"ج" طرح الواو وهو المشهور.
٣- الفصل في المفردات مدخل إلى الفصل في الجمل:
يقول: "كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغنى بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه، وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكَّد، كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغنى بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها. فإذا قلت: "جاءني زيد الظريف" و"جاءني القوم كلهم" لم يكن "الظريف" و"كلهم" غير زيد وغير القوم١.
٤- الفصل في الجمل:
ويكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغنى بربط معناها لها عن حرف عطف بربطها وهي:
"أ" كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف، والتأكيد غير المؤكد، ومثال ما هو من الجمل كذلك. مثل قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٢ قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ بيان وتوكيد وتحقيق لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ وزيادة تثبيت له وبمنزلة أن نقول: "هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب"٣.
ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
стр. 37
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ توكيد ثانٍ أبلغ من الأول٢.
- وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ٣، إنما قال: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ولم يقل: "ويخادعون" لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم "آمنا" من غير أن يكونوا مؤمنين. فهو إذن، أُكِّد به كلام آخر هو في معناه وليس شيئا سواه٤.
٥- الجمل المفصولة المؤكدة للجمل المنفية:
"ومما جاء فيه الإثبات بـ "إن وإلَّا" على هذا الحد قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٦.
أفلا ترى أن الإثبات في الآيتين جميعا تأكيد وتثبيت لنفي ما نفي، فإثبات ما علمه النبي ﷺ وأوحى إليه ذكرًا وقرآنًا تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون قد علم الشعر -وكذلك إثبات ما يتلوه عليهم وحيًا من الله تعالى تأكيد وتقرير لنفي أن يكون نطق به عن هوى"٧.
стр. 38
٦- جمل الحال المفصولة:
"أ" فصل جمل الحال الاسمية:
إن كان الخبر في جملة من المبتدأ والخبر ظرفًا، ثم كان قُدِّم على المبتدأ كقولنا: "عليه سيف" و"في يده سوط" كثر فيها أن تجيء بغير واو. فمما جاء منه قول بشار في مدح خالد بن برمك:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي على سواد
يعني: علي بقية من الليل
وقد يجيء ترك "الواو" فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ذلك قولهم: "كلمته فوه إلى في"، و"رجع عوده على بدئه" في قول "من رفع" ومنه بيت الإصلاح١.
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدرى٢
"ب" فصل جمل الحال الفعلية:
١- جملة الحال ذات المضارع المثبت:
وهذه لا تكاد تجيء بالواو، بل ترى الكلام على مجيئها عارية من الواو، كقولك: "جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه"، وكقول الشاعر:
وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قُدَيْدِيمَة الجوزاء مسموم٣
стр. 39
٢- ذات المضارع المنفي:
ومع هذه يتغير الحكم، فتجيء الواو، وتترك كثيرا، وذلك مثل قولهم:
"كنت ولا أخشى بالذئب"١، وقول مالك بن رفيع وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير:
بغاني مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد
أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد٢
فأما مجيء المضارع منفيًا حالا من غير الواو، فيكثر أيضا ويحسن، فمن ذلك قوله:
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر٣
٣- ذات الماضي:
ولا تقع حالا إلا مع "قد" مظهرة أو مقدرة -أما مجيئها "بالواو"، فالكثير الشائع، كقولك: "أتاني وقد جهده السير"، وأما بغير "الواو"، فكقوله:
متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل٤
стр. 40
ب- مادة الوصل:
١- منزلة الواو بين أدوات الوصل:
إنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف، وذاك، كما يقول الجرجاني - لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن "الفاء" توجب الترتيب من غير تراخ، و"ثم" توجبه مع تراخ، و"أو" تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا بعينه ... وليس "للواو" معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول ... ولا يتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه، وإذا كان كذلك -ثبت إشكال المسألة١.
٢- الواو تصل بين الأشباه والنظائر:
وذلك ألا تقول: "زيد قائم وعمرو قاعد" حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني، وجملة الأمر، أنها لا تجيء حتى يكون المعنى لِفْقًا لمعنى في الآخر، ومضاما له، مثل، زيد وعمرو، إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة، فلو قلت: "خرجت اليوم من داري" ثم قلت: "وأحسن الذي يقول بيت كذا" قلت ما يضحك منه، ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله:
لا والذي هو عالم أن النوى صبر ... وأن أبا الحسين كريم
وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ولا تعلق لأحدهما بالآخر٢.
стр. 41
٣- وتصل بين النقائض لعلاقة:
"وكذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأول. فلو قلت: "زيد طويل القامة وعمرو شاعر"، كان خلفا، لأنه لا مشاكلة، ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما الواجب أن يقال: "زيد كاتب وعمر شاعر"، و"زيد طويل القامة وعمرو قصير"، ... وكذا السبيل أبدا، والمعاني في ذلك كالأشخاص١.
٤- الوصل ليس بحروف العطف فقط:
الوصل بـ "إنَّ":
يقول الجرجاني: "اعلم أن من شأن "إن" أن تغني غناء الفاء العاطفة وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا، فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، ومقطوعا موصولا معا، أفلا ترى أنك لو أسقطت "إن" من قول الشاعر:
بكرا صاحبيَّ قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
ومثله قول بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء
فانظر إلى قوله:
... ... ... ... ... إن غناء الإبل الحداء
стр. 42
وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن تشبهه بهن وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه ثم انظر إذا تركت "إن" فقلت:
فغنها وهي لك الفداء ... غناء الإبل الحداء
كيف تكون الصورة؟ وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر حتى تجتلب لهما الفاء، فتقول:
فغنها وهي لك الفداء ... فغناء الإبل الحداء
وهذا الضرب كثير في التنزيل جدًّا١.
