← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تقضيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه الأرض، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، وظنوا أنها مسلمة من الجوائح، أتاها بأس الله فجأة، فكأنّها لم تكن بالأمس. وأما الاستعارة التي هي من المجاز اللغوي أي في الكلمة الواحدة لا كالمجاز العقلي فكثيرة أيضا (١)، مثل قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٨/ ٨١]. أستعير خروج النفس شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند ظهور الفجر قليلا، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً..﴾. [النساء ١٠/ ٤] شبه مال الأيتام بالنار، بجامع أن أكله يؤذي، كما تؤذي النار. ومثل قوله تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١/ ١٤] أي لتخرج الناس من جهالاتهم وضلالاتهم إلى الدين القيم والعقيدة الحقة والعلم والأخلاق، شبه الجهالة والضلالة والعداوة بالظلام، في أن الإنسان لا يهتدي إلى الطريق الواضح في كل منهما، وشبه الدين القيم بالنور في أن الإنسان يهتدي إلى الطريق الواضح في كل منهما. وأما المجاز: فأنكر جماعة من العلماء وجوده في القرآن (منهم الظاهرية، وبعض الشافعية كأبي حامد الاسفراييني وابن القاصّ، وبعض المالكية كابن خويز منداد البصري، وابن تيمية) وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله، فالجدار لا يريد في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧/ ١٨]. والقرية لا تسأل في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢/ ١٢] (٢).

стр. 37

لكن الذين تذوقوا جمال الأسلوب القرآني، يرون أن هذه الشبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء ٢٩/ ١٧] دلت القرينة على أن المعنى الحقيقي غير مراد، وأن الآية تنهى عن كل من التبذير والبخل. والكناية: «وهي لفظ أريد به لازم معناه» كثيرة أيضا في القرآن، لأنها من أبلغ الأساليب في الرمز والإيمان، فالله تعالى رمز إلى الغاية من المعاشرة الزوجية، وهي التناسل، بلفظ (الحرث) في قوله: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣/ ٢]، ووصف الله العلاقة بين الزوجين، بما فيها من مخالطة وملابسة، بأنها لباس من كل منهما للآخر، في قوله: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧/ ٢] ورمز إلى الجماع بقوله سبحانه: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء ٤٣/ ٤] وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧/ ٢]. وكنى عن عفة النفس وطهارة الذيل بقوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر ٤/ ٧٤]. والتعريض: «وهو أن تذكر اللفظ وتستعمله في معناه، وتلوّح به إلى ما ليس من معناه، لا حقيقة ولا مجازا» مستعمل أيضا في القرآن، مثاله: ﴿وَقالُوا: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة ٨١/ ٩] ليس المراد به ظاهر الكلام وهو ازدياد حر جهنم، وكونه أشد من حر الدنيا، ولكن الغرض الحقيقي هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال، المعتذرين بشدة الحر، بأنهم سيردون جهنم، ويجدون حرها الذي لا يوصف. ومنه قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ [الأنبياء ٦٣/ ٢١] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة، لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم، من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزا.

стр. 38

فوائد: القرآن ثلاثون جزءا ٣٠ عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة ١١٤ عدد آي القرآن ٦٢٣٦ على طريقة الكوفيين. الأمر ١٠٠٠ النهي ١٠٠٠ الوعد ١٠٠٠ الوعيد ١٠٠٠ القصص والأخبار ١٠٠٠ العبر والأمثال ١٠٠٠ الحرام والحلال ٥٠٠ الدعاء ١٠٠ الناسخ والمنسوخ ٦٦

стр. 39

الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ١ - معناها: أستجير بجناب الله وأعتصم به من شر الشيطان الملعون المذموم أن يغويني ويضلني أو يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به أو يحضني على ما نهيت عنه، فإنه لا يكفه ويمنعه إلا رب العالمين. والشيطان: واحد الشياطين، وسمي بذلك لبعده عن الحق وتمرده. والرجيم: أي المبعد من الخير، المهان، المرمي باللعن والسب. ٢ - أمر الله سبحانه بالاستعاذة عند أول كل تلاوة للقرآن، بقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨/ ١٦] أي إذا أردت أن تقرأ، فتعوذ، وقوله: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون ٩٦/ ٢ ٣ - ٩٨] وهذا يوحي إلى أن القرآن جعل دفع السيئة بالحسنة علاجا لشيطان الإنس، والاستعاذة علاجا لشيطان الجن. وتطبيقا لهذا الأمر في السنة ورد عن أبي سعيد الخدري عن النّبي ﷺ «أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه» (١) وقال ابن المنذر: «جاء عن النّبي ﷺ -فيما رواه ابن مسعود- أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وهذا اللفظ هو الذي عليه جمهور العلماء في التعوذ: لأنه لفظ كتاب الله. ٣ - الاستعاذة مندوبة في رأي جمهور العلماء في كل قراءة في غير الصلاة.

стр. 40

أما في الصلاة، فقال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، إلا في قيام رمضان، لحديث أنس: «أن النّبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (١) وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط. ورأي الشافعية والحنابلة: أنه يسن التعوذ سرا في أول كل ركعة قبل القراءة. ٤ - أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن، ولا آية منه.

стр. 41

البسملة: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - معناها: أبدأ بتسمية الله وذكره وتسبيحه قبل كل شيء، مستعينا به في جميع أموري، فإنه الرب المعبود بحق، واسع الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء، المنعم بجلائل النعم ودقائقها، المتفضل بدوام الفضل والرحمة والإحسان. ٢ - حكمتها: ابتدأ الله تعالى بالبسملة سورة الفاتحة وكل سور القرآن، ما عدا سورة التوبة، تنبيها على أن ما في كل سورة حق، ووعد صادق للعباد، فهو سبحانه يفي لهم بجميع ما تضمنت السورة من وعد ولطف وبر، وإرشادا إلى استحباب البدء بالبسملة في كل الأعمال، التماسا لمعونة الله وتوفيقه، ومخالفة لغير المؤمنين الذين يستفتحون أعمالهم بأسماء آلهتهم أو زعمائهم. قال بعض العلماء: إن «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات (١). ٣ - هل هي آية من السورة ؟ اختلف العلماء في البسملة، أهي آية من الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقال المالكية والحنفية: ليست البسملة بآية من الفاتحة ولا غيرها، إلا من سورة النمل في أثنائها، لحديث أنس ﵁ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلم أسمع أحدا منهم،

стр. 42

يقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾» (١) أي أن أهل المدينة كانوا لا يقرءون البسملة في صلاتهم في مسجد المدينة، إلا أن الحنفية قالوا: يقرأ المنفرد: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، مع الفاتحة، في كل ركعة سرا، فهي قرآن، لكنها ليست بعض السورة، وإنما هي للفصل بين السور. وقال المالكية: لا يقرؤها في الصلاة المكتوبة، جهرا كانت أو سرا، لا في الفاتحة، ولا في غيرها من السور، ويجوز قراءتها في النافلة. وقال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه (٢)، لكن هذا غير ظاهر، لأنه ليس بلازم تواتر كل آية. وقال عبد الله بن المبارك: إنها آية من كل سورة، لما رواه مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت علي آنفا سورة» فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ١/ ١٠٩ - ٣ -]. وقال الشافعية والحنابلة: البسملة آية من الفاتحة، يجب قراءتها في الصلاة، إلا أن الحنابلة قالوا كالحنفية: يقرأ بها سرا، ولا يجهر بها. وقال الشافعية: يسرّ بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية، كما يجهر في سائر الفاتحة. ودليلهم على كونها آية في الفاتحة: ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النّبي ﷺ قال: «إذا قرأتم: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾، فاقرؤوا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أحد آياتها» وإسناده صحيح.

