← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

في الخوف، ويحملون قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ على النّدب؛ لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه، فكان الأمر به ندبا. وقال ابن العربي المالكي والشافعي والظاهرية: أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب؛ لأمر الله به، إلا لمن كان به أذى من مطر، فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه. وعلى كلّ حال: إن لم يجب فيستحب للاحتياط، كما قال القرطبي. هذا.. وقوله تعالى: ﴿فَإِذا سَجَدُوا﴾ أي إذا سجدوا ركعة القضاء، وهم الطائفة المصلّية فلينصرفوا، دلّ على أنّ السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة، مثل قوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين» (١) أي فليصلّ ركعتين. وقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بيّن وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح. وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى؛ لأنها أولى بأخذ الحذر؛ لأن العدوّ لا يؤخّر قصده عن هذا الوقت؛ لأنه آخر الصلاة؛ وأيضا يقول العدوّ: قد أثقلهم السلاح وكلّوا. وفي هذه الآية دليل على تعاطي الأسباب، واتّخاذ وسائل النجاة وما يوصل إلى السلامة. ثم أمر الله تعالى بشيئين: ذكر الله، وأداء الصلاة في أوقات معلومة. أما ذكر الله تعالى فأبان سبحانه أنه متى فرغتم أيها المؤمنون من صلاة الخوف، فاذكروا الله في مختلف أحوالكم، حال القيام وحال القعود، وحال الاضطجاع على الجنوب، وذكره تعالى يكون في أنفسكم بتذكر وعده بنصر من

стр. 1612

ينصرونه في الدّنيا ونيل الثواب في الآخرة، وبألسنتكم بالحمد والتكبير والتهليل والدّعاء بالنّصر، فالذكر يكون بالقلب واللسان، أما الذكر بالقلب: فهو التّفكر في عظمة الله وجلاله وقدرته وفيما في خلقه وصنعه من الدّلائل عليه وعلى حكمه وجميل صنعه. وأما الذكر باللسان فهو بالتعظيم والتّسبيح والتّقديس. وهذا الذكر المأمور به في رأي الجمهور إنما هو إثر صلاة الخوف، والذكر يكون مع التعظيم والخشوع، والحكمة فيه ربط المؤمنين المجاهدين بالله تعالى في كل الأحوال حتى يعتمدوا في جهادهم على الله تعالى، ويكون طلب النصر والظفر منه، فإنه الذي بيده النصر، وهو القادر على كل شيء، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥/ ٨]. والذكر كما طلب الله تعالى يكون دائما وبكثرة؛ لأنه أداة الفلاح؛ إذ هو وسيلة الخشية، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة واجتنبت المعصية، وذلك هو الفوز والسعادة. روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً﴾: أنه كان يقول: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء، ثم عذرهم إن عنّ ما يمنعهم من أدائها من العذر، إلا الذكر، فإن الله لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم بالليل والنهار، في البّر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، والصّحة والسّر والعلانية، وعلى كلّ حال. وأما فرضية الصلاة بنحو دائم: فإن الله تعالى أبان أنه إذا أقمتم، وهو مقابل لقوله: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه قصر الصلاة وقصر صفتها وهيئتها، فأدّوا الصلاة على وجهها الأكمل تامّة الأركان والعدد والهيئة، إن الصلاة مفروضة عليكم في وقت معين، أي إنها مفروضة

стр. 1613

مؤقتة، لا يجوز تجاوز أوقاتها المعلومة، بل لا بدّ من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا. وبيّنت السّنّة النّبوية أحوال القصر والجمع تقديما وتأخيرا في السفر تخفيفا ورخصة وتيسيرا على المسافر. والسبب في جعل الصلوات الخمس مفروضة بأوقات معينة: أن تكون مذكرة للمؤمن بربّه في الليل والنهار، وفي أوقات دورية، لئلا تحمله الغفلة على الشّر أو التّقصير في الخير. الحث على القتال بعدم التفكير في الآلام وانتظار إحدى الحسنيين ﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)﴾ المفردات اللغوية: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ لا تضعفوا. ﴿فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ في طلب القوم، وهم الكفار، لتقاتلوهم. ﴿يَأْلَمُونَ﴾ تجدون ألم الجراح ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ أي مثلكم ولا يجبنون عن قتالكم. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بكل شيء «حكيما» في صنعه. سبب النزول: قيل: نزلت في حرب أحد، حيث أمر النبي ﷺ بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وقد أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة، كما تقدم في «آل عمران».

стр. 1614

المناسبة: الآيات السابقة في بيان كيفية الصلاة في أثناء المعركة، وقد نبهت إلى شدة عداوة الكفار وانتظار هم الفرصة المواتية لضرب المسلمين، ونبهت أيضا إلى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون من أخذ الحذر أثناء الصلاة. وهنا ينهى الله تعالى عن الضعف في القتال؛ لأن الألم في الحروب وإن كان مشتركا بين الفريقين، فإن المؤمن يمتاز بما له من الرجاء عند ربه، بأنه ينتظر إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الجنة والثواب، فهذه الآية عود إلى بعث المؤمنين وحثهم على القتال بأسلوب إقناعي مستمد من الواقع. التفسير والبيان: ولا تضعفوا في قتال الأعداء ولا تتواكلوا، واستعدوا لقتالهم دائما بعد الفراغ من الصلاة، ولا تترددوا في خوض المعارك الفاصلة مع الأعداء بحجة ما يصيبكم من آلام القتل والجرح، فذلك أمر مشترك بين كل فريقين متحاربين؛ لأنهم بشر مثلكم يتألمون ويصبرون، فما لكم لا تصبرون وأنتم أولى بالصبر؟! والحقيقة أنه لا يوجد لقتالهم هدف مقبول؛ لأنهم على الباطل، والباطل في النهاية زائل، وأنتم على حق، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم، وليس لهم ثواب ولا ثمرة عائدة إليهم من قتالهم والله ضمن لكم الجنة، وليس عندهم ملجأ يستمدون منه النصر إلا الأصنام وهي لا تضر ولا تنفع، وأنتم بعبادتكم الله وحده تلجؤون إليه في طلب النصر والرحمة، وهو الذي بيده مفاتيح السموات والأرض، وبقدرته ومشيئته يتحقق النصر. وإنكم ترجون من الله ما لا يرجون من ظهور الدين الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل ونعيم الجنة.

