فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
١ - وجوب امتحان النسوة اللاتي هاجرن من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، ليعرف مدى صدق إيمانهن وإخلاص إسلامهن. قال ابن عباس: كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منّا، بل حبّا لله تعالى ولرسوله ﷺ .
فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي ﷺ زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ، فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.
٢ - أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان ﷺ عاهد قريشا في صلح الحديبية، من أنه يرد إليهم من جاءه منهم مسلما، فنسخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. ويرى بعضهم أن الآية نزلت بيانا لنص العقد، وأنه ما تناول إلا الرجال، غير أن هذا يكون من تخصيص العام المتأخر.
وذهب جماعة إلى أن التعميم في عقد الصلح لم يكن من طريق الوحي، بل كان اجتهادا منه ﷺ أثيب عليه بأجر واحد، وجاءت هذه الآية بعدم إقراره على هذا الاجتهاد. والتعميم الوارد في الصلح: «من جاء إلى محمد من قريش بدون إذن وليه، رده عليه» (١).
ويرى الحنفية أن هذا الحكم كله منسوخ في الرجال والنساء، ولا يجوز أن يهادن الإمام العدو على أن يرد إليهم من جاءه مسلما، لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز، واستدلوا
بقوله ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تراءى ناراهما» أي تتراءى ناراهما، وهذا مجاز، أي يلزم المسلم أن
стр. 8367
يباعد منزله عن منزل المشرك، وينزل مع المسلمين في دارهم. فهذا ناسخ لردّ المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله ﷺ قد برئ ممن أقام معهم في دار الحرب.
ومذهب مالك والشافعي: أن هذا الحكم غير منسوخ، وعقد الصلح على ذلك جائز. قال الشافعي: وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره، لأنه يلي الأموال كلها.
٣ - إن هذا الامتحان في الظاهر، والله في الحقيقة أعلم بإيمانهن، لأنه متولّي السرائر. فإذا علم، أي غلب على الظن إيمان المهاجرات، لم يجز ردهن إلى بلاد الكفار، لأن الله لم يحل مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن مشركة. وسبب الفرقة هو إسلام المرأة لا هجرتها، لأن الله تعالى قال: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ فبيّن أن العلة عدم الحلّ بالإسلام، وليس باختلاف الدار.
وقال أبو حنيفة ومالك: الذي فرّق بينهما هو اختلاف الدارين، روي عن ابن عباس أن اختلاف الدارين يقطع العصمة.
وعلى هذا إذا خرجت الحربية مسلمة، ولها زوج كافر في دار الحرب، وقعت الفرقة بينهما ولا عدة عليها، وقال أبو يوسف ومحمد: تقع الفرقة وعليها العدة. وإن أسلم الزوج بعد ذلك لم تحل له إلا بعقد زواج جديد، وهو رأي سفيان الثوري.
وقال مالك والشافعي: إن أسلم الزوج في العدة أي قبل أن تحيض ثلاث حيض، فهي امرأته، ولا تحصل الفرقة إلا إذا انقضت العدة، فإذا انقضت العدة، فلا تحل له إلا بعقد جديد.
٤ - يجب على المسلمين أن يردوا على زوج المرأة التي أسلمت ما أنفق من المهر، وذلك من الوفاء بالعهد، حتى لا يخسر الأمرين: الزوجة والمال.
стр. 8368
٥ - لا غرم للمهر إلا إذا طالب الزوج الكافر به، فإن ماتت المرأة قبل حضور الزوج لم نغرم المهر، إذ لم يتحقق المنع، أي منعها منه، وإن كان المهر المسمى خمرا أو خنزيرا لم نغرم شيئا، لأنه لا قيمة له.
وللشافعي في هذا الحكم قولان: أحدهما-أن هذا منسوخ، والثاني-يعطى الزوج المهر إن طالب به، وليس ذلك لأحد من الأولياء سوى الزوج.
٦ - إن المطالب برد مثل ما أنفق إلى الأزواج هو الإمام، من بيت المال.
وهذا الحكم-كما قال مقاتل-خاص برد صداق نساء أهل العهد، فأما من لا عهد له مع المسلمين، فلا يرد إليهم الصداق. وعلى هذا فلا مانع من العمل بهذا في المعاهدات التي تجري بين المسلمين وغيرهم في مثل تلك الحالة التي كان عليها المسلمون في الماضي، فإذا عاهدناهم على رد ما أنفقوا على أزواجهم وجب الوفاء بالعهد.
٧ - يباح للمسلمين الزواج بالمهاجرات المسلمات إذا انقضت عدتهن، لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدّة، فإن أسلمت قبل الدخول، فلها التزوج في الحال، إذ لا عدة عليها.
٨ - قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ دليل على تحريم التزوج بالمشركات عبدة الأوثان، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب، أما الكتابيات (اليهوديات والنصرانيات) فيجوز الزواج بهن، لقوله تعالى:
﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية [المائدة ٥/ ٥].
فإذا أسلم وثني أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرّق بينهما وهو مذهب المالكية.
ومنهم من قال: ينتظر بها تمام العدة، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال
стр. 8369
الحنفية: إذا أسلمت المرأة، عرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم وإلا فرّق بينهما.
وهذا الاختلاف إنما هو في المدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها، فلا خلاف في انقطاع العصمة بينها وبين زوجها، إذ لا عدة عليها. وهذا مذهب مالك أيضا في المرأة المرتدة وزوجها مسلم، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾. ومذهب الشافعي وأحمد: أنه ينتظر بها تمام العدة.
فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة: فمذهب مالك والشافعي وأحمد: الانتظار إلى تمام العدة، وكذا الوثني تسلم زوجته، فإنه إن أسلم في عدتها فهو أحق بها. ومن العلماء من قال: ينفسخ النكاح بينهما.
٩ - إذا ذهبت مسلمة مرتدة إلى الكفار من أهل العهد، يطالب الكفار بمهرها، وإذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة، يرد إلى الكفار مهرها.
وهذا الحكم كان مخصوصا بزمان النبي ﷺ بعد صلح الحديبية.
١٠ - إذا لم يدفع الكفار المعاهدون وغيرهم مهر امرأة ارتدت وذهبت إلى ديار الكفر، وجب تعويض زوجها من غنائم الحرب. وقال قتادة: هذا خاص في الكفار المعاهدين، ثم نسخ هذا في سورة براءة. وقال قوم: هو ثابت الحكم الآن أيضا.
١١ - حذر الله تعالى من مخالفة الأحكام السابقة، فقال في الآية الأولى:
﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي ذلكم الحكم الزموه، وقال في الآية الثانية: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به.
стр. 8370
مبايعة النبي ﷺ المهاجرات (بيعة النساء)
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾
الإعراب:
﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿يَأْتِينَ﴾ أو في موضع جر على الوصف ل ﴿بِبُهْتانٍ﴾.
﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ ﴿مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾: في موضع نصب، لأنه يتعلق ب ﴿يَئِسَ﴾ وتقديره: يئسوا من بعث أصحاب القبور، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
البلاغة:
﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾: كناية عن اللقيط.
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ تشبيه مرسل مجمل. وفي الآية ما يسمى رد العجز على الصدر، فقد ختمت السورة بمثل ما بدئت به.
