Полный текст (2 189 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
قال الطبري: حدثني محمد بن خلف، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثني فضيل بن غزوان، قال: أتيت أبا إسحق فسلمت عليه فقلت: أتعرفني؟
فقال فضيل: نعم! لولا الحياء منك لقبلتك حدثني أبو الأحوص، عن عبد الله قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله: (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم) .
(أبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن عبيد عن فضيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/٣٢٩) وذكره الهيثمي وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير جنادة بن سلم وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٧/٢٧) .
قوله تعالى (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)
انظر سورة آل عمران آية (١٧٣-١٧٤) .
قوله تعالى (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون)
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس ﵄: لما نزلت (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) فكتب عليهم أن لا يفرّ واحدٌ من عشرة، فقال سفيان غير مرة: أن لا يفرّ عشرون من مائتين، ثم نزلت (الآن خفف الله عنكم) الآية، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين، وزاد سفيان مرة: نزلت (حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون) قال سفيان وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا.
(الصحيح ٨/١٦١-١٦٢ ح ٤٦٥٢ -ك التفسير- سورة الأنفال، ب الآية) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٣/١٤٣١ ح ١٨٠٥ - ك الجهاد، ب غزوة الأحزاب) .
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن حُميد قال: سمعت أنساً ﵁ يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى
стр. 912
الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلمّا رأى ما بهم من النصب والجوع قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر اللهم للأنصار والمهاجره". فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً
(الصحيح ٦/٥٤ ح ٢٨٣٤ - ك الجهاد والسير، ب التحريض على القتال وقول الله الآية) .
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن النضر بن أبي النضر وهارون بن عبد الله ومحمد ابن رافع وعبد بن حميد -وألفاظهم متقاربة- قالوا: حدثنا هاشم بن القاسم: حدثنا سليمان -وهو ابن المغيرة- عن ثابت، عن أنس بن مالك.
قال: بعث رسول الله ﷺ بُسَيْسَةَ عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان. فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ : (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) قال: فحدثه الحديث. قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم. فقال: "إن لنا طَلِبَةً، فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا" فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة. فقال: "لا، إلا من كان ظهره حاضراً".
فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه. حتى سبقوا المشركين إلى بدر. وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "لا يُقدّمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" فدنا المشركون. فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" قال: يقول عُمير بن الحمام الأنصاري: يارسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ. فقال رسول الله ﷺ : "ما يحملك على قولك بخ بخ" قال: لا. والله! يارسول الله! إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: "فإنك من أهلها" فأخرج تمرات من قرنه. فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر. ثم قاتلهم حتى قتل.
(الصحيح ٣/١٥٠٩-١٥١١ ح ١٩٠١ - ك الإمارة، ب ثبوت الجنة للشهيد) .
стр. 913
قوله تعالى (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين)
قال البخاري: حدثنا يحيي بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا جرير بن حازم، قال: أخبرني الزبير بن الخريت، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) شق ذلك على المسلمين حين فرِضَ عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال (الآن خفّف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) قال: فلما خَفّف الله عنهم من العدة نَقَص من الصبر بقدر ما خُفّف عنهم.
(الصحيح ٨/١٦٣ ح ٤٦٥٣ -ك التفسير- سورة الأنفال، ب الآية) .
قوله تعالى (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)
انظر حديث مسلم المتقدم تحت الآية رقم (١٢٥) من سورة البقرة.
وانظر حديث مسلم الطويل تحت الآية رقم (٩) من سورة الأنفال.
قال الحاكم: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا سعيد ابن مسعود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: استشار رسول الله ﷺ في الأسارى أبا بكر، فقال: قومك وعشيرتك فخل سبيلهم فاستشار عمر، فقال: اقتلهم، قال: ففداهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) إلى قوله (فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً) قال: فلقي النبي ﷺ عمر قال: "كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء".
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك ٢/٣٢٩ - ك التفسير، سورة الأنفال) وصححه الذهبي) .
стр. 914
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) وذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله ﵎ بعد هذا في الأسارى: (فإما منا بعد وإما فداء) ، فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استعبدوهم شاءوا فادوهم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله ابن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن خيثمة قال: كان سعد جالساً ذات يوم وعنده نفر من أصحابه، إذ ذكر رجلاً، فنالوا منه، فقال: مهلاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنا أذنبنا مع رسول الله ﷺ ذنباً، فأنزل الله (لولا كتاب من الله سبق) الآية. فكنا نرى، أنها رحمة من الله سبقت. (التفسير - سورة الأنفال ح ٦٦٠) ، وأخرجه أيضاً إسحاق في مسنده (انظر المطالب العالية المسنده (ق ١٦٦/أ) ، والحاكم في (المستدرك (٢/٣٢٩-٣٣٠) من طريق عبد الله بن عمر بإسناده مطولاً، وفى لفظ الحاكم. "فأرجو أن تكون رحمة من عند الله سبقت لنا". ولفظ إسحاق بنحوه، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبي. وصحح الحافظ إسناده في المطالب العالية.
وحكى محقق (المطالب المجردة ٤/١٥١) : عن البوصيري أنه قال: رواه إسحاق بإسناد حسن.
قال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، أخبرني معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لمْ تحلَّ الغنائم لأحد سُود الرءوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها"، قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن، فلما كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم) .
