Полный текст (2 189 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وأول دم وضع من دماء الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعاً في بن ليث فقتلته هذيل. ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً؛ ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وإن حقهن عليكم أنا تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن".
(السنن ٥/٢٧٣-٢٧٤ ح ٣٠٨٧ - ك التفسير، ب سورة التوبة) ، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه أبو داود في سننه (٣/٢٤٤ - ك البيوع، ب في وضع الربا ٣٣٣٤، وأخرجه ابن ماجه في سننه (٢/١٠١٥ - ك المناسك، ب خطبة يوم النحر ٣٠٥٥) ، كلاهما من حديث أبي الأحوص عن شبيب به. وصححه ابن عبد البر (الاستيعاب ٢/٥١٦ حاشية الإصابة) . وصححه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجة، وأبي داود ح ٢٨٥٢) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تَظلِمون: فتربون. وتُظلَمون: فتنقصون.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم) ، والمال الذي لهم على ظهور الرجال، جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا.
قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
أخرج البخاري بسنده أن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئاً؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر. قال: فتجاوزوا عنه".
(الصحيح ٤/٣٠٧ ح ٢٠٧٧ - البيوع، ب من أنظر موسراً) .
стр. 387
قال الحاكم: حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني وأبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي قالا ثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان بن عبد الوارث بن سعيد، ثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أنظر معسراً فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين فإذا حل الدين فأنظره بعد ذلك فله بكل يوم مثله صدقة".
(هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك ٢/٢٩) . وأخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن جحادة به. (المسند ٥/٣٦٠) وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٤/١٣٥) . وصححه السيوطي (الجامع الصغير ٦/٩٠ ح ٨٥٣٩) ، وصححه الألباني في (الصحيحة ح ٨٦) .
أخرج مسلم بسنده عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت مرفوعاً: "من أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظله".
(الصحيح ٤/٢٣٠١-٢٣٠٢- ك الزهد والرقائق، ب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) يعني المطلوب.
قوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ...)
ساق الإمام البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا.
(الصحيح ح ٤٥٤٤ - تفسير سورة البقرة، ب (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) ، وعلق الحاكم ابن حجر بقوله: وأخرج هذا الحديث بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس فإنه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: آخر آية نزلت على النبي (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... ) أخرجه الطبري من طرق عنه، وكذا أخرجه من طرق جماعة من التابعين وزاد عن ابن جريح قال: يقولون إنه مكث بعدها تسع ليال. ونحوه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وروى عن غيره أقل من ذلك وأكثر فقيل إحدى وعشرين، وقيل سبعاً، وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن. (الفتح ٨/٢٠٥) .
стр. 388
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)
قال ابن كثير: فقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال (ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا) .
قال الشيخ الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب - ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) ؛ لأن الرهن لا يجب إجماعا وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) .
قوله تعالى (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقاً، ولا يزيدن فيه باطلاً.
قوله تعالى (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قال (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ) قال: واجب على الكاتب أن يكتب.
قوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ
стр. 389
إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) علم الله أن ستكون حقوق، فأخذ من بعضهم لبعض الثقة، فخذوا بثقة الله، فإنه أطوع لربكم وأدرك لأموالكم.
ولعمري إن كان تقياً لا يزيده الكتاب إلا خيراً، وإن كان فاجراً فبالحرى أن يؤدي إذا علم أن عليه شهود.
أخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل"؟ قلن: بلى. قال: "فذلك من نقصان عقلها".
(الصحيح ٥/٢٦٩ ح ٢٦٥٨ - الشهادات، ب شهادة النساء قوله تعالى (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)) .
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير. قالا: حدثنا زيد (وهو ابن حباب) . حدثني سيف بن سليمان. أخبرني قيس بن سعد عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد".
(الصحيح ٣/١٣٣٧ ح ١٧١٢ - ك الأقضية، ب القضاء باليمين والشاهد) .
قال الحاكم: أخبرنا أبو عبد الله الصفار، ثنا أحمد بن مهران، ثنا عبد الله بن موسى، أبنا ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ في شهادة الصبيان قال: قال الله (ممن ترضون من الشهداء) قال: ليس الصبيان ممن يرضى.
(المستدرك ٤/٩٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
قال مسلم: وحدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن ابن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني؛ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء! الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها".
(الصحيح ٣/١٣٤٤ ح ١٧١٩ - كتاب الأقضية، باب بيان خير الشهود) .
стр. 390
قوله تعالى (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده، ولا يحل له أن يأبى إذا ما دعى.
قوله تعالى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: والضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني، إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت! فيضاره بذلك، وهو مكتف بغيره، فنهاه الله عن ذلك وقال (وإن تفعلوا فإنه فسوق) .
أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) قال: لا يضار كاتب، فيكتب ما لم يمل عليه، ولا شهيد، يقول: فيشهد بما لم يشهد عليه.
قوله تعالى (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الفسوق: المعصية.
قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)
أخرج الشيخان بسنديهما عن عائشة رضي الله عها قالت: "اشترى رسول الله ﷺ طعاماً من يهودي بنسيئة، ورهنه درعاً له من حديد".
(صحيح البخاري ٥/١٤٢ ح ٢٥٠٩ - ك الرهن، ب من رهن درعه) . (وصحيح مسلم ٣/١٢٢٦ ح ١٦٠٣ - ك المساقاة، ب الرهن وجوازه في السفر) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قال (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً) يقول: مداداً -يقرؤها كذلك- يقول: فإن لم تجدوا مداداً، فعند ذلك تكون الرهون المقبوضة (فرهن مقبوضة) ، لا يكون الرهن إلا في السفر.
