← Тафсир

Тафсир · id 22912

الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور

حكمت بشير ياسين

Полный текст (2 189 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضر ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا وقوله (فلا تضربوا لله الأمثال) فإنه أحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد (إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه. قوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالا فلم يقدم فيه خيرا، ولم يعمل فيه بطاعة الله، وأخذ بالشكر، ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة قال الله تعالى ذكره (هل يستويان مثلا) ، والله ما يستويان (الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) . قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (لا يقدر على شيء) قال: هو الوثن (هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل) قال: الله يأمر بالعدل. وانظر سورة الفاتحة تفسير (الصراط المستقيم) : الإسلام. قوله تعالى (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال ابن كثير: يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السموات والأرض واختصاصه بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، كما قال: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) أي فيكون ما يريد كطرف العين.

стр. 1192

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (إلا كلمح البصر أو هو أقرب) والساعة: كلمح البصر، أو أقرب. ا. هـ. والمراد بالساعة أي: أمر قيام الساعة. قوله تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) انظر قوله تعالى (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) سورة الزمر آية (٦) . قوله تعالى (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) قال ابن كثير: ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى التي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسير الطير كذلك، كما قال تعالى في سورة الملك: (أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير) وقال ههنا: (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (مسخرات في جو السماء) أي في كبد السماء. قوله تعالى (والله جَعَلَ لَكمْ مّن بُيُوتكُمْ سَكَنا) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (من بيوتكم سكنا) قال: تسكنون فيها. قوله تعالى ( ... وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) انظر آية (٥) من السورة نفسها. أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (أثاثا) قال: متاعا. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (ومتاعا إلى حين) قال: إلى الموت.

стр. 1193

قوله تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) إي والله من الشجر ومن غيرها. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وجعل لكم من الجبال أكنانا) يقول: غيرانا من الجبال يسكن فيها (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) يعني: ثياب القطن والكتان والصوف وقمصها. قوله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) انظر سورة البقرة آية (١١٩) لبيان البلاغ أن عَليه ﷺ أن يكون بشيراً ونذيراً. قوله تعالى (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُون) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا، فورثناها منهم. قوله تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) وشاهدها نبيها، على أن قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) . قوله تعالى (ثم لا يؤذن للذين كفروا ولاهم يستعتبون) قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله (لا يؤذن) ولكنه بين في المرسلات أن متعلق الإذن الاعتذار؛ أي لا يؤذن لهم في الاعتذار، لأنهم ليس لهم عذر يصح قبوله، وذلك في قوله: (هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون) .

стр. 1194

قوله تعالى (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم يُنظرون) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف عنهم، ولا ينظرون أي لا يمهلون، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. وبين أنهم يرون النار، وأنها تراهم، وأنها تكاد تتقطع من شدة الغيظ عليهم؛ كقوله تعالى (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون) ، وقوله (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا) . قوله تعالى (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا معبوداتهم التي كانوا يشركونها بالله في عبادته قالوا لربهم ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك! وأن معبوداتهم تكذبهم في ذلك فيقولون لهم: كذبتم! ما كنتم إيانا تعبدون! وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: (ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) وقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا) . أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (فألقوا إليهم القول) قال: حدثوهم. قوله تعالى (وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ (وضل عنهم ما كانوا يفترون) . وانظر سورة البقرة آية (٢٠٨) .

стр. 1195

قوله تعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) قال ابن كثير: أي عذاباً على كفرهم وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق كقوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) أي ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضاً (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: (قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون) . قال الحاكم: حدثني علي بن عيسى ثنا إبراهيم بن أبي طالب ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: قال عبد الله ﵁ في قول الله (زدناهم عذاباً فوق العذاب) قال: عقارب أنيابها كالنخل الطوال. (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٣٥٥-٣٥٦- ك التفسير) ، ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني (٩١٠٤ و٩١٠٥) من طريق سفيان ويحيى بن عيسى عن الأعمش به، وأخرجه أيضاً (٩١٠٣) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ... وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٩١٠) رواه بالطبراني ورجاله رجال الصحيح وكذا في (٧/٤٨) قال نحوه، وأخرجه الطبري قال حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله (زدناهم عذابا فوق العذاب) قال. عقارب لها أنياب كالنخل. وسنده صحيح على شرط مسلم. قوله تعالى (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه يأتي بنبينا ﷺ شاهدا علينا. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله:

стр. 1196

(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ... ) الآية، وكقوله: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم) وكقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) . أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (تبيانا لكل شيء) قال: ما أمر به، وما نهى عنه. قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون) قال الحاكم: أخبرنا الحسن بن حليم المروزي، أنبا أبو الموجه، أنبا عبدان، أنبا عبد الله، أنبا عيينة بن عبد الرحمن الغطفاني عن أبيه عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ذنب أجدر أن تعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم. صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٣٥٦- ك التفسير) وأقره الذهبي، وأخرجه أبو داود (ح ٤٩٠٢- ك الأدب، ب النهي عن البغي) ، والترمذي (ح ٢٥١١- ك صفة القيامة، ب ٥٧) ، وابن ماجة (ح ٤٢١١- ك الزهد، ب البغي) ، وابن حبان (الإحسان ح ٤٥٥ و٤٥٦) ، والحاكم في (المستدرك ٢/٣٥٦) ، (ن ٦/١٦٢ ل ٦٣٦) من طرق عن عيينة بن عبد الرحمن به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قال الألباني: وهو كما قالا -يعني الترمذي والحاكم- فإن رجال إسناده ثقات كلهم. وصحح إسناده أيضا محقق الإحسان. انظر حديث الحاكم تحت الآية رقم (٢٣) من سورة يونس. قال أحمد: حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته بمكة جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "ألا تجلس"؟ قال: بلى. قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدثه، إذ شخص رسول الله ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء،