стр. 1615

والله تعالى وعدكم إحدى الحسنيين: النصر أو الجنة بالشهادة إذا أخلصتم النية، ونصرتم دين الله، ودافعتم عن حرماته. أما فاقد الأمل، اليائس من الآخرة، فإنه يكون عادة جبانا ضعيف العزيمة فاتر الهمة، يقاتل فقط تنفيذا للأوامر أو للعصبية، والعنصرية، والنزعة الجامحة في التفوق والسيادة على الأمم. وكان الله عليما حكيما، عليما بحالكم، حكيما فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فلا يكلفكم شيئا إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى علمه وحكمته. فقه الحياة أو الأحكام: نظير هذه الآية: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران ١٤٠/ ٣]، وكلتا الآيتين تحضّان على القتال، والصبر في ميدان المعركة، والثبات أمام الأعداء، وتجنب الاستضعاف والتراخي وفتور الهمة والعزيمة. وفيهما إقناع بأدلة واقعية، فإن الحرب دمار وخراب وتقتيل وجراح وخسارة مال للفريقين المتحاربين، فإن كان المؤمنون يتألمون مما أصابهم من الجراح، فأعداؤهم يتألمون أيضا مما يصيبهم. ولكن للمؤمنين مزية: وهي أنهم يرجون النصر وثواب الله، وغيرهم لا يرجونه؛ لأن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئا، فينبغي أن تكونوا أرغب منهم في القتال. والله تعالى عليم بكل الأشياء وأحوال عباده المؤمنين، فلا يشرع لهم إلا ما فيه الحكمة البالغة والمصلحة المؤكدة، والنفع الثابت الدائم.

стр. 1616

القضاء بالحق والعدل المطلق ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)﴾

стр. 1617

الإعراب: ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال مؤكدة من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾. ﴿بِما أَراكَ اللهُ﴾ أي أراكه الله، فالكاف المفعول الأول، والهاء المحذوفة: المفعول الثاني؛ لأن «أرى» هنا تتعدى إلى مفعولين؛ لأنها قلبية اعتقادية. ولا يجوز أن تكون «أرى» بمعنى «أعلم»؛ لأن «أعلم يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وليس في الآية إلا مفعولان: الكاف والهاء. ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ ها: للتنبيه في أنتم وأولاء، وهما مبتدأ وخبر. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ لم يقل: بهما؛ لأن معنى قوله: ومن يكسب خطيئة أو إثما: ومن يكسب أحد هذين الشيئين، ثم يرم به؛ لأن «أو» لأحد الشيئين. البلاغة: يوجد جناس مغاير في ﴿يَخْتانُونَ﴾ .. ﴿خَوّاناً﴾ وفي ﴿خَصِيماً﴾ .. ﴿اِسْتَغْفِرِ﴾ وفي ﴿يَسْتَغْفِرِ﴾ .. ﴿غَفُوراً﴾. ويوجد طباق السلب في ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿بِما أَراكَ﴾ بما عرّفك وأوحى به إليك ﴿لِلْخائِنِينَ﴾ الذين يخونون الناس وأنفسهم بالسرقة وارتكاب المعاصي واتهام الآخرين بها. ﴿خَصِيماً﴾ مخاصما ومدافعا عنهم. ﴿وَلا تُجادِلْ﴾ الجدال: أشد أنواع المخاصمة. ﴿يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يخونونها بالمعاصي؛ لأن وبال خيانتهم عليهم. ﴿خَوّاناً﴾ كثير الخيانة. ﴿أَثِيماً﴾ مبالغا في ارتكاب الإثم. ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترون من الناس حياء وخوفا. ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ يضمرون ويدبرون. ﴿ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾ من عزمهم على الحلف على نفي السرقة ورمي اليهودي بها. ﴿مُحِيطاً﴾ عالما بكل شيء، أي شاملا علمه الأشياء كلها. ﴿جادَلْتُمْ﴾ خاصمتم. ﴿وَكِيلاً﴾ مدافعا محاميا يتولى أمرهم ويذب عنهم، أي لا أحد يفعل ذلك. ﴿سُوءاً﴾ ذنبا يسوء به غيره. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ يعمل ذنبا قاصرا عليه. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ منه أي يتب، والاستغفار: طلب المغفرة من الله مع الندم على الذنب والتوبة منه. ﴿إِثْماً﴾ ذنبا فإنما يكسبه على نفسه؛ لأن وباله عليها ولا يضر غيره. ﴿خَطِيئَةً﴾ ذنبا صغيرا، والفرق بين الخطيئة والإثم: أن الخطيئة هي الذنب المتعمد أو غير المتعمد، أو الذنب الصغير. والإثم: الذنب المتعمد الملحوظ فيه أنه ذنب، أو أنه الذنب الكبير.

стр. 1618

﴿يَرْمِ بِهِ﴾ ينسبه إليه ويقذفه به. ﴿اِحْتَمَلَ﴾ تحمل أي كلف نفسه أن تحمل. ﴿بُهْتاناً﴾ البهتان: افتراء الكذب على غيرك، مما يجعله يتحير عند سماعه ويصطدم بما يبهته. ﴿لَهَمَّتْ﴾ أضمرت. ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ أن يصرفوك عن القضاء بالحق بتلبيسه عليك. ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأن وبال إضلالهم عليهم. ومن: زائدة. سبب النزول: روى الترمذي والحاكم وابن جرير عن قتادة بن النعمان: أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق، وكان رجلا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر، سرق درعا لعمه كان وديعة عنده، وقد خبأها في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا الدرع عند طعمة، فلم يجدوها، وحلف بالله: ما أخذها وما له به من علم، فساروا في أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوها، فقال: دفعها إليّ طعمة، وشهد له ناس من اليهود بذلك، ولكن طعمة أنكر ذلك، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي؛ فهمّ النبي ﷺ أن يفعل وكان هواه معهم، وأن يعاقب اليهودي فنزلت. وهذا قول جماعة من المفسرين (١). وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، وسقط عليه حائط في سرقة، فمات. المناسبة: هذه الآيات استمرار في تحذير المؤمنين من المنافقين، والاستعداد لمجاهدتهم، ومن أخطر حالات الحذر: القضاء بين الناس، فعلى المؤمنين القضاء بالحق والعدل دون محاباة أحد.

стр. 1619

وقال العلماء: إن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول إلصاق تهمة السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾. التفسير والبيان: أمر الله تعالى رسوله أن يقضي بين الناس بالحق والعدل دون محاباة أحد، ولا إلحاق ظلم بأحد ولو كان غير مسلم، فقال له: إنا أنزلنا إليك هذا القرآن بالحق في خبره وطلبه وحكمه بتحقيق الحق وبيانه، لأجل أن تحكم بين الناس بما أوحى إليك وأعلمك من الأحكام، فتقضي بالوحي إن وجد، أو تقضي بالاجتهاد إن لم يوجد وحي صريح؛ فاحكم بين الناس بشريعة الله، ولا تكن لمن خان نفسه مخاصما ومدافعا تدافع عنه، وترد من طالبه بالحق، أي لا تتهاون في تحري الحق تأثرا بقوة جدل خصم في الخصومة. وفي هذا دلالة-كما ذكر علماء الأصول-على أنه كان للنبي ﷺ أن يحكم بالاجتهاد، بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها». وفي رواية الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست (١)، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق

стр. 1620

أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها، انتظاما في عنقه يوم القيامة» فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ : «أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما، ثم استهما، ثم ليحلل كل منكم صاحبه». وفي رواية أبي داود من حديث أسامة بن زيد زيادة هي: «إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه». ومن أجاز الاجتهاد للنبي ﷺ وهم الجمهور يقول: يجوز عليه الخطأ، لكنه لا يقر على الخطأ، بدليل هذه الحادثة، وحادثة قبول الفداء من أسارى بدر. واللام في قوله: ﴿لِلْخائِنِينَ﴾ للتعليل، أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لما يستعدونك عليه. والخائنون: هم طعمة وقومه. واستغفر الله مما هممت به في أمر طعمة وبراءته التي لم تتثبت في شأنها، وعقاب اليهودي. والأمر بالاستغفار في هذا ونحوه لا يقدح في عصمة الأنبياء؛ لأنه لم يكن منه إلا الهم، والهم لا يوصف بأنه ذنب، بل إن ذلك من قبيل «حسنات الأبرار سيئات المقربين» وما أمره بالاستغفار إلا لزيادة الثواب، وإرشاده وإرشاد أمته إلى وجوب التثبت في القضاء. والنبي ﷺ لم يحكم في هذه القضية قبل نزول الآيات، ولم يعمل بغير ما يعتقد أنه حق، وإنما أحسن الظن بدفاع قوم طعمة، فبيّن الله تعالى له حقيقة الأمر، خلافا لما ظنه من غلبة الصدق على المسلم وغلبة الكذب على اليهودي. ثم رغب الله تعالى قوم طعمة وغيرهم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾

стр. 1621

أي إنه تعالى كثير المغفرة لمن استغفره، واسع الرحمة لمن استرحمه. ولا تجادل يا محمد عن هؤلاء الذين يخونون أنفسهم بتعديهم على حقوق الغير، وسمى خيانة غيرهم خيانة لأنفسهم؛ لأن ضررها عائد إليهم، أي لا تدافع عن هؤلاء الخونة، ولا تساعدهم عند التخاصم. إن الله يبغض كثير الخيانة معتاد الإثم أي ارتكاب الذنب واجتراح السيئة، ويحب أي يثيب أهل الأمانة والاستقامة. وجاء الكلام بصيغة المبالغة، لعلم الله بإفراط طعمة في الخيانة وركوب المآثم. وعبر بقوله: ﴿لِلْخائِنِينَ﴾ و ﴿يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ مع أن السارق طعمة وحده؛ لوجهين: أحدهما-أن بني ظفر قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم. والثاني-أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه (١). ثم بيّن الله تعالى أحوال الخائنين وخصالهم المنكرة، فقال: إن شأن هؤلاء الخائنين أنهم يستترون من الناس عند ارتكاب الجريمة إما حياء وإما خوفا، ولا يستترون ولا يستحيون من الله عالم الغيب والشهادة، الذي هو معهم أي عالم بهم مطلع عليهم، لا يخفى عليه خاف من سرهم، إذ يدبرون ويزورون ما لا يرضى الله من القول، وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد اليهودي، ليسرق دونه، ويحلف بالبراءة. وكان الله محيطا بأعمالهم، حافظا لها، فلا أمل في نجاتهم من عقابه. قال الزمخشري: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء، والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة (٢).

стр. 1622

ثم حذر الله المؤمنين من معاونة الخونة أو التعاطف معهم فقال: يا من جادلتم عن الخوانين، وحاولتم تبرئتهم في الدنيا، من يجادل الله عنهم يوم القيامة، حين يكون الحاكم هو الله تعالى المحيط بأعمالهم وأحوالهم، ومن يجرأ أن يكون عنهم وكيلا بالخصومة (محاميا)؟ فعلى المؤمنين مراقبة الله والاستعداد للجواب في ذلك الموقف الرهيب أمام الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ [الانفطار ١٩/ ٨٢]. وبعبارة أخرى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن يخاصم عنهم في الآخرة، إذا أخذهم الله بعذابه، ومن هو المستعد أن يكون عنهم وكيلا أي حافظا ومحاميا من بأس الله وانتقامه؟ وفي هذا توبيخ وتقريع لمن أرادوا مساعدة طعمة على اليهودي، وفيه دلالة أيضا على أن حكم الحاكم ينفذ في الظاهر فقط، لا في الباطن، أي لا يحل للمحكوم له الحرام، ولا يجيز له أن يأخذ شيئا علم أنه لا حق له فيه. ثم رغب الله تعالى في التوبة فقال: ومن يعمل ذنبا قبيحا يسوء به غيره، أو يظلم نفسه بمعصية كالحلف الكاذب، ثم يطلب من الله المغفرة على ذنبه، يجد الله غفورا للذنوب، رحيما بأهل العيوب، تفضلا منه وإحسانا. وفي ذلك ترغيب لطعمة وقومه بالتوبة والاستغفار، وبيان للمخرج من الذنب، وتحذير لأعداء الحق الذين يحاولون طمس الحقائق وهدم صرح العدل. ثم حذر الله تعالى من ارتكاب الذنوب والمعاصي بنحو عام فقال: ومن يرتكب ما يوجب الإثم من المعاصي، فإن إجرامه وعمله وبال على نفسه وضرر على شخصه، لا يتعدى إلى غيره؛ لأنه هو الذي يعاقب على فعله. وكان الله تعالى وما يزال واسع العلم بأفعال الناس، فشرع لهم ما يمنعهم عن تجاوز شرائعه، وهو أيضا عظيم الحكمة بتشريعه العقاب لمرتكب الإثم.

стр. 1623

ومن عظائم الجرائم أن يفعل الإنسان ذنبا خطأ بلا قصد أو مع علمه بأنه ذنب، ثم يتهم به شخصا بريئا، فهذا هو البهتان أي افتراء الكذب، ويكون مرتكبا جريمتين: كسبه الإثم الذي يجعله آثما، ورميه البريء الذي يصفه بأنه باهت. ثم أبان الله تعالى حمايته لنبيه فقال: ولولا فضل الله عليك ورحمته أي عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم، لهمت طائفة من بني ظفر أن يصرفوك عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل، مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم. أي لولا فضل الله عليك بالنبوة، والتأييد بالعصمة، ورحمته لك، ببيان حقيقة الواقع، لهمت طائفة منهم أن يصرفوك عن الحكم العادل، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، إذ جاءك الوحي ببيان الحق. وهم في الحقيقة بانحرافهم عن طريق الحق والاستقامة لا يضلون إلا أنفسهم؛ لأن الوزر عليهم فقط ووباله ملحق بهم، وهم لا يضرونك شيئا؛ لأنك عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك، والله يعصمك من الناس ومن اتباع الهوى في الحكم بينهم ومن كل مكروه. والله أنزل عليك الكتاب أي القرآن، والحكمة أي فقه مقاصد الشريعة وفهم أسرارها، وعلمك من الكتاب والشريعة، وإفهام الحقائق ما لم تكن تعلم قبل ذلك من خفيات الأمور، وضمائر القلوب، وأمور الدين والشريعة. وكان فضل الله عليك عظيما؛ إذ أرسلك للناس كافة، وجعلك خاتم النبيين، وشهيدا عليهم يوم القيامة، وعصمك من الناس، وجعل أمتك أمة وسطا عدولا، فاشكر الله على ذلك، ولتشكر أمتك تلك النعم، حتى تكون خير أمة أخرجت للناس، وقدوة حسنة للآخرين.

