وقولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ فيه تأكيد شهادتهم، للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم، مع صدق اعتقادهم، ومعنى ﴿نَشْهَدُ﴾ نعلم ونحلف.
وقوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ جملة اعتراضية مخبرة أنه رسول الله ﷺ ، وهي تصديق من الله لما تضمنه كلامهم من الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة، لئلا يتوهم كون التكذيب الآتي بعدئذ موجها إلى ذلك. وقوله: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ يراد به تكذيب دعواهم أن شهادتهم للنبي ﷺ هي من صميم القلب.
ثم أخبر الله تعالى عن استخدام الأيمان لإثباتهم ما يقولون، وإقناع الناس بصدقهم، فقال:
﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي إنهم جعلوا أيمانهم الكاذبة التي حلفوها وقاية وسترا لصون دمائهم من القتل، وأنفسهم من الأسر، وأموالهم من الأخذ، حتى لا تطبق عليهم أحكام الكفار من القتل والأسر واغتنام المال، فاغترّ بهم من لا يعرف حقيقة أمرهم، فاعتقدوا بأنهم مسلمون، فاقتدوا بهم فيما يفعلون، مما ألحق ضررا بكثير من الناس، إذ منعوهم من الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة بسبب ما يصدر منهم من التشكيك والقدح في النبوة، إنه لقبيح ما كانوا يفعلون من النفاق والصدّ عن سبيل الله تعالى.
والآية دليل على ارتكابهم جرمين كبيرين: الحلف بالأيمان الكاذبة، والصد عن الدخول في الإسلام والجهاد في سبيل الله، مما استوجب وصف أفعالهم بالقبح.
ثم أخبر الله تعالى عن أسباب موقفهم هذا، فقال:
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا، ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي ذلك المذكور من الكذب والصدّ وقبح الأعمال بسبب أنهم آمنوا نفاقا، ثم كفروا
стр. 8437
في الحقيقة والباطن، فختم على قلوبهم بسبب كفرهم، فلا يدخلها إيمان، ولا تهتدي إلى حق، ولا ينفذ إليها خير، فأصبحوا لا يفهمون ما فيه رشدهم وصلاحهم، ولا يعون ولا يدركون الأدلة الدالة على صدق الرسول ﷺ والرسالة.
ثم أبان الله تعالى مدى الاغترار بمظاهرهم وصورهم الجسدية، فقال:
﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ، وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ أي وإذا نظرت إليهم تروقك هيئاتهم ومناظرهم، لما فيها من النضارة والرونق وجمال الصورة واعتدال الخلقة، وإن تكلموا حسن السماع لكلامهم، وظن أن قولهم حق وصدق، لفصاحتهم وحلاوة منطقهم وذلاقة ألسنتهم، كأنهم أخشاب جوفاء منخورة مستندة إلى الحيطان، فهم مجرد كتل بشرية لا تفهم ولا تعلم، وقد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين فصيحا جسيما جميلا، ولكنه وصحبه لا وعي ولا إدراك لديهم، لخلوهم عن الفهم النافع، والعلم الذي ينتفع به صاحبه، فهم صور بلا معان. فقوله: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ﴾ يعني عبد الله بن أبي، ومغيث بن قيس، وجدّ بن قيس، كانت لهم أجسام ومنظر، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها، وكان عبد الله بن أبي جسيما صبيحا فصيحا.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ، قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي وهم مع جمال مناظرهم وجسامة أجسادهم في غاية الضعف والخور والجبن، يظنون كل صوت كلما وقع أمر، أو كل صيحة يسمعونها واقعة عليهم، نازلة بهم، لفرط جبنهم، ورعب قلوبهم، وفراغهم النفسي، وإحساسهم بالهزيمة من الداخل، فهم الأعداء الألداء، فاحذر مؤامراتهم، ولا تطلعهم على شيء من أسرارك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار، لعنهم الله وطردهم من رحمته وأهلكهم، كيف يصرفون عن الحق، ويميلون عنه إلى الكفر، ويتركون الهدى إلى الضلال.
стр. 8438
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ، سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ، أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ، أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ [الأحزاب ١٩/ ٣٣].
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن الإيمان تصديق القلب، والكلام الحقيقي كلام القلب، ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب، فالمنافقون كاذبون، لأنهم يقولون غير ما يعتقدون. وهذا مستنبط من الآية الأولى المتضمنة أن المنافقين يشهدون أن محمدا رسول الله ﷺ ، اعترافا بالإيمان، ونفيا للنفاق عن أنفسهم، وهم في هذا لم يضيفوا شيئا جديدا للحقيقة، فالله يعلم أن محمدا رسول الله كما قالوا بألسنتهم، ولكنه يشهد أنهم في ضمائرهم كاذبون، وإن أظهروا الشهادة بالإسلام وبتصديق النبي ﷺ ، وحلفوا بألسنتهم.
٢ - لا يبالي المنافقون بالحلف كذبا، ويصدون عن الدخول في الإسلام، فقد اتخذوا بقيادة عبد الله بن أبي أيمانهم وقاية وسترا من الناس، يتقون بها تطبيق أحكام الكفرة عليهم من القتل والسبي واغتنام الأموال، فاغتر الناس بهم وظنوا أنهم مسلمون، فقلّدوهم، فأدى صنعهم هذا إلى صد الناس، من اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام، ومنعهم من الجهاد بسبب تخلفهم واقتداء
стр. 8439
غيرهم بهم، فبئست أعمالا أعمالهم الخبيثة من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم عن سبيل الله.
ولكن الله تعالى بيّن أن حالهم لا يخفى عليه، ولكن حكمه أن من أظهر الإيمان، أجري عليه في الظاهر حكم الإيمان.
٣ - قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا..﴾. إعلام من الله تعالى بأن المنافق كافر، لأنه أقر باللسان، ثم كفر بالقلب، والمعول عليه هو ما في القلوب. وكان من لوازم اعتصامهم بالكفر أن ختم الله على قلوبهم بالكفر، فأصبحوا لا يدركون معالم الإيمان وأدلته، ولا مفهوم الخير وطرقه، فهم على الكفر الثابت الدائم.
٤ - إن الحكم على الناس لا يكون بالأشكال والهيئات والمناظر، وإنما يكون بالحقائق المدركة، والأفعال الواقعة، والأقوال الصادقة. وقد كان المنافقون حسان الهيئة، فصيحي اللسان، ولكنهم أشباح بلا أرواح، وصور بلا معان.
قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي ﷺ مقالته، وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة.
أخرج مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
٥ - يؤدي النفاق عادة إلى القلق والتردد، والضعف والهزيمة، والجبن والجزع والهلع، لذا كان المنافقون جبناء، يحسبون كل واقعة، كأنها نازلة بهم لجبنهم، وكأن كل أمر وقع أو خوف نازل بهم وحدهم. قال مقاتل: إذا نادى مناد في العسكر، وانفلتت دابة، أو نشدت ضالة مثلا، ظنوا أنهم يرادون بذلك، لما في قلوبهم من الرعب، ولأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة.
стр. 8440
٦ - المنافقون أعداء المؤمنين، الكاملون في العداوة لله تعالى وللرسول ﷺ ، فينبغي الحذر من أقوالهم والميل لكلامهم، والحرص من تآمرهم وتخذيلهم بعض ضعفة المؤمنين، واطلاعهم على أسرار الأمة، حتى لا تتسرب إلى الأعداء.
٧ - لهذه الأوصاف الذميمة كلها ختمت الآيات بكلمة الذم والتوبيخ وهي ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي لعنهم وطردهم من رحمته، فكيف يصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال، وكيف تضل عقولهم عن الإيمان مع وضوح الدلائل؟!
أدلة إثبات كذب المنافقين ونفاقهم
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)﴾
الإعراب:
﴿تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ﴾ هنا فعلان، أعمل الثاني منهما وهو ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ ولا ضمير فيه، لأن ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ مرفوع به، والفعل لا يرفع فاعلين. ولو أعمل الأول وهو ﴿تَعالَوْا﴾ لقيل: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم، وكان في ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ ضمير يعود إلى ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ هو الفاعل.
﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ استغني بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل.
стр. 8441
﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ هذا هو المشهور، وقرئ ﴿لَيُخْرِجَنَّ﴾ بفتح الياء، وهو فعل لازم مضارع (خرج) إلا أنه نصب ﴿الْأَذَلَّ﴾ على الحال، وهو شاذ، لأن الحال لا يكون فيها الألف واللام، مثل: «مررت به المسكين» منصوب على الحال، وقولهم: ادخلوا الأول فالأول.
البلاغة:
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿مُسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿الْفاسِقِينَ﴾، ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ... إلخ، توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ﴾ أي احضروا معتذرين يطلب لكم الرسول المغفرة. ﴿لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ عطفوها وأمالوها إعراضا واستكبارا عن ذلك واستهزاء. ﴿يَصُدُّونَ﴾ يعرضون عن الاستغفار وعن القائل. ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الاعتذار. ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ لرسوخهم في الكفر.
﴿الْفاسِقِينَ﴾ الخارجين عن طاعة الله تعالى والرسول ﷺ .
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ لأصحابهم من الأنصار. ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾ من المهاجرين. ﴿حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ يتفرقوا عنه. ﴿وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خزائن الأرزاق فيهما، فبيده الأرزاق، وهو الرزاق للمهاجرين وغيرهم. ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون ذلك لجهلهم بالله، فهم لا يدركون عظمة الله وقدرته وسعته.
﴿لَئِنْ رَجَعْنا﴾ من غزوة بني المصطلق. ﴿الْأَعَزُّ﴾ أي المنافقون. ﴿الْأَذَلَّ﴾ أي المؤمنين في زعمهم. ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ﴾ الغلبة والنصرة والقوة. ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك من فرط جهلهم وغرورهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ.﴾.: أخرج ابن جرير عن قتادة قال: قيل لعبد الله بن أبي: لو أتيت النبي ﷺ ، فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه، فنزلت فيه:
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة مثله.
стр. 8442
وأخرج البخاري ومسلم، والترمذي بمعناه في بيان سبب نزول هذه الآية:
أن النبي ﷺ غزا بني المصطلق على ماء يقال له (المريسيع) من ناحية (قديد) إلى الساحل، فازدحم أجير لعمر يقال له (جهجاه) مع حليف لعبد الله بن أبي يقال له (سنان) على ماء (بالمشلّل) فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سنان بالأنصار، فلطم جهجاه سنانا، فقال عبد الله بن أبي: أو قد فعلوها! والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل-يعني محمدا ﷺ -ثم قال لقومه: كفّوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضّوا ويتركوه، فقال زيد بن أرقم-وهو من رهط عبد الله-: أنت والله الذليل المنتقص في قومك، ومحمد ﷺ في عز من الرحمن، ومودّة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا، فقال عبد الله: اسكت إنما كنت ألعب. فأخبر زيد النبي ﷺ بقوله، فأقسم بالله ما فعل ولا قال، فعذره النبي ﷺ . قال زيد: فوجدت في نفسي ولامني الناس، فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فقيل لعبد الله: قد نزلت فيك آيات شديدة، فاذهب إلى رسول الله ﷺ ليستغفر لك، فألوى برأسه، فنزلت الآيات.
نزول الآية (٦):
﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ.﴾.: أخرج ابن جرير عن عروة قال: لما نزلت:
﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠/ ٩]
قال النبي ﷺ : «لأزيدن على السبعين»، فأنزل الله:
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.﴾. الآية. وأخرج عن مجاهد وقتادة مثله.
وأخرج عن ابن عباس قال: لما نزلت آية براءة قال النبي ﷺ :
«وأنا أسمع، إني قد رخص لي فيهم، فو الله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة، لعل الله أن يغفر لهم» فنزلت.
стр. 8443
نزول الآية (٨، ٧):
أخرج البخاري كما تقدم وأحمد وغيرهما عن زيد بن أرقم قال: سمعت عبد الله بن أبي يقول لأصحابه: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ فلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمّي، فذكر ذلك عمي للنبي ﷺ ، فدعاني النبي ﷺ ، فحدثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذّبني، وصدّقه، فأصابني شيء لم يصبني مثله، فجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك، فأنزل الله: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ فبعث إليّ رسول الله ﷺ ، فقرأها، ثم قال: «إن الله قد صدّقك» (١).
وروى الترمذي أيضا عن زيد بن أرقم: أن أعرابيا نازع أنصاريا في بعض الغزوات على ماء، فضرب الأعرابي رأسه بخشبة فشجّه، فشكا إلى ابن أبيّ، فقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وإذا رجعنا إلى المدينة، فليخرج الأعز الأذل. عنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ .
المناسبة:
بعد بيان قبائح خصال المنافقين وهي الكذب والأيمان الكاذبة، والصد عن سبيل الله، والجبن، وجمال الأجسام وضعف العقول، وعداوة الله تعالى والرسول ﷺ ، ذكر تعالى أدلة تثبت كذبهم ونفاقهم من الواقع المشاهد، كإعراضهم عن الاعتذار، وتصميمهم بعد وقعة بني المصطلق (قبيلة يهود) على طرد المؤمنين من المدينة.
стр. 8444
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى أدلة كذب المنافقين وأسباب غضب الله عليهم، فقال:
١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ، لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ، وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي وإذا قيل للمنافقين بقيادة عبد الله بن أبي: أقبلوا إلى رسول الله ﷺ يطلب لكم المغفرة من الله، أعرضوا استكبارا واستهزاء بذلك ورغبة عن الاستغفار، ورأيتهم يعرضون عن رسول الله ﷺ ، وهم مستكبرون عن الإتيان إليه وطلب الاستغفار منه، فهم أكبر من ذلك في زعمهم. والمشهور في السيرة أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وليس في غزوة تبوك كما ذكر بعضهم، لأن عبد الله بن أبي لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجل بطائفة من الجيش.
قال الكلبي: لما نزل القرآن على الرسول ﷺ بصفة المنافقين، مشى إليه عشائرهم من المؤمنين، وقالوا لهم: افتضحتم بالنفاق، وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله ﷺ ، وتوبوا إليه من النفاق، واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك، وزهدوا في الاستغفار، فنزلت (١).
وقال ابن عباس: لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس، مقته المسلمون، وعنّفوه، وأسمعوه المكروه، فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله ﷺ حتى يستغفر لك ويرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي، وجعل يلوي رأسه، فنزلت (٢).
وعند الأكثرين من المفسرين: إنما دعي إلى الاستغفار، لأنه قال:
﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ وقال: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾
стр. 8445
فقيل له: يستغفر لك رسول الله، فقال: ماذا قلت، فذلك قوله تعالى:
﴿لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾.
ثم أبان الله تعالى أن الاستغفار لهم لا ينفعهم، فقال:
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ أي جازاهم الله على استكبارهم وإعراضهم، فأوضح أن الاستغفار لا ينفعهم لإصرارهم على النفاق، واستمرارهم على الكفر، فسواء حدث الاستغفار لهم أو لم يحدث لا يجديهم نفعا، ولن يغفر الله لهم، ما داموا على النفاق، إن الله لا يوفق الخارجين عن الطاعة، المنهمكين في معاصي الله، ومنهم المنافقون بالأولى.
قال قتادة كما تقدم: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وذلك لأنها لما نزلت،
قال رسول الله ﷺ : «خيرني ربي، فلأزيدنهم على السبعين» فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾.
٢ - ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ أي إن هؤلاء المنافقين يقولون للأنصار: لا تطعموا أصحاب محمد المهاجرين، حتى يجوعوا ويتفرقوا عنه.
فرد الله عليهم بقوله:
﴿وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي إن الله هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، وبيده مفاتيح أرزاق العباد، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولكن المنافقين يجهلون أن خزائن الأرزاق بيد الله، فظنوا أن الله لا يوسّع على المؤمنين.
стр. 8446
٣ - ﴿يَقُولُونَ: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ أي يقول هؤلاء المنافقون، والقائل عبد الله بن أبي زعيم المنافقين: لئن عدنا من هذه الغزوة، أي غزوة بني المصطلق إلى المدينة، ليخرجن الأعز-عنى بالأعز نفسه ومن معه-منها الأذل، أراد بذلك رسول الله ﷺ ومن معه، فنحن الأعزاء الأقوياء، وهم الأذلاء الضعفاء. وقد رجع ابن أبي إلى المدينة، فلم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات، فاستغفر له رسول الله ﷺ ، وألبسه قميصه، فنزلت هذه الآية.
فرد الله عليهم قولهم، فقال:
﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن لله وحده القوة والغلبة، ولمن منحها من رسله وصالحي عباده المؤمنين، لا لغيرهم، ولكن المنافقين لا يدرون ذلك، لفرط جهلهم، وعدم إيمانهم، وشدة حيرتهم وقلقهم، فالله هو الذي ينصر من يشاء من عباده، كما قال: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨]. والعزة والمنعة والقوة لله، خلافا لما توهموا أن العزة بكثرة الأموال والأتباع. والعزة غير الكبر، فالعزة: الشعور بالسمو مع معرفة الإنسان حقيقة نفسه، والكبر: غمط الناس حقوقهم وجهل الإنسان بنفسه.
روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول قال لأبيه: والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول الله ﷺ هو الأعز وأنا الأذلّ، فقاله (١).
وإنما قال في الآية الأولى: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ وهنا ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم.
стр. 8447
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - السبب الأول في غضب الله على المنافقين: إباؤهم الاعتذار من أقوالهم وأفعالهم، وإعراضهم عن الرسول ﷺ متكبرين عن الإيمان.
٢ - كل من الاستغفار للمنافقين وعدم الاستغفار سواء، فلا ينفعهم استغفار الرسول ﷺ شيئا، لأن الله لا يغفر لهم، وإن الله لا يهدي من سبق في علمه أنه يموت فاسقا كافرا.
٣ - السبب الثاني: قول ابن أبي وصحبه للأنصار: لا تنفقوا على من عند محمد ﷺ من أصحابه المهاجرين حتى يتفرقوا عنه.
٤ - رد الله على ذلك ببيان أن خزائن السموات والأرض ومفاتيح الرزق لله ، ينفق كيف يشاء، غير أن المنافقين لا يفهمون أنه تعالى إذا أراد أمرا يسره.
٥ - السبب الثالث: قول ابن أبي أيضا: لئن عدنا إلى المدينة من غزوة بني المصطلق ليخرجن الأعز-يعني نفسه-منها الأذل-يعني محمدا ﷺ وصحبه-لتوهمه أن العزة بكثرة الأموال والأتباع، فرد الله عليه بأن العزة والقوة لله وحده ولمن أفاضها عليهم من رسله وعباده الصالحين. عن بعض الصالحين وكان في هيئة رثة: ألست على الإسلام، وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر بعده. وعن الحسن بن علي ﵄: أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيها، فقال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا الآية:
﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.﴾ ..
