← Сияса и кади

Сияса и кади · id 22881

الأحكام السلطانية للماوردي

الماوردي

Полный текст (372 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بتوقيعات ولاة الأمور استعرضها، وكان الحكم فيها على ما قدمنا من أحكام التوقيعات. وأما الرابع: وهو محاسبة العمال: فيختلف حكمها باختلاف ما تقلَّدوه، وقد قدمنا القول فيها، فإن كانوا من عمَّال الخراج لزمهم رفع الحساب، ووجب على كاتب الديوان محاسبتهم على صحة ما رفعوه، وإن كانوا من عمَّال العشر لم يلزمهم على مذهب الشافعي رفع الحساب، ولم يجب على كاتب الديوان محاسبتهم عليه؛ لأن العشر عنده صدقة لا يقف مصرفها على اجتهاد الولاة، ولو تفرَّد أهلها أجزأت، ويلزمهم على مذهب أبي حنيفة رفع الحساب، ويجب على كاتب الديوان محاسبتهم عليه؛ لأنَّ مصرف الخراج والعشر عنده مشترك، وإذا حوسب من وجبت عليه محاسبته من العمَّال نظر، فإن لم يقع بين العامل وكاتب الديوان حلف كان كاتب الديوان مصدقًا في بقايا الحساب، فإن استراب به وليّ الأمر كلَّفه إحضاره شواهده، فإن زالت الريبة عنه سقطت اليمين فيه، وإن لم تزل الريبة وأراد ولي الأمر الإحلاف على ذلك أحلف العامل دون كاتب الديوان؛ لأنَّ المطالبة متوجهة على العامل دون الكاتب، وإن اختلفا في الحساب نظر، فإن كان اختلافهما في دخل، فالقول فيه قول العامل؛ لأنه منكر، وإن كان اختلافهما في خراج، فالقول فيه قول الكاتب؛ لأنه منكر، وإن كان اختلافهما في مساحة تمكن إعادتها اعتبرت بعد الاختلاف، وعمل فيها على ما يخرج بصحيح الاعتبار. وأما الخامس: وهو إخراج الأحوال، فهو استشهاد صاحب الديوان على ما ثبت فيه من قوانين وحقوق، فصار كالشهادة واعتبر فيه شرطان: أحدهما: أن لا يخرج من الأموال إلّا ما علم صحته كما لا يشهد إلَّا بما علمه وتحققه. والثاني: أن لا يبتدئ بذلك حتى يُسْتَدعَى منه كما لا يشهد حتى يستشهد، والمستدعَى لإخراج الأحوال من نفذت توقيعاته، كما أنَّ المشهود عنده من نفذت أحكامه، فإذا أخرج حالًا لزم الموقع بإخراجها والأخذ بها والعمل عليها، كما يلزم الحاكم تنفيذ الحكم بما يشهد به الشهود عنده، فإن استراب الموقع بإخراج الحال جاز أن يسأله من أين أخرجه، ويطالبه بإحضار شواهد الديوان بها، وإن لم يجز أن يسأل شاهدًا عن سبب شهادته، فإن أحضرها ووقع في النفس صحتها زالت عنه الريبة، وإن عدمها وذكر أنه أخرجها من حفظه؛ لتقدم

стр. 317

علمه بها صار معلول القول، والموقع مخير بين قبول ذلك منه أو رده عليه، وليس له استخلافه. وأما السادس: وهو تصفّح الظلامات، فهو يختلف بسبب اختلاف التظلم، وليس يخلو من أن يكون المتظلم من الرعية أو من العمال، فإن كان المتظلم من الرعية تظلم من عامل تحيفه في معاملته كان صاحب الديوان فيها حاكمًا بينهما، وجاز له أن يتصفح الظلامة١ ويزيل التحيف٢، سواء وقع النظر إليه بذلك أو لم يقع؛ لأنه مندوب لحفظ القوانين واستيفاء الحقوق، فصار بعقد الولاية مستحقًّا لتصفح الظلامة، فإن منع منها امتنع وصار عزلًا عن بعض ما كان إليه، وإن كان المتظلم عاملًا جوزف في حساب، أو غولط في معاملة صار صاحب الديوان فيها خصمًا، وكان المتصفح لها والي الأمر.

стр. 318

الباب التاسع عشر: في أحكام الجرائم مدخل ... الباب التاسع عشر: في أحكام الجرائم الجرائم محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحدّ أو تعزيز١، ولها عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجبه الأحكام الشرعية. فأمَّا حالها بعد التهمة وقبل ثبوتها وصحتها فمعتبر بحال النظر فيها، فإن كان حاكمًا رفع إليه رجل قد اتُّهم بسرقة أو زنًا، لم يكن لتهمة بها تأثير عنده؛ ولم يجز أن يحبسه لكشف ولا استبراء، ولا أن يأخذه بأسباب الإقرار إجبارًا، ولم يسمع الدعوى عليه في السرقة إلَّا من خصم مستحق لما قرف، وراعى ما يبدو من إقرار المتهوم أو إنكاره؛ إن اتهم بالزنا لم يسمع الدعوى عليه إلَّا بعد أن يذكر المرأة التى زنى بها، ويصف ما فعله بها مما يكون زنًا موجبًا للحدِّ، فإن أقرَّ حده بموجب إقراره، وإن أنكر وكانت بينة سمعها عليه، وإن لم تكن أحلفه في حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى إذا طلب الخصم اليمين٢. وإن كان الناظر الذي رفع إليه هذا المتهوم أميرًا، أو من أولاد الأحداث والمعاون، كان له مع هذا المتهوم من أسباب الكشف والاستبراء ما ليس للقضاة والحكام، وذلك من تسعة أوجه يختلف بها حكم الناظرين: أحدها: أنه لا يجوز للأمير أن يسمع قرف٣ المتهوم من أعوان الإمارة من غير تحقيق للدعوى المقررة ويرجع إلى قولهم في الإخبار عن حال المتهوم، وهل هو من أهل الريب؟

стр. 319

وهل هو معروف بمثل ما قرف به أم لا؟ فإن برؤوه من مثل ذلك خفت التهمة، ووضعت وعجل إطلاقه ولم يغلظ عليه، وإن قرفوه بأمثاله وعرفوه بأشباهه غلظت التهمة وقويت واستعمل فيها من حال الكشف ما سنذكره، وليس هذا للقضاة. والثاني: أن للأمير أن يراعي شواهد الحال، وأوصاف المتهوم في قوة التهمة وضعفها، فإن كانت التهمة زنا، وكان المتهوم مطيعًا للنساء ذا فكاهة وخلابة قويت التهمة، وإن كان بضده ضعفت، وإن كانت التهمة بسرقة، وكان المتهوم بها ذا عيارة١، أو في بدنه آثار ضرب، أو كان معه حين أخذ منقب قويت التهمة، وإن كان بضده ضعفت وليس هذا للقضاة أيضًا. والثالث: أنَّ للأمير أن يجعل حبس المتهوم للكشف والاستبراء، واختلف في مدة حبسه لذلك، فذكر عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي أن حبسه للاستبراء، والكشف مقدَّر بشهر واحد لا يتجاوزه. وقال غيره: بل ليس بمقدر، وهو موقوف على رأي الإمام واجتهاده وهذا أشبه٢، وليس للقضاة أن يحبسوا أحدًا إلا بحق وجب. والرابع: أن يجوز للأمير مع قوة التهمة أن يضرب المتهوم ضرب التعزيز لا ضرب الحد؛ ليأخذه بالصدق عن حاله فيما قرف به واتهم، فإن أقر وهو مضروب، اعتبرت حالة فيما ضرب عليه، فإن ضرب لم يكن لإقراءه تحت الضرب حكم، وإن ضرب ليصدق عن حالة وأقرَّ تحت الضرب قطع ضربه واستعيد إقراره، فإذا أعاده كان مأخوذًا بالإقرار الثاني دون الأول، فإن اقتصر على الإقرار ولم يستعده لم يضيق عليه أن يعمل بالإقرار الأول، وإن كرهناه. والخامس: أنه يجوز للأمير فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجز عنها بالحدود ان يستديم حبسه إذا استضرَّ الناس بجرائمه حتى يموت بعد أن يقوم بقوته وكسوته من بيت المال؛ ليدفع ضرره عن الناس، وإن لم يكن ذلك للقضاة.

