← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الإعراب: ﴿بَلى﴾ إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم. ﴿مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ﴾ جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدّت مسدها. والضمير في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ راجع إلى ﴿مَنْ أَوْفى﴾. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى. البلاغة: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا﴾ أشار إليهم بالبعيد لازدياد غلوهم في الشّر والفساد. ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ مجاز بالحذف أي ليس علينا في أكل الأموال سبيل. ﴿يَشْتَرُونَ﴾ فيه استعارة، استعار لفظ الشراء للاستبدال أي يستبدلون. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ مجاز عن شدّة الغضب والسخط الإلهي. ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم، تقول: «فلان لا ينظر إلى فلان» أي لا يعتدّ به. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي لا يحسن إليهم ولا يثني عليهم، فهو مجاز عن معنى الإحسان. يوجد جناس اشتقاق بين ﴿اِتَّقى﴾ و ﴿الْمُتَّقِينَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿تَأْمَنْهُ﴾ أي تأتمنه، وهو من فعل أمنته. ﴿بِقِنْطارٍ﴾ المراد العدد الكثير، وقيل: هو المعيار الذي يوزن به، ومقداره عند أهل الشام مائة رطل، والرطل كيلوان ونصف. ﴿بِدِينارٍ﴾ المراد العدد القليل. ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ أي العرب. ﴿سَبِيلٌ﴾ مؤاخذة وذنب أو تبعة. ﴿بَلى﴾

стр. 1017

كلمة تقع جوابا عن نفي سابق، لإثباته، أي عليهم فيه سبيل. ﴿بِعَهْدِهِ﴾ العهد: ما تلتزم الوفاء به لغيرك، وإذا كان الالتزام من جانبين يقال: عاهد فلان غيره عهدا. و ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يستبدلون. ﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ ما أنزله في كتابه من الإيمان بالنّبي وأداء الأمانة. ﴿وَأَيْمانِهِمْ﴾ جمع يمين: وهي الحلف بالله، والمراد هنا: أيمانهم الكاذبة أو حلفهم بالله تعالى كاذبين. ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي عوضا يأخذونه من الدّنيا، أو رشوة، وهو قليل؛ لأن المال الذي يكون سببا في العقاب قليل مهما كثر. ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لا نصيب لهم. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ أي يغضب عليهم. ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ أي يسخط عليهم ولا يرحمهم. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي لا يثني عليهم ولا يطهرهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم. سبب النزول: نزول الآية (٧٧): روى الشيخان وغيرهما أن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النّبي ﷺ ، فقال: ألك بيّنة؟ قلت: لا، فقال لليهودي: احلف، فقلت: يا رسول الله، إذن يحلف، فيذهب مالي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾. وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلا أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله، لقد أعطي بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ.﴾. الآية. قال الحافظ ابن حجر في (شرح البخاري): لا منافاة بين الحديثين، بل يحمل على أن النزول كان لسببين معا. وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أن الآية نزلت في حييّ بن الأخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة وبدلوه، وحلفوا أنه من عند الله. وقيل: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق

стр. 1018

وحيي بن أخطب: حرّفوا التّوراة، وبدّلوا صفة رسول الله ﷺ ، وأخذوا الرّشوة على ذلك (١). قال الحافظ ابن حجر: والآية محتملة، لكن العمدة في ذلك ما ثبت في الصحيح. المناسبة: تتابع الآيات في تبيان أوصاف أهل الكتاب، فمنهم الأمين، ومنهم الخائن، ومنهم المستحل أموال غير اليهود بالباطل بتأويلات واهية، لذا فإن القرآن يحذر المؤمنين من الاغترار بهم. التفسير والبيان: لقد أنصف القرآن في وصف أهل الكتاب، فمنهم طائفة تؤتمن على الأموال القليلة والكثيرة، والودائع أو الأمانات، مثل عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأدّاها إليه، ومثل السموءل بن عاديا اليهودي المشهور بالوفاء. ومنهم طائفة أخرى تخون الأمانة، وإن كانت قليلة، ويتعذر استردادها منهم إلا بمتابعة المطالبة والتحصيل، أو باللجوء إلى التقاضي والمحاكمة وإقامة البيّنة عليهم، مثل كعب بن الأشرف أو فنحاص بن عازوراء، استودعه رجل قرشي دينارا، فجحده وخانه. والذي حمل هذه الطائفة من اليهود على الخيانة: زعمهم أن التوراة تبيح لهم أكل أموال الأميين وهم العرب، قائلين: إنه لا تبعة ولا إثم عليهم في أكل أموال العرب بل وكل ما عدا اليهود، إذ هم شعب الله المختار، فلهم السمو والتفوق

стр. 1019

العنصري على غيرهم، وأما من سواهم فلا حرمة له عند الله، فهو مبغوض عنده، محتقر لديه، ولا حق له ولا حرمة، روي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام، وأسلم من أسلم من العرب، بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد، فنزلت الآية مانعة من ذلك (١). وهذا أمر مرفوض في شرعة الله التي لا تفرق في أداء الحقوق بين المؤمن والكافر، ولكنهم اليهود الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويتأوّلون النصوص على وفق أهوائهم. ومن أمثلة ذلك أيضا: ما رواه ابن جرير الطبري: أن جماعة من المسلمين باعوا لليهود بعض سلع لهم في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم الثمن، فقالوا: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا؛ لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. فليحذر أتباع شرع مثل فعل اليهود، روى عبد الرزاق وأبو إسحاق أنّ رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة: الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فماذا تقولون؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ إنهم إذا أدّوا الجزية، لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم. وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبيّ الله ﷺ : «كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر» هذا ردّ عليهم. وردّ الله عليهم أيضا بأنهم يكذبون على الله بادعائهم أن ذلك في كتابهم، وهم يعلمون كذبهم الصريح فيه؛ لأن التوراة خالية من هذا الحكم الجائر وهو خيانة الأميين.

стр. 1020

بل إن حكم التوراة عكس ذلك، فإنها توجب الوفاء بالعقود، وتأمر بوفاء الأمانات، وقال الله لهم: بلى عليهم في الأميين سبيل العذاب بكذبهم، واستحلالهم أموال العرب، فمن اقترض إلى أجل، أو باع بثمن مؤجل، أو اؤتمن على شيء مثلا، وجب عليه الوفاء به، وأداء الحق لصاحبه في حينه، دون حاجة إلى إلحاح في الطلب أو تقاض، وهكذا فإن كل من أوفى بما عاهد عليه، واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله يحبه ويرضى عنه؛ لأن الله عهد إلى الناس في كتبه أن يلتزموا الصدق والوفاء بالعهود والعقود. وليس العهد مقصورا على الوفاء بالعقود والالتزامات وأداء الأمانات وإنما يشمل أيضا عهد الله تعالى: وهو الوفاء بما التزم به المؤمن من تكاليف وأوامر وواجبات شرعية. ولو وفي اليهود بعهودهم لآمنوا بالنبي ﷺ ، ولو أنصفوا لما فرقوا في وفاء العهد بين اليهودي وغيره. ثم بيّن الله تعالى جزاء الذين يخونون العهد، ويكتمون ما أنزل الله، ويبدلون بالحق الباطل، ويستبدلون بكلام الله وأوامره عوضا حقيرا، وثمنا قليلا: وهو متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك، ذلك الجزاء هو خسارة نعيم الآخرة، واستحقاق غضب الله وسخطه، وعدم الثناء عليهم، وانعدام الإحسان إليهم والرحمة بهم، والاستهانة بأحوالهم وأوضاعهم، ولهم عذاب مؤلم شديد في نار جهنم. وقد عبر الله تعالى عن كل ذلك بطريق المجاز، فجعل نكث العهد وأخذ شيء مقابله بمثابة الشراء والمعاوضة، ولكنها صفقة خاسرة؛ لأن المقابل أو الثمن مهما كان كثيرا، فهو في الواقع قليل إذا قيس بعظم الجرم والذنب وشدة العقاب الذي يلقاه في الآخرة.