стр. 8448
تحذير المؤمنين من أخلاق المنافقين وأمرهم بالإنفاق
في سبيل الخير
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)﴾
الإعراب:
﴿وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾، ﴿أَكُنْ﴾: مجزوم بالعطف على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأن موضعه الجزم على جواب التمني. وقرئ وأكون بالنصب عطفا على لفظ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ وهو منصوب بتقدير (أن).
البلاغة:
﴿الْخاسِرُونَ﴾، ﴿الصّالِحِينَ﴾، ﴿تَعْمَلُونَ﴾ توافق الفواصل مثلما سبق، مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿لا تُلْهِكُمْ﴾ لا تشغلكم عن الصلاة وسائر العبادات المذكّرة بالمعبود، والمراد النهي عن اللهو بالأموال والأولاد، وتوجيه النهي إليها للمبالغة. ﴿ذِكْرِ اللهِ﴾ الصلوات الخمس والعبادات الأخرى. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ وهو اللهو أو الشغل بها. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ في تجارتهم، لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي أنفقوا بعض أموالكم لادخار ثوابها للآخرة. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي قبل أن يرى دلائله. ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ ﴿لَوْلا﴾ بمعنى هلا، وهي كلمة تفيد تمني حصول ما بعدها، و ﴿أَخَّرْتَنِي﴾ أمهلتني. ﴿أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أمد غير بعيد. ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ أي
стр. 8449
فأتصدق بالزكاة وغيرها. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بتدارك الأعمال الصالحة كالحج وغيره. ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ﴾ لن يمهلها. ﴿إِذا جاءَ أَجَلُها﴾ آخر عمرها. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع على كل أعمالكم، فمجازيكم عليها.
لمناسبة:
بعد بيان خصال المنافقين وذمهم وتوبيخهم عليها، حذر الله المؤمنين من أخلاق المنافقين، ثم أمرهم أن ينفقوا بعض أموالهم في مجالات الخير، ولا يؤخروا ذلك حتى يداهمهم الموت، فيندموا ويطلبوا إطالة العمر حتى يتداركوا ما فاتهم من خير.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي يا أيها المؤمنون المصدقون بالله تعالى ورسوله ﷺ لا تشغلكم الأموال وتدبيرها والأولاد والعناية بشؤونها عن القيام بذكر الله تعالى من قراءة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل وأداء فرائض الإسلام وحقوق الله تعالى.
ثم حذر من المخالفة وتوعد اللاهين بالدنيا، فقال:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي ومن يلتهي بالدنيا ومتاعها وزخارفها وزينتها، وينصرف عن الدين وطاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين، الكاملين في الخسران، الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، لأنه باع خالدا باقيا بفان زائل.
ثم حث المؤمنين على الإنفاق في طاعته، فقال:
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، فَيَقُولَ: رَبِّ، لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي وأنفقوا بعض
стр. 8450
ما رزقناكم في سبيل الخير، شكرا على النعمة، ورحمة بالفقراء، ورعاية لمصلحة الأمة العامة، من قبل مجيء أسباب الموت ومشاهدة علاماته، فيقول الواحد منكم: هلا أمهلتني وأخّرت موتي إلى مدة أخرى قصيرة، فأتصدق بمالي، وأكن من الصالحين المستقيمين.
وهذا يدل على أن كل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة، ولو شيئا يسيرا ليستدرك ما فاته، ولكن فات الأوان.
أخرج الترمذي وابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له مال يبلّغه حج بيت الله، أو تجب عليه فيه الزكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت»، فقال له رجل: يا ابن عباس:
اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكافر!! فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآنا:
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، فَيَقُولَ: رَبِّ، لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ.﴾. الآية.
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها، وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي لن يؤخر الله أي نفس إذا حضر أجلها، وانقضى عمرها، والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها، بالإحسان إحسانا، وبالإساءة سخطا وعذابا، وبعدا عن الرحمة والرضوان.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - وجوب الاشتغال بطاعة الله تعالى، كقراءة القرآن، وإدامة الذكر، وأداء الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وإتمام الحج، والقيام بجميع الفرائض.
٢ - عدم الاشتغال بتدبير الأموال والاهتمام بشؤون الأولاد عن أداء حقوق
стр. 8451
الله، كما فعل المنافقون، إذ قالوا بسبب الشح بأموالهم: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ . ومن يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه، فأولئك هم الخاسرون.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ.﴾. يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلا، وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها، يجب أداؤها فورا.
والآية في العموم حث على الإنفاق الواجب خاصة، دون النفل، لأن الوعيد إنما يتعلق بالواجب دون النفل، وذلك إما مطلقا، وإما في طريق الجهاد، قبل فوات الأوان ومجيء أمارات الموت حين لا تقبل التوبة، ولا ينفع العمل، فيسأل الإنسان التأخير في الأجل لتدارك ما فات. وتشمل الآية على العموم الحج عند الجمهور القائلين بأنه على الفور. ولا تشمله عند الشافعية القائلين بأنه على التراخي.
٤ - قال ابن عباس في آية: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي.﴾.: هذه الآية أشدّ على أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى الرجوع في الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير في الآخرة. واستثنى العلماء الشهيد، فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل، لما يرى من الكرامة.
٥ - الله تعالى خبير بما يعمل العباد من خير وشر، لا تخفى عليه خافية، ويجازي كل امرئ بما عمل خيرا أو شرا.
стр. 8452
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة التغابن
مدنيّة، وهي ثماني عشرة آية.
تسميتها:
سميت التغابن تذكيرا بيوم القيامة الذي يظهر فيه غبن الكافر وخسارته بتركه الإيمان، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ، ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ (٩).
مناسبتها لما قبلها:
تتضح مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة:
١ - في السورة السابقة ذكر الله أوصاف المنافقين، وحذر المؤمنين من أخلاق المنافقين، وهنا حذر تعالى من صفات الكافرين: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.﴾. وقسم الناس في الجملة قسمين: مؤمن وكافر، وبشر المؤمن بالجنة، وهدد الكافر بالنار.
٢ - نهى الله تعالى في السورة المتقدمة عن الاشتغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ وفي هذه السورة ذكر أن الأموال والأولاد فتنة: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وهذا كالتعليل لما سبق.
