تخامر العقل. وإذا كانت اللغة لا تثبت قياسا فإن الصحابة فهموا مدلول «الخمر» وهم أدرى باللغة والقرآن، وأنها تطلق على كل مسكر من عنب وزبيب وتمر وذرة وشعير وغيره.
وأما السنة: فقد ورد فيها أحاديث كثيرة تحرم قطعا كل مسكر، منها الحديث المتواتر الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن ستة عشر صحابيا كعمر وابن عمر وغيرهما: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» والحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن جابر، وأحمد والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».
والحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة:
«الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة» والحديث الذي رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن النعمان بن بشير: «إن من العنب خمرا، وإن من العسل خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن الحنطة خمرا، ومن التمر خمرا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر».
فصريح هذه الأحاديث الصحيحة يدل على أن الأنبذة تسمى خمرا، لأنها مسكرة، فتكون حراما، ويدل على حرمتها قليلها وكثيرها ما
أخرجه البخاري عن عائشة قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن البتع (نبيذ العسل) وعن نبيذ العسل، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام».
والراجح قول أهل الحجاز (الفريق الثاني)، لأن الصحابة لما سمعوا تحريم الخمر، فهموا منه تحريم الأنبذة، وهم كانوا أعرف الناس بلغة العرب ومراد الشارع، وقد ثبت ذلك من حديث أنس قال: «كنت ساقي القوم حيث حرمت الخمر في منزل أبي طلحة، وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيخ-نقيع البسر- فحين سمعوا تحريم الخمر، أحرقوا الأواني وكسروها» وأثبت المؤرخون أنه كان
стр. 597
تحريم الخمر في المدينة، وكان المشروب نبيذ البر والتمر.
وقد اتفق العراقيون مع الحجازيين على أن الله حرم من عصير العنب الكثير للسكر، والقليل، لأنه ذريعة إلى الكثير، فوجب أن يكون كذلك في سائر الأنبذة حيث لا فرق.
وأما أضرار الخمر فكثيرة مادية ومعنوية أشارت إليها الآية القرآنية: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة ٩١/ ٥] وجمع الحديث النّبوي الصحيح مضارها، وهو الذي رواه الطبراني عن ابن عمر: «الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وعمته وخالته».
ومضارها تشمل البدن والنفس والعقل والمال وتعامل الناس بعضهم مع بعض، من ذلك:
١ - مضارها الصحية:
إفساد كل أعضاء جهاز الهضم، وفقد شهوة الطعام، وجحوظ العينين، وعظم البطن بسبب اتساع المعدة، وتشمع الكبد، ومرض الكلى، وداء السل، وتعجل الشيخوخة أو إسراع الهرم، بسبب تصلب الشرايين، وإضعاف النسل أو انقطاعه، فولد السكير يكون هزيلا ضعيف العقل.
٢ - مضارها العقلية:
إنها تضعف القوى العقلية، لتأثيرها في الجملة العصبية، وقد تؤدي إلى الجنون.
٣ - مضارها المالية:
تبدد الثروة وتتلف المال، وتؤدي إلى إهمال واجب النفقة على الزوجة والأولاد.
٤ - مضارها الاجتماعية:
وقوع النزاع والخصام بين السكارى بعضهم مع
стр. 598
بعض، وبينهم وبين الناس الآخرين، وكثيرا ما تقع حوادث قتل وضرب وجرح من السكارى وعليهم.
٥ - مضارها الأدبية:
يصبح السكران ذليلا مهينا وموضع هزء وسخرية وضحك وتهكم، لاضطراب كلامه وهيئته وحركاته. ويتجرأ السكران على القذف والشتم والسب والزنى والقتل، لذا سميت الخمر (أم الخبائث).
٦ - مضارها العامة:
إفشاء الأسرار، فكثيرا ما تسربت أخبار الدولة الخطيرة إلى الجواسيس على موائد السكر (١).
٧ - مضارها الدينية:
لا تتأدى من السكران عبادة صحيحة، ولا سيما الصلاة التي هي عماد الدين، فالخمر تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وبقية الواجبات الدينية، لأن السكران لا يهمه إلا معاقرة الخمر، والانقياد للأهواء والشهوات، ويصبح ضعيف الإرادة، خاملا كسولا، بل لا يستطيع الامتناع عن السكر بسهولة بسبب الإدمان، ومخالطة الكحول الدم، فيصبح المدمن متعطشا لتناول الشراب المسكر قهرا عنه ودون إرادة.
والخلاصة: إن الخمر أم الخبائث، فهي وسيلة إلى كل منكر وقبيح، روى النسائي عن عثمان ﵁ أنه قال: «اجتنبوا الخمر، فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن قبلكم متعبد، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسا، فسقته كأسا، فقال:
стр. 599
زيدوني، فزادوه، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه».
الميسر أو القمار وأضراره:
الميسر: إما من اليسر كما بينا، أو من يسرت الشيء: إذا جزأته، ويطلق على الجزور، لأنه موضع التجزئة، والميسر الذي ذكره الله وحرمه: هو ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا، ثم أطلق على النرد وكل ما فيه قمار.
وكيفية الميسر عند العرب كما بينا: أنه كانت لهم عشرة قداح، وتسمى الأزلام والأقلام أيضا (١)، وأسماؤها: الفذّ، والتّوأم، والرقيب، والحلس، والمسبل، والمعلّى، والنّافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزءونها، إما عشرة أجزاء، أو ثمانية وعشرين جزءا، ولا شيء للثلاثة الأخيرة، فكانوا يعطون للفذ سهما، وللتوأم سهمين، وللرقيب سهمين، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وهو أعلاها (٢).
وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الرّبابة، وهي الخريطة (الكيس) توضع على يد عدل، يجلجلها، ويدخل يده، ويخرج منها واحدا باسم رجل، ثم واحدا باسم رجل آخر، وهكذا، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء، أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له، لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها شيئا، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم أي الوغد: اللئيم عديم المروءة (٣)، كما بينا سابقا.
стр. 600
وللقمار أضرار كثيرة: منها: أنه يورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله، كالخمر، كما أبان القرآن.
ومنها إفساد التربية، بتعويد النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال الياسرين (المقامرين) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي أركان العمران.
ومنها وهو أشهرها: إفلاس المقامر وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من ثروة بددت في ليلة من الليالي، وأصبح المقامر في عداد الفقراء.
إنفاق الزائد عن الحاجة (العفو):
ويسألونك يا محمد عن مقدار ما ينفقه المسلم، امتثالا لقوله تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢]، فقل لهم: ينفقون العفو، أي الفضل (ما فضل) الزائد عن الحاجة، فأنفقوا ما فضل عن حاجتكم، ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه، وتضيعوا أنفسكم.
كذلك (١): أي وكما بين لكم ما ذكر (أي مثل ذلك البيان السابق في تحريم الخمر والميسر ووجوب إنفاق الزائد عن الحاجة) يبين الله لكم الأحكام والآيات الواضحات في سائر كتابه، فيما يحقق مصالحكم ومنافعكم، ويوجهكم لما فيه من نفع وضر. والحكمة من شرع هذه الأحكام: هي لتتفكروا بعين البصر والوعي في أمور الدنيا والآخرة، فتعلموا زوال الأولى وحقارتها، وبقاء الثانية وجلالها، أو
стр. 601
لتحسبوا من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا، وتنفقوا الباقي فيما ينفعكم في العقبى.
وقد ورد في معنى الآية أحاديث كثيرة: منها ما
روى ابن جرير الطبري عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله ﷺ رجل ببيضة من ذهب، أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه صدقة، فو الله، ما أصبحت أملك غيرها، فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فقال: هاتها مغضبا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابته شجته أو عقرته. ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى» وروي عن النّبي ﷺ أنه قال: ارضخ (١) من الفضل، وابدأ بمن تعول، ولا تلام على كفاف» وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول».