стр. 1021

فقه الحياة أو الأحكام: أخبر الله تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين، والمؤمنون لا يستطيعون التمييز بينهم، فعليهم اجتناب جميعهم. وخصّ أهل الكتاب بالذكر، وإن كان المؤمنون كذلك؛ لأن الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب. والأمين لا فرق عنده بين الكثير والقليل، فمن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. واستدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم (المدين) بقوله تعالى: ﴿إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ وأباه سائر العلماء. والأمانة عظيمة القدر في الدّين، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرّحم على جنبتي الصراط، كما في صحيح مسلم، فلا يمكّن من العبور بسلام إلا من حفظهما. وليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم، في رأي المالكية، خلافا لمن ذهب إلى ذلك؛ لأن فسّاق المسلمين يوجد فيهم من يؤدّي الأمانة، ويؤمن على المال الكثير، ولا يكونون بذلك عدولا، فطريق العدالة وقبول الشهادة لا يدل عليه أداء الأمانة في المال في التعامل والوديعة. ولا يوجد في شرع الله مطلقا التفريق في أداء الحقوق والأمانات بين المؤمن وغيره؛ لأن الحق مقدس، لا تتأثر صفته بشخص مستحقه، أما اليهود فلم يجعلوا الوفاء بالعهد حقا واجبا لذاته. ودلّ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ على أن الكافر ليس أهلا لقبول شهادته؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه كذّاب. وفيه ردّ على الكفرة الذين يحرّمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله، ويجعلون ذلك من الشرع.

стр. 1022

وإن الوفاء بالعهد: عهد الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعهد الناس في المعاملات والعقود والأمانات من الإيمان، بل من أجل خصال الإيمان، وهو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلا لمحبته ورضوانه. أما الانتساب إلى أمة أو عنصر أو شعب بعينه فلا أثر له عند الله. وإن خائن العهد ليس من التقوى في شيء، بل هو في زمرة المنافقين، وإن آكل المال بالباطل يستحق غضب الله وسخطه، روى أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان» وقال أيضا فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» وروى الطبراني في الأوسط عن أنس حديثا هو: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». وجزاء ناكثي العهد وخائني الأمانات أشدّ عند الله من مرتكبي بقية الكبائر كالزنا والسرقة وشرب الخمر ولعب الميسر وعقوق الوالدين؛ لأن مفسدة نقض العهد عامة شاملة، وضررها أعظم وأخطر. ودلت هذه الآية وأحاديث النبي ﷺ المتقدمة على أن حكم الحاكم لا يحلّ المال في الحقيقة والباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه، روى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة». ورأى أبو حنيفة أن قضاء القاضي ينفذ في الظاهر والباطن إذا حكم بعقد أو فسخ أو طلاق؛ لأن مهمته القضاء بالحق، وأما الحديث السابق فهو في قضية لا بينة فيها، فإذا ادّعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على زواجها شاهدي زور، فقضى القاضي-دون أن يعلم بزور الشهود-بالنكاح

стр. 1023

بينهما، وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما، حلّ للرجل ووطؤها، وحلّ لها التمكين. ومثله لو قضى بالطلاق فرق بينهما عنده، وإن كان الرجل منكرا. ويقاس عليه البيع ونحوه. من أكاذيب اليهود: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ المفردات اللغوية: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ من اللّي وهو الفتل والعطف، أي يفتلون ألسنتهم ويميلونها ويعطفونها عن الكلام المنزل إلى المحرّف والمبدل كإثبات النبوة الحقيقية لعيسى ﵇، بدلا من المعنى المجازي الوارد على لسان عيسى، وكتحريف صفة نبي آخر الزمان. ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أي المحرف ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ الذي أنزله الله. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون. سبب النزول: عن ابن عباس: قال عن هذه الفئة الثالثة من أهل الكتاب الذين افتروا على الله ما لم يقله: هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف-وكان من ألدّ أعداء النبي ﷺ -غيّروا التوراة، وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله ﷺ ، ثم أخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الذي عندهم (١).

стр. 1024

التفسير والبيان: إن من أهل الكتاب جماعة من أحبارهم وعلمائهم وزعمائهم، وهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحييّ بن أخطب وغيرهم، يفتلون ألسنتهم بقراءة كتابهم المنزل عن الصحيح إلى المحرّف، بالزيادة في كلام الله أو النقص أو تغيير المعنى، أو قراءته بنغمة توهم الناس أنه من التوراة، وتجعلهم يظنون أن ذلك المحرّف من كلام الله، وما هو من عند الله، فهم كاذبون فيما يقولون، فإنهم يدعون أنه من عند الله، وهذا تأكيد لقوله: ﴿هُوَ مِنَ الْكِتابِ﴾. فهم لم يكتفوا بالتعريض ولكنهم يصرحون بنسبة الكلام إلى الله كذبا، لفرط جرأتهم على الله وقساوة قلوبهم، ويأسهم من الآخرة. وبناء عليه سجّل الله تعالى عليهم صفة الكذب الدائمة الملازمة لهم وهي افتراء الكذب على الله عمدا، لا خطأ؛ لأنهم يعلمون تمام العلم أنه كذب وافتراء محض، فهذه الجملة تنعى عليهم قبيح ما يرتكبون من الكذب. من أمثلة ليّ لسانهم: أنهم كانوا إذا سلّموا على النبي ﷺ أخفوا لام «السلام» وقالوا: «السام عليكم» والسام هو الموت. ومن الأمثلة قولهم: ﴿راعِنا﴾ من الرعونة والحمق، لا من الرعاية، كما جاء في آية: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ: سَمِعْنا وَعَصَيْنا، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَراعِنا، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَطَعْناً فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء ٤٦/ ٤]. التحريف والتبديل: هذا وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة في تحريف التوراة والإنجيل، منها هذه الآية، وآية النساء المتقدمة، وآية البقرة: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٧٥/ ٢] وآية المائدة: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ

стр. 1025

مِنَ الْكِتابِ﴾ [المائدة ١٥/ ٥] والآية الأخرى في المائدة: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة ١٣/ ٥] وآيات الإسراء: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء ٤/ ١٧ - ٧] وآية إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ..﴾. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ [إبراهيم ٩/ ١٤] وآية الأنعام: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها، وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام ٩١/ ٦]. فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية صفتين شنيعتين لليهود والنصارى وهما تحريف التوراة والإنجيل، وتأويلهما، ووضع كتب يكتبونها من عند أنفسهم، والكذب والافتراء على الله. وهاتان الصفتان يصدر عنهما عادة أسوأ الأفعال وأخس المؤامرات، وأخطر أنواع التضليل والتدليس والخداع الذي يمارسونه في حق البشرية. افتراء أهل الكتاب على الأنبياء ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾

стр. 1026

الإعراب: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ على قراءة النصب معطوف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ أو على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ وضميره وهو «كم» للبشر. وعلى قراءة الرفع على الاستئناف والاقتطاع مما قبله، وتكون ﴿لا﴾ بمعنى «ليس» والضمير المرفوع في ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾ لله تعالى. البلاغة: يوجد طباق بين لفظ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ و ﴿مُسْلِمُونَ﴾. ﴿لا يَأْمُرَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري أي لا ينبغي له. المفردات اللغوية: ﴿لِبَشَرٍ﴾ إنسان ذكرا أو أنثى، واحدا أو جمعا. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة وهي فقه الشريعة وفهم القرآن، وذلك يوجب العمل به. ﴿عِباداً﴾ مفرده عبد بمعنى عابد. ﴿رَبّانِيِّينَ﴾ واحده رباني: منسوب إلى الرب؛ لأنه عالم به مواظب على طاعته، مثل: رجل إلهي. فالمراد بالربانيين: هم العلماء الفقهاء العاملون المنسوبون إلى الرب. قال محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس: «اليوم مات ربانيّ هذه الأمة». ﴿تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون الكتاب. سبب النزول: أخرج ابن إسحاق والبيهقي عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ قال: معاذ الله، فأنزل الله في ذلك: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن الحسن البصري قال: بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله، نسلّم عليك، كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، فأنزل الله: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

стр. 1027

والغرض من الآية تكذيب أهل الكتاب الذين يعظمون عيسى والعزير تعظيم عبادة. التفسير والبيان: لا ينبغي لبشر ينزل الله عليه الكتاب، ويعلمه الحكمة: فقه الدين ومعرفة أسرار الشرع، ويؤتيه النبوة والرسالة، ثم يقول بعد هذا للناس: اعبدوني من دون الله أي متجاوزين ما يجب من إفراد العبادة لله تعالى، فهذا هو الشرك بعينه، وإنما يجب إخلاص العبادة لله وحده، كما قال: ﴿قُلِ: اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٤/ ٣٩]. وروى مسلم وغيره حديثا قدسيا عن النبي ﷺ قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري، تركته وشركه» وفي رواية: «فأنا منه بريء، هو للذي عمله». وروى أحمد عنه ﷺ : «إذا جمع الله الناس يوم القيامة نادى مناد: من أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين أي علماء فقهاء عاملين بما أمر الله، مطيعين له طاعة تامة؛ لأن العلم الصحيح هو الذي يبعث على العمل، وإن تعلم الكتاب الإلهي ودراسته يوجب الطاعة، ويحقق وصف الرباني. ولا يعقل أن يأمر الرسول باتخاذ إله أو رب غير الله، أو بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرّب. وقد كان مشركو العرب يعبدون الملائكة، وحكى القرآن: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وَقالَتِ النَّصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة ٣٠/ ٩]. وهذا كله مخالف لرسالات الأنبياء التي تأمر بعبادة الله وحده. أيأمركم هذا النبي بالكفر بعد الإسلام، وهذه شهادة لهم بأنهم مسلمون، أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا

стр. 1028

إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦] وقال: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا، أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤٥/ ٤٣] وقال إخبارا عن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٢٩/ ٢١]. فقه الحياة أو الأحكام: من المستبعد أن يأتمن الله تعالى رسولا أو نبيا على وحيه، ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فإن الأمين يقوم عادة بما كلفه به المؤتمن له. وإنما تكون دعوة الأنبياء موجّهة نحو عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتطلب الإخلاص، قال تعالى: ﴿قُلِ: اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٤/ ٣٩] وقال: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة ٥/ ٩٨]. ودلّت الآية على أن العلم الصحيح والفقه وفهم أسرار الشريعة يستدعي العمل والطاعة والتزام التكاليف الشرعية؛ لأن من عرف الله هابه، ومن هابه امتثل أمره، ومن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس بالله. فمن تعلم علوم الشريعة وترك العمل بها فهو ساقط الاعتبار أمام الله، وكان علمه وبالا عليه، وحجة على ضلاله وهلاكه وفساده. والتقرب إلى الله لا يكون إلا بالعمل بالعلم، والعلم الذي لا يبعث على العمل لا يعدّ علما صحيحا. والكفر يتنافى مع الإسلام، والإسلام دين الفطرة، وهو في عرف القرآن: دين جميع الأنبياء.

стр. 1029

ميثاق الأنبياء بتصديق بعضهم بعضا وأمرهم بالإيمان ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ الإعراب: ﴿لَما﴾: من قرأ بكسر اللام علقها بأخذ، وما بمعنى الذي. ومن فتح اللام جعلها لام الابتداء، وهي جواب لما دل عليه الكلام من معنى القسم؛ لأن أخذ الميثاق إنما يكون بالأيمان والعهود، ويجوز حينئذ أن تكون «ما» بمعنى الذي أو شرطيه، فإذا كانت بمعنى «الذي» كانت مرفوعة مبتدأ، و ﴿آتَيْتُكُمْ﴾: صلته، والعائد محذوف تقديره: آتيتكموه، وخبر المبتدأ: ﴿مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، وقوله: ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ معطوف على الصلة، وعائده محذوف تقديره: ثم جاءكم رسول به. وإذا كانت شرطية فهي في موضع نصب بآتيتكم، و ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ في موضع جزم بما، وكذا ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ﴾. وقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب قسم مقدر ينوب عن جواب الشرط، وحينئذ لا تحتاج الجملة إلى عائد، ولهذا كان هذا الوجه أوجه عند كثير من المحققين، لعدم العائد في الجملة المعطوفة إذا كانت شرطية. ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ منصوبان على المصدر في موضع الحال، أي طائعين ومكرهين. البلاغة: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ التفات من الغيبة في قوله: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ إلى الحاضر.

стр. 1030

ويوجد جناس اشتقاق بين لفظ ﴿فَاشْهَدُوا﴾ و ﴿الشّاهِدِينَ﴾. ويوجد طباق بين ﴿طَوْعاً﴾ و ﴿كَرْهاً﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ﴾ اذكر حين قبل الله ﴿مِيثاقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد الموثّق: وهو أن يلتزم المعاهد شيئا ويؤكد ذلك بيمين أو بمؤكدات أخرى من ألفاظ العهود. ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أقرّ بالشيء: أخبر بما يلزمه أو بما يدل على ثبوته، مأخوذ من: قرّ الشيء: إذا ثبت في مكانه. ﴿وَأَخَذْتُمْ﴾ قبلتم. ﴿إِصْرِي﴾ عهدي، الإصر: العهد المؤكد الذي يحمل صاحبه على الوفاء بما التزمه. ﴿تَوَلّى﴾ أعرض. ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ الميثاق. ﴿الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن الطاعة وحدود الله. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ الهمزة للإنكار أي: أيتولون غير دين الله؟ وقدم المفعول الذي هو ﴿فَغَيْرَ دِينِ اللهِ﴾ على فعله؛ لأنه أهم من حيث إن الإنكار متجه إلى المعبود بالباطل. ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ انقاد. ﴿طَوْعاً﴾ اختيارا بلا إباء. ﴿وَكَرْهاً﴾ بالسيف بمعاينة ما يلجئ إليه. المناسبة: الآيات السابقة من أول السورة إلى هنا، وعلى التخصيص المتضمنة خيانة أهل الكتاب بتحريفهم كلام الله، وتغييرهم أوصاف رسول الله ﷺ الموجودة في كتبهم، قصد بها حملهم على الإيمان برسالة النبي محمد ﷺ وإثبات نبوته، وتؤكد هذه الآية القصد المذكور من طريق إقامة الحجة عليهم: وهو أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء من لدن آدم إلى عيسى ﵈ أن يؤمن كل واحد بمن يأتي بعده، ويصدق برسالته، وينصره في مهمته، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع المبعوث بعده ونصرته. فإذا كان هذا هو ميثاق الأنبياء، فالواجب على أتباعهم الإيمان بكل المرسلين والتصديق بما معهم؛ لأن رسالتهم واحدة، وهي رسالة الإسلام بالمعنى العام وبالمعنى الخاص الذي هو رسالة محمد ﷺ : وهو الخضوع والانقياد لأوامر الله،