стр. 1624

فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات طائفة من الأحكام: ١ - تفويض الحكم إلى النبي ﷺ ليقضي بين الناس بالحق والعدل حسبما علّمه الله وأوحى إليه، سواء بالنص الصريح أو بالاجتهاد والرأي المعتمد على أصول التشريع. ٢ - تأنيب طعمة بن أبيرق ومن آزره من قومه، وكانوا ثلاثة إخوة: بشر وبشير ومبشّر، وأسير بن عروة ابن عمّ لهم؛ لأنهم تعاونوا معه على الباطل لتبرئته من تهمة السرقة: سرقة أدراع وطعام من رفاعة بن زيد في الليل، ومحاولة إلصاق التهمة بيهودي اسمه: زيد بن السمين. ٣ - القانون الذي يحكم به: هو ﴿بِما أَراكَ اللهُ﴾ معناه على قوانين الشرع؛ إما بوحي ونصّ، أو بنظر جار على سنن الوحي. وهذا أصل في القياس، وهو يدل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ ، وعلى أنه في رأي القرطبي إذا رأى شيئا أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة؛ فأما أحدنا إذا رأى شيئا فلا قطع فيما رآه. ٤ - دل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ على أن النيابة أو الوكالة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز، فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محقّ، وقد نهى الله في هذه الآية رسوله عن معاضدة أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة. ٥ - قال العلماء: لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم، ليحموهم ويدافعوا عنهم؛ فإن هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ ، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ وقوله: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.

стр. 1625

والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين، بدليل ما ذكر بعده: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولأن النبي ﷺ كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره، فدل على أن القصد لغيره. ٦ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ دل على أن الأنبياء صلوات الله عليهم قد يؤمرون بالاستغفار مما ليس ذنبا، كالهمّ بتقديم الدفوع عن بني أبيرق ومعاقبة اليهودي بقطع يده، وهو دفاع وعمل بالظاهر لاعتقاده براءتهم. وهذا من قبيل «حسنات الأبرار سيئات المقربين». وقيل: الأمر بالاستغفار للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل، وقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله، على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب ١/ ٣٣]، ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس ٩٤/ ١٠]. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ نهي صريح عن الدفاع عن الخونة، أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم. والمجادلة: المخاصمة. والله لا يرضى عن الخائن أو الخوّان-الذي هو من صيغ المبالغة؛ لعظم قدر تلك الخيانة. ٨ - الإنسان قاصر النظر، محدود التفكير، سطحي المواقف: فتراه إذا حاول ارتكاب ذنب يستتر ويستحي من الناس، ولا يستتر ولا يستحي من الله، والله أحق أن نخشاه وأن نستحي منه؛ لأن المصير إليه، وبيده وحده الجزاء. ٩ - الحقائق تنكشف بنحو واضح قاطع يوم القيامة في عالم الحساب بين

стр. 1626

يدي الله: فإذا جادل الوكيل بالخصومة (المحامي) لتبرئة المتهم في الحياة الدنيا، فمن الذي يستطيع المرافعة والدفاع والجدال عن أهل الباطل يوم القيامة؟ وهو استفهام معناه الإنكار والتوبيخ. ومن يكون وكيلا عليهم، أي قائما بتدبير أمورهم؟ فالله تعالى قائم بتدبير خلقه، ولا أحد لهم يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار. ١٠ - باب التوبة للعصاة والمذنبين مفتوح: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ، يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ قال ابن عباس: عرض الله التوبة على بني أبيرق بهذه الآية. ١١ - وبال الذنب وعاقبته على المذنب نفسه: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً﴾ -أي ذنبا- ﴿فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أي عاقبته عائدة عليه، وضرره راجع إليه؛ لأنه المتضرر في الحقيقة في الدنيا بالتعرض للمصائب، وفي الآخرة لعذاب جهنم. والكسب: ما يجرّ به الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا. ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا. ١١ - البهتان جريمة عظمي: وهو إلقاء التهمة واختلاق الكذب على البريء، أو هو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ فيه تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات. وقد قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩]. قال الطبري: إنما فرق بين الخطيئة والإثم: أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد.

стр. 1627

١٢ - إن محاولة إضلال النبي تبوء بالفشل: لعصمة الله إياه، ولفضله عليه ورحمته به، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ -بأن نبهك على الحق، أو بالنبوة والعصمة- ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن الحق؛ لأنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها باليهودي، ولا يفعل هذا إلا منافق كما أوضحت، فتفضل الله على رسوله ﵇ بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إياه. ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله راجع عليهم ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنك معصوم. ١٣ - أنزل الله على نبيه القرآن، والحكمة: القضاء بالوحي وفهم أسرار الشريعة وعلمه ما لم يكن يعلم من الشرائع والأحكام. حالات النجوى الخيّرة وعقاب معاداة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين (الإجماع) ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)﴾ الإعراب: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾: إن جعلت النجوى بمعنى المناجاة، كان

стр. 1628

﴿مَنْ أَمَرَ﴾ في وضع نصب على الاستثناء المنقطع، وإن جعلت بمعنى الجماعة الذين يتناجون كان ﴿مِنْ﴾ في موضع جر على البدل من الهاء والميم في ﴿نَجْواهُمْ﴾ وهو بدل بعض من كل. المفردات اللغوية: ﴿نَجْواهُمْ﴾ النجوى: المسارّة بالحديث أو السر بين اثنين، أي لا خير في كثير من نجوى الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون إلا نجوى من أمر بصدقة أو معروف (عمل بر) أو إصلاح بين الناس. ويصح كونه جمع نجي بمعنى جماعة المتناجين، أي المتسارّين ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ ما يقره الشرع والعقل الصحيح وتتلقاه النفوس بالقبول ﴿اِبْتِغاءَ﴾ طلب ﴿مَرْضاتِ اللهِ﴾ لا غيره من أمور الدنيا. ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ﴾ يعادي ويخالف، كأن كل واحد من المتعاديين يكون في شق. سبب النزول: نزلت في تناجي أهل طعمة بن أبيرق ليلا بالفساد وتعاونهم على الشر وإلصاق تهمة السرقة باليهودي. وروي أن طعمة لما حكم عليه النبي ﷺ بالقطع، هرب إلى مكة، وارتد عن الإسلام، ومات مشركا، فنزلت الآية: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ..﴾. الآية. المناسبة: موضوع الآيتين متصل بما قبلهما وهو أمر الذين يختانون أنفسهم، ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهم طعمة بن أبيرق ومساعدوه الذين تآمروا في السر لإيقاع البريء بالسرقة، فبيّن الله تعالى هنا أن كل حديث سري أو تدبير خفي أو مناجاة لا خير فيه إلا ما كان بقصد التعاون أو الأمر بالمعروف أو الإصلاح، ثم ذكر الله تعالى أن مخالفة أمر الرسول ﷺ واتباع غير سبيل جماعة المؤمنين جرم عظيم يستوجب دخول نار جهنم.