واعلم أن الذي قلنا في "إن" ... لا يطرد في كل شيء وكل موضع بل يكون في موضع دون موضع، وذلك فيما لا يحصى٢.
стр. 43
٥- الوصل في المفردات مدخل لمعرفة الوصل في الجمل:
يقول: "ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول، وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب، نحو: أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله. والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك١.
٦- الوصل في الجمل على ضربين:
"وإذا كان هذا أصله في المفرد، فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين:
الضرب الأول: أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب، وإذا كان كذلك كان حكمها حكم المفرد، وكان وجه الحاجة إلى الواو ظاهرا، والإشراك بها في الحكم موجودا. فإذا قلت: مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح، كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى. وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنه صفة للنكرة.
والضرب الثاني: وذلك بأن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى، كقولك "زيد قائم وعمرو قاعد"، وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه، ولِمَ لَم يستو بين أن تعطف وبين أن تدع العطف، فتقول: "زيد قائم وعمرو قاعد" بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى والثانية فيه؟ "٢.
وإذا كان المخبَر في الجملتين واحدًا، ازداد المعنى قوة بالواو "كقولنا هو يقول ويفعل، وينفع ويضر، فتكون أوجبت له الفعلين جميعا، وجعلته يفعلهما
стр. 44
معا، ولو قلت: يضر ينفع من غير واو لم يجب ذلك بل قد يجوز أن يكون قولك: "ينفع" رجوعا عن قولك: "يضر" وإبطالا له١.
الصلة تزيد الفعلين اقترانا "فإذا وقع الفعلان في مثل هذا٢ في الصلة٣ ازداد الاشتباك والاقتران، حتى لا يتصور تقدير إفراد أحدهما عن الآخر، وذلك في مثل قولك: "العجب من أني أحسنت وأسأت، ويكفيك ما قلت وسمعت"٤.
٧- وصل مجموع جمل بمجموع جمل أخرى:
وهذا فن خاص دقيق، مما يقل نظر الناس فيه من أمر "العطف" أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف، جملة أو جملتان، مثال ذلك قول المتنبي:
تولوا بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا
فكان مسير عيسهم ذميلا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا
قوله: "فكان مسير عيسهم ذميلا" معطوف على "تولوا بغتة" دون ما يليه من قوله "ففاجأني" لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى من حيث إنه يدخل في معنى كأن، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة، ويكون متوهما، كما كان تهيب البين كذلك، والسبب أن الجملة المتوسطة بين المعطوفة أخيرا وبين المعطوف عليها الأولى "تولوا بغتة"، وذلك أن الثانية مسبب والأولى سبب، ألا ترى أن المعنى: "تولوا بغتة فتوهمت أن بينا تهيبني"، ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة، وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشيء الواحد، وكان منزلتها منها منزلة المفعول والظرف، وسائر ما
стр. 45
يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده على الجملة، وأن يعتد كلاما على حدته١.
وشيء آخر دقيق:
وهو أنك إذا نظرت إلى قوله: "فكان مسير عيسهم ذميلا" وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه، ولكن تجد العطف قد تناول جملة البيت مربوطا آخره بأوله، ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه، مستدعيا بكاءه، وموجبا أن ينهمل دمعه، فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان الدمع، وأن يوفق بينهما، ... ، فأمر العطف إذن موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة، وتعمد أخرى إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضا على بعض، ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك٢.
٨- العطف على جمل الحال:
الحال تجيء مفردة وجملة، والقصد هنا -يقول الجرجاني- إلى الجملة، وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة بالواو وأخرى بغير الواو.
فمثال مجيئها مع الواو، قولك: أتاني وعليه ثوب ديباج.
ومثال مجيئها بغير الواو قولك: جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه.
وفي تمييز ما يقتضي الواو مما لا يقتضيه صعوبة. فإذا كانت الجملة من مبتدأ وخبر، فالغالب عليها أن تجيء مع الواو كقولك: "جاءني زيد وعمرو أمامه"، وإذا كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال، لم يصلح بغير الواو ألبتة، وذلك كقولك: "جاءني زيد وهو راكب"٣.
стр. 46
٩- جمل الشرط المعطوفة على جمل الجزاء:
وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به، وذلك أنك ترى، متى شئت، جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى، ثم جعلتا بمجموعهما شرطا، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ١ [النساء: ١١٢] .
ويقول: الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة منهما دون الأخرى، لأنا إن قلنا: إنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شرطين اقتضتا جزائين، وليس معنا إلا جزاء واحد٢، وإن قلنا: إنه في واحدة منهما دون الأخرى لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بالشرط، وذلك ما لا يخفى فساده.
ثم إنا نعلم من طريق المعنى أن الجزاء الذي هو احتمال البهتان والإثم المبين، أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين، فليس هو لاكتساب الخطيئة على الانفراد ولا لرمي البريء بالخطيئة والإثم على الإطلاق، بل لرمي الإنسان البريء بخطئية أو إثم كان من الرامي.
وكذلك الحكم أبدًا.
فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد، بل بها مقرونا إليها أن يدركه الموت عليها٣.