وقوله: ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ﴾ فيه وضع الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أن الكفر أيأسهم.
المفردات اللغوية:
﴿يُبايِعْنَكَ﴾ البيعة: العقد والعهد على التزام الطاعة. ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ أي بوأد البنات. ﴿بِبُهْتانٍ﴾ أي بولد مفترى ملصق بالزوج كذبا. ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾ الافتراء: الكذب، والمراد يختلقن نسبة الولد إلى الزوج. ﴿مَعْرُوفٍ﴾ المعروف: كل ما ندب إليه الشرع من
стр. 8371
المحسنات، ونهى عنه من المستقبحات. والتقييد بالمعروف مع أن الرسول ﷺ لا يأمر إلا به، تنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ أي إذا بايعنك فبايعهن، أي فالتزم لهن بضمان الثواب حال الوفاء بهذه الأشياء. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾ اطلب لهن المغفرة.
﴿قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ عامة الكفار، أو اليهود إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود، ليصيبوا من ثمارهم. ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ لكفرهم بها، أو لعلهم بأنه لا حظ لهم فيها لمعاندة الرسول ﷺ . ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ من موتاهم أن يبعثوا، أي يرجعوا أحياء.
سبب النزول:
نزول الآية (١٢):
نزلت يوم الفتح، فإنه ﷺ لما فرغ من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء.
أخرج البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت:
«إن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجرن إليه بهذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ -إلى قوله-: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك» كلاما، ولا، والله ما مسّت يده يد امرأة في المبايعة قط، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك».
وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحنّ بقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله ﷺ : انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قطّ، غير أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله، ما أخذ رسول الله ﷺ كفّ امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكنّ كلاما».
стр. 8372
وروي أنه ﷺ بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن.
وروى أحمد عن أميمة بنت رقية التيمية قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: «ألا نشرك بالله شيئا-حتى بلغ- ولا يعصينك في معروف» فقال: فيما استطعتنّ وأطقتنّ، قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء، وإنما قولي لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة» (١).
وزاد أحمد في رواية: «ولم يصافح منا امرأة».
نزول الآية (١٣):
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادّان رجلا من يهود، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
المناسبة:
روي أن النبي ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر أسفل منه يبايع النساء، بأمر رسول الله ﷺ ويبلغهن عنه.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً.﴾. الآية: أي إذا جاءك المؤمنات بالله ورسوله يعاهدنك ويقصدن مبايعتك على الإسلام والطاعة، فبايعهن على ألا يشركن بالله شيئا من وثن
стр. 8373
أو حجر أو ملك أو بشر، ولا يسرقن من أموال الناس شيئا، ولا يزنين (والزنى: الاعتداء على الأعراض) ولا يقتلن أولادهن: أي ولا يئدن البنات، وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات، ولا يلحقن بأزواجهن أولادا ليسوا لهم، قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك.
فكان هذا من البهتان والافتراء.
﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: وهو كل أمر وافق طاعة لله، أي كل ما أمر به الشرع، أو نهى عنه، كالنهي عن النّوح، وتمزيق الثياب، وجزّ الشعر، وشق الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل، والخلوة بالأجنبي غير المحرم، فبايعهن، واطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة منك، إن الله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، فلا يعذبهم بما اقترفوه قبل الإسلام، ويجزل لهم الثواب إذا وفّين بهذا العهد الذي حدث في فتح مكة.
روي أن النبي ﷺ لما قال: أبا يعكن على ألا تشركن بالله شيئا، قالت هند بنت عتبة، وهي منتقبة، خوفا من النبي ﷺ أن يعرفها، لما صنعته بحمزة يوم أحد: والله ما عبدنا الأصنام، وإنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط، فقال ﷺ :
«ولا تسرقن» فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا؟ فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فضحك النبي ﷺ وعرفها، وقال:
«أنت هند؟» فقالت: عفا الله عما سلف.
فقال: «ولا تزنين» فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: «ولا تقتلن أولادكن» أي لا تئدن البنات ولا تسقطن الأجنة، فقالت هند: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر، فأنتم وهم أبصر أو أعلم. فضحك عمر بن الخطاب ﵁ حتى استلقى، وكان ابنها البكر حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، وتبسم رسول الله ﷺ .
стр. 8374
فقال: «ولا تأتين ببهتان تفترينه» وهو أن تلصق بزوجها ما ليس منه، فقالت هند: والله، إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: «ولا تعصينني في معروف» فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.
وتحريم الزنى عام،
قال ﷺ : «اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرّجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذّبه» (١).
وأكد النبي ﷺ تحريم النواح،
فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٢).
وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: «جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله ﷺ ، فأخذ عليها: ألا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين...» الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرّي أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت:
نعم، فبايعها بالآية».
ولم تقتصر بنود بيعة النساء عليهن، وإنما بويع بها الرجال أيضا.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي ﷺ فقال:
«أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا» قرأ آية النساء، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب، فهو كفارة
стр. 8375
له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له منها».
وروى محمد بن إسحاق وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وقال: فإن وفيتم فلكم الجنة».
ثم أكد تعالى النهي عن موالاة الكفار كما بدأ السورة، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ أي يا أيها المؤمنون برسالة الإسلام لا تتخذوا اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليهم ولعنهم واستحقوا الطرد والإبعاد من رحمته، أولياء وأنصارا وأصدقاء، وقد يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله ، وأصبحوا لا يوقنون بالآخرة بسبب كفرهم وعنادهم، بالرغم من قيام الأدلة والبينات والمعجزات على الإيمان بالله واليوم الآخر، كيأسهم من بعث موتاهم، لاعتقادهم عدم البعث.
قال ابن عباس: يريد حاطب بن أبي بلتعة يقول: لا تتولوا اليهود والمشركين، وذلك لأن جمعا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين لحاجتهم إليهم، فنهوا عن ذلك، ويئسوا من الآخرة. يعني أن اليهود كذبت محمدا ﷺ ، وهم يعرفون أنه رسول الله ﷺ ، وأنهم أفسدوا آخرتهم بتكذيبهم إياه، فهم يئسوا من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور، أي كما يئس الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث من موتاهم أن يرجعوا أحياء. وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوة الرسول ﷺ .
стр. 8376
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على تحريم الشرك بالله، والسرقة، والزنى، وقتل الأولاد، أي وأد البنات الذي كان في الجاهلية، وإلحاق الأولاد اللقطاء بغير آبائهم، وعصيان شرع الله فيما أمر ونهى.
وقد صرح في الآية بأركان النهي في الدين وهي ستة، ولم يذكر أركان الأمر، وهي ستة أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة، لأن النهي دائم في كل الأزمان وفي كل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد وأهم وأخطر. ولم تقتصر البيعة على هذه الأمور على النساء فقط، وإنما بويع عليها وفد من الأنصار في بيعة العقبة الأولى، فأصبح الحكم عاما للرجال والنساء.
وأكدت الآية الثانية تحريم موالاة الكفار وتزويدهم بأخبار المسلمين، والإسرار إليهم، واتخاذهم أصدقاء وأخلاء، لأنهم لا يؤتمنون على مصالح المسلمين، بل يخونونهم ويفيدون من ذلك في قتالهم ومعاداتهم، ولأنهم قوم كفروا بالآخرة ولم يؤمنوا بالبعث والحساب، ويئسوا من ثواب الآخرة، كما يئس الكفار الأحياء من رجوع موتاهم أصحاب القبور إلى الدنيا.