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ -فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي-: «إذا كان أحدكم فقيرا، فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل، فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك، فليتصدق على غيره».
والأصح أن هذه الآية ثابتة الحكم غير منسوخة، فليس في الآية ما يدل على وجوب إنفاق الفضل، بل الآية نزلت جوابا لمن سألوا ماذا ينفقون نفقة تطوع، لا زكاة مفروضة، فبين لهم ما فيه الله رضا من الصدقات.
فقه الحياة أو الأحكام:
يحرم كل ما يسكر، قليلا كان أو كثيرا، سواء أكان من عصير العنب أم من
стр. 602
غيره، ويجب الحد في تناوله، ولا فرق بين المسكرات التي كانت في الماضي والمسكرات ذات التسميات الحديثة المتخذة من التفاح أو البصل أو غيرهما، فكل مادة مسكرة تذهب العقل وتضيع الصحة والمال، وتقضي على الكرامة الشخصية، فهي حرام كالخمر، لوجود علة الإسكار فيها، وبالأولى ما هو أفتك منها وأشد كبعض السموم التي تؤخذ حقنا تحت الجلد، أو شمّا بالأنف كالمورفين والكوكايين والهيروين.
ومن خصائص التشريع الإسلامي ومزاياه الطيبة أنه لم يوجب على المسلمين الشرائع دفعة واحدة، ولكن تدرج بهم، وأوجب عليهم مرة بعد مرة تكريما لهذه الأمة وبرا بها، وهذا هو مبدأ التدرج في التشريع، وقد جاء تحريم الخمر والربا على هذا النحو.
وكل لعب فيه غرم بلا عوض، وفيه استيلاء على أموال الناس بغير حق ولا جهد معقول فهو حرام، فالميسر أو القمار ولعب الموائد والسباق على عوض من أحد المتسابقين يغرمه للآخر الفائز، وأوراق اليانصيب، كل ذلك حرام، لما فيه من المتسابقين يغرمه للآخر الفائز، وأوراق اليانصيب، كل ذلك حرام، لما فيه من إضاعة المال أو الكسب من غير طريق شرعي، ولاشتماله على أضرار كثيرة مدمرة للجماعة والأفراد.
روي عن أبي موسى عن النّبي ﷺ قال: «اجتنبوا هذه الكعاب الموسوسة التي يزجر بها زجرا، فإنها من الميسر».
وقال ﵊ أيضا-فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي موسى-: «من لعب بالنرد، فقد عصى الله ورسوله».
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وآخرون من الصحابة والتابعين: كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب (١)، إلا ما أبيح من الرّهان في الخيل، والقرعة في إفراز الحقوق، بأن
стр. 603
يكون العوض أو المكافأة من شخص ثالث كالدولة أو بعض الأغنياء، أو من أحد المتسابقين دون أن يلتزم الآخر بشيء إذا خسر.
وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو: النّرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه.
وذكر العلماء: أن المخاطرة (المراهنة) من القمار، قال ابن عباس: المخاطرة قمار، وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة، وقد كان ذلك مباحا، إلى أن ورد تحريمه، وقد خاطر أبو بكر المشركين، حين نزلت:
﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١/ ٣٠] وخسر الرهان،
فقال له النّبي ﷺ : «زد في الخطر، وأبعد في الأجل» ثم حظر ذلك ونسخ بتحريم القمار.
وأما ما يسمى باليانصيب الخيري لمواساة الفقراء ورعاية الأيتام وأولي العاهات، أو لبناء المدارس والملاجئ والمشافي وغيرها من أعمال البر والصالح العام، فهو حرام أيضا، لأن هذه الأعمال، وإن كانت معتبرة في الشريعة، ولكن الطريق إليها حرام، لأن الحرام في ذاته كالرشوة وشهادة الزور لا يجوز اللجوء إليه للوصول إلى الحلال، ولا ينتج عن العصيان طاعة كما
قال ﵊ في الحديث الصحيح: «إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبا».
وقد حرّم الشرع الميسر الذي كان عليه عرب الجاهلية، وإن كانوا يطعمون الأنصباء الفقراء، ولا يأكلون منها شيئا.
وكون اليانصيب غير الخيري لا يؤدي إلى ضرر العداوة والبغضاء، لعدم معرفة الرابح من قبل الخاسرين، خلافا لميسر العرب وقمار الموائد، لا يسوغ القول بالجواز، لأن فيه مضار القمار الأخرى وأهمها: أنه طريق لأكل أموال
стр. 604
الناس بالباطل، أي بغير عوض حقيقي من عين أو منفعة، وهذا محرم بنص القرآن.
والادعاء بأن في ميدان اليانصيب قد سمح المشتركون للرابح بأموالهم وخرجوا له عن طيب أنفسهم: غير صحيح، لأن التراضي لا وجود له في الحقيقة، وكل من يدفع ثمن بطاقة يحلم بالربح، وهو في حال الخسران يحقد على الرابحين.
والرضا المعتبر هو في العقود والمعاملات بشرط خلوة من العيوب، وبخاصة الإكراه في أي صورة، سواء أكان ماديا أم معنويا. والرضا في اليانصيب رضا قسري، كالرضا الحاصل في الربا والرشوة، والرضا شرعا لا يعتبر إلا إذا كان في حدود الشرع.
ويمكن تحقيق المقصد الخيري لليانصيب من أجل الصالح العام بطريق فرض ضرائب على أموال الأغنياء، وتؤخذ بدون مقابل، لسد حاجة البلاد، وفقا لقاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام» أو يستدين الحاكم من الأغنياء إذا كان هناك احتمال امتلاء الخزينة.
وإن وجود بعض المنافع التجارية أو اللذة والطرب في الخمر، أو مواساة الفقراء في الميسر أو سرور الرابح وصيرورته غنيا بدون تعب، لا يمنع تحريمهما، لأن المعول عليه في التحريم أو الحظر غلبة المضار على المنافع، والإثم أكبر من النفع في الدنيا نفسها، وأعود بالضرر في الآخرة، فالإثم بعد التحريم، والمنافع قبل التحريم.
وأما نفقة التطوع: فهي الزائدة عن الحاجة وهي العفو، وقد كان السؤال في هذه الآية عن قدر الإنفاق، أما السؤال في الآية المتقدمة التي نزلت في شأن عمرو بن الجموح فكان عن الجهة التي تصرف إليها: «قل: ما أنفقتم من خير فللوالدين..».
стр. 605
والعفو: ما سهل وتيسر وفضل، ولم يشق على القلب إخراجه، ويكون المعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم، فتكونوا عالة.
وأما حكمة إطلاق الأمر بالنفقة في مبدأ الإسلام: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢] فلأن المسلمين كانوا في الماضي فئة قليلة تحتاج إلى التضامن والتعاون فيما بينها لتحقيق المصلحة العامة، ولأن الإنفاق ينبغي فيه أن يحقق الكفاية، سواء كان لإغناء الفقراء، أو لصد الأعداء. فلما كثر المسلمون، وتحقق ما يكفي الصالح العام، ظهرت الحاجة إلى تقييد الإنفاق، لذا سأل المسلمون: ماذا ينفقون؟ فأجيبوا بأنهم ينفقون الفضل والزيادة عن حاجة من يعولونهم.
وأرشد قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ وما تلاه بعدئذ: ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ في الآية التالية إلى ضرورة استخدام الفكر، وتنمية دائرة التفكير، واستعمال العقل في مصالح الدارين معا. لذا قال علماؤنا: إن تعلم ما تحتاج إليه الأمة في معايشها من الفنون والصناعة والزراعة والتجارة وشؤون الحرب والدفاع من الفروض الدينية الكفائية، إذا أهملها الكل أثموا.