стр. 391
قوله تعالى (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) المائدة: ٧٢. وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله يقول (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) .
قوله تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلاق يوم القيامة، يقول الله إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي. فأما المؤمنين فيغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله (يحاسبكم به الله) يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه في أنفسهم من التكذيب وهو قوله (فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) وهو قوله (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) البقرة ٢٢٥. أي من الشك والنفاق.
أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير) قال: فاشتد
стр. 392
ذلك على أصحاب رسول ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ . ثم بركوا على الركب.
فقالوا أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق. الصلاة والصيام والجهاد والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية. ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. فأنزل الله : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (قال: نعم) (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) (قال: نعم) (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (قال: نعم) (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (قال: نعم) .
(صحيح مسلم ١/١١٥-١١٦ - ك الإيمان، ب بيان أنه لم يكلف إلا ما يطاق) .
أخرج البخاري بسنده عن مروان الأصفر عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ -قال أحسبه ابن عمر- (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه) قال: نسختها الآية التي بعدها.
(الصحيح ح ٤٥٤٦ - ك التفسير - ب (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) ، وب (وإن تبدوا ما في أنفسكم) ح ٤٥) .
أخرج الشيخان بسنديهما عن أبي هريرة يرفعه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست -أو حدَّثت- به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم".
(صحيح البخاري ١١/٥٤٩ ح ٦٦٦٤ - ك الأيمان والنذور، ب إذا حنث ناسياً في الأيمان) ، (وصحيح مسلم - ك الأيمان، ب تجاوز الله عن حديث النفس رقم ٢٠١) .
стр. 393
أخرج البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل علي رسول الله ﷺ فقال: "من هذه"؟ قلت: فلانة، لا تنام الليل -تذكر من صلاتها- فقال: "مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا".
(الصحيح ٣/٣٦ ح ١١٥١- ك التشهد، ب ما يكره من التشديد به في العبادة) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ، وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ، وقال (فاتقوا الله ما استطعتم) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت) أي: من خير (وعليها ما اكتسبت) أي: من شر - أو قال من سوء.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إصراً: عهداً.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة قال: (لا تحمل علينا إصراً) قال: لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً (كما حملته على الذين من قبلنا) يقول: كما غلظ على الذين من قبلنا.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) تشديد يشدد به، كما شدد على ما كان قبلكم.
стр. 394
سورة آل عمران
فضلها: تقدم ذكره مقروناً بفضل سورة البقرة.
قوله تعالى (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
قال الترمذي: حدثنا علي بن خشرم. حدثنا عيسى بن يونس عن عبيد الله ابن أبي زياد القداح، كذا قال عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) وفاتحة آل عمران (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) .
(السنن ٥/٥١٧ ح ٣٤٧٨ - ك الدعوات، ب ٦٥) وأخرجه أبو داود (السنن ٢/٨٠ ح ١٤٩٦ - ك الصلاة، ب الدعاء عن مسدد) ، وابن ماجه (السنن ٢/١٢٦٧ ح ٣٨٥٥ - ك الدعاء، ب اسم الله الأعظم) عن أبي بكر بن أبي شيبة. كلاهما عن عيسى بن يونس. وأخرجه أحمد (المسند ٦/٤٦١) عن محمد بن بكر. والدارمي (السنن ٢/٤٥٠ - ك فضائل القرآن، ب فضل أول سورة البقرة..) عن أبي عاصم النبيل. وابن أبي حاتم (التفسير ح ٤ - آل عمران/١) من طريق مكي بن إبراهيم، جميعهم عن عبيد الله بن أبي زياد به. قال الترمذي: حسن صحيح. وقد ذكر الإمام أحمد أن شهراً روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حساناً (التهذيب ٤/٣٧٠) فلعل هذا الحديث منها. وقال الألباني: حسن.
(صحيح الترمذي ح ٢٧٦٤) .
وانظر الكلام عن الحروف المقطعة في بداية سورة البقرة.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الصحيح عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه (الحي القيوم) قال القائم على كل شيء.
قوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة قوله (نزل عليك الكتاب بالحق) يقول: (القرآن) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه) يقول: القرآن (مصدقا لما بين يديه) من الكتب التي قد خلت من قبله.
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد (مصدقا لما بين يديه) قال: لما قبله من كتاب أو رسول.
стр. 395
قوله تعالى (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ)
قال الإمام أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم: ثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان".
(المسند (٤/١٠٧) ، أخرجه الطبراني (٢٢/٧٥ ح ١٨٥) ، وابن أبي حاتم (التفسير - سورة آل عمران، الآية ٣-٤ ح ٣٣٥، وسورة المائدة الآية ٤٤، ٤٦، ٤٨ ح ٦٨، ١٥٠، ١٦٤) من طريق عبد الله بن رجاء عن عمران به. وحسنه السيوطي (فيض القدير مع الجامع الصغير ٣/٥٧) .
وقال الألباني: وهذا إسناده حسن ورجاله ثقات، وفي القطان -عمران أبي العوام- كلام يسير، وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً نحوه. أخرجه ابن عساكر (٢/١٦٧/١) و (٥/٣٥٢/١) من طريق علي ابن طلحة عنه ... (الصحيحة ح ١٥٧٥) . وله شاهد آخر من حديث جابر عند ابن مردويه.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس) هما كتابان أنزلهما الله، فيهما بيان من الله، وعصمة لمن أخذ به وصدق به، وعمل بما فيه.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (وأنزل الفرقان) هو القرآن، أنزله على محمد، وفرق به بين الحق والباطل، فأحل فيه حلاله وحرم فيه حرامه وشرع فيه شرائعه، وحد فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبين فيه بيانه وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.
قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)
أي إن الله تعالى يعلم كل شيء وقد فصل ذلك في سورة الأنعام وبين أن كل شيء في كتاب مبين كما قال تعالى (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) الأنعام: ٥٩.
стр. 396
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قوله (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) ، قادر والله ربنا أن يصور عباده في الأرحام كيف يشاء، ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه أو غير تام.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله: (العزيز) عزيز في نقمته إذا انتقم. (الحكيم) حكيم في أمره.
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) إلى قوله (أُولُو الْأَلْبَابِ)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده وفرائضه وما يؤمن له ويعمل به (وأخر متشابهات) والمتشابهات: منسوخه، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به.
قال ومسلم: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا يزيد بن إبراهيم التُستري، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ " (هو الذيَ أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أمّ الكتاب وأُخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا الألباب) ". قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله، فاحذروهم".
(صحيح مسلم ٤/٢٠٥٣ ح ٢ ٦ ٦٥- ك العلم، ب النهي عن اتباع متشابه القرآن) واللفظ له، (وصحيح البخاري ٨/٢٠٩ ح ٤٥٤٧- ك التفسير- سورة آل عمران) .
قال البخاري: حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال. حدثنا خالد عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علِّمه الكتاب".
(الصحيح ١/١٦٩ ح ٧٥)
стр. 397
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (المحكمات) : الناسخ الذي يعمل به، ما أحل الله فيه حلاله وحرم فيه حرامه وأما (المتشابهات) : فالمنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن به.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (منه آيات محكمات) ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو (متشابه) ، يصدق بعضه بعضاً وهو مثل قوله (وما يضل به إلا الفاسقين) سورة البقرة ٢٦، ومثل قوله (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) سورة الأنعام ١٢٥، ومثل قوله تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) سورة محمد ١ ٧ .
قوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء تأويله)
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: سمع النبي ﷺ قوماً يتدارؤون فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه".
(المصنف ١١/٢١٦-٢١٧ ح ٢٠٣٦٧) ، وأخرجه أحمد (المسند ح ٦٧٤١) عن عبد الرزاق به، وصححه محققه. وقال الألباني: صحيح (صحيح الجامع ح ٢٣٧٠) .
يتدارؤون: درأ يدرأ درءاً إذا وقع. (النهاية لابن الأثير ٢/١٠٩) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (فأما الذين في قلوبهم زيغ) قال: من أهل الشك.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم.
قال عبد بن حميد: ثنا يونس عن شيبان عن قتادة: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) قال: طلب القوم التأويل فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة واتبعوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك.
ويونس هو الأيلي وشيبان وقتادة تقدم ذكرهما في المقدمة وكلهم ثقات وإسناده صحيح.
стр. 398
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي في قوله (فيتبعون ما تشابه منه) ، يتبعون المنسوخ والناسخ فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعمل بهذه الأخرى؟ هلا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجىء الأولى التي نسخت؟ وما باله يعد العذاب من عمل عملا يعذبه في النار، وفي مكان آخر: من عمله فإنه لم يوجب النار؟.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (ابتغاء الفتنة) قال: إرادة الشرك.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (ابتغاء الفتنة) قال: الشبهات بها أهلكوا.
قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني تأويله يوم القيامة إلا الله.
قال الطبري حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد بن نزار عن نافع، عن ابن أبي ملكة، عن عائشة قوله: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) قالت: كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه، ولم يعلموا تأويله.
وسنده حسن.
قال الطبري حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن أبي الزناد قال، قال هشام بن عروة: كان أبي يقول في هذه الآية (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون (آمنا به كل من عند ربنا) .
وسنده حسن.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله.
стр. 399
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) قالوا: (كل من عند ربنا) آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه.
قوله تعالى (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه)
قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر حدثنا أبو أسامة عن أبي حبان عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ يوماً بلحم، فقال: "إن الله يجمع يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، تدنوا الشمس منهم -فذكر حديث الشفاعة- فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من الأرض اشفع لنا إلى ربك، فيقول- فذكر كذباته-: نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى". تابعه أنس عن النبي ﷺ .
(الصحيح ٦/٤٥٥ ح ٣٣٦١- ك الأنبياء، ب يزفون: النسلان في المشي)
قوله تعالى (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار)
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة لهم سوء الدار) وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه كما قال تعالى (ولا تعجبك أمولهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) قال تعالى (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد) .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ثنا ابن أبي مريم، أنبأ ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد، عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت: بينما نحن بمكة قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت "ثلاثاً، فقام عمر بن الخطاب فقال: نعم، ثم أصبح، فقال رسول الله ﷺ : "ليظهرن
стр. 400
الإسلام حتى يرد الكفر إلى موطنه، وليخوضن البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ثم يقولون: قد قرأنا القرآن، وعلمنا فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك خير؟ "قالوا: يا رسول الله فمن أولئك؟ قال: أولئك منكم، فأولئك معهم (وأولئك هم وقود النار) .
(التفسير: سورة آل عمران- آية ١٠ ، ح ١٥٢) . وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا ابن لهيعة، فإنه صدوق واختلط بعد احتراق كتبه، لكن تابعه على رواية هذا الحديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن الهاد به، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٢٥٠ ح ١٣٠١٩) ، وحسن إسناده المنذري في (الترغيب والترهيب) ، وحسنه الألباني (صحيح الترغيب ١/٥٨ ح ١٣٣) . ولبعضه شاهد من حديث أنس عند البخاري (الصحيح ٦/١٠٣ ح ٢٨٩٤، ٢٨٩٥) ، قال: حدثتني أم حرام ...