стр. 8377
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الصف
مدنيّة، وهي أربع عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الصف، لقوله تعالى في مطلعها: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا، كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [٤].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:
١ - نهت السورة السابقة في مطلعها وأثنائها وختامها عن موالاة الكفار من دون المؤمنين، وأمرت هذه السورة بوحدة الأمة ووقوفها صفا واحدا تجاه الأعداء.
٢ - ذكرت السورة المتقدمة أحكام العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم داخل الدولة الإسلامية وخارجها، وقت السلم، وحرضت هذه السورة على الجهاد ورغبت فيه بسبب العدوان، وأنّبت التاركين للقتال وشبهتهم ببني إسرائيل الذين عصوا موسى ﵇ حين ندبهم للقتال، ثم عصوا عيسى ﵇ حين أمرهم باتباعه بعد إتيانه بالبينات والمعجزات، واتباع النبي محمد ﷺ الذي بشر به.
стр. 8378
ما اشتملت عليه السورة:
إن محور السورة وموضوعها هو القتال وجهاد الأعداء، والتضحية في سبيل الله تعالى، وبيان ثواب المجاهدين العظيم، وذلك من الأحكام التشريعية التي تعنى بها السور المدنية عادة.
وقد بدئت السورة بتسبيح الله سبحانه وتنزيهه وتمجيده تنبيها لعظمة منزلها، وبيان خطورة ما ترشد إليه من وجوب الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، ووقوفها صفا واحدا في قتال الأعداء، لرفع منار الحق، وإعلاء كلمة الله تعالى، ثم لوم الذين يخالفون بعملهم أقوالهم.
ثم حذرت من الفرقة والعصيان والمخالفة شأن بني إسرائيل الذين عصوا أمر موسى وعيسى ﵉ حينما أمرهم موسى بقتال الجبارين، وأمرهم عيسى باتباعه واتباع الرسول أحمد ﷺ الذي يأتي بعده وتلك بشارة به: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى.﴾. ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى.﴾. الآية، ثم ضربت المثل للمشركين بمن يريد إطفاء نور الله بأفواههم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا.﴾ ..
وأردفت ذلك بالبشارة والإخبار بنصرة الإسلام ودعوته وتفوقه وغلبته على سائر الأديان، فهو دين الهدى والحق.
ثم رسمت طريق الهدى، وأوضحت منهاج السعادة الكبرى وسبيل النجاة من العذاب الأخروي بإعلان الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وبيان ثمرة الجهاد وهو النصر في الدنيا وثواب المجاهدين في الآخرة، وأكدت ذلك بالأمر بنصرة دين الله ، كمناصرة الحواريين دين عيسى ﵇: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.﴾. الآيات، وبالدعوة إلى نصرة دين الله يتناسب ختام السورة مع بدايتها.
стр. 8379
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله ﷺ ، فيسأله أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل رسول الله ﷺ إلينا رجلا رجلا، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها.
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام أيضا قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قال عبد الله بن سلام، فقرأها علينا رسول الله ﷺ .
الدعوة إلى القتال في سبيل الله صفا واحدا
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾
الإعراب:
﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾ ﴿مَقْتاً﴾: تمييز منصوب، وفاعل ﴿كَبُرَ﴾ يفهم بالتفسير، وتقديره: كبر المقت مقتا، مثل ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ [الكهف ٥/ ١٨]. و ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ مرفوع على الابتداء، و ﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾: خبر مقدم، وتقديره: قولكم ما لا تفعلون كبر مقتا، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أن تقولوا ما لا تفعلون، أو هو فاعل ﴿كَبُرَ﴾.
стр. 8380
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ﴿صَفًّا﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال، و ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾: في موضع نصب على الحال من واو ﴿يُقاتِلُونَ﴾ أي يقاتلون مشبهين بنيانا مرصوصا.
البلاغة:
﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ استفهام بأسلوب التوبيخ والإنكار، وما في قوله ﴿لِمَ﴾ استفهامية حذفت ألفها تخفيفا.
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ بعد قوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إطناب بتكرار اللفظ لبيان شدة قبح ما فعلوا. وقوله: ﴿تَقُولُوا﴾ و ﴿تَفْعَلُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ تشبيه مرسل مفصّل، حذف منه وجه الشبه، أي في المتانة والالتئام.
المفردات اللغوية:
﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ نزهه ومجده ودل عليه، واللام مزيدة. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ جيء بقوله ﴿ما﴾ وليس (من) تغليبا للأكثر. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب القاهر في ملكه. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه وتدبير أمور خلقه.
﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ ﴿لِمَ﴾ مركبة من لام الجر وما الاستفهامية، والأكثر حذف ألفها مع حرف الجر تخفيفا لكثرة استعمالهما معا ودلالتهما على المستفهم عنه، أي لأي شيء تقولون: قد فعلنا، مع أنكم لم تفعلوا، والمقصود التأنيب والتوبيخ على المغالطة والكذب في طلب الجهاد وغيره، مع أنهم انهزموا يوم أحد. ﴿كَبُرَ﴾ عظم. ﴿مَقْتاً﴾ المقت: أشد البغض. ﴿يُحِبُّ﴾ يرضى ويكرم وينصر. ﴿صَفًّا﴾ أي صافين. ﴿مَرْصُوصٌ﴾ متراص من غير فرجة أو متلاصق محكم، والرص:
اتصال أجزاء البناء وإحكامه.
سبب نزول الآية (٢، ١):
أخرج الترمذي كما تقدم والحاكم وصححه والدارمي عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ فقرأها
стр. 8381
علينا رسول الله ﷺ حتى ختمها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه، قال:
كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد لأهل معصيته الذين جحدوا الإيمان به، وإقرار برسالة نبيه ﷺ ، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فأنزل الله الآية (١).
ويؤيد ذلك قول عبد الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله، لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه.
التفسير والبيان:
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي نزّه الله ومجده لعظمته وقدرته ووحدانيته وجميع صفات كماله جميع ما في السموات وما في الأرض من العقلاء وغير العقلاء، وهو القوي الغالب القاهر فوق عباده الذي لا يغالب، الحكيم في أفعاله وأقواله، وفي تدبير خلقه وتصريف أمورهم وإرشادهم.
وفيه الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ثم أرشد خلقه إلى فضائل الأخلاق والأعمال، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، لأي شيء تقولون قولا وتخالفونه عملا. وهذا إنكار على من يعد وعدا، أو يقول قولا لا يفي به، قال ابن كثير: ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقا، سواء ترتب عليه غرم للموعود أم لا، واحتجوا أيضا من السنة بما
ثبت في الصحيحين أن
стр. 8382
رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان».
وفي الحديث الآخر في الصحيح: «أربع من كنّ فيه، كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها» فذكر منهن إخلاف الوعد.
وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إذا أدخل الواعد الموعود به في ورطة، وجب الوفاء به، كما لو قال لغيره: تزوج ولك علي كل يوم كذا، فتزوج وجب عليه أن يعطيه، ما دام كذلك، لأنه تعلق به حق آدمي، وهو مبني على المضايقة.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب ديانة مطلقا الوفاء بالوعد، وإن كان يجب ديانة ومروءة، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَآتُوا الزَّكاةَ، فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً، وَقالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ، لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، قُلْ: مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً. أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء ٧٧/ ٤ - ٧٨] وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ؟ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ، رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد ٢٠/ ٤٧].
ثم ذمّهم سبحانه على مخالفة القول العمل، فقال:
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أي عظم جرما أن تقولوا قولا وتفعلون غيره، فإن خلف الوعد دليل على حب الذات (الأنانية) وإهدار لمصلحة وكرامة ووقت الآخرين، وإخلال بالثقة بين الأفراد والجماعات،
стр. 8383
وما أسوأ خلف الوعد وأقبح بصاحبه، لذا كان مبغوضا عند الله أشد البغض ومعاقبا عليه، كما هو مبغوض مستنكر مذموم عند الناس جميعا.
وفي مقابل ذم التاركين للقتال الهاربين منه، مدح الله تعالى الذين أقدموا على القتال، فقال:
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي إن الله يرضى عن المقاتلين، ويثيب ثوابا جزيلا الذين يقاتلون في سبيل الله، صافّين أنفسهم صفا واحدا، وكتلة متراصة لا تتزحزح من المواقع، كأنهم بناء راسخ شامخ ملتزق بعضه ببعض دون فرج كقطعة واحدة.
وهذا تعليم من الله للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم، وحث على الجهاد بأسلوب آخر، ودليل على قوتهم وشدتهم في أمر الله، دون تراخ فيهم، وإشارة إلى إحكام أمر القتال، وتنفيذ مهمة الجهاد بدقة وإتقان، وتضامن واجتماع حازم على وحدة الكلمة، وإمضاء الأمر بعزيمة لا تعرف اللين، وهمة لا تردد فيها، ولقاء للعدو بقلوب ثابتة راسخة لا تخاف ولا تخشى الموت. وهكذا تبني الأمم القوية أمجادها، وتثبت هيبتها وشخصيتها الذاتية، وتنتزع احترام الآخرين لها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن تسبيح الله وتنزيهه وتمجيده من جميع ما في السموات وما في الأرض دليل على الربوبية والوحدانية والعظمة والقدرة والاتصاف بجميع صفات الكمال.
٢ - توجب آية: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً..﴾. على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها، فإن من التزم شيئا لزمه شرعا.
стр. 8384
والملتزم قسمان:
أحدهما-النذر: وهو نوعان: نذر تقرّب مبتدأ، كقوله: لله علي صوم وصلاة وصدقة، ونحوه من القرب، فهذا يلزم الوفاء به إجماعا. ونذر مباح معلق على شرط، مثل إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو إن كفاني الله شرّ كذا فعلي صدقة، فقال أكثر العلماء: يلزمه الوفاء به. ورأى بعضهم أنه لا يلزمه الوفاء به، والآية حجة للأكثرين، لأنها بمطلقها تتناول ذمّ من قال ما لا يفعله، على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط. ويري الشافعي أن نذر اللجاج والغضب لا يجب الوفاء به، وهو ما لا يقصد به النذر والقربة، مثل: إن كلمت فلانا فلله علي صوم أو نحوه.
والثاني-الوعد: فإن كان متعلقا بسبب، كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار، أو ابتعت شيئا أعطيتك كذا، فهذا لازم إجماعا من الفقهاء. وإن كان وعدا مجردا، فقيل: يلزم، عملا بسبب نزول الآية المتقدم، وقيل: لا يلزم، قال ابن العربي والقرطبي: والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر (١).
٣ - إن خلف الوعد مذموم شرعا، مستوجب للإثم والمؤاخذة، أما في الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل فيكون خلفا، وكلاهما مذموم.
٤ - يرضى الله سبحانه عن الذين يقاتلون في سبيله صفا واحدا، وهذا يدل على وجوب الثبات في الجهاد في سبيل الله، ولزوم المكان كثبوت البناء.
ولا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو لأداء رسالة يرسلها الإمام أو القائد، أو لمنفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز ولا خلاف
стр. 8385
فيها، أو للخروج للمبارزة إذا طلبها العدو، كما كانت حروب النبي ﷺ يوم بدر وفي غزوة خيبر.
التذكير بقصة موسى وعيسى ﵉ مع بني إسرائيل
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾
الإعراب:
﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ في موضع الحال.
﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ جملة ﴿يَأْتِي﴾: جملة فعلية في موضع جر، لأنها صفة لرسول. و ﴿اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ جملة اسمية من المبتدأ والخبر في موضع جر، لأنها صفة بعد صفة.
﴿لِيُطْفِؤُا﴾ منصوب بأن مقدرة، واللام مزيدة.
البلاغة:
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ استعارة، شبّه من أراد إبطال الدين بمن أراد إطفاء الشمس بفمه، واستعار نور الله لدينه وشرعه.
﴿الْفاسِقِينَ﴾ ﴿مُبِينٌ﴾ ﴿الظّالِمِينَ.﴾. إلخ سجع لطيف مقبول.
стр. 8386
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى﴾ أي واذكر حين قال، وهو كلام مستأنف مقرر لما قبله من ذم التاركين للقتال والمخالفين أمر الرسول ﷺ . ﴿يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ بالعصيان ومخالفة أمري إذ تركتم القتال، ومن الأذى أيضا الرمي بالأدرة، أي بانتفاخ الخصية، وهو كذب وافتراء. ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ بما جئتكم من المعجزات، وفائدة ﴿قَدْ﴾ تأكيد العلم، لا تقليله، كأنه قال:
وتعلمون علما يقينيا لا شبهة لكم فيه، وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم، إذ عكسوا القضية، وصنعوا مكان تعظيم رسول الله ﷺ إيذاءه. ﴿زاغُوا﴾ مالوا عن الحق والهدى الذي جاء به موسى بإيذائه.
﴿أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الهدى وصرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ لا يوفق إلى معرفة الحق أو إلى الجنة القوم الكافرين الخارجين عن الطاعة.
﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى﴾ أي واذكر. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ لم يقل: يا قوم، لأنه لم يكن له فيهم قرابة. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ لما تقدمني أو قبلي من الكتب كالتوراة والزبور. ﴿أَحْمَدُ﴾ من أسماء النبي ﷺ ، أي أحمد الناس لربه. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ جاء أحمد الناس الكفار. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ الأدلة والعلامات والمعجزات. ﴿قالُوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي قالوا: هذا المجيء به سحر بيّن. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين، أي لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا﴾ أي يريدون أن يطفئوا، واللام مزيدة لما فيها من معنى الإرادة تأكيدا. ﴿نُورَ اللهِ﴾ شرعه ودينه أو كتابه والحق الذي جاء به الرسول ﷺ . ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾ بأقوالهم: إنه سحر وشعر وكهانة. ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ مظهر دينه وناشره في الآفاق. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ ذلك الانتشار الشامل لدعوة الإسلام إرغاما لهم.