стр. 43

ودليل الجهر بها لدى الشافعية: ما روى ابن عباس ﵄ «أن النّبي ﷺ جهر ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾» (١) ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ، فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة. وتردد قول الشافعي في كون البسملة آية في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها، والأصح أنها آية من كل سورة كالفاتحة، بدليل اتفاق الصحابة على كتبها في أوائل كل سورة، ما عدا سورة براءة، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصاحف ما ليس من القرآن. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي السابق، اتفقت الأمة على أن البسملة آية في سورة النمل، وعلى جواز كتب البسملة في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فمنعه الشعبي والزهري، وأجازه سعيد بن جبير وأكثر المتأخرين (٢). فضل البسملة: قال علي كرم الله وجهه في قوله «بسم الله»: إنه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما «الرحمن» فهو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا. ملاحظة: أثبتّ النص القرآني برسم المصحف العثماني، فمثلا: «وأولوا» و «يتلوا» فيهما ألف، و «الصلوة» و «يريكم» هكذا، أما في الإملاء الحديثة فلا تكتب الألف في الكلمتين، وتكتب «الصلاة» و «يراكم» اليوم هكذا، وأما في شرحي أو تفسيري فأتقيد بالقواعد الجديدة. كذلك لا أعرب بعض الكلمات المعروفة، مثل ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ [المرسلات ١٧ - ١٨] لم أعرب «نتبعهم» التي هي فعل مضارع مرفوع، لأنه كلام مستأنف، وليس مجزوما مثل «نهلك».

стр. 44

أمل ودعاء وغاية اللهم اجعل كل ما تعلّمته-حفظته أو نسيته، وعلّمته، طوال حياتي، وكتبته أو ألّفته (١) من فيض فضلك، ومن حركة القلم الذي أكتب به، وومضة الفكر وإشعاعاته، وإجهاد العقل ونتاجه، وعناء النفس ليل نهار، ونور البصيرة والبصر، وإصغاء السمع، ووعي القلب... ذخرا لي عندك، مخلصا لك فيه عملي، ومن أجل إعلاء كلمتك ونشر دينك، وتيسير العلم لأهله على وفق أذواق العصر والمعاصرين، وبقصد مرضاتك ووجهك الكريم، مبعدا عني بعد المشرقين كل ما يشوب ذلك من رياء أو سمعة أو شهرة، تفيض به علي من جودك وإحسانك، واحتسابا للأجر والثواب الواسع من لدنك وجنابك، فتقبّل مني يا كريم قليلي في كثيرك، ويسيري في سعتك، فإني في عصر لم أتمكن فيه من القيام بجهاد مثلما قام به السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأجزل به الأجر والنفع المنشود في حياتي وبعد مماتي، وحتى يوم العرض الأكبر عليك، وثقّل به ميزان حسابي، وحقق لي بفضلك ورحمتك النجاة يوم المعاد، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، يا أكرم مسئول، والحمد لله رب العالمين. أ-د: وهبة مصطفى الزحيلي

стр. 45

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال ٢٤/ ٨ التّفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج في آخر الكتاب فهرسة ألفبائية شاملة الأستاذ الدكتور وهبة الزّحيلي رئيس قسم الفقه الاسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق الجزء الأول

стр. 46

سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع نزلت بعد المدّثّر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ (٧)﴾ ما اشتملت عليه السورة: تضمنت هذه السورة معاني القرآن العظيم، واشتملت على أصول الدين وفروعه، وتناولت العقيدة، والعبادة، والتشريع، والإيمان بالبعث وبصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والإرشاد إلى طلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، وتجنب طريق المنحرفين عن هداية الله تعالى. أسماؤها: للفاتحة اثنا عشر اسما ذكرها القرطبي، وهي الصلاة، للحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» (١)، وسورة الحمد، لأن فيها ذكر

стр. 47

الحمد، وفاتحة الكتاب، لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا وكتابة، وتفتتح بها الصلوات، وأم الكتاب في رأي الجمهور، وأم القرآن في رأي الجمهور، لقوله ﷺ : «الحمد لله: أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسبع المثاني» (١)، والمثاني، لأنها تثنى في كل ركعة، والقرآن العظيم، لتضمنها جميع علوم القرآن ومقاصده الأساسية، والشفاء لقوله ﷺ : «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم» (٢)، والرّقية، لقوله ﷺ لمن رقى بها سيد الحي: «ما أدراك أنها رقية» (٣)، والأساس، لقول ابن عباس: «... وأساس الكتب: القرآن، وأساس القرآن: الفاتحة، وأساس الفاتحة: بسم الله الرّحمن الرّحيم»، والوافية: لأنها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال، فلو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز عند الجمهور، والكافية، لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. هذه هي أسماء سورة الفاتحة، وأشهرها ثلاث: الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني. والسورة: طائفة من القرآن مؤلفة من ثلاث آيات، فأكثر، لها اسم يعرف بطريق الرواية الثابتة. فضلها: ثبت في الأحاديث الصحيحة فضل الفاتحة، منها قوله ﷺ : «ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي-كما قال الله في الحديث القدسي-مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» (٤).

стр. 48

ومنها أن النّبي ﷺ قال لأبي سعيد بن المعلّى: «لأعلّمنك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته» (١). وهذان الحديثان يشيران إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧/ ١٥] لأنها سبع آيات تثنى في الصلاة، أي تعاد. الإعراب: الباء من ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ زائدة بمعنى الإلصاق، والراجح أنها بمعنى الاستعانة، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف عند البصريين، وتقديره: ابتدائي بسم الله، أي كائن باسم الله، أو في موضع نصب بفعل مقدر عند الكوفيين، وتقديره: ابتدأت بسم الله. و ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ صفة الله. و ﴿مالِكِ﴾ مجرور على البدل، لا على الصفة: لأنه نكرة، بسبب أنه اسم فاعل لا يكتسب التعريف من المضاف إليه، إذا كان للحال أو الاستقبال. و ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ظرف زمان. و ﴿إِيّاكَ﴾ ضمير منصوب منفصل، والعامل فيه ﴿نَعْبُدُ﴾ والكاف للخطاب. و ﴿اِهْدِنَا﴾ سؤال وطلب، فعل أمر يتعدى إلى مفعولين. و ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ بدل من الصراط الأول. و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول. و ﴿غَيْرِ﴾ مجرور على البدل من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وهذا ضعيف، أو من ﴿الَّذِينَ﴾ أو مجرور على الوصف للذين. و ﴿لا﴾ في ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ زائدة للتوكيد عند البصريين، وبمعنى «غير» عند الكوفيين. وأما «آمين» فدعاء، وليس من القرآن، وهو اسم فعل ومعناه: اللهم استجب. البلاغة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ جملة خبرية لفظا، إنشائية معنى، أي قولوا: الحمد لله، وهي مفيدة قصر الحمد عليه تعالى. و ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ..﴾. فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتقديم المفعول يفيد القصر، أي لا نعبد سواك.