стр. 1197

فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى قال: يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك؟ ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة، قال: "وما رأيتني فعلت؟ " قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك. قال: "وفطنت لذاك؟ " قال عثمان: نعم. قال رسول الله ﷺ : "أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس"، قال: رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فما قال لك؟ قال: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً. (المسند ح ٢٩٢٢) وقال محققه: إسناده صحيح. وقال ابن كثير: إسناد جيد متصل حسن قد بين فيه السماع المتصل (التفسير ٤/٥١٦) وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وشهر وثقه أحمد وجماعة وفيه ضعف لايضر، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/٤٨) ، وأخرجه الترمذي من طريق عبد الحميد ابن بهرام به، وحسنه (السنن ح ٣٢١٥) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وقوله (والإحسان) ، فإن الإحسان الذي أمر به تعالى ذكره مع العدل الذي وصفنا صفته: الصبر لله على طاعته فيما أمر ونهى، في الشدة والرخاء، والمكره والمنشط، وذلك هو أداء فرائضه، وقوله (إيتاء ذى القربى) يقول: الأرحام (وينهى عن الفحشاء) يقول: الزنا (والبغي) يقول: الكبر والظلم (يعظكم) يقول: يوصيكم (لعلكم تذكرون) . قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنه، ويندب إلى الإحسان، كقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن

стр. 1198

صبرتم لهو خير للصابرين) وقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وقال (والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له) ... وقوله: (وإيتاء ذي القربى) أي يأمر بصلة الأرحام، كما قال: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً) وقوله: (وينهى عن الفحشاء والمنكر) فالفواحش المحرمات، والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها، ولهذا قال في الموضع الآخر (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) . أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى) الآية، إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه، إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها. قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم. قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حِلْف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة". (الصحيح ٤/١٩٦١ ح ٢٥٣٠- ك فضائل الصحابة، ب مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه ... ) . قال ابن كثير: ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. ا. هـ. قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) . أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا. وظاهر الآية أنه شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه. وفيما بينه وبين الناس. وكرر هذا في مواضع أخر؛ كقوله (في الأنعام) : (وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به..) الآية، وقوله (في الإسراء) : (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) . وقد

стр. 1199

قدمنا هذا (في الأنعام) . وبين في موضع آخر: أن من نقض العهد إنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك؛ وذلك في قوله: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) . وبين في موضع آخر: أن نقض الميثاق يستوجب اللعن؛ وذلك في قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم..) الآية. أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى: (ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها) قال: تغليظها في الحلف. قوله تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) فلو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه، وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده. أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (أن تكون أمة هي أربى من أمة) يقول: أكثر. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) يقول: خيانة وغدرا بينكم (أن تكون أمة هي أربى من أمة) أن يكون قوم أعز وأكثر من قوم. قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) قال ابن كثير: يقول الله تعالى (ولو شاء الله لجعلكم) أيها الناس (أمة واحدة) كقوله تعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) أي: لوفق بينكم ولما جعل اختلافاً ولا تباغض ولا شحناء.

стр. 1200

قوله تعالى (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا النضر أخبرنا شعبة حدثنا فرّاس قال: سمعت الشعبي عن عبد الله بن عَمْرو عن النبي ﷺ قال: "الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتلُ النفس، واليمين الغموس". (الصحيح ١١/٥٦٤- ك الأيمان والنذور، ب اليمين الغموس ح/٦٦٧٥) . أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى: (دخلا بينكم) قال: خيانة بينكم. قوله تعالى (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) انظر سورة آل عمران آية (٧٧) . قوله تعالى (ما عندكم ينفذ وما عن الله باق) قال الشيح الشنقيطي: بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ماعنده من نعيم الجنة باق لا يفنى. ووأضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله (عطاء غير مجذوذ) وقوله: (إن هذا لرزقنا ماله من نفاد) . قوله تعالى (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) قال الشيخ الشنقيطي: أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم -أي جزاء عملهم- بأحسن ما كانوا يعملون. وبين في موضع آخر: أنه جزاء بلا حساب؛ كما في قوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) . قوله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) . قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يُعطى بها في

стр. 1201

الدنيا ويُجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة. لم تكن له حسنة يُجزى بها". (الصحيح ٤/٢١٦٢ ح ٢٨٠٨- ك صفات المنافقين، ب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة) . قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أبو عبد الرحمن المقرىء، عن سعيد بن أبي أيوب. حدثني شرحبيل (وهو ابن شريك) عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه". (الصحيح ٢/٧٣٠ ح ١٠٥٤ - ك الزكاة، ب في الكفاف والقناعة) . قال الحاكم: أخبرنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق أنبأ يعقوب بن يوسف القزويني ثنا محمد بن سعيد بن سابق ثنا عَمْرو بن أبي قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (فلنحيينه حياة طيبة) قال: القنوع، قال: وكان رسول الله ﷺ يدعو يقول: "اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير". هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٣٥٦- ك التفسير) . وأقره الذهبي. أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: (فلنحيينه حياة طيبة) قال: السعادة. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلحيينه حياة طيبة) فإن الله لايشاء عملا إلا في إخلاص، ويوجب من عمل ذلك في إيمان، قال الله تعالى (فلنحيينه حياة طيبة) وهي الجنة. قوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) انظر الاستعاذة في مطلع التفسير. قوله تعالى (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه

стр. 1202

الذين يتولونه والذين هم به مشركون. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) ، وقوله (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) ، وقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) ، وقوله (وماكان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك..) الآية، وقوله (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) . أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (إنما سلطانه) قال: حجته. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إنما سلطانه على الذين يتولونه) يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه. أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (والذين هم بربهم مشركون) قال: يعدلون بالله . قوله تعالى (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (وإذا بدلنا آية مكان آية) قال: رفعناها فأنزلنا غيرها. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وإذا بدلنا آية مكان آية) هو كقوله (ما ننسخ من آية أو ننسها) . قوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) الآية. أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يقول إن هذا القرآن الذي زعموا أنه افتراء بسبب تبديل الله آية مكان آية - أنه نزله عليه روح القدس من ربه جل وعلا؛ فليس مفتريا له. وروح القدس: جبريل، ومعناه الروح المقدس؛ أي الطاهر من كل ما لا يليق. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) الآية، وقوله:

стр. 1203

(وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) ، وقوله (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يلقى إليك وحيه) ، وقوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) قال: قول كفار قريش: إنما يعلم محمداً عبد لابن الحضرمى، وهو صاحب كتب بقول الله (لسان الذي يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين) . وأخرجه الطبري بسند حسن عن قتادة بنحوه. قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله، وله عذاب عظيم، فأما من أكره وتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. قال البخاري: حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". (الصحيح ١٢/٢٧٩- ك استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، ب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم ح ٦٩٢٢) . قال ابن ماجة: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا يحيى بن أبي بُكيْر، ثنا زائدة بن قدامة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرِّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمّار، وأمه سُمية، وصُهيب، وبلال، والمِقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم

стр. 1204

المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس. فما منهم مِن أحد إلا وقد واتَاهم على ما أرادوا إلا بلالا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحَد، أحَد. (سنن ابن ماجة ١/٥٣- المقدمة، ب فضائل الصحابة ﵃ ح ١٥٠) ، وأخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي وقال في (تاريخ الإسلام قسم السيرة ص ٢١٨) : حديث صحيح، وأخرجه ابن أبي عاصم مختصرا من طريق زائدة به، (المسند ١/٤٠٤ المستدرك ٣/٢٨٤، الأوائل ص ٨٧) ، قال البوصيري: هذا إسناد رجاله ثقات رواه ابن حبان في صحيحه ... إلخ (مصباح الزجاجة ١/٦٤) ، وقال الألباني. حسن (صحيح ابن ماجة ١/٣٠) . وله شاهد من رواية مجامد مرسلاً عند ابن أبي شيبة في (المصنف (١٣/٤٧-٤٩) ، وقال الحافظ في الإصابة (٤/٣٢٧) : وهو مرسل صحيح السند. قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) انظر سورة البقرة آية (٧) . قوله تعالى (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) انظر آية (٦٢) من السورة نفسها. قوله تعالى (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) انظر سورة البقرة آية (٤٨) وتفسيرها. قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (قرية كانت آمنة مطمئنة) قال: مكة. قال ابن كثير: هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف، كما قال تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا) ، وهكذا قال ههنا: (يأتيها رزقها رغدا)

стр. 1205

أي هنيئا سهلا (من كل مكان فكفرت بأنعم الله) أي جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد ﷺ إليهم، كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار) . وانظر سورة البقرة آية (٥٨) . قوله تعالى (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ولقد جاءهم رسول منهم) إي والله، يعرفون نسبه وأمره، (فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون) ، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل. قوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) انظر سورة البقرة آية (١٦٨) . قوله تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إنما حرم عليكم الميتة والدم) الآية، قال: وإن الإسلام دين يطهره الله من كل سوء، وجعل لك فيها يابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك. قوله (فمن اضطر غير باغ ولاعاد) غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدى حلالا إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة. وانظر سورة البقرة آية (١٧٣) ، لبيان هذه المحرمات. قوله تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) في البحيرة والسائبة. وانظر سورة المائدة (١٠٣) وتفسيرها، لبيان ما حرم المشركون من أنعام أحلها الله تعالى.

стр. 1206

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم) . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يفترون عليه الكذب -أي يختلقونه عليه- كدعواهم أنه حرم هذا وهو لم يحرمه. ودعواهم له الشركاء والأولاد - لا يفلحون؛ لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعا قليلاً لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون العذاب العظيم، الشديد المؤلم. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في يونس: (قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون) ، وقوله: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) ، وقوله: (قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) ، إلى غير ذلك من الآيات. وانظر سورة يونس آية (٢٦) ، لبيان المتاع: الذاهب. قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل) قال: ما قص الله تعالى في سورة الأنعام حيث يقول: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) الآية. وانظر سورة الأنعام آية (١٤٦) وتفسيرها، لبيان ما حرم الله تعالى على اليهود. قال الشيخ الشنقيطي: وجملة المحرمات عليهم في هذه الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ذي ظفر: كالنعامة والبعير، والشحم الخالص من البقر والغنم (وهو الثروب) وشحم الكلى. أما الشحم الذي على الظهر، والذي في الحوايا وهي الأمعاء، والمختلط بعظم كلحم الذنب وغيره من الشحوم المختلطة بالعظام فهو حلال لهم؛ كما هو واضح من الآية الكريمة. قوله تعالى (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) انظر سورة النساء آية (١٧) ، وسورة الأنعام آية (٥٤) .

стр. 1207

قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أخرج عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق قال: قرأت عند ابن مسعود (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله) فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله، قال: فأعاد عليه، قال: فأعاد عليهم، ثم قال: أتدرون ما الأمة؟ الذي يُعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله ورسوله؟. (التفسير ح ١٥١٤) ، وأخرجه الحاكم في (المستدرك ٢/٣٥٨) من طريق عبد الرزاق وأبي نعيم كلاهما عن الثوري به ن وأخرجه أيضا الطبري في تفسيره (١٤/١٩١) ، والطبراني في (الكبير ١٠/٧٠-٧٣ ح ٩٩٤٣-٩٩٥٠) من طريق عن ابن مسعود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وقال الهيثمي في (المجمع ٧/٤٩) . رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح. أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (إن إبراهيم كان أمة) على حدة (قانتا لله) قال: مطيعا. ينظر تفسير سورة البقرة آية (١٣٥) لفظ (حنيفا) ، وسورة الفاتحة (الصراط المستقيم) قوله تعالى (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (وآتيناه في الدنيا حسنة) قال: لسان صدق. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وآتيناه في الدنيا حسنة) فليس من أهل دين إلا يتولاه وبرضاه. قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال ابن كثير: وقوله (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك ياخاتم الرسل وسيد الأنبياء (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) كقوله في الأنعام: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) .

стр. 1208

قوله تعالى (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) اتبعوه وتركوا الجمعة. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) استحله بعضهم، وحرمه بعضهم. وانظر عن أهل السبت سورة البقرة آية (٦٥) . أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق. (صحيح مسلم- ك الجمعة، ب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح ٨٥٦) قوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله (وجادلهم بالتي هي أحسن) أعرض عن أذاهم إياك. قال ابن كثير، وقوله (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) الآية، فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون في قوله: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) . قوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أفلان، حتى سمى اليهودى فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة. وقد قال همام: بحجرين. (الصحيح ١٢/٢٢٢ ح ٦٨٨٤- ك الديات، ب إذا اقر بالقتل مرة قتل به) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٣/١٢٩٩ ح ١٦٧٢ ك القسامة، ب ثبوت القصاص في القتل بالحجر ... ) .