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش (السنن٥/٢٧١ - ك التفسير، ب سورة الأنفال) ، وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي ح ٣٠٨٥) ، وأخرجه الطبري بنحوه من طريق: أبى معاوية عن الأعمش به، قال الشيخ أحمد شاكر: حديث صحيح الإسناد. (تفسير الطبري ١٤/٦٦ ح ١٦٣٠١، ١٦٣٠٢) ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ١١/ ١٣٤ ح ٤٨٠٦) من طريق جرير، عن الأعمش به. قال محققه: إسناده على شرط الشيخين. وكذا قال الألباني في (السلسله الصحيحة ح ٢١٥٥) وكلامه أسبق.
стр. 915
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) كان سبق لهم من الله خير، وأحل لهم الغنائم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (لولا كتاب من الله سبق) ، لأهل بدر، ومشهدهم إياه.
قوله تعالى (فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم)
قال البخاري: حدثنا محمد بن سنان حدثنا هُشيم. ح. قال: وحدثني سعيد ابن النضر، قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا سيار قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "أعطيتُ خمساً لم يُعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيمّا رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصّة وبُعثت إلى الناس عامة".
(الصحيح ١/٥١٩ ح ٣٣٥ - ك التيمم) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ١/٣٧٠ ح ٥٢١ - ك المساجد) .
قوله تعالى (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم)
قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما جاءت أهل مكة في فداء أساراهم، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص، وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بني عليها، فلما رأها رسول الله ﷺ رَق لها رقة شديدة وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا" قالوا: نعم يا رسول الله، وردوا عليه الذي لها. قال: وقال العباس: يا رسول الله إني كنت مسلماً فقال رسول الله ﷺ : "الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما
стр. 916
تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل ابن أبي طالب بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث ابن فهر". فقال: ماذاك عندي يا رسول الله. قال: "فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل فقلت لها: إن أصبت فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقثم؟ "فقال: والله يا رسول الله إني أشهد أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله ﷺ : "افعل" ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه، وأنزل الله (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله .
(المستدرك ٣/٣٢٤ - ك معرفة الصحابة) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وللحديث شاهد بنحوه مختصراً، أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١١/١٧١ ح ١١٣٩٨) ، وابن أبي حاتم (التفسير - سورة الأنفال/ ٧٠ ح ٦٨٣) كلاهما من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس. وعزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط والكبير، وقال: رجال الأوسط رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع (مجمع الزوائد ٧/٢٨) ، وأخرجه الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وأصل الحديث في (سنن أبي داود ح ٢٦٩٢ - ك الجهاد، ب فداء الأسير بالمال) ، وحسنه الألباني في (صحيح أبي داود ح ٢٣٤١) .
قوله تعالى (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم) يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر.
وانظر آية (٥٨) من السورة نفسها.
стр. 917
قوله تعالى (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير)
انظر حديث بريدة المتقدم عند مسلم، سورة البقرة (١٩٠) .
قال أحمد: ثنا وكيع عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : "المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة".
قال شريك: فحدثنا الأعمش عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير عن النبي ﷺ مثله.
(المسند ٤/٣٦٣) ، وأخرجه الطيالسى (المسند ح ٦٧١) ، والطبراني (المعجم الكبير ح ٢٣١١) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٦/٢٥٠ ح ٧٢ ٦٠) من طرق عن عاصم به. وأخرجه الطبراني (ح ٢٤٣٨) ، والحاكم (المستدرك ٤/٨٠-٨١) من طريق الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وعزاه الهيثمي لأحمد والطبراني وقال: وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح ... (مجمع الزوائد ١٠/١٥) .
وحسن الشيخ الأرناؤوط إسناد ابن حبان، وأورده الألباني في (السلسلة الصحيحة ح ١٠٣٦) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) ، يعنى: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوى الأرحام، قال الله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) ، يقول: مالكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) سورة الأنفال: ٧٥، سورة الأحزاب: ٦، في الميراث، فنسخت التي قبلها، وصار الميراث لذوي الأرحام.
стр. 918
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وإن استنصروكم في الدين) يعنى: إن استنصركم الأعراب المسلمون، أيها المهاجرون والأنصار، على عدوهم، فعليكم أن تنصروهم، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق.
قوله تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) يعنى في الميراث (إلا تفعلوه) يقول: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به (تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) .
قوله تعالى (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم)
انظر آية (٧٢) من السورة نفسها.
قوله تعالى (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض)
قال الحاكم: حدثنا أبو العباس، ثنا الحسن بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا الحسن بن صالح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: هيهات هيهات أين ابن مسعود، إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب فنزلت (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) .
(وصحح إسناده ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/٣٤٤-٣٤٥) ومناسبة قول ابن عباس هذا رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بلفظ: قيل لابن عباس أن ابن مسعود لايورث الموالي دون ذوي الأرحام ويقول: إن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فقال: ابن عباس: هيهات. هيهات ...
قال الحاكم: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، ثنا إبراهيم ابن المنذر الحزامي، ثنا محمد بن صدقة الفدكي، ثنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزبير بن العوام ﵁: فينا نزلت هذه
стр. 919
الآية (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) قال: كان رسول الله ﷺ قد آخى بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فلم نشك أنا نتوارث لو هلك كعب وليس له من يرثه فظننت أني أرثه ولو هلكت كذلك يرثني حتى نزلت هذه الآية (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) .
(المستدرك ٤/٣٤٤-٣٤٥ - ك الفرائض وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي) .
قال الترمذي: حدثنا علي بن حُجر وهناد قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة. لا تنفِق امرأة من بيت زوجها" إلا بإذن زوجها. قيل: يا رسول الله ولا الطعام، قال: لذلك أفضل أموالنا"، ثم قال: "العارية مؤدّاة، والمنحة مردودة والدين مَقْضيّ، والزعيم غارم.