стр. 49

و ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ﴾ أي ثبتنا عليه، فالمراد به دوام الطلب واستمراره. و ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فيه حذف، تقديره: غير صراط المغضوب عليهم. المفردات اللغوية: ﴿الْحَمْدُ﴾ الثناء بالجميل على الفعل الاختياري، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل النعمة. ﴿اللهِ﴾: علم على الذات العلية المقدسة، ومعناه: المعبود بحق، وقيل: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسمّ به غيره. أما «الإله» فهو المعبود بحق أو باطل، يطلق على الله تعالى وعلى غيره. ﴿رَبِّ﴾ الرب: المالك والسيد المعبود والمصلح والمدبر والجابر والقائم، فيه معنى الربوبية والتربية والعناية بالمخلوقات. ﴿الْعالَمِينَ﴾ جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، وهو أنواع كعالم الإنسان والحيوان والنبات والذر والجن. ولفظ العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه، مثل رهط وقوم. ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ صفتان لله مشتقتان من الرحمة، لوحظ في كل منهما معنى معين، فالرحمن: صيغة مبالغة بمعنى: عظيم الرحمة، وهو اسم عام في جميع أنواع الرحمة، وأكثر العلماء على أن ﴿الرَّحْمنِ﴾ اسم مختص بالله ، ولا يجوز أن يسمى به غيره. و ﴿الرَّحِيمِ﴾ بمعنى دائم الرحمة. ولما كان في اتصافه تعالى ب ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم. ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي مالك يوم الحساب والمكافأة والجزاء على الأعمال، والأمر كله في قبضته يوم القيامة، ومن عرف أن الله ملك يوم الدين، فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى. ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ نخصك بالعبادة ولا نعبد غيرك، ومعناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلل ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نطلب العون والتأييد والتوفيق، ونخصك بطلب المعونة، فأنت مصدر العون والفضل والإحسان، ولا يملك القدرة على عوننا أحد. وقد جاء الفعلان «نعبد ونستعين» بصيغة الجمع، لا بصيغة المفرد «إياك أعبد وإياك أستعين» للاعتراف بقصور العبد وحده عن الوقوف أمام الله، فكأنه يقول: لا يليق بي الوقوف وحدي وبمفردي في مناجاتك، وأخجل من تقصيري وذنوبي، بل أنضم إلى سائر المؤمنين، وأتوارى بينهم، فتقبل دعائي معهم، فنحن جميعا نعبدك ونستعين بك. ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ عرفنا ووفقنا ودلنا على الطريق الموصل إلى الحق، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. والصراط المستقيم: الطريق المعتدل: طريق الإسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وختمت برسالاتهم رسالة خاتم النبيين، وهو جملة ما يوصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة، من عقائد وأحكام وآداب وتشريع ديني، كالعلم الصحيح بالله والنبوة وأحوال الاجتماع.

стр. 50

﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي طريق من أنعمت عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين السابقين، وحسن أولئك رفيقا. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ أي لا تجعلنا مع أولئك الحائدين عن طريق الاستقامة، المبعدين عن رحمة الله، المعاقبين أشد العقاب، لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وضلوا الطريق. ويرى الجمهور أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى. والحق: أن المغضوب عليهم: هم الذين بلغهم الدين الحق الذي شرعه الله لعباده، فرفضوه ونبذوه. والضالون: هم الذين لم يعرفوا الحق، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح، وهم الذين لم تبلغهم رسالة أو بلغتهم بنحو ناقص.. التأمين: «آمين» دعاء، أي تقبل منا واستجب دعاءنا، وهي ليست من القرآن، ولم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون ﵉، ويسن ختم الفاتحة بها، بعد سكتة على نون ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن. ودليل سنيتها ما رواه مالك والجماعة (أحمد والأئمة الستة) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمّن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه». آراء العلماء في الجهر والإسرار بالتأمين: للعلماء رأيان: قال الحنفية، والمالكية في الراجح: الإخفاء أو الإسرار بآمين أولى من الجهر بها، لأنه دعاء، وقد قال الله تعالى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف ٥٥/ ٧] وقال ابن مسعود: «أربع يخفيهن الإمام: التعوذ، والتسمية، والتأمين، والتحميد» أي قول: ربنا لك الحمد. ورأى الشافعية والحنابلة: أن التأمين سرا في الصلاة السرية، وجهرا فيما يجهر فيه بالقراءة، ويؤمن المأموم مع تأمين إمامه، لحديث أبي هريرة المتقدم: «إذا أمّن الإمام فأمنوا...» ودليلهم على هذا التفصيل: حديث أبي هريرة: «كان رسول الله ﷺ إذا تلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول» (١) وحديث وائل بن حجر: «سمعت

стр. 51

النّبي ﷺ قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يمدّ بها صوته» (١). التفسير والبيان: أرشدنا الله تعالى إلى أن نبدأ كل أعمالنا وأقوالنا بالبسملة، فهي مطلوبة لذاتها، محققة للاستعانة باسمه العظيم. وعلمنا سبحانه كيف نحمده على إحسانه ونعمه، فهو صاحب الثناء بحق، فالحمد كله لله دون سواه، لأنه مالك الملك ورب العوالم والموجودات كلها، أوجدها ورباها وعني بها، وهو صاحب الرحمة الشاملة الدائمة، ومالك يوم الجزاء والحساب ليقيم العدل المطلق بين العباد، ويحقق للمحسن ثوابه، وللمسيء عقابه. فهذه الصفات تقتضينا أن نخص الله بالعبادة وطلب المعونة، والخضوع التام له، فلا نستعين إلا به، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، لأنه المستحق لكل تعظيم، والمستقل بإيجاد النفع ودفع الضر. وقد تعصف الأهواء بالنفوس، وتزيغ بالعقول، فلا غاصم من التردي في الشهوات ومتاهات الانحراف إلا الله، لذا أرشدنا الحق سبحانه إلى طلب الهداية والتوفيق منه، حتى نسير على منهج الحق والعدل، ونلتزم طريق الاستقامة والنجاة، وهو طريق الإسلام القديم المستمر الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والصالحين. وهذا شأن العبد العابد الناسك العاقل العارف حقيقة نفسه ومصيره في المستقبل، لا شأن الكافر الجاحد الضال المنحرف، الذي أعرض عن طريق الاستقامة عنادا، أو ميلا مع الأهواء، أو جهلا وضلالا، وما أكثر الضالين عن طريق الهداية، المتنكبين منهج الاستقامة، الذين استحقوا الغضب والسخط الإلهي!