الولاية على مال اليتيم
﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾
الإعراب:
﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور في موضع نصب، متعلق إما بفعل: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الآية السابقة أو بفعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾، وتقدير: يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة، لعلكم
стр. 606
تتفكرون ﴿إِصْلاحٌ﴾ مبتدأ، وهو نكرة ساغ الابتداء به لتقييده بالمجرور الذي هو: ﴿لَهُمْ﴾، و ﴿خَيْرٌ﴾: خبر إصلاح.
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ الألف واللام فيهما للجنس، لا للمعهود، أي يعلم هذين الصنفين، كقولهم: الرجل خير من المرأة، أي جنس الرجال خير من جنس النساء.
البلاغة:
﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ فيه التفات من غيبة إلى خطاب لأن قبله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ والحكمة من الالتفات: أن يتهيأ المخاطب لسماع ما يلقى إليه وقبوله والتحرز فيه.
﴿الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فيه من علم البديع ما يسمى: الطباق.
المفردات اللغوية:
﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي في أمر الدنيا والآخرة، فتأخذوا بالأصلح لكم فيهما، والجار والمجرور متعلق بفعل: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الآية السابقة، أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين، فتأخذون بما هو أصلح لكم.
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ أي عن الإشراف على اليتامى وكفالتهم وما يلقونه من الحرج في شأنهم، فإن واكلوهم أثموا، وإن عزلوا ما لهم عن أموالهم وصنعوا لهم طعاما وحدهم، فحرج. واليتيم:
من فقد أباه ﴿قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ﴾ في أموالهم بتنميتها خير من ترك ذلك.
﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ تخلطوا أموالكم بأموالهم ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيق عليكم بتحريم المخالطة، والعنت: المشقة والإحراج ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت:
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢/ ٦] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى﴾ الآية [النساء ١٠/ ٤]، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه،
стр. 607
فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ الآية.
قال الضحاك والسدي: سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يتحرجون من مخالطة اليتامى في مأكل ومشرب وغيرهما.
المناسبة:
الحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق والسؤال عن الخمر والميسر: هي التذكير بطائفة من الناس هي أحق بالإنفاق عليها لإصلاحها وتربيتها، وهي جماعة اليتامى، فينفق عليها من العفو الزائد عن الحاجة.
التفسير والبيان:
ويسألونك عن مخالطة اليتامى والقيام بأمرهم، هل يخالطونهم أو يجعلون أموالهم مستقلة؟ فأجابهم تعالى: قصد إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ خير من اعتزالهم، فإن كان في مخالطتهم إصلاح لهم ومنفعة، فذلك خير، فهم إخوانكم في الدين والنسب، والأخ يخالط أخاه ويداخله ولا حرج في ذلك، وإن كان في عزل بعض أموالهم كالنقود إصلاح لأموالهم، فهو خير، فعليكم أن تراعوا المصلحة فيهم، وأن تحسنوا النظر في أموالهم.
فكانت هذه الآية إذنا في المخالطة مع صحة القصد، لا أن يقصد الولي نفع نفسه بهذه الخلطة ويضر اليتيم، ولا يقبل أن تكون مخالطتهم ذريعة إلى أكل أموالهم بغير حق، فالله سبحانه يعلم المحسن والمسيء وكل ما تضمره النفوس.
وجملة: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ معناها التحذير، أخبر تعالى فيها أنه عالم بالذي يفسد من الذي يصلح، والمعنى: أنه يجازي كلا منهما على الوصف الذي قام به، وكثيرا ما ينسب العلم إلى الله تعالى على سبيل التحذير.
стр. 608
ولو شاء الله أن يضيق عليكم ويشدد بأن يوجب الاعتزال وعزل أموال اليتامى عن أموالكم، لفعل ذلك، ولكنه ينظر للمصلحتين: مصلحة اليتيم، ومصلحة التيسير ودفع الحرج، فشأنه تعالى الأخذ باليسر، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢] وقال: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢].
وهو تعالى القوي الذي لا يغلب، فهو قادر على أن يكلف بالشاق من الأعمال، ولكنه حكيم في صنعه لا يكلف إلا ما فيه الطاقة كما قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآية على جواز التصرف في أموال اليتامى على وجه الإصلاح، فيجوز لولي اليتيم أن يتاجر بأموال اليتامى بيعا وشراء ومضاربة وقسمة وأن يكون الولي نفسه هو المضارب.
وأن يخلط ماله بماله إذا توافر الصلاح ومراقبة الله في الأعمال، وبعد عن الفساد والإفساد، خلافا لما عليه أكثر الأوصياء على اليتامى.
قال الجصاص الرازي: دل قوله: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ على إباحة خلط ماله بماله، والتصرف فيه في الصهر والمناكحة، وأن يزوجه بنته، أو يزوج اليتيمة بعض ولده، فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله، واختلط هو بهم، والدليل: هو إطلاق لفظ المخالطة.
وإذا كانت الآية قد دلت على جواز خلط مال اليتيم بماله في مقدار ما يغلب في ظنه أن اليتيم يأكله، على ما روي عن ابن عباس، فقد دلت على جواز المناهدة (١) التي يفعلها الناس في الأسفار، فيخرج كل واحد منهم شيئا معلوما،
стр. 609
فيخلطونه، ثم ينفقونه، وقد يختلف أكل الناس. ويدل لجواز المناهدة أيضا قوله تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ [الكهف ١٩/ ١٨] فكان الورق (الفضة) لهم جميعا بقوله:
﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ فأضافه إلى الجماعة، وأمر أحدهم بالشراء، ليأكلوا جميعا منه (١).
ودل قوله: ﴿إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ على أن التجارة في مال اليتيم وتزويجه ليس بواجب على الوصي، لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد.
ودل ظاهر الآية على أن ولي اليتيم يعلّمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلّمه الصناعات. وإذا وهب لليتيم شيء، فللوصي أن يقبضه لما فيه من الإصلاح (٢).
أما الإشهاد من الوصي أو الكفيل على الإنفاق من مال اليتيم، فله عند المالكية حالتان: حالة يمكنه الإشهاد عليها، فلا يقبل قوله إلا ببينة، كإعطاء الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة، فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة إلا ببينة أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مساناة (سنويا). وحالة لا يمكنه الإشهاد عليها، فقوله مقبول بغير بينة، كالأكل واللبس في كل وقت.
وقد نشأت من هذه الآية مذاهب في تزويج الرجل نفسه من يتيمته إن كانت تحل له، وفي الشراء لنفسه من مال اليتيم.
فقال مالك: لا يزوج الرجل نفسه من اليتيمة، ولكن يشتري لنفسه من مال اليتيم.
وقال أبو حنيفة: إذا كان الإصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوّج منه. وله كما قال مالك أن يشتري من مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن
стр. 610
المثل، لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن.
والشافعي: لا يرى في التزويج إصلاحا، إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجة قبل البلوغ، ولا يجوز له الشراء من مال اليتيم، لأنه لم يذكر في الآية التصرف.
وأحمد: يجوز للوصي التزويج، لأنه إصلاح (١).
الاجتهاد:
استنبط الجصاص من قوله: ﴿قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث، لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن (٢).
وأرشدت الآية إلى أن الأحكام الإسلامية مبنية على اليسر والسماحة، متلائمة مع القدرة والطاقة البشرية المعتادة دون إعنات ولا إحراج، مع أن الله قادر على أن يضيق علينا ويشدد في أحكامه، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل علينا.
زواج المسلم بالمشركة
﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾
стр. 611
البلاغة:
﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ﴾ يوجد طباق بين كلمتي النار والجنة.
المفردات اللغوية:
﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ﴾ لا تتزوجوا بالنساء الحربيات غير الكتابيات. واحدها مشركة:
وهي من ليس لها كتاب، وقيل: المشركات: الكافرات. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ لجمالها ومالها، وهذا على تفسيرها بالكافرات مخصوص بغير الكتابيات بآية: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ [المائدة ٥/ ٥] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط، وهو قول ابن عباس والأوزاعي.
﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تزوجوا نساءكم المؤمنات الكفار مطلقا. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ لماله وجماله ﴿أُولئِكَ﴾ أي أهل الشرك. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي إلى العمل الموجب لها، فلا تليق مناكحتهم. ﴿وَاللهُ يَدْعُوا﴾ على لسان رسله. ﴿إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ أي العمل الموجب لهما.
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته، فتجب إجابته بتزويج أوليائه. ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون.
سبب النزول:
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في ابن أبي مرثد الغنويّ استأذن النبي ﷺ في «عناق» أن يتزوجها وهي مشركة، وكانت ذات حظ من جمال، فنزلت.
وفي عبارة أو
في رواية أخرى: «أن رسول الله ﷺ بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها، عناق، فأتته، وقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك، إن الإسلام قد حال بيننا، فقالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأستأمره، فاستأمره، فنزلت».
وأخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال:
نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، وإنه غضب، فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي ﷺ فأخبره وقال: لأعتقنها ولأتزوجنها،
стр. 612
ففعل، فطعن عليه ناس، وقالوا: ينكح أمة؟! فأنزل الله هذه الآية وأخرجه ابن جرير الطبري عن السدي منقطعا.
ويلاحظ في أسباب النزول أمران كما ذكر السيوطي: الأول-إن رواية الصحابة سبب نزول آية هو لتوضيح معناها ويتناول أمثال ما حدث. والثاني- قد يكون السبب الذي ذكروه حصل عقب نزول الآية.
التفسير والبيان:
هذه الآية من جملة الأحكام التي تنظم المجتمع الإسلامي الداخلي، فلما أذن الله تعالى في مخالطة الأيتام، وفي مخالطة الزواج، بيّن أن مناكحة المشركين لا تصح.
ومعناها: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون المشركات اللاتي لا كتاب لهن حتى يؤمنّ بالله واليوم الآخر، ويصدّقن بمحمد ﷺ . وقد جاء لفظ المشرك في القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة ١٠٥/ ٢] وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ١/ ٩٨] والخلاصة: لا تتزوجوا المشركات ما دمن على شركهن.
ولأمة مؤمنة بالله ورسوله، وإن كانت رقيقة وضيعة، أفضل من حرة مشركة، وإن كرم أصلها، وإن أعجبتكم في الجمال والحسب والمال، إذ بالإيمان كمال الدين والحياة معا، وبالمال والجاه كمال الدنيا فقط، ورعاية الدين وما يستتبعه من دنيا أولى من رعاية الدنيا.
ولا تزوجوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن بالله ورسوله، مع ما به من مهانة، خير لكم من أن تزوجوهن من حرّ مشرك، وإن أعجبكم في الحسب والنسب والشرف.
стр. 613
وسبب تحريم زواج المسلم بالمشركة والمسلمة بالكافر مطلقا كتابيا كان أو مشركا: هو أن أولئك المشركين والمشركات يدعون إلى الكفر والعمل بكل ما هو شرّ يؤدي إلى النار، إذ ليس لهم دين صحيح يرشدهم، ولا كتاب سماوي يهديهم إلى الحق، مع تنافر الطبائع بين قلب فيه نور وإيمان وبين قلب فيه ظلام وضلال.
فلا تخالطوهم ولا تصاهروهم، إذ المصاهرة توجب المداخلة والنصيحة والألفة والمحبة والتأثر بهم، وانتقال الأفكار الضالة، والتقليد في الأفعال والعادات غير الشرعية، فهؤلاء لا يقصرون في الترغيب بالضلال، مع تربية النسل أو الأولاد على وفق الأهواء والضلالات. والخلاصة: أن العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار.
والله يدعو ويرشد بكتابه المنزل وأنبيائه إلى ما يوصل إلى الجنة ونعيمها، وإلى المغفرة وستر الذنوب بإذنه وأمره وإرادته وبإعلامه السبيل الحق، ويوضح آياته وأحكامه وأدلته للناس، ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر، وليتعظوا فلا يخالفوا أمره، ولا يسيروا بأهوائهم أو وراء الشيطان، لأن ذكر الأحكام بعللها وأدلتها يكون أدعى لقبولها والرضا بها والمبادرة إلى تنفيذها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن زواج المسلم بالمرأة المشركة كالوثنية والبوذية والملحدة لا يصح بحال.
أما المرأة الكتابية (اليهودية أو النصرانية) فقد أباح الشرع التزوج بها بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ -مهورهن- ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [المائدة ٥/ ٥]. والمحصنات: العفائف.
стр. 614
والفرق بين المشركة والكتابية واضح، وهو أن الأولى لا تؤمن بدين أصلا، وأما الثانية فتشترك مع المسلم بالإيمان بالله واليوم الآخر، وبالحلال والحرام، ووجوب فعل الخير والفضيلة، والبعد عن الشر والرذيلة.
وأجاز الشرع زواج المسلم بالكتابية، ولم يجز زواج المسلمة بالكتابي، لأمر واضح أيضا وهو أن الكتابية لها أن تبقى على دينها بزواجها بمسلم ولا تتضرر فيما تدين به، ولأن المسلم يؤمن بدينه المتضمن الإقرار بأصول الأديان الأخرى، ومنها الدين اليهودي والدين النصراني في أصوله الأولى التي تتفق مع الإسلام في الدعوة إلى التوحيد والفضائل الإنسانية، فهي مع المسلم في دائرة متسعة تسع دينها وغيره، وربما إذا لمست روح التسامح وحسن المعاملة من زوجها عاشت سعيدة هانئة معه دون تضرر.
وبما أن للرجل عادة سلطة القوامة على المرأة، وهي أقوى من سلطة المرأة، فلو تزوج الكتابي المسلمة أمكن التأثير عليها، فربما تركت دينها، وتضررت غالبا بمعاشرة زوجها، لعدم توافر الانسجام والوئام الروحي والحسي، والكتابي لا يؤمن بالإسلام، فتكون معه في دائرة ضيقة الأفق، وهي متسعة الاعتقاد، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فعزة المسلمة تأبى عليها أن تكون زوجة لكتابي.
هذا ما عليه جمهور العلماء، مع القول بأن زواج المسلم بالكتابية مكروه، وحينئذ تحمل الآية هنا على العرف الخاص، وهو المشركة بالمعنى الضيق (أي عابدة الوثن وأمثالها)، ولا تكون الآية منسوخة ولا مخصصة، وإنما تفيد حكما: هو حرمة نكاح الوثنيات والمجوسيات، وتكون آية المائدة ﴿وَالْمُحْصَناتُ.﴾. المتقدمة مفيدة حكما آخر هو حل الزواج بالكتابيات، فلا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب، لقوله تعالى:
﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ
стр. 615
رَبِّكُمْ﴾ [البقرة ١٠٥/ ٢] وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة ١/ ٩٨] ففرّق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ بعد قوله: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ﴾ نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل.
وذهب بعضهم إلى أن لفظ ﴿الْمُشْرِكاتِ﴾ يعم كل مشركة، سواء أكانت وثنية أم يهودية أم نصرانية، ولم ينسخ أو يخص منها شيء، فيكنّ جميعا قد حرم على المسلم زواجهن. روي عن ابن عباس أنه قال: إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكلّ من على غير الإسلام حرام. فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في «المائدة». ويؤيده قول ابن عمر في الموطأ: «ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة: ربّها عيسى». وروي عن عمر بن الخطاب القول بحرمة الكتابيات، وأنه فرّق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين، وقالا: نطلّق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما! ولكن أفرّق بينكما صغرة قمأة. لكن قال ابن عطية: وهذا لا يستند جيدا، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما، فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وروي عن ابن عباس نحو ذلك. وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر (١). وهذا ما عليه الأمة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
والخلاصة: أن الذي صح إسنادا عن عمر هو إباحة زواج المسلم بالكتابية، وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة ﵄ نكاح اليهودية والنصرانية حذرا من
стр. 616
اقتداء الناس بهما، والزهد بالمسلمات، أو خشية الوقوع بالمومسات، أو غير ذلك من المعاني والحكمة البعيدة الأفق بالنظر لمصلحة المسلمين العامة.