стр. 1629

التفسير والبيان: لا خير في كثير من كلام الناس وتناجيهم كجماعة طعمة إلا إذا كان التناجي في أحد أمور ثلاث: ١ - الأمر بالصدقة لإعانة المحتاج ومواساة الفقير والمسكين. ٢ - الأمر بالمعروف: وهو ما تعارف عليه الشرع من كل ما فيه مصلحة عامة أو خير عام. ٣ - الإصلاح بين الناس في خصوماتهم ومنازعاتهم. وذلك كما جاء في حديث رواه ابن مردويه والترمذي وابن ماجه عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : «كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا ذكر الله ، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» وروى الإمام أحمد عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا؛ أو يقول خيرا» وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها». و روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين» وروى أبو بكر البزار والبيهقي عن أنس أن النبي ﷺ قال لأبي أيوب: «ألا أدلك على تجارة؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا». وإنما قال: ﴿فِي كَثِيرٍ﴾ لأن من النجوى ما يكون في المباحات والمصالح الخاصة من زراعة وتجارة وصناعة وغيرها، فلا توصف بالشر، ولا هي مقصودة من الخير. وإنما المراد بالنجوى الكثير المنفي عنها صفة الخير هي النجوى في شؤون الناس.

стр. 1630

والله تعالى جعل النجوى مظنة الإثم والشر غالبا، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة ٩/ ٥٨]. وثبت عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال فيما يرويه مالك والشيخان: «إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد، فإن ذلك يحزنه» وهو ضرر، والضرر لا يحل بإجماع. والسبب في اتصاف النجوى بالشر كثيرا: أن العادة جرت بحب إظهار الخير، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر، وتتم المؤامرات سرا، قال ﷺ : «الإثم: ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس» (١). وخيرية الأمور الثلاثة المذكورة في الآية إنما تكون في السر لا في الجهر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١/ ٢]. ثم ذكر الله تعالى الثواب المقرر على فعل تلك الأعمال الثلاثة فذكر: ومن يفعل هذه الأعمال الثلاثة، بقصد إرضاء الله وطاعة أمره، مخلصا في ذلك، محتسبا ثواب فعله عند الله ، فإن الله سيؤتيه ثوابا جزيلا كثيرا واسعا. وبعد هذا الوعد بالخير والجزاء الحسن على أحوال النجوى الخيّرة أوعد الله الذين يتناجون بالشر ويدبرون المكائد للناس ويعلنون اعتزالهم عن الجماعة ومعاداتهم الرسول، فقال: ومن يخالف الرسول ويعاديه، ويسلك غير طريق

стр. 1631

الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ بارتداده عن الإسلام، وإظهار عداوته لرسول الهداية وسنته، ويتبع سبيلا غير سبيل جماعة المؤمنين، يوله الله ما تولى، أي يجعله واليا لها وسائرا على طريقها، ومستحسنا لها استدراجا له، وتاركا له يتخبّط في مهاوي الضلالة، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤/ ٦٨] وقال: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥/ ٦١] وقال: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠/ ٦]. ويجعل الله النار مصيره في الآخرة، وساء المصير مصيره؛ لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢/ ٣٧] وقال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ [الكهف ٥٣/ ١٨]. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن من يتجه بنفسه في طريقة أو وجهة يتوجه إليها ويرضاها لنفسه، يتركه الله وشأنه، ويكون عقابه أمرا منتظرا وعادلا؛ لاختياره طريق الشر، وبعده عن منهج الاستقامة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على ما يأتي: ١ - لا خير في كثير من نجوى الناس سرا، أو من كلام الجماعة المنفردة أو كلام الاثنين، سواء كان ذلك سرا أو جهرا إلا نجوى ثلاثة: من أمر بصدقة، ففيها عون الفقير والمسكين والمحتاج الذي لا يطلع على حاجته إلا القليل من الناس. ومن أمر بالمعروف، والمعروف: لفظ يعم أعمال البرّ كلّها، قال ﷺ : «كل معروف صدقة، وإن من المعروف: أن تلقى أخاك بوجه طلق» (١) وقال

стр. 1632

أيضا: «المعروف كاسمه، وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله» ومن أمر بإصلاح بين الناس، والإصلاح عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع الاختلاف فيه بين الناس، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى. فأما من طلب الرياء والترؤس، فلا ينال الثواب. كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁: «ردّ الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورّث بينهم الضغائن». وقال أنس بن مالك ﵁: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات ٩/ ٤٩] الآية، وقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨/ ٤] وقوله عن الحكمين: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ [النساء ٣٥/ ٤]. ٢ - إن معاداة الرسول ومخالفته وترك الإسلام أو الردة عنه، ومخالفة طريق المسلمين تحجب عن مرتكبها عناية الله ورعايته، وتجعله يتخبط في دياجير الظلام والضلال، وتجعله مقودا بنفسه وهواه، وتوجب له الدخول في نار جهنم، وساءت مصيرا يصير إليه هذا المنحرف. ونظير هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة ٢٠/ ٥٨] يعني أن يصير في حد غير حد الرسول وهو مباينته في الاعتقاد والديانة. ٣ - قال العلماء وعلى رأسهم الإمام الشافعي: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.﴾. دليل على صحة القول بالإجماع، أي اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي؛ لأنه تعالى قرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة الرسول فيما ذكر له من الوعيد، فدل على صحة إجماع الأمة، لإلحاقه

стр. 1633

الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين (١). ٤ - قوله: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ إخبار عن براءة الله منه، وأنه يكله إلى ما تولى من الأوثان والأديان الباطلة، واعتضد به، ولا يتولى الله نصره ومعونته (٢). ٥ - قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى﴾ تغليظ في الزجر عنه، وتقبيح لحاله وتبيين للوعيد فيه؛ إذ كان معاندا بعد ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق الرسول ﷺ (٣). الشرك وعاقبته والشيطان وشروره وجزاء الإيمان والعمل الصالح ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً (١٢٢)﴾

стр. 1634

الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿مَأْواهُمْ﴾ مبتدأ ثان. ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خير الأول. البلاغة يوجد جناس مغاير في ﴿ضَلَّ... ضَلالاً﴾ وفي ﴿خَسِرَ... خُسْراناً﴾. المفردات اللغوية: ﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ إن نافية بمعنى ما أي ما يعبد المشركون أو يتوجهون ويطلبون المعونة، وهذا نوع من العبادة ﴿إِلاّ إِناثاً﴾ أصناما مؤنثة كاللات والعزى ومناة. ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ﴾ ما يعبدون بعبادتها ﴿إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ متمرنا على الخبث، خارجا عن الطاعة، لطاعتهم له فيها وهو إبليس، والشيطان: هو الخبيث المؤذي من الجن والإنس. والمراد من قوله: ﴿مَرِيداً﴾ أنه مرن على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة، فالمريد: العاتي المتمرد. ﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾ أبعده عن رحمته وطرده مع السخط والإهانة. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ لأجعلن لي. ﴿نَصِيباً﴾ حظا. ﴿مَفْرُوضاً﴾ مقطوعا أو معينا ثابتا أدعوهم إلى طاعتي. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحق بالوسوسة ولأدفعنهم إلى الضلال والفساد. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ألقي في قلوبهم طول الحياة أن لا بعث ولا حساب، وأزين لهم الأماني الباطلة. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ يقطعن آذان الأنعام لأجل تمييزها وتخصيصها للآلهة. ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ دينه بالكفر، وإحلال ما حرم وتحريم ما أحل. ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا﴾ يتولاه ويطيعه. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره. ﴿خُسْراناً مُبِيناً﴾ بينا، لمصيره إلى النار المؤبدة عليه.