стр. 1209

قال الحاكم: أخبرنا أبو زكريا العنبري، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن الفضل بن موسى، ثنا عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: حدثني أبي بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة فمثلوا بهم وفيهم حمزة فقالت الأنصار: لئن أصبناهم يوما مثل هذا لنربين عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فقال رجل: لا قريش بعد اليوم فقال رسول الله ﷺ كفوا عن القوم غير أربعة. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٣٥٨-٣٥٩- ك التفسير- سورة النحل) وأقره الذهبي، وأخرج الترمذي (ح ٣١٢٩/ك التفسير، ب ومن سورة النحل) ، والنسائي في (التفسير ح ٢٩٩) من طريق الفضل بن موسى به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث أُبي بن كعب. وقال الألباني: حسن صحيح الإسناد (صحيح الترمذي ٣/٦٧) ، وقال محقق تفسير النسائي: إسناده حسن. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٢/٢٣٩ ح ٤٨٧) من طريق: عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق به. قال محققه: إسناده حسن ... ، وأخرجه الضياء في (المختارة ٣/٣٥٠-٣٥٢ ح ١١٤٣، ١١٤٤) من طريق: الحسين بن حريث، وهدية بن عبد الوهاب المروزي كلاهما عن الفضل بن موسى به. وحسن المحقق إسناديهما. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) لا تعتدوا. وانظر سورة البقرة آية (١٩٤) . قوله تعالى (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) قال الشنقيطي: قوله تعالى (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مع عباده المتقين المحسنين. وقد تقدم إيضاح معنى التقوى والإحسان. وهذه المعية خاصة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: (إنني معكما أسمع وأرى) وقوله: (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم) ، وقوله: (لا تحزن إن الله معنا) وقوله: (قال كلا إن معى ربي سيهدين) ، إلى غير ذلك من الآيات. وأما المعية لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا؛ فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل.

стр. 1210

سورة الإسراء فضلها أخرج البخاري بسنده عن ابن مسعود قال: بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء هن من العِتاق الأوَل، وهن من تِلادي. (الصحيح- التفسير- سورة الأنبياء ٤٧٣٩) . وتسمى سورة الإسراء سورة بني إسرائيل وسورة سبحان، والعتاق جمع عتيق وهو القديم، أو هو كل مابلغ الغاية في الجودة، وبالثاني جزم جماعة في هذا الحديث، وقوله: (وهن من تلادي) أي مما حفظ قديما، والتلاد قديم الملك وهو بخلاف الطارف، ومراد ابن مسعود أنهن من أول ما تعلم من القرآن، وأن لهن فضلا لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم. (انظر فتح الباري ٨/٣٨٨) . قال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن مروان أبي لبابة قال سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة ببني إسرائيل والزمر. (المسند ٦/ ١ ٨٩) . أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم كلهم من طريق حماد بن زيد به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصححه الألباني وحسنه فاروق حمادة (سنن الترمذي- فضائل القرآن رقم ٢٩٢٠، وعمل اليوم والليلة رقم ٧١٢، والمستدرك ٢/٤٣٤، وصحيح الجامع الصغير ٤/٢٥٠، وصحيح سنن الترمذي رقم ٢٣٣٢) . قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وردت أحاديث في ذكر صفة الإسراء والمعراج أصحها ما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان -وذكر يعني رجلا بين الرجلين- فأتيت بطست من ذهب ملآن حكمة وإيمانا، فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملىء حكمة وإيمانا وأتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار البراق، فانطلقت مع جبريل، حتى أتينا السماء

стр. 1211

الدنيا، قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل من معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجى جاء، فأتيت على آدم فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من ابن ونبي، فأتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: من معك قال: محمد ﷺ ، قيل أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجى جاء، فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مرحباً بك من أخ ونبي، فأتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل من معك؟. قال: محمد قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل مرحباً به، ولنعم المجى جاء، فأتيت على يوسف فسلمت، فقال: مرحباً بك من أخ ونبي، فأتينا السماء الرابعة، قيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل من معك؟ قيل محمد ﷺ ، قيل وقد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل: مرحباً به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إدريس فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من أخ ونبي فأتينا السماء الخامسة، قيل من هذا؟ قيل: جبريل، قيل ومن معك؟ قيل: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل مرحباً به ولنعم المجى جاء، فأتينا على هارون، فسلمت عليه، فقال مرحباً بك من أخ ونبي، فأتينا على السماء السادسة، قيل من هذا؟ قيل جبريل، قيل من معك؟ قيل محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحباً به نعم المجىء جاء، فأتيت على موسى فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من أخ ونبي فلما جاوزت بكى فقيل: ما أبكاك قال: يارب، هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي، فأتينا السماء السابعة، قيل من هذا: قيل: جبريل قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ مرحباً به ولنعم الجيء جاء، فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من ابن ونبي، فرفع في البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور، يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ماعليهم، ورفعت لي سدرة المنتهى، فاذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فسألت جبريل فقال: أما الباطنان ففي

стр. 1212

الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات، ثم فرضت علي خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى فقال ما صنعت؟ قلت فرضت علي خمسون صلاة، قال أنا أعلم بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لاتطيق، فارجع إلى ربك فسله، فرجعت فسألته، فجعلها أربعين، ثم مثله ثم ثلاثين، ثم مثله فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشرا، فاتيت موسى فقال مثله فجعلها خمسا: فأتيت موسى فقال: ماصنعت؟ قلت جعلها خمسا، فقال مثله قلت فسلمت، فنودى: إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرا. (صحيح البخاري - بدء الخلق باب ذكر الملائكه رقم ٣٢٠٧) ، (وصحيح مسلم- الإيمان، ب الإسراء برسول الله رقم ٤٦٢) . واللفظ للبخاري، وذكره الحافظ ابن حجر وقال: ليس في أحاديث المعراج أصح منه (انظر تفسير القاسمي ١٠/٩٩١) . وأخرج مسلم بسنده عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت البراق (وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه) قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس". قال: فربطه بالحلقة التي يربط به الأنبياء قال: "ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن فقال جبريل: اخترت الفطرة ثم عرج بنا إلى السماء ... ". (الصحيح- الإيمان، ب الإسراء برسول الله ﷺ رقم ٢٦١) . قال البيهقي: وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسرى به ﵊ من مكة إلى البيت المقدس، ذكره كثير ثم أيده فقال: وهذا الذي قاله هو الحق الذي لاشك فيه ولامرية. قال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد وحسن قالا: ثنا ثابت قال: حسن أبو زيد قال عبد الصمد: قال: ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس قال: أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم فقال ناس، قال حسن: نحن نصدق محمداً بما يقول: فارتدوا كفارا