стр. 1031

وإعلان مبدأ التوحيد، والتمسك بأصول الفضائل والأخلاق، وهو الدين الحق الذي لا يقبل الله سواه. التفسير والبيان: اذكر يا محمد لهم وقت أن قبل الله الميثاق المأخوذ على جميع الأنبياء أنهم مهما آتيناهم من كتاب وحكم ونبوة، ثم جاءهم رسول مصدق وموافق لما معهم، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين: محمد ﷺ ، لتؤمنن به ولتنصرنه؛ لأن رسالات الأنبياء يكمل بعضها بعضا، والقصد من إرسالهم واحد، فهم متفقون في الأصول، وأما اختلافهم في الفروع فهو لخير الإنسان ومصلحته، ولمناسبته مع تقدم وتطور الحياة الإنسانية. فإن تعاصر نبيان مثلا في أمة واحدة مثل موسى وهرون ﵉، كانا متفقين في كل شيء؛ وإن اختلفت أقوامهما فالمتأخر يؤمن بدعوة المتقدم وبالعكس، كما آمن لوط بما جاء به إبراهيم ﵉ وأيده في دعوته، وإن تعاقبا مثل موسى وعيسى ﵉ صدق كل منهما بدعوة الآخر. وهكذا بعثة خاتم النبيين يجب على أتباع الأنبياء السابقين الإيمان بها وتأييدها. فليس الدين مصدر شقاق واختلاف، وسبب عداوة وبغضاء، كما فعل أهل الكتاب حين عادوا النبي ﷺ ، وإنما هو سبب تجمع واتحاد، وسبيل حب ووداد، وطريق إنقاذ وإسعاد. ثم قال الله تعالى لمن أخذ عليهم الميثاق من النبيين: أأقررتم وقبلتم ذلك الإيمان والعهد بالرسول المصدق لما معكم، ونصرته وتأييده، أقبلتم عهدي وميثاقي المؤكد؟! قالوا: أقررنا واعترفنا بذلك، فقال تعالى: فليشهد بعضكم على بعض، وأنا معكم شاهد عليكم وعلى إقراركم، أعلم بكل شيء عنكم، لا يفوتني شيء. روى

стр. 1032

الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك». هذه المحاورة على طريق التمثيل توكيد عليهم وتحذير من الرجوع عن الإقرار إذا عملوا بشهادة الله، وشهادة بعضهم على بعض. فمن تولى بعد ذلك الميثاق والتوكيد، واتخذ الدين أداة للتفريق والعداء، ولم يؤمن بالنبي المبعوث في آخر الزمان، المصدّق لمن تقدمه، المهيمن على الرسالات والكتب السابقة، كما حصل من أهل الكتاب المعاصرين للنبي ﷺ ، فأولئك هم المتمردون من الكفار، الخارجون عن عهد الله وميثاقه، الناقضون العهد. وإذا كان الدين واحدا، وأن الرسل متفقون في الأصول العامة لوحدة الدين الحق، كما بيّن تعالى، فلماذا ينكر أهل الكتاب نبوة محمد ﷺ ؟! أيتولون غير دين الله، وغير الحق بعد ما تبين، ويريدون غير الإسلام دينا؟ وقد أسلم وخضع لله تعالى وانقاد لحكمه ومراده أهل السموات والأرض، إما طوعا واختيارا من أنفسهم بالإنصاف والنظر في الأدلة، أو كرها بالسيف أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون والإشراف على الموت، فلما رأوا بأس الله وتصرفه بالكون والتكوين والإيجاد قالوا: آمنا بالله وحده، وإلى الله المرجع والمآب يوم المعاد، يرجع إليه سائر الخلق، فيجازي كلاّ بعمله، سواء من أسلم وخضع وانقاد لله، ومن اتخذ غير الإسلام دينا من اليهود والنصارى، وهذا تهديد ووعيد لهم.

стр. 1033

فقه الحياة أو الأحكام: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بعضا، فذلك معنى النصرة بالتصديق، ومن بنود الميثاق: أن يؤمنوا بمحمد ﵊ وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم. ثم جاءهم الرسول محمد ﷺ ، فما عليهم إلا أن يؤمنوا برسالته ويؤيدوا دعوته، تنفيذا للميثاق العظيم على الأنبياء، إن كانوا من أتباعهم، ووفاء بالعهد المؤكد، ولأنه مصدّق لرسالات الأنبياء السابقين؛ لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، وهم قد شهدوا على بعضهم بموجب الميثاق وشهد الله عليهم جميعا به. ومن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب. ومن أعرض عن اتباع رسالة الإسلام التي جاء بها محمد ﷺ ، وتولى من أمم الأنبياء أو من غير أممهم عن الإيمان بوحدانية الله وبصدق رسالة خاتم الأنبياء، بعد أخذ الميثاق، فأولئك هم الخارجون عن دائرة الإيمان، المصنّفون مع الكفار المتمردين عن طاعة الله. أهم يطلبون غير دين الله؟! وقد خضع لحكمه أهل السموات والأرض، وكل مخلوق هو منقاد مستسلم؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال الكلبي: إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبي ﷺ فقالوا: أيّنا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبي ﷺ : «كلا الفريقين بريء من دينه» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فنزل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ يعني: يطلبون.

стр. 1034

وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ، لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف ٨٧/ ٤٣] وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١]. عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابّة أحدكم أو كانت شموسا (١)، فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. والخلاصة: إن الدين الحق هو الانقياد لله والإخلاص له، وإن دين الله واحد، وإن رسالات الأنبياء ومللهم واحدة في أصولها العامة، وإن الأنبياء يكمل بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويؤيد دعوته، وهم جميعا عبيد لله مؤمنون بوحدانيته، مذعنون لوجهه الكريم، مخلصون له الدين حنفاء، وقد أدّوا رسالتهم على الوجه الأكمل، وما على البشرية إلا التزام منهجهم، والسير على سنتهم، دون اختلاف ولا نزاع ولا معاداة، ولا تمسك بالموروثات، وبما عندهم من كتاب وحكمة، فقد انصبّت كل الأديان في الإسلام في صورته الأخيرة، وانصهرت كل الأحكام في حكم رسالة محمد ﷺ ، وكان القرآن مصدّقا لما بين يديه وما تقدمه من الكتب السماوية ومهيمنا عليها، ودين الله الواحد: هو عبادة الله وحده لا شريك له الذي أسلم له من في السموات والأرض، أي استسلم له من فيهما طائعين أو كارهين، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [الرعد ١٥/ ١٣] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ، عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ، سُجَّداً لِلّهِ، وَهُمْ داخِرُونَ، وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ، وَالْمَلائِكَةُ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل ٤٨/ ١٦ - ٥٠] فالمؤمن مستسلم بقلبه

стр. 1035

وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، بالقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع. الإيمان بكل الأنبياء وقبول دين الإسلام ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)﴾ الإعراب: ﴿قُلْ: آمَنّا بِاللهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما-على تقدير محذوف: قل: قولوا: آمنا بالله، وحذف القول كثير في القرآن وكلام العرب. الثاني-أن يكون المقصود من خطاب النبي ﵊ خطاب أمته، مثل: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ ومثل: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي ﵊ والمراد به الأمة. ﴿دِيناً﴾ منصوب إما لأنه مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾، ويكون ﴿غَيْرَ﴾ حالا منصوبا، تقديره: ومن يبتغ دينا غير الإسلام، فلما قدم صفة النكرة عليها انتصبت على الحال، أو لأنه منصوب على التمييز. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ.﴾. متعلق بفعل مقدر تقديره: وهو خاسر في الآخرة، من الخاسرين، ولا يجوز أن يتعلق بالخاسرين لأن الألف واللام فيه بمنزلة الاسم الموصول، فلو تعلّق به لأدى إلى أن يتقدم معمول الصلة على الموصول، وهو لا يجوز. البلاغة: ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ﴾ هو من عطف العام على الخاص.