стр. 1635

﴿يَعِدُهُمْ﴾ طول العمر ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ﴾ بذلك ﴿إِلاّ غُرُوراً﴾ باطلا. ﴿مَحِيصاً﴾ مهربا ومخلصا ومعدلا بذلك. المناسبة: الآية الأولى متصلة بما قبلها في قصة طعمة الذي ارتد، فإنه لو لم يرتد لم يكن محروما من رحمة الله، فإن كل ذنب قابل للمغفرة إلا ذنب الشرك. قال العلماء عن آية ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء ١١٥/ ٤] وعن آية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ﴾ هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبيرق السارق، لما حكم النبي ﷺ بالقطع، وهرب إلى مكة وارتد. قال سعيد بن جبير: لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة، فلحقه المشركون فقتلوه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾. وقال الضحاك: قدم نفر من قريش المدينة، وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ والمشاقة: المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين (١). وأما الآيات التي بعدها فمناسبة لما قبلها، ففي هذه الآيات عقد الله تعالى مقارنة بين جريمة الشرك وخطرها، وأعمال الشيطان ولعنته وعقابه، والإيمان والعمل الصالح وجزائهما؛ لأن الشيطان يدعو إلى الشرك وعبادة الأوثان، وفي مواجهة ذلك صرح الإيمان الراسخ الذي لا يتأثر أهله بنزعات الشياطين في أصل الاعتقاد، وإن تأثروا أحيانا بها في بعض أعمال الشر، وهذا تحذير وترغيب.

стр. 1636

التفسير والبيان: إن الله لا يغفر الشرك بالله أصلا، ولا لمن يشرك به أحدا سواه، ولكنه قد يغفر ما دون الشرك من الذنوب، فلا يعذبهم عليه، ومن يشرك بالله شيئا، فقد ضل وبعد عن سبيل الرشاد ضلالا بعيدا في مهاوي الغواية، وسلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة وفاتته السعادة فيهما؛ لأن الشرك ضلال يفسد العقل، ويكدّر صفاء الروح، ويكون المشرك عبدا للأوهام والخرافات. فالشرك: هو منتهى فساد الروح وضلال العقول، ووكر الخرافات والأباطيل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [البقرة ١٦٥/ ٢]. وقد تقدم إيراد هذه الآية، وأعيدت هنا تأكيدا لاقتلاع آثار الشرك من النفوس المريضة، ودحض الشرك وهدم طقوسه من مقاصد الإسلام الأساسية، فهو الواجهة المضادة أصلا لعقيدة الإسلام: عقيدة التوحيد. ولا عيب في هذا التكرار للتأكد من غرس الإيمان بالله، والتحذير من مغبة الشرك وخطره وخروجه عن أساس الفطرة ومقتضيات العقل السليم. روى الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ثم قال الترمذي: هذا حسن غريب. ومغفرة ما دون الشرك من الذنوب بسبب بقاء نور الإيمان، وهو مشروط بمشيئة الله، فهو يغفر لمن يشاء من عباده، كما يغفر بالتوبة والإنابة إليه، فذلك سبيل محو الذنوب. وأما أولئك المشركون فهم لا يعبدون أو لا يتوجهون بقضاء حوائجهم إلا إلى

стр. 1637

الأموات أو الموتى التي لا تضر ولا تنفع، أو إلى الأصنام الإناث (١) كاللات والعزى ومناة، فقد كان لكل قبيلة صنم يسمونه: أنثى بني فلان، أو إلى الملائكة الذين يقول عنهم المشركون بنات الله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ [الزخرف ١٩/ ٤٣]. وهم في الواقع ما يعبدون إلا شيطانا عاتيا مرد على الإيذاء وتمرن على الخبائث؛ إذ هو الذي أمرهم بعبادتها، فكانت طاعتهم له عبادة. ﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾ أي طرده وأبعده من رحمته وفضله مع الذل والهوان، فإنه داعية الشر والفساد والباطل بما يوسوس في صدر الإنسان. ومن غلو الشيطان ودعوته إلى الفساد أنه أقسم: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ أي لأجعلن تلامذة لي جزءا معينا مقدرا معلوما من الناس، مثل قوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر ٣٩/ ١٥ - ٤٠]. ولأضلّنهم، أي أصرفنهم عن الحق، وعن الاعتقاد الصحيح. ولأمنينّهم، أي أزين لهم اللذات وترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغريهم من أنفسهم. ولآمرنهن بالضلال فليقطّعن آذان الأنعام، أي تشقيقها ووسمها وجعلها متميزة خالصة للأصنام، كالبحيرة التي يتركون الحمل عليها، والسائبة الناقة التي يسيبونها للأصنام إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضعيف، والوصيلة التي ولدت جديا وعناقا، فيقولون: وصلت

стр. 1638

أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، ولا تشرب لبنها النساء، وكان للرجال، وجرت مجرى السائبة. ولآمرنّهم فليغيرن خلق الله بخصي الدواب، والوشم في الوجه ونحوهما مما فيه تشوية الفطرة وتغييرها عما فطرت عليه، ثبت في الصحيح عند أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله » ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله ، يعني قوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧/ ٥٩]. وقال جماعة من المفسرين: تغيير خلق الله معناه دين الله ، كقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم ٣٠/ ٣٠] وكما ثبت في الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصرانه، أو يمجّسانه، كما تولد البهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء» (١). ومن يتخذ الشيطان وليا يتولى أمره وإماما يقتدي به، فقد خسر خسرانا ظاهرا في الدنيا والآخرة، بل إنه خسرهما في الواقع، وتلك خسارة لا جبر لها، ولا استدراك لفائتها، وأي خسران أعظم من ترك هدي القرآن واتباع أساليب الشيطان؟! الشيطان يعد أولياءه الباطل، ويمنيهم بما هو كاذب، يعدهم بالفقر والمرض والتخلف عن ركب التقدم إذا أنفقوا شيئا من أموالهم في سبيل الله، ويعدهم الغنى والثروة بالقمار مثلا، ويمنيهم بأنهم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك.