﴿بِالْهُدى﴾ بالقرآن أو المعجزة. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الملة الحنيفية. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ليعليه على جميع الأديان. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ لما فيه من الدعوة إلى التوحيد المحض، وإبطال الشرك.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا.﴾.: حكى الماوردي عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أبطأ عليه الوحي أربعين يوما، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتمّ أمره،
стр. 8387
فحزن رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، واتصل الوحي بعدها (١).
المناسبة:
بعد الحث على الجهاد وتأنيب المتخلفين عنه، التاركين للقتال، ذكّر الله المؤمنين بقصة موسى ﵇ مع قومه حين دعاهم إلى قتال الجبارين بقوله:
﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ..﴾. [المائدة ٢١/ ٥] فخالفوه وعصوا أمره، كيلا يفعلوا بنبيهم مثلما فعل به بنو إسرائيل. ثم ذكّرهم أيضا بقصة عيسى ﵇ مع بني إسرائيل أيضا حين جاءهم بالبينات والمعجزات وبشرهم بمجيء رسول من بعده اسمه أحمد، فعصوه ولم يمتثلوا أمره. وقرنت القصتان هنا لأن كلاّ من موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل، ولأن المخالفين هم أنفسهم.
ثم شنع على هؤلاء العصاة الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي إلى الإسلام، وإنما افتروا على الله الكذب بوصف المعجزات بأنها سحر، ثم ذكر غرضهم من الافتراء وهو محاولة إبطال دين الله وإطفاء نوره وشرعه، والحال أن الله متم نوره، ومظهر دينه على الأديان كلها.
التفسير والبيان:
يحذر الله سبحانه أمة محمد ﷺ من مخالفة أمر نبيهم بأن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما، فيقول:
- ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي، وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك خبر موسى بن عمران ﵇ حين قال لقومه بني إسرائيل: يا قوم لم تلحقون الأذى بي بمخالفة ما آمركم به من الشرائع التي افترضها الله عليكم، أو لم تؤذونني بالشتم والانتقاص، وأنتم تعلمون يقينا
стр. 8388
صدقي فيما جئتكم به من الرسالة، والرسول يحترم ويعظّم، وقد شاهدتم معجزاتي التي توجب الاعتراف برسالتي.
وهذا تعليم للمؤمنين ونهي لهم من إيذاء نبيهم كما أوذي موسى ﵇، كما جاء في آية أخرى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى، فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا، وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب ٦٩/ ٣٣] وفي هذا أيضا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر، ولهذا
قال: «رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».
﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ أي وإنهم لما تركوا الحق ولم يتبعوا نبيهم وآذوه، أمال الله قلوبهم عن الهدى، وصرفها عن الحق، وأسكنها الشك والحيرة، جزاء بما ارتكبوا، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠/ ٦].
والله لا يوفق للحق ولا يرشد للهداية القوم الكافرين الذين كفروا بأنبيائهم، وعصوا رسلهم، وهؤلاء من جملتهم.
- ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي واذكر يا محمد أيضا لقومك خبر عيسى إذ قال: يا بني إسرائيل، إني رسول الله إليكم بالإنجيل، لم آتكم بشيء يخالف التوراة، وإنما أؤيدها وأكملها، فكيف تعصونني وتنفرون عني وتخالفونني؟! ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ أي إن التوراة قد بشرت بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي، وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد: وهو الذي يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره.
стр. 8389
وهو خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، كما أن عيسى خاتم أنبياء بني إسرائيل.
أورد البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي-أي بعدي-، وأنا العاقب» أي الآخر الآتي بعد الأنبياء.
وروى مسلّم وأبو داود الطيالسي عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة والتوبة والملحمة».
وعن كعب الأحبار: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة محمد، حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
وجاء في الفصل العشرين من السّفر الخامس من التوراة: «أقبل الله من سينا، وتجلّى من ساعير، وظهر من جبال فاران، معه الربوات الأطهار عن يمينه». وسينا مهبط الوحي على موسى، وساعير مهبط الوحي على عيسى، وفاران جبال مكة مهبط الوحي على محمد.
وجاء في إنجيل يوحنا في الفصل الخامس عشر: قال يسوع المسيح: إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي، يعلمكم كل شيء، والفارقليط: لفظ يدل على الحمد، وهو إشارة إلى أحمد ومحمد اسمي النبي ﷺ .
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي حين جاء أحمد المبشّر به في الكتب المتقدمة بالأدلة والمعجزات القاطعة، قال الكفرة والمخالفون: هذا
стр. 8390
الذي جئت به سحر واضح لا شك فيه. وقيل: المراد لما جاءهم عيسى بالمعجزات، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر واضح ظاهر.
ثم ذكر الله تعالى حكم المعارضين المخالفين الذين دعوا إلى الإسلام وتوحيد الله، فقال:
- ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ، وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ، وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله، ويجعل له أندادا وشركاء، وهو يدعى إلى التوحيد والإخلاص، والله لا يرشد للحق والصواب الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم، وهؤلاء منهم.
- ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ، وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي إن هؤلاء الكفار يحاولون جاهدين إبطال دعوة الإسلام، ومنع هدايته، ومقاومة دعوته بأفواههم الكاذبة، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل، كذلك إبطال دعوة الإسلام مستحيل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي والله مظهر دين الإسلام في الآفاق، ويعليه على غيره من الأديان، ومؤيد رسوله محمدا ﷺ ، ولو كره الكافرون ذلك.
- ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أي إن الله هو الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى الكامل، ودين الحق الأبلج الواضح، المتمثل بالقرآن والسنة النبوية، ليجعله متفوقا منتصرا على جميع الأديان، عاليا عليها، غالبا بالمنطق والواقع لها، ولو كره المشركون ذلك، فإنه كائن لا محالة.
وإنما قال أولا: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ وهم اليهود والنصارى والمشركون، ثم قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ لأنه ذكر أولا النور وإطفاءه، فكان اللائق به
стр. 8391
الكفر: وهو الستر والتغطية، ثم ذكر الرسول والإرسال ودين الحق، وكان الاعتراض عليه أولا من المشركين، ولأن أكثر الحاسدين للرسول ﷺ من قريش، وهم المشركون. ولما كان النور أعم من الدين والرسول ﷺ ، ناسبه ذكر الكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام، ولفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، والرسول والدين أخص من النور، فناسبه ذكر المشركين الذين هم أخص من الكافرين (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن مخالفة أوامر الأنبياء والرسل موجبة لعقاب المخالفين، وقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يذكر لقومه العرب أنه لما أمر المؤمنون بالجهاد، فتثاقل بعضهم وتبرموا منه، كان حالهم كحال بني إسرائيل لما أمرهم موسى وعيسى بالتوحيد والجهاد في سبيل الله، خالفوا، فحل العقاب بمن خالف.
٢ - يريد الله الخير لعباده، ولا يضل أحدا بغير موجب، فلا يضل المهتدين، وإنما يضل الظالمين والفاسقين، ولما زاغ بنو إسرائيل (مالوا عن الحق) أزاغ الله قلوبهم، أي أمالها عن الهدى وعن الطاعة والإيمان والثواب.