أن النبي ﷺ قال: "عجبت من قوم من أمتي يركبون البحر كالملوك على الأسرة ... " فيكون هذا الحديث حسناً بهذه المتابعة، الشاهد) .
وانظر سورة البقرة آية (٢٤) لبيان وقود النار.
قوله تعالى (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا من هؤلاء الذين من قبلهم وما ذنوبهم التي أخذهم الله بها. وبين مواضع أخر أن منهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وأن ذنوبهم التي أخذهم بها هي الكفر بالله وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي، كعقر ثمود للناقة وكلواط قوم لوط، كتطفيف قوم شعيب للمكيال والميزان، وغير ذلك كما جاء مفصلاً في آيات كثيرة كقوله في نوح وقومه (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم هود: (فأرسلنا عليهم الريح العقيم) الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم صالح: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم لوط: (فجعلنا عاليها سافلها) الآية، ونحوها من الآيات وكقوله في قوم شعيب: (فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) ونحوها من الآيات.
стр. 401
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم) ، ذكر الذين كفروا وأفعال تكذيبهم كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب.
قوله تعالى (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (وبئس المهاد) , قال: بئسما مهدوا لأنفسهم.
قوله تعالى (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة: (قد كان لكم آية) ، عبرة وتفكر.
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (قد كان لكم آية في فئتين) .
قال: محمد ﷺ وأصحابه، ومشركي قريش يوم بدر.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين) ، ذلكم يوم بدر ألف المشركون أو قاربوا، وكان أصحاب رسول الله ﷺ ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)
يقول لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكر، أيدهم الله ونصرهم على عدوهم.
قوله تعالى (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ... )
انظر حديث الشيخين عن أبي هريرة مرفوعاً: "تنكح النساء لأربع: لمالها وجمالها وحسبها ودينها...." في تفسير سورة البقرة آية ٢٢١.
стр. 402
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديها الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: القنطار اثنا عشر ألف درهم، وألف دينار.
قال الطبري: حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد ابن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: القنطار ألف ومئتا أوقية.
وسنده حسن.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة عن الحسن: أن القنطار اثنا عشر ألفاً.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: كنا نحدث أن القنطار ألف رطل من ذهب، أو ثمانون ألفاً من الورق.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: القنطار يكون مائة رطل، وهو ثمانية آلاف مثقال.
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (القناطير المقنطرة) قال: القنطار سبعون ألف دينار.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة: (القناطير المقنطرة من الذهب والفضة) ، والمقنطرة المال الكثير بعضه على بعض.
ولعل هذا الخلاف بسبب اختلاف البلدان، فلكل بلد له مكاييله وأوزانه كالحجاز والشام الكوفة والبصرة ومصر.
قوله تعالى (والخيل المسومة)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: و (الخيل المسومة) : يعني المعلمة.
قال الطبري حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، قال عن حبيب عن سعيد بن جبير (الخيل المسومة) قال: الراعية، التي ترعى.
ورجاله ثقات وسنده صحيح.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد وفي قوله: (والخيل المسومة) قال: المطهمة حسناً.
المطهم: البارع الجمال (القاموس مادة: ط هـ م)
стр. 403
قوله تعالى (والأنعام والحرث)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا كم يدخل تحت لفظ الأنعام من الأصناف، ولكنه قد بين في مواضع أخر أنها ثمانية أصناف هي: الجمل والناقة والثور والبقرة والكبش والنعجة والتيس والعنز كقوله تعالى (ومن الأنعام حمولة وفرشاً) ثم بين الأنعام بقوله (ثمانية أزواج من الضأن اثنين) يعنى الكبش والنعجة (من المعز اثنين) يعني التيس والعنز إلى قوله (من الأبل اثنين) يعني الجمل والناقة (ومن البقر اثنين) يعني: الثور والبقرة، وهذه الثمانية هي المرادة بقوله (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) وهي المشار إليها بقوله (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا) الآية.
وانظر سورة البقرة آية (٢٠٥) .
قوله تعالى (والله عنده حسن المآب)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن السدي: (والله عنده حسن المآب) ، يقول: حسن المنقلب، وهي الجنة.
قوله تعالى (وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد)
قال البخاري: حدثنا معاذ بن أسدٍ، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة يقولون لبيك وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خَلقك. فيقول: أنا أعطيكم أفضلَ من ذلك قالوا: يا رب، وأي شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
(الصحيح ١١/٤٢٣ ح ٦٥٤٩- ك الرقاق، ب صفة الجنة والنار) , (وأخرجه مسلم ٤/٢١٧٦ ح ٢٨٢٩- ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبداً) .
وانظر سورة البقرة آية (٢٥) .
стр. 404
قوله تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)
في هذه الآية والتي تليها بيان صفة العباد من أهل الجنة المذكورين في الآية السابقة.
قوله تعالى (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين) ، (الصادقين) : قوم صدقت أفواههم استقامت قلوبهم وألسنتهم وصدقوا في السر والعلانية (والصابرين) قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه (القانتين) هم المطيعين لله.
وانظر سورة البقرة آية (١ ١٦) .
قوله تعالى (والمستغفرين بالأسحار)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغرِّ، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له".
(الصحيح ٣/٢٩- ح ١١٤٥- ك التهجد، الدعاء والصلاة من آخر الليل) . وأخرجه مسلم (الصحيح- صلاة المسافرين، الترغيب في الدعاء والذكر ١/٥٢١ ح ٧٥٨) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة: (والمستغفرين بالأسحار) هم أهل الصلاة.
قوله تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن السدي: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة) إلى (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ، قال: الله يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس: أن الدين عند الله الإسلام.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (بالقسط) ، بالعدل.
стр. 405
قوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (إن الدين عند الله الإسلام) والإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه،: بعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به.