стр. 1639

وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أي باطلا يغترون به، فيزين لهم النفع في بعض الأشياء كالزنى والقمار وشرب الخمر، وهي مشتملة على كثير من المضار والشرور والآلام، كما قال تعالى مخبرا عن إبليس يوم القيامة: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ: إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ، وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤]. أولئك المستحسنون لما وعدهم الشيطان ومنّاهم مصيرهم ومآلهم جهنم يوم القيامة، ولا يجدون عنها مهربا يفرون إليه، أي ليس لهم مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص، يتهافتون فيها تهافت الفراش على النار. ثم ذكر الله تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم من الكرامة التامة فقال: والذين آمنوا: صدقوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر ورضوا بقضائه، وعملوا الصالحات، أي الأعمال الطيبة وما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات، سيدخلهم الله جنات تجري من تحتها الأنهار بما اشتملت عليه من ألوان النعيم المقيم، ويصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، وهم ماكثون مقيمون فيها على الدوام، بلا زوال ولا انتقال، وذلك هو الفوز العظيم الأسمى الذي تطمح إليه النفوس. وهو وعد حق لا شك فيه، أي هذا وعد من الله، ووعد الله واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله «حقا» فهو القادر على كل شيء، وهو الواسع الكرم والرحمة والفضل، وأما وعد الشيطان فهو غرور من القول وزور. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ أي لا أحد أصدق منه قولا، أي خبرا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته فيما رواه الترمذي وغيره: «إن أصدق

стр. 1640

الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». فقه الحياة أو الأحكام: في الآيات دلالة على ما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ رد على الخوارج؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد ذكرت حديثا عن علي أن هذه الآية أحب آي القرآن لديه. وأجمع المالكية وغيرهم من أهل السنة على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب، فإنه إن عذب بالنار، فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول؛ أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال الضحاك: إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾. ٢ - وصف الله الأصنام بالإناث إيماء إلى الضعف، فقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً﴾ نزل في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام، وهي إناث كاللات والعزّى ومناة، وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، فخرج الكلام مخرج التعجب؛ لأن الأنثى من كل جنس أخسه، فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا، فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: ﴿إِلاّ إِناثاً﴾ مواتا؛ لأن الموات لا روح له، كالخشبة والحجر. وقيل: ﴿إِلاّ إِناثاً﴾ ملائكة؛ لقولهم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله.

стр. 1641

٣ - إطاعة الشيطان عبادة له: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ يريد إبليس؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم، فقد عبدوه. ونظيره في المعنى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة ٣١/ ٩] أي أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. ٤ - اللعنة على إبليس: هي في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، ولعنة الله على إبليس على التعيين جائزة، وكذلك على سائر الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل، فيجوز لعن الكفار جملة من غير تعيين، جزاء على الكفر وإظهار قبح كفرهم، ويجوز أيضا لعن الظالمين، لقوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود ١٨/ ١١] ويجوز إجماعا لعن العاصي مطلقا لقوله ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده» وهذا كله دون تعيين. ٥ - تلامذة الشيطان هم الكفرة والعصاة، فهؤلاء الذين يستخلصهم الشيطان بغوايته، ويضلهم بإضلاله. وفي الخبر: «من كل ألف واحد لله، والباقي للشيطان» وبعث النار الذي أخبر عنه النبي ﷺ في صحيح مسلم: هو نصيب الشيطان. ٦ - وسائل الشيطان: هي الإضلال (الصرف عن طريق الهدى) وزرع التمنيات الباطلة طوال الحياة بإمهال الخير والتوبة، والمعرفة مع الإصرار على المعصية، وتقطيع آذان الأنعام وجعل علامات عليها للأصنام، وتغيير أصل الخلقة تغييرا حسيا كالخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان ونحو ذلك مما فيه تعذيب الحيوان، أو تغييرا معنويا كتغيير الاعتقاد، والتحريم والتحليل بالطغيان. أخرج مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم».

стр. 1642

ولما كان هذا التغيير من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود عن علي في الأضاحي- «أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحّي بعوراء ولا مقابلة، ولا مدابرة ولا خرقاء، ولا شرقاء» (١) فلم يجز مالك والشافعي وجماعة الفقهاء الأضحية بمقطوعة الأذن أو جلّ الأذن، أو السكاء: وهي التي خلقت بلا أذن. وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من العلماء إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره، وأجاز الجمهور أن يضحى بالخصي. وأما الخصاء في الآدمي فحرام، لما فيه من ألم عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو مثلة نهى عنها النبي ﷺ ، ومؤد إلى قطع النسل المأمور به في قوله ﵇ فيما رواه عبد الرزاق عن سعيد بن أبي هلال مرسلا: «تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة». والوسم والإشعار في الحيوان من أجل تمييزها عن غيرها مستثنى من نهيه ﵇ عن شريطة الشيطان. والوسم: الكي بالنار، ثبت في صحيح مسلم عن أنس قال: «رأيت في يد رسول الله ﷺ الميسم وهو يسم إبل الصدقة والفيء وغير ذلك، حتى يعرف كل مال، فيؤدى في حقه، ولا يتجاوز به إلى غيره». والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه؛ لأنه مقر الحسن والجمال، ولأن به يقوّم الحيوان، ولما روى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه». ومن حالات التغيير الممنوعة حديث ابن مسعود المتقدم في الواشمة

стр. 1643

والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة. فهو نص في تحريم الوشم: وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل أو بالنئور (دخان الشحم) فيخضر. وهو نص أيضا في تحريم وصل الشعر. ٧ - إطاعة الشيطان خسارة: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي يطيعه ويدع أمر الله ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً﴾ أي نقص نفسه وغبنها بأن أعطى الشيطان حق الله تعالى فيه، وتركه من أجله. ٨ - وعود الشيطان وأمنياته كاذبة وخديعة: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ المعنى يعدهم أباطيله وترّهاته من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير، وكل ذلك خديعة وتغرير. قال ابن عرفة: الغرور: ما رأيت له ظاهرا تحبّه، وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور؛ لأنه يحمل على محابّ النفس، ووراء ذلك ما يسوء. ٩ - عقاب الطائعين للشيطان جهنم: ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً﴾ ملجأ. ١٠ - ثواب المؤمنين العاملين الصالحات والخيرات: جنات الخلد التي تجري من تحتها الأنهار، وذلك يرمز لكل ألوان النعيم المقيم، وأصناف المشتهيات، وطمأنينة النفس، وراحة البال، والسعادة الأبدية. ومن أصدق من الله قيلا أي لا أحد أصدق قولا ووعدا من الله تعالى.

стр. 1644

استحقاق الجنة ليس بالأماني والعبرة في الجزاء بالعمل شرا أو خيرا ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)﴾ الإعراب: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الحال. البلاغة: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ استعارة، استعار الوجه للقصد والجهة. ويوجد جناس مغاير في ﴿أَحْسَنُ﴾ .. ﴿مُحْسِنٌ﴾. المفردات اللغوية: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ﴾ ليس الأمر منوطا بالأماني، بل بالعمل الصالح. والأماني جمع أمنية: وهي تمني الشيء المحبوب ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن، كما

стр. 1645

ورد في الحديث. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من غيره ﴿وَلِيًّا﴾ يتولى أمره ويحفظه ويدفع العقاب عنه ﴿وَلا نَصِيراً﴾ ينصره، ويمنعه منه وينقذه مما يحل به. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ النقير والنقرة: النكتة التي تكون في ظهر النواة، ويضرب بها المثل في القلة ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي انقاد وأخلص عمله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ عامل للحسنات تارك للسيئات ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ ديانته الموافقة لملة الإسلام. ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الزيغ والضلال، أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين الحق القيم. ﴿خَلِيلاً﴾ صفيا خالص المحبة له ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا ﴿مُحِيطاً﴾ أي عالما بالأشياء مع القدرة عليها، ولم يزل متصفا بذلك. سبب النزول: نزول الآية (١٢٣): ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: إنا لا نبعث، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾. وأخرج ابن جرير الطبري عن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾. وأخرج الطبري أيضا عن مسروق قال: لما نزلت: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ قال أهل الكتاب: وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة دور الشيطان في إلقاء الأماني الكاذبة، وكان لهذا تأثير في نفوس أهل الكتاب وبعض ضعاف الإيمان من المسلمين، ناسب بيان أثر الأماني، وفضل العمل وجزائه.