(السنن ٤/٤٣٣ ح ٢١٢٠ - ك الوصايا، ب ما جاء لا وصية لوارث) ، وأخرجه أحمد (المسند ٥/٢٦٧) عن أبي المغيرة عن إسماعيل بن عياش به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح (صحيح الترمذي ح ١٧٢١) . وله شاهد من حديث عمرو بن خارجة. أخرجه الترمذي بعده (ح ٢١٢١) وقال: حسن صحيح ...
стр. 920
سورة التوبة
أسماءها
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير.
(الصحيح ح ٤٨٨٢ - ك التفسير، سورة الحشر) ، وأخرجه أيضاً مسلم في (صحيحه ٤/٢٣٢٢ ح ٣٠٣١ - ك التفسير، في سورة براءة والأنفال والحشر) من طريق هشيم به.
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة قال: يسمونها سورة التوبة، وهي سورة العذاب، يعني براءة.
(فضائل القرآن ح ٤٤٦) ، وإسناده حسن. وأخرجه الطبراني في (الأوسط ٢/١٩٦ ح ١٣٥٢) ، والحاكم في (المستدرك ٢/٣٣٠-٣٣١) من طريق عبد الله بن سلمة عن حذيفة، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٧/٢٨) .
نزولها
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراءه ﵁ يقول لآخر آية نزلت (يستفتونك قل الله يُفتيكم في الكلالة) وآخر سورة نزلت براءة.
(الصحيح ٨/١٦٧ ح ٤٦٥٤ -ك التفسير- سورة التوبة، ب الآية) .
стр. 921
قوله تعالى (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين)
قال الشيخ الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) لا عهد لكافر. وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء، والذي يبينه القرآن، ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده الموقت أقل من أربعة أشهر فتكمل له أربعة أشهر، أما أصحاب العهود الموقتة الباقي من مدتها أكثر من أربعة أشهر، فإنه يجب لهم إتمام مدتهم، ودليله المبين له من القرآن؛ هو قوله تعالى (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين) وهو اختيار ابن جرير.
قوله تعالى (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم هو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم)
قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عبّاد ابن العوام، حدثنا سفيان بن حسين، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: بعث النبي ﷺ أبا بكر وأمره أن يُنادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً. فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذْ سمع رُغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء، فخرج أبو بكر فزعاً فظن أنه رسول الله ﷺ فإذا هو عليٌّ، فدفع إليه كتاب رسول الله ﷺ وأمر علياً أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا فحجَّا، فقام عليٌّ أيام التشريق، فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وكان عليّ ينادي، فإذا عَيِى قام أبو بكر فنادى بها.
стр. 922
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس. (السنن ٥/٢٧٤-٢٧٦ ح ٣ ٠٨٩، ٣٠٩١ - ك التفسير، ب سورة التوبة) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي. وأخرجه بنحوه النسائي (٥/٢٤٧ - ك الحج، ب الخطبة قبل يوم التروية) ، والدارمي (٢/٦٦-٦٧ - ك المناسك، ب في خطبة الموسم) من طرق عن جابر به، وله شاهد صحيح من حديث علي أخرجه الضياء من طريق زيد بن يثيع عن علي نحوه (المختاره ٢/٨٤ ح ٤٦١) . وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/٥١، ٥٢) .
قال البخاري: حدثنا سعيد بن غُفير قال: حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب وأخبرني حُميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر في تلك الحَجّة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله ﷺ بعليّ بن أبي طالب وأمره أن يوذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا عليّ يوم النحر في أهل منى ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان.
(الصحيح ٨/١٦٨ ح ٤٦٥٥ -ك التفسير- سورة التوبة، ب الآية) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) قال: حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا، وحد أجل من ليس له عهد، انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد.
قال ابن ماجة: حدثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، ثنا هشام ابن الغاز قال: سمعت نافعا يُحدّث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجّ فيها فقال النبي ﷺ : "أيّ يوم هذا؟ ". قالوا: يوم النحر. قال: "فأيّ بلد هذا؟ ". قالوا: هذا بلد الله الحرام. قال: "فأي شهْر هذا؟ ". قالوا: شهْر الله الحرام. قال: "هذا يوم الحج الأكبر. ودماؤكم
стр. 923
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحُرمة هذا البلد، في هذا الشهر، في هذا اليوم". ثم قال: "هل بلغتُ؟ ". قالوا: نعم. فطفق النبي ﷺ يقول: "اللهم اشهد". ثم ودّع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع.
(السنن ٢/١٠١٦ ح ٣٠٥٨ - المناسك، ب الخطبة يوم النحر) . علقه البخاري بصيغه الجزم مختصراً، وأخرجه أبو داود من طريق هشام بن الغاز به مختصراً (الصحيح ٣/٥٧٤ فتح - الحج، ب الخطبة أيام منى) ، (السنن ٢/١٩٥ -المناسك- باب يوم الحج الأكبر) . وقال الألباني: صحيح (صحيح ابن ماجه ٢/١٨٢) . ذكره ابن كثير (٤/٥٢) . وأخرجه الحاكم في (المستدرك ٢/٣٣١) من طريق الوليد بن مسلم، عن هشام بن الغاز به، قال: حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي) .
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضا عن عبد الله بن أبي أوفي وابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن عمر ومجاهد وعكرمة والنخعي والشعبي أن الحج الأكبر هو: يوم النحر.
قوله تعالى (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يُظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين)
قال الشيخ الشنقيطى: يفهم من مفهوم هذه الآية: أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم، ونظير ذلك أيضا، قوله تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) .
قال البخاري: حدثنا قيس بن حفص، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الحسن، حدثنا مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "من قتل نفسا معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً".