стр. 320

والسادس: أنه يجوز للأمير إحلاف المتهوم استبراء لحاله، وتغليظًا عليه في الكشف عن أمره في التهمة بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، ولا يضيق عليه أن يجعله بالطلاق والعتاق والصدقة كالإيمان بالله في البيعة السلطانية١، وليس للقضاة إحلاف أحد على غير حق، ولا أن يجاوز الإيمان بالله إلى الطلاق أو العنق. والسابع: أن للأمير أن يأخذ أهل الجرائم بالتوبة إجبارًا، ويظهر من الوعيد عليهم ما يقودهم إليها طوعًا، ولا يضيق عليهم الوعيد بالقتل فيما لا يجب فيه القتل؛ لأنه وعيد إرهاب يخرج عن حد الكذب إلى حيز التعزيز والأدب، ولا يجوز أن يحقق وعيده بالقتل، فيقتل فيما لا يجب فيه القتل. والثامن: أنَّه لا يجوز للأمير أن يسمع شهادات أهل الملل، ومن لا يجوز أن يسمع منه القضاة إذا كثر عددهم. والتاسع: أن للأمير النظر في المواثبات، وإن لم توجد غرمًا ولا حدًّا، فإن لم يكن بواحد منهما أثر سمع قول من سبق بالدعوى، وإن كان بأحدهما أثر فقد ذهب بعضهم إلى أنه يبدأ بسماع دعوى من به الأثر ولا يراعي السبق. والذي عليه أكثر الفقهاء أنَّه يسمع قول أسبقهما بالدعوى، ويكون المبتدئ بالمواثبة٢ أعظمهما جرمًا وأغلظهما تأديبًا، ويجوز أن يخالف بينهما في التأديب من وجهين: أحدهما: بحسب اختلافهما في الاقتراف والتعدي. والثاني: بحسب اختلافهما في الهيبة والتصاون، وإذا رأى من الصلاح في ردع السفلة أن يشهّرهم وينادي عليهم بجرائمهم ساغ له ذلك، فهذه أوجه يقع بها الفرق في الجرائم بين نظر الأمراء والقضاة في حال الاستبراء وقبل ثبوت الحد لاختصاص الأمير بالسياسة، واختصاص القضاة بالأحكام.

стр. 321

فصل: وأما بعد ثبوت جرائمهم، فيستوي في إقامة الحدود عليهم أحوال الأمراء والقضاة، وثبوتها عليهم يكون من وجهين: إقرار وبينة، ولكل واحد منهما حكم يذكر في موضعه. والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر به لما في الطمع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرًا من ألم العقوبة، وخيفة من نكال الفضيحة؛ ليكون ما حظر من محارمه ممنوعًا، وما أمر به من فروضه متبوعًا، فتكون المصلحة أعمّ والتكليف أتم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] : يعني في استنقاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة، وكفِّهم عن المعاصي وبعثهم على الطاعة. وإذا كان كذلك فالزواجر ضربان: حد وتعزيز: فأما الحدود فضربان: أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى. والثاني: ما كان من حقوق الآدميين. فأما المختصة بحقوق الله تعالى فضربان: أحدهما: ما وجب في ترك مفروض. والثاني: ما وجب في ارتكاب محظور، فأما ما وجب في ترك مفروض كتارك الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها يسأل عن تركه لها، فإن قال: لنسيان أمر بها قضاء في وقت ذكرها ولم ينتظر بها مثل وقتها، قال رسول الله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فذلك وقتها لا كفارة لها غير ذلك" ١. وإن تركها لمرض صلاها بحسب طاقته من جلوس أو اضطجاع، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

стр. 322

وإن تركها جاحدًا لوجوبها كان كافرًا، حكمه حكم المرتدِّ يقتل بالردة إذا لم يتب، وإن تركها استثقالًا لفعلها مع اعترافه بوجوبها، فقد اختلف الفقهاء في حكمه، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يضرب في وقت كل صلاة ولا يقتل، قال أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث: يصير بتركها كافرًا يقتل بالردة. وذهب الشافعي إلى أنه لا يكفر بتركها، ولا يقتل حدًّا، ولا يصير مرتدًّا، ولا يقتل إلَّا بعد الاستتابة، فإن تاب وأجاب إلى فعلها ترك وأمر بها، فإن قال: أصليها في منزلي وكلت إلى أمانته، ولم يجبر على فعلها بمشهد من الناس، وإن امتنع من التوبة، ولم يجب إلى فعل الصلاة قتل بتركها في الحال على أحد القولين، وبعد ثلاثة أيام في القول الثاني، ويقتله بسيف صبرًا. وقال أبو العباس بن سريج١: يقتله ضربًا بالخشب حتى يموت ويعدل عن السيف الموحَّى؛ ليستدرك التوبة بتطاول المدى. واختلف أصحاب الشافعي في وجوب قتله بترك الصلوات الفوائت إذا امتنع من قضائها، فذهب بعضهم إلى أن قتله بها كالموقتات، وذهب آخرون إلى أنه لا يقتل بها لاستقرارها في الذمة بالفوات، ويصلَّى عليه بعد قتله، ويدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه منهم ويكون ماله لورثته. فأما تارك الصيام فلا يقتل بإجماع الفقهاء، ويحبس عن الطعام والشراب مدة صيام شهر رمضان، ويؤدب تعزيزًا، فإن أجاب إلى الصيام ترك، ووكل إلى أمانته، فإن شوهد آكلًا عزِّر ولم يقتل. وأما إذا ترك الزكاة فلا يقتل بها، وتؤخذ إجبارًا من ماله، ويعزَّر إن كتمها بغير شبهة، وإن تعذر أخذها لامتناعه حورب عليها، وإن أفضى الحرب إلى قتله حتى تؤخذ منه كما حارب أبو بكر الصديق مانعي الزكاة.

стр. 323

وأما الحجّ ففرضه عند الشافعي على التراخي ما بين الاستطاعة والموت، فلا يتصور على مذهبه تأخيره عن وقته، وهو عند أبي حنيفة على الفور، فيتصور على مذهبه تأخيره عن وقته، ولكنه لا يقتل به ولا يعزَّر عليه؛ لأنه يفعله بعد الوقت أداء لا قضاء، فإن مات قبل أدائه حج عنه من رأس ماله. وأما الممتنع من حقوق الآدميين من ديون وغيرها فتؤخذ منه جبرًا إن أمكن، ويحبس بها إذا تعذّرت، إلَّا أن يكون بها معسرًا، فينظر إلى ميسرة، فهذا حكم ما وجب بترك المفروضات. واما ما وجب بارتكاب المحظورات فضربان: أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى وهي أربعة: حد الزنا، وحد الخمر، وحد السرقة، وحد المحاربة. والضرب الثاني: من حقوق الآدميين شيئان: حد القذف بالزنا، والقذف في الجنايات، وسنذكر كل واحد منهما مفصَّلًا.

стр. 324

الفصل الأول: في حد الزنا الزنا هو تغيب البالغ العاقل حشفة ذكره في أحد الفرجين من قُبُلٍ أو دُبُرٍ ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة، وجعل أبو حنيفة الزنا مختصًّا بالقُبُل دون الدبر، ويستوي في حد الزنا حكم الزاني والزانية، ولكل واحد منهما حالتان: بكر ومحصن، أما البكر فهو الذي لم يطأ زوجة بنكاح، فيحد إن كان حرًّا مائة سوط تفرق في جميع بدنه، إلَّا الوجه والمقاتل، ليأخذ كل عضو حقه، بسوط لا جديد فيقتل، ولا خلق فلا يؤلم، واختلف الفقهاء في تغريبه مع الجلد، فمنع منه أبو حنيفة اقتصارًا على جلده. وقال مالك: يغرَّب الرجل ولا تغرَّب المرأة، وأوجب الشافعي تغريبها عامًا عن بلدها إلى مسافة أقلها يوم وليلة، ولقوله ﷺ : "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ١. وحد الكافر والمسلم سواء عند الشافعي في الجلد والتغريب. وأما العبد ومن جرى عليه حكم الرق من المدبّر والمكاتب وأم الولد، فحدهم في الزنا خمسون جلدة على النصف من الحر لنقصهم بالرق، واختلف في تغريب من رق منهم فقيل: لا يغرَّب لما في التغريب من الإضرار بسيده، وهو قول مالك، وقيل: يغرَّب عامًا كاملًا كالحر، وظاهر مذهب الشافعي أن يغرَّب نصف عام كالجلد في تنصيفه، وأما المحصن فهو الذي أصاب زوجته بنكاح صحيح، وحده الرجم بالأحجار، أو ما قام مقامها حتى يموت، ولا يلزم توفي مقاتله، بخلاف الجلد؛ لأنَّ المقصود بالرجم القتل، ولا يجلد مع الرجم. وقال داود: يجلد مائة سوط ثم يرجم، والجلد منسوخ في المحصن. وقد رجم النبي ﷺ ماعزًا ولم يجلده. وليس الإسلام شرطًا في الإحصان، فيرجم الكافر كالمسلم، وقال أبو حنيفة: الإسلام شرط في الإحصان، فإذا زنى الكافر جلد ولم يرجم، وقد رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا

стр. 325

ولا يرجم إلّا محصنًا، فأمَّا الحرية فهي من شروط الإحصان، فإذا زنى العبد لم يرجم، وإن كان ذا زوجة جلد خمسين، وقالد داود: يرجم كالحر. واللواط وإتيان البهائم زنًا يوجب جلد البكر، ورجم المحصن، وقيل: بل يوجب قتل البكر والمحصن. وقال أبو حنيفة: لا حدَّ فيها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتلوا البهيمة ومن أتاها" ١. وإذا زنى البكر بمحصنة أو المحصن بالبكر جُلِدَ البكر منهما ورُجِمَ المحصن، وإذا عاود الزنا بعد الحد حدَّ، وإذا زنى مرارًا قبل الحدِّ حد للجميع حدًّا واحدًا. والزنا يثبت بأحد أمرين: إمَّا بإقرار أو بينة. فأما الإقرار: فإذا أقرَّ البالغ العاقل بالزنا مرة واحدة طوعًا أقيم عليه الحد. وقال أبو حنيفة: لا آخذه حتى يقرَّ أربع مرات، وإذا وجب الحد عليه بإقراره، ثم رجع عنه قبل الجلد سقط عند الحد. وقال أبو حنيفة: لا يسقط الحد برجوعه عنه. وأما البينة: فهو أن يشهد عليه بفعل الزنا أربعة رجال عدول لا امرأة فيهم، يذكرون أنهم شاهدوا دخول ذكره في الفرج كدخول المرود في المكحلة، فإن لم يشاهدوا ذلك على هذه الصفة فليست شهادة، فإذا قاموا بالشهادة على حقها مجتمعين أو متفرقين قبلت شهادتهم. وقال أبو حنيفة ومالك: لا أقبلها إذا تفرقوا في الأداء وأجعلهم قذفة. وإذا شهدوا بالزنا بعد سنة أو أكثر سمعت شهادتهم. وقال أبو حنيفة: لا أسمعها بعد سنة وأجعلهم قذفة، وإذا لم يكمل شهود الزنا أربعة فهم قذفة يُحَدُّون في أحد القولين ولا يحدون في الثاني. وإذا شهدت البينة على إقراره بالزنا جاز الاقتصار على شاهدين في أحد القولين. ولا يجوز في القول الثاني أقلّ من أربعة، وإذا رجم الزاني بالبينة حفرت له بئر عند رجمه ينزل فيها إلى وسطه يمنعه من الهرب، فإن هرب أتبع، ورُجِمَ حتى يموت، وإن رجم بإقراره لم تحفر له، وإن هرب لم يتبع. ويجوز للإمام أو من حكم برجمه من الولاة أن يحضر رجمه، ويجوز أن لا يحضر. وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلّا بحضور من حكم برجمه؛ وقد قال النبي ﷺ : "اغد يا أنيس على هذه

стр. 326

المرأة فإن اعترفت فارجمها" ١. ويجوز أن لا يحضر الشهود رجمه. وقال أبو حنيفة: يجب حضورهم وأن يكونوا أول من يرجمه؛ ولا تحدّ حامل حتى تضع، ولا بعد الوضع حتى يوجد لولدها مرضع إذا ادَّعى في الزنا شبهة محتملة من نكاح فاسد، أو اشتبهت عليه بزوجته، أو جهل تحريم الزنا وهو حديث الإسلام درئ بها عند الحد. قال النبي ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات"٢. وقال أبو حنيفة: إذا اشتبهت عليه الأجنبية لزوجته لم يكن ذلك شبهة له وحد من أصابها، وإذا أصاب ذات محرم بعقد نكاح حد، ولا يكون العقد مع تحريمها بالنص شبهة في درء الحد؛ وجعله أبو حنيفة شبهة يسقط بها الحد عنه. وإذا تاب الزاني بعد القدرة عليه لم يسقط عند الحد، ولو تاب قبل القدرة عليه يسقط عند الحد في أظهر القولين، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] . وفي قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ تأويلان: أحدهما: بجهالة سوء. والثاني: لغلبة الشهوة مع العلم بأنَّها سوء وهذا أظهر التأويلين، ولكن من جهل بأنها سوء لم يأثم بها، ولا تحل لأحد أن يشفع في إسقاط حد عن زانٍ ولا غيره، ولا يحل للمشفوع إليه أن يشفع فيه، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] . وفي الحسنة والسيئة ثلاث تأويلات: أحدها: أن الشفاعة الحسنة التماس الخير لمن يشفع له، والشفاعة السيئة التماس الشر له، وهذا قول الحسن ومجاهد. والثاني: أنَّ الحسنة الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والسيئة الدعاء عليهم. والثالث: وهو محتمل، أنَّ الحسنة تخليصه من الظلم والسيئة دفعه عن الحق. وفي الكفل تأويلان:

стр. 327

أحدهما: الإثم، وهو قول الحسن. والثاني: أنه النصيب، وهو قول السدي١.

стр. 328

الفصل الثاني: في قطع السرقة كل مال محرز بلغت قيمته نصابًا إذا سرقه بالغ عاقل لا شبهة له في المال ولا في حرزه قطعت يده اليمني من مفصل الكوع، فإن سرق ثانية بعد قطعه، إما من ذلك المال بعد إحرازه، أو من غيره، قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، فإن سرق ثالثة قال أبو حنيفة: لا يقطع فيها، وعند الشافعي تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وإن سرق خامسة عزّر ولم يقتل، وإن سرق مرارًا قبل القطع فليس عليه إلّا قطع واحد. واختلف الفقهاء في قدر النصاب الذي تقطع فيه اليد، فذهب الشافعي إلى أنه مقدَّر بما تبلغ قيمته ربع دينار فصاعدًا من غالب الدنانير الجيدة. وقال أبو حنيفة: هو مقدر بعشرة دراهم أو دينار، ولا يقطع في أقلّ منه. وقدَّره إبراهيم النخعي بأربعين درهمًا أو أربعة دنانير، وقدره ابن أبي ليلى بخمسة دراهم، وقدره مالك بثلاثة دراهم، قال داود: يقطع في الكثير والقليل من غير تقدير. واختلف الفقهاء في المال الذي تقطع فيه اليد، فذهب الشافعي إلى أنه يقطع في كل مال حرم على سارقه. وقال أبو حنيفة: لا يقطع فيما كان أصله مباحًا كالصيد والحطب والحشيش، وعند الشافعي يقطع فيه بعد تملكه، وقال أبو حنيفة: لا يقطع في الطعام الرطب، وعند الشافعي يقطع فيه. وقال أبو حنيفة: لا يقطع سارق المصحف، وعند الشافعي يقطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع إذا سرق من قناديل المسجد أو أستار الكعبة، وعند

стр. 329

الشافعي يقطع. وإذا سرق عبد صغير لا يعقل أو أعجمي لا يفهم قطع عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقطع. ولو سرق صبي صغير لم يقطع، وقال مالك: يقطع. واختلف الفقهاء في الحرز، فشذَّ عنهم داود ولم يعتبره، وقطع كل سارق من حرز [أو من غير حرز، وذهب جمهورهم إلى اعتبار الحرز في وجوب القطع، وأنه لا قطع على من سرق من غير حرز، روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في حريسة الخيل حتى تولي إلى معاقلها". وهكذا لو استعار فجحد لم يقطع، وقال أحمد بن حنبل: يقطع, واختلف في جعل الحرز شرطًا في صفته، فسوى أبو حنيفة بين الأحراز في كل الأموال، وجعل حرز أقل الأموال حرز أجلها، والأحراز عند الشافعي تختلف باختلاف الأموال اعتبارًا بالعرف فيها. فيخف الحرز فيما قلَّت قيمته من الخشب والحطب، ويغلظ ويشتد فيما كثرت قيمته من الذهب والفضة، فلا يجعل حرز الفضة والذهب، فيقطع سارق الخشب منه، ولا يقطع سارق الذهب والفضه منه، ويقطع نباش القبور إذا سرق أكفان موتاها؛ لأن القبور أحراز لها في العرف، وإن لم تكن أحرازًا لغيرها من الأموال. وقال أبو حنيفة: لا يقطع النباش؛ لأنَّ القبر ليس بحرز لغير الكفن. وإذا شد الرجل متاعه على بهيمة سائرة كما جرت العادة بمثله فسرق سارق من المتاع ما بلغت قيمته ربع دينار قطع؛ لأنه سارق من حرز، ولو سرق البهيمة وما عليها لم يقطع؛ لأنه سرق الحرز والمحروز، ولو سرق إناء من فضة أو ذهب قطع، وإن كان استعماله محظورًا؛ لأنه مال مملوك، سواء كان فيه طعام أو لم يكن. وقال أبو حنيفة: إن كان في الإناء المسروق طعام أو شراب أو ماء مشروب فشربه لم يقطع، ولو أفرغ الإناء من الطعام والشراب ثم سرقه قطع. وإذا اشترك اثنان في نقب الحرز، ثم انفرد أحدهما بأخذ المال قطع المنفرد منهما بالأخذ دون المشارك في النقب، ولو اشترك اثنان فنقب أحدهما ولم يأخذ، وأخذ الآخر ولم ينقب، لم يقطع واحد منهما، وفي مثلها قال الشافعي: اللص الظريف لا يقطع. وإذا دخل الحرز واستهلك المال فيه غرم ولم يقطع، وإذا قطع السارق والمال باقٍ رد على مالكه، فإن عاد السارق بعد قطعه فسرق ثانية بعد إحرازه قطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع في مال مرتين، وإذا استهلك السارق] ١.