стр. 1036

المفردات اللغوية: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يعني القرآن. ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ الأحفاد وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وأبناؤهم، وخصهم بالذكر؛ لأن أهل الكتاب يقرّون بنبوتهم. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ بالتصديق والتكذيب. ﴿مُسْلِمُونَ﴾ موحدون مخلصون له عبادتنا، ومستسلمون مطيعون له. ﴿غَيْرَ الْإِسْلامِ﴾ يعني التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى، ويمكن أن يراد به شريعة نبينا ﷺ . ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أريد به تضييع رصيد الفطرة وهو الانقياد لله وطاعته. سبب النزول، نزول الآية (٨٥): قال مجاهد والسدّي: نزلت هذه الآية في الحارث بن سويد أخو الحلاس بن سويد، وكان من الأنصار، ارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه، ولحقوا بمكة كفارا، فنزلت هذه الآية، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة. قال ابن عباس: وأسلم بعد نزول الآيات. المناسبة: ذكر فيما سبق ميثاق النبيين أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وينصروه، وهنا أمر لمحمد وأمته أن يؤمنوا بجميع الأنبياء المتقدمين وبكتبهم وبالإسلام الذي هو دين الأنبياء قاطبة. التفسير والبيان: قل يا محمد: آمنت وأمتي بوجود الله ووحدانيته وسلطانه. فهذا أمر لرسول الله ﷺ بأن يخبر عن نفسه وعن أمته بالإيمان، فلذلك وحّد الضمير في ﴿قُلْ﴾ وجمع في ﴿آمَنّا﴾، ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالا من الله لقدر نبيه، كما ذكر الزمخشري. وآمنا بما أنزل علينا وهو القرآن، وصدقنا بما أنزل الله من وحي على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وذريته الأسباط، فجوهر المنزّل واحد، كما قال

стр. 1037

تعالى: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣/ ٤]. وصدّقنا بما أوتي موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل وسائر المعجزات. وخص هذان النبيان بالذكر، تبيانا لأتباعهم وهم اليهود والنصارى بأن الإيمان عام في منهج القرآن. وكذلك صدقنا بما أوتي بقية النبيين من رسالات كداود وسليمان وصالح وهود وأيوب وغيرهم ممن لم نعلم قصصهم. وقدم الإيمان بالله على الإيمان بالكتب؛ لأنه المصدر والأساس، وقدم المنزل علينا وهو القرآن، مع أنه متأخر عن نزول الكتب الأخرى؛ لأنه طريق المعرفة بما سبق، ولأنه المهيمن على سائر الكتب السماوية، ولأنه الكتاب الإلهي إلى الأبد، وأما غيره فاندثر وضاع، ثم بدّل وغيّر. والأمر بالإيمان بالله وبأنبيائه أمر شامل عام، لا يختلف فيه أهل ملة عن غيرهم، ولا تفرقة فيه بين الأنبياء تصديقا وكفرا، فلسنا في ذلك كاليهود والنصارى نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بالكل على أن كل نبي مرسل من قبل الله تعالى، ونحن له مستسلمون منقادون له بالطاعة. وبعد الأمر بالإيمان جاء الأمر بالإسلام؛ لأن الإيمان بوجود الله وهو التصديق به هو الأصل، وعنه يصدر العمل الصالح، وأما الإسلام فهو توحيد الله وإخلاص العبادة له والانقياد لشرعه ومنهجه، وهو يأتي تبعا لأصل الاعتقاد. ومن يطلب غير الإسلام (وهو التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى) دينا، فلن يقبل منه قطعا، وهو من الذين وقعوا في الخسران مطلقا؛ لأنه سلك طريقا سوى ما شرعه الله، وأضاع ما جبلت عليه الفطرة السليمة من توحيد الله

стр. 1038

والانقياد لأوامره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥/ ٣٩]، و قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ومسلم عن عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» وقال أيضا فيما رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجّسانه». فقه الحياة أو الأحكام: إن خلود شريعة الإسلام نابع من شيئين: أولهما-الإيمان الشامل المطلق بكل الأنبياء وبكتبهم ورسالاتهم، دون تفرقة بين أحد منهم، فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله. وثانيهما-الإيمان بوجود الله ووحدانيته، والانقياد لطاعته، والتزام منهجه وشرعه، وهو شرع الأنبياء، ودين الرسل الذي ارتضاه لعباده، وجعله أساس الاحتكام إليه، وطريق النجاة به يوم المعاد، فمن سلك طريقا آخر سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه قطعا في الآخرة، وكان من الذين خسروا أنفسهم، وأضاعوا حياتهم في غير المفيد لهم. أنواع الكفار من حيث التوبة ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)﴾

стр. 1039

الإعراب: ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾: ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿جَزاؤُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بدلا من ﴿أُولئِكَ﴾ بدل اشتمال، و ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ خبر ﴿أُولئِكَ﴾. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ استثناء متصل. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ حال أخرى، ويجوز أن يكون مستأنفا منقطعا عن الأول. ﴿وَهُمْ كُفّارٌ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿ماتُوا﴾. ﴿ذَهَباً﴾ تمييز. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ﴿ما﴾: نافية، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، و ﴿ناصِرِينَ﴾: مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ الأول. ودخلت الفاء في خبر إن ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ لشبه الذين بالشرط، وإيذانا بتسبب الكفر لعدم القبول. البلاغة: ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم، وهو صيغة فعيل للمبالغة. المفردات اللغوية: ﴿كَيْفَ يَهْدِي﴾ أي لا يهدي. ﴿الْبَيِّناتُ﴾ الحجج الظاهرات على صدق النبي. ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي الكافرين، والظلم: الانحراف عن سبيل الحق والعدل. ﴿لَعْنَةَ اللهِ﴾ اللعن: الطرد والإبعاد من رحمة الله. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها. ﴿يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون ويؤخرون.

стр. 1040

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعيسى ﴿بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ بموسى ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً﴾ بمحمد ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا غرغروا أو ماتوا كفارا. ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ مقدار ما يملؤها. ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم. ﴿ناصِرِينَ﴾ مانعين منه. سبب النزول: نزول الآية (٨٦): روى النسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله: هل لي من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه، فأسلم. وأخرج مسدّد في مسنده وعبد الرزاق عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ﷺ ، ثم كفر، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليها، فقال الحارث: «إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة» فرجع وأسلم وحسن إسلامه. وقال الحسن البصري وقتادة: نزلت في اليهود؛ لأنهم كانوا يبشّرون بالنبي ﷺ ، ويستفتحون على الذين كفروا، فلما بعث عاندوا وكفروا، فأنزل الله : ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أخرجه عبد بن حميد وغيره (١). أي أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبي ﷺ في كتابهم، وأقروا بذلك، وشهدوا أنه حق، ولذا كانوا يستفتحون به