стр. 52

فاللهم أدم علينا البقاء في طريق الهداية، وتقبل ثناءنا ودعاءنا واحفظنا من الغواية والضلال. وبه تبين أن الناس فريقان: فريق الهدى، وفريق الضلال (١). وقد منح الله تعالى للإنسان خمس هدايات يتوصل بها إلى سعادته (٢). ١ - هداية الإلهام الفطري: وتكون للطفل منذ ولادته، فهو يحس بالحاجة إلى الطعام والشراب، فيصرخ طالبا له إن غفل عنه والداه. ٢ - هداية الحواس: وهي متممة للهداية الأولى، وهاتان الهدايتان يشترك فيهما الإنسان والحيوان، بل هما في البداية أكمل في الحيوان من الإنسان، إذ إلهام الحيوان يكمل بعد ولادته بقليل، ويكتمل في الإنسان تدريجيا. ٣ - هداية العقل: وهي أسمى من الهدايتين السابقتين، فالإنسان خلق مدنيا بالطبع ليعيش مع غيره، ولا يكفي الحس الظاهر للحياة الاجتماعية، فلا بد له من العقل الذي يوجهه إلى مسالك الحياة، ويعصمه من الخطأ والانحراف، ويصحح له أغلاط الحواس، والانزلاق في تيارات الهوى. ٤ - هداية الدين: وهي الهداية التي لا تخطئ، والمصدر الذي لا يضل، فقد يخطئ العقل، وتنجرف النفس مع اللذات والشهوات، حتى توردها موارد الهلاك، فيحتاج الإنسان إلى مقوّم مرشد هاد لا يتأثر بالأهواء، فتسعفه هداية الدين لإرشاده إلى الطريق الأقوم، إما بعد الوقوع في الخطأ أو قبله، وتظل هذه الهداية هي الحارس الأمين الذي يفيء إليها الإنسان للتزود بمفاتيح الخير، والتسلح بمغلاق الشر، فيأمن العثور، ويضمن النجاة، وتعرّفه بحدود ما يجب

стр. 53

عليه لسلطان الله الذي يخضع له في أعماق نفسه، ويحس بالحاجة الملحة لصاحب ذلك السلطان، الذي خلقه وسواه، وأنعم عليه نعما ظاهرة وباطنة، لا تعد ولا تحصى. فصارت هذه الهداية أشد ما يحتاج إليها الإنسان، لتحقيق سعادته. وقد أشار القرآن إلى تلك الهدايات في آيات كثيرة، منها ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] أي بينا له طريقي الخير والشر، والسعادة والشقاء. ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت ١٧/ ٤١] أي أرشدناهم إلى طريق الخير والشر، فاختاروا الثاني. ٥ - هداية المعونة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة: وهي أخص من هداية الدين، وهي التي أمرنا الله بدوام طلبها في قوله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي دلنا دلالة، تصحبها من لدنك معونة غيبية، تحفظنا بها من الضلال والخطأ. وهذه الهداية خاصة به سبحانه، لم يمنحها أحدا من خلقه، بل نفاها عن النّبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص ٥٦/ ٢٨]، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢]، وأثبتها لنفسه في قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠/ ٦]. أما الهداية بمعنى الدلالة على الخير والحق، فأثبتها الله للنّبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢/ ٤٢]. والخلاصة: الهداية في القرآن نوعان: هداية عامة: وهي الدلالة إلى مصالح العبد في معاده، وهذه تشمل الأنواع الأربعة السابقة، وهداية خاصة: وهي الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة، مع الدلالة، وهي النوع الخامس.

стр. 54

والإضلال نوعان (١): أحدهما-أن يكون سببه الضلال: إما بأن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت البعير، أي ضلّ عني، وإما أن تحكم بضلاله. والضلال في هذين سبب الإضلال. والثاني-أن يكون الإضلال سببا للضلال: وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضلّ. وإضلال الله تعالى للإنسان على أحد وجهين: إما الحكم عليه بالضلال، أو التّمكين من البقاء في الضلال. والأول-سببه الضلال: وهو أن يضل الإنسان، فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة، وذلك إضلال هو حق وعدل، لأن الحكم على الضال بضلاله والعدول به عن طريق الجنة إلى النار عدل وحق. والثاني-سببه اختيار الإنسان: وهو أن يختار الإنسان طريق الانحراف، فيمده الله في ضلاله، ويمكّنه من البقاء في طغيانه، ويخلق له القدرة على الاستمرار في كفره وفساده، لذا نسب الله الإضلال للكافر والفاسق، دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إضلال المؤمن، فقال: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة ١١٥/ ٩]، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد ٤/ ٤٧ - ٥]، وقال في الكافر والفاسق: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد ٨/ ٤٧]، ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ [البقرة ٢٦/ ٢]، ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤/ ٤٠]، ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم ٢٧/ ١٤]، وعلى هذا النحو

стр. 55

تقليب الأفئدة في قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام ١١٠/ ٦]، والختم على القلب في قوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة ٧/ ٢]، وزيادة المرض في قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ [البقرة ١٠/ ٢]، فمن اختار الضلالة، أبقاه الله فيها، ومنع عنه نفوذ الهداية إلى قلبه، عقابا له من الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: لا يوجد في القرآن آية بدون معنى أو فائدة أو حكمة أو تشريع، فهو كلام الله المعجز دستور الحياة البشرية، وبناء عليه، يقصد بالآيات القرآنية تحقيق فائدة الإنسان في حياته الدينية والدنيوية والأخروية، وتربطه بالحياة. وتكون بالتالي الأحكام المستفادة من معاني الآيات مرتبطة ارتباطا وثيقا إما بالعقيدة أو بالعبادة أو بالأخلاق والسلوك أو بالتشريع الصالح للفرد والجماعة، وهذا المعنى الأعمّ هو الذي عنيته بفقه الحياة في القرآن الكريم. والمعاني أو الأحكام المستفادة من الفاتحة تشمل صلة الإنسان بالله، وتحدد طريق مناجاته، وترسم له نوع مسيرته في الحياة، وتلزمه باتّباع المنهج الأقوم والطريق الأعدل، الذي لا انحراف فيه قيد أنملة عن جادّة الاستقامة، ولا قبول بأي لون من ألوان الضلال والغيّ والانحراف. ومعنى البسملة في الفاتحة: أنّ جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام وغيرها هو لله ومنه، ليس لأحد غير الله فيه شيء. ١ - كيفية حمد الله: الفاتحة ذلك النشيد العاقد للصلة مع الله، والذي علّمنا الله إياه، يقرؤه المؤمن في كل المناسبات، في الصلاة وغيرها، لأن بدايته على تأويل: قولوا: الحمد لله ربّ العالمين، وذلك يقضي أن الله أمرنا بفعل الحمد، وعلمنا كيف نحمده ونثني عليه، وكيف ندعوه، ويفهم منه أنّ من آداب الدعاء: أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ليكون ذلك أدعى إلى الإجابة.

стр. 56

٢ - قراءة الفاتحة في الصلاة: للعلماء رأيان في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. الرأي الأول-للحنفية: وهو عدم وجوب قراءة الفاتحة، وإنما الواجب للإمام والمنفرد مطلق قراءة، وهو قراءة آية من القرآن، وأقلها عند أبي حنيفة آية بمقدار ستة أحرف، مثل: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١/ ٧٤] ولو تقديرا، مثل: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إذ أصله: «لم يولد» [الإخلاص ٣/ ١١٢]. وقال الصاحبان: فرض القراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. واستدلوا بالكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل ٢٠/ ٧٣]، وهو أمر بمطلق قراءة، فتتحقق بأدنى ما يطلق عليه اسم القرآن. وأما السنة: فحديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» (١). وأما حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢)، فمحمول على نفي الفضيلة، لا نفي الصحة، أي لا صلاة كاملة. وأما المعقول: فهو أنه لا تجوز الزيادة بخبر الواحد الظني على ما ثبتت فرضيته بالدليل القطعي في القرآن، ولكن خبر الواحد يقتضي وجوب العمل به، لا الفرضية، فقالوا بوجوب قراءة الفاتحة فقط، أي أن الصلاة تصح بتركها، مع الكراهة التحريمية. ولا قراءة مطلقا على المقتدي عند الحنفية، سواء أكانت الصلاة سرية أم