٣ - أمر الله في آخر سورة (المنافقون) السالفة بالإنفاق في سبيل الله:
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ.﴾. كذلك أمر بالإنفاق في أواخر هذه السورة:
стр. 8453
﴿وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ.﴾. كما أن سورة التغابن تدل على أنه يغبن الناس في يوم القيامة بعضهم بعضا بترك الإيمان والعمل الصالح والإنفاق في سبيل الله.
ويلاحظ الترتيب بين السور الست التالية، فإنها اشتملت على أصناف الأمم، فسورة الحشر: في ذكر المعاهدين من أهل الكتاب، فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد وقوتلوا، وسورة الممتحنة: في ذكر المعاهدين من المشركين، وسورة الصف: ذكر فيها أهل الكتاب: اليهود والنصارى، والمؤمنون، وكذلك سورة الجمعة: ذكر فيها اليهود وأهل الإيمان، وسورة (المنافقون): في أهل النفاق، وسورة التغابن: ذكر فيها المشركون والكفار بنحو عام. وبه يتبين أن الفصل بين المسبّحات التي هي نظائر (وهي الحشر والصف والجمعة والتغابن) جاء لحكمة دقيقة هي الكلام الشامل عن هذه الأمم.
ما اشتملت عليه السورة:
سورة التغابن من السور المدنية التي عنيت خلافا للمعتاد بأمور متعلقة بالعقائد.
ابتدأت ببيان بعض صفات الله الحسنى المتصلة بجلال الله وقدرته وعلمه وخلقه الإنسان الذي يؤول أمره إلى أحد قسمين: مؤمن وكافر.
ثم أنذرت الكفار بما حل بالأمم الماضية التي كذبت الرسل بسبب بشريتهم، وإنكارهم البعث، والرد عليهم بقسم الله بوقوعه وأنه حق، وبجزائه على الأعمال.
ودعت بعدئذ إلى الإيمان بالله تعالى والرسول ﷺ والقرآن النور الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ ، وهددت بما يلقاه الناس يوم القيامة يوم يغبن فيه الكافر بتركه الإيمان، ويغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ويدخل المؤمنون الذين
стр. 8454
يعملون الصالحات الجنان، ويدخل الكافرون النيران، وفي ذلك أمر بالطاعة وتحذير من المعصية.
ثم أبانت أن كل ما يحدث في الكون بإرادة الله ومشيئته، وأكدت الأمر بطاعة الله تعالى والرسول ﷺ والتوكل على الله وحده، فإن أعرضوا فلا يضير رسول الله ﷺ بقاءهم على الكفر.
ثم حذرت من عداوة بعض الأزواج والأولاد الذين يمنعون الإنسان أحيانا عن الجهاد، وأوصت بالعفو والصفح عن المسيء، وأخبرت بأن الأموال والأولاد فتنة واختبار.
وختمت السورة بالأمر بالتقوى والإنفاق في سبيل الله لإعلاء دينه، وحذرت من الشح والبخل، وأبانت مضاعفة الثواب للمحسنين المنفقين من أجل إعلاء كلمة الله تعالى.
مظاهر قدرة الله تعالى
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾
стр. 8455
البلاغة:
﴿فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ بينهما طباق، وكذا بين قوله: ﴿يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾.
﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ تقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر والاختصاص من حيث الحقيقة، أي له وحده الملك والحمد.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بينهما جناس ناقص، لاختلاف الحركات والشكل.
﴿يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ينزهه ويمجّده ويدل عليه جميع المخلوقات في السموات والأرض، بدلالتها على كماله واستغنائه، واللام زائدة، وعبر ب ﴿ما﴾ دون (من) تغليبا للأكثر. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي أن قدرته في إيجاد جميع المخلوقات على سواء.
﴿فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ قال الشوكاني: خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، والكافر يكفر ويختار الكفر، والمؤمن يؤمن ويختار الإيمان، والكل بإذن الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مبصر أعمالكم عالم بها، فيعاملكم بما يناسب أعمالكم. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعل الأرض مقر المكلفين ليعلموا فيجازيهم وسخر السموات لهم. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي جعل أشكالكم الآدمية بأحسن صورة، أي أتقنها وأحكمها، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات كما قال تعالى: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤/ ٩٥] فالتصوير: تخطيط وتشكيل وتمييز وتخصيص.
﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ إليه المرجع فأحسنوا السرائر والظواهر. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عليم بحديث النفس وخطرات القلب، والسر، فلا يخفى عليه شيء كليا أو جزئيا، وعلمه بجميع الأشياء على سواء. قال البيضاوي: وتقديم تقرير القدرة: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ على العلم: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولا وبالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء.
التفسير والبيان:
هذه السورة هي آخر المسبحات، قال تعالى:
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلى
стр. 8456
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ينزه الله عن كل نقص وعيب، ويمجده، ويدل عليه جميع مخلوقاته التي في سماواته وأرضه، فهو بارئها ومالكها، له الملك وحده دون غيره، لأنه الخالق المصور المتصرف في جميع الكائنات، وله الحمد والشكر وحده، لأنه المستحق لذاك، وهو المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره، فالملك والحمد يختصان به، ليس لغيره منهما شيء، وما كان لعباده منهما فهو من فيضه وراجع إليه، وهو قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في السموات والأرض، فمهما أراد كان، وما لم يشأ لم يكن.
والتسبيح إما باللسان والنطق كما يفعل الإنسان، وإما بنطق وحال لا نفقهه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧].
ثم ذكر الله تعالى بعض آثار قدرته، فقال:
١ - خلق الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي إن الله هو الذي أوجدكم على هذه الصفة، وآل أمركم أن يكون بعضكم كافرا باختياره وكسبه على خلاف مقتضى فطرت، وبعضكم مؤمنا مختارا للإيمان على وفق الفطرة السوية القائمة على التوحيد والإيمان بالله، والله العالم البصير قبل الخلق بما يؤول إليه أمر كل واحد منكم، الشهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتم الجزاء.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [الحديد ٢٦/ ٥٧].
أخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع عن النبي ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
стр. 8457
٢ - خلق العالم كله بالحكمة البالغة: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي أوجد السموات والأرض بالعدل والحكمة البالغة المحققة لنفع العالم في الدين والدنيا، وخلقكم أيها البشر في أكمل صورة، وأحسن تقويم، وأجمل شكل، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار ٦/ ٨٢ - ٨] وقال سبحانه: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً، وَالسَّماءَ بِناءً، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [غافر ٦٤/ ٤٠] وقال : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤/ ٩٥].
وإليه في عالم الآخرة المرجع والمآب، فيجازي كل نفس بما كسبت.
٣ - العلم الشامل: ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي يعلم الله جميع ما في السموات والأرض، فلا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه، والله محيط علمه بما يضمره كل إنسان في نفسه من الأسرار والمعتقدات.
ويلاحظ أنه تعالى عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ ثم عطف ما هو أخص من الخاص وهو حديث النفس الذي لا يعبر عنه الإنسان بكلام أو إشارة أو بيان ما.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - ينزه الله ويمجده جميع مخلوقاته في السموات والأرض لدلالتها على كماله واستغنائه، وهو تنزيه وتسبيح دائم متجدد شامل كل جزء من أجزاء العالم.
وهذا بخلاف قوله تعالى في موضع آخر: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي
стр. 8458
الْأَرْضِ﴾ [الحشر ١/ ٥٩] وقوله: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ١/ ٥٧] فهما للدلالة على التسبيح في الجملة على سبيل المبالغة.
٢ - الله تعالى هو خالق الإنسان وبارئه، ويعلم حال كل واحد في علمه الأزلي قبل وجوده من إيمان وكفر، أخرج البخاري والترمذي من حديث ابن مسعود: وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها» قال العلماء: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم، فيجري ما علم وأراد وحكم. فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم. وكذلك الكفر.
٣ - خلق الله العالم كله سماءه وأرضه بالعدل والحكمة البالغة، وحقا يقينا لا ريب فيه، وخلق الإنسان في أحسن شكل وصورة وتقويم، وإليه في الحياة الآخرة المرجع، فيجازي كلاّ بعمله.
٤ - الله سبحانه عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم السرائر والظواهر، ويعلم ما في الضمائر والقلوب.
إنكار المشركين الألوهية والنبوة والبعث
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧)﴾
стр. 8459
الإعراب:
﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ ﴿بَشَرٌ﴾ مبتدأ، وإنما قال: ﴿يَهْدُونَنا﴾ الذي هو الخبر لأنه كنى به عن ﴿بَشَرٌ﴾، و ﴿بَشَرٌ﴾ يصلح للجمع كما يصلح للواحد، والمراد به هنا الجمع، مثل قوله تعالى: ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس ١٥/ ٣٦]. ولو أراد الواحد لقال: «يهدينا» كما في آية:
﴿فَقالُوا: أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر ٢٤/ ٥٤].
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ﴿زَعَمَ﴾: فعل يتعدى إلى مفعولين، وجملة: ﴿أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ سدت مسد المفعولين، لما فيها من ذكر الحديث والمحدث عنه، كقوله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ٢/ ٢٩]. و ﴿أَنْ﴾: مخففة من (أنّ) واسمها محذوف، أي أنهم.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيها الكفار، والاستفهام للتعجيب من أمرهم. ﴿نَبَأُ﴾ خبر مهم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ كقوم نوح وهود وصالح ﵈. ﴿فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ﴾ عقوبة وضرر كفرهم في الدنيا أو عاقبته، وأصل الوبال: الثقل، ومنه طعام وبيل، أي ثقيل على المعدة، والوابل: المطر الثقيل، ثم أطلق على الضرر الذي يصيب الإنسان، لأنه يثقل عليه، و ﴿أَمْرِهِمْ﴾ كفرهم، إشارة إلى أنه أمر عظيم خطير. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لهم في الآخرة عذاب مؤلم.
﴿ذلِكَ﴾ أي المذكور من الوبال وعذاب الدنيا. ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي بسبب أنه، والهاء: ضمير الشأن، أي بسبب أن الشأن. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات والحجج الظاهرات على الإيمان. ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ المراد به جنس البشر، أنكروا وتعجبوا أن يكون الرسول بشرا، والبشر: يطلق على الواحد والجمع. ﴿فَكَفَرُوا﴾ بالرسل. ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان والتدبر في البينات.
﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ أظهر غناه عن كل شيء، ومنه طاعتهم وإيمانهم إذ أهلكهم. ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ﴾ عن خلقه وعن عبادتهم وغيرها. ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله ويحمده كل مخلوق. ﴿بَلى﴾ أي تبعثون وهي كلمة جواب تقع بعد النفي للإثبات. ﴿وَرَبِّي﴾ قسم، أكد به الجواب. ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ لتخرجن من قبوركم أحياء وتحاسبن وتجزون بأعمالكم. ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ لتخبرن بأعمالكم بالمحاسبة والجزاء. ﴿وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ لقدرته التامة وقبول المادة ما أراد.
المناسبة:
بعد بيان أدلة وجود الله تعالى وقدرته وآثاره في الكون، حذر مشركي مكة من الكفر وإنكار الألوهية: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنكار النبوة: ﴿أَبَشَرٌ
стр. 8460
يَهْدُونَنا﴾ وإنكار البعث: ﴿أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ وأبان عقوبتهم في الدنيا وما أعدّ لهم من العذاب في الآخرة، وأثبت أن البعث حق كائن لا ريب فيه، وأن كل إنسان سيجازى بما فعل يوم القيامة.
التفسير والبيان:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ، فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي ألم يبلغكم يا كفار مكة خبر كفار الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود، وما حل بهم من العذاب والنكال بسبب مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقد دعتهم رسلهم إلى توحيد الله وعبادته وترك الأوثان التي اتخذوها أربابا من دون الله، فأصابهم عاقبة كفرهم وتكذيبهم ورديء أفعالهم من عذاب الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم جدا وهو عذاب النار. وهذا تعجيب من حالهم الغريبة.
ثم بيّن الله تعالى أسباب عقابهم الدنيوي والأخروي، فقال:
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَقالُوا: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا، وَاسْتَغْنَى اللهُ، وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي ذلك العذاب في الدارين بسبب أنه كانت تجيئهم الرسل المرسلة إليهم بالمعجزات الظاهرة، والأدلة والبراهين الواضحة، فقال كل قوم لرسولهم: كيف يتصور أن يهدينا البشر، أو من كان من جنس البشر؟ أي إنهم استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي البشر مثلهم، فكفروا بالرسل وما جاؤوا به، وأعرضوا عنهم وعن الحق وعن العمل به، ولم يتدبروا فيما جاؤوا به، واستغنى الله عن إيمانهم وعبادتهم، إذ أهلكهم، والله غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال أو الحال.