стр. 47
١٠- العطف عل جواب الشرط بالواو:
متى عطفت على جواب الشرط بالواو، كان ذلك على ضربين:
أحدهما: أن يكونا شيئين يتصور وجود كل منهما دون الآخر، ومثاله قولك: إن تأتني أكرمك أعطك وأكسك.
والثاني: أن يكون المعطوف شيئا لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط لذلك سببا فيه بواسطة كونه سببا للأول، ومثاله قولك: إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته وخرجت، فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان، فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين، نحو: إذا رجع الأمير استأذنته وإذا استأذنته خرجت١.
стр. 48
ثانيا: الجرجاني يبرز المضمون ويحلل عناصر الجمال:
ليس الشكل بمعزل عن المضمون، ولا الصياغة بمنأى عن معناها، فهما وجهان لفكرة نبتت في كيان صاحبها حتى إذا نضجت خرجت تؤدي دورها في شكل ألفاظ وجمل وفقرات، وكلما تميز الشكل وتحددت معالمه وضح المضمون وأفصح عن مقاصده، ونضج المضمون يؤدي إلى اختيار الشكل الدقيق القادر على التلبيغ والتأثير، فهما معا يخدمان الغاية التي قصد إليها المتكلم.
والجرجاني هنا أراد أن يبرز بلاغة الفصل والوصل فيسلك سبيلين:
أحدهما: ضبط القواعد لإحكام الشكل.
الآخر: تحليل عناصر الجمال.
وكان ذلك من خلال عرض فني برع في نسج خيوطه، معتمدا على حسن اختيار للشواهد، وعلى التريث أمام مواطن الجمال والصبر على التحليل.
أما حسن الاختيار:
فنراه قد تبدى فيه ذوق الجرجاني المعروف -والاختيار جزء من صاحبه- فهو ذوق فيه رفاهية وثراء وخصوبة، فتارة يستشهد بالآيات القرآنية الكريمة التي ظهر فيها الفصل أو الوصل، بدرجة من الوضوح والجمال تؤكد عمق فهم الجرجاني لفن الفصل والوصل، وتارة يتمثل بأبيات من الشعر اتسمت بالصنعة الفنية المتقنة.
ويبدو أنه قد تأنق في اختيارها وامتحن قدرتها على العطاء قبل تقديمها، انظر إليه يتحدث عن الشعر الشاعر والكلام الفاخر قائلا: ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل في الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع، وحتى تعلم -إن لم تعلم القائل- أنه من قيل شاعر فحل، وأنه خرج من تحت يد صناع، وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء
стр. 49
فقلت: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر الشاعر والكلام الفاخر ... ، ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة أبيات، بل أن تفلي ديوانا من الشعر، حتى تجمع منه عدة أبيات، وذلك مثل قول الأول، وتمثل به أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم:
تمنانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لأمهم السرابا
فقد لاقيتنا فرأيت حربا ... عوانا تمنع الشيخ الشرابا
انظر إلى موضع "الفاء" في قوله: "فقد لاقيتنا فرأيت حربا"١.
بهذا المفهوم يقدم لنا شواهد فن الفصل والوصل قائلا: "ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام ... "٢ أو "من النادر أيضا في ذلك قول الآخر ... "٣ أو "من الحسن البين في ذلك قول المتنبي ... "٤ أو قال "أرطاة بن سهية وهو لطيف جدا"٥.
ومع الآيات القرآنية يقول: "ومن الواضح البين في هذا المعنى، قوله تعالى ... "٦ أو "ومما هو في غاية الوضوح، قوله تعالى ... "٧.
وأحيانا يلجأ إلى جفاف علم الكلام، ويوغل في عرض فكرته من خلال "فإن قلت: ... فالجواب: أن السبب في ذلك ... ، وإن قلت: ... قيل: ... ، ومما يدل على فساد ذلك ... إلخ"٨.
стр. 50
ولكن هذا لا يقلل من حسن الاختيار وجمال العرض، فالجرجاني له طريقة خاصة في عرض موضوعاته، تعتمد على إقناع القارئ بإثارته وترغيبه واستدراج اهتمامه بمختلف الأدلة والعديد من الشواهد مع الصبر على التحليل، والتكرار الذي يصل إلى درجة الإلحاح في بيان مدى أهمية الفكرة وقيمتها وأسرارها البلاغية، هو لا يُعلِّم قارئه، إنما يسامره في مجلس علم ... إن الحديث من القرى.
وهو بارع في التحليل الفني. ومن الصعوبة اختيار مثال على ذلك، فجلها مثير وطويل، ولنأخذ مثالا مختصرا. حين يحلل كيف تأتي الجملة الثانية مفصولة لتؤكد المعنى في الجملة الأولى، يقول: ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ... ﴾ ١ لم يأت معطوفا نحو "وكأن على أذنيه وقرا" لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع، إلا أن الثاني أبلغ وآكد في الذي أريد، وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفى أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معهن ويكون لها تأثير فيه، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل، ولا شبهة في أن التشبيه بمن "في أذنيه وقر" أبلغ وآكد في جعله كذلك من حيث كان لا يصلح منه السمع -إن أراد ذلك- أبعد من أن يكون لتلاوة ما يتلى عليه فائدة من الذي يصح منه السمع، إلا أنه لا يسمع إما اتفاقا وإما قصدا إلى أن لا يسمع -فاعرفه وأحسن تدبره٢. وفي بيان سبب فصل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٣ عن ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ يسطر الصفحات، ويدور مع الآية، ويفتن في التحليل، ثم لا يكتفي بما فعل، فيعلق قائلا "وإذا استقريت وجدت هذا -الذي ذكرت لك، من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب ما يقتضي سؤالا منزلته إذا صرح بذلك السؤال- كثيرا، فمن لطيف
стр. 51
ذلك ... "، ويأتي على سبعة أبيات مختارات، ويتولى شرح جمال الفصل فيها١.