(الصحيح ح ٦٩١٤ - ك الديات، في إثم من قتل ذميا بغير جرم) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) يقول: إلى أجلهم.
стр. 924
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحداً) الآية، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر. فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ونبذ إلى كل ذى عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك.
انظر تفسير الآية (٢) من سورة البقرة في بيان المتقين.
قوله تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، قال: حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".
(الصحيح ١/٩٥ ح ٢٥ - ك الأيمان، ب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) ، وأخرجه مسلم في (الصحيح ١/٥٣ ح ٢٢ - الإيمان، ب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) حتى آخر الآية. وكان قتادة يقول: خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله، فإنما الناس ثلاثة رهط مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عشور ماله.
стр. 925
قال ابن كثير: وقوله (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) أي: من الأرض وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم)
البقرة آية (١٩١) .
وانظر سورة البقرة آية (١٩٦) لبيان معنى الحصر.
قوله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجِره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (فأجِره حتى يسمع كلام الله) أما (كلام الله) فالقرآن.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) قال: إنسان يأتيك فيسمع ما تقول، ويسمع ما أنزل عليك، فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاءه.
قوله تعالى (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) يعني: أهل مكة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة) يقول: قرابة ولا عهداً. وقوله: (وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة) ، قال (الإل) يعني: القرابة، و (الذمة) العهد.
стр. 926
قوله تعالى (اشتروا بآيات الله ثمناً قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (اشتروا بآيات الله ثمناً قليلا) قال أبو سفيان بن حرب: أطعم حلفاءه، وترك حلفاء محمد ﷺ .
قوله تعالى (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون)
انظر آية (٨) من السورة نفسها.
قوله تعالى (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون)
أخرج البخاري بسنده مرفوعاً: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... ".
قال ابن ماجة: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا أبو أحمد، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راض". قال أنس: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء. وتصديق ذلك في كتاب الله، في آخر ما نزل يقول الله (فإن تابوا) قال: خلع الأوثان وعبدتها (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) . وقال في آية أخرى (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) .
(السنن ١/٢٧ ح ٧٠ - المقدمة، ب في الإيمان) ، صححه الحاكم، فإنه أخرجه في (المستدرك ٢/٣٣١-٣٣٢ - ك التفسير) ، من طريق إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي جعفر الرازي به.
وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على تصحيحه. وكذا صححه الضياء المقدسي، فإنه أخرجه في (الأحاديث الصحاح المختارة ٦/١٢٦-١٢٧ ح ٢١٢٢-٢١٢٣) من طرق عن أبي جعفر الرازي به وحسنه محققه، وانظر المقدمة) .
стр. 927
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) يقول: إن تركوا اللات والعزى، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله (فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون) .
قوله تعالى (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم) إلى (ينتهون) هؤلاء قريش. يقول: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام وطعنوا فيه، فقاتلهم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة قال: ذكروا عنده هذه الآية (فقاتلوا أئمة الكفر) قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
(أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/١٥٥-١٥٦ ح ١٦٥٢٧ و١٦٥٢٨) من طريق الأعمش به، ورجاله ثقات. وأخرجه بنحوه الحاكم في المستدرك (٢/٣٣٢) من طريق صلة بن زفر عن حذيفة، ثم قال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين". وأقره الذهبي، وقد أخرجه بسياق آخر البخاري في (الصحيح ٤٦٥٨ -ك التفسير- تفسير سورة التوبة، ب (فقاتلوا أئمة الكفر)) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن زيد بن وهب، ولفظه:
"قال: كنا عند حذيفة فقال: ما بقى من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبروننا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلافنا؟ قال: أولئك الفساق. أجل، لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده". قال الحافظ: "والمراد بكونهم لم يقاتلوا أن قتالهم لم يقع لعدم وقوع الشرط، لأن لفظ الآية (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا) فلما لم يقع منهم نكث ولا طعن لم يقاتلوا") .
(فتح الباري ٨/٣٢٣) .
стр. 928
أخرج عبد الرزاق بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر) ، أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول. وليس والله كما تأوله أهل الشبهات والبدع والفرى على الله وعلى كتابه.
قوله تعالى (ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة هموا بإخراجه ﷺ من مكة، وصرح في مواضع أخر بأنهم أخرجوه بالفعل، كقوله (يخرجون الرسول وإياكم) الآية. وقوله (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التى أخرجتك) . وقوله (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا) الآية. وذكر في مواضع أخر محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) وقوله: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) الآية.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وهم بدأوكم أول مرة) قال: قتال قريش حلفاء محمد ﷺ .
قوله تعالى (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (ويشف صدور قوم مؤمنين) خزاعة، حلفاء محمد ﷺ .
قوله تعالى (ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (ويذهب غيظ قلوبهم) حين قتلهم بنو بكر، وأعانتهم عليهم قريش.
стр. 929
قوله تعالى (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (ولا المؤمنين وليجة) يتولجها، من الولاية للمشركين.
قوله تعالى (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) يقول: ما ينبغى لهم أن يعمروها. وأما (شاهدين على أنفسهم بالكفر) فإن النصراني يسأل: ما أنت؟ فيقول: نصراني. واليهودى فيقول: يهودي. والصابئ فيقول: صابئ، والمشرك يقول إذا سألته: ما دينك؟ فيقول: مشرك. لم يكن ليقوله أحد إلا العرب.
قوله تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)
قال البخاري: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيراً حدثه، أن عاصم بن عمر بن قتادة حدثه، أنه سمع عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان يقول - عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول ﷺ : إنكم أكثرتم، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: "من بنى مسجداً -قال بكير: حَسِبتُ أنه قال- يبتغي به وجه الله، بنى الله له مِثله في الجنة".