٣ - نزل الإنجيل على عيسى ﵇ متمما للتوراة التي نزلت على موسى ﵇، فلم يأتهم عيسى بشيء يخالف التوراة، فينفروا عنه، وقد بشرت التوراة بعيسى، وبشر عيسى بالنبي محمد ﷺ ، وهذا أمر منطقي، لأن رسالات الأنبياء صلوات الله عليهم كلهم يكمل بعضها بعضا، فهي من مصدر واحد، وذات غاية واحدة تنحصر في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته والإيمان بالرسل والملائكة والكتب الإلهية واليوم الآخر.
стр. 8392
٤ - سمى الله نبينا ﷺ باسمه قبل أن يسمّي به نفسه، ومعنى (أحمد) أنه أحمد الحامدين لربه، والأنبياء ﵈ كلهم حامدون لله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدا. ومحمد: هو الذي حمد مرة بعد مرة، واسمه صادق عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه، ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة، ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه فشرفه بالنوبة، فلذلك تقدم اسم (أحمد) على (محمد) في بشارة عيسى ﵇: ﴿اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
وذكره موسى ﵇ حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة محمد.
٥ - كل من عيسى ومحمد ﵉ لما جاء بالبينات أي المعجزات والأدلة على النبوة، قال المعارضون: هذا سحر مبين.
٦ - إن الكفر بعيسى ومحمد ﵉ بعد المعجزات التي ظهرت لهما، أمر يدعو إلى العجب، والكافرون برسالات الأنبياء، المنكرون لوجود الله، أو المشركون به أحدا من خلقه هم أظلم الناس على الإطلاق.
٧ - كل محاولات الكفرة لإبطال دين الله تعالى ومقاومة دعوة الإسلام بالإنكار والتكذيب خائبة خاسرة، ومثلهم في إرادة إبطال الحق مثل من أراد إطفاء نور الشمس بفيه، فوجده مستحيلا ممتنعا.
٨ - الله متم نوره بقدرته وتدبيره، ومعلن دينه بإظهاره في الآفاق، ولو كره الكافرون جميعا ذلك.
٩ - أرسل الله تعالى رسوله محمدا ﷺ بالحق والرشاد، ليعليه على جميع الأديان بالحجج، ولو كره المشركون قاطبة ذلك. وقال أبو هريرة: «ليظهره على الدين كله» بخروج عيسى. وحينئذ لا يبقى كافر إلا أسلم.
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لينزلن ابن مريم حكما عادلا،
стр. 8393
فليكسرنّ الصليب، وليقتلنّ الخنزير، وليضعنّ الجزية، ولتتركنّ القلاص (١)، فلا يسعى عليها، ولتذهبنّ الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال، فلا يقبله أحد».
التجارة الرابحة
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾
الإعراب:
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ خبر معناه الأمر، أي آمنوا، بدليل قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ بجزم ﴿يَغْفِرْ﴾ على الجواب، وتقديره: آمنوا، إن تؤمنوا يغفر لكم، ولولا أنه في معنى الأمر، لما كان للجزم وجه.
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ.﴾. ﴿أُخْرى﴾: إما في موضع جر عطفا على قوله:
﴿تِجارَةٍ﴾ وتقديره: وعلى تجارة أخرى، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. وإما في موضع رفع على الابتداء، أي ولكم خلة أخرى. والوجه الأول أوجه. و ﴿تُحِبُّونَها﴾: جملة فعلية في موضع جر أو رفع، لأنها وصف بعد وصف. و ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي هي نصر من الله.
стр. 8394
﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ ﴿ظاهِرِينَ﴾: خبر (أصبح) المنصوب.
البلاغة:
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾؟ استفهام للترغيب والتشويق.
﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ﴾ ﴿وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿تِجارَةٍ﴾ التجارة هنا: العمل الصالح، وهي في الأصل: تداول البيع والشراء لأجل الكسب. ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ.﴾. أي تدومون على الإيمان، وهو كلام مستأنف مبين لنوع التجارة وهو الجمع بين الإيمان والجهاد، والمراد به الأمر، أي آمنوا، وإنما جيء بلفظ الخبر إيذانا بأن ذلك مما لا يترك. ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي ما ذكر من الإيمان والجهاد. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كنتم من أهل العلم، إذ الجاهل لا يعتد بفعله.
﴿يَغْفِرْ﴾ جواب للأمر المراد من الخبر: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ أو جواب الشرط المقدر أي إن تفعلوه يغفر. ﴿طَيِّبَةً﴾ طاهرة خالصة. ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ بساتين إقامة دائمة. ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.
﴿وَأُخْرى﴾ أي ولكم نعمة أخرى أو يؤتكم نعمة أخرى. ﴿تُحِبُّونَها﴾ فيه تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل. ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ نصر عاجل، وهو فتح مكة. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والفتح، وهو معطوف على محذوف وهو: قل: يا أيها الذين آمنوا، أو على ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ الذي هو في معنى الأمر، أي آمنوا وجاهدوا وبشرهم يا رسول الله بما وعدتهم عليهما عاجلا وآجلا.
﴿كُونُوا أَنْصارَ اللهِ﴾ أي بعض أنصار الله أي الناصرين لدينه، أي قل لهم كما قال عيسى.
﴿لِلْحَوارِيِّينَ﴾ أصفياء عيسى وخواصه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلا، والحواري:
صفي الرجل وخليله، من الحور: البياض الخالص. ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من جندي متوجها إلى نصرة الله. ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ آمنت جماعة بعيسى ﵇، وقالوا: إنه عبد الله رفع إلى السماء. ﴿وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ بعيسى، لقولهم: إنه ابن الله رفعه إليه، فاقتتلت الطائفتان. ﴿فَأَيَّدْنَا﴾ قوّينا وساعدنا، أي بالحجة أو بالحرب، وذلك بعد رفع عيسى.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الطائفتين. ﴿عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ الطائفة الكافرة. ﴿ظاهِرِينَ﴾ غالبين بالحجة والبينة.
стр. 8395
سبب النزول:
نزول الآية (١٠):
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ.﴾.: أخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله وأفضل؟ فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.﴾. الآية، فكرهوا الجهاد، فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج عن ابن عباس، وابن جرير عن الضحاك قال: أنزلت: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ في الرجل يقول في القتال ما لم يفعله من الضرب والطعن والقتل.
نزول الآية (١١):
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ..﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ قال المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة، لأعطينا فيها الأموال والأهلين، فنزلت: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾.
المناسبة:
بعد حث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وتحذيرهم من المخالفة، حتى لا يكونوا أمثال بني إسرائيل الذين خالفوا موسى وعيسى، ذكر الله تعالى أن التجارة الرابحة التي لا تبور هي في الإيمان بالله والجهاد في سبيله بالمال والنفس.
ثم حث على مناصرة دين الله تعالى وشرعه ورسوله ﷺ كما ناصر الحواريون عيسى ﵇.
стр. 8396
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، ألا أرشدكم إلى تجارة نافعة رابحة، تحققون بها النجاح والنجاة من العذاب الشديد المؤلم يوم القيامة؟ وهذا أسلوب فيه ترغيب وتشويق، وقد جعل العمل الصالح لنيل الثواب العظيم بمنزلة التجارة، لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار، ونوع التجارة كما بيّنت الآيتان التاليتان، ومعناهما أن الإيمان والجهاد ثمنهما من الله الجنة، وذلك بيع رابح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة ١١١/ ٩].