أما عن ضبط القواعد، فهو لا يترك الأمر إلى التحليل والاستحسان، إنما نراه يخلص إلى قاعدة محددة يبرزها ويدور حولها شرحا وتحليلا. ونستطيع أن نشير إلى بعض تلك القواعد التي بنى عليها شكلا محكما للفصل والوصل.
- فالواو لها منزلة خاصة بين أدوات الوصل وهي تصل بين الأشباه والنظائر وأيضا بين النقائض لعلاقة.
- الوصل ليس بحروف العطف فقط بل بها وبـ "إنَّ".
- الوصل يكون في المفردات كما هو في الجمل.
أما عن وصل الجمل:
- فإذا كانت الجملة الثانية مع التي قبلها حال الاسم، يكون غير الذي قبله إلا أنه يشاركه في الحكم، ويدخل معه في معنى، مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافًا أو مضافًا إليه، فيكون حقها العطف والغاية إشراك الثانية في حكم الأولى.
- وإذا أخبرت الجملتان عن مسند إليه واحد مثل "هو ينفع ويضر" ازداد المعنى بالوصل قوة وازداد اقترابا بينما يؤدي الفصل إلى نقيض هذا المعنى.
- جملة جواب الشرط يعطف عليها المعنى المستقل عنها مثل "إن تأتني أكرمك أعطك وأكسك"، وأيضا المعنى المترتب عليها مثل "إذا رجع الأمير أستأذنت وخرجت" فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان.
- وكما يكون الوصل بين جملة وجملة، يكون بين مجموع جمل ومجموع جمل
стр. 52
أخرى، وكذلك جمل الشرط إذا توالت يوصل مجموعها بمجموع جمل الجزاء مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] .
وأما عن الفصل:
فهو استئناف معنى جديد، غير المعنى الذي سبقه، لكنه يتصل به في الاشتراك في المعنى العام للموضوع، فالوصل ربط المعنى الثاني بالأول وهما معا بالموضوع العام. والفصل قطع المعنى الثاني عن الأول اللذين يرتبطان معا بالموضوع العام.
ومن أدواته ترك العطف وضمير الفصل والجملة الاعتراضية.
- ويفصل بين المفردات كما يفصل بين الجمل.
- والجملة الثانية تفصل عن الأولى، إذا كانت صفة لها أو مؤكدة لها أو بدلا منها، فترك العطف، إما للاتصال إلى الغاية أو للانفصال إلى الغاية.
- ويكون الفصل بين الجمل إذا كانت الثانية منقطعة عن الأولى ولكنها تجيب عن سؤال منبثق من الأولى ... إلخ.
وهكذا فثمة قواعد ثابتة يدور حولها الكلام، قواعد العطف والتوكيد والجملة الحالية، وكلها تهدف إلى خدمة المعنى، فاستحالة الفصل توجب الوصل والعكس، والمعنى الذي نضج عند صاحبه وأراد له الوصول إلى المخاطب لا بد أن يكتسى ما يوضحه أو يؤكده أو يثبته أو يوجزه بحيث يكون مؤثرا. وهنا قد يكون الوصل أفضل أو الفصل أبلغ، والحكم هو جلاء المعنى وفاعليته مع ذكاء المتكلم, لاستجابة المستمع.
стр. 53
تحليل عناصر الجمال:
وقد تمثلت عناصر الجمال في:
١- الجانب المنطقي.
٢- مراعاة مقتضى حال المخاطب.
أقول، إن تحليل جمال المضمون يساعد على مزجه بالشكل، فالشكل جزء من المضمون وليس إطارا خارجيا له، والمضمون مؤثر في الشكل وليس جزأه الداخلي، وتفصيل جوانب جمال المضمون تفصيل للعوامل التي أثرت في المعنيين المتتاليين ففصلت بينهما أو وصلت، والمعاني في ذلك -يقول الجرجاني- كالأشخاص١ يفيدهم الالتحام لهدف كما يفيدهم الانفصال لهدف. وهدفهما وضوح المعنى في أحسن صورة من اللفظ، فيخرج من النفس ليستقر في النفس.
١- الجانب المنطقي:
استحالة الوصل توجب الفصل، والعكس، يقول الجرجاني "ومما هو أصل في هذا الباب أنك ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله، مثال ذلك، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٢ إنما جاء ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ مستأنفا مفتتحا بألا، لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك -والذي قبله من قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ حكاية عنهم، فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكحاية، ولصار خبرا من اليهود ووصفا منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون، ولصار كأنه قيل: "قالوا إنما نحن مصلحون، وقالوا إنهم هم المفسدون"، وذلك ما لا يشك في فساده٣.