وأما الكتابية الحربية: فلا تحل في رأي ابن عباس، لقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله ﴿صاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩/ ٩] وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرّفها في الخمر والخنزير.
واتفق أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم على حرمة نكاح نساء المجوس، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ وهن الوثنيات والمجوسيات.
وأجمعت الأمة على حرمة زواج المسلمة بالكافر، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، ولما بينا سابقا، وللآية: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك.
ودلت آية ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ على أن لا نكاح إلا بولي، وهو رأي جمهور العلماء
لقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (١)
وقوله: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (٢). وأجاز أبو حنيفة للمرأة مباشرة عقد زواجها بنفسها أو بالوكالة عن غيرها، لكمال أهليتها، ولإسناد لفظ النكاح إلى المرأة في آيات كثيرة، مثل ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠/ ٢] ومثل: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢/ ٢] والمراد بالعضل: منع النساء من مباشرة عقد الزواج عند اختيارهن الأزواج. وحملوا
حديث «لا نكاح إلا بولي» على الكمال أو الندب والاستحباب، لا على الوجوب.
стр. 617
وأخيرا، يمكن القول: إن إباحة زواج المسلم بالكتابية عند غير الشيعة هو في الواقع حالة استثنائية، وليست أصلا، ولذا فإنا نشجب إقبال الشبان على الزواج بالأجنبيات، افتتانا بالجمال الأشقر، واستسهالا للزواج، لكونه بغير مهر يذكر، لأن هاتيك الزوجات تفسد على الرجل غالبا دينه ووطنيته، وتعزله عن انتمائه لبلاده وقومه، وتربي الأولاد على هواها ودينها، فضلا عن نظرة الاستعلاء والفوقية عندها، واحتقار العرب والمسلمين، وقد تقتل الزوج، وقد تأخذ الأولاد إلى بلادها وتترك الزوج، وقليل جدا منهن من أسلم، فلا مطمع فيهن.
وأما زواج المسلمة بغير المسلم فهو أشد وأنكى، إذ الزواج باطل حرام بإجماع المسلمين، والأولاد أولاد زنا، والعلاقة القائمة بينها وبين الرجل لا تجيز الاستمتاع وإن طال الأمد، لبطلانها أصلا، فإن استحلّت المرأة ذلك فهي مرتدة كافرة.
والإقامة في دار الكفر لا تسوغ القول بالحلّ، إذ يحرم على المسلم والمسلمة المقام بين الكفار إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحة أو موقوتة، ونعوذ بالله تعالى من هذا الانحراف الخطير، والتهاون في أمر الدين.
الحيض وأحكامه
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾
стр. 618
الإعراب:
﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قرئ بتشديد الطاء وتخفيفها، فمن قرأ بالتشديد أراد: حتى يغتسلن وأصله: يتطهرن، وكرهوا اجتماع التاء والطاء، فأسكنوا التاء وأبدلوا منها طاء، وأدغموا الطاء في الطاء. ومن قرأ بالتخفيف أراد: ينقطع دمهن، وعلى هاتين القراءتين ينبني الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة، في جواز وط ء الحائض إذا انقطع دمها لأكثر الحيض (١٠ أيام) قبل الغسل، فأجازه أبو حنيفة وأباه الشافعي.
البلاغة:
﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ تشبيه بليغ أي كالأذى، والأذى كناية عن القذر على الجملة، أي أن الحيض شيء يستقذر ويؤذي من بقربه نفرة منه وكراهة له، فتتأذى منه المرأة وغيرها برائحة دم الحيض.
﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ كناية عن الجماع.
﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ على حذف مضاف أي موضع حرث، أو على سبيل التشبيه، فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج.
المفردات اللغوية:
﴿الْمَحِيضِ﴾ هو الحيض كالمعيش أي العيش: وهو لغة: السيلان، يقال: حاض السيل وفاض. وشرعا: دم فاسد يخرج من أقصى رحم المرأة كل شهر مرة واحدة، أقله عند الشافعي وأحمد: يوم وليلة، وغالبة: ست أو سبع، وأكثره: خمسة عشر يوما. والحكمة: الاستعداد للحمل حين المعاشرة الزوجية، إبقاء للنوع البشري. وقد يراد بالمحيض: مكانه الذي يفعل بالنساء فيه ﴿أَذىً﴾ قذر أو محله، أو هو ضرر ومؤذ مكروه تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض.
واعتزال النساء من الحيض: ترك غشيانهن في هذه المدة. ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ مثل ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ كناية عن عدم الجماع.
﴿يَطْهُرْنَ﴾ يغتسلن بالماء إن لم يوجد مانع، أو التيمم خلفا عنه في رأي الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأقل من عشرة أيام، فلا تحل له إلا إذا اغتسلت، أو مضى وقت صلاة كامل والدم منقطع، وإن طهرت لأكثر مدته وهي عشرة أيام، حلت له ولو لم تغتسل. ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ بالجماع ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ بتجنبه في الحيض، وذلك في المكان المأمور به وهو القبل، لا الدبر ﴿التَّوّابِينَ﴾ من الذنوب ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الأقذار. ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ موضع حرث
стр. 619
كالأرض التي تستنبت، شبهت بها النساء، لأنها منبت للولد، كالأرض للنبات ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ أي جامعوا في القبل، كيف شئتم من قيام وقعود، واضطجاع وإقبال وإدبار، ونزل ردا لقول اليهود: من أتى امرأته في قبلها من جهة دبرها، جاء الولد أحول. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ العمل الصالح، كالتسمية قبل الجماع ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في أمره ونهيه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذي اتقوه بالجنة.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٢٢):
روى مسلم والترمذي عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل الأصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله : ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، فقال:
«اصنعوا كل شيء إلا النكاح».
نزول الآية (٢٢٣):
روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها-أي يأتي امرأته من ناحية دبرها في قبلها-: إن الولد يكون أحول، فنزلت: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.﴾. الآية (١).
وقال مجاهد: كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، فنزلت. وروى الحاكم عن ابن عباس قال: إن هذا الحي من قريش كانوا يتزوجون النساء، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية.
стр. 620
التفسير والبيان:
هذا ثالث الأسئلة التي جاءت معطوفة بالواو، لاتصالها بما قبلها وما بعدها، وقد سئل النبي ﵌ عن حكم الحيض، لأن اليهود كانوا يقولون: إن كل من مسّ الحائض في أيام طمثها، يكون نجسا، وكانوا يتشددون في معاملة الحائض، فيعتزلونها في الأكل والشرب والنوم، كما بينا، وكانت النصارى تتهاون في أمور الحيض، فلا تفرق بين الحيض وغيره، وكانت العرب في الجاهلية كاليهود والمجوس لا يساكنون الحائض، ولا يؤاكلونها، فصارت هذه الأحوال مدعاة للتساؤل عن حكم مخالطة النساء زمن الحيض، فأجابهم تعالى:
إن الحيض ضرر وأذى، يضر الرجل والمرأة على السواء، فامتنعوا من جماع النساء في مدة الحيض، ولا حرج في غير الجماع من التقبيل والمفاخذة مثلا، في رأي الحنابلة، للحديث المتقدم الذي
رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن: «اصنعوا كل شيء إلا الجماع» (١). وحرم الجمهور الاستمتاع بما بين السرة والركبة، لما
روى أبو داود عن حزام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار» أي ما فوق السرة، ولأن الاستمتاع بما دون الإزار يدعو إلى الجماع.