قوله تعالى (وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ... )
انظر حديث أبي بكرة المتقدم عند الآية (٢١٧) من سورة البقرة، والآتي تحت الآية (٢) من سورة المائدة. وفيه: "ألا هل بلغت؟ ".
قوله تعالى (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق)
انظر حديث ابن مسعود المتقدم عند الآية (٦١) من سورة البقرة.
قوله تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال دخل رسول الله ﷺ بيت المدراس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم ودينه. فقالا: فإن إبراهيم كان يهودياً! قال رسول الله ﷺ : فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم! فأبيا عليه، فأنزل الله : (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) إلى قوله (وما كانوا يفترون) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: قوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) أولئك أعداء الله اليهود، دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم وإلى نبيه ليحكم بينهم وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ثم تولوا عنه وهم معرضون.
стр. 406
قوله تعالى (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) ، قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا قال الله : (وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) ، أي قالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه) .
انظر حديث البخاري عن أبي هريرة عند الآية (٨٠) من سورة البقرة، وفيه سؤال النبي ﷺ لليهود: من أهل النار؟ وقولهم: نكون فيها يسيرا... الحديث.
قوله تعالى (تولج الليل في النهار تولج النهار في الليل)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله تعالى (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل) وقال: ما ينقص من أحدهما في الآخر، يعتقبان أو يتعاقبان.
قوله تعالى (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله : (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) قال: الناس الأحياء من النطف والنطف ميته، ويخرجها من الناس الأحياء، والأنعام.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة عن الحسن في قوله: (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) ، يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن والمؤمن عبد حي الفؤاد، والكافر عبد ميت الفؤاد.
стр. 407
قوله تعالى (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم اللطف، ويخالفوهم في الدين، وذلك في قوله (إلا أن تتقوا منهم تقاة) .
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي: (ومن يفعل ذلك) قال: ومن يفعل هذا فهو مشرك. وبه عن السدي: (فليس من الله في شيء) فقد برئ الله منه.
قوله تعالى (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير)
أخرج ابن حاتم بسنده الحسن عن السدي قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسروا من ذلك وما أعلنوا، فقال: (إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه) .
قال الإمام أحمد: ثنا أبو العلاء الحسن بن سوار ثنا ليث عن معاوية عن أيوب ابن زياد حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال: أجلسوني. قال: يا بني إنك لا تطعم طعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله ﵎ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قال قلت: يا أبتاه فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره قال: تعلم ما أخطأك لم يكن يصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول. إن أول ما خلق الله ﵎ القلم. ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني: إن متّ ولست على ذلك دخلت النار.
(المسند ٥/٣١٧) ، وأخرجه أبو داود من طريق أبي حفصة عن عبادة بنحوه. وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود ح ٣٩٣٣) .
стр. 408
قوله تعالى (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً) يقول: موفراً.
قوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)
قال البخاري: حدثنا عبدان أخبرنا أبي عن شعبة عن عمرو بن مُرّة عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : متى الساعة يا رسول الله؟ قال: "ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: أنتَ مع من أحببت".
(الصحيح ١٠/٥٥٧ ح ٦١٧١- ك الأدب, علامة الحب في الله) .
قوله تعالى (قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا: ثنا سفيان، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "لا ألفيّن أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو ُنهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".
(السنن ٤/٢٠٠ ح ٤٦٠٥- ك السنة، ب في لزوم السنة) ، (وأخرجه الترمذي ٥/٣٧ ح ٢٦٦٣- ك العلم، ب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ عن قتيبة) . وابن ماجة (السنن ١/٦-٧ ح ١٣- المقدمة، ب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ... ) عن نصر بن علي الجهضمي.
والحاكم (المستدرك ١/١٠٨) من طريق الشافعي والحميدي، كلهم عن سفيان بن عيينة به. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال البغوي: حديث حسن (شرح السنة ١/٢٠٠) ، وقال الألباني: صحيح (صحيح سنن ابن ماجة ح ١٣) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فإن تولوا) يعني الكفار تولوا عن النبي ﷺ .
стр. 409
قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)
قال الإمام أحمد: ثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال حدثني النضر بن شميل المازني قال حدثني أبو نعامة قال حدثني أبو هنيدة البراء بن نوفل عن والان العدوي عن حذيفة عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى الغداة ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول الله ﷺ ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الآخرة ثم قام إلى أهله فقال الناس لأبي بكر لا تسأل رسول الله ﷺ ما شأنه صنع اليوم شيئاً لم يصنعه قط قال: فسأله فقال: "نعم عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا وأمر الآخرة فجمع الأولون والآخرون بصعيد واحد ففظع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم ﵇ والعرق يكاد يلجمهم فقالوا يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله اشفع لنا إلى ربك قال لقد لقيت مثل الذي لقيتم انطلقوا إلى أبيكم إلى نوح (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) قال: فينطلقون إلى نوح ﵇، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله واستجاب لك في دعائه ... فذكر الحديث بطوله.
(المسند ١/٤) . وأخرجه ابن أبي حاتم (التفسير- آل عمران- آية ٣٣ ح ٣٩٠) عن أحمد بن منصور المروزي عن النضر بن شميل. قال أحمد شاكر: إسناده صحيح (المسند ح ١٥) . وأخرجه ابن حبان من طريق النضر بن شميل به (الإحسان ٨/١٣٤-١٣٦ ح ٦٤٤٢) . وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجالهم ثقات (مجمع الزوائد ١٠/٣٧٥) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران: آل ياسين وآل محمد يقول الله (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) .
стр. 410
قوله تعالى (ذرية بعضها من بعض)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ذرية بعضها من بعض) يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.