ثم بين نوع التجارة بقوله:
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي هي أن تدوموا على الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وتخلصوا العمل لله، وتجاهدوا من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه بالأنفس والأموال. وقدم تعالى الأموال، لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق.
﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ذلك المذكور من الإيمان والجهاد خير لكم وأفضل من أموالكم وأنفسكم، ومن تجارة الدنيا والاهتمام بها وحدها، إن كنتم من أهل العلم والوعي للمستقبل، فإن المهم هو النتائج والغايات، ولا يدرك تلك الغاية النبيلة أهل الجهل.
والجهاد نوعان: جهاد النفس: وهو منعها عن الشهوات، وترك الطمع والشفقة على الخلق ورحمتهم، وجهاد العدو: وهو مقاومة الأعداء ورد عدوانهم من أجل نشر دين الله تعالى.
стр. 8397
ثم ذكر ثمرة الإيمان والجهاد، فقال:
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، فِي جَنّاتِ عَدْنٍ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم، غفرت لكم ذنوبكم، وأدخلتكم الجنات التي تجري من تحت قصورها الأنهار، والمساكن الطيبات للنفوس، والدرجات العاليات في جنات الإقامة الدائمة التي لا تنتهي بموت ولا خروج منها، وذلك المذكور من المغفرة وإدخال الجنات هو الفوز الساحق الذي لا فوز بعده. وهذه هي الفائدة الأخروية.
ثم ذكر الله تعالى الفائدة الدنيوية بقوله:
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي ولكم خصلة أو نعمة أخرى تعجبكم هي نصر مبين من الله لكم، وفتح عاجل للبلاد كمكة وغيرها من فارس والروم، أي إذا قاتلتم في سبيل الله، ونصرتم دينه، تكفل الله بنصركم، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧] وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠/ ٢٢].
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وبشر أيها الرسول المؤمنين بالنصر العاجل في الدنيا، وبالجنة في الآخرة.
ثم أمرهم الله تعالى بنصرة دينه ورسوله ﷺ في كل وقت، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ:﴾
﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، دوموا على ما أنتم عليه من نصرة دين الله وتأييد شرعه ورسوله ﷺ ، في جميع الأحوال بالأقوال والأفعال، والأنفس والأموال،
стр. 8398
واستجيبوا لله تعالى ولرسوله ﷺ ، كما استجاب الحواريون (أصفياء المسيح وخلصاؤه) لعيسى حين قال لهم: من الذي ينصرني ويعينني في الدعوة إلى الله ، ومن منكم يتولى نصري وإعانتي فيما يقرب إلى الله، أو من أنصاري متجها إلى نصرة الله؟ قال الحواريون: وهم أنصار المسيح وخلّص أصحابه، وأول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلا: نحن أنصار دين الله، ومؤيدوك ومؤازروك فيما أرسلت به، فبعثهم دعاة إلى دينه في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين.
وهكذا
كان رسول الله ﷺ ينادي في أيام الحج: «من رجل يؤويني حتى أبلّغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلّغ رسالة ربي؟» حتى قيّض الله الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه على نشر دينه في بلدهم.
﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أي لما بلّغ عيسى رسالة ربه إلى قومه، وآزره الحواريون، اهتدت طائفة من بني إسرائيل إلى الإيمان الحق وآمنوا بعيسى على حقيقته أنه عبد الله ورسوله، وضلّت طائفة أخرى، وكفرت بعيسى، وجحدوا نبوته، واتهموه وأمه بالفاحشة، وتغالت جماعة أخرى من أتباعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، فوصفوه بأنه ابن الله أو هو الله أو ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس. وصارت النصارى فرقا وأحزابا كثيرة.
﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ أي فنصرنا المؤمنين على من عاداهم من فرق النصارى، وقوّينا المحقّين منهم بالحجة والروح من عندنا على المبطلين، فأصبحوا عالين غالبين عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٥١/ ٤٠].
стр. 8399
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ﴾ قال: قد كان ذلك بحمد الله، جاءه سبعون رجلا، فبايعوه عند العقبة، وآووه ونصروه، حتى أظهر الله دينه.
وأخرج ابن إسحاق وابن سعد: قال رسول الله ﷺ للنفر الذين لقوه بالعقبة: «أخرجوا إليّ اثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم، كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم». ثم قال رسول الله ﷺ للنقباء: «إنكم كفلاء على قومكم، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل قومي، قالوا: نعم».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١ - أرشد الله إلى التجارة الرابحة المنجّية المخلّصة من العذاب المؤلم في الآخرة، وهي الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ، والجهاد في سبيله بالأموال والأنفس. قال مقاتل في آية: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ.﴾.: نزلت في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول الله ﷺ : لو أذنت لي فطلّقت خولة، وترهّبت واختصيت وحرّمت اللحم، ولا أنام بليل أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا!
فقال رسول الله ﷺ : «إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم، ومن سنتي أن أنام وأقوم وأفطر وأصوم، فمن رغب عن سنتي، فليس مني» فقال عثمان: والله لوددت يا نبي الله، أي التجارات أحب إلى الله، فأتّجر فيها، فنزلت.
وهذا مع ما ذكر سابقا من حالات تعدد أسباب النزول.
٢ - الإيمان والجهاد خير من الأموال والأنفس في الواقع وعند تأمل الإنسان مستقبله، وتعمقه في الفكر، لذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم
стр. 8400
تعلمون أنه خير لكم، كان خيرا لكم، لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيرا.
٣ - إن جدوى الإيمان والجهاد في سبيل الله في الآخرة مغفرة الذنوب ودخول الجنات، والتمتع بالمساكن الطيبة الطاهرة في جنات إقامة دائمة، وتلك هي السعادة الدائمة الشاملة.
٤ - وللإيمان والجهاد فائدة أو مزية أخرى في الدنيا وهي الظفر والنصر على الأعداء، وفتح بلاد الأعداء كمكة وفارس والروم في الماضي، وبشارة المؤمنين برضا الله عنهم.
٥ - أمر الله تعالى بإدامة النصرة لدين الله تعالى والثبات عليه، كنصرة الحواريين (أصفياء) عيسى ﵇ حين قال لهم: من ينصر دين الله ويؤازرني؟ فناصروه وآزروه.
٦ - اختلف بنو إسرائيل والنصارى في شأن عيسى بعد رفعه إلى السماء، فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر به، وصاروا ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المسلمون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس. ثم أيد الله الذين آمنوا بعيسى على أنه عبد الله ورسوله على الذين كفروا بعيسى، فأصبحوا غالبين.
ثم تأيدت الفئة الغالبة ببعثه النبي محمد ﷺ ، فظهرت على الكافرة.
стр. 8401
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الجمعة
مدنيّة، وهي إحدى عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الجمعة لاشتمالها على الأمر بإجابة النداء لصلاة الجمعة، في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ..﴾ ..
مناسبتها لما قبلها:
يتضح وجه اتصال هذه السورة بما قبلها من نواح أربع هي:
١ - ذكر تعالى في السورة التي قبلها حال موسى مع قومه، وإيذاءهم له، مؤنبا لهم، وذكر في هذه السورة حال الرسول ﷺ وفضل أمته، تشريفا لهم، ليظهر الفرق بين الأمتين وفضل الأمة الاسلامية.