وأيّد الطب اتجاه الشرع، فأثبت الأطباء أن الوقاع في أثناء الحيض يحدث آلاما والتهابات حادة في أعضاء التناسل لدى الأنثى، كما أن تسرب الدم في فوهة عضو الرجل قد يحدث التهابا صديديا يشبه السيلان، وقد يصاب الرجل بالزهري إذا كانت المرأة مصابة به، وقد يؤدي الجماع إلى عقم كل من الرجل والمرأة.
ولا تقربوهن حتى يطهرن من الحيض، فإذا تطهرن بالاغتسال بالماء
стр. 621
-والطهر: انقطاع دم الحيض، والتطهر: الاغتسال-فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله وأذن به: وهو القبل، لأنه موضع النسل، إن الله يحب الذين يتوبون من المعاصي، كإتيان النساء في المحيض أو في أدبارهن، ونحو ذلك مما يصادم الفطرة والطبع السليم، ويحب الذين يتطهرون من رجس الفاحشة أو المعصية، ومن كل دنس مادي كالحيض والنفاس. ومحبة الله: إرادته ثواب العبد.
والتوبة: هي رجوع العبد عن حالة المعصية. وكنى بالإتيان عن الوط ء.
نساؤكم الطاهرات من الحيض مواضع حرثكم وإنجاب نسلكم، فالنطفة كالبذرة في الأرض، ولا يحل إتيان النساء في زمن الحيض، حيث لا استعداد لقبول الزرع، ولا في الدبر، لأنه غير محل الإنجاب، ويؤدي إلى ضرر واضح ظهر حديثا: وهو إفساد الدم والموت.
وهذه الآية تعد شارحة للآية السابقة، ومبّينة وجه الحكمة التي من أجلها شرع الاستمتاع: وهو حفظ النوع البشري بالاستيلاد.
فأتوا حرثكم بلا حرج بأي كيفية شئتم، قائمة وقاعدة ومضطجعة ومقبلة ومدبرة، ما دام المأتى واحدا وهو في القبل الذي هو موضع الحرث، كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، فلا تحظر عليكم جهة من الجهات. وكذلك تفيد الآية إباحة إتيان النساء بالنكاح لا بالسفاح، وفي الوقت المأذون به شرعا، لا محرمات، ولا صائمات، ولا معتكفات.
وقدموا لأنفسكم الخير وصالح الأعمال (١) عدة لكم يوم الحساب، واتقوا الله واحذروا معاصيه، فلا تقربوها، وحدوده فلا تضيعوها، ولا تريقوا ماء الحياة في الحيض أو في غير موضع الحرث، واختاروا المرأة المتدينة، وأعرضوا عن سيئة
стр. 622
الأخلاق التي تسوء معاشرتها للزوج، وتفسد تربية الأولاد.
واعلموا علما يقينيا أنكم ستلقون ربكم في الآخرة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وبشر المؤمنين المستقيمين على أوامر الله بالفوز والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة. أما الذين يتجاوزون حدود الله، ويتبعون شهواتهم، ويخرجون عن السّنن المشروعة، فلا يسلمون من الضرر في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وقد يكون ضرر الدنيا بالقلق والاضطراب، والهمّ والخوف ونحوهما من الأمراض النفسية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية (٢٢٢) على وجوب اعتزال المرأة في المحيض، لقوله تعالى:
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب. واختلف العلماء فيما يجب على الرجل اعتزاله من المرأة وهي حائض على أقوال ثلاث:
١ - يجب اعتزال جميع بدن المرأة، لأن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصص من ذلك شيئا. وهو قول ابن عباس وعبيدة السّلماني، وهذا قول شاذّ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه، فالسّنة الثابتة بخلافه.
٢ - يجب اعتزال موضع الأذى، وهو مخرج الدم، وهو قول الحنابلة، أخرج ابن جرير الطبري عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: «كل شيء إلا الجماع» وهذا موافق للحديث المتقدم، ويؤيده
«أن رسول الله ﷺ كان يباشر نساءه وهنّ حيّض» فعلم منه أن المطلوب اعتزاله بعض جسدها دون بعض.
٣ - يعتزل ما بين السّرة والركبة، أي ما فوق الإزار، وهو قول الجمهور،
стр. 623
لقوله ﷺ للسائل حين سأله: «ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟» فقال:
«لتشدّ عليها إزارها، ثم شأنك (١) بأعلاها».
وقوله ﵊ لعائشة: «شدّي على نفسك إزارك، ثم عودي إلى مضجعك»،
وقالت عائشة: «كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النّبي ﷺ أن تأتزر، ثم يباشرها».
ودلّت آية ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ على حرمة الجماع في الحيض حتى الطهر، وللعلماء في ذلك آراء ثلاثة:
١ - قال أبو حنيفة: يجوز أن تؤتى المرأة إذا انقطع دم الحيض ولو لم تغتسل بالماء، فإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحلّ حتى يمضي وقت صلاة كامل، وإذا انقطع دمها لأكثر الحيض، حلّت حينئذ.
٢ - قال الجمهور: لا تحلّ حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة.
٣ - قال طاوس ومجاهد: يكفي في حلّها أن تتوضأ للصلاة.
وسبب الخلاف: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾: حمل أبو حنيفة الفعل الأول على انقطاع دم الحيض، والثاني على المعنى نفسه، أي فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل الفعل المشدد بمعنى المخفف. وقال الجمهور بالعكس، أي إنهم استعملوا المخفف بمعنى المشدد، والمراد: ولا تقربوهن حتى يغتسلن بالماء، فإذا اغتسلن فأتوهن، بدليل قراءة: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، وبدليل قوله:
﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
وللعلماء رأيان فيما يجب على من وطأ الحائض: فقال الجمهور: يستغفر الله ولا شيء عليه، لأن الحديث مضطرب عن ابن عباس، وإن مثله لا تقوم به
стр. 624
حجة، وإن الذمة على البراءة، ولا يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مطعن فيه.
وقال الحنابلة: عليه دينار إن كان في مقتبل الدم، ونصف دينار في مؤخر الدم، لما
رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس عن النّبي ﷺ :
«يتصدق بدينار، أو نصف دينار»، وفي كتاب الترمذي: «إن كان دما أحمر فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار». وهذا مستحب عند الشافعية والطبري.
وأجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر، وهي:
الحيض المعروف، ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة، وتترك له الصلاة والصوم، وتقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة.
واختلف العلماء في مقدار الحيض: فقال فقهاء المدينة منهم (مالك والشافعي وأحمد): أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وما زاد على ذلك فهو استحاضة.
وأقلّه عند الشافعي وأحمد: يوم وليلة، وما دونه استحاضة، وأقلّه عند مالك: دفقة أو دفعة في لحظة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما نقص أو زاد عن ذلك فهو استحاضة.
ودم النفاس عند الولادة كالحيض، وأقله عند الشافعية لحظة، ولا حدّ لأقله عند الأئمة الآخرين، وغالبة عند الشافعية أربعون، وأكثره عند المالكية والشافعية: ستون يوما، وعند الحنفية والحنابلة: أربعون يوما. والغسل منه كالغسل من الحيض والجنابة.
стр. 625
ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا، وهي: وجوب الصلاة، وصحة فعلها، وفعل الصوم دون وجوبه، والجماع في الفرج وما دونه، والعدّة، والطلاق، والطواف، ومسّ المصحف، ودخول المسجد، والاعتكاف فيه، وفي قراءة القرآن رأيان: الحرمة عند الجمهور، والإباحة عند المالكية.