قوله تعالى (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) الآية كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحررون الذكور، وكان المحرر إذا حرر جعل الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها.
قوله تعالى (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى)
المرأة لا تستطيع أن يصنع بها ذلك يعني أن تحرر للكنيسة، فتجعل فيها تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) .
قوله تعالى (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يَمسّه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) .
(الصحيح ٨/٦٠ ح ٤٥٤٨- ك التفسير، سورة آل عمران) . (وأخرجه مسلم ٤/١٨٣٨ ح ٢٣٦٦- ك الفضائل، ب فضائل عيسى ﵇ .
стр. 411
قوله تعالى (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن شيبان عن قتادة: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) قال حُدثنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) قال: سهمهم بقلمه.
وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) يقول: ضمها إليه.
قوله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: في قوله (وجد عندها رزقاً) قال: عنبا وجده زكريا عند مريم يا غير زمانه.
قوله تعالى (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) يقول: مباركة.
قوله تعالى (فنادته الملائكة)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (فنادته الملائكة) وهو جبريل.
قوله تعالى (إن الله يبشرك بيحيى مصدقاً يكلمة من الله)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتادة: (أن الله يبشرك بيحيى) قال: عبد أحياه الله بالإيمان.
وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (مصدقاً بكلمة من الله) يقول: مصدقاً بعيسى بن مريم، وعلى سنته ومنهاجه.
قوله تعالى (وسيداً وحصوراً)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وسيداً) إي والله، لسيد في العبادة والحلم والعلم والورع.
стр. 412
وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله : (وسيداً) قال: السيد: الكريم على الله. وبه عن مجاهد الحصور: الذي لا يقرب النساء.
قوله تعالى (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بين في سورة مريم أنه بلغ من الكبر عتيا. وذلك في قوله تعالى عنه (وقد بلغت من الكبر عتيا) والعتى: اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكبر.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي: (قال رب أنى يكون لي غلام) يقول: من أين.
قوله تعالى (قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) قال: إيماؤه بشفتيه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إِلَّا رَمْزًا) إلا إيماء.
وانظر لبيان قصة زكريا سورة مريم الآيات (٢-١١) وسورة الأنبياء (٨٩-٩٠) .
قوله تعالى (وسبح بالعشي والإبكار)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وسبح بالعشي والإبكار) قال: الإبكار أول الفجر، والعشي ميل الشمس حتى تغيب.
قوله تعالى (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)
انظر قصة مريم سورة مريم الآيات (١٦-٢٩) .
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (إن الله اصطفاك وطهرك) قال: جعلك طيبة إيماناً.
стр. 413
قال البخاري: حدثني أحمد بن أبي رجاء حدثنا النضر عن هشام قال: أخبرني أبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر قال: سمعت علياً ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "خيرُ نسائها مريم ابنة عمران، وخيرُ نسائها خديجة".
(الصحيح ٦/٤٧٠ ح ٣٤٣٢- ك أحاديث الآنبياء، ب (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك ... ) ، (وأخرجه مسلم ٤/١٨٨٦ ح ٢٤٣٠- ك فضائل الصحابة، ب فضائل خديجة) .
قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت مرّة الهمداني يُحدِّث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون".
(الصحيح ٦/٤٧١-٤٧٢ ح ٣٤٣٣- ك أحاديث الأنبياء، ب قوله تعالى (إذ قالت الملائكة يا مريم) إلى قوله (فإنما يقول له كن فيكون)) .
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين: مريم ابنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون".
(المصنف ١١/٤٣٠ ح ٢٠٩١٩) ، وأخرجه أيضاً في التفسير (١/١٢٨ ح ٤٠٣) بالإسناد نفسه.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: الترمذي في جامعه (٥/٧٠٣ ح ٣٨٧٨- ك المناقب، ب فضل خديجة ﵂ ، وأحمد في مسنده (٣/١٣٥) ، وأبو يعلى كذلك في مسنده (٥/٣٨٠ ح ٣٠٣٩) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٩/٧١ ح ٦٩٦٤) والطبراني في الكبير (٢٢/٤٠٢ ح ١٠٠٣) ، والحاكم في المستدرك ٣/١٥٧) . قال الترمذي: حديث صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي. وصحح إسناده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٦/٤٧١) . وأدخله البغوي في قسم الحسن من "مصابيحه" (انظر المشكاة ٣/١٧٤٥ ح ٦١٨١) . وصححه الشيخ الألباني (صحيح الجامع ٣١٤٣ وصحيح الترمذي رقم ٣٠٥٣) .
وقد روي عن أنس بلفظ: "خير نساء العالمين ... "، أخرجه كذلك ابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني ٥/٣٦٤ ح ٢٩٦١) ، والطبراني في الكبير (٢٢/٤٠٢ ح ١٠٠٤) ، وابن مردويه في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير ١/٣٦٢) - ثلاثتهم من طريق أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس به. ويشهد له حديث علي ﵁ مرفوعاً: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة" أخرجه البخاري (٦/٤٧٠ ح ٣٤٣٢ الفتح) ومسلم (٤/١٨٨٦ ح ٢٤٣٠) .
стр. 414
قوله تعالى (يا مريم اقنتي لربك)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يا مريم اقنتى لربك) قال: أطيلي الركوع، يعني القنوت.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (اقنتي لربك) أطيعي ربك.
وانظر سورة البقرة آية (١١٦) .
قوله تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وما كنت لديهم) يعني محمداً ﷺ .
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (يلقون أقلامهم) زكريا وأصحابه، استهموا بأقلامهم على مريم حين دخلت عليهم.