(الصحيح ١/٦٤٨ ح ٤٥٠ - ك الصلاة، ب من بنى مسجداً) ، أخرجه مسلم (الصحيح ١/٣٧٨ ح ٥٣٣ - ك المساجد ومواضع الصلاة، ب فضل بناء المساجد والحث عليها) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إنما يعمر مساجد الله من أمن بالله واليوم الآخر) يقول: من وحد الله، وأمن باليوم الآخر. يقول: أقر بما أنزل الله (وأقام الصلاة) يعني: الصلوات الخمس (ولم يخش إلا الله) يقول: ثم لم يعبد إلا الله قال (فعسى أولئك)
стр. 930
يقول: إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه (عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً) سورة الاسراء: ٧٩. يقول: إن ربك سيبعثك مقاما محموداً، وهي الشفاعة، وكل (عسى) في القرآن فهي واجبة.
قوله تعالى (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين)
قال مسلم: حدثني حسن بن علي الحلواني، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلاّم، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام قال: حدثني النعمان بن بشير قال: كنتُ عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ . وهو يوم الجمعة.
ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلتُ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) الآية إلى أخرها.
(الصحيح ١٣/١٤٩٩ ح ١٨ ٧٩ - ك الإمارة، ب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى) .
قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها. فقال: اسقني. قال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقنِي.
فشرب منه. ثم أتى زمزم وهم يَسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح. ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل علي هذه. يعني عاتقه. وأشار إلى عاتقه".
(الصحيح ٣/٥٧٤ ح ١٦٣٥ - ك الحج، ب سقاية الحاج) .
стр. 931
قوله تعالى (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون)
انظر سورة البقرة آية (٢١٨) ، وسورة الأنفال آية (٧٤) .
قوله تعالى (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم)
قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من يدخل الجنة ينعم لا يبأسى لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه".
(الصحيح ٤/٢١٨١-٢١٨٢ ح ٢٨٣٦ - ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب في دوام نعيم أهل الجنة ... ) .
قال الطبري: حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله سبحانه: أعطيكم أفضل من هذا. فيقولون: ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ قال، رضواني.
ورجاله ثقات وسنده صحيح.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخدوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان) الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن موالاة الكفار، ولو كانوا أقرباء، وصرح في موضع آخر بأن الاتصاف بوصف الإيمان مانع من موادة الكفار ولو كانوا أقرباء وهو قوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) الآية.
стр. 932
قوله تعالى (قل إن كان آباؤكم وآبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده".
(الصحيح ١/٧٤-٧٥ ح ١٤ - ك الأيمان، ب حب الرسول ﷺ ) .
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني حيوة ابن شريح. ح وثنا جعفر بن مسافر التنيسي: ثنا عبد الله بن يحيى البرلسي، ثنا حيوة بن شريح، عن إسحاق أبي عبد الرحمن، قال سليمان: عن أبي عبد الرحمن الخراساني، أن عطاء الخراساني حدثه، إن نافعاً حدثه، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليِكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
قال أبو داود: الإخبار لجعفر، وهذا لفظه. (السنن ٣/٢٧٤ ح ٣٤٦٢ - ك البيوع، ب في النهي عن العينة) ، وأخرجه أحمد (المسند ح ٤٨٢٥) من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر نحوه. قال محقق المسند: إسناده صحيح وقال الألباني: صحيح بمجموع طرقه. (صحيح الجامع ح ١٦ والسلسلة الصحيحة ح ١١)
وذكر فيها ممن قوى الحديث كابن القطان وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والشوكاني.
قال ابن كثير: أمر تعالى بمباينة الكفار به، وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إذا (استحبوا) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كما قال تعالى (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) الآية، سورة المجادلة آية: ٢٢.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (حتى يأتي الله بأمره) بالفتح.
стр. 933
قوله تعالى (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذاب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)
قال مسلم: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عبّاس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد الطلب رسول الله ﷺ ، فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له، بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولي المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قِبل الكفار.
قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكُفّها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أيْ عبّاس ناد أصحاب السَّمُرة". فقال عباس (وكان رجلا صيِّتا) : فقلتُ بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطْفتهم، حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك! يا لبّيك! قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. قال: ثم قُصِرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته، كالمتطاول عليها، إلى قتالهم. فقال رسول الله ﷺ : "هذا حين حَمِيَ الوطيسَ". قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار. ثم قال: "انهزموا وربّ محمد".
قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال علي هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدّهم كليلا وأمرهم مدبراً.
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي إسحاق قال: قال رجل للبراء: يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين؟ قال: لا. والله ما ولّى رسول
стр. 934
الله ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفْاؤهم حُسّرا ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح، فلقوا قوما رُماة لا يكاد يسقط لهم سهم؛ جمع هوازن وبني نصر، فرشقوهم رشقا ما يكادون يُخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ورسول الله على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطب يقود به فنزل فاستنصر.
وقال: "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب".
ثم صفهم.
(الصحيح ٣/١٣٩٨-١٤٠٠ ح ١٧٧٥ و١٧٧٦ - ك الجهاد والسير، ب في غزوة حنين) .
قال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا وكثرن على رسول الله ﷺ ، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله". ثم قال: "يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله فهزم الله المشركين ولم يضربوا بسيف ولم يطعنوا برمح ... " الحديث.