стр. 54
وكذلك يأتي الوصل لاستحالة الفصل:
وذلك إذا قلت "جاءني وغلامه يسعى بين يديه"، و"رأيت زيدا وسيفه على كتفه". يقول الجرجاني - كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية ثم استأنفت خبرا، وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه، ولما كان المعنى على استئناف الإثبات احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء بالواو، كما جيء بها في قولك: زيد منطلق وعمرو ذاهب ... فإن قلت: قد علمنا أن علة دخول "الواو" على الجملة أن تستأنف الإثبات ولا تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد، ولا تنزل الجملة منزلة المفرد، ولكن بقي أن تعلم ... ، وما الذي منع في قولك: جاءني زيد وهو يسرع أو هو مسرع أن يدخل الإسراع في صلة المجيء، ويضامه في الإثبات ... فالجواب: أن السبب في ذلك أن المعنى في قولك: جاءني زيد وهو يسرع، على استئناف إثبات للسرعة، ولم يكن ذلك في "جاءني زيد يسرع"، وذلك أنك إذا أعدت ذكر زيد، فجئت بضميره المنفصل لمرفوع، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول "جاءني زيد وزيد يسرع" في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل "يسرع" حتى صلة المجيء وتضمه إليه في الإثبات، وذلك أن إعادتك ذكر زيد لا يكون حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع، وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة، لأنك إن لم تفعل ذلك تركت المبتدأ -الذي هو ضمير "زيد" أو اسمه الظاهر- بمضيعة، وجعلته لغوا في البين "أي: بينهما"، وجرى مجرى أن تقول: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه"، ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما، ولم تبتدئ للسرعة إثباتا، وأن حال "يسرع" ها هنا حاله إذا قلت: "جاءني زيد يسرع"، فجعلت السرعة له، ولم تذكر "عمرا"، وذلك محال١.
стр. 55
٢- مراعاة مقتضى حال المخاطب:
وذلك:
"أ" بإيضاح المعنى له عن طريق التوكيد:
والتوكيد لا يأتي إلا بجملة مفصولة، تحمل نفس معنى الجملة الأولى ولا غرض لها سوى أن تثبت المعنى في نفس المخاطب، مثلما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦ و٧] ، فقوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ تأكيد ثانٍ أبلغ من الأول، لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر، كان في غاية الجهل، وكان مطبوعا على قلبه لا محالة١.
"ب" بإشباع حاجة نفسه إلى المعرفة:
فالشاعر اليزيدي يحكي لنا:
ملكته حبلى ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي
وقال:
إني في الهوى كاذب ... ... ... ... ... ...
وكأنه أحس أن المستمع يتشوف إلى معرفة رأي الشاعر فيمن اتهمه بالكذب، ماذا سيفعل به؟ أيعاقبه أم يدعو عليه؟ فيجيب اليزيدي بمعنى مستأنف مفصول عما قبله جوابا لهذا السؤال المتوقع، ويكون:
... ... ... ... ... ... انتقم الله من الكاذب٢
стр. 56
ومثله قول المتنبي:
وما عفت الرياح له محلا ... ... ... ... ... ..
ولما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح، ... ، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل من واحد، أن يسأل المستمع: فما عفاه إذا؟ فيجيب المتنبي مستأنفا معنى جديدا مفصولا عن المعنى الأول:
. ... ... ... ... ... ..عفاه من حدا بهم وساقا١
وفي القرآن من هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٢، يقول الجرجاني: وها هنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف، وهو: أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا: كيت وكيت، تحرك السامعين لأن يعلموا -مصير أمرهم وما يصنع بهم، أتنزل بهم النقمة عاجلا أم لا تنزل ويمهلون- وتوقع في أنفسهم التمني لأن يتبين لهم ذلك، وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام الذي هو قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ في معنى ما صدر جوابا عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين وإذا كان مصدره كذلك، كان حقه أن يؤتى به مبتدأ غير معطوف ليكون في صورته إذا قيل: فإن سألتم قيل لكم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٢.
ويبدو هذا أيضا في التنزيل في لفظ "قال" الذي يأتي مفصولا غير موصول، ففي قوله تعالى في قصة ضيف إبراهيم:
- ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ .
- ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾ .
стр. 57
- ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ .
- ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ .
- ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ .
- ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ .
- ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ ١.
يقول الجرجاني: جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال.
فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين، إذا قيل لهم: "دخل قوم على فلان، فقالوا كذا" أن يقولوا: "فما قال هو؟ " ويقول المجيب "قال كذا ... " أخرج الكلام ذلك المخرج. لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه، وكذلك في قوله: ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ وذلك أن قوله: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول: فكأنه قيل والله أعلم: "فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم؟ " فأتى قوله: ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ جوابا عن ذلك. وكذا: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ لأن قوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ يقتضي أن يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره، فكأنه قيل: "فما قالوا حين رأوه، وقد تغير ودخلته الخيفة؟ " فقيل: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ وذلك -والله أعلم- المعنى جميع ما يجيء منه على كثرته، كالذي يجيء في قصة فرعون عليه اللعنة، في رد موسى عليه السلام٢، ومما هو في غاية الوضوح في سورة الحجر٣، وفي سورة
стр. 58
يس١ وغيرها٢، والجمل المستأنفة المفصولة تقوم بهذا الغرض خير قيام.
وبعد، فقد أقام الجرجاني صرحه هذا على قاعدتين أساسيتين في إعادته تشكيل المادة.
- أنه ضبط قواعد الفصل والوصل ليحكم ويحدد المعالم، ثم انطلق يحلل عناصر الجمال التي تمثلت في نظره في الجانب المنطقي الذي يخاطب العقول والمعقول عند المستمع أو القارئ ... ثم راعى:
- جانب التأثير النفسي الذي يهتم بمراعاة مقتضى حال السامع بإيضاح المعنى له بطريق التوكيد، وبطريق الإجابة عن سؤاله المتوقع لإشباع حاجة نفسه إلى المعرفة.