стр. 1041

على المشركين، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، وأنكروه، وكفروا به بعد إيمان سابق. وأرى أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول، وإن كانت القرائن ترجح أن الآية نزلت في أهل الكتاب-ومثلهم المشركون-؛ لأن الآيات السابقة تدور حول محاورتهم ومناقشتهم واستئصال جذور الشرك من نفوسهم. وهذا ما رجحه أيضا ابن جرير الطبري، وأيده في (تفسير المنار). مجمل بيان الآيات: هذه الآيات جعلت الكفار أصنافا ثلاثة: ١ - الذين تابوا توبة صادقة، وهم الذين أشارت إليهم الآية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾. ٢ - الذين تابوا توبة غير صحيحة، وهم المذكورون في قوله: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. ٣ - الذين لم يتوبوا أصلا وماتوا على الكفر، وهم الموصوفون بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾. التفسير والبيان: كيف يهدي الله قوما كاليهود والنصارى الذين كفروا بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حق، وأرشدتهم الآيات الواضحات من القرآن والكتب السابقة وسائر المعجزات الدالة على صدق نبوته وصحة رسالته؟! هذا استبعاد لهداية هؤلاء وتيئيس للنبي ﷺ منهم، كما قال البيضاوي. فمن سنن الله تعالى في هداية البشر إلى الحق أن يقيم لهم الدلائل والبينات، مع إزالة الموانع من النظر فيها على النحو المؤدي إلى المطلوب، وقد مكنهم الله من هذا كله، وآمنوا به ثم كفروا.

стр. 1042

والله لا يهدي أولئك الظالمين لأنفسهم؛ لأنهم عرفوا الحق وحادوا عنه، وتركوا دلائل النبوة، وهداية العقل. فجزاؤهم استحقاق غضب الله وسخطه والطرد من رحمته، وسخط الملائكة والناس، وصبّ اللعنات عليهم، والدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله في الدنيا، وكذا في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَقالَ: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت ٢٥/ ٢٩]. وهم خالدون أبدا في اللعنة أو في النار؛ لأن مستحق اللعنة جزاؤه النار، ولا يخفف عنهم العذاب ساعة واحدة، ولا يؤجلون لعذر يعتذرون به. ثم استثنى الله تعالى التائبين، فمن تاب من هؤلاء عن ذنبه، وترك الكفر، ورجع إلى الله، وأصلح قلبه وعمله، وندم على ما فعل، فإن الله غفور لما تقدّم منه، رحيم بعباده كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ، وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى ٢٥/ ٤٢]. هذا هو الصنف الأول من الكفار وهم التائبون. وأما الصنف الثاني فهم أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي ﷺ ، وشهدوا قبل بعثته أنه حق، ثم كفروا به بعد البعث، ثم ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد، ومقاومة الرسول ﷺ ، ومحاربة المؤمنين، فهؤلاء لن تقبل توبتهم ما داموا على الكفر، ثم ماتوا وهم كفار، وأولئك هم الواقعون في الضلال، المخطئون سبيل الحق والنجاة، الذين تمكن الكفر في قلوبهم. والآية تشير إلى أن الكفر يزداد قوة واستقرارا، وتمكنا في القلب بعمل ما يقتضيه ويقويه وينميه، من طريق القيام بأعمال تنافي الإيمان، وتدعم الكفر وأهله. وكذلك الإيمان يزداد وينقص بعمل الصالحات أو بالإنقاص منها، كما

стр. 1043

قال تعالى في الحالين: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩ - ١٢٥]. والتوبة سبيل التزكية والتطهير والإصلاح، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠] فمن أهمل إصلاح نفسه خسر، ومن حاول الإصلاح نجح، فإذا تراكمت المساوئ، وأهملت تزكية النفس، وتدنست بالمعاصي الكثيرة، صعب في العادة الرجوع إلى جادة الاستقامة. وهذا ما أشارت إليه آيات التوبة: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، قالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ، أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [النساء ١٧/ ٤ - ١٨]. وأما الصنف الثالث فهم الذين يموتون وهم كفار، فهؤلاء لن يقبل منهم الفداء، ولو كان ملء الأرض ذهبا، ولو افتدى به في الآخرة، لا يقبل منه، على افتراض أنه يملكه، ويريد استخدامه وسيلة النجاة، ولهم عذاب أليم أي عقاب مؤلم، وليس لهم ناصر ولا شفيع يمنع عنهم العذاب، أو يخففه، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ، وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مَأْواكُمُ النّارُ، هِيَ مَوْلاكُمْ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد ١٥/ ٥٧]. فقه الحياة أو الأحكام: صنفت الآيات الكفار إلى أصناف ثلاثة بحسب بقائهم على الكفر وقبولهم الإيمان، وهو تصنيف صريح واقعي. فمن كفر بعد إسلامه، وكان ظالما مقيما على الظلم لا يهديه الله ما دام مقيما

стр. 1044

على كفره وظلمه، ولا يقبل على الإسلام، وله جزاء شديد هو استحقاق غضب الله وسخطه، والخلود في نار جهنم، دون تخفيف لشيء من العذاب، ولا تأجيل له لمعذرة ما. فأما إذا أسلم هؤلاء وتابوا، وأصلحوا ما أفسدوا، فباب المغفرة والرحمة مفتوح لهم. وهذا الباب مفتوح أيضا بالأولى لمن كان مسلما عاصيا ثم تاب وأصلح وأخلص عمله لله. ولن تقبل التوبة من الكفار الذين كفروا بعد إيمانهم، وبقوا مقيمين على الكفر، وسماها الله تعالى توبة غير مقبولة؛ لأنه لم يصح منهم عزم عليها، والله يقبل التوبة كلها إذا صح العزم وصدقت الإرادة. كما لا تقبل توبتهم إذا عزموا عليها عند الموت، كما قال : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨/ ٤] ويؤيده قوله ﷺ فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». ومن مات كافرا فلن يقبل منه خير أبدا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة، ولن ينفعه بعد موته بديل ولا فداء مهما كثر، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة ١٢٣/ ٢] وقال: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة ٢٥٤/ ٢] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٣٦/ ٥]. وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك» (١).

стр. 1045

وأما عدم جدوى فعل الخير الذي صدر منه في الدنيا، ففيه حديث آخر وهو أن عبد الله جدعان سئل عنه النبي ﷺ ، وكان يقري الضيف، ويفك العاني (١)، ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا، إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. نوع النفقة المبرورة وجزاء الإنفاق ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ المفردات اللغوية: ﴿لَنْ تَنالُوا﴾ لن تصيبوا وتجدوا. ﴿الْبِرَّ﴾ كلمة جامعة لوجوه الخير، والمراد بها هنا: لن تنالوا ثواب البر وهو الجنة. ﴿تُنْفِقُوا﴾ تصدّقوا. ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ من أموالكم. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازي عليه. المناسبة: ادعى أهل الكتاب في الآيات السابقة الإيمان، وأن النبوة محصورة فيهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، وناسب هنا أن يذكّرهم بأن آية الإيمان هو الإنفاق في سبيل الله من أحب الأموال، مع الإخلاص. التفسير والبيان: لن تصلوا إلى ثواب البر وهو الجنة، ولن تكونوا بررة تستحقون رضوان الله وفضله ورحمته، وصرف عذابه عنكم، حتى تنفقوا من أحب الأموال إليكم من

стр. 1046

كرائم الأموال. وما تنفقون من شيء، سواء أكان كريما أم رديئا، فإن الله به عليم فيجازي عليه، ولا يخفى عليه أمر الإخلاص والرياء. ومما يدل على سمو رتبة الصحابة أنهم كانوا يتصدقون بأحب الأموال لديهم، روى الأئمة الستة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلا بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (١) (بستان في المدينة) وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها، فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى، فقال ﵊: بخ بخ (كلمة استحسان تدل على الرضا والإعجاب) ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. وفي رواية لمسلم: فجعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب. قال العلماء: إنما تصدّق به النبي ﷺ على قرابة المصدّق لوجهين: أحدهما- أن الصدقة في القرابة أفضل، الثاني-أن نفس المتصدق تكون بذلك أطيب وأبعد عن الندم. وكذلك فعل زيد بن حارثة، أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال: لما نزلت هذه الآية، جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها (سبل) لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة، فقبلها رسول الله ﷺ وحمل عليها ابنه أسامة-أي أعطاها له-، فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه (أي حزن)، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد قبلها منك».