стр. 1646

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّي قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى، فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا. وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ﴾ الآية فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان الأخرى. وذكر مثله عن قتادة. التفسير والبيان: ليس الأمر منوطا بالأماني منكم أيها المسلمون، ولا أنتم أهل الكتاب، ولكن الجزاء منوط بالعمل، فليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفا: «ليس الإيمان التمني، لكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل» وقال الحسن: «إن قوما غرّتهم المغفرة، فخرجوا من الدنيا وهم مملوؤون بالذنوب، ولو صدقوا لأحسنوا العمل». فمن يعمل سوءا يلق جزاءه؛ لأن الجزاء أثر للعمل، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٨/ ٩٩]، روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن زهير قال: أخبرت أن أبا بكر ﵁ قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ فكل سوء عملنا جزينا به؛ فقال النبي ﷺ : «غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب-تتعب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء-الشدة؟» قال: بلى، قال: «فهو مما تجزون به».

стр. 1647

وروى سعيد بن منصور وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله ﷺ : «سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها». هذا الحديث وأمثاله يدل على أن الأمراض والبلايا والمصائب في الدنيا، وهمومها ومخاوفها، يكفر الله بها الخطايا. ومن يعمل السوء لا يجد له غير الله وليا يتولى أمره ويدفع الجزاء عنه، ولا نصيرا ينصره وينقذه مما يحلّ به، وإنما المدار على الإيمان والأعمال، لا على الأماني والأحلام. وفي مقابل ذلك ومن أجل المقارنة والعدل: من يعمل صالحا يصلح به نفسه، سواء كان العامل ذكرا أو أنثى، وهو صادق الإيمان، فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر، يدخلون الجنة، ولا يظلمون شيئا من أجور الأعمال، ولو كان العمل تافها قليلا جدا كالنقير. فسبيل الجنة والسعادة هو العمل الصالح مع الإيمان، وطريق النار هو العمل السيء، ولا ينفع الافتخار بالانتساب إلى ملة أو فئة أو نبي، من غير اتباع لشرع الله ودينه. ثم أردف الله تعالى بذكر درجات الكمال فقال: لا أحد أحسن دينا ممن أسلم قلبه مخلصا لله وحده، ولم يتجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، وجعل نفسه سالمة لله لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه، وقد عبر عن توجه القلب والقصد بإسلام الوجه؛ لأن الوجه مرآة لما في القلب، وهو مع هذا الإخلاص القلبي والإيمان الذاتي الكامل، محسن للعمل أي عامل للحسنات، تارك للسيئات، متصف بفضائل الأخلاق والخصال، ومتبع ملة إبراهيم في حنيفيته بالميل عن الشرك

стр. 1648

والتبرؤ من الوثنية وأهلها، ملتزم الدين الحق وهو دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف ٢٦/ ٤٣ - ٢٧] وقال: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة ١٣٥/ ٢]. ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ جملة اعتراضية مجاز، مفادها أن الله اصطفى إبراهيم واختصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، ومن كانت له هذه المنزلة من الزلفى عند الله بأن اتخذه خليلا، كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته. أي أن الله امتن على إبراهيم بسلامة الفطرة والاعتقاد، وقوة العقل وصفاء الروح، وكمال المعرفة بالله، وشدة العزيمة وعلو الهمة في محاربة الوثنية والشرك، حتى صار من أولي العزم، فهو خليل الرحمن، عدو الشيطان. ثم ذكر الله تعالى ما هو العلة والدافع على الطاعة فقال: جميع ما في السموات والأرض ملك الله وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادّ لما قضى، ولا معقّب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته، وعلمه محيط مع القدرة كل شيء، ونافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ومن كان عالما بأعمال عباده فهو مجازيهم على خيرها وشرها، فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها. فهذه الآية متصلة بذكر العمال الصالحين والطالحين، والمعنى: أن له ملك السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم، فهو تعالى مستحق التوجه إليه في كل شيء، حتى من إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء، لما يتصف به من القدرة الشاملة على الكون وإنجاز ما وعد وأوعد.

стр. 1649

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي من التوجيهات والأحكام: ١ - لا تعلق لأحد بالآمال والتمنيات، وإنما الجزاء منوط بالعمل. فمن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد. وأهل الصلاح وليهم وناصرهم هو الله، وأهل الضلال والفساد وليهم الشيطان، والشيطان أعجز من أن يدفع عن نفسه عذاب الله، فكيف يدفعه عمن غررهم في الحياة الدنيا؟! وليس للمشركين ولي يتولى أمورهم ولا ناصر ينصرهم، أي أن الآية إن حملت على الكافر فليس له غدا ولي ولا نصير، وإن حملت على المؤمن فليس له ولي ولا نصير من دون الله. ٢ - لا تقبل الأعمال الحسنة من غير إيمان: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ.﴾. الآية، فالإيمان شرط أساسي إذ هو قاعدة البناء الديني؛ لأن المشركين قاموا بخدمة الكعبة، وإطعام الحجيج وقرى الضيف، وأهل الكتاب لهم سبق، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ولكن لم ينفع الجميع عملهم الصالح من غير إيمان، عملا بمقتضى هذه الآية. ٣ - تفضيل دين الإسلام على سائر الأديان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ.﴾. الآية. ومعنى ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أخلص دينه لله، وخضع له، وتوجه إليه بالعبادة. ورأى بعضهم أن معنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي موحد، فلا يدخل فيه أهل الكتاب؛ لأنهم تركوا الإيمان بمحمد ﵇. والملة: الدين. والحنيف: المسلم. ٤ - إبراهيم خليل الله: قال الزمخشري (١): مجاز عن اصطفائه واختصاصه

стр. 1650

بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله. والخليل: المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك ويسايرك في طريقك، أو يسد خللك كما تسد خلله. قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلا؛ لأن محبته تتخلل القلب، فلا تدع فيه خللا إلا ملأته. وقيل: هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم كان محبا لله وكان محبوبا لله. وقيل: معناه الاختصاص، أي اختص إبراهيم في وقته للرسالة. وعلى كل حال، ليس في اتخاذ الله إبراهيم خليلا شيء من المقاربة في حقيقة الذات والصفات. وسبب اتخاذه خليلا إما لإطعامه الطعام أو لأنه التزم أن يكون خادما للرب حتى يموت، وعن القاسم بن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإنه لم يكن نبي إلا له خليل، ألا وإن خليلي أبو بكر» (١). ٥ - الله مالك السموات والأرض وخالقهما. ومعنى الآية ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ هنا أنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالّته، ولا للتكثير به والاعتضاد، وكيف وله ما في السموات وما في الأرض، وإنما أكرمه لامتثاله لأمره. ٦ - سعة علم الله: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ أي أحاط علمه بكل الأشياء.
следующие страницы →