ومع الجرجاني نلحظ أنه لم يقصر الفصل والوصل على الجمل بل جعل المفردات مدخلا لها -بالرغم من أنه لم يتوقف عند هذا الجانب. ولم يقصر الوصل على حرف الواو فقط، ولم يكن الوصل عنده بين المفردات والجمل فقط، بل كان أيضا بين مجموع جمل ومجموع جمل أخرى، وكان بمجموع جمل الشرط على مجموع جمل الجزاء -الأمر الذي لم يلتفت إليه أحد من البلاغيين التالين.
ورأى الجرجاني أن الواو في وصلها تجمع بين الأشباه والنظائر، وتجمع أيضا بين النقائض لعلاقة، والعلاقة تتضح من السياق، أي أن الجمال عنده موضعي، وقد كان هذا كافيا ليعلم من يريد تقعيد البلاغة أن البلاغة ليس من طبيعتها احتمال كل ما بها من قواعد راسخة، وإنما هي أيضا تطبيقات واجتهادات تسمح باجتهادات أخرى أوسع وأعمق، وسنرى هذا الجانب واضحا عند
стр. 59
الزمخشرى الذي فتح آفاقا عجيبة في فن الفصل والوصل، وطوف ما طوف، فجنى ما جنى، وكانت ثمارا طيبة.
وبقدر ما كان للجرجاني فضل على درس الفصل والوصل لكنه أضر بالفصل والوصل. فالعنصر الكلامي في معاجلة الجرجاني المتكلم الأشعري قد تسرب منه إلى كل من عالج الدرس البلاغي، كل قدر ما يستطيع أو قدر ما يستسيغ، كما أنه لم يلفت النظر إلى ضرورة الخروج إلى رحاب القرآن الكريم للتحرر من قيد الشواهد التعليمية الراسخة، فما أن اختارها للتطبيق حتى صارت ثوابت لا يجوز الخروج عليها، وعذره أنه كان يضع الأسس التي انتظرت المطبق لها، المضيف إليها، والمعترض عليها أيضا، من علمه وذوقه، الأمر الذي قام به الزمخشري كما قلنا.
ومما سببه الجرجاني أيضا بدون قصد -أن اللاحقين تصوروا أنه قد وضع الشكل النهائي لفن الفصل والوصل. فراحوا يطبقون ويشرحون ويلخصون، ولم يتصوروا أن الجرجاني قد وضع الأساس لكي يرتفع البناء، فضاعت منهم -ومنا- أجمل سني عمرهم وأروع ثمرات جهدهم في الشروح والتلخيص.
стр. 60
الفصل الثالث: الفصل والوصل بعد الجرجاني:
أولا: الزمخشري:
الزمخشري والفصل:
تمهيد:
١- تعريف الفصل والوصل:
سأدع النصوص تكشف عن جهود الزمخشري في رسم معالم الفصل والوصل وجمالياته، وأقصد من وراء هذا إلى تفتيق جوانب الموضوع حين طرح على صعيد القرآن الكريم بيد صناع، وأقصد أيضا إلى تبيان أن البلاغة تذوق مبني على أحكام عامة متفق عليها، على ألا تطغى الأحكام أو تنفرد الأذواق -وسيكون لي تعليق على جهود الزمخشري في نهاية التجوال.
في تعريفه للفصل والوصل يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ١. "الفصل: التمييز بين الشيئين، وقيل للكلام البين، فصل بمعنى المفصول، لأنهم قالوا: كلام ملتبس وفي كلامه لبس، والملتبس المختلط، فقيل في نقيضه فصل، أي مفصول بعضه من بعض، فمعنى فصل الخطاب، البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه، ومن فصل الخطاب وملخصه، أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل، فلا يقف في كلمة الشهادة على المستثنى منه، ولا يتلو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ٢، إلا موصولا بما بعده، ولا ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ﴾ حتى يصله بقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٣ ونحو ذلك، وكذلك مظان العطف وتركه، والإضمار والإظهار، والحذف والتكرار، وإن شئت كان الفصل بمعنى الفاصل ... "٤.
стр. 61
٢- الفصل وصل تقديري:
يلفتنا الزمخشري إلى أن الفصل وصل تقديري خفي، ففي قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ ١ فإدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي تقديري بالاستئناف، الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: "فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ " فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فوصل تارة بالفاء٢ وتارة بالاستئناف للتفنن في البلاغة، كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما: الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه٣.
أولا: من بلاغة الفصل:
١- قد يكون الفصل أبلغ من الوصل:
فالجملة التي تتوارد عل سبيل البيان، لا حاجة فيها إلى ذكر لفظ يدل على الربط، لأنها ما دامت كذلك فهي شيء واحد، أو جسم واحد، فإذا دخلها حرف وصل كان غريبا وشاذا، فآية الكرسي٤ قد ترتبت الجمل فيها من غير حرف عطف، فما من جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه، والبيان متحد بالمبين، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب بين العصا ولحائها، فالأولى: بيان لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه، والثانية: لكونه مالكا لما يدبره، والثالثة: لكبرياء شأنه، والرابعة:
стр. 62
لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى، والخامسة: لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره١.