قوله تعالى (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا هذه الكلمة التي أطلقت على عيسى لأنها هي سبب في وجوده من إطلاق السبب وإرادة مسببه، ولكنه بين في موضع آخر أنها لفظة كن وذلك في قوله (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (بكلمة منه) قال: قوله كن.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ومن المقربين) يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة.
قوله تعالى (ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا ما كلمهم به في المهد. ولكنه بينه في سورة مريم بقوله (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) .
стр. 415
قال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى.
وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلى، فجاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريَه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرّضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت مِن جريج، فأَتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبُّوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: مَن أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين. وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إسرائيل، فمرّ رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه"، -قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمُص إصبعه- "ثم مرّ بأمة فقالت اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، هذه الأمة يقولون سرقت زنيت ولم تفعل".
(صحيح البخاري ٦/٥٤٩ ح ٣٤٣٦- ك أحاديث الأنبياء، قول الله (واذكر في الكتاب مريم ... )) . (صحيح مسلم ٤/١٩٧٦-١٩٧٧ بعد رقم ٢٥٥٠- ك البر والصلة، ب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين) يقول: يكلمهم صغيراً وكبيراً.
قوله تعالى (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) الآية
قال الشيخ الشنقيطي: أشار في هذه الآية إلى قصة حملها بعيسى وبسطها مبينة في سورة مريم بقوله (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا) . إلى آخر القصة وبين النفخ فيها في سورة التحريم والأنبياء، معبراً في التحريم بالنفخ في فرجها، وفي الأنبياء بالنفخ فيها.
стр. 416
قوله تعالى (ويعلمه الكتاب والحكمة)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ويعلمه الكتاب والحكمة) قال: الحكمة: السنة.
قوله تعالى (وأبرئ الأكمه والأبرص)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وأبرئ الأكمه) قال: الأكمه: الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: الأكمه: الأعمى.
قوله تعالى (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) قال: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه عيسى ابن مريم يقوله.
قوله تعالى (ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والشروب، وأشياء من الطير: الحيتان.
قوله تعالى (وجئتكم بآية من ربكم)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وجئتكم بآية من ربكم) قال ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.
قوله تعالى (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم)
انظر سورة الفاتحة الصراط المستقيم: الإسلام.
стр. 417
قوله تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) الآية.
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى ولكنه بين في سورة الصف أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد ﷺ في نصرة الله ودينه، ذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله) الآية.
قوله تعالى (قال الحواريون نحن أنصار الله)
قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز -هو ابن أبي سلمة- عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن لكل نبي حواريا، وإن حواريَّ الزبير بن العوام".
(الصحيح ٧/٩٩ ح ٣٧١٩- ك فضائل الصحابة، ب مناقب الزبير بن العوام) . وأخرجه مسلم في (الصحيح ٤/١٨٧٩ ح ٢٤١٥- ك فضائل الصحابة ب من فضائل طلحة والزبير) من طريق ابن عيينة، عن ابن المنكدر به.
قوله تعالى (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك قوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وقوله (وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه) الآية.
قوله تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إني متوفيك) يقول: إني مميتك.
قوله تعالى (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)
انظر حديث البخاري ومسلم عن معاوية المتقدم عند الآية (١٢٠) من سورة البقرة، والآتي عند الآية (١٨١) من سورة الأعراف.
стр. 418
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون طاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.
قوله تعالى (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وعملوا الصالحات) يقول: أدوا فرائضي.
قوله تعالى (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الذكر: القرآن. الحكيم: الذي قد كمل في حكمته.
قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)
وقد بين الله تعالى قصة خلق عيسى ﵇ في سورة مريم آية ١٦-٣٦.
قوله تعالى (الحق من ربك فلا تكن من الممترين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين) يعني: فلا تكن في شك من عيسى أنه كمثل آدم، عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه.
قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين)
قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلة بن زُفر، عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يُريدان أن يُلاعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل،
стр. 419
فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدِنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا ألا أميناً. فقال: "لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين". فاستشرف له أصحابُ رسول الله ﷺ ، فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح". فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمينُ هذه الأمة".
(الصحيح ٧/٦٩٥ ح ٤٣٨٠- ك المغازي، ب قصة أهل نجران) ، وأخرجه مسلم (الصحيح - ك فضائل الصحابة، ب فضل أبي عبيدة بن الجراح- ح ٢٤٢٠ من حديث حذيفة) .
قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد (وتقاربا في اللفظ) قالا: حدثنا حاتم (وهو ابن إسماعيل) عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول الله ﷺ ، فلن أسُبّه.
لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول له، خَلفه في بعض مغازيه، فقال له عليٌ: يا رسول الله! خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنه لا نبوة بعدي". وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويُحبه الله ورسوله" قال فتطاولنا لها فقال: "ادعوا لي عليّا". فأتى به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه. ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: (فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم) دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: "اللهم! هؤلاء أهلي".
(الصحيح ٤/١٨٧١ ح ٣٢- ك فضائل الصحابه، ب من فضائل علي ﵁) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم) أي في عيسى: أنه عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه (فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم) إلى قوله: (على الكاذبين) .
قال الطبري: حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لو خرج الذين يباهلون النبي ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا.
ورجاله ثقات إلا الحسن فصدوق والإسناد حسن.
стр. 420
قوله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)
قال البخاري: حدثني إبراهيم بن موسى عن هشام عن معمر ح. وحدثني عبد الله ابن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال أخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال حدثني ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال: انطلقت في المدّة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ، قال: قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من النبي ﷺ إلى هرقل ... فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنى أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم. تسلَم، وأسلمْ يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله -إلى قوله- اشهدوا بأنا مسلمون) فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عندَه، وكثر اللَّغط، وأمر بنا فأُخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملكُ بني الأصفر. فما زلت موقناً بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام. قال الزهري: فدعا هرقل عظماء الروم فجمعهم في دار له، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وإن يثبتَ لكم ملككم؟ قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت.