стр. 57

جهرية، واستدلوا أيضا بالكتاب والسنة والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤/ ٧]، وهي تأمر بالاستماع والإنصات، والاستماع خاص بالجهرية، والإنصات يعمّ السريّة والجهريّة. وأما السّنة: فقول النّبي ﷺ : «من صلّى خلف إمام، فإن قراءة الإمام له قراءة» (١)، وهو يشمل السرية والجهرية. وأما القياس: فهو أنه لو وجبت القراءة على المأموم، لما سقطت عن المسبوق، كسائر الأركان، فقاسوا قراءة المؤتم على قراءة المسبوق في حكم الصلاة، فتكون غير مشروعة. الرأي الثاني-للمالكية والشافعية والحنبلية: وهو وجوب قراءة الفاتحة بعينها في الصلاة للإمام والمنفرد، لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وحملوا النفي على نفي الحقيقة، لأن الأصل والأقوى أن النفي على العموم، أي لا صلاة صحيحة، ونفي الصحة أقرب إلى نفي الحقيقة. وقوله ﵊ أيضا: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» (٢)، ولفعله ﷺ كما روى مسلم، مع خبر البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي». قال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة، لكل أحد على العموم. وتتعين عند الشافعية قراءة الفاتحة، في كل ركعة، للإمام والمأموم والمنفرد، سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية، فرضا أم نفلا، لحديث:

стр. 58

«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، و حديث: «صلّى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف، قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم؟» قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: «لا تفعلوا إلاّ بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ فيها» (١)، فهو نص صريح خاص بقراءة المأموم، دال على فرضيتها، وظاهر النفي متجه إلى الإجزاء، أي لا تجزئ، وهو كالنفي للذات في المآل، وقراءة الفاتحة مستثناة من النص القرآني الآمر بالاستماع إلى القرآن والإنصات له. ورأى المالكية والحنابلة: أنه لا يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية، وإنما يستحب أن يقرأها في السرية، لأن الأمر القرآني بالاستماع والإنصات للقرآن خاص بالصلاة الجهرية، بدليل «أن النّبي ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: فإني أقول: ما لي أنازع القرآن، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر فيه من الصلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ » (٢). وهذا صريح في كراهة القراءة للمؤتم حالة الجهر. وأما دليلهم على استحباب القراءة في حالة السرّ: فهو قول النّبي ﷺ : «إذا أسررت بقراءتي فاقرءوا» (٣). ٣ - استحضار معاني الفاتحة: على المصلي أن يستحضر في صلاته كل معاني الفاتحة من كون الله أعظم من كل عظيم، وأكبر من كل شيء، وأن كل ثناء جميل هو لله تعالى استحقاقا وفعلا، من حيث إنه الرّب خالق العالمين ومدبّر جميع

стр. 59

أمورهم، وأنّ رحمة الله مقرونة بعظمته وملكه وسلطانه وتصرفه دون غيره يوم الحساب، فهو المستحق للعبادة وحده، ومنه وحده تطلب المعونة على العبادة وعلى جميع الشؤون، وهو سبحانه الدّال بتوفيقه ومعونته إلى طريق الخير والحق في العلم والعمل، وللمؤمن في مناجاته قدوة حسنة وهم أولئك الذين أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كما أن أمامه عبرة وعظة وهم الذين غضب الله عليهم بإيثارهم الباطل على الحق، وترجيحهم الشّر على الخير، والضّالون عن طريق الحق والخير بجهلهم، الذين ضلّ سعيهم في الحياة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فمصيرهم إلى جهنم وساءت مصيرا. وأما الذين جاءوا على فترة من الرّسل كأهل الفترة في عصر الجاهلية، فلا يكلفون في رأي الجمهور بشريعة، ولا يعذبون في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ٧]. وقال جماعة من العلماء: إنهم يكلّفون ويعذّبون، لأن العقل وحده كاف في التكليف، فمتى أوتيه الإنسان، وجب عليه النظر في ملكوت السموات والأرض، والتدبّر والتفكّر في خالق الكون، وما يجب له من عبادة وإجلال، بقدر ما يهديه عقله، ويصل إليه اجتهاده، وبذلك ينجو من العذاب. ٤ - قراءة غير العربي: أجمع الفقهاء على أنه لا تجزئ قراءة القرآن بغير العربية، ولا الإبدال بلفظها لفظا عربيا، سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن، لقوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢/ ١٢]، وقوله سبحانه: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥/ ٢٦]، ولأن القرآن معجزة بلفظه ومعناه، فإذا غيّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنا ولا مثله، وإنما يكون تفسيرا له، والتفسير غير المفسر، وليس هو مثل القرآن المعجز المتحدي بالإتيان بسورة مثله.

стр. 60

وأجاز القرطبي المالكي للعاجز عن العربية أن يذكر في موضع القراءة ما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله. وأجاز الكاساني لعاجز عن القراءة بالعربية أن يقرأ الفاتحة بغير العربية (١). ٥ - تأمين المصلي: يؤمن المنفرد اتّفاقا. وأما الإمام: فيؤمن سرّا عند أبي حنيفة وفي الراجح عند المالكية، لأنه دعاء. وروي عن مالك أنه قال: لا يؤمن وإنما يقول ذلك من خلفه، وقال الشافعية والحنابلة: يجهر الإمام بالتأمين في الصلاة الجهرية، كما بيّنا سابقا. وقال ابن العربي والقرطبي (٢): والصحيح تأمين الإمام جهرا، فإن ابن شهاب الزهري قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وفي البخاري: حتى إن للمسجد للجّة (٣) من قول الناس: آمين. وأما المأموم: فيؤمّن سرّا عند الحنفية والمالكية، وجهرا فيما يجهر فيه بالقراءة، ويخفيه فيما يخفي فيه القراءة عند الشافعية والحنابلة.

стр. 61

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة البقرة مدنيّة إلا آية ٢٨١ فنزلت بمنى في حجّة الوداع وآياتها مائتان وست وثمانون وهي أول سورة نزلت بالمدينة ما اشتملت عليه السورة: سورة البقرة أطول سورة في القرآن، وهي مدنية، قال عكرمة: «أول سورة أنزلت بالمدينة: سورة البقرة» (١). وتعنى كغيرها من السور المدنية بالتشريع المنظم لحياة المسلمين في المجتمع الجديد بالمدينة، مجتمع الدين والدولة معا، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإنما هما متلازمان تلازم الجسد والروح، لذا كان التشريع المدني قائما على تأصيل العقيدة الإسلامية، ومبدؤها الإيمان بالله، وبالغيب، وبأن مصدر القرآن هو الله ، والاعتقاد الجازم بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين، وبأن العمل الصالح ترجمان ذلك الإيمان، ويتمثل العمل بعقد صلة الإنسان مع ربه بواسطة الصلاة، وبتحقيق أصول التكافل الاجتماعي بواسطة الإنفاق في سبيل الله. ويقتضي تقرير العقيدة التحدث عن صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، لعقد مقارنة بين أهل النجاة وبين أهل الدمار والهلاك. كما يقتضي التحدث عن قدرة الله ، ببدء الخليقة وتكريم آدم أبي البشر بسجود الملائكة له، وترتيب المولى ما حدث معه وزوجه في الجنة، ثم الهبوط إلى الأرض.