٢- التناسق الداخلي للجمل أقوى من وصلها برابط:
ففي قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢، يقول الزمخشري: "والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا، وأن يقال: إن قوله ﴿الم﴾ جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة ثانية، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ جملة ثالثة"، و ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة. وموجب حسن النظم حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة٣.
٣- الفصل يزيد الأسلوب جزالة وفخامة:
ويلحظ الزمخشري ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ يقول: فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ، ولم يعطف على الكلام قبله؟ قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، وفيه أن الله هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء، ولا يؤبه له في مقابلته لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل، وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله٥.
стр. 63
٤- ويضفي عليه حسنا وقوة تأثير:
ويضرب الزمخشري لذلك مثلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١ اللام: جواب قسم محذوف، وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية، وفي أسلوبها قول القائل:
وجارة جساس أبأنا بنابها ... كليبا غلت ناب كليب بواؤها٢
وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب، ألا ترى أن المعنى: "ما أشد استكبارهم، وما أكبر عتوهم، وما أغلى نابا بواؤها كليب"٣.
ثانيا: من أدوات الفصل:
١- الفصل بالواو:
والواو تقع بين الجملتين لتفصل بين معنييهما، فتكون كل واحدة ذات معنى مستقل عن الآخر ومتميز عنه، فإذا تكررت الجملتان في مقام آخر وسقطت هذه "الواو"، كان الكلام واحدا، يقرر بعضه بعضا، يقول في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ٤. فإن قلت: هل اختلف المعنى بإدخال الواو ها هنا وتركها في قصة ثمود٥، قلت: إذا أدخلت "الواو" فقد قصد معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم، التسحير والبشرية،
стр. 64
وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا، وإذا تركت "الواو" فلم يقصد إلا معنى واحدا وهو كونه مسحرا ثم قرر بكونه بشرا مثلهم"١.
٢- الفصل بضمير الفصل:
يعرف الزمخشري ضمير الفصل بأنه "مختص بالوقوع بين جزأي الجملة٢ وبأنه عند البصريين "فصل"، وعند الكوفيين "عماد"٣، وأن فائدته: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، ويفيد التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره٤، وأشار إلى هذا المعنى في تفسيره الآيات التي فصلت بضمير الفصل من مثل ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ٥، و ﴿كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ ٦، و ﴿هُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٧، و ﴿إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ٨، و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ ٩، وغيرها.
٣- الفصل بالجملة الاعتراضية:
فقد تقع الجملة أو الجمل المعترضة في أثناء الكلام فتكون بين المبتدأ وخبره، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ -لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا- أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١٠. يقول: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب ما لا
стр. 65
يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد١، وتكون بين الفعل ومعموله٢ وبين البدل والمبدل منه٣ وبين القسم والمقسم عليه٤.
ولا بد لها من الاتصال بالكلام الذي وقعت معترضة فيه لأنها مسوقة لتوكيده وتقريره، يقول الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ ٥، وجملة: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقعت فاصلا معترضا غير أجنبي من المعدود، وذلك أن الله منَّ على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على ما حرمها والاحتجاج على من حرمها تأكيد وتسديد للتحليل، والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد٦. لقد أورد الزمخشري العديد من أنماط هذه الجمل الاعتراضية٧.
стр. 66
٤- الفصل بالاستثناء المنقطع:
في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ١. يقول: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلا ما هم عليه من أمانيهم وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم ... "، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ من الاستثناء المنقطع٢.
٥- الفصل بـ "بل":
وتكون للإضراب وللاستدراك.
أما الإضراب، فلا يتوقف على إلغاء الصفة وإثبات أخرى مثل ما في الآية الكريمة ﴿فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ ٣ فلما نكر عليهم الإمداد، وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه"٤ بل يكون الإضراب بإلغاء الصفة الجديدة التي أثبتت، بصفة أخرى أقوى منها وأشد، ففي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٥ فالإضراب الأول معناه: رد أن يكون حكم الله أن يتبعوهم وإثبات الحسد، والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه"٦.
أما الاستدراك: ففي قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ,
стр. 67
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ ١. يقول الزمخشري بل استدراك لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ﴾ ، يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك أو استدراج أم مسارعة في الخير٢.
٦- الفصل بـ "أم" المنقطعة:
وسميت المنقطعة، لوقوعها بين جملتين مستقلتين، ولا يفارقها حينئذ معنى الإضراب٣، وفي الكشاف يتوقف الزمخشري عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢. يقول: أم حسبتم "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده، ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات تشجيعا لرسول الله ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعدوانهم له، قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ ٣.
стр. 68
ثالثا: في تذوق الفصل:
١- الفصل لتثبيت المعنى وتوكيده ويكون:
"أ" بعطف البيان١:
لأن البيان يعني: أن المبين هو عين الشيء المتقدم، لأنه تفسير له وتبيين، وبهذا يتكرر ذكره، وقد يكون في المعطوف عليه معنى من المعاني التي يتميز بها فيصير هذا المعنى وصفا للمعطوف وعلامة له، يقول الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ ٢ سجل عليهم الظلم بأن قدَّم القوم الظالمين، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى القوم الظالمين وترجمته: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ ٣.
ويقول في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٤ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ مجرى المعطوف عطف البيان من المعطوف عليه في البيان والوضوح"٥.