ودم الاستحاضة: وهو دم ليس بعادة ولا طبع منهن، ولا خلقة، وإنما هو نزيف أو عرق انقطع، سائله: دم أحمر، لا انقطاع له إلا عند البرء منه، والمستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ولكنها تتوضأ لكل صلاة.
ويجمع أحكام الحيض والاستحاضة ما
رواه مالك عن عائشة أنها قالت:
قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر! أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي».
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ إيماء إلى أن الشريعة طلبت التزوج ورغبت عن الرهبانية، فليس لمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى، لأنه سبحانه قد امتنّ علينا بالزواج بقوله:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١/ ٣٠]، وطلب إلينا أن ندعوه بالتوفيق بالسرور بالزوجة الصالحة والولد البارّ فقال: ﴿رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤/ ٢٥]، وقال: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة ٢٠١/ ٢] وهي الزوجة الصالحة.
فالزواج الشرعي وقربان المرأة ابتغاء النسل قربة لله تعالى، وتركه مع القدرة عليه مخالف لطبيعة الفطرة وسنة الشرع،
قال ﷺ في الصحيح: «وفي
стр. 626
بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟».
وتجبر الكتابية على الاغتسال من الحيض في رأي مالك-وفي رواية ابن القاسم عنه-ليحلّ لزوجها وطؤها، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي بالماء، ولم يخصّ مسلمة من غيرها. وهذا موافق لرأي الشافعية والحنابلة القائلين بأن الكافر مكلف بفروع الشريعة. وقال الحنفية: إنه غير مكلف بها.
وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة، وليس عليها نقض شعرها في رأي الحنفية والمالكية، لما
رواه مسلم عن أم سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله، إني أشدّ ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين». ويجب نقض الضفائر في رأي الشافعية والحنابلة إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض، لما
روى البخاري عن عائشة: أن النّبي ﷺ قال لها إذ كانت حائضا: «خذي ماءك وسدرك وامتشطي» ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور. وخصصه الحنابلة في الحيض أو النفاس، ولم يوجبوا النقض في حال الجنابة إذا أروت أصوله، أخذا بحديث أم سلمة.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى كما بيّنا: جامعوهن من أي شق أردتم، بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث.
قال الزمخشري: قوله تعالى: ﴿هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾: من الكنايات اللطيفة
стр. 627
والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاوراتهم ومكاتباتهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ تحذير، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم.
روى مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: «إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا (٢)، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾.
الحلف بالله ويمين اللغو
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾
الإعراب:
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ ﴿عُرْضَةً﴾: منصوب مفعول ثاني لتجعلوا.
﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ فيه ثلاثة أوجه: النّصب والجر والرفع.
فأما النصب: فعلى تقدير: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم لئلا تبروا، فحذفت لا، أو كراهة أن تبروا، والتقدير الثاني أولى، لأن حذف المضاف أكثر في كلامهم من حذف «لا».
وأما الجرّ: فعلى تقدير حرف الجر وإعماله، لأنه يحذف مع «أن» كثيرا، لطول الكلام.
стр. 628
وأما الرفع: فعلى أن تكون: أن وصلتها مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أمثل وأولى من تركها.
المفردات اللغوية:
﴿عُرْضَةً﴾ هي المانع المعترض دون الشيء. ﴿لِأَيْمانِكُمْ﴾ أي ما حلفتم (١) عليه من البر والتقوى والإصلاح، ويكون: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ بدلا من أيمانكم، ويكون المعنى: لا تجعلوا الله مانعا من البر، وهذا المعنى موافق
لخبر الصحيحين في قوله ﷺ : «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه». وهناك معنى آخر هو: لا تجعلوا الحلف بالله معرّضا لأيمانكم، تبتذلونه بكثرة الحلف به، ويكون ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ علّة للنهي، أي أن لا تبروا أو إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلاّف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برّا متقيا، ولا يثق به الناس، وعلى هذا تكون الآية نهيا عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالكم.
﴿بِاللَّغْوِ﴾ هو اليمين الذي لا قصد فيه ولا نيّة، كأن يجري على لسانه: إي والله، ولا والله، وبلى والله، من غير قصد اليمين، وإنما يسبق إليه اللسان عادة، فلا مؤاخذة فيه بكفارة ولا إثم ولا بعقوبة. واليمين اللغو عند أبي حنيفة: أن يحلف على ظن شيء أنه حصل، ثم يظهر خلافه.
﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي قصدته من الأيمان إذا حنثتم، وهو مثل قوله تعالى:
﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة ٨٩/ ٥]. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ ليمين اللغو. ﴿حَلِيمٌ﴾ يؤخر العقوبة عن مستحقها.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٢٤):
روى ابن جرير الطبري عن ابن جريج، أن قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ نزلت بسبب أبي بكر الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح، حين خاض مع المنافقين في حديث الإفك وتكلم في عائشة ﵂، وفيه
стр. 629
نزل: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى﴾ [النور ٢٢/ ٢٤].
وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، حين حلف ألا يكلم ختنه زوج أخته (صهره): بشير بن النعمان، وألا يدخل عليه أبدا، ولا يصلح بينه وبين امرأته، ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحلّ إلا أن أبرّ في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
المناسبة:
أمر تعالى في الآية السابقة بتقوى الله وحذّر من معصيته، ونبّه هنا على أن مما يتّقى ويحذر منه: أن يجعل اسم الله مانعا من البرّ والتقوى.
وقال العلماء أيضا: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة، قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعلّلا بأنّا حلفنا ألا نفعل كذا.
التفسير والبيان:
للآية معنيان: الأول-إذا حلف الشخص ألا يفعل خيرا من صلة رحم أو صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أو عبادة ونحوها، فلا يكون الحلف بالله مانعا من المحلوف عليه من برّ وتقوى، وما على المؤمن إذا أراد أن يفعل البر والخير إلا أن يكفّر عن يمينه ويفعل المحلوف عليه، كما جاء في
قوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة-فيما رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه-: «إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك» فتكون الآية لرفع الحرج عن الحالفين بالله إذا أرادوا فعل الخير.
стр. 630
والمعنى الثاني: لا تتعرّضوا كثيرا للحلف بالله من أجل إرادة البرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، لما في كثرة الحلف بالله من استخفاف واستهانة وتجرؤ على الله، وعلى المؤمن تعظيم الله تعالى وتوقيره، والابتعاد عن اليمين قدر الإمكان، سواء أكان الحالف صادقا أم كاذبا، فكان صاحب الورع مثل عمر والشافعي لا يحلف بالله ذاكرا ولا آثرا عن غيره، فتكون الآية للنهي عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان، توفيرا للثقة بكلام المتكلم بدون يمين، قال الله تعالى:
﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ [القلم ١٠٦٨].
هذا في اليمين المنعقدة التي يلزم فيها الكفارة بالحنث فيها: وهي على الموسر: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد وهو المعسر الفقير فيصوم ثلاثة أيام. وقد أخبر تعالى أنه يؤاخذ على ما كسبت القلوب أي قصدت إيقاع اليمين، والمؤاخذة بالكفارة أو العقوبة عند عدم الكفارة، حتى لا يتخذ اسم الله عرضة للابتذال وتوفيرا لتعظيمه، أو مانعا من صالح الأعمال.
أما اليمين اللغو: فأخبر تعالى أنه لا مؤاخذة ولا عقاب ولا كفارة عليها بالحنث، لصدورها عن غير قصد اليمين، لأن الله غفور لعباده، فلا يؤاخذهم بما لم تقصده قلوبهم، ولم يكلفهم بما يشق عليهم، لحصوله دون اختيار.
ويمين اللغو عند الشافعيّة: هي التي تجري على اللسان دون قصد الحلف، مثل قول الشخص: لا والله، بلى والله. وإن عدم المؤاخذة عليها: هو عدم إيجاب الكفارة بها.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: هي أن يحلف على شيء يظنه أنه حصل، ثم يظهر خلافه، وبعبارة أخرى: اللغو: ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه. فهذا لا مؤاخذة فيه، أي لا يجب تكفيره. وأما ما يجري على اللسان من غير قصد فتجب فيه الكفارة.