стр. 330

ما سرقه قطع وأغرم. وقال أبو حنيفة: إن قطع لم يغرم، وإن أغرم لم يقطع. وإذا وهبت له السرقة لم يسقط عنه القطع. وقال أبو حنيفة: يسقط، وإذا عفا رب المال عن القطع لم يسقط. قد عفا صفوان بن أمية عن سارق ردائه فقال ﷺ : "لا عفا الله عنِّي إن عفوت" وأمر بقطعه. وحكي أن معاوية أتي بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم، فقدم ليقطع فقال من [الطويل] : يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالًا يبينها يدي كانت الحسناء لو تمَّ سترها ... ولا تقدم الحسناء عيبًا يشينها فلا خير في الدنيا وكانت خبيثة ... إذا ما شمال فارقتها يمينها فقال معاوية: كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك؟ فقالت أم السارق: اجعلها من جملة ذنوبك التي تتوب إلى الله منها، فخلَّى سبيله، فكان أوّل حد ترك في الإسلام. ويستوي في قطع السرقة الرجل والمرأة، والحر والعبد، والمسلم والكافر، ولا يقطع صبي، ولا يقطع المغمى عليه إذا سرق في إغمائه، ولا يقطع عبد سرق من مال سيده، ولا والد سرق من مال ولده. وقال داود: يقطعان.

стр. 331

الفصل الثالث: في حد الخمر كل ما أسكر كثيره أو قليله من خمر أو نبيذ حرام، حدَّ شاربه سواء سكر منه أو لم يسكر. وقال أبو حنيفة: يحد من شرب الخمر وإن لم يسكر، ولا يحد من شرب النبيذ حتى يسكر. والحدّ: أن يجلد أربعين بالأيدي وأطراف الثياب، ويبكَّت بالقول الممضّ، والكلام الرادع للخبر المأثور فيه. وقيل: بل يُحَدُّ بالسوط اعتبارًا بسائر الحدود، ويجوز أن يتجاوز الأربعين إذا لم يرتدع بها إلى ثمانين جلدة، فإن عمر ﵁ حدّ شارب الخمر أربعين إلى أن رأى تهافت الناس فيه فشاور الصحابة فيه، وقال: أرى الناس قد تهافتوا في شرب الخمر فماذا ترون؟ فقال علي ﵇: أرى أن تحدُّه ثمانين؛ لأنه إذا شرب الخمر سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذى افترى، فحدّه ثمانين حدّ الفرية، فجلد فيه عمر بقية أيامه. والأئمة من بعده ثمانين فقال علي ﵇: ما أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي منه شيئًا ألحق قتله إلا شارب الخمر، فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله ﷺ ، فإن حدَّ شارب الخمر أربعين فمات منها كانت نفسه هدرًا، وإن حد ثمانين فمات ضمنت نفسه. وفي قدر ما يضمن منها قولان: أحدهما: جميع ديته لمجاوزته النص في حده. والثاني: نصف ديته؛ نصف حده نص ونصفه مزيد، ومن أكره على شرب الخمر، أو شربها وهو لا يعلم أنَّها حرام فلا حدَّ عليه، وإن شربها لعطش حدَّ؛ لأنها لا تروي، وإن شربها لداء لم يحد؛ لأنه ربما يبرأ بها، وإذا اعتقد إباحة النبيذ حد، وإن كان في عدالته، ولا يحد السكران حتى يقر بشرب الخمر المسكر، أو يشهد عليه شاهدان أنه شرب مختارًا ما لم يعلم أنه مسكر. وقال أبو عبد الله الزبيري: أحدُّه للسكر، وهذا سهو؛ لأنه قد يكره على شرب المسكر. وحكم السكران في جريان الأحكام عليه كالصاحي إذا كان عاصيًا بسكره، فإن خرج عن حكم المعصية لإكراهه على شرب الحمر ما لا يعلم أنه مسكر، لم يجر عليه قلم كالمغمى عليه. واختلف في حد المسكر، فذهب أبو حنيفة إلى حدّ السكر ما زال معه العقل حتى لا يفرق بين الأرض والسماء، ولا يعرف أمه من زوجته، وحده أصحاب الشافعي بأنه ما أفضى بصاحبه إلى أن يتكلم بلسان متكسِّر، ومعنى منتظم ويتصرَّف بحركة مختبط، ومشي متمايل، وإذا جمع بين اضطراب الكلام فهمًا وإفهامًا، وبين اضطراب الحركة مشيًا وقيامًا، صار داخلًا في حدِّ السكر، وما زاد على هذا فهو زيادة في حد السكر.

стр. 332

الفصل الرابع: في حد القذف واللعان حد القذف بالزنا ثمانون جلدة، ورد النص بها وانعقد الإجماع عليها، لا يزاد فيها ولا ينقص منها، وهو من حقوق الآدميين يستحق بالطلب ويسقط بالعفو، فإذا اجتمعت في المقذوف بالزنا خمسة شروط، وفي القاذف ثلاثة شروط، وجب الحد فيه. أمَّا الشروط الخمسة في المقذوف فهي: أن يكون بالغًا عاقلًا مسلمًا حرًّا عفيفًا، فإن كان صبيًّا أو مجنونًا أو عبدًا أو كافرًا، أو ساقط العصمة بزنا حد فيه حد على قاذفه ولكن يعزر؛ لأجل الأذى ولبذاءة اللسان. وأمَّا الشروط الثلاثة في القاذف فهي: أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا، فإن كان صغيرًا، أو مجنونًا لم يحدّ ولم يعزَّر، وإن كان عبدًا حُدَّ أربعين، نصف الحد للحر لنصفه بالرق. ويحد الكافر كالمسلم، وتحد المرأة كالرجل، ويفسق القاذف ولا يعمل بشهادته، فإن تاب زال فسقه وقبلت شهادته قبل الحدّ وبعده. وقال أبو حنيفة: تقبل شهادته إن تاب قبل الحد، ولا تقبل شهادته إن تاب بعد الحد، والقذف باللواط، وإتيان البهائم كقذف الزنا في وجوب الحد، ولا يحد القاذف بالكفر والسرقة ويعزَّر؛ لأجل الأذى. والقذف بالزنا ما كان صريحًا فيه كقوله: يا زانٍ، أو قد زنيت، أو رأيتك تزني، فإن قال: يا فاجر أو يا فاسق أو يا لوطيّ كان كناية لاحتماله، فلا يجب به الحد إلا أن يريد به القذف، ولو قال: يا عاهر كانت كناية عند بعض أصحاب الشافعي لاحتماله، وصريحًا عند آخرين

стр. 333

لقول النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ١. وجعل مالك ﵀ التعريض فيه كالصريح في وجوب الحد، والتعريض١ أن يقول في حال الغضب والملاحاة: أنا ما زنيت فجعله بمثابة قوله: إنك زنيت، ولا حدَّ في التعريض عند الشافعي وأبي حنيفة -رحمها الله- حتى يُقِرّ أنه أراد به القذف؛ فإذا قال: يا ابن الزانيين، كان قاذفًا لأبويه دونه، فيُحَدُّ لهما إن طلبا أو أحدهما إلَّا أن يكونا ميتين، فيكون الحد موروثًا عنهما. وقال أبو حنيفة: حد القذف لا يورث؛ ولو أراد المقذوف أن يصالح عن حد القذف بمال لم يجز. وإذا قذف ابنه لم يحد، وإذا لم يحد القاذف حتى زنَى المقذوف لم يسقط حد القذف. وقال أبو حنيفة: يسقط. وإذا قذف الرجل زوجته بالزنا حدّ لها إلا أن يلاعن منها. واللعان أن يقول في المسجد الجامع على المنبر، أو عنده بمحضر من الحاكم وشهود أقلها أربعة: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتى هذه من الزنا بفلان، وأنَّ هذا الولد من زنا وما هو مني، إن أراد أن ينفي الولد ويكرر ذلك أربعًا، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا بفلان إن كان ذكر الزاني بها، وأنَّ هذا الولد من الزنا، وما هو مني، فإذا قال هذا فقد أكمل لعانه، وسقط حد القذف عنه، ووجب به حد الزنا على زوجته، إلَّا أن تلاعن فتقول: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا بفلان، وأن هذا الولد منه، وما هو من زنا تكرر ذلك أربعًا، ثم تقول في الخامسة: وعليَّ غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به من الزنا بفلان، فإذا أكملت هذه سقط حد الزنا عنها، وانتفى الولد عن الزوج، ووقعت الفرقة بينهما وحرمت على الأبد. واختلف الفقهاء فيما وقعت به الفرقة، فذهب الشافعي إلى أنَّ الفرقة واقعة بلعان الزوج وحده. وقال مالك: الفرقة بلعانهما معًا، وقال أبو حنيفة: لا تقع الفرقة بلعانهما حتى يفرق بينهما الحاكم؛ وإذا قذفت المرأة زوجها حدَّث، ولم تلاعن، وإذا أكذب الزوج نفسه بعد اللعان لحق به الولد وحُدَّ للقذف، ولم تحلّ له الزوجة عند الشافعي، وأحلها أبو حنيفة.