стр. 1047

وفي الصحيحين: أن عمر قال: يا رسول الله، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: «حبّس الأصل، وسبّل الثمرة». وأعتق ابن عمر نافعا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله : ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾. وأخرج عبد بن حميد والبزار عن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ﴾، فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد أحبّ إليّ من مرجانة (جارية رومية) فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها، فأنكحتها نافعا (مولاه الذي كان يحبه). ولم يمت ابن عمر إلا وأعتق ألف رقبة. أما معنى البر فاختلفوا في تأويله على أقوال ثلاث: الجنة، أو العمل الصالح، أو الطاعة، والتقدير على المعنى الأول: لن تنالوا ثواب البر حتى تنفقوا مما تحبون أي لن تصلوا إلى الجنة وتعطوها حتى تنفقوا مما تحبون، وعلى المعنى الثاني: لن تصلوا إلى العمل الصالح... وعلى المعنى الثالث وهو معنى جامع: لن تصلوا إلى الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات حتى تنفقوا مما تحبون. وقال الحسن البصري: ﴿حَتّى تُنْفِقُوا﴾: هي الزكاة المفروضة. والأولى أن يكون المراد كما قال الزمخشري: لن تبلغوا حقيقة البر حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها، كقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة ٢٦٧/ ٢]. وكان السلف ﵏ إذا أحبوا شيئا جعلوه لله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أمرين: الأول-أن يكون الإنفاق في سبيل الله للوصول إلى حقيقة البر من أحب

стр. 1048

الأموال وأفضلها عند مالكها، وبمقدار طيبها وحسنها يكون الثواب عليها. الثاني-الترغيب والحث على إخفاء الصدقة، بعدا عن الرياء، وإخلاصا في العمل لوجه الله، وترفعا عن نفاذ الشيطان إلى قلب المؤمن الصالح. انتهى الجزء الثالث ولله الحمد

стр. 1049

الرّد على اليهود في تحريم بعض الأطعمة ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ البلاغة: ﴿قُلْ: فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ﴾ الأمر للتوبيخ واللوم. المفردات اللغوية: ﴿الطَّعامِ﴾ المراد به هنا المطعومات كلها، ويكثر استعماله في البرّ وفي الخبز. ﴿حِلاًّ﴾ حلالا. ﴿إِسْرائِيلَ﴾ لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ومعناه: الأمير المجاهد مع الله، ثم أطلق على جميع ذريته، فالمراد الآن شعب إسرائيل لا يعقوب نفسه. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ على موسى، وذلك بعد إبراهيم، ولم تكن المطعومات على عهده حراما كما زعموا. ﴿اِفْتَرى﴾ اختلق الكذب. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب، لا من عهد إبراهيم. ﴿الظّالِمُونَ﴾ المتجاوزون الحق إلى الباطل. ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الباطل إلى الحق. المناسبة: اشتملت سورة آل عمران من أولها إلى هنا على إقامة الدلائل على إثبات وحدانية الله، ونبوّة محمد ﷺ ، ومحاجّة أهل الكتاب وإبطال مزاعمهم وبدعهم وتقاليدهم. وجاءت هذه الآيات وما بعدها إلى الآية (٩٧) حول البيت الحرام للرّد على شبهتين لليهود: الأولى-قولهم للنّبي ﷺ : إنك تدّعي أنك على ملّة إبراهيم وذريته، فكيف تستحلّ ما كان محرّما عندهم من الطعام كلحم الإبل؟ فنزلت الآية:

стр. 1050

﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ ردّا عليهم. قال أبو روق والكلبي: نزلت حين قال النّبي ﷺ : إنه على ملّة إبراهيم، فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النّبي ﷺ : «كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نحلّه»، فقالت اليهود: كلّ شيء أصبحنا اليوم نحرّمه، فإنّه كان على نوح وإبراهيم، حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تكذيبا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعامِ.﴾ .. الثانية-قولهم أيضا: كيف تدّعي أنك على ملّة إبراهيم وأنك أولى الناس به؟ وإبراهيم وإسحاق وذريته من الأنبياء كان يعظمون بيت المقدس ويصلّون إليه، فلو كنت على منهجهم لعظّمته، ولما تحوّلت عنه إلى الكعبة، فنزلت آية: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ..﴾. للرّد عليهم. قال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر الأنبياء، وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). التفسير والبيان: كلّ الطعام بأنواعه الطّيبة المباحة كان حلالا لبني إسرائيل ولإبراهيم من قبله إلا ما حرّم إسرائيل أو شعب إسرائيل على نفسه، وهو لحوم الإبل وألبانها، وذلك قبل أن تنزل التوراة على موسى، والذي حرّم الله تعالى على شعب إسرائيل في التوراة هو بعض الطّيبات عقوبة لهم وتأديبا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠/ ٤]، وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا، أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام ١٤٦/ ٦]. والمراد في رأي بعضهم من

стр. 1051

﴿إِسْرائِيلَ﴾ هنا ليس يعقوب ﵇ الذي ذكرت بعض الرّوايات «أنه لما حصل له عرق النّسا، فنذر إن شفي لا يأكل الإبل» لأنه كان بينه وبين نزول التوراة زمن طويل، وإنما المراد شعب إسرائيل كما هو مستعمل عند اليهود، والمعنى في تحريمهم أشياء على أنفسهم: أنهم كانوا سبب التحريم لارتكابهم الظلم واجتراح السيئات. هذا ما رجحه صاحب (تفسير المنار) (١). أما الذي سار عليه جمهور المفسرين: فهو أن المراد بإسرائيل يعقوب ﵇، روى التّرمذي عن ابن عباس: أنّ اليهود قالوا للنّبي ﷺ : أخبرنا، ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: «كان يسكن البدو، فاشتكى عرق النّساء، فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرّمها» قالوا: صدقت، وذكر الحديث (٢). وجاء في رواية الإمام أحمد أن اليهود سألوا النّبي ﷺ عن أشياء، فقالوا: أخبرنا أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه؟ فقال: «أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا، وطال سقمه، فنذر لله نذرا: لئن شفاه الله من سقمه ليحرّمنّ أحبّ الطّعام والشّراب إليه، وكان أحبّ الطّعام إليه لحم الإبل، وأحبّ الشّراب إليه ألبانها». وخلاصة الجواب: كلّ أنواع المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة، وإلا ما حرّمه الله في التّوراة على شعب إسرائيل من مطعومات تأديبا وزجرا لهم بسبب جرائم ومخالفات ارتكبوها، والنّبي ﷺ وأمته لم يرتكبوا هذه السّيئات والمخالفات، فلا تحرم عليهم هذه الطّيبات، وإبراهيم لم يكن محرّما عليه شيء من هذا؛ لأن التّحريم حصل بعد نزول التّوراة، وكان كلّ طعام حلالا له.