стр. 62

واستوجب التحذير الإلهي للمؤمنين التحدث في هذه السورة بما يزيد عن ثلثها عن جرائم بني إسرائيل، من الآية ٤٧ - ١٢٣، فهم كفروا بنعمة الله، ولم يقدّروا نجاتهم من فرعون، وعبدوا العجل، وطالبوا موسى ﵇ بطلبات على سبيل العناد والمكابرة والتحدي، وبالرغم من تحقيق مطالبهم المادية كفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، ونقضوا العهود والمواثيق، فاستحقوا إنزال اللعنة وغضب الله عليهم، وجعلهم الله أذلاء منبوذين مطرودين من رحمته. ثم انتقلت السورة من خطاب أهل الكتاب إلى خطاب أهل القرآن، بالتذكير بما هو مشترك بين قوم موسى وقوم محمد ﵉ من نسب إبراهيم والاتفاق على فضله، واستئصال كل مزاعم الخلاف على القبلة، وبيان الأساس الأعظم للدين وهو توحيد الألوهية، بتخصيص الخالق بالعبودية، وشكر الإله على ما أنعم به من إباحة الاستمتاع بطيبات الرزق وإباحة المحرّمات حال الضرورة، وبيان أصول البرّ في آية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [في البقرة ١٧٧/ ٢]. ثم أوضحت السورة أصول التشريع الإسلامي للمؤمنين به، في نطاق العبادات والمعاملات، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد في سبيل الله وتنظيم أحكام القتال، واعتماد الأشهر القمرية في التوقيت الديني، والإنفاق في سبيل الله، لأنه وسيلة للوقاية من الهلاك، والوصية للوالدين والأقربين، وبيان مستحقي النفقات، ومعاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة، وتنظيم شؤون الأسرة في الزواج والطلاق والرضاع والعدة، والإيلاء من النساء، وعدم المؤاخذة بيمين اللغو، وتحريم السحر، والقتل بغير حق وإيجاب القصاص في القتلى، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الخمر والميسر والربا، وإتيان النساء في المحيض وفي غير مكان الحرث وإنجاب النسل، أي في الدبر.

стр. 63

وتضمنت السورة آية عظيمة في العقيدة والأسرار الإلهية، وهي آية الكرسي، وحذرت من يوم القيامة الرهيب في آخر ما نزل من القرآن، وهي آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٨١/ ٢]. وتضمنت هذه السورة أطول آية في القرآن هي آية الدّين، التي أبانت أحكام الدّين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال فيها، والرهان، ووجوب أداء الأمانة، وتحريم كتمان الشهادة. وختمت السورة بالتذكير بالتوبة والإنابة إلى الله، وبالدعاء العظيم المشتمل على طلب اليسر والسماحة، ورفع الحرج والأغلال والآصار، وطلب النصرة على الكفار. فالسورة كلها منهاج قويم للمؤمنين، ببيان أوصافهم، وأوصاف معارضيهم ومعاديهم من الكفار والمنافقين، وتوضيح مناهج التشريع في الحياة الخاصة والعامة، واللجوء في الخاتمة إلى الله والدعاء المستمر له في التثبيت على الإيمان، والإمداد بالإحسان والفضل الإلهي، وتحقيق النصر على أعداء الله والإنسانية. ومن توجيهات السورة أن مناط السعادة في الدنيا والآخرة هو اتباع الدين، وأصول الدين ثلاثة: هي الإيمان بالله ورسوله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح. والولاية العامة يجب أن تكون لأهل الإيمان والاستقامة، لكن الإكراه على الدين ممنوع. سبب التسمية: سميت هذه السورة «سورة البقرة» لاشتمالها على قصة البقرة، التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها، لاكتشاف قاتل إنسان، بأن يضربوا الميت بجزء منها،

стр. 64

فيحيا بإذن الله، ويخبرهم عن القاتل، والقصة تبدأ بالآية [(٦٧) من سورة البقرة] وهي قصة مثيرة فعلا، يعجب منها السامع، ويحرص على طلبها. فضلها: فضل هذه السورة عظيم، وثوابها جسيم، ويقال لها: «فسطاط القرآن» لعظمها وبهائها، وكثرة أحكامها ومواعظها، قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» (١) وقال أيضا: «اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» (٢) أي السحرة. وفي صحيح البستي عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن سورة البقرة، ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال، ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام». صفات المؤمنين وجزاء المتقين ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾

стр. 65

الإعراب: ﴿الم﴾ أحرف مقطعة مبنية غير معربة، وكذلك سائر حروف الهجاء في أوائل السور. ﴿ذلِكَ﴾ ذا: اسم إشارة مبني في موضع رفع، وهو إما مبتدأ و ﴿الْكِتابُ﴾ خبره، وإما خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هو ذلك الكتاب. و ﴿الْكِتابُ﴾ بدل من ذلك أو عطف بيان. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا: نافية للجنس، و ﴿رَيْبَ﴾ اسمها المنصوب. و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف خبر تقديره: كائن. ﴿هُدىً﴾ إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هو هدى، أو منصوب على أنه حال من «ذا» أو من ﴿الْكِتابُ﴾ أو من الضمير في ﴿فِيهِ﴾. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ إما بالجر صفة للمتقين أو بدل منهم، وإما بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً﴾ أو على أنه خبر مبتدأ مقدر، وتقديره هم الذين وإما بالنصب على تقدير «أعني» و ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صلته. ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً﴾ بالرفع على أنه مبتدأ، و ﴿عَلى هُدىً﴾ خبره، أو خبر ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ إذا جعل ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ. البلاغة: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ الإشارة بالبعيد عن القريب للتنبيه على علو شأنه. ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ مجاز مرسل أو عقلي، أسند الهداية للقرآن، لأنه سبب الهداية، والهادي في الحقيقة هو الله تعالى. ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً﴾ ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ للعناية بشأن المتقين. ﴿رَبِّهِمْ﴾ للحصر فيهم (١). المفردات اللغوية: ﴿الْكِتابُ﴾ القرآن العظيم. ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ قال عامة المفسرين: تأويل قول الله تعالى: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾: هذا الكتاب ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك في أنه من عند الله ﴿هُدىً﴾ هداية ورشاد ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين وقوا أنفسهم مما يضرها، فالتزموا الأوامر الإلهية وتجنبوا النواهي والمحظورات.

стр. 66

﴿يُؤْمِنُونَ﴾ الإيمان: هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها، ويدل عليه العمل. و ﴿بِالْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الإنسان من حساب وجزاء وجنة ونار وغيرها. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الإتيان بها مستكملة شروطها وأركانها. ﴿يُوقِنُونَ﴾ اليقين: هو الاعتقاد الذي لا يقبل الشك، وهو حقيقة العلم. التفسير والبيان معنى البسملة إعلان بأن جميع ما في السورة من الله تعالى، لا من إنسان، أنزلها برحمته لهداية الناس إلى ما فيه الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. وهي لا شك آية من القرآن بإجماع الصحابة الذين حرصوا عند جمع المصحف ألا يكتبوا فيه أي شيء من غير القرآن. وقد استفتح الله هذه السورة بالحروف المقطعة، تنبيها لوصف القرآن وإشارة إلى إعجازه، وتحديا دائما على الإتيان بأقصر سورة من مثله، وإثباتا قاطعا إلى أنه كلام الله الذي لا يضارعه شيء من كلام البشر، فكأن الله يقول للعرب الذين نزل القرآن بلغتهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله، مع أنه كلام عربي، مركب من الحروف الهجائية التي ينطق بها كل عربي، ومع ذلك عجزتم عن مجاراته. هذا هو رأي المحققين من العلماء الذين قالوا: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها، بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها (١). قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون

стр. 67

أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن (١). ومما يدل على كون ﴿الم﴾ مكونة من الحروف المقطعة: قول النّبي ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٢). ثم وصف الله تعالى القرآن بأوصاف ثلاثة: الأول-أنه الكتاب الكامل في كل ما اشتمل عليه من معان ومقاصد وقصص وعبر وتشريعات غير قابلة للنقض. والثاني-أنه لا شك في كونه حقا من عند الله، لمن أمعن النظر وأصغى بقلبه. والثالث-أنه مصدر هداية وإرشاد للمؤمنين المتقين، الذين يتقون عذاب الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهم المنتفعون به. ثم أبان الله تعالى أربع صفات للمتقين الذين ينتفعون بالقرآن، وهم الذين يؤمنون ويصدقون بالغيبيات التي أخبر عنها القرآن من البعث والحساب والصراط والجنة والنار وغيرها، فلا يقفون عند مجرد الماديات والمحسوسات التي يدركها العقل إدراكا قريبا، وإنما يدركون أيضا ما وراء المادة من عوالم أخرى كالروح والجن والملائكة، وعلى رأسها وجود الله ووحدانيته. ثم يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها وآدابها وخشوعها،

стр. 68

فالصلاة بدون خشوع وتأمل في المقروء فيها وتدبر للمعاني القرآنية وخشية لله جسم بلا روح. ثم ينفقون في وجوه البر والإحسان من الأموال كالزكاة والصدقة وسائر النفقات الواجبة شرعا، فيتحقق الرخاء لجميع الناس، وتتطهر الأموال مما شابها من شبهات، ويكتمل البناء المنشود شرعا: بناء الفرد بالصلاة التي هي عماد الدين، وبناء المجتمع بالزكاة وتوابعها التي هي أساس التقدم ورقي الحياة وسعادة الأمة. فالآية عامة في كل غيب أخبر به الرسول ﷺ أنه كائن، وعام في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا، وعام في كل نفقة. ثم إن أولئك المتقين هم الذين يصدقون بجميع ما أنزل على النّبي محمد ﷺ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ويصدقون أيضا تصديقا جازما لا شك فيه بالآخرة وما تضمه من بعث الأجساد والأرواح معا من القبور، وحساب وجزاء وميزان وصراط وجنة ونار. وهؤلاء الموصوفون بما ذكر من الإيمان الحق بالغيب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بالقرآن وبالكتب المنزلة قبله (وهي التوراة والإنجيل والزبور والصحف)، هم على نور وهداية من ربهم، وعلى منزلة عالية عند الله، وهم الفائزون بالدرجات العالية في جنات الخلود. فقه الحياة أو الأحكام: هذه صفات المؤمنين ومنهاجهم وقانونهم في الحياة الإسلامية: إيمان شامل كامل بكل ما غاب علمه عنهم، كذات الله تعالى وملائكته والدار الآخرة، مما أخبر عنه القرآن العظيم وأرشد إليه الدليل السليم، والإيمان مقرون بالعمل الصالح: وهو إقامة الصلاة المفروضة، والإنفاق في سبيل الله في الجهاد، وعون

стр. 69

الفقراء والمساكين وصدقة التطوع، والنفقة الواجبة على الأهل والولد وذي القربى. ولا يتجزأ الإيمان بما أنزل الله، فلا بد من الإيمان التفصيلي بكل ما أنزله الله تعالى في القرآن، والإيمان الإجمالي بالكتب والصحف السماوية السابقة، هذا مع العلم بأنه لا يعتد بما دون اليقين في الإيمان. وأرشدت الآيات إلى أن التقوى: وهي الخوف من المخالفة، فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء. فمن اتصف بأوصاف المؤمنين المذكورة، كان القرآن هدى له، أي أنه إمامه في أعماله وأحواله، لا يحيد عن نهجه، وقد ضمن لنفسه النجاة في عالم الآخرة، والسعادة والطمأنينة في الدنيا. والمشار إليه عند الجمهور وهم المؤمنون واحد، وكرر الإشارة للإعلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى، وأنهم هم المفلحون. قال مجاهد: في أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين. صفات الكافرين ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ الإعراب: ﴿سَواءٌ﴾ إما مبتدأ، وخبره: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ.﴾.، أو خبر ﴿إِنَّ﴾ وما بعده، والتقدير فيه: إن الذين كفروا مستو عليهم الإنذار وتركه. وإنما وحّد ﴿سَمْعِهِمْ﴾ ولم يجمعه

стр. 70

ك ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ و ﴿أَبْصارِهِمْ﴾ إما لأن السمع مصدر، والمصدر: اسم جنس يقع على القليل والكثير، أو على تقدير مضاف بلفظ الجمع، أي مواضع سمعهم، أو اكتفاء باللفظ المفرد لما أضافه إلى الجمع، وهو يفيد العموم، والمراد به الجمع. البلاغة: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ.﴾. فيه التيئيس من إيمان الكفار، بسبب عدم استعدادهم للإيمان. ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ استعارة تصريحية، شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق بالوعاء المختوم عليه، واستعارة لفظ الختم بطريق الاستعارة التصريحية، للتصريح بلفظ المشبه به وحذف المشبه وأداة التشبيه ووجه الشبه. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾: التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ثم وصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حدّ العظمة كمّا وكيفا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان. المفردات اللغوية: الكفر: ستر الشيء وتغطيته، ومن كفر فقد غطى الحقيقة وستر نعم الله عليه، وكل من لم يؤمن بالقرآن فهو كافر. ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الإنذار: الاعلام مع التخويف. ﴿خَتَمَ اللهُ﴾ طبع الله عليها بالخاتم، والمراد: أغلقت قلوبهم، فلا يدخلها إيمان ونور. ﴿غِشاوَةٌ﴾ غطاء وستر، والمقصود: التعامي عن النظر إلى آيات الله. المناسبة وسبب النزول: أتبع الله تعالى هذه الآية بعد بيان أحوال المؤمنين، لعقد مقارنة بين أهل الإيمان وبين أهل الكفر، لأن الكفر ضد الإيمان، والمؤمنون ناجون، والكفار هالكون خالدون في نار جهنم. وسبب النزول في أصح الروايات: ما أخرجه الطبري عن ابن عباس والكلبي أن هاتين الآيتين نزلتا في رؤساء اليهود، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما (١).