стр. 1213

فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم هاتوا ثمرا وزبد تزقموا ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس رؤيا منام وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم فسئل النبي ﷺ عن الدجال فقال: أقمر هجانا قال: حسن قال: رأيته فيلما أقمر هجانا احدى عينيه قائمة كأنها كوكب درى كان شعر رأسه أغصان شجرة ورأيت عيسى شابا أبيض جعد الرأس حديد البصر مبطن الخلق ورأيت موسى أسحم آدم كثير الشعر قال: حسن الشعرة شديد الخلق ونظرت إلى إبراهيم فلا أنظر إلى إرب من آرابه إلا نظرت إليه مني كانه صاحبكم فقال جبريل ﵇: سلم على مالك فسلمت عليه. (المسند ١/٤٧٣) ، وأخرجه النسائي في التفسير من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال -وهو ابن خباب- به وهو إسناد صحيح كما قال ابن كثير. وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن هلال بن خباب، قال يحيى القطان: إنه تغير قبل موته، وقال يحيى بن معين: لم يتغير ولم يختلط، ثقة. مأمون (مجمع الزوائد ١/٦٦-٦٧) ، وصححه أحمد شاكر (المسند رقم ٣٥٤٦) . أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس أتى النبي ﷺ بالبراق به مسرحا ملجما يركبه فاستصعب عليه، فقال له جبريل ما يحملك على هذا؟ فوالله ما ركبك أحد قط أكرم على الله منه فارفض عرقا، فارفض: أي تصبب وسال عرقا وسكن. (السنن- التفسير، ب من سورة بني إسرائيل رقم ٣١٣١) ، وأخرجه الترمذي والطبري من طريق عبد الرزاق به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ولا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي ٣/٦٧ رقم ٢٥٠٣) . وقد تقدم فضل التسبيح في بداية سورة الفاتحة عند قوله تعالى: الحمد لله ... وفي سورة البقرة ونحن نسبح بحمدك. قوله تعالى (لنريه من آياتنا) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (لنريه من آياتنا) ما أراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس.

стр. 1214

قوله تعالى (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل) جعله الله لهم هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعله رحمة لهم. وأخرج الطبري وآدم بن أبي إياس بالإسناد الصحيح عن مجاهد: في قوله (ألا تتخذوا من دوني وكيلا) شريكا. قوله تعالى (ذرية من حملنا مع نوح) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من حملهم مع نوح تنبيها على النعمة التي نجاهم بها من الغرق ليكون في ذلك تهييج لذرياتهم على طاعة الله، أي ياذرية من حملنا مع نوح فنجيناهم من الغرق، تشبهو بأبيكم فاشكروا نعمنا وأشار إلى هذا المعنى في قوله: (أولئك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح) الآية، وبين الله في موضع آخر الذين حملهم مع نوح من هم؟ وبين الشيء الذي حملهم فيه وبين من بقي له نسل وعقب منهم ومن انقطع لم يبق منه نسل ولاعقب فبين أن الذين حملهم مع نوح: هم أهله ومن آمن معه من قومه في قوله (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن) ، وبين أن الذين آمنوا من قومه قليل بقوله (وما آمن معه إلا قليل) وبين أن ممن سبق عليه القول من أهله بالشقاء امرأته وابنه قال في امرأته: (وضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح) إلى قوله (وقيل ادخلا النار مع الداخلين) وقال في ابنه (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) . قال الطبري: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال مجاهد: بنوه ونساؤهم ونوح ولم تكن امرأته. ورجاله ثقات، وإسناده صحيح.

стр. 1215

قوله تعالى (إنه كان عبدا شكورا) الضمير يعود إلى نوح بدليل مارواه البخاري بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: وفيه أن الناس يأتون نوح فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبداً شكوراً. (صحيح البخاري- التفسير سورة بني إسرائيل رقم ٤٧١٢) . وقد وردت بعض الروايات في السبب الذي سماه الله تعالى من أجله شكوراً، فأخرج الطبري والحاكم من طريق سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: كان نوح إذا لبس ثوبا أو أكل طعاما حمد الله فسمى عبداً شكوراً. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/٦ ٣ ٠) ، وأخرجه الطبري أيضا من طريق أيوب عن أبي عثمان النهدي به نحوه. وبنحوه أخرجه بأسانيده عن مجاهد وقتادة، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة. قوله تعالى (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) أخرج الطبري بسنده الجيد من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (وقضينا إلى بني إسرائيل) يقول أعلمناهم. وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: قضاء قضاه القوم كما تسمعون، وبسنده الصحيح عن مجاهد: أخبرنا بني إسرائيل. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (ولتعلن علوا كبيراً) قال: ولتعلن الناس علوا كبيرا. قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)

стр. 1216

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة في قوله تعالى (لتفسدن في الأرض مرتين) قال: أما المرة الأولى فسلط الله عليهم جالوت حين بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود، ثم ردت الكرة لبنى إسرائيل، ثم جاء وعد الآخرة من المرتين (ليسوؤا وجوهكم) قال: ليقبحوا وجوهكم، (وليتبروا ما علوا تتبيرا) قال: ليدمروا ماعلوا تدميرا، قال: هو بخت نصر، قال: وبعث عليهم في المرة الآخرة، ثم قال: (عسى ربكم أن يرحمكم وأن عدتم عدنا) ، فعادوا فبعث الله عليهم محمد، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. أخرج الطبري بسنده الجيد من طريق علي بن أبي طلحه عن ابن عباس: (فجاسوا خلال الديار) قال: مشوا. وقد اختلف المفسرون في الذين عنى الله عليهم بقوله (أولى بأس شديد) في ماكان من فعلهم في المرة الأولى في بني إسرائيل حين بعثوا عليهم في المرة الآخرة: - القول الأول: إنه جالوت. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: أما المرة الأولى فسلط الله عليهم جالوت حتى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود. (وبنحوه أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة كما تقدم في الرواية السابقة عنه) . - القول الثاني: إنه سنحاريب. قال الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن عليه عن أبي المعلى قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: في قوله (بعثنا عليهم عبادا لنا أولى بأس شديد) قال: بعث الله ﵎ عليهم في المرة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى فسألت سعيدا عنها، فزعم أنها الموصل. ا. هـ، وقوله فزعم أنها الموصل قول صحيح لأن نينوى جزء من المرصل تقع في شمالها. (ورجاله ثقات وإسناده صحيح إلى سعيد بن جبير، وأبو المعلى هو يحي بن ميمون الضبي العطار الكوفي معروف بالرواية عن سعيد بن جبير وبرواية إسماعيل ابن عليه عنه، كما في تهذيب التهذيب في ترجمة أبي المعلى، ويعقوب بن إبراهيم هو ابن كثير العبدي الدورقي معروف بالرواية عن ابن عليه كما هو في تهذيب التهذيب في ترجمته) .