стр. 631
والظاهر هو الرأي الأول، لأن الله قسم اليمين قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسبه القلب: هو ما قصد إليه، وحيث جعل اللغو مقابله، فيعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه. قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها. وقالت عائشة ﵂: أيمان اللغو: ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب.
فقه الحياة أو الأحكام:
تعظيم الله تعالى واجب شرعا، والإكثار من اليمين، والحنث فيه يتنافى مع واجب التعظيم لله، وفيه قلة مراعاة لحق الله تعالى، فلا يصحّ جعل الأيمان مبتذلة في كلّ حقّ أو باطل، أو في الصدق أو الكذب.
أما إذا حلف المؤمن معظّما الله تعالى، وكان المحلوف عليه أمرا خيريا، فلا تمنعه اليمين من فعل الخير المحلوف عليه، وعليه أن يكفّر عن يمينه، وهذا نوع من التسامح والتيسير في شرع الله تعالى، حبّا في فعل الخير: من صدقة أو معروف أو صلة رحم أو إصلاح بين الناس.
كما أن من فضل الله تعالى، وتيسيره على الناس، وعدم تكليفهم بالشاق من الأحكام، ودفعا للحرج عنهم، أنه رفع المؤاخذة والإثم والكفارة عن اليمين اللغو، لأنه الغفور الحليم، الرءوف الكريم.
стр. 632
حكم الإيلاء
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾
الإعراب:
﴿لِلَّذِينَ﴾ اللام تفيد الاستحقاق، كقولك: الرحمة للمؤمنين واللعنة للكفار.
﴿مِنْ نِسائِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف تقديره: كائنا من نسائهم. وليست ﴿مِنْ﴾ متعلقة بفعل ﴿يُؤْلُونَ﴾، لأنه يقال: آلى على امرأته، ولا يقال: آلى من امرأته، فهو غلط.
البلاغة:
﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ خرج الخبر عن ظاهره إلى معنى الوعيد والتهديد.
المفردات اللغوية:
﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلفون أو يقسمون، والأليّة: الحلف، جمع ألايا، والإيلاء: أن يحلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر فأكثر. وإنما عدّيت ﴿يُؤْلُونَ﴾ بمن، وهي إنما تعدى بعلى، إما لأنه ضمن ﴿يُؤْلُونَ﴾ معنى يعتزلون، وإما لأن في الكلام حذفا، وتقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر: يعتزلون، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه.
﴿تَرَبُّصُ﴾ انتظار. ﴿فاؤُ﴾ رجعوا إلى نسائهم عن اليمين. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما حلفوا عليه من ضرر المرأة. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ صمموا على إيقاع الطلاق، وعزموا ألا يعودوا إلى الاستمتاع بنسائهم.
﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بعزمهم، أي ليس لهم بعد تربص مدة أربعة أشهر إلا الفيئة أو الطلاق.
стр. 633
سبب النزول:
قال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السّنة والسّنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، وكان يتركها كذلك، لا أيّما ولا ذات بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الآية (١).
وذكر مسلم في صحيحة أن النّبي ﷺ آلى وطلّق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده.
وذكر ابن ماجه سببا آخر: وهو أن زينب ردّت عليه هديته، فغضب ﷺ ، فآلى منهن.
ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تقدم شيء من أحكام النساء وشيء من أحكام الأيمان، وهذه الآية جمعت بين الشيئين.
التفسير والبيان:
حدد الله تعالى مدة قصوى للذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم، وهي أربعة أشهر، إشارة إلى أن الإيلاء لمدة طويلة مما لا يرضي الله تعالى، لما فيه من قطيعة واستمرار نزاع، ومنعا من إلحاق الضرر بالمرأة وامتهانها وإهدار حقوقها.
فإن رجعوا بالفعل لا بالقول (٢) إلى ما حلفوا على الامتناع منه وكانوا عليه، فإن الله يغفر لهم ما كان من الحنث في أيمانهم، لأن الفيئة توبة في حقهم، رحيم
стр. 634
بهم وبغيرهم من المؤمنين، فلا يؤاخذهم بما سلف، لأن رحمته وسعت كل شيء.
ومعنى ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف، ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فاؤُ﴾. وإن عزموا الطلاق، فلم يفيئوا إلى نسائهم، فإن الله سميع لإيلائهم وطلاقهم، عليم بنياتهم، وبما ارتكبوه مما يحرم أو يحلّ، فليراقبوه فيما يفعلون، فإن أرادوا إيذاء النساء ومضارتهن، فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي مثل حملهن على إقامة حدود الله، فالله يغفر لهم.
ومجمل الحكم: أن من حلف على ترك قربان امرأته واستمر على امتناعه أربعة أشهر، فإما أن يفيء إلى زوجته، ويحنث في يمينه، ويكفّر عنها، وإما أن يطلق، فإن أبى الطلاق طلّق عليه القاضي. أي له الخيار بين أمرين: الفيئة أو الطلاق. والفيئة أفضل من الطلاق، لأن الله جعل جزاءها المغفرة والرحمة، وهدد في حال الطلاق بأن الله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم وأفعالهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ على أن الإيلاء يختص بالزوجات.
ويلزم الإيلاء كلّ من يلزمه الطلاق، فالحرّ والعبد والسكران يلزمه الإيلاء، وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون، وكذلك الخصي غير المجبوب، والشيخ الكبير إذا كان فيه بقية قوة ونشاط. أما المجبوب:
فللشافعي فيه قولان: قول: لا إيلاء له، وقول: يصحّ إيلاؤه، والأول أصح.
ويصحّ إيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة، ويقع إيلاء الأعجمي كالعربي بلغته.
واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين:
стр. 635
فقال الشافعي في الجديد: لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده،
لقوله ﵊: «من كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت».
وقال الحنفية والمالكية: يصحّ الإيلاء باليمين، أو بالحلف على ترك الوط ء بالطلاق أو العتاق، أو نذر التصدق بالمال أو الحج، أو الظهار، لقول ابن عباس: «كلّ يمين منعت جماعا فهي إيلاء. وكلّ من حلف بالله أو بصفة من صفاته، فقال: أقسم بالله أو أشهد بالله، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمّته، فإنه يلزمه الإيلاء اتفاقا». وأضاف المالكية: أنه لا تشترط اليمين في الإيلاء، فإذا امتنع الرجل من الوط ء بقصد الإضرار من غير عذر، ولم يحلف، كان موليا، لوقوع الضرر.
وقال الحنابلة على الرواية المشهورة: لا يكون الإيلاء بالحلف بالطلاق والعتاق، بدليل قراءة أبي وابن عباس: «للذين يقسمون» بدل ﴿يُؤْلُونَ﴾.
فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى، بأن قال: إن شاء الله، فالأصح لدى المالكية وفقهاء الأمصار: ليس بمول، لأن الاستثناء يحلّ اليمين، ويجعل الحالف كأنه لم يحلف.
وكذا إن حلف بالنّبي أو بالملائكة أو بالكعبة ألا يطأها، أو قال: هو يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها: ليس بمول، في رأي مالك وغيره.
واختلف العلماء في صفة اليمين التي يكون بها الحالف موليا.
فقال جماعة (علي وابن عباس والزهري): لا يكون موليا إلا إذا حلف على ترك الوط ء إضرارا بها، أما إذا حلف لا على وجه الإضرار، فلا يكون موليا، لأن الله جعل مدة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته، فإذا لم يقصد الضرر، وإنما قصد الصلاح والخير، لم يكن موليا، فلا معنى لتحديد الأجل، حتى تتخلّص من مساءته.