(المسند ٣/٢٧٩) ، وأخرجه أحمد أيضاً (المسند ٣/١٩٠) ، والحاكم في (المستدرك ٢/١٣٠) ، والبيهقي في (الدلائل ٥/١٥٠) من طريق حماد بن سلمة به، وقال الحاكم. حديث صحيح علي شرط مسلم، وأقره الذهبي. وأصله في الصحيحين من وجه آخر عن أنس بدون الإشارة للآية (انظر صحيح البخاري ح ٤٣٣٣ و٤٣٣٧ - ك المغازي، ب غزوة الطائف) ، (وصحيح مسلم ح ١٠٥٩ - ك الزكاة، ب إعطاء المؤلفة قلوبهم) .
قوله تعالى (وأنزل جنوداً لم تروها)
انظر حديث مسلم عن جابر الآتي عند الآية (١٥١) من سورة آل عمران وفيه قوله ﷺ : "نصرت بالرعب".
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (وعذب الذين كفروا) يقول: قتلهم بالسيف.
стр. 935
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم)
انظر حديث البخاري عن أبي هريرة المتقدم عند الآية (٢) من السورة نفسها وفيه: " ... وألا يحج بعد العام مشرك".
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) أى: أجناب.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، ونادى عليّ رحمة الله عليهما بالأذان، وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله ﷺ ، وحج نبي الله ﷺ من العام المقبل حجة الوداع، لم يحج قبلها ولا بعدها.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، قال: من أين تأكلون، وقد نفي المشركون وانقطعت عنهم العير. فقال الله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله.
قال الطبري: حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة.
ورجاله ثقات وسنده صحيح.
стр. 936
قوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان قال: سمعت عمراً قال: كنت جالساً مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين -عام حجّ مصعب بن الزبير بأهل البصرة- عند درج زمزم قال: كنتُ كاتبا لجزء ابن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هَجَر.
(الصحيح ٦/ ٢٩ ٧ ح ٣١٥٦ - ك الجزية والموادعة، ب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) .
وانظر حديث مسلم عن بريدة تحت الآية (١٩٠) من سورة البقرة.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله: (عن يد وهم صاغرون) حين أمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك.
قوله تعالى (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله ﷺ سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشأس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) إلى: (إني يؤفكون) .
стр. 937
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يضاهئون) يشبهون.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (قاتلهم الله) يقول: لعنهم الله.
قوله تعالى (اتخدوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ... )
قال الترمذي: حدثنا الحسين بن يزيد الكوفي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال: "يا عدى اطرح عنك هذا الوثن".
وسمعته يقرأ في سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئا حرّموه.
(السنن ٥/٢٧٨) وحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (الإيمان ص٦٤) ، والألباني في (صحيح سنن الترمذي ح ٣٠ ٩٥) وله شاهد صحيح من كلام ابن عباس.
قال الطبري: حدثني الحسن بن يحيي قال، أخبرنا عبد الرزق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة فقال: يا أبا عبد الله، أرأيت قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه.
وأبو البختري هو فيروز بن سعيد، ورجاله ثقات وسنده صحيح ...
قوله تعالى (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) يقول: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم.
وانظر سورة المائدة آية (٣) .
стр. 938
قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)
قال مسلم: حدثنا أبو كامل الجحدري وأبو معن زيد بن يزيد الرقاشي (واللفظ لأبي معن) قالا: حدثنا خالد بن الحارث. حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى". فقلت: يا رسول الله إن كنتُ لأظن حين أنزل الله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (٩/التوبة/ ٣٣) و (٦١/الصف/٩) أن ذللك تاماً. قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله. ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين أبائهم".
(الصحيح ٤/٢٢٣٠ ح ٢٩٠٧ - ك الفتن وأشراط الساعة، ب لا تقوم الساعه حتى تعبد دوس ذا الخلصة) .
قال مسلم: حدثنا أبو الربيع العَتكي وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حمّاد بن زيد (واللفظ لقتيبة) : حدثنا حماد عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زُوي لي منها، وأُعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإنى سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد؛. وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يُهلِك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً".
(الصحيح ٤/٢٢١٥ ح ٢٨٨٩ - ك الفتن وأشراط الساعة، ب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض) .
стр. 939
قال البخاري: حدثني محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا مُحلٌّ بن خليفة، عن عدى بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ "قلت: لم أرها، وقد أنبئتُ عنها. قال: "فإن طالتْ بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لاتخاف أحداً إلا الله -قلتُ فيما بيني وبين نفسي فأين دُعّار طيء الذين قد سعّروا البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملءَ كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيُبلّغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم". قال عدي سمعت النبي ﷺ يقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شِق تمرة فبكلمة طيبة". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتَح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبي أبو القاسم ﷺ : "يُخرج ملء كفه".
(الصحيح ٦/٧٠٦، ٧٠٧ ح ٣٥٩٥ - ك المناقب، ب علامات النبوة في الإسلام) .
قال أحمد: ثنا أبو المغيرة قال: ثنا صفوان بن مسلم قال: حدثني سليم بن عامر، عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر". وكان تميم الدارى يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية.
стр. 940
(المسند ٤/١٠٣) ، وأخرجه أيضاً الطبراني (٢/٥٨ ح ١٢٨٠) ، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/١٤، ٨/٢٦٢) ، وأخرجه الحاكم (المستدرك ٤/٤٣٠-٤٣١) من طريق الحكم بن نافع عن صفوان به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وتعقبهما الألباني أنه على شرط مسلم فقط وحكى عن عبد الغني المقدسي أنه قال: حديث حسن صحيح (تحذير الساجد ص ١٧٣-١٧٤) ، وله شاهد من حديث المقداد بن الأسود عند أحمد (٦/٤) ، وابن حبان (الإحسان ١٥/٩١-٩٢ و٩٣-٩٤، ح ٦٦٩٩ و٦٧٠١) ، والحاكم (٤/٤٣٠) وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وفيه من ليس من رجال الشيخين مع صحة إسناده وأورده الألباني في الصحيحة (ح /٣) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ليظهره على الدين كله) قال: ليظهر الله نبيه على أمر الدين كله، فيعطيه إياه كله، ولا يخفى عليه منه شيء وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: ... أما (الأحبار) فمن اليهود، وأما (الرهبان) فمن النصارى، وأما (سبيل الله) فمحمد ﷺ .