стр. 334

الفصل الخامس: في قود الجنايات وعقلها الجنايات على النفوس ثلاث: عمد، وخطأ، وعمد شبه الخطأ. فأمَّا العمد المحض: فهو أن يتعمَّد قتل النفس بما يقطع بحده كالحديد، أو بما يمور في اللحم مور الحديد، أو ما يقتل غالبًا بثقله كالحجارة والخشب، فهو قتل عمد يوجب الحد. وقال أبو حنيفة: العمد الموجب للقود ما قتل بحده من حديد وغيره إذا مار في اللحم مورًا، ولا يكون ما قتل بثقله أو ألمه من الأحجار والخشب عمدًا، ولا يوجب قودًا. وحكم العمد عند الشافعي أن يكون وليّ المقتول حرًّا مع تكافؤ الدمين بين القود والدية. وقال أبو حنيفة: لولي المقتول أن ينفرد بالقود، وليست له الدية إلَّا عن مراضاة القاتل. وولي الدم هو وارث المال من ذكر أو أنثى بفرض أو تعصيب. وقال مالك: أولياؤه ذكور الورثة دون إناثهم، ولا قود لهم إلَّا أن يجتمعوا على استيفائه، فإن عفا أحدهم سقط القود ووجبت الدية. وقال مالك: لا يسقط، وإذا فيهم صغير أو مجنون لم يكن للبالغ والعاقل أن ينفرد بالقود، وتكافؤ الدمين عند الشافعي أن لا يفضل القاتل على المقتول بحرية، ولا إسلام، فإن فضل القاتل عليه بأحدهما، فقتل حر عبدًا، أو مسلم كافرًا، فلا قود عليه. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بهذا التكافؤ، فيقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، كما يقتل العبد بالحر والكافر بالمسلم، وما تتحاماه النفوس من هذا وتأباه قد منع القائلين به من العمل عليه. حكي أنَّه رفع إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافرًا فحكم عليه بالقود، فأتاه رجل برقعة فألقاها إليه، فإذا فيها مكتوب [من السريع] : يا قاتل المسلم بالكافر ... جرت وما العادل كالجائر يا من ببغداد وأطرافها ... من علماء الناس أو شاعر استرجعوا وابكوا على دينكم ... واصطبروا فالأجر للصابر

стр. 335

جار على الدين أبو يوسف ... بقتله المؤمن بالكافر فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة، فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر بحيلة لئلَّا تكون فتنة، فخرج أبو يوسف وطالب أصحاب الدم ببينة على صحة الذمَّة وثبوتها، فلم يأتوا بها فأسقط القود؛ والتوصُّل إلى مثل هذا سائغ عند ظهور المصلحة فيه. ويقتل العبد بالعبد، وإن فضلت قيمة القاتل على المقتول. وقال أبو حنيفة: لا قود على القاتل إذا زادت قيمته على قيمة المقتول. وإذا اختلف أديان الكفار قيد بعضهم ببعض، ويقاد الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، والكبير بالصغير، والعاقل بالمجنون، ولا قود على صبي ولا مجنون، ولا يقاد والد بولده، ويقاد الولد بالوالد، والأخ بالأخ. وأما الخطأ المحض: فهو أن يتسبب إليه في القتل من غير قصد، فلا يقاد القاتل بالمقتول كرجل رمى هدفًا فأمات إنسانًا، أو حفر بئرًا فوقع فيها إنسان، أو أشرع جناحًا فوقع على إنسان، أو ركب دابة فرمحت ووطئت إنسانًا، أو وضع حجرًا فعثر به إنسان، فهذا وما أشبهه إذا حدث عنه الموت قتل خطإ محض يوجب الدية دون القود، وتكون على عاقلة الجاني لا في ماله مؤجلة في ثلاث سنين من حين يموت القتيل. وقال أبو حنيفة: من حين يحكم الحاكم بديته، والعاقلة من عدد الآباء والأبناء من العصبات، فلا يحمله الأب وإن علا، ولا الابن وإن سفل، وجعل أبو حنيفة ومالك الآباء والأبناء من العاقلة، ولا يتحمل القاتل مع العاقلة من الدية. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون القاتل كأحد العاقلة، والذي يتحمّله الموسر منهم في كل سنة نصف دينار أو قدره من الإبل، ويتحمَّل الأوسط ربع دينار أو قدره من الإبل، ولا يتحمَّل الفقير شيئًا منها. ومن أيسر بعد فقره تحمل، ومن افتقر بعد يساره لم يتحمل. ودية نفس الحر المسلم إن قدرت ذهبًا ألف دينار من غالب الدنانير الجيدة، وإن قدرت ورقًا اثنا عشر ألف درهم. وقال أبو حنيفة: عشرة آلاف درهم، وإن كانت إبلًا فهي مائة

стр. 336

بعير أخماسًا، منها عشرون ابنة مخاض، وعشرون ابنة لبون، وعشرون ابن لبون وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وأصل الدية الإبل، وما عداها بدل، ودية المرأة النصف من دية الرجل في النفس والأطراف. واختلف في دية اليهودي والنصراني، فذهب أبو حنيفة إلى أنها كدية المسلم. قال مالك: نصف دية المسلم١، وعند الشافعي أنها ثلث دية المسلم. وأمَّا المجوسي فديته ثلثا عشر دية المسلم ثمانمائة درهم٢، ودية العبد قيمته ما بلغت، وإن زادت على دية الحر أضعافًا عند الشافعي. وقال أبو حنيفة٣: لا أبلغ بها دية الحر إذا زادت وأنقص منها عشرة دراهم٤. وأما العمد شبه الخطأ: فهو أن يكون عامدًا في الفعل غير قاصد للقتل، كرجل ضرب

стр. 337

رجلًا بخشبة، أو رمى بحجر، يجوز أن يسلم من مثلها أو يتلف، فأفضى إلى قتله، أو كمعلم ضرب صبيًّا بمعهود أو عزَّر السلطان رجلًا على ذنب فتلف، فلا قود عليه في هذا القتل، وفيه الدية على العاقلة مغلظة، وتغليظها في الذهب والورق أن يزاد عليها ثلثها، وفي الإبل أن تكون أثلاثًا منها ثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وروي أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تحمل العاقلة عبدًا ولا عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا" ١. ودية الخطإ المحض في الحرم والأشهر الحرم وذي الرحم مغلظة، ودية العمد المحض واحد وجب القود على جميعهم، فعليهم دية واحدة وإن كثروا؛ ولولي الدم أن يعفو عمَّن شاء منهم ويقتل باقيهم، وإن عفا عن جميعهم فعليهم دية واحدة تسقط عليهم على عدد رءوسهم، فإن كان بعضهم ذابحًا وبعضهم جارحًا أو موجئًا، فالقود في النفس على الذابح والموجئ، والجارح مأخوذ بحكم الجراحة دون النفس. وإذا قتل الواحد جماعة قتل بالأول ولزمته في ماله دية الباقين. وقال أبو حنيفة: يقتل

стр. 338

جميعهم ولا دية عليه؛ وإذا قتلهم في حالة واحدة أقرع بينهم، وكان القَوْد لمن قرع منهم إلَّا أن يتراضى أولياؤهم على تسليم القود لأحدهم فيقاد له، ويلزم في ماله ديات الباقين، وإذا أمر المطاع رجلًا بالقتل، فالقود على الآمر والمأمور معًا، ولو كان الآمر غير مطاع كان القود على المأمور دون الآمر؛ وإذا أكره على القتل وجب القود على المكرَه، وفي وجوبه على المكروه قولان: وأمَّا القود في الأطراف، فكل طرف قطع من مفصل ففيه القود، فيقاد من اليد باليد، والرجل بالرجل، والأصبع بالأصبع، والأنملة بالأنملة، والسن بمثلها، ولا تقاد يمنى بيسرى، ولا عليا بسفلى، ولا ضرس بسن، ولا ثنية برباعية، ولا يؤخذ بسن من قد ثغر سنّ من لم يثغر؛ ولا تؤخذ يد سليمة بيد شلاء، ولا بلسان أخرس، وتؤخذ اليد الكاتبة والصانعة بيد من ليس بكاتب ولا صانع. وتؤخذ العين بالعين، وتؤخذ النجلاء بالحولاء والعشواء، ولا تؤخذ العين القائمة واليد الشلاء إلّا بمثلها، ويقاد الأنف الذي يشم بالأنف الأخشم، وأذن السميع بأذن الأصم. وقال مالك: لا قَوْدَ عليه، ويقاد من العربي بالعجمي، ومن الشريف بالدنيء، فإن عفي عن القود بهذه الأطراف إلى الدية، ففي اليدين الدية الكاملة، وفي إحداهما نصف الدية؛ وفي كل أصبع عشر الدية وهو عشر من الإبل، وفي كل واحدة من أنامل الأصابع ثلاثة وثلث إلّا أنملة الإبهام ففيها خمس من الإبل، ودية اليدين كالرجلين إلّا في أناملهما، فيكون في كل أنملة منها خمس من الإبل، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، ولا فضل لعين الأعور على من ليس بأعور، وأوجب مالك ﵀ في عين الأعور جميع الدية. وفي الجفون الأربعة جميع الدية، وفي كل واحد منها ربع الدية، وفي الأنف الدية، وفي الأذنين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين ربع الدية، وفي كل سن خمس من الإبل، ولا فضل لسن على ضرس، ولا لثنية على ناجذ، وفي إذهاب السمع الدية، فإن قطع أذنيه فأذهب سمعه فعليه ديتان، وكذلك لو قطع أنفه فأذهب شمه فعليه ديتان، وفي إذهاب الكلام الدية، فإن لسانه فأذهب كلامه، فعليه دية واحدة وفي إذهاب العقل الدية. وفي إذهاب الذكر الدية؛ وذكر الخصي والعنين وغيرهما سواء، وقال أبو