стр. 1052

ثم أمر الله نبيّه محمدا ﷺ بالاحتكام إلى التوراة كتاب اليهود لتكذيب دعواهم، وقال لهم: فأتوا بالتوراة كتابكم فاتلوها إن كنتم صادقين في دعواكم، لا تخافون تكذيبها لكم، ولو جئتم بها لوجدتم أن تحريم شيء على بني إسرائيل ما كان إلا عقوبة تأديبية زاجرة، فيظل غير الجاني على أصل الحلّ؛ لأن الأصل في الأطعمة الحلّ والإباحة. فمن اخترع الكذب على الله، وزعم أن التّحريم كان على الأنبياء السابقين وأممهم قبل نزول التّوراة، وادّعى ما لم ينزله الله في كتابه، فأولئك هم الظالمون أنفسهم بطمس معالم الحق وإظهار الكذب على الله. روي أنهم لم يتجاسروا على الإتيان بالتوراة، فبهتوا، وفي ذلك دليل واضح على صحّة نبوّة محمد ﷺ ، وأنه يعلم بوحي من الله ما في التوراة، وهو لم يقرأها لأمّيته المعروفة، وأنها مؤيّدة لما في القرآن. وإذ ظهر الحقّ واندحر الباطل، قل لهم يا محمد: صدق الله فيما أخبرني به أن سائر الأطعمة كانت حلالا لبني إسرائيل، وأنه لم يحرّم الله شيئا على إسرائيل قبل التوراة، وأن ما حرّم الله على اليهود كان جزاء وتأديبا وعقوبة لهم بسبب أفعالهم القبيحة. وإذ استبان الحق، وظهرت الحجّة عليكم، فعليكم اتّباع ملّة إبراهيم التي أدعوكم إليها، والتي تبيح أكل لحوم الإبل وألبانها، وهي الملّة الحنيفيّة السمحاء الوسط التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وهي التي شرعها الله في القرآن، وكان إبراهيم حنيفيّا مائلا عن الأديان الأخرى الباطلة إلى الدّين الحقّ الذي يقوم على مبدأ التوحيد وإباحة الطّيبات، وما كان مشركا يدعو مع الله إلها آخر، أو يعبد سواه، كما يفعل عبدة الأوثان، ويدعيه اليهود أن عزيرا ابن الله، ويعتقده النصارى أن المسيح ابن الله.

стр. 1053

فملّة إبراهيم القائمة على التوحيد: هي شرعة القرآن التي دعا إليها محمد ﷺ ، وهي الحقّ الذي لا مرية فيه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ١٦١/ ٦]، وهو الذي أمره الله به صراحة، كما جاء في آية أخرى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣/ ١٦]. فقه الحياة أو الأحكام: إن شريعة القرآن واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وهي التي تلتقي مع الشرائع السابقة في أصول الحلال والحرام، فلذا اتّفقت مع ملّة إبراهيم ومع ما كان مقررا من إباحة أنواع المطعومات كلها على بني إسرائيل، إلا أمرين: الأول-ما حرّمه يعقوب (إسرائيل) على نفسه باجتهاد منه، لا بإذن من الله تعالى، على الصحيح؛ لأن الله تعالى أضاف التّحريم إليه بقوله تعالى: ﴿.. إِلاّ ما حَرَّمَ.﴾.، وأنّ النّبي إذا أدّاه اجتهاده إلى شيء، كان دينا يلزمنا اتّباعه، لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك. وقد حرّم نبيّنا ﷺ العسل على نفسه -على الرواية الصحيحة، أو خادمه (١) مارية، فلم يقرّ الله تحريمه، ونزل في القرآن: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم ١/ ٦٦]، وهل عليه الكفارة بتحريم المباح؟ رأيان لعلمائنا: أو حنيفة أجراه مجرى اليمين وجعله أصلا في تحريم كلّ مباح، والشافعي: لم يوجب فيه الكفارة، وجعله مخصوصا بموضع النّص. وأما سبب تحريم يعقوب لحوم الإبل فهو كما قال ابن عباس: «لما أصاب يعقوب ﵇ عرق النّسا، وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل، فحرّمها على نفسه، فقالت اليهود: إنما نحرّم على أنفسنا لحوم الإبل؛ لأن يعقوب حرّمها، وأنزل الله تحريمها في التّوراة؛ فأنزل الله هذه الآية:

стр. 1054

﴿قُلْ: فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فلم يأتوا، فقال : ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾». قال الزّجاج: «في هذه الآية أعظم دلالة لنبوّة محمد نبينا ﷺ ، أخبرهم أنه ليس في كتابهم، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة، فأبوا، يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي». الثاني-ما حرّمه الله في التّوراة على بني إسرائيل من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة لهم على معاصيهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠/ ٤]، وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام ١٤٦/ ٦]. ويرى الكلبي: أنه لم يحرّم الله لحوم الإبل في التوراة عليهم، وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما، حرم الله تعالى عليهم طعاما طيّبا، أو صبّ عليهم رجزا وهو الموت، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ..﴾. وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا..﴾ .. ودلّت الآيات صراحة على اتّفاق شريعة القرآن مع ملّة إبراهيم، بل وملل الأنبياء قاطبة في الدّعوة إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ومحاربة الشرك والوثنية، واتّباع الإسلام بالمعنى العام: وهو الخضوع والانقياد إلى الله تعالى في كلّ ما أمر به وما نهى عنه. منزلة البيت الحرام وفرضية الحج ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)﴾

стр. 1055

الإعراب: ﴿بِبَكَّةَ﴾ صلة الذي، وتقديره: استقرّ ببكّة. ﴿مُبارَكاً وَهُدىً﴾ منصوبان على الحال من ضمير: استقر. ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ مبتدأ وخبره محذوف تقديره: من الآيات مقام إبراهيم. وقيل: هو بدل من الآيات. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ معطوف على مقام. ويجوز كونه مبتدأ منقطعا عما قبله، و ﴿كانَ آمِناً﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَنِ اسْتَطاعَ﴾ إما بدل مجرور من الناس، وإما مرفوع بالمصدر وهو: حج البيت، وتقديره: أن يحج، ويجوز إضافة المصدر إلى المفعول، أو مرفوع على أن ﴿مَنْ﴾ شرطية مبتدأ، واستطاع: مجزوم بمن، وجواب الشرط محذوف تقديره، فعليه الحج. والهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ إما عائدة على الحج أو على البيت. البلاغة: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ حذف الموصول للتفخيم وتقديره: للبيت الذي ببكّة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ وضع موضع «ومن لم يحجّ» تأكيدا لوجوبه. وكان إيجاب الحج بالجملة الاسمية للدلالة على الثبات والاستمرار. وفي الآية تدرج من التعميم إلى التخصيص، ومن الإبهام إلى التبيين، ومن الإجمال إلى التفصيل. المفردات اللغوية: ﴿بِبَكَّةَ﴾ مكّة، أبدلت ميمها باء، والعرب كثيرا ما تبدل الباء ميما وبالعكس، وسميت بذلك؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها. ﴿مُبارَكاً﴾ أي ذا بركة وكثير الخيرات. ﴿وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ لأنه قبلتهم. ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ علامات ودلائل. ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ موضع قيامه وعبادته، وفيه الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، فأثر قدماه فيه، وبقي إلى الآن، مع تطاول الزمان، وتداول الأيدي عليه. وهو من الآيات البينات، التي منها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه. ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الحج لغة: القصد، شرعا: قصد بيت الله الحرام للنّسك. ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا، فسّره ﷺ -فيما رواه الحاكم وغيره-بالزّاد والرّاحلة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بالله أو بما فرضه من الحجّ. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ عن الإنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم. سبب النزول: نزول آية ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: أخرج سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً﴾ الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم النّبي ﷺ : «فرض الله على المسلمين حجّ البيت»، فقالوا:
следующие страницы →