٢ - بشّر عيسى ﵇ في السورة المتقدمة بمحمد أو أحمد ﷺ ، ثم ذكر في هذه السورة أنه هو الذي بشّر به عيسى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾.
٣ - ختم الله تعالى سورة الصف السابقة بالأمر بالجهاد وسماه ﴿تِجارَةً﴾ وختم هذه السورة بالأمر بالجمعة، وأخبر أنه خير من التجارة الدنيوية.
٤ - في السورة المتقدمة أمر الله المؤمنين بأن يكونوا صفا واحدا في القتال،
стр. 8402
فناسب تعقيب سورة القتال بسورة صلاة الجمعة التي تستلزم الصف، لأن الجماعة شرط فيها دون سائر الصلوات (١).
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كالسور المدنية بيان أحكام التشريع، والهدف منها هنا بيان أحكام صلاة الجمعة المفروضة بدلا عن الظهر في يوم الجمعة.
بدأت السورة كسابقتها بتنزيه الله وتمجيده ووصفه بصفات الكمال. ثم أشادت بأوصاف النبي ﷺ خاتم النبيين ورحمة الله المهداة وهي عروبته وتلاوته آيات القرآن على قومه وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والسنة، سواء في زمنه أم للأجيال المتلاحقة، وبيان كون ذلك فضلا من الله ونعمة ورحمة.
ثم نعت على اليهود لتركهم العمل بأحكام التوراة، وتشبيههم بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب النافعة، ولكنه لا يفهم منها شيئا، ولا يناله إلا التعب، وذلك الشقاء بعينه.
ثم ذكرت طلب مباهلة اليهود إن كانوا أولياء الله بتمني الموت.
وختمت السورة بالحث على أداء صلاة الجمعة وإيجاب السعي لها بمجرد النداء الذي ينادى لها بالأذان والإمام على المنبر، وأباحت السعي وكسب الرزق عقب انتهاء الصلاة، وعاتبت المؤمنين الذين تركوا النبي ﷺ ، وهو يخطب على المنبر، ومسارعتهم لرؤية قافلة التجارة.
فضلها:
روى مسلم في صحيحة عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين.
стр. 8403
خصائص النبي ﷺ بالنسبة للعرب والناس كافة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾
الإعراب:
﴿رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع نصب لأنه صفة ل «رسول» وكذلك قوله تعالى:
﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ وكذلك ما بعده من المعطوف عليه. ﴿وَإِنْ كانُوا﴾ ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واللام تدل عليها، واسمها محذوف، أي وإنهم.
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ ﴿وَآخَرِينَ﴾ يجوز فيه النصب والجر، أما النصب فهو إما بالعطف على الهاء والميم في ﴿يُعَلِّمُهُمُ﴾ أو بحمل معنى ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ على معنى «يعرفهم آياته».
وأما الجر: فهو بالعطف على قوله تعالى: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ وتقديره: بعث في الأميين رسولا منهم وفي آخرين. و (من) في ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبيين.
المفردات اللغوية:
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ﴾ ينزهه ويمجده، واللام زائدة ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر ﴿ما﴾ دون. «من» تغليبا للأكثر. ﴿الْقُدُّوسِ﴾ المنزّه عما لا يليق به المتصف بصفات الكمال.
﴿الْعَزِيزِ﴾ القوي القاهر الغالب الذي لا يغالب. ﴿الْحَكِيمِ﴾ في صنعه وتدبير خلقه، يضع الأمور في موضعها الصحيح. وقد قرئت الصفات الأربع بالرفع على المدح.
﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ العرب جمع أمي: وهو من لا يقرأ ولا يكتب، وصف العرب بذلك، لأن أكثرهم لا يقرءون ولا يكتبون. والأمي: نسبة للأم التي ولدته. ﴿رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ من جملتهم، فهو أمي مثلهم. ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يتلو على العرب آيات القرآن، مع كونه أميّا مثلهم.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الشرك ومن خبائث العقائد والأعمال. ﴿الْحِكْمَةَ﴾ الشريعة أي معالم
стр. 8404
الدين وأحكام القرآن. ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي من قبل مجيئه لفي خطأ بيّن واضح، وهو الشرك وخبائث الجاهلية. وهذا بيان لشدة حاجتهم إلى نبي يرشدهم.
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ أي وغيرهم الآتين بعدهم، جمع آخر بمعنى: غير، وهم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم القيامة. ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لم يلحقوا بهم في السابقة والفضل. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ القوي في ملكه وتمكينه من النبوة، الحكيم في صنعه واختياره. والاقتصار على الصحابة دليل على فضلهم على من عداهم من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة.
﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ ذلك الفضل المتميز لهذا النبي عن أقرانه فضله. ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ تفضلا وعطية للنبي ﷺ وصحبه. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الذي يتضاءل دونه نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
التفسير والبيان:
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي ينزه الله ويمجده جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، إقرارا بوجوده ووحدانيته وقدرته، كما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧] فهو مالك السموات والأرض المتصرف فيهما بأمره وحكمته، المنزّه عن النقائص وعن كل ما يخطر بالبال، الموصوف بصفات الكمال والقوي الغالب القاهر الذي لا يغلبه غالب، بليغ العزة والحكمة، المتقن في تدبير شؤون خلقه، الحكيم في كل شيء.
وبعد تنزيه الله نفسه وصف رسوله ﷺ بما تميز به من خصائص، فقال:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنه سبحانه هو الذي أرسل في العرب الأميين، إذ كان أكثرهم لا يحسن القراءة والكتابة، رسولا من جنسهم فهو أمي مثلهم، كما
قال-فيما يرويه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر-: «إنا أمّة لا نكتب ولا نحسب» وقال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨/ ٢٩].
ومع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا تعلم من أحد، كان يتلو على أمته
стр. 8405
آيات القرآن التي ترشدهم لخير الدنيا والآخرة، ويطهرهم من دنس الكفر والذنوب وأخلاق الجاهلية، ويعلمهم القرآن والسنة والشرائع والأحكام وحكمتها، وإن كانوا في جاهليتهم في ضلال وخطأ واضح في العقيدة والتشريع والنظام، إذ كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم الخليل ﵇، فبدّلوه وغيّروه، واستبدلوا بالتوحيد شركا ووثنية، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدّلوا كتبهم وحرّفوها، وغيّروها وأوّلوها.
فأرسل الله تعالى رسوله محمدا ﷺ بشرع كامل شامل لجميع الخلق، لا إلى العرب وحدهم، فيه بيان جميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة إلى ما يقرّبهم إلى الجنة ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى عليهم.
وتخصيص العرب الأميين بالذكر، لأنه ﷺ مبعوث إليهم خاصة وإلى الناس عامة، لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧].
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي وبعث الله رسولا من العرب لأجيال آخرين من المؤمنين، سواء كانوا من العرب أو من غيرهم، كالفرس والروم، وهم من جاء بعد الصحابة من المسلمين إلى يوم القيامة، لم يلحقوا بهم في ذلك الوقت، وسيلحقون بهم من بعد، والله هو القوي الغالب القاهر ذو العزّة والسلطان، القادر على التمكين لأمة الإسلام في الأرض، وهو ذو الحكمة البالغة في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله وتدبير خلقه.
روى الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فأنزلت عليه سورة الجمعة، فتلاها،