وأفلام الفيديو، والأغاني والموسيقى، والمسلسلات الخليعة، أو على المسكرات والمخدرات.
أقول لهم اتقوا الله وراقبوه، أما تخشى أن يتسلط الشيطان على زوجتك؛ فيخرجها من البيت ... فتقع في ... ـ كما خرجت أنت ـ في ظل غيابك عن بيتك؟!
ثم ماذا تريد الزوجة عندما خرجت من بيت والديها إلى عش الزوجية؟!