стр. 8461
ثم أخبر الله تعالى عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون، فقال:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ أي ادعى المشركين أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، كما قال في آية أخرى: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً، أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون ٨٢/ ٢٣]. وفي هذا تقريع لكفار مكة، لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه. جاء في الحديث: «زعموا: مطية الكذب».
فرد الله عليهم بقوله:
﴿قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ، وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي قل أيها الرسول لهم وأخبرهم بأنكم والله ستبعثون وتخرجون من قبوركم أحياء، ولتخبرنّ بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، إقامة للحجة عليكم، ثم تجزون به، وذلك البعث والجزاء هيّن سهل على الله تعالى، لا يصرفه صارف. وقوله: ﴿بَلى﴾ إثبات لما بعد ﴿أَنْ﴾ وهو البعث.
وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد ووجوده، الأولى منها قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ:﴾
﴿إِي وَرَبِّي، إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس ٥٣/ ١٠] والثانية منها قوله سبحانه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَأْتِينَا السّاعَةُ، قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ ٣/ ٣٤] والثالثة هذه الآية.
ونظير الآية: ﴿قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٨/ ٣٦ - ٧٩].
стр. 8462
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - حذر الله المشركين في مكة وغيرها من تماديهم في الكفر بأن يعاقبوا مثل عقوبات كفار الأمم الخالية كقوم نوح وهود وصالح التي عوقبوا بها في الدنيا، وتنتظرهم في الآخرة.
٢ - إن أسباب تعذيب الكفار في الماضي: هي كفرهم بالله وجحودهم بآياته، وتكذيب رسلهم الذين أرسلوا إليهم بالمعجزات والدلائل الواضحة، وإنكارهم البعث والحساب والجزاء.
وكان كفرهم برسلهم أنهم أنكروا أن يكون الرسول من البشر، واستصغروه، ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده، كما لم يعلموا أن الله تعالى مستغن بسلطانه عن طاعة عباده.
٣ - أمر الله نبيه بأن يقسم بربه للمشركين على أن البعث حق كائن، لا محالة، فلا بد من أن يخرجوا من قبورهم أحياء، وعلى أنهم سيخبرون بما عملوا، وأن البعث والجزاء يسير على الله، إذ الإعادة أسهل من الابتداء.
المطالبة بالإيمان والتحذير من أهوال القيامة
﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾
стр. 8463
الإعراب:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف متعلق بقوله: ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ أو ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ وتقديره: لتبعثن أو لتنبؤون يوم يجمعكم ليوم الجمع. و ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ بالرفع وهي القراءة المشهورة، وقرئ يجمعكم بسكون العين لكثرة توالي الحركات، كما قرئ: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ﴾ بسكون الميم [الإنسان ٩/ ٧٦].
البلاغة:
﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا﴾ استعارة، أطلق النور على القرآن بطريق الاستعارة، فإن القرآن ينير الظلمات ويبدد الشبهات.
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً.﴾. و ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا..﴾. مقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ استعارة، فقد أطلق التغابن على ما يكون يوم القيامة من مبادلة الخير بالشر، وهو يشبه المبادلة والمعاوضة والتجارة.
المفردات اللغوية:
﴿وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ . ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا﴾ أي القرآن، فإنه بإعجازه ظاهر بنفسه، مبين شارح لما تضمنه من عقيدة وتشريع وأحكام. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مجاز عليه.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ أي اذكر يوم جمعكم وحشركم. ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ هو يوم القيامة الذي تجمع فيه الخلائق كلها من ملائكة وإنس وجن، لأجل ما فيه من الحساب والجزاء، سمي يوم القيامة بيوم الجمع، لأن الله يجمع فيه جميع المخلوقات في صعيد واحد. ﴿يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ يظهر فيه غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، مستعار من تغابن التجار بأن يبيع البائع بأقل من القيمة، أو يشتري المشتري بأكثر من الثمن. وتغابن الآخرة، هو التغابن في الحقيقة، لا في أمور الدنيا، لعظم أمور الآخرة ودوامها، وفسر بعض المعاصرين يوم التغابن بأنه يوم الذهول. وفيه تهكم بالأشقياء،
جاء في الحديث الذي رواه أحمد بسنده عن رسول الله ﷺ : «ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار، لو أساء، ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة، لو أحسن، ليزداد حسرة». ﴿وَيَعْمَلْ صالِحاً﴾ أي ويعمل عملا صالحا. ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي مجموع الأمرين من تكفير السيئات ودخول الجنات مع الخلود الأبدي، لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ القرآن، الذي تدل آياته على البعث.
стр. 8464
ويلاحظ أن الآيتين معا: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ..﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. بيان للتغابن وتفصيل له، كما ذكر البيضاوي.
المناسبة:
بعد بيان أدلة التوحيد والألوهية والنبوة، والرد على منكري البعث، وإيضاح ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، لكفرهم بالله وتكذيب الرسل، طالب الله تعالى بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وبآي القرآن وبالبعث، علما بأن الاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان، ثم حذر من الحساب والجزاء في الآخرة، وأبان مظاهر التغابن فيه، وفصله تفصيلا تاما.
التفسير والبيان:
﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي إذا كان أمر البعث هيّنا يسيرا على الله لا يصرفه صارف، فصدّقوا بالله ورسوله محمد ﷺ وكتابه المنير الهادي إلى السعادة، والمنقذ من ظلمة الضلالة، فهو نور يهتدى به إذا أشكلت الأمور، والله عالم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك خيرا أو شرا. وفي هذا وعيد على كل ما يؤتى من المعاصي، أو يترك من الفرائض والواجبات. ووصف القرآن بأنه نور، لأنه يهتدى به في الشبهات، كما يهتدى بالنور في الظلمات.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ أي واذكروا يوم القيامة الذي يجمع الله فيه أهل المحشر من الأولين والآخرين في صعيد واحد للجزاء، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله، وبين كل نبي وأمته، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣/ ١١]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ: إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ، إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩/ ٥٦ - ٥٠].