стр. 339

حنيفة: في ذكر العنِّين والخصيّ حكومة، وفي الأنثيين الدية، وفي إحداهما نصف الدية؛ وفي ثديي المرأة ديتها، وفي إحداهما نصف الدية، وفي ثديي الرجل حكومة وقيل: دية. وأما الشجاج، فأولها الخارصة، وهي التي أخذت في الجلد، ولا قود فيها، ولا دية، وفيها حكومة. ثم الدامية، وهي التي أخذت في الجلد وأدمت وفيها حكومة، ثم الدامغة، وهي التي قد خرج دماؤها من قطع الجلد كالدامغة وفيها حكومة. ثم المتلاحمة، وهي التي قطعت وأخذت في اللحم وفيها حكومة. ثم الباضعة وهي التي قطعت اللحم بعد الجلد وفيها حكومة. ثم السمحاق، وهي التي قطعت جميع اللحم بعد الجلد، وأبقت على عظم الرأس غشاوة رقيقة وفيها حكومة، وحكومات هذه الشجاج تزيد على حسب ترتيبها. ثم الموضِّحة، وهي التي قطعت الجلد واللحم والغشاوة وأوضحت عن العظم ففيها القود، فإن عُفِيَ عنها ففيها خمس من الإبل. ثم الهاشمة، وهي التي أوضحت عن اللحم حتى ظهر وهشَّمت عظم الرأس حتى تكسر، وفيها عشر من الإبل؛ فإن أراد القود من الهشم لم يكن له، وإن أراده من الموضحة قيد له منها، وأعطي في زيادة الهشم خمسًا من الإبل، وقال مالك: في الهشم حكومة. ثم المنقلة، وهي التي أوضحت وهشمت حتى شظي العظم وزال عن موضعه، واحتاج إلى نقله وإعادته، وفيها خمس عشرة من الإبل، فإن استقاد من الموضحة أعطي في الهشم والتنقيل عشرًا من الإبل. ثم المأمومة وتسمَّى الدامغة، وهي التي وصلت إلى أم الدماغ وفيها ثلث الدية. وأما جراح الجسد فلا تقدر دية شيء منها إلَّا الجافية، وهي الواصلة إلى الجوف، وفيها ثلث الدية، ولا قَوْد في جراح الجسد إلَّا الموضحة عن عظم ففيها حكومة. وإذا قطعت أطرافه فاندملت وجبت عليه دياتها، وإن كانت أضعاف دية النفس، ولو مات منها قبل اندمال بعضها وجبت عليه دية النفس فيما لم يندمل مع دية الأطراف، وفيما اندمل من لسان الأخرس، ويد الأشلِّ والأصبغ الزائد، والعين القائمة حكومة، والحكومة في جميع ذلك أن يقوم الحاكم المجني عليه لو كان عبدًا لم يجن عليه، ثم يقوّمه لو كان عبدًا بعد الجناية عليه، ويعتبر ما بين القيمتين من ديته، فيكون قدر الحكومة في جنايته. وإذا ضرب بطن امرأة فألقت من الضرب

стр. 340

جنينًا ميتًا، ففيه إذا كان حرًّا غرة عبد أو أمة تحملها العاقلة، ولو كان مملوكًا ففيه عشر قيمة أمه يستوي فيه الذكر والأنثى، فإن استهلَّ الجنين صارخًا ففيه الدية كاملة، ويفرق بين الذكر والأنثى، وعلى كل قاتل نفس ضمن ديتها الكفارة عامدًا كان أو خاطئًا، وأوجبها أبو حنيفة على الخاطئ دون العامد. والكفارة عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، فإن أعوزها صام شهرين متتابعين، فإن عجر عنه أطعم ستين مسكينًا في أحد القولين، ولا شيء عليه في القول الآخر، وإذا ادَّعى قوم قتلًا على قوم، ومع الدعوى لوث، واللوث أن يعنوا بالدعوى ما يوقع في النفس صدق المدعي، فيصير القول باللوث قول المدعي، فيحلف خمسين يمينًا، ويحكم له بالدية دون القود، ولو نكل المدعي عن اليمين أو بعضها حلف عليه خمسين يمينًا وبرئ. وإذا وجب القود في نفس أو طرفٍ لم يكن لوليه أن ينفرد باستيفائه إلَّا بإذن السلطان، فإن كان في طرف لم يمكنه السلطان من استيفائه حتى يتولّاه غيره، وأجره الذي يتولاه في مال المقتص منه دون المقتص له. وقال أبو حنيفة: تكون في مال المقتص له دون المقتص منه، فإن كان القصاص في نفس جاز أن يأذن له السلطان في استيفائه بنفسه إذا كان ثابت النفس إلّا استوفاه السلطان له بأوحى سيف وأمضاه، فإن تفرَّد وليّ القود باستيفائه من نفس أو طرف ولم يتعد عزره السلطان لافتياته عليه، وقد صار إلى حقه القود فلا شيء عليه.

стр. 341

الفصل السادس: في التعزير والتعزير: تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، ويختلف حكمه باختلاف حاله وحال فاعله، فيوافق الحدود من وجه أنه تأديب استصلاح وزجر، يختلف بحسب اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من ثلاثة أوجه: أحدها: إنَّ تأديب ذي الهيبة من أهل الصيانة أخف من تأديب أهل البذاءة والسفاهة؛ لقول النبي ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" ١. فتدرج في الناس على منازلهم: فإن تساووا في الحدود المقدَّرة فيكون تعزير من جلَّ قدره بالإعراض عنه، وتعزير من دونه بالتعنيف له، وتعزير من دونه بزواجر الكلام وغاية الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا سب، ثم يعدل بمن دون ذلك إلى الحبس الذي يحبسون فيه على حسب ذنبهم وبحسب هفواتهم، فمنهم من يحبس يومًا، ومنهم من يحبس أكثر منه إلى غاية مقدرة. وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي: تقدَّر غايته بشهر للاستبراء والكشف، وبستة أشهر للتأديب والتقويم، ثم يعدل بمن دون ذلك إلى النفي والإبعاد إذا تعدت ذنوبه إلى اجتذاب غيره إليها واستضراره بها٢. واختلف في غاية نفيه وإبعاده، فالظاهر من مذهب الشافعي تقدر بما دون الحول ولو بيوم واحد؛ لئلَّا يصير مساويًا لتعزير الحول في الزنا، وظاهر مذهب مالك أنه يجوز أن يزاد فيه على الحول بما يرى من أسباب الزواجر، ثم يعدل بمن دون ذلك إلى الضرب ينزلون فيه على حسب الهفوة في مقدار الضرب، وبحسب الرتبة في الامتهان والصيانة. واختلف في أكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، فظاهر مذهب الشافعى أنَّ أكثره في الحر تسعة وثلاثون سوطًا لينقص عن أقلِّ الحدود في الخمر، فلا يبلغ بالحر أربعين، وبالعبد

стр. 342

عشرين، وقال أبو حنيفة: أكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطًا في الحرِّ والعبد، وقال أبو يوسف: أكثره خمسة وسبعون. وقال مالك: لا حدَّ لأكثره، ويجوز أن يتجاوز به أكثر الحدود. وقال أبو عبد الله الزبيري١: تعزيز كل ذنب مستنبط من حده المشروع فيه، وأعلاه خمسة وسبعون يقصر به عن حدِّ القذف بخمسة أسواط، فإن كان الذنب في التعزيز بالزنا روعي منه ما كان، فإن أصابوها بأن نال منها ما دون الفرج ضربوهما أعلى التعزير، وهو خمسة وسبعون سوطًا، وإن وجدوهما في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاملين للجماع ضربوهما ستين سوطًا، وإن وجدوهما غير متباشرين ضربوهما أربعين سوطًا، وإن وجدوهما خاليين في بيت عليهما ثيابهما ضربوهما ثلاثين سوطًا، وإن وجدوهما في طريق يكلمها وتكلمه ضربوهما عشرين سوطًا، وإن وجدوه يتبعها ولم يقفوا على ذلك يحققوا، وإن وجدوهما يشير إليها وتشير إليه بغير كلام ضربوهما عشرة أسواط، وهكذا يقول في التعزير بسرقة ما لا يجب فيه القطع، فإذا سرق نصابًا من غير حرز ضرب أعلى التعزير خمسة وسبعين سوطًا، وإذا سرق من حرز أقل من نصاب ضرب ستين سوطًا، واذا سرق أقلّ من نصاب من غير حرز ضرب خمسين سوطًا، فإذا جمع المال في الحرز واسترجع منه قبل إخراجه ضرب أربعين سوطًا، وإذا نقب الحرز ودخل ولم يأخذ ضرب ثلاثين سوطًا، وإذا نقب الحرز ولم يدخل ضرب عشرين سوطًا. وإذا تعرَّض للنقب أو لفتح باب ولم يكمله ضرب عشرة أسواط، وإذا وجد معه منقب أو كان مرصدًا للمال يحقق، ثم على هذه العبارة فيما سوى هذين، وهذا الترتيب وإن كان مستحسنًا في الظاهر فقد تجرَّد الاستحسان فيه عن دليل يتقدر به، وهذا الكلام في أحد