стр. 1217

- القول الثالث: إنه بختنصر المجوسي البابلى: ومن معه من أهل فارس. قال الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلى على كبا -أي كناسه- فسألهم ما هذا الدم؟ قالوا: أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم. فسكن. (وذكره ابن كثير في التفسير ثم قال: وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور. ا. هـ. وقد ثبت نحوه عن ابن عباس لقد أخرجه الطبري عن أبي السائب قال ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وأبو السائب: سلم بن جنادة، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير ورجاله ثقات إلا المنهال وهو ابن عمرو صدوق فالإسناد حسن، وقد صحح ابن كثير رواية المنهال عن سعيد بن جبير في غير هذا الموضع. ولا مانع من الجمع بين الأقوال الثلاثة. (انظر البداية والنهاية ١/٧٨) . وهذه الرواية تقوي سابقتها لكن في بعضها غرابة وهو مقتل يحيى بن زكريا، انظر (البحر المحيط ٦/١٠-١١) . قوله تعالى (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) وأخرج الطبري بالإسناد الصحيح المتقدم عن قتادة (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) ثم رددت الكرة لبني إسرائيل. قوله تعالى (وجعلناكم أكثر نفيرا) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وجعلناكم أكثر نفيرا) أي عددا وذلك في زمن داود. قوله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن -أي بالإيمان والطاعة- فإنه إنما يحسن إلى نفسه لأن نفع ذلك لنفسه خاصة، وأن من أساء -أي بالكفر والمعاصي- فإنه إنما يسيء على نفسه لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها) الآية، وقوله (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال

стр. 1218

ذرة شرا يره) وقوله (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) إلى غير ذلك من الآيات، واللام في قوله (وإن أسأتم فلها) بمعنى على أي فعليها، بدليل قوله (ومن أساء فعليها) ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى: (ويخرون للأذقان) الآية أي عليها. أخرج الطبري بالإسناد الصحيح المتقدم عن سعيد بن جبير قال بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب قال: فرد الله لهم الكرة عليهم كما قال: ثم عصوا ربهم وعادوا لما نهوا عنه، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر، فقتل المقاتلة، وسبي الذرية، وأخذ ماوجد من الأموال، ودخلوا بيت المقدس، كما قال الله (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا) دخلوه فتبروه وخربوه وألقوا فيه ما استطاعوا من العذرة والحيض والجيف والقذر، فقال الله (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) فرحمهم فرد إليهم ملكهم وخلص من كان في أيديهم من ذرية بني إسرائيل، وقال لهم: إن عدتم عدنا. قال الشيخ الشنقيطي: جواب إذا في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو تتعلق به اللام في قوله: ليسوءوا وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم بدليل قوله في الأولى (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا) الآية وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ا. هـ. أخرج آدم بن أبي إياس والطبري بالإسناد الصحيح عن مجاهد قال: بعث الله ملك فارس ببابل جيشاً وأمر عليهم بختنصر، فأتوا بني إسرائيل فدمروهم فكانت هذه الآخره ووعدها. قوله تعالى (وإن عدتم عدنا) قال الشيخ الشنقيطي: لما بين جل وعلا أن بني إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما: بعث عليهم عباداً له أولى بأس شديد فاحتلوا بلادهم وعذبوهم، وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة: بعث عليهم قوما ليسوءوا وجهوهم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، وبين أيضاً: أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه

стр. 1219

جل وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم، وذلك في قوله: وإن عدتم عدنا ولم يبين هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أولا؟ ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول ﷺ ، وكتم صفاته ونقض عهودة، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقا لقوله: وإن عدتم عدنا فسلط عليهم نبيه ﷺ والمسلمين، فجرى علي بني قريضة والنضير، وبني قينقاع وخيبر ماجرى من القتل والسبي والإجلاء، وضرب الجزية على من بقى منهم، وضرب الذلة والمسكنة. فمن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد، قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما شروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) وقوله: (أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم) الآية، وقوله: (ولاتزال تطلع على خائنة منهم..) الآية، ونحو ذلك من الآيات. ومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد للانتقام منهم قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب) . وقوله تعالى (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها..) الآية، ونحو ذلك من الآيات.

стр. 1220

قوله تعالى (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال (عسى ربكم أن يرحمكم) ، فعاد الله عليهم بعائدته ورحمته (وإن عدتم عدنا) قال: عاد القوم بشر ما يحضرهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته وعقوبته ثم كان ختام ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحى من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة، قال الله في آية أخرى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ... ) الآية، فبعث الله عليهم هذا الحى من العرب. قوله تعالى (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) أخرج الطبري بسنده الجيد عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (حصيرا) سجنا. وكذا أخرجه بسنده الحسن عن قتادة، وأخرجه بإسناده الصحيح المتقدم عن قتاده بلفظ: محبسا حصورا، وأخرجه آدم بن أبي إياس، والطبري بالإسناد الصحيح عن مجاهد قال: يحصرون فيها. أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة قال: محبسا حصروا فيها. أخرج عن معمر عن الحسن: حصيرا: فراشا مهادا. وهو إسناد صحيح أيضاً، وأخرجه الطبري ثم قال: وذلك أن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا، فوجهَ الحسنُ معنى الكلام إلى أن الله تعالى جعل جهنم للكافرين به بساطا ومهادا كما قال (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) وهو وجه حسن وتأويل صحيح. وأما الآخرون فوجهوه إلى أنه فعيل من الحصر الذي هو الحبس، وقد بينت ذلك بشواهده في سورة البقرة. ا. هـ. قال الشيخ الشنقيطي: وهذا الوجه يدل له قوله تعالى (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا) .