قال البخاري: حدثنا الحَكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن عبد الرحمن الأعرج حدثه أنه قال: حدثني أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع".
(الصحيح ٨/١٧٣ ك التفسير - سورة التوبة - ب (الآية) - ح ٤٦٥٩) .
قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن حُصين، عن زيد بن وهب قال: مررتُ على أبي ذرّ بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنّا بالشام، فقرأت (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) قال معاوية: ماهذه فينا، ماهذه إلا في أهل الكتاب.
قال: قلتُ: إنها لفينا وفيهم".
(الصحيح ٨/١٧٣ ح ٤٦٦٠ -ك التفسير- سورة التوبة، ب الآية) .
стр. 941
قال مسلم: حدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري، عن أبي العلاء، عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخس الثياب أخس الجسد، أخس الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفيه، ويوضع على نفض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل ... الحديث.
(الصحيح ح ٩٩٢ - ك الزكاة، ب في الكنازين للأموال ... ) ، وأخرجه البخاري أيضا من طريق الجريري به، (ح ١٤٠٧ - ك الزكاة، ب ما أدي زكاته فليس بكنز) .
قال البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أنّ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ :
"تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يُعطِ فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يُعط فيها حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، قال: ومِن حقها أن تُحلب على الماء قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعارْ فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلّغت".
(الصحيح ٣/٣١٤ ح ١٤٠٢ - ك الزكاة، ب إثم مانع الزكاة وقول الله تعالى (الآية) ، (وصحيح مسلم ٢/٦٨٤ ح ٩٨٨ - ك الزكاة، ب إثم مانع الزكاة) .
قوله تعالى (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)
قال البخاري: وقال أحمد بن شبيب بن سعيد، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أن تُنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال.
(الصحيح ٨/١٧٥ ح ٤٦٦١ -ك التفسير- سورة التوبة، ب الآية) .
стр. 942
قال مسلم: وحدثني سويد بن سعيد، حدثنا حفص (يعني ابن ميسرة الصنعاني) ، عن زيد بن أسلم، أن أبا صالح ذكوان أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن صاحب ذهب ولا فضة، لا يُؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صُفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيُكوى بها جنبه وجبينة وظهره. كلّما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: "ولا صاحب إبل لا يُؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحداً تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رُدّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يُؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رُدّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول الله فالخيل؟ قال: "الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر وهي لرجل سِتر وهي لرجل أجر؛ فأما التي هي له وزر، فرجل ربطها رياء وفخراً ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر، وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يُريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات". قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: ما أنزل عليّ في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذّة الجامعة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره) (٩٩/الزلزلة/الآية ٧-٨) .
(الصحيح ٢/٦٨٠-٦٨٢ - ك الزكاة، ب إثم مانع الزكاة) .
стр. 943
قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين)
انظر سورة البقرة آية (١٨٥) لبيان الشهر.
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".
(الصحيح ح ٤٦٦٢ - ك التفسير، ب (إن عدة الشهور ... ) ، وأخرجه أيضاً مسلم من طريق أيوب به، (الصحيح ح ١٦٧٩ - ك القسامة، ب تغليظ تحريم الدماء) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) في كلهن. ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (ذلك الدين القيم) يقول: المستقيم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: أما قوله (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم علي كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) أما (كافة) فجميع، وأمركم مجتمع.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (كافة) يقول: جميعاً.
стр. 944
قوله تعالى (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر) قال: النسيء: هو أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى (أبا ثمامة) فينادي: "ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول العام حلال" فيحله الناس، فيحرم صفر عاما، ويحرم المحرم عاما، فذلك قوله تعالى (إنما النسيء زيادة في الكفر) إلى قوله (الكافرين) وقوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر) يقول: يتركون المحرم عاما، وعاما يحرمونه. ا.هـ.
قال الطبري: وهذا التأويل من تأويل ابن عباس، يدل على صحة قراءة من قرأ (النسى) بترك الهمز وترك المد، وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه "فَعْل" من قول القائل: نسيت الشيء أنساه. ومن قول الله (نسوا الله فنسيهم) سورة التوبة: ٦٧. بمعنى: تركوا الله فتركهم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ليواطئوا) يشبهون.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)
قال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان قال: حدثني منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".
(الصحيح ٦/٤٥ ح ٢٨٢٥ - ك الجهاد والسير، ب وجوب النفير ... ) ، وأيضاً في (٦/٢١٩ - ك الجهاد والسير، ب لا هجرة بعد الفتح) .
стр. 945
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين، أمروا بالنفير في الصيف، حين خرفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج.
قوله تعالى (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس. ح وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي ومحمد بن بِشر. ح وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا موسى بن أَعْين. ح وحدثني محمد بن رافع، حدثنا أبو أسامة، كلهم عن إسماعيل
ابن أبي خالد. ح وحدثني محمد بن حاتم (واللفظ له) ، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا إسماعيل حدثنا قيس، قال: سمعت مستورداً أخا بني فهر يقول: قال رسول الله ﷺ : "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار يحيى بالسبابة- في اليمّ فلينظر بم ترجع؟ ".