стр. 343

الوجوه التي يختلف فيها الحد والتعزير. والوجه الثاني: إنَّ الحد وإن لم يجز العفو عنه ولا الشفاعة فيه، فيجوز في التعزير العفو عنه، وتسوغ الشفاعة فيه، فإن تفرّد التعزير بحق السلطنة وحكم التقويم، ولم يتعلق به حق لآدمي، جاز لولي الأمر أن يراعي الأصلح في العفو أو التعزير، وجاز أن يشفع فيه من سأل العفو عن الذنب. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اشفعوا إليّ ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء" ١. ولو تعلق بالتعزير حق لآدمي -كالتعزير في الشتم والمواثبة- ففيه حق المشتوم والمضروب، وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن يسقط بعفوه حق للمشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزيز الشاتم والضارب، فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويمًا، والصفح عنه عفوًا، فإن تعافوا عن الشتم والضرب قبل الترافع إليه سقط التعزيز الآدمي. واختُلِفَ في سقوط حق السلطنة والتقويم على الوجهين: أحدهما: وهو قول أبي عبد الله الزبيري أنه يسقط، وليس لولي الأمر أن يعزر فيه؛ لأنَّ حد القذف أغلظ ويسقط حكمه بالعفو، فكان حكم التعزير بالسلطنة أسقط. والوجه الثاني: هو الأظهر أن لولي الأمر أن يعزّر فيه مع العفو قبل الترافع إليه، كما يجوز أن يعزّر فيه مع العفو بعد الترافع إليه مخالفة للعفو عن حدِّ القذف في الموضعين؛ لأن التقويم من حقوق المصلحة العامة، ولو تشاتم وتواثب والد مع ولد سقط تعزير الوالد في حق الولد، ولم يسقط تعزير الولد في حق الوالد، كما لا يقتل الوالد بولده، ويقتل الولد بوالده، وكان تعزير الأب مختصًّا بحق السلطنة، والتقويم لا حق فيه للولد، ويجوز لولي الأمر أن ينفرد بالعفو عنه، وكان تعزير الولد مشتركًا بين حق الولد وحقوق السلطنة، فلا يجوز لولي الأمر أن ينفرد بالعفو عنه مع مطالبة الوالد به حتى يستوفيه له، وهذا الكلام في الوجه الثاني الذي يختلف فيه الحد والتعزير.

стр. 344

والوجه الثالث: إنَّ الحد وإن كان ما حدث عنه من التلف هدرًا، فإن التعزير يوجب ضمان ما حدث عنه من التلف. قد أرهب عمر بن الخطاب امرأة فأخمصت بطنها فألقت جنينًا ميتًا، فشاور عليًّا ﵇، وحمل دية جنينها. واختلف في محل دية التعزير فقيل: تكون على عاقلة ولي الأمر، وقيل: تكون في بيت المال، فأمَّا الكفارة ففي ماله إن قيل: إن الدية على عاقلته، وإن قيل: إن الدية في بيت المال ففي محل الكفارة وجهان: أحدهما: في ماله. والثاني: في بيت المال، وهكذا المعلّم إذا ضرب صبيًّا أدبًا معهودًا في العرف، فأفضى إلى تلفه، ضمن ديته على عاقلته والكفارة في ماله. ويجوز للزوج ضرب زوجته إذا نشزت عنه، فإن تلفت من ضربه ضمن ديتها على عاقلته إلَّا إن يتعمّد قتلها فيقاد بها. وأما صفة الضرب في التعزير فيجوز أن يكون بالعصا، وبالسوط الذي كسرت ثمرته كالحد. واختلف في جوازه بسوط لم تكسر ثمرته، فذهب الزبيري إلى جوازه، فإن زاد في الصفة على ضرب الحدود، وأنه يجوز أن يبلغ به إنهار الدم. وذهب جمهور أصحاب الشافعي ﵁ إلى حظره بسوط لم تكسر ثمرته؛ لأن الضرب في الحدود أبلغ وأغلظ، وهو كذلك محظور، فكان في التعزير أولى أن يكون محظورًا، ولا يجوز أن يبلغ بتعزير إنهار الدم، وضرب الحد يجب أن يفرق في البدن كله بعد توقي المواضع القاتلة؛ ليأخذ كل عضو نصيبه من الحد، ولا يجوز أن يجتمع في موضع واحد من الجسد. واختلف في ضرب التعزير، فأجراه جمهور أصحاب الشافعي مجرى الضرب في تفريقه وحظر جمعه، وخالفهم الزبيري فجوّز جمعه في موضع واحد من الجسد؛ لأنه لما جاز إسقاطه عن جميع الجسد جاز إسقاطه عن بعضه بخلاف الحد، ويجوز أن يصلب في التعزير حيًّا. قد صلب رسول الله ﷺ رجلًا على جبل يقال له: أبو ناب، ولا يمنع إذا صلب أداء طعام ولا شراب ولا يمنع من الوضوء للصلاة، ويصلي موميًا ويعيد إذا أرسل، ولا يتجاوز

стр. 345

بصلبه ثلاثة أيام، ويجوز في نكال التعزير أن يجرد من ثيابه، إلّا قدر ما يستر عورته، ويشهر في الناس، وينادي عليه بذنبه إذا تكرر منه ولم يتب. ويجوز أن يحلق شعره، ولا يجوز أن تحلق لحيته. واختلف في جواز تسويد وجوههم، فجوَّزه الأكثرون؛ ومنع منه الأقلون١.

стр. 346

الباب العشرون: في أحكام الحسبة الحسبة١: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا أظهر فعله. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وهذا، وإن صح من كل مسلم، فالفرق فيه بين المتطوع والمحتسب٢ من تسعة أوجه: أحدها: إنَّ فرضه متعيّن على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية. والثاني: إنَّ قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه، وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره. والثالث: إنَّه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاؤه، وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء. والرابع: إنَّ على المحتسب إجابة من استعداه، وليس على المتطوع إجابته. والخامس: إنَّ عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة؛ ليصل إلى إنكارها، ويفحص

стр. 347

عَمَّا ترك من المعروف الظاهر؛ ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص. والسادس: إنَّ له أن يتخذ على إنكاره أعوانًا؛ لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب؛ ليكون له أقهر وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانًا. والسابع: إنَّ له أن يعزِّر في المنكرات الظاهرة لا يتجاوز إلى الحدود، وليس للمتطوع أن يعزر على منكر. والثامن: أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر. والتاسع: إنَّ له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع؛ كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة فيه، فيقر وينكر من ذلك ما أدَّاه اجتهاده إليه، وليس هذا للمتطوع، فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبين غيره من المتطوعين وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من هذه الوجوه التسعة. وإذا كان كذلك فمن شروط والي الحسبة أن يكون حرًّا عدلًا، ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة١.

стр. 348

واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي، هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري١: إنَّ له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالمًا من أهل الاجتهاد في أحكام الدين؛ ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه. والوجه الثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة، وفيما اختلف فيه، فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفًا بالمنكرات المتفق عليها٢.

стр. 349

فصل: واعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم، فأمَّا ما بينهما وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصورة عنه من وجهين، وزائدة عليه من وجهين: فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء: فاحدهما: جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى، وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى: أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن. والثاني: ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن. والثالث: فيما يتعلق بمطل وتأخير لدَيْن مستحق مع المكنة، وإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى دون ما عداها من سائر الدعاوى؛ لتعلقها بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بيّن هو مندوب إلى إقامته؛ لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات، فهذا أحد وجهي الموافقة. والوجة الثاني: إنَّ له إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذي عليه، وليس هذا على العموم في كل الحقوق، وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها، وإذا وجبت باعتراف وإقرار مع تمكنه وإيساره، فيلزم المقر الموسر الخروج منها ودفعها إلى مستحقها؛ لأن في تأخيره لها منكرًا هو منصوب لإزالته. وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء: فاحدهما: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى لها، ولا أن يتعرّض للحكم فيها، لا في كثير الحقوق، ولا في قليلها من درهم فما

стр. 350

دونه، إلَّا أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة، فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعًا بين قضاء وحسبة، فيراعَى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد، وإن اقتصر به عن مطلق الحسبة، فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثيره أحق، فهذا وجه. والوجه الثاني: إنَّها مقصورة على الحقوق المعترف بها، فأمَّا ما يتداخله التجاحد والتناكر فلا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق، ولا أن يحلف يمينًا على نفي الحق، والقضاة والحكام بسماع البينة وإحلاف الخصوم أحق. وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء: فأحدهما: إنه يجوز للناظر فيها أن يتعرَّض لتصفُّح ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرَّض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه، فإن تعرّض القاضي لذلك خرج عن منصب ولايته، وصار متجوزًا في قاعدة نظره. والثاني: إنَّ للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة؛ لأنَّ الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزًا فيها ولا خرقًا، والقضاء موضوع للمناصفة، فهو بالأناة والوقار أحق، وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق؛ لأنَّ موضوع كل واحد من المنصبين مختلف، فالتجوز فيه خروج عن حده. وأما ما بين الحسبة والمظالم فبينهما شبه موتلف وفرق مختلف. فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين: أحدهما: إنَّ موضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة. والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر. وأما الفرق بينهما فمن وجهين: أحدهما: إنَّ النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسب، ولم يجز للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم، وجاز

стр. 351

له أن يوقع إلى المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما، فهذا الفرق الثاني: إنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم. فصل: وإذا استقر ما وصفناه من موضع الحسبة، ووضع الفرق بينهما وبين القضاء والمظالم فهي تشتمل على فصلين: أحدهما: أمر بالمعروف. والثاني: نهي عن المنكر١. فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما يتعلق بحقوق الله تعالى. والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين. والثالث: ما يكون مشتركًا بينهما. فأما المتعلق بحقوق الله فضربان: أحدهما: يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد؛ كترك الجمعة في وطن مسكون، فإن كانوا عددًا قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم -كالأربعين فما زاد- فواجب أن يأخذهم بإقامتها، ويأمرهم بفعلها، ويؤدّب على الإخلال بها، وإن كانوا عددًا اختلف في انعقاد الجمعة بهم فله ولهم أربعة أحوال: أحدها: أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فواجب بهم فله

стр. 352

يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم على تركها ألين من تأديبه على ترك ما انعقد الإجماع عليه. والحالة الثانية: أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم، فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق. والحالة الثالثة: أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب، فلا يجوز له أن يعارضهم فيها ولا يأمر بإقامتها؛ لأنه لا يراه، ولا يجوز أن ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضًا عليهم. والحالة الرابعة: أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم، ولا يراه القوم، فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى أم لا؟ على وجهين لأصحاب الشافعي ﵁: أحدهما: وهو مقتضى قول أبي سعيد الإصطخري أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتبارًا المصلحة؛ لئلَّا ينشأ الصغير على تركها، فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه، فقد راعى زياد مثل هذا في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحنه فرفعوا من السجود مسحوا جباههم من التراب، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد الجامع، وقال: لست آمن أن يطول الزمان فيظنّ الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة. والوجه الثاني: لا يتعرّض لأمرهم بها؛ لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ولا أن يأخذهم في الدين برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه، وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة، وأما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها، وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها، هل هي مسنونة، أو من فروض الكفاية؟ فإن قيل: إنها مسنونة كان الأمر بها ندبًا، وإن قيل: إنها من فروض الكفاية، كان الأمر بها حتمًا.

стр. 353

فأمَّا صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها للصلوات فمن شعائر الإسلام، وعلامات التعبُّد التى فرَّق بها رسول الله ﷺ بين دار الإسلام ودار الشرك، فإذا اجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل الجماعة في مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوبًا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه، أو محتسب له يثاب على فعله؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي في اتفاق أهل بلد على ترك الأذان والإقامة والجماعة، وهل يلزم السلطان محاربتهم عليه أم لا؟ فأما ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس، أو ترك الأذان والإقامة لصلاته، فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفًا؛ لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار، إلَّا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفًا وعادة، ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فيراعي حكم بشواهد حاله، كالذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لقد هممت أن آمر أصحابي أن يجمعوا خطبًا وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام، ثم أخالف إلى منزل أقوام لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم" ١. وأما ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكر بها ويأمر بفعلها، ويراعي جوابه عنها، فإن قال: تركتها لنسيان حثه على فعلها بعد ذكره، ولم يؤدبه؛ وإن قال: تركتها لتوان وهوان أدبه زجرًا، وأخذه بفعلها جبرًا، ولا اعتراض على من أخرها، والوقت باقٍ لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير، ولكن لو كانت الجماعات في بلد قد اتفق أهله على تأخير صلواتهم إلى آخره، والمحتسب يرى فضل تعجليها، فهل له أن يأمرهم بالتعجيل على وجهين؛ لأن اعتبار جميع الناس لتأخيرها يفضي بالصغير الناشيء إلى اعتقاد أن هذا الوقت دون ما تقدم، ولو عجلها بعضهم ترك من أخرها منهم ما يراه من التأخير. فأمَّا الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا اعتراض له فيه بأمر ولا نهي، وإن كان يرى إذا كان ما يفعل مسوغًا في الاجتهاد لخروجه عن معنى ما قدمناه،

стр. 354

وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بماء تغير بالمذورات الطاهرات، أو اقتصار على مسح أقل الرأس، أو العفو عن قدر الدرهم من النجاسات، فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي، وكان له في اعتراضه عليهم في الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل حال، فإنه ربما آل إلى السكر من شربه، ثم على نظائر هذا المثال -تكون أوامره بالمعروف في حقوق الله تعالى. فصل: فأمَّا الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين فضربان: عام وخاص١. فأما العام: فكالبلد إذا تعطل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فكفّوا عن معونتهم، فإن كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم فيه ضرر، أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم، وبمعونة بني السبيل في الاجتياز بهم؛ لأنها حقوق تلزم بين المال دونهم، وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم، فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم وعمارة مساجدهم وجوامعيهم، ومراعاة ببني السبيل فيهم متوجهًا إلى كافة ذوي المكنة، ولا يتعين أحدهم في الأمر به، وإن شرع ذوو المكنة في عملهم، وفي مراعاة بني السبيل، وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به، ولم يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ولا في بناء ما كان مهدومًا، ولكن لو أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المسترمّ والمستهدم لم يكن لهم الإقدام على هدمه فيما عم أهل البلد من سوره وجامعهم إلا باستئذان ولي الأمر دون المحتسب؛ ليأذن لهم في هدمه

стр. 355

بعد تضميينه القيام بعمارته، وجاز فيما خص من المساجد في العشائر والقبائل ألا يستأذنوه، وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه، فأما إذا كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم وعمارة ما استرم، فإن كان المقام في البلد ممكنًا، وكان الشرب -وإن قلَّ مقنعًا تاركهم وأباه، وإن تعذَّر المقام في البلد لتعطيل شربه واندحاض سوره نظر، فإن كان البلد ثغرًا يضر بدار الإسلام تعطيله لم يجز لولي الأمر أن يفسخ في الانتفال عنه، وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي المكنة به، وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به، وترغيب أهل المكنة في عمله، وإن لم يكن هذا البلد ثغرًا مصرًا بدار الإسلام كان أمره أيسر وحكمه أخف، ولم يكن للمحتسب أن يأخذ أهله جبرًا بعمارته؛ لأن السلطان أحق أن يقوم به، ولو أعوزه المال فيستجده فيقول لهم: المستحب ما استدام عجز السلطان عنه أنتم مخيرون بين الانتقال عنه، أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه عنه، أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه، فإن أجابوه إلى التزام ذلك كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم، ولم يجز أن يأخذ كل واحد منهم ما سهل عليه وطاب نفسًا به، ومن أعوزه المال أعان بالعمل حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة، أو يلوح اجتماعها لضمان كل واحد من أهل المكنة قدرًا طاب به نفسًا، شرع حينئذ في عمل المصلحة، وأخذ كل ضامن من الجماعة بالتزام ما ضمنه، وإن كان مثل هذا الضمان لا يلزم في المعاملات الخاصة؛ لأن حكم ما عم من المصالح موسع، فكان حكم الضمان فيه أوسع، وإذا عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها؛ لئلَّا يصير بالتفرُّد مفتاتًا عليه؛ إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته، فإن قلَّت وشقَّ استئذان السلطان فيها، أو خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان. وأما الخاص فكالحقوق إذا مطلت، والديوان إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداده أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس بها؛ لأن الحبس حكم، وله أن يلازم عليها؛ لأنَّ لصاحب الحق أن يلازم، وليس له الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن تجب له، ويجب عليه إلا أن يكون الحاكم قد فرضها، فيجوز له
следующие страницы →