стр. 1221

قوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) قال الشيخ الشنقيطي: هذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع مافي القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيرى الدنيا والآخرة ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار وطعنوا بسببها في دين الإسلام لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة فمن ذلك توحيد لله جل وعلا فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته وفي عبادته وفي أسمائه وصفاته وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله..) الآية، وقال: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون.) . الثاني: توحيده جلا وعلا في عبادته وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي متركبة من نفى وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع المعبودات كائنة ما كانت، ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) .

стр. 1222

ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد، قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) الآية، وقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) قوله: (ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه إنه لا إله إلا أنا فاعبدون) . وقوله: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) . وقوله: (قل إنما يوحي إلي إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون) . فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد لشمول كلمة (لا إله إلا الله) لجميع ماجاء في الكتب، لأنها تقتضى طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة. النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد ينبي على أصلين: الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم، كما قال تعالى: (ليس كمثله شيء) . والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: (يعلم مابين أيديهم وماخلفهم ولا يحيطون به علماً ... ) ، ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى

стр. 1223

(قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار) إلى قوله (فسيقولون الله) فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره بقوله (فقل أفلا تتقون) ... ومن هدى القرآن للتي هي أقوم جعله الطلاق بيد الرجل كما قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) الآية، ونحوها من الآيات لأن النساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض كما قال تعالى (نساؤكم حرث لكم) ... ومن هدى القرآن للتي هي أقوم تفضيله الذكر على الأنثى في الميراث كما قال تعالى (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم) ... ومن هدى القرآن للتي هي أقوم: القصاص فإن الإنسان إذا غضب وهم بأن يقتل إنساناً آخر فتذكر أنه إن قتله قتل به، خاف العاقبة فترك القتل فحي ذلك الذي كان يريد قتله، وحي هو لأنه لم يقتل ويقتل قصاصا، فقتل يحيا به مالا يعلمه إلا الله كثرة كما ذكرنا قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديما وحديثا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله لأن القصاص رادع عن جريمة القتل كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفا ... ومن هدى القرآن للتي هي أقوم: قطع يد السارق المنصوص عليه بقوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعو أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) ، وقال النبي ﷺ : "لو سرقت فاطمة لقطعت يدها" ... ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: رجم الزاني المحصن ذكرا كان أو أنثى وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرا كان أو أنثى ... قوله تعالى (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير) قال الشيخ الشنقيطي: أن معنى الآية (ويدع الإنسان بالشر) كأن يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر يقول: اللهم أهلكني أو أهلك ولدي، فيدعوا بالشر دعاء لايحب أن يستجاب له وقوله (دعاءه بالخير) أي

стр. 1224

يدعو بالشر كما يدعو بالخير فيقول عند الضجر: اللهم أهلك ولدي، كما يقول في غير وقت الضجر اللهم عافه، ونحو ذلك من الدعاء ولو استجاب الله دعاء بالشر لهلك، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم) أي لو عجل لهم الإجابة بالشر كما يعجل لهم الإجابة بالخير لقضى إليهم أجلهم، أي لهلكوا وماتوا فالاستعجال بمعنى التعجيل....ا. هـ. وقد نهى النبي ﷺ عن الدعاء على أنفسنا وأموالنا، فأخرج أبو داود عن هشام ابن عمار ويحيى بن الفضل وسليمان بن عبد الرحمن قالوا: ثنا حاتم بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن مجاهد حَزْرَة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر ابن عبد الله مرفوعاً: قال: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ﵎ ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم". (سنن أبي داودح ١٥٣٢- الصلاة، ب النهي أن يدعوا الإنسان على أهله وماله) ، وأخرجه مسلم من طريق حاتم به- الصحيح- الزهد، ب حديث جابر ح ٣٠٠٩) ، قال ابن كثير عند قوله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم) سورة يونس: ١١ . وهذا كقوله تعالى (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير) . وأخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير) قال: يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك، أو على خادمه أو على ماله. قوله تعالى (وجعلنا الليل والنهار آيتين) قال ابن كثير: يمن تعالى على خلقه بآياته العظام فمنها مخالفته بين اليل والنهار ليسكنوا في الليل وينتشروا في النار للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام ويعرفوا مضى الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك ولهذا قال (لتبتغوا فضلا من ربكم) أي في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك (ولتعلموا عدد السنين والحساب) .

стр. 1225

قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل الليل والنهار آيتين أي علامتين دالتين على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره، وكرر تعالى هذا المعنى في مواضع كثيرة كقوله تعالى (ومن آياته الليل والنهار) الآية، وقوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) . وقوله تعالى (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون) . وقوله: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب) . قوله تعالى (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) قال ابن كثير: أخرج أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة: أن ابن الكواء سأل علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال ويحك أما تقرأ القرآن؟ (فمحونا آية الليل) فهذه محوه. وأخرج بسنده الصحيح عن مجاهد قال: ليلاً ونهارا وكذلك جعلهم الله. وأخرج بسنده الحسن عن قتادة قال: أي منيرة وخلق الشمس نور من القمر وأعظم. قوله تعالى (لتبتغوا فضلا من ربكم) قال الشيخ الشنقيطي: وقوله (ولتبتغوا من فضله) أي في النهار. قوله: (وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا) الآية. أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (لتبتغوا فضلا من ربكم) قال: جعل لكم سبحا طويلا. قوله تعالى (ولتعلموا عدد السنين والحساب) قال الشيخ الشنقيطي: بين فيه نعمة أخرى على خلقه وهي معرفتهم عدد السنين والحساب لأنهم باختلاف الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة ويعرفون شهر