فقال: عليَّ لهم. فدعا بهم فقال: إني إنما اختبرتُ شدتَّكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببتُ، فسجدوا له ورضوا عنه".
(الصحيح ٨/٦٢-٦٣ ح ٤٥٥٣- ك التفسير، سورة آل عمران) .
انظر حديث الحاكم عن ابن عباس المتقدم تحت الآية رقم (١٣٦) من سورة البقرة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) عدل بيننا وبينكم (ألا نعبد إلا الله) الآية.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية: كلمة السواء لا إله إلا الله.
стр. 421
قوله تعالى (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا ما وجه محاجتهم في إبراهيم، ولكنه بين في موضع آخر أن محاجتهم في إبراهيم هي قول اليهود: إنه يهودي، والنصارى إنه نصراني وذلك في قوله (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله) وأشار إلى ذلك هنا بقوله (والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) الآية.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا! وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا! فأنزل الله فيهم (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) : قالت النصارى: كان نصرانيا! وقالت اليهود كان يهوديا فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل ما أنزل إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية.
قوله تعالى (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم) يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) .
قوله تعالى (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مُسلماً وما كان من المشركين)
يفسرها قول ابن عباس السابق. وانظر سورة البقرة آية (١٣٥) لبيان كلمة حنيفاً.
стр. 422
كقوله تعالى (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)
قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي وُلاة من النبيين وإن وليِّى أبي وخليل ربي" ثم قرأ (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) .
وقال الترمذي: حدثنا محمود، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبيه عن أبي الضحى عن عبد الله عن النبي ﷺ مثِله، ولم يقل فيه عن مسروق. قال أبو عيسى: هذا أصح من حديث أبي الضحى عن مسروق، وأبو الضحى اسمه مسلم بن صبيح. حدثنا أبو كريب. حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن عبد الله عن النبي ﷺ نحو حديث أبي نعيم وليس فيه عن مسروق) . سنن الترمذي ٥/٢٢٣- ٢٢٤ ح ٢٩٩٥- ك تفسير القرآن، ب من سورة آل عمران) . وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي. وأخرجه الطبري (التفسير ٦/٤٩٨) ، والحاكم (المستدرك ٢/٢٩٢-٥٥٣) كلاهما من طريق الثوري به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في تعليقه على رواية الطبري: إسناد صحيح متصل) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول الله سبحانه (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) وهم المؤمنون.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) يقول: الذين اتبعوه على ملته وسنته ومنهاجه وفطرته (وهذا النبي) وهو نبي الله محمد (والذين آمنوا) معه وهم المؤمنون الذين صدقوا نبي الله واتبعوه. كان محمداً رسول الله ﷺ والذين معه من المؤمنين، أولى الناس بإبراهيم.
قوله تعالى (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون)
بيان هذه الطائفة ورد في الآية (٧٢-٧٣) من السورة نفسها.
قوله تعالى (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) يقول: تشهدون أن نعت محمد نبي الله ﷺ في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته.
стр. 423
قوله تعالى (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله فيهم: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) إلى قوله (والله واسع عليم) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره، الإسلام، ولا يجزى إلا به.
وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) كتموا شأن محمد، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم المعروف وينهاهم عن المنكر.
قوله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا الذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله : (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار) يهود تقوله. صلت مع محمد صلاة الصبح وكفروا آخر النهار، مكرا منهم، ليُروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه.
стр. 424
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (لعلهم يرجعون) يقول: لعلهم يدعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أتم عليه.
قوله تعالى (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) هذا قول بعضهم لبعض.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يُتبعوا على دينهم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) يقول: لما أنزل الله كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا مثل نبيكم، حسدتموهم على ذلك (قل إن الفضل بيد الله) الآية.
قوله تعالى (يختص برحمته من يشاء)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يختص برحمته من يشاء) قال: النبوة، يخص بها من يشاء.
قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً)
قال البخاري: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشهداء أُشهدهم، فقال كفى بالله شهيدا. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقتَ، فدفعها إليه على أجل مسمّى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجّج
стр. 425
موضعها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: "اللهْم إنك تعلم أني كنتُ تسلْفتُ فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك. وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضى بذلك. وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإنى أستودعكَهَا. فرمى بها في البحر حتىَ ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلمّا نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدِم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زِلتُ جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدتُ مركباً قبل الذي أتيتُ فيه. قال: هل كنت بعثتَ إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أنى لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثتَ في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشداً".
(الصحيح ٤/٥٤٨-٥٤٩ ح ٢٢٩١- ك الكفالة, ب الكفالة في القرض والديون ... وكذا وقع عند البخاري هنا معلقاً، وقد جاء في موضع آخر موصولاً في رواية أبي ذر، ولم يذكر لفظه وإنما ذكر طرفاً منه فقط (الصحيح ٤/٣٥٠ ح ٢٠٦٣- ك البيوع، ب التجارة في البحر) قال: حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث،.. به. وأخرجه أحمد (المسند ٢/٣٤٨-٣٤٩) عن يونس بن محمد عن الليث به. وتقدم تفسير القنطار في الآية (١٤) من هذه السورة.
وانظر الآية (١٤) من هذه السورة لبيان القنطار.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إلا ما دمت عليه قائما) إلا ما طلبته واتبعته.
قوله تعالى (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) الآية قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.
قوله تعالى (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: اتقى الشرك، (فإن الله يحب المتقين) . المتقين: الذين يتقون الشرك.
следующие страницы →