ذلك اليوم وهو يوم القيامة يوم التغابن الذي يظهر فيه غبن الكافر بتركه
стр. 8465
الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، فكل من الفريقين تظهر له الخسارة الفادحة، فكأن أهل النار استبدلوا بالخير الشر، وبالجيد الرديء وبالنعيم العذاب، وأهل الجنة على العكس مما ذكر، ومع ذلك يشعرون بالنقص والخسارة، إذا لم يقدموا عملا صالحا أكثر مما قدموا، فالمغبون: من غبن أهله ومنازله في الجنة،
جاء في الحديث الصحيح المتقدم الذي رواه أحمد: «ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزدادا شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة ليزداد حسرة». وأصل التغابن: مأخوذ من الغبن: وهو أخذ الشيء من صاحبه بأقل من قيمته، في عقود المعاوضات، وبما أنه لا معاوضة في الآخرة، فيكون إطلاق التغابن على العمل المقدم في الدنيا وجزائه في الآخرة، من قبيل الاستعارة، للدلالة على النقص على البائع.
والخلاصة: أن يوم القيامة يوم التغابن الجائز، فيه يغبن بعض أهل المحشر بعضا، فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، وأهل الجنة يغبنون أهل النار.
ثم فصل الله تعالى التغابن وبيّنه، فقال:
١ - ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ومن يصدق بالله تصديقا صحيحا ويصدق بما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة والنار وغير ذلك، ويعمل العمل الصالح بأداء الفرائض والطاعات، واجتناب المنهيات، يمح الله سيئاته وذنوبه، ويدخله الجنات التي تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، وذلك التكفير للسيئات وإدخال الجنات هو الظفر الذي لا يساويه ظفر، ولا ظفر قبله ولا بعده، لإحراز أفضل الثمرات والنتائج. وإنما قال: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بلفظ الجمع بعد قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ﴾ بلفظ الواحد، لأن ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى.
стр. 8466
٢ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ، خالِدِينَ فِيها، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي والذين جحدوا وحدانية الله تعالى وقدرته، وكذبوا بآياته المنزلة على عبده محمد ﷺ ، ومنها الآيات الدالة على البعث، أولئك أصحاب النار، خالدين فيها على الدوام، وبئس المرجع مرجعهم، وبئست النار مثوى لهم.
والآيتان دليل على حال السعداء وحال الأشقياء، لبيان ما تقدم من التغابن. وقد عبر الله تعالى عن أهل الإيمان بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ بلفظ المستقبل، وفي الكفر بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بلفظ الماضي، لأن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا، يدخله جنات، ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - بعد الإخبار بقيام الساعة، أمر الله عباده بالإيمان به وبرسوله محمد ﷺ وبالقرآن المنزل عليه، لئلا ينزل بهم من العقوبة ما نزل بالأمم الخالية لكفرهم بالله وتكذيب الرسل، وأكد تعالى الأمر بقوله: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عالم بما تسرون وما تعلنون، فراقبوه وخافوه في الحالين معا.
٢ - ثم أكد الله تعالى هذا الأمر بالتحذير من مخاوف القيامة وأهوالها، ومن شدة الحساب والجزاء، فذكر أنه سيجمع يوم القيامة جميع أهل السموات وأهل الأرض، فهو يوم الجمع والحشر، ويوم التغابن، لأن الكافرين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، واشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم، وأما المؤمنون فقد دلهم ربهم على التجارة الرابحة وهي الإيمان والجهاد، فباعوا أنفسهم بالجنة، فخسرت صفقة الكفار، وربحت صفقة المؤمنين. فيكون المعنى: ذلك يوم
стр. 8467
التغابن الجائز مطلقا. قال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار.
٣ - قال ابن العربي: استدل علماؤنا بقوله تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ على أنه لا يجوز الغبن في المعاملة الدنيوية، لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة، فقال: ﴿ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود، إذا زاد على الثلث. وهو الغبن الفاحش، وهو من الخداع المحرّم شرعا في كل ملة.
أما الغبن اليسير: فلا يمكن الاحتراز منه لأحد، فلا ينقض به البيع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا، لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرا أمكن الاحتراز منه، فوجب الرد به.
والفرق بين القليل والكثير: هو الثلث، وقدّر علماؤنا الثلث بهذا الحد، إذ رأوه في الوصية وغيرها (١).
٤ - إن جزاء المؤمنين: دخول الجنات التي تجري من تحت قصورها الأنهار، مع الخلود الأبدي فيها، وهو الفوز الساحق الذي لا فوز بعده، لاشتماله على النجاة من المخاطر والأهوال.
٥ - إن جزاء الكافرين بالله وبالقرآن: دخول النيران، مع الخلود فيها على الدوام، وبئس المصير نار جهنم.
وهذا الجزاء المقرر للفريقين هو تفسير التغابن المذكور آنفا.
стр. 8468
كل شيء بقضاء وقدر
﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾
البلاغة:
﴿ما أَصابَ﴾ ﴿مُصِيبَةٍ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إطناب بتكرر الفعل: ﴿أَطِيعُوا﴾ زيادة في التأكيد.
المفردات اللغوية:
﴿مُصِيبَةٍ﴾ كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر. ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بتقديره وإرادته ومشيئته. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يشرح صدره للخير والطاعة، والثبات على الإيمان، والصبر على المصيبة والرضا بها. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ حتى بالقلوب وأحوالها.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم. ﴿الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ البين الواضح. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ليفوضوا أمرهم إلى الله، لإيمانهم بأن كل شيء منه.
المناسبة:
بعد بيان كون الناس قسمين: مؤمن وكافر، ثم الأمر بالإيمان والعمل الصالح، والنهي عن الكفر والتنفير فيه، أبان الله تعالى أن كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فهو بقضاء الله وقدره على وفق السنن الكونية المدبرة والمرتبة بإرادة الله، ثم أمر تعالى بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول ﷺ ، وبالتوكل على الله وحده.
стр. 8469
التفسير والبيان:
﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي إن كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فهو بقضاء الله وقدره. قيل: إن سبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا، لصانهم الله عن المصائب في الدنيا.
فما على الإنسان إلا السعي والعمل لجلب الخير ودفع الضر عن نفسه، ثم التوكل على الله بعدئذ، فإن تحقيق النتائج يكون بقضاء الله وقدره. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد ٢٢/ ٥٧].
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي ومن يصدق بالله، ويعلم أن ما أصابه من مصيبة هو بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، يهد قلبه ويشرح صدره عند المصيبة، والله واسع العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو عليم بالقلوب وأحوالها.
قال ابن عباس: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وفي الحديث المتفق عليه: «عