ثانيا: تقعيد السكاكي
مدخل
...
ثانيا: تقعيد السكاكي:
تمهيد:
لست بحاجة إلى تبرير القول حين أقول: إن عهد ازدهار فن البلاغة قد ولى برحيل جهود الزمخشري وأساتذته، وأن عهدا جديدا قد بدأ على يد السكاكي وتلامذته، الذي اهتم بأن يضع البلاغة في قوالب، ويضبطها في أحكامها ويبوبها في مقدمات ونتائج. فكان له ما أراد. وكان "مفتاح السكاكي" مفتاح هذا العصر، والنموذج المحتذى بما فيه من تعقيد وتبويب، ونال الفصل والوصل حظه، غير منقوص من التنظيم والترتيب - وجاء الخطيب القزويني "٧٣٩هـ" فألف كتابه "تلخيص المفتاح" و"الإيضاح" الذي جعله شرحا لتلخيص المفتاح.
وإذا كان الجرجاني قد أعاد تشكيل مادة الفصل والوصل وأبرز مضمونها، ثم أخذ الزمخشري في ضوئها وبهدي من موهبته وقدراته الفنية، يحلل آيات القرآن الكريم، فإن القزويني - بعد أن جرد السكاكي المادة من الفضول والعطور- قد وضع الصورة النهائية لثبات قواعد الفصل والوصل.
وكانت هذه جريرة الشراح الذين داروا في فلك القزويني وتلخيصه، فانقطعت الأواصر بين "فصل ووصل" الزمخشري، ومن سبقه وبين "فصل ووصل" السكاكي والقزويني ومن تبعه.
ومع السكاكي أقدم الفصل والوصل كاملا، كما حدده وقعد له، لأنه بداية مرحلة جديدة وأيضا نهاية مرحلة مجيدة عاش في ربوعها الفصل والوصل وازدهر.
عن أحوال الجملة عند السكاكي:
يقول: ليس يمتنع بين مفهومي جملتين:
"أ" اتحاد بحكم التآخي وارتباط لأحدهما بالآخر،
"ب" ولا أن يباين أحدهما الآخر مباينة الأجانب لانقطاع الوشائج بينهما،
"ج" ولا أن يكونا بين بين لآصرة رحم، فيتوسط حالهما بين الأولى والثانية.
والفصل والوصل، ترك العاطف وذكره على الجهات١ الثلاث السابقة.
стр. 107
أولا: السكاكي وفن الفصل:
يعرض السكاكي لضرورة الفصل بين الجملتين اللتين بينهما اتحاد بحكم التآخي، فيتدرج بالفكرة إلى أن يصل بالقارئ إلى أن الفصل لا بد أن يقع بين هاتين الجملتين ليستقيم المعنى، يقول:
١- الإعراب صنفان: صنف ليس بتبع، وصنف تبع، والصنف الثاني منحصر في البدل والوصف والبيان والتأكيد، وإتباع الثاني الأول في الإعراب.
٢- وفي هذه التوابع، يقرر أئمة النحو أن المتبوع في نوع البدل في حكم المنحى والمضروب عنه، وفي الوصف والبيان، التابع فيها هو المتبوع، فالعالم في "زيد العالم عندك" ليس غير زيد، وعمرو في "أخوك عمرو عندي" ليس غير "أخوك"، ونفسه في "جاء خالد نفسه" ليس غير خالد.
٣- ولأن حرف "الواو" يستدعي معناه أن لا يكون معطوفه هو المعطوف عليه، لامتناع أن يقال "جاء زيد وزيد" وأن يكون زيد الثاني هو زيد الأول. حصل لك سبب ترك العطف في هذا الصنف من الجمل، فالفصل في جمل البدل لفوات شرط حكم "الواو" وفي جمل الوصف
стр. 108
والبيان والتوكيد لفوات شرط فائدة "الواو" وفيها جميعا لفوات شرط القبول، وهو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جهة جامعة مثل ما ترى "الشمس والقمر" و"السماء والأرض" بخلاف "الشمس ومرارة الأرنب" و"سورة الإخلاص والرجل اليسرى من الضفدع"١.
١- الفصل لكمال الاتصال:
كمال الاتصال: أن تكون الجملة الثانية قد نزلت من الأولى منزلة نفسها، بأن تكون موضحة لها أو مبينة أو مؤكدة لها ومقررة أو بدلا منها.
"أ" الفصل للإيضاح والتبيين:
والحالة المقتضية لذلك أن يكون بالكلام السابق نوع خفاء والمقام مقام إزالة لهذا الخفاء.
ومن أمثلة الإيضاح والتبيين: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ٢ لم يعطف "يخادعون" على ما قبله لكونه موضحا له ومبينا من حيث إنهم حين كانوا يوهمون بألستنتهم أنهم آمنوا وما كانوا مؤمنين بقلوبهم، قد كانوا في حكم المخادعين، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ ٣ لم يعطف "قال" على "وسوس" لكونه تفسيرا له وتبيينا٤.
"ب" الفصل للتوكيد:
والحالة المقتضية لذلك ظاهرة، ومن أمثلته، قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٥ لم يعطف ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ على ﴿ذَلِكَ
стр. 109
الْكِتَابُ﴾ حين كان وزانه في الآية وزان "نفسه" في قولك "جاءني الخليفة نفسه" أو وزان "بينا" في قولك "هو الحق بينا" يدلك على ذلك أنه حين بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصيا من الكمال والوفرة في شأنه تلك المبالغة، حيث جعل المبتدأ لفظة "ذلك" وأدخل على الخبر حرف التعريف بشهادة الأصول -كما سبقت- كان عند السماع قبل أن يتأمل مظنة أن ينظمه في سلك ما قد يرمي به على سبيل الجزاف من غير تحقق وإيقان، فأتبعه ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ نفيا لذلك، وقد أصيب به المحز اتباع "نفسه" "الخليفة"، إزالة لما عسى يتوهم السامع أنك في قولك "جاءني الخليفة" متجوز أو ساه، وتقرير كونه حالا مؤكدة ظاهر.
وكذلك فصل ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لمعنى التقرير فيه للذي قبله، لأن قوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مسوق لوصف التنزيل بكمال كونه هاديا، وقوله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تقديره كما لا يخفى "هو هدى" وأن معناه: نفسه هداية محضة بالغة درجة لا يكتنه كنهها، وأنه في التوكيد والتقرير لمعنى: أنه كامل في الهداية كما ترى"١.
"ج" الفصل للبدل:
والحالة المقتضية للإبدال أن يكون الكلام السابق غير واف، والمقام مقام اعتناء بشأنه، إما لكونه مطلوبا في نفسه أو غريبا أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا. فيعيده المتكلم بنظم أوفى منه.
ومن أمثلته:
قول الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما
فصل "لا تقيمن" عن "ارحل" لقصد البدل، لأن المقصود من كلامه
стр. 110
هذا كمال إظهار الكراهة لإقامته بسبب خلاف سره العلن، وقوله: لا تقيمن عندنا، أوفى بتأدية هذا المقصود من قوله: "ارحل" لدلالة ذاك عليه بالتضمن مع التجرد عن التأكيد، ودلالة هذا عليه بالمطابقة مع التأكيد، كذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ١ فصل ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا﴾ عن ﴿قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ لقصد البدل، ولك أن تحمله على الاستئناف، لما في قوله: ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ من الإجمال المحرك للسامع أن يسأل ماذا قالوه٢.
الفصل لكمال الانقطاع:
وذلك حين يكون بين الجملتين جهة جامعة بأن:
"أ" تختلفا خبرا وطلبا:
مثل قوله:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار٣
وقوله:
ملكته حبلى ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي٤
وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب
لأنه أراد الدعاء بقوله "انتقم الله" وكذا قولهم "مات فلان ﵀".
стр. 111
"ب" ألا يكون بين الجملتين مناسبة:
كأن تكون في حديث ويقع في خاطرك بغتة حديث آخر، لا جامع بينه وبين ما أنت فيه بوجه فتفصل، ومثال ذلك: أن تكون في حديث مثل "كان معي فلان فقرأ -ثم خطر ببالك أن صاحب حديثك جوهري ولك جوهرة لا تعرف قيمتها، فتعقب كلامك قائلا: "لي جوهرة لا أعرف قيمتها هل أرينكها".
أو تكون في حديث ويقع في خاطرك بغتة حديث آخر بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد مقامك عنه ويدعوك إلى ذكره داع فتورده مفصولا، ومثال ذلك: وجدت أهل مجلسك في ذكر خواتم لهم يقول واحد منهم خاتمي كذا -يصفة بحسن صياغة وملاحة نقش ونفاسة فص وجودة تركيب وارتفاع قيمة، ويقول آخر: كذا ... ، ويقول آخر: ... وإن خاتمي بديع الشكل خفيف الوزن لطيف النقش ثمين الفص إلا أنه واسع لا يمسكه إصبعي، وأنت حين قلت: إن خاتمي ضيق تذكرت ضيق خفك وعناءك منه، فلا تقول: وخفي ضيق، لنبو مقامك عن الجمع بين الخاتم وذكر الخف، فتختار القطع قائلا: خفي ضيق، قولوا ماذا أفعل؟ ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ من هذا القبيل، قطع ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عما قبله، ولكون ما قبله حديثا عن القرآن، وإن من شأنه كيت وكيت، وكون الذين كفروا حديثا عن الكفار وعن تصميمهم في كفرهم. والفصل لازم للانقطاع، لأن الواو معناه الجمع.
ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله:
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسن كريم١
"ج" أن تريد قطع الجملة الثانية عن الأولى٢:
стр. 112
والحالة المقتضية للقطع نوعان:
أحدهما: أن يكون للكلام السابق حكم وأنت لا تريد أن تشركه الثاني في ذلك فتقطع، ويسمى "قطعا".
وثانيهما: أن يكون الكلام السابق بفحواه، كالمورد للسؤال فتنزل ذلك منزلة الواقع، ويطلب بهذا الثاني وقوعه جوابا فيقطع عن الكلام السابق لذلك، ويسمى "استئنافا".
١- القطع:
وهذا القطع إما أن يأتي على وجه الاحتياط، وإما على وجه الوجوب، ووجه الاحتياط: إذا وجد قبل الكلام السابق كلام غير مشتمل على مانع من العطف عليه، مثل قوله:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم
لم يعطف "أراها" كيلا يحسب السامع العطف على "أبغي" دون "تظن" ويعد "أراها في الضلال تهيم" من مظنونات سلمى في حق الشاعر وليس هو بمراد، إنما المراد: أنه حكم الشاعر عليها بذاك، ... ، وإياك أن ترى الفصل لأجل الوزن، فما هو هناك١.
ومن أمثلة القطع للوجوب:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٢ لم يعطف ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ للمانع عن العطف، بيان ذلك، أنه لو عطف لكان المعطوف عليه، إما جملة "قالوا" وإما جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ لكن لو عطف على ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾
стр. 113
لشاركه في حكمه، وهو كونه من قولهم، وليس هو المراد، ولو عطف على "قالوا" لشاركه في اختصاصه بالظرف المقدم، وهو ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ وليس هو المراد، فإن استهزاء الله بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سولت لهم أنفسهم بكل حال، خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا إليها -ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ١، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ ٢.
٢- القطع للاستئناف:
وهو الإجابة عن سؤال مقدر في الجملة الأولى: ولا يصار إليه إلا لجهات لطيفة، إما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه أن يسأل، أو لئلا يسمع منه شيء، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه، أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ، ومن أمثلته العديدة قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣. فصل ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ ليقع جوابا للسؤال الذي يخطر من قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ وهو: إي والله نبئنا على أي مخلوق تنزل؟ " ومن الآيات الواردة على الاستئناف قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ... ﴾ ٤.
فإن الفصل في جميع ذلك بناء على أن السؤال الذي يستصحبه تصور مقام المقاولة من نحو، فماذا قال موسى؟ فماذا قال فرعون؟ وكذلك قوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ ٥ الفصل على: ماذا قال؟ وماذا قالوا؟.
стр. 114
ومثله قول الشعر:
زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت
كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وذلت١
فصل "كذب العواذل" فلم يعطفه ليقع جوابا لسؤال اقتضاه الحال عند شكواه من النساء العاذلات بقوله: "زعم العواذل أنه كان كيت وكيت. وهو هل كذب العواذل في ذلك أم صدقن؟ ... إلخ"٢.
٣- فصل جمل الحال٣:
ويقول السكاكي:
وإذا لخصنا الكلام في الفصل والوصل إلى هذا الحد، فبالحري أن نلحق به الكلام في الحال التي تكون جملة، لمجيئها تارة مع الواو وأخرى لا معها، فنقول وبالله التوفيق: "واو" الحال أصلها العطف -ولأن حكم الحال مع ذي الحال أبدا نظير حكم الخبر مع المخبر عنه، ... ، والخبر ليس موضعا لدخول الواو، لذا امتنعت الواو عن الحال المؤكدة، وأصلها أن تكون وصفا ثابتا نحو "هو الحق بينا" و"زيد أبوك شفيقا"، وفي التنزيل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ ٤، وأيضا عن الحال المطلقة وأصلها أن تكون وصفا غير ثابت كاسم الفاعل واسم المفعول نحو "جاء زيد راكبا" و"سلم عليَّ قاعدا".
стр. 115
"أ" الجملة الحالية ذت المضارع المثبت:
إذا جاءت فعلية ومضارعها مثبت نحو "جاءني زيد يسرع" أو "يتكلم" أو "يعدو فرسه" فالوجه ترك الواو.
"ب" الجملة الحالية ذات المضارع المنفي:
ويجوز فيها الفصل والوصل، والفصل أرجح، نحو "جعلت أمشي ما أدري أين أضع رجلي" وقول الشاعر:
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر١
وقول الشاعر:
أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد٢
"ج" الجملة الحالية ذات الماضي المثبت والمنفي:
يجوز فيها الفصل والوصل، والفصل أرجح، نحو قولك: أتاني وقد جهده السير، أو: أتاني قد جهده السير، وأيضا، أخذتُ أجتهد ما كان يعنيني أحد، وأخذت أجتهد وما كان يعنيني أحد.
"د" الجملة بعد النكرة إن وصلت تكون حالا وإن فصلت تكون صفة:
في مثل قولك: جاءني رجل وعلى كتفه سيف، بالواو عند إرادة الحال، وتركها عند إرادة الصفة، نحو جاءني رجل على كتفه سيف، لامتناع عطف الصفة على موصوفها.
стр. 116
"هـ" الجملة الاسمية المنفية بـ "ليس":
تأتي مفصولة وموصولة، ولكنها مع "الواو" أدور مثل قولك "أتاني وليس معه غيره" و"أتاني ليس معه غيره" وقول الشاعر:
إذا جرى في كفه الرشاء ... خلى القليب ليس فيه ماء
"و" الحال الظرف:
ويجوز فيها الفصل والوصل، نحو قولك: رأيته على كتفه سيف، ورأيته وعلى كتفه سيف.
стр. 117
ثانيا: السكاكي وفن الوصل ١:
١- يقسم السكاكي الجمل إلى قسمين "جمل لها محل من الإعراب" وأخرى "لا محل لها من الإعراب"، ويبين أن عطف جملة على ما لها محل من الإعراب ليس مشكلا، إنما المشكل أن تعطف جملة على أخرى لا محل لها من الإعراب.
٢- وسهولة العطف بحروف العطف جميعا تتحقق من اتباع ثلاثة أصول هي: معرفة الموضع الصالح له حرف العطف، ومعرفة فائدة هذا الحرف في ربط الجملتين -إذا كان الفاء أو ثم أو حتى أو بل ... إلخ - ومعرفة كونه مقبولا في مكانه لا مردودا - واتباع هذه الأصول مع الواو يحتاج إلى بصر بالحاجة إلى الوصل بها أو طرحها.
٣- وإذا كان كل واحد من وجوه الإعراب دالا على معنى كما تشهد لذلك قوانين علم النحو، فإن فائدة الواو هي مشاركة المعطوف والمعطوف عليه في ذلك المعنى، وشرط كون العطف بالواو مقبولا أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جهة جامعة، بخلاف نحو: الشمس ومرارة الأرنب، وسورة الإخلاص والرجل اليسرى من الضفدع.
٤- سبب دقة مسلك الوصل بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب أن الأصول الثلاثة السابقة في شأنه غير ممهدة، وهذا ما جعل أئمة علم الأصول يقصرون البلاغة على معرفة الفصل والوصل.
стр. 118
أولا: الوصل للتوسط بين كمال الاتصال وكما الانقطاع:
وهي أن تختلفا خبرا وطلبا، وأن يكون المقام مشتملا على ما يزيل الاختلاف من تضمين الخبر معنى الطلب، أو الطلب معنى الخبر ومشركا بينهما في جهات جامعة، ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ١. فإن الكلام مشتمل على تضمين الطلب معنى الخبر، وذلك أن قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ معطوف في على قوله ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ والمعنى: فلما جاءها قيل بورك وقيل ألق عصاك، لما عرفت في علم النحو أن هذه لا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول، وإذا قيل: كتبت إليه أن ارجع، وناداني أن قم، كان بمنزلة: قلت له ارجع وقال لي قم. ومن ذلك: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا﴾ ٢ أي وقلنا: اتخذوا، إلى غيرها من الشواهد التي عددها السكاكي.
أو أن تتفق الجملتان خبرا، والمقام على حال إشراك بينهما في جوامع، ثم كلما كانت الشركة أكثر وأظهر كان الوصل بالقبول أجدر، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٤، وغير ذلك"٥.
стр. 119
ثانيا: الثبوت والتجدد مع الجملتين الموصولتين:
يقول السكاكي: واعلم أن الوصل من محسناته أن تكون الجملتان متناسبتين ككونهما اسميتين أو فعليتين، وما شاكل ذلك. فإذا كان المراد من الإخبار مجرد نسبة الخبر إلى المخبر عنه من غير التعرض لقيد زائد، كالتجدد والثبوت، وغير ذلك لزم أن تراعي ذلك فتقول: قام زيد وقعد عمرو، أو: زيد قائم وعمرو قاعد، وكذا: زيد قام وعمرو قعد، وأن لا تقول: قام زيد وعمرو قاعد، وكذا: قام زيد وعمرو قعد ... إلخ. كما سبق في علم النحو أمثال ذلك، أما إذا أريد التجدد في أحدهما والثبوت في الأخرى، كما إذ كان زيد وعمرو قاعدين، ثم قام زيد دون عمرو، وجب أن تقول "قام زيد وعمرو قاعد بعد"، وعليه قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ١. المعنى سواء عليكم "أحدثتم الدعوة لهم أم استمر عليكم صمتكم عن دعائهم" لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله دون أصنامهم، وكانت حالهم المستمرة أن يكونوا عن دعوتهم صامتين، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ ٢، المعنى: أجددت وأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك أم اللعب، أي أحوال الصبا بعد استمرارها عليك؟ استبعادا منهم أن تكون عبادة الأصنام من الضلال.
وبعد فلم يكن تقعيد السكاكي جافا كله، معقدا كله، فثمة مسحة من الذوق والأسلوب الطريف في المعالجة كانت تبزغ هنا أو هناك، ثم تغيب في لجة الضبط والتقعيد، وجاء القزويني ليقضي على هذا المسحة، بل ويقضي على كل شيء ...
وليس فيما فعله السكاكي ما يستحق الوقوف لديه، سوى أننا سنعيش مع المصطلح وتشعب المصطلح والخلافات الجانبية بعد أن ودعنا الفن ساعة تركنا الزمخشري والجرجاني ومن سبقوهما.
стр. 120
ثالثا: تلخيص القزويني وشرح السبكي
أولا: تلخيص القزويني
...
أولا: تلخيص القزويني:
- شبه كمال الانقطاع وشبه كمال الاتصال:
لخص القزويني تلخيص السكاكي، هذه هي القضية، وخالفه في قشور ورد في مسائل جانبية، فلا مبرر لاستعراض ما فعل، ويكفي أنني اضطررت إلى عرض الفصل والوصل كاملا عند السكاكي لأنه الأصل الذي اعتمد عليه القزويني ومن جاء بعده، والقزويني هو صاحب مصطلح "شبه كمال الانقطاع"، و"شبه كمال الاتصال" فلم يخرج في تعريف كمال الاتصال وكمال الانقطاع عما ذكره السكاكي١، ولم يخرج في تعريف التوسط بين الكمالين عما قاله السكاكي أيضا٢، وفي أثناء حديثه عن مبررات الفصل يقول في "التلخيص" "فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية فالفصل، نحو "وإذا خلوا" لم تعطف "الله يستهزئ بهم" على "قالوا" لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف كما مر، وإلا، فإن كان بينهما كمال الانقطاع بلا إيهام أو كمال الاتصال أو "شبه أحدهما" فكذلك، وإلا، فالوصل٣.
وهذا النص يشرحه في كتابه "الإيضاح" بقوله: "وإن لم يكن للأولى حكم، كما سبق، فإن كان بين الجملتين كمال الانقطاع وليس في الفصل إيهام خلاف المقصود كما سيأتي، أو كمال الاتصال أو كانت الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى، أو بمنزلة المتصلة بها، فكذلك يتعين الفصل"١.
في "التلخيص" لم يذكر القزويني مصطلح "شبه كمال الانقطاع" أو "شبه كمال الاتصال"، واستعمل مصطلح السكاكي قائلا "أما كون الجملة الثانية كالمنقطعة عن الأولى فلكون عطفها عليها موهما عطفها على غيرها، ويسمى الفصل بذلك قطعا"٥، وكذلك في ذكر الحال المقتضية لشبه كمال الاتصال
стр. 121
يقول عن الجملة الثانية "أما كونها كالمتصلة فلكونها جوابا لسؤال اقتضته الأولى فتنزل منزلتها فتفصل عنها كما يفصل الجواب عن السؤال"١.
إذًا فالمصطلحان قد ذاع أمرهما على يد الشراح، ولم يلجأ إليهما القزويني -فيما أظن- في تلخيصه إلا من باب الاختصار، ونفي الزوائد، لكي يكون تلخيصا دقيقا، احتاج بعد ذلك إلى "إيضاح"٢.
стр. 122
ثانيا: شرح السبكي:
١- الفصل والوصل بين المفردات١:
تميز السبكي في أثناء شرحه للتلخيص بتوقفه عند فصل المفردات ووصلها، وهذا الأمر ليس جديدا فقد تكلم فيه الجرجاني ومن سبق الجرجاني من نحاة وبلاغيين، ولكن حين تصدر "المفتاح" ساحة البلاغة وتزعم "التلخيص" الدراسات البلاغية، صار الجديد أن يعاد ذكر المطموس، ويزاح عن المطمور، ومن ذلك ما فعله السبكي مع وصل المفردات، يقول: قد علم حكم الجملتين في الفصل والوصل - أما المفردات فلم يتعرضوا لها في ذلك، والظاهر أنهم إنما تركوا ذلك لأنه في الغالب واضح، أو لأنه يعلم حكمه من الجملتين، ولذلك تجد -في أمثلة "المفتاح" وغيره حين يمثل بوصل أحد الجملتين- كثيرا من المفردات، والذي ينبغي، التعرض لذلك فنقول: الأصل في المفرد فصله مما قبله، لأن ما قبله إما عامل فيه "زيد قائم" فلا يعطف المعمول على عامله، أو معمول فلا يعطف العامل على معموله، أو كلاهما معمول والفعل يطلبهما طلبا واحدا فلا يمكن عطفه، لأنه يلزم قطع العامل عن الثاني مثل "علمت زيدا قائما" ونحو ذلك، إلا ما سنذكره في عطف أحد الخبرين على الآخر، لكن قد يأتي ذلك في بعض المفردات، فلا بد له من ضابط فنقول:
إذا اجتمع مفردان، وأمكن من جهة الصناعة، عطف أحدهما على الآخر، فإن كان بينهما جامع وصلت وإلا فصلت، ولنمش على اصطلاحهم في الجمل، فنقول في ذلك أقسام:
أحدها: أن يكون بين المفردين: "كمال انقطاع بلا إيهام غير المراد" مثل: "زيد عالم قائم" فإنه لا جامع -بين هذين الخبرين معتبر، وكذلك "جاء زيد لابسا ثوبا ضاربا عمرا"- وكذلك الأسماء قبل التركيب نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، وحروف الهجاء: نحو ألف باء ...
وكذلك: جاء زيد راضيا وضاحكا، يتحدان باعتبار المناسبة بين الضحك والرضى، وليسا هنا -مسندين، بل هما متعلقان بصاحب الحال. أو الاتحاد بمعنى عمل الفعل السابق فيهما، ولا حرج عليك في تسمية ذلك إسنادا- إن
стр. 123
شئت -فقد سبق نظيره عن سيبويه والسكاكي، وتارة يقع الاتحاد في المسند فقط، وإن لم يوافق على تسمية ذلك إسنادا، فقل في النسبة: جاء زيد وعمر ضاحكا وباكيا، فقد اشتركا في "جاء"، وتارة يقع الاتحاد في المنسد إليه فقط مثل: زيد عالم آكل.
٢- الفصل والوصل بين جملة ومفردة١:
يقول السبكي: وإذا علمت حكم الفصل والوصل بالنسبة إلى الجملتين، وبالنسبة إلى المفردين، فلا يخفى حالهما عليك بالنسبة إلى جملة ومفرد، وقد جوز أكثر النحاة عطف الفعل على الاسم، وعطف الاسم على الفعل، إذا كان كل منهما في تقدير الآخر، وقال السهيلي: يحسن عطف الفعل على الاسم إذا كان اسم فاعل ويقبح عطف الاسم على الفعل، قال: فمثل "مررت برجل يقوم قاعد" ممتنع إلا على قبح، وجوزه "الزجاج" كعطف الفعل على الاسم، والأكثرون على الجواز، قال تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ٣.
وبعد فإن ما فعله السكاكي والقزويني والسبكي ممن لف لفهم كان عظيما في عصرهم مفيدا في نظرهم موافقا لذوقهم، ولكنه ليس بهذه الدرجة لا في منهجنا ولا في أذواقنا.
الثاني: أن يكون "كمال الانقطاع وفي الفصل إيهام غير المراد" نحو "ظننت زيدا ضاربا وعالما" فيجب العطف، إذ لو لم يعطف لتوهم أن "عالما" معمول لقولك "ضاربا".
الثالث: كمال الاتصال: بأن يكون تأكيدا معنويًّا أو لفظيًّا أو عطف بيان أو بدلا، نحو: جاء زيد نفسه، وجاء زيد زيد أبو عبد الله، وجاء زيد القائم،
стр. 124
فلا يعطف شيء من ذلك، أو يكون بمنزلة خبر واحد كقولك: هذا حلو حامض، إذا جعلناهما خبرين.
الرابع: شبه كمال الانقطاع: بأن يكون للمفرد الأول حكم لا يقصد إعطاؤه للثاني، نحو: زيد مجيب -إن قصد- صالح، إذا أردت الإخبار بأنه صالح مطلقا، فإن عطف "صالح" على "مجيب" يوهم أنه "صالح" إن قصد، لأن الشرط في أحد المتعاطفين شرط في الآخر، بخلاف الشرط في واحد من خبري المبتدأ، وتارة يكون عطفه على المفرد قبله يوهم عطفه على غيره، نحو، "كان زيد ضاربا عمرا قائما" فلو قلت: وقائما، لأوهم أنه معطوف على "عمرا" المفعول.
الخامس: أن يكون بينهما التوسط بين كمال الانقطاع وكمال الاتصال كقولك: زيد معط مانع، على أن يكونا خبرين فإنك إذا أردت جعل الثاني صفة تعين الوصل.
ثم ذلك في المفردات يكون أيضا بالاتحاد، فتارة يتحد فيه باعتبار المسند، ونعني به مدلول المفرد، والمسند إليه: وهو العامل في المفردين، مثل: زيد كاذب ومائن، أو قاعد وجالس. فإنه يجوز عطف أحدهما على الآخر مع اتحاد اللفظ، كقوله:
فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا١
стр. 125
الفصل الرابع: تذوق الفصل والوصل في القرآن الكريم:
أولا: أوجه القصور في قواعد البلاغيين للفصل والوصل:
١- قواعد الفصل:
حددوا للفصل قواعد خمسا:
الأولى: أن تتحد الجملتان اتحادًا تامًّا بحيث تنزل الثانية من الأولى منزلة نفسها، بأن تكون مؤكدة لها مثل قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ١، أو موضحة ومبينة لها مثل قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ ٢، أو بدلا منها، بدل كل، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ٣، أو بدل بعض، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٤، أو بدل اشتمال، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥.
وسموا ذلك "كمال الاتصال".
والثانية: أن يكون بين الجملتين تباين تام، وذلك باختلاف الجملتين، خبرا وإنشاء لفظا ومعنى، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٦، أو معنًى فقط "نجح خالد وفقه الله"، وألا تكون بينهما مناسبة، بشرط ألا يوهم الفصل خلاف المقصود نحو قول الشاعر:
الفقر فيما جاوز الكفافا ... من اتقى الله رجا وخافا
وسموا ذلك: "كمال الانقطاع".
والثالثة: أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الأولى، فتفصل الثانية عن الأولى كما يفصل الجواب عن السؤال، لما بينهما من الاتصال مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ٧.
стр. 126
وسموا ذلك "شبه كمال الاتصال".
والرابعة: أن تسبق جملة بجملتين يصح عطفها على إحداهما ولا يصح عطفها على الأخرى لفساد المعنى، فيترك العطف دفعا لتوهم أن تكون الجملة معطوفة على التي لا يصح العطف عليها، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ١ لأنه لو عطف، لعطف ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إما على جملة ﴿قَالُوا﴾ وإما على جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ وكلاهما لا يصح.
وسموا ذلك "شبه كمال الانقطاع".
والخامسة: أن تكون الجملتان متفقتين خبرا أو إنشاء، وبينهما رابطة قوية، ولكن يمنع من العطف مانع، وذلك بأن يكون للجملة الأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ٢ فإنهم مفسدون في جميع الأحوال قيل لهم لا تفسدوا أو لا.
وسموا ذلك "التوسط بين الكمالين" مع قيام المانع من الوصل٣.
٢- قواعد الوصل:
حددوا للوصل قواعد ثلاثا:
أولاها: أن تكون الجملة الأولى لها موقع من الإعراب وأريد إعطاء الثانية هذا الحكم الإعرابي، وكان هناك مناسبة ولا مانع من الوصل مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.
стр. 127
ثانيها: أن تتفق الجملتان خبرا أو إنشاء، لفظا ومعنى أو معنى فقط، مع وجود المناسبة بينهما، وليس هناك مانع من الوصل، ومثال الخبريتين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ١، ومثال الإنشائيتين قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ ٢، ومثال الإنشائية معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٣.
وسموا ذلك "التوسط بين الكمالين".
ثالثها: أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع مع إيهام الفصل خلاف المقصود مثل: "لا وعافاك الله"٤.
هذه هي القواعد التي رسخت بيننا، واكتسبت حصانة ضد المساس بها بالرغم من صعوبتها، حتى صارت عنوانا على جمود البلاغة وعقمها.
وقد قصر البلاغيون المتفلسفون حين داروا في فلك تقعيد السكاكي ولم يكلفوا أنفسهم عناء الإلمام بما قدم الجرجاني والزمخشري وسابقوهما من جهد ممتاز، لفاقة كانت في ذوقهم وثقافتهم وعصرهم وحضارتهم٥.
وقصرنا نحن -بالرغم من تغير الظروف والإمكانات- حين عشنا عالة عليهم، لا نفكر في الخروج على ما ورثناه منهم، ورحنا نهاجم السكاكي ونمجد البلاغيين البلغاء من الجاحظ حتى الزمخشري، ونحن مكبلون في أصفاد "المفتاح"، ... ، إلى اليوم ونحن نمزق البلاغة إلى علوم ثلاثة كما فعل السكاكي وتلميذه، ... ، إلى اليوم ونحن ندرس موضوعات المعاني والبيان والبديع بالشكل الذي قرره السكاكي وتلاميذه ... والغريب بل المحير، أن الدراسات الجامعية في
стр. 128
البلاغة تتوصل إلى حقائق طيبة ثم لا تأخذ طريقها إلى التطبيق والذيوع، فمازلنا في معبد السكاكي ومفتاحه.
٣- أوجه القصور:
فن الفصل والوصل في القرآن الكريم يكشف عما في القواعد من قصور، فهي:
أولا: قد خصت الفصل والوصل بالجمل، والقرآن الكريم قد فصل ووصل بين الجمل وبين المفردات أيضا.
ثانيا: أنها قد حصرت الفصل في أداة واحدة وهي "طرح الواو" بينما فصل القرآن بـ "واو الاستئناف" و"الفاء" و"ثم" و"بل" و"أم المنقطعة" و"ضمائر الفصل" و"الجملة المعترضة" و"الاستثناء المنقطع"، كما حصرت الوصل في "الواو" فقط بينما وصل القرآن الكريم بجميع حروف العطف وجميع حروف الربط.
ثالثا: أنها سمت الفصل بين الخبرية والإنشائية كمال الانقطاع وجعلت الاتفاق بين ركني الجملة خبرًا أو إنشاء مبررًا للوصل، بينما جوز سيبويه وبعض أئمة النحو عطف الخبرية على الإنشائية١، وعدد الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة اثنى عشر موضعًا في القرآن الكريم عطفت فيها الخبرية على الإنشائية والعكس، من مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ٣، و ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ٣، و ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا
стр. 129
تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ١، و ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ٢، وغيرها٣.
رابعا: أن ما أطلق عليه كمال الانقطاع مع إيهام الفصل خلاف المقصود، وضربوا له مثلا "لا وعافاك الله" يعتبر دليلا على عطف الإنشائية على الخبرية و"لا" بمعنى "أنفي ذلك" فهي جملة خبرية، و"عافاك الله" جملة خبرية لفظا إنشائية معنى "دعاء"، هذا، بالإضافة إلى أنها تصلح أن تؤدي المعنى بطرح الواو، فالمتكلم حين يقول للمخاطب "لا" ثم يتوقف لحظة ثم يستأنف كلامه داعيا له بقوله "عافاك الله" يكون قد أدى المعنى بلا لبس.
خامسا: أن هذه القواعد لم تراع المعنى العام ولا السياق الجامع المتجانس الذي اقتضى فصلا هنا ووصلا هناك. وانكمشت في أمثلة تعليمية، وشواهد محدودة، غاضة الطرف عن رحاب القرآن الفسيحة، الذي يخضع لوحدة موضوعية فنية، وصورة كلية أجزاؤها السور مجتمعة، ثم كل سورة على حدة لما حوت من آيات، وكل آية بما حوت من ألفاظ، بل وكل لفظة بما حوت من حروف.
وبعيدا عن تشعب هذه القوانين وتداخلها أقول -إن المقياس الحقيقي لقبول الفصل أو الوصل هو أن تؤدي العبارة- في إطار السياق العام- الغرض من صياغتها في إيصال المعنى إلى المخاطب في أوضح صورة وأحلاها، فإذا أدى الوصل بين مفردين أو جملتين إلى معنى غير المقصود، أو إلى المعنى المقصود بصورة رديئة أو بصورة لا يقبلها العقل وجب الفصل، وإذا كان الفصل سببا في الإيهام بغير المقصود أو في فقدان المنطقية الفنية أو العقلية أو فقدان الرشاقة في الأسلوب وجب الوصل.
стр. 130
لذا لم يبعد من رأي أن البلاغة في معرفة الفصل من الوصل، فالبلاغة معرفة كيف نصوغ ما يدور في أنفسنا من معان بألفاظ لا تحتمل اللبس، موصوفة بالصفاء مزدانة بالجمال والخصوبة، لأنها وصلت فيما بينها وكان يجب أن توصل، وفصلت فيما بينها وكان يجب أن تفصل.
والناس في معرفة هذا وتذوقه ... درجات.
стр. 131
ثانيا: تذوق الفصل والوصل في القرآن الكريم
...
فصل القرآن الكريم بين المفردات، وفصل بين أركان الجملة الواحدة، وفصل بين الجملتين وفصل بين عدة جمل.
أولا: الفصل بين المفردات بطرح الواو:
وذلك في قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ ١، وفي قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ ٢، وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ ٣.
ثانيا: الفصل بين أركان الجملة الواحدة:
وكان ذلك بضمائر الفصل أو بالجملة المعترضة.
"أ" الفصل بضمائر الفصل:
وقد أشار إليه سيبويه٤ والفراء٥ والمبرد٦ والجرجاني٧ والزمخشري٨ وغيرهم، ويشرح المالقي معنى ضمائر الفصل بقوله: "اعلم أن هذه الألفاظ "أنا وأنتَ وأنتِ وأنتما وأنتن" ضمائر منفصلة ... وإنما سماه البصريون باب الفصل لأن هذه الألفاظ المذكورة يفصل بها بين الخبر وذي الخبر من غير اعتداد بها في الإعراب ولا احتياج إليها في العودة على الأسماء، وإنما وضعت تأكيدا ... ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٩، وقوله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ ١٠، وقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ١١، وقوله:
стр. 132
يوجد سقط في الأصل.
"ب" الفصل بالجملة المعترضة:
وأشار إليها ابن جني٢ وابن وهب٣ والجرجاني٤ والزمخشري٥، ويعرفها الزركشي بأن "يؤتى في أثناء كلام أو كلامين متصلين معنى، بشيء يتم الغرض الأصلي بدونه، ولا يفوته بفواته، فيكون فاصلا بين الكلام والكلامين لنكتة"٦، ومثال الفصل بين أركان الجملة الواحدة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ٧، و ﴿أُولَئِكَ﴾ خبر، و ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ اعتراض"٨ وأيضا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا -وَلَنْ تَفْعَلُوا- فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ ٩، ﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ اعتراض بين فعل الشرط وجوابه، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ- قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ١٠ فاعترض بين "إذا" وجوابها، بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ فكأنه أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا١١.
стр. 133
ثالثا: الفصل بين الجملتين، ومن أدواته:
١- واو الاستئناف:
أشار إليها الزمخشري١، وعنها يقول الزركشي: وتسمى "واو القطع"، وهي التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها في المعنى ولا مشاركة في الإعراب ويكون بعدها الجملتان، فالاسمية كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ٢، والفعلية كقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ ٣ ... وإنما سميت واو الاستئناف لئلا يتوهم أن ما بعدها من المفردات معطوف على ما قبلها٤.
٢- الفاء:
أورد الدكتور محمد عبد الخالق عضمية مثالين لفاء الاستئناف في "دراسات لأسلوب القرآن" قائلا "وتحتمل الفاء الاستئناف في قوله تعالى:
"أ" ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] في العكبري ٢/ ٣٥ "فيضل" بالرفع، ولم ينصب على المعطوف على "ليبين" لأن العطف يجعل معنى المعطوف كمعنى المعطوف عليه. والرسل أرسلوا للبيان لا للضلال، وقال الزجاج: ولو قرئ بالنصب على أن تكون اللام للعاقبة لجاز، وانظر ما قاله السمين: الجمل ٢/ ٥٠٧".
стр. 134
"ب" ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ [النحل: ٢٨] في العكبري ٢/ ٤٣ "فألقوا" يجوز أن يكون معطوفا على ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ، ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾ ويجوز أن يكون مستأنفا، البحر "٥/ ٤٨٦"١.
والمالقي في رصف المباني يذكر أننا إذا أردنا الاستئناف بعدها من غير تشريك بجملتين، كانت حرف ابتداء، إما للكلام، وإما يأتي بعدها المبتدأ وخبره نحو: قام زيد فهل قمت، وقام زيد فعمرو منطلق ... ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ٣.
٣- ثم:
وتأتي للاستئناف، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ٤، ومنها قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٥، ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٦.
٤- أم المنقطعة:
وأشار إليها الزمخشري٧، وعنها يقول الزركشي: وهي بمعنى "بل" وتقدر بـ "بل" و"الهمزة" واختلفوا في كونها عاطفة أو غير عاطفة، ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿الم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٨، ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ تقديره: بل أيقولون؟ "٩.
стр. 135
٥- بل:
وأشار إليها الزمخشري١، وعنها يقول الزركشي: "حرف يفيد الإضراب عن المعنى الأول وإثبات المعنى الثاني"، فهو يقطع ويفصل، ولأن إثبات الثاني لم يجيء إلا بإبطال الأول، فهو مرتبط به موصول بوجوده، أي أنه فصل موصول، أو قطع مربوط، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٢. ومن أنواع الإضراب الانتقال من حديث إلى حديث آخر، والخروج من قصة إلى قصة من غير رجوع عن الأولى، وهي في هذه الحالة عاطفة -كما قال الصفار- كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ ٣، وكقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٤. انتقل من القصة الأولى إلى ما هو أهم منها -ومن أنواع الإضراب القطع الصريح، بأن تكون "بل" استئنافية، كقوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ٦.
٦- الجملة الاعتراضية:
وتفصل بين الجملة للتنزيه -كما يقول الزركشي- كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ -سُبْحَانَهُ- وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٧. فاعتراض سبحانه بغرض التنزيه والتعظيم، وفيه الشناعة على من جعل البنات لله، ومنها كون الثاني بيانا للأول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ٨، فإنه
стр. 136
اعتراض وقع بين قوله "فأتوهن" وبين قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ١، وهما متصلان معنى لأن الثاني بيان للأول، كأنه قيل: فأتوهن من حيث يحصل منه الحرث، وفيه اعتراض بأكثر من جملة ... إلخ٢.
٧- الاستثناء المنقطع:
أشار إليه الطبري٣ والزمخشري٤، وعنه يقول المالقي: اعلم أن "إلا" حرف معناه الاستثناء ولفظه موضوع لذلك ... وهي تنقسم إلى قسمين: قسم يخرج بعض الشيء من كله وهو الذي يسمى "الاستثناء المتصل"، وقسم بمعنى "لكن" ويسمى ما يكون له كذلك "الاستثناء المنفصل، والاستثناء المنقطع"، وضرب الزركشي أمثلة له منها قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ٦، وقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ ٧ ... إلخ٨.
رابعا: الفصل بين عدة جمل:
مثل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ٩.
ثانيا: مواضع الوصل:
"١" الوصل بين المفردات:
وصل القرآن الكريم بأدوات الربط، ولم يقتصر على حروف العطف كما سنرى، وقد توقف الجرجاني عند "إن" التي تغني غناء الفاء العاطفة، وضرب أمثلة عديدة من القرآن الكريم منها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٢ وغيرها٣.
وتوقف أيضا عند الوصل بـ "الذي" ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، كما اجتلب الحرف "ذو" ليتوصل إلى الوصف بأسماء الأجناس: نحو: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، ونحو: مررت برجل ذي مال٤.
وتوقف الزمخشري عند حرف الجر "على"٥، و"لام الجر"٦ و"إلى"٧ و"قد"٨ و"ربما"٩ وأداتي الشرط "إن" و"إذا"١٠.
والمتتبع لمعاني أدوت الربط في القرآن يلحظ ظاهرة جديرة بالدرس، وهي أن الأداة بمعناها العام حيث تربط بين معنيين أو تفصل بينهما تكتسب معنى جديدا إضافيا، مما نستطيع معه أن نحدد المعنى الأصلي للأداة -بلا اطراد- والمعاني الإضافية التي اكتسبتها من وصلها أو قطعها. يقول الزركشي في الكلام على المفردات من الأدوات " ... ولهذا توزع الكلام على حسب مواقعها"، "أي
стр. 139
مواقع الحروف"، وترجح استعمالها في بعض المحال على بعض بحسب مقتضى الحال"١، وقد امتلأت كتب معاني الحروف والنحو والتفسير باجتهادات العلماء في هذا المضمار.
فمثلا "الواو"٢ يقول فيها الزركشي "الواو -حرف يكون عاملا وغير عامل، فالعامل قسمان: جار وناصب ... وأما الواو غير العاملة فلها معان: الأول: وهو أصلها - العاطفة تشرك في الإعراب والحكم وهي لمطلق الجمع على الصحيح، ولا تدل على أن الثاني بعد الأول، بل، قد يكون كذلك وقد يكون قبله وقد يكون معه- فمن الأولى ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ٣ فإن الإخراج متأخر عن الزلزال، وذلك معلوم من قضية الوجود من "الواو"، ومن الثاني ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٤، والركوع قبل السجود، ولم ينقل أن شرعهم كان مخالفا لشرعنا في ذلك ... إلخ، والمعنى الثاني: واو الاستئناف: وتسمى واو القطع، والثالث: واو الحال: كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٥، والرابع: للإباحة: نحو، جالس الحسن وابن سيرين لأنك أمرت بمجالستهما معا، وعلى هذا أخذ مالك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٦، والخامس: واو الثمانية: نحو قوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ ٧، والسادس: للتوكيد، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٨، بدليل الآية الأخرى٩.
стр. 140
فالمعنى الأصلي للواو، كما يقرر الزركشي وغيره، أن تكون عاطفة تشرك في الإعراب والحكم وهي لمطلق الجمع، أما المعاني الإضافية فتلك التي اكتسبتها من وصلها بين مفردين أو جملتين أو فصلها بينهما.
وقد وصل القرآن الكريم بين المفردات "بالواو" كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ١، و"بالفاء" في قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ ٢، وبـ "أو" كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا، عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ٣، وبـ "أم" المتصلة كقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٤، وبحروف الجر نحو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٦ ... إلخ.
"٢" الوصل بين الجمل.
"أ" الوصل بين الجملة والمفرد:
وصل القرآن بين الجملة والمفرد، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ٧، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ ٨، وكذا قوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ
стр. 141
بِهِ نَقْعًا﴾ ١، وغيرها٢.
"ب" الوصل بين الجملة والجملة:
وصلهما القرآن الكريم بالعديد من الروابط، وصلهما "بالفاء"، و"ثم"، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٣، وبـ "أو"، قال تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ ٤، وبـ "أم" المتصلة، قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ ٥، وبـ "أن" ناصبة المضارع، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ ٦، و"أن" المخففة من الثقيلة، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٧، وهي في ربطها أضيفت إليها معان أخرى٨، وكذا "أن" وتكون للتوكيد كالمكسورة المشددة، نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ ٩، وتأتي بمعنى لعل١٠، و"إن" الشرطية، نحو ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ١١، و"إذًا": وتدل على إنشاء السببية والشرط بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها١٢ نحو قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ ١٣، ومثلها "إذا": الشرطية، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ١٤، "ومن": نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ
"ج" الوصل بين مجموع جمل ومجموع جمل أخرى:
وإليه أشار الجرجاني بقوله "فأمر العطف إذا موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة، أو تعمد أخرى إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضا على بعض، ثم تعطف مجموع هذه على مجموع تلك، وضرب لذلك مثلا، قول المتنبي:
تولوا بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا
فكان مسير عيسهم زميلا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا١
وأيضا أشار إلى جمل الشرط المعطوفة على جمل الجزاء بقوله: "وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به، وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى ثم جعلتا بمجموعهما شرطا، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٢، الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة منهما دون الأخرى، لأنا إذا قلنا: أنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شرطين، وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين وليس معنا إلا جزاء واحد٣.
وكما تربط أيضا بين أداة الربط وبين مجموع جمل ومجموع جمل أخرى، تربط أيضا بين عناصر القصة، أو تربط بينها وبين ما يشبهها في المضمون أو الهدف، ليتحولا إلى قصة طويلة متعددة الأجزاء، ففي سورة البقرة عطف قصة المنافقين من أول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤، إلى قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ٥ على
стр. 144
قصة الذين كفروا، من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ لأن المنافقين جبناء يظهرون غير ما يبطنون، فلا يناسبهم في المقام إلا أن يعطفوا بقصتهم على قصة الكفار، وبذا تصير القصتان قصة طويلة لها جزآن٣.
стр. 145
ثالثا: فن الفصل والوصل
١- مقدمة:
عاش فن الفصل والوصل في وجدان الناطق العربي، الذي احتاج أن يربط بين معنى ومعنى برابط، أو يقطع معنى عن معنى بقاطع، وهو في فصله ووصله يهدف إلى تحقيق غاية جمالية يسموا إليها، لأنه يحرص على أداء فكرته في وضوح لا لبس فيه لتصل إلى المخاطب في جمال وجلاء.
والنصوص تشهد أن الحس العربي المصفى كان يتوقع الوصل حين لا يجد وصلا، ويبحث عن الفصل حين يفتقده، وكان يفاضل بين رابط ورابط حتى يستقيم الشكل مع المضمون، وقصة أبي بكر الذي رفض من الأعرابي قوله "لا عافاك الله" وطالبه بأن يقول "لا وعافاك الله" تدل على ذلك.
وهذا الزبرقان بن بدر يهجوه المخبل، فيتحول الهجاء مدحا بوصل جاء مكان فصل، قال المخبل يهجو الزبرقان بن بدر:
وأبوك بدر كان ينتهس الحصى ... وأبي ربيعة بن قبال١
فقال الزبرقان: لا بأس، شيخان اشتركا في ضيعة٢.
فقد تنبه الزبرقان إلى أن المخبل وصل بين الأبوين بالعاطف وكان يجب أن يفصل، فانتهزها فرصة ووصم أبا المخبل بأنه كان يشترك في الصناعة التي هجى بها أبوه.
والحسن البصري يفرق بين "الواو" و"ثم" حين قال له رجل "قد تركت ذلك لله ولوجوهكم"، فقال: "لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم، وآجرك الله"٣.