"ب" وبالبدل:
وفائدة البدلية هنا التوكيد، يقول الزمخشري في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
стр. 69
الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ١: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وهو في حكم تكرير العامل كأنه قيل: "اهدنا الصراط المستقيم اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم"، كما قال ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ﴾ ، وفائدة البدل هنا، التوكيد، لما فيه من التثنية والتكرير والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين، ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان، فيكون ذلك في أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ثنيت ذكره مجملا أولا ومفصلا ثانيا، وأوقعت "فلانا" تفسيرا وإيضاحا للأكرم الأفضل فجعلته علما في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلا جامعا للخصلتين فعليه بفلان، فهو المشخص المعين لاجتماعهما غير مدافع ولا منازع٣.
"ج" وبالتوكيد:
ومن دواعي التوكيد التي ذكرها الزمخشري، ذلك الذي يكون لتقرير المعنى في نفس المخاطب وتثبيته، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا﴾ ٤، يقول: تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإن تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل ليتقرر في نفس رسول الله ﷺ أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله على أي وجه نزل إلا حكمة وصوابا"٥.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ٦، يقول الزمخشري: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ توكيد لـ ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لأن قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ معناه الثبات على اليهودية، وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ
стр. 70
مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رد للإسلام. ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه لأنه من حقر الإسلام فقد عظم الكفر"١.
٢- الفصل لإيضاح المعنى وبيانه:
وذلك في قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ ٢. فقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بأما ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ و ﴿أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأن العلم بكونه حقا من باب الهدي الذي ازداد به المؤمنون نورا إلى نورهم، وأن الجهل بحسن مورده من الضلالة التي زادت الجهلة خبطا في ظلماتهم٣، ومثله قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ٤ "أنزله بعلمه" معناه أنزله متلبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعها مما قبلها، موقع الجملة المفسرة، لأنه بيان للشهادة وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة٥.
стр. 71
٣- الفصل للتفصيل بعد الإجمال:
في آية الحث على الحج ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١ يقول: في هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد منها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته، ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل عنه من استطاع إليه سبيلا، وفيه ضربان من التأكيد، أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد، وتكرير له، والثاني: أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، إيراد له في صورتين مختلفتين٢، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٣ بالغ في تنبيهم على نعم الله حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، وذلك حين قال: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم عددها عليهم، وعرفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته، وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه النعمة فهو قادر على الثواب والعقاب، فاتقوه"٤، وأيضا في قوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آَمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هضِيمٌ﴾ ٥ ﴿فِي مَا هَا هُنَا﴾ في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ثم فسره بقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل"٦.
стр. 72
٤- الفصل للاستطراد:
وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ، لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ١، و"ثم" للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار، أما جملتا ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، و ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ فهما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل "وعلى ذكر فلان، فإن من شأنه كيت وكيت" ولذلك جاءا من غير عاطف٢.
٥- الفصل للإجابة عن سؤال مقدر "الاستئناف":
يعرف الزمخشري الاستئناف، بأنه: جواب لسؤال مقدر ٣ ويكون الجواب لإفادة السامع معلومة تزيل الغموض الذي أدى إلى حاجته إلى السؤال، وقد يخرج عن هذا الإطار إلى أغراض أخرى بأن يجاب عن السؤال بما يفيد:
- التعليل أو
- التعجب أو
- التوكيد أو
- بيان السبب.
ولنبدأ بالاستئناف الذي يزيل الغموض ويوضح الإبهام:
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤، وموقع ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ استئناف، كأنه قيل: كيف
стр. 73
يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون١، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ ٢، و ﴿رَضُوا﴾ استئناف، كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف٣.
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ، و ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ كلام مستأنف، كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره، اعترض سائل فقال: ما بالهم أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٥.
"ب" الاستئناف للتعليل:
في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ٦.
يقول الزمخشري يجوز أن يكون ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾ صفة للبطانة وكذلك ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ﴾ كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالا بادية بغضاؤهم -وأما وقد بينا، فكلام مبتدأ، وأحسن منه أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل، للنهي عن اتخاذهم بطانة"٧. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ
стр. 74
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ١ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد استئناف إبليس من الساجدين، كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٢.
"ج" الاستئناف للتعجب:
وقد تنطوي الإجابة على تعجب، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٣ يفسر الزمخشري: اللام جواب قسم محذوف، وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفي أسلوبها قول القائل:
وجارة جساس أبأنا بنابها ... كليبا غلت ناب كليب بواؤها٤
وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب، ألا ترى: ما أشد استكبارهم، وما أكبر عتوهم، وما أغلى نابا بواؤها كليب"٥.
"د" الاستئناف للتوكيد:
وذلك في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ٦. يقول الزمخشري المعتزلي: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ توحيد، وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ تعديل، فإذا أردفه قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين٧.
стр. 75
"هـ" الاستئناف لبيان السبب:
يقول في قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ١ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ الجملة في محل الرفع إن كان ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مبتدأ، وإلا فلا محل لها، ونظم الكلام على الوجهين: أنك إذا نويت الابتداء بالذين يؤمنون بالغيب، فقد ذهبت به مذهب الاستئناف، وذلك أنه لما قيل ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ واختص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فوقع قوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى ساقته، كأنه جوب لهذا السؤال المقدر، ... ، وإن جعلته تابعا للمتقين وقع الاستئناف على ﴿أُولَئِكَ﴾ ، كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى، فأجيب: بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا -واعلم أن هذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كقوله: "قد أحسنت إلى زيد، وزيد حقيق بالإحسان"، وتارة بإعادة صفته كقوله "أحسنت إلى زيد صديقك القديم" فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ، لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه٢.