(الصحيح ٤/٢١٩٣ ح ٢٨٥٨ - ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب فناء الدنيا ... ) .
قال مسلم: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان (يعني ابن بلال) ، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ مرّ بالسوق داخلاً من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسَكَّ ميِّت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيا، كان عيباً فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم".
(الصحيح ٤/٢٢٧٢ ح ٢٩٥٧ - ك الزهد والرقائق) .
انظر حديث ابن ماجة عن ابن مسعود الآتي عند الآية (٤) من سورة الضحى.
стр. 946
قوله تعالى (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ... )
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) استنفر الله المؤمنين في لهبان الحر في غزوة تبوك قبل الشام على ما يعلم الله من الجهد.
وتقدم عن الطبري بسنده الحسن عن أبي العالية: (أليما) موجعاً.
قوله تعالى (إلا نصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ... )
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (إلا تنصروه) ذكر ما كان في أول شأنه حين بعثه يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره، كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين.
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا حبّان، حدثنا همام، حدثنا ثابت، حدثنا أنس قال: حدثني أبو بكر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في الغار، فرأيتُ آثار المشركين، قلتُ: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال: "ما ظنّك باثنين الله ثالثهما".
(الصحيح ٨/١٧٦-١٧٧ ك التفسير - سورة التوبة، ب (الآية) ح ٤٦٦٣) ، (وصحيح مسلم ٤/١٨٥٤ ك فضائل الصحابة - ب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁) .
قال مسلم: حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر الصديق إلى أبي في منزله فاشترى منه رَحْلاً فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي. فقال لي أبي: احمله. فحملته. وخرج أبي معه ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما ليلة سريتَ مع رسول الله ﷺ قال: نعم. أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق فلا يمرّ فيه أحد حتى رُفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد فنزلنا عندها فأتيت الصخرة فسوّيت بيدي مكاناً ينام فيه النبي ﷺ في ظلها، ثم بسطتُ عليه فروة، ثم قلت:
стр. 947
نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك. فنام. وخرجتُ أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم مُقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة. قلتُ: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم.
قلتُ: أفتحلب لي؟ قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى (قال فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض) فحلب لي، في قعب معه، كثبة من لبن، قال: ومعي إداوة أرتوى فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ﷺ ، وكرهت أن أُوقظه من نومه، فوافقته استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيتُ، ثم قال: "ألم يأن للرحيل؟ " قلتُ: بلى. قال فارتحلنا بعد مازالت الشمس. واتبعنا سراقة بن مالك. قال: ونحن في جَلد من الأرض. فقلت: يا رسول الله أُتينا. فقال: "لا تحزن إن الله معنا". فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فارتطمت فرسه إلى بطنها. أُرى فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ. فأدعوا لي، فالله لكما أن أرُد عنكما الطلب. فدعا الله، فنجى. فرجع لا يلقى أحداً إلا قال: قد كفيتكم ماههنا. فلا يلقى أحداً إلا ردّه. قال: ووفي لنا.
(الصحيح ٤/٢٣٠٩ ح ٢٠٠٩ - ك الزهد والرقائق، ب في حديث الهجرة ... ) ، وأخرجه البخاري في (الصحيح ح ٣٦١٥ - المناقب، علامات النبوة) .
وانظر حديث البخاري تحت الآية رقم ٣٩ من سورة الأنفال.
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح
стр. 948
في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخرُج ولا يُخرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمِل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار. ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وأرتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويُعين على نوائب الحق؟ فلم تكذّب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك عينيهِ إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدِم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبي إلا أن يعلن بذلك فسلْه أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر: فإني أرُد إليك جِوارك، وأرضى بجوار الله عزل جل. والنبي ﷺ يومئذ بمكة. فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إني أريت دارَ هجرتكم ذات نخل بين لابتين". وهما الحرّتان. فهاجر من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهزّ أبو بكر قِبَل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 949
"على رسلك، فإنى أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم". فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر -وهو الخبط- أربعة أشهر. قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا -في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ لأبى بكر: "أَخرِجْ مَن عندك". فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين. قال رسول الله ﷺ : بالثمن. قالت عائشة: فجهزّناهما أحثّ الجِهاز، وصنعنا لهما سُفرة في جِراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سُميت ذات النطاق. قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثَور، فكَمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر مِنحة من غنم فيُريحها عليهما حين تذهب ساعة من العِشاء فيبيتان في رِسلٍ -وهو لَبنُ منحتهما ورضيفهما- حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث. واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من
بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خِرّيتا -والخريت: الماهر بالهداية- قد غمس حِلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمِناه، فدفعا اليهود راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صُبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.
(الصحيح ٧/٢٧١-٢٧٣ ح ٣٩٠٥ - ك مناقب الأنصار، ب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة) .
стр. 950
قال البخاري: حدثني محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز ابن صهيب، حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبيّ الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرفَ، ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف، قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر مَن هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهدينى السبيل، قال فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحِقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله ﷺ فقال: "اللهم اصرعْه". فصرعه الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. قال: فقف مكانك، لا تتركنّ أحداً يلحق بنا. قال: فكان أول النهار جاهداً على نبي الله ﷺ ، وكان آخر النهار مَسْلحة له. فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرّة، ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبيّ الله ﷺ وأبي بكر فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ ، فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله. فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدّث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجِل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله ﷺ : أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال: فانطلق فهيء لنا مقيلاً. قال: قوما على بركة الله. فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمتْ يهودُ أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعُهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ماليس فيّ، فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني
следующие страницы →