стр. 71

التفسير والبيان: إن الذين كفروا وجحدوا بآيات الله وكذبوا بالقرآن، وبمحمد ﷺ يستوي عندهم الإنذار وعدمه، فلا تتأثر قلوبهم به، لأنها مغلقة لا يصل إليها النور الإلهي، ولا يشرق فيها إيمان، بسبب تعاميهم عن الحق وآيات الله، فلا ينفذ إليها أثر الهداية والموعظة، ولأنهم عطلوا وسائل المعرفة والنظر والتفكير وإعمال السمع والبصر، فأصبحوا يرون الحق فلا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه، فكان جزاؤهم عذابا عظيما شديدا لا ينقطع، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: في هاتين الآيتين تسلية للنّبي ﷺ عن تكذيب قومه له، فلا تحسّر عليهم، ولا طمع في إيمانهم، ولا لوم عليه فيهم. والختم على القلوب بمعنى عدم وعي الحق، وإلقاء الغشاوة على المسامع والأبصار: بمعنى عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم، أو بمعنى عدم نظرهم في مخلوقات الله، أو بمعنى أنهم دعوا إلى وحدانية الله فلم يؤمنوا، وكل ذلك إنما كان بسبب كفرهم وجحودهم، لا بسبب في القرآن أو تقصير من محمد أو أحد بعده في هدايتهم، فهم المتسببون لكل ذلك، المعرضون عن استخدام وسائط المعرفة السليمة في اعتقاد الحق والعمل به. فدلّ تعبير الختم والطبع على القلوب والأسماع والأبصار على تمكّن الكفر في قلوبهم، حتى فقدوا الدّواعي والأسباب التي ترشدهم إلى النظر والتفكّر في أدلّة الإيمان ومحاسنه، وأصبحوا في هيئة أو عادة تألف الجحود والعصيان. وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى أسماعهم وأبصارهم إلى الله تعالى، تنبيها على سنة الله في أمثالهم، لا على أنهم مجبورون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إياهم من الإيمان بالقهر، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرّسهم على الكفر وإعماله في قلوبهم،

стр. 72

بأنه استحوذ عليها وملك أمرها، حتى لم يعد فيها استعداد لغيره، وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن خذله وأمدّ له في ضلاله، إذ لم يمنعه حقا وجب له، فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم. ويوضحه آيتان أخريان هما: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ، فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٨٨/ ٢]، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت ٤/ ٤١ - ٥]، فهم باستكبارهم وعنادهم لا يخرجون عن سلطان الله، وأن الله سبحانه خالق كل شيء من الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والإنسان هو الذي يختار أحد المنهجين. صفات المنافقين -١ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ الإعراب: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ وحد الضمير في الفعل مراعاة للفظ «من» وتجوز مراعاة المعنى، فيجمع. ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ أي نبيّ الله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ الباء تتعلق بفعل مقدّر، أي استقر لهم. و «ما» مع الفعل بعدها في تقدير المصدر، أي بكونهم يكذبون.

стр. 73

البلاغة: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ المتبادر أن يقال: «وما آمنوا» ليطابق قوله ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنّا﴾ ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم، لإخراجهم من عداد المؤمنين، وأكده بالباء مبالغة في تكذيبهم. ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه حالهم مع ربهم في إظهار الإيمان وإخفاء الكفر بحال رعية تخادع سلطانها، وأستعير المشبه به للمشبه بطريق الاستعارة. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كناية، كنّى بالمرض في القلب عن النفاق، لأن المرض فساد للجسد، والنفاق فساد للقلب. المفردات اللغوية: ﴿بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. والنفاق: اسم شرعي جعل سمة لمن يظهر الإيمان ويسرّ الكفر. ﴿يُخادِعُونَ﴾ يعملون عمل المخادع، والخداع: صرف الغير عما يقصده بحيلة، والمراد هنا: إظهار الإسلام وإضمار الكفر. ﴿مَرَضٌ﴾ المرض: العلة، والمراد هنا شك ونفاق وتكذيب وجحود. ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾: شكّا. التفسير والبيان: هؤلاء هم الصنف الثالث من الناس، وقد وصف الله حال الذين كفروا في آيتين، وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، ودعاهم صمّا بكما عميا، وضرب لهم الأمثال، فهم أشدّ خطرا على الإسلام من الكفار صراحة. ولا تقتصر أوصاف المنافقين على المعاصرين للنّبي ﷺ فقط، بل في كل عصر إذا وجدت صفاتهم. وأول هذه الصفات النطق بالإيمان باللسان، وامتلاء القلب بالكفر والضلال. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين في عصر النّبوة، وكان

стр. 74

أكثر أصحابه من اليهود، وكانوا يدّعون الإيمان، فردّ الله عليهم دعواهم، وأنهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين، وإن تظاهروا به، ولا شكّ أنهم بهذا في صورة المخادعين لله، والله يعلم عنهم ذلك، فهم أشد ضررا من الكفار، ولهم في الآخرة عذاب أليم بسبب كذبهم في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر. ونظرا لقصور عقولهم تصوّروا أنهم يخدعون الله تعالى، وهو منزّه عن ذلك، فإنه لا يخفى عليه شيء، وهذا دليل على أنهم لم يعرفوه، ولو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع، وليس خداعهم إلا وبالا عليهم، والله قادر على كشف أمرهم للمسلمين. ومع كل ذلك يأمر الله بإجراء أحكام الإسلام عليهم، كأنه يخادعهم، على سبيل المشاكلة والمحاكاة والمشابهة لفعلهم، وكأن المسلمين حيث امتثلوا أمر الله فيهم مخادعون لهم، من باب التشبيه والتمثيل، للإشارة إلى أن المنافقين هم الخادعون المخدوعون. والصحيح-كما قال ابن العربي (١) -أن النّبي ﷺ لم يقتلهم وأعرض عنهم لمصلحة تألف القلوب عليه، ومخافة من سوء المقالة الموجبة للتنفير، لئلا تنفر عنه القلوب، وقد أشار هو ﷺ إلى هذا المعنى، فقال: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه» وهذا كما كان يعطي الصدقة للمؤلفة قلوبهم، مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا لهم. فقه الحياة أو الأحكام: إن النفاق مرض خطير، وإن المنافقين شوكة مؤذية تطعن المجتمع من الداخل، وكان المتبادر إلى الذهن في تقديرنا أن تستأصل شأفة النفاق

стр. 75

والمنافقين، حتى ترتاح الدولة منهم، وكذلك تفعل الدول الآن، إلا أن للوحي الإلهي والتشريع السماوي حكمة عميقة الأثر، بعيدة المدى، تنتظر أحداث المستقبل، ليظهر للناس قصور علمهم أمام سعة العلم الإلهي، فكثيرا ما لاقى النّبي ﷺ الأذى من المنافقين ولكنه انتصر في النهاية عليهم، ولعل ذلك من أصدق البراهين التاريخية على أن النفاق واليهودية شيئان متلازمان: لأنه ينشأ عن جبن حقيقي ولؤم طبعي، فالمنافق يلتوي مع الناس في أقواله وأفعاله، ويظهر النعومة، ولكنها السّم الزعاف في الدسم. وتشير الآيات إلى أن الكذب هو شعار المنافقين، لذا حذر الله المؤمنين منه أشد التحذير، فما فشا في أمة إلا كثرت فيها الجرائم، وشاعت فيها الرذائل، قال النّبي ﷺ : «إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان» (١). وإذا كان الكذب شعار المنافقين، فإن الصراحة في القول، والجرأة في العمل الموافق للاعتقاد شعار المؤمنين الصادقين، الذين يستحقون كل تكريم، فتكون العظة بإيراد صفات المنافقين أشد أثرا، وأحكم أمرا للمؤمنين أنفسهم، إذ امتازوا بالثبات على الحق، وظل المنافقون في نفاقهم وزاد تمسكهم بما هم عليه، وأبوا الإيمان، وأعرضوا عن القرآن، وازداد مرض قلوبهم، وتحرقت نفوسهم بعد ما جاءهم البشير النذير، وعلا مجده وكثر أتباعه، على ما فاتهم من الزعامة، وحسدا للنّبي ﷺ وصحبه.
следующие страницы →