стр. 1226

الصوم، وأشهر الحج، ويعلمون مضى أشهر العدة لمن تعتد بالأشهر المشار إليها في قوله: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) ، وقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) ، ويعرفون مضى الآجال المضروبة للديون والإجارات، ونحو ذلك، وبين جل وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر، كقوله: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ماخلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) ، وقوله جل وعلا: (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) ، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى (وكل شيء فصلناه تفصيلا) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: أي بيناه تبييانا. قال الشيخ الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (وكل شيء فصلناه تفصيلا) تقدم إيضاحه، والآيات الدالة عليه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... ) الآية. قوله تعالى (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) القول الأول: المراد بالطائر ماسبق في علم الله من شقاوة أو سعادة. قال الطبري: وإنما قوله (ألزمناه طائره) مثل لما كانت العرب تتفائل به أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها فأعلمهم جل ثناءه أن كل إنسان منهم قد ألزمه ربه طائره في عنقه نحسا كان ذلك الذي ألزمه من الطائر، وشقاء يورده سعيرا، أو كان سعدا يورده جنات عدن، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل، ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن بشار قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنى أبي، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله أن نبي الله قال: "لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه". (ورجاله ثقات إلا معاذ بن هشام صدوق له أوهام وإسناده حسن، وقد أخرجه عبد بن حميد من طريق آخر عن أبي الزبير عن جابر بلفط: "طائر كل إنسان في عنقه". كما ذكره ابن كثير وحسنه السيوطي في الدر المنثور) ،

стр. 1227

أخرج أحمد عن علي بن إسحاق قائلا: ثنا عبد الله أخبرني ابن لهيعة قال: حدثني يزيد أن أبي الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس من عمل يوم إلا هو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته فيقول الرب : اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت". (المسند ٤/٦٤١) . قال ابن كثير إسناد جيد قوي ولم يخرجوه، وهو كما قال لأن عبد الله هو ابن المبارك معروف بالرواية عن ابن لهيعة، وبرواية علي بن إسحاق المروزي عنه، وعبد الله بن المبارك من العبادلة الأربعة الذين رووا عن ابن لهيعة في احتراق كتبه، وقد أمنا تدليس ابن لهيعة لأنه صرح بالتحديث. القول الثاني: المراد بالطائر العمل. أخرج الطبري وآدم بن أبي إياس بالإسناد الصحيح عن مجاهد: (طائره) عمله. وأخرجه عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة، وعن معمر عن الحسن بلفظ: عمله شقاوة أو سعادة. وجمع الشيخ الشنقيطي بين القولين فقال: والقولان متلازمان لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يئول إليه من الشقاوة والسعادة. قوله تعالى (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوبا في كتاب يلقاه منشورا أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره، وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشورا في آيات أخر، فبين أن من صفاته: أن المجرمين مشفقون أي خائفون مما فيه، وأنه لايترك صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ماعملوا حاضرا ليس منه شيء غائبا، وأن الله جل وعلا لايظلمهم في الجزاء عليه شيئاً وذلك في قوله جل وعلا: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجد ما عملوا

стр. 1228

حاضرا ولا يظلم ربك أحد) ، وبين في موضع آخر: أن بعض الناس يؤتي هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وأخواننا المسلمين منهم، وإن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا، ويرجع إلى أهله مسروراً، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية قال تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا) ، وقال تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية) ، وبين في موضع آخر: أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعا وذلك في قوله: (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدرى ماحسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عنى ماليه هلك عنى سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) -أعاذنا الله وأخواننا المسلمين من النار، ومما قرب إليها من قول وعمل- وبين في موضع آخر: أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور وذلك في قوله: (وأما من أوتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا) . وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) أي: عمله. قوله تعالى (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) روى معمر عن الحسن في هذه الآية قال: قد عدل -والله- عليك من جعلك حسيب نفسك، ذكره ابن كثير ثم قال: هذا من حسن كلام الحسن ﵀. وانظر سورة فصلت آية (٢٠) حديث مسلم عن أنس وانظر سورة النور آية (٢٤) . وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا.

стр. 1229

قوله تعالى (من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها) قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من اهتدى فعمل بما يرضى الله جل وعلا أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه لأنه هو الذي ترجع إليه فائدة الاهتداء وثمرته في الدنيا والآخرة، وأن من ضل عن طريق الصواب فعمل بما يسخط ربه جل وعلا، أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه لأنه هو الذي يجنى ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة، فيخلد به في النار، وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة كقوله: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ... ) الآية، وقوله: (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون) وقوله: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ) وقوله: (فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل) ، والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ولاتزر وازرة وزر أخرى) والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ إلا بعمله. قال ابن كثير: ولامنافاة بين هذا وبين قوله تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) ، وقوله: (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده. قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) قال ابن كثير: إخبار عن عدله تعالى، وأنه لايعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: (كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير) . ا. هـ. واستدل بهذه الآية أن ولدان المشركين الذين ماتوا هم في الجنة، وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة على أقوال:

стр. 1230

القول الأول: أنهم يمتحنون يوم القيامة: والدليل ما رواه الإمام أحمد قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أن نبي الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لايسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، أما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاما. (المسند ٤/٢٤) بدون كلمة "يحتجون" وقد أكملناها من نسخة الحافظ ابن كثير من مسند أحمد ثم قال ابن كثير: وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة، مثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره: "من دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها". وكذا رواه إسحاق بن راهوية، عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد، من حديث حنبل بن إسحاق عن علي بن عبد الله المدينى به، وقال: هذا إسناد صحيح. ا. هـ، وذكره الهيثم ونسبه إلى أحمد والبزار وذكر أن رجاليهما رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/٢١٦) ، وصححه الألباني في (السلسلة الصحيحة رقم ١٤٣٤) ، وقال ابن حجر العسقلاني: وقد صحت مسألة الإمتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحه، وحكى البيهقي في كتاب الإعتقاد أنه المذهب الصحيح (فتح الباري ٣/٢٤٦ وانظر الاعتقاد ص ١٦٩) . القول الثاني: أنهم في الجنة واستدلوا بهذه الآية وبالأحاديث التالية: أولا: حديث سمرة بن جندب الطويل والشاهد فيه: وإذا بين ظهرى الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط ... وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله: وأولاد المشركين. (الصحيح- التفسير، ب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح رقم ٤٠٤٧) . قال الحافظ ابن حجر في قوله (وأولاد المشركين) وظاهره أنه ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة ولا يعارض قوله: هم من آبائهم لأن ذلك حكم الدنيا. (فتح الباري ١٢/٤٤٥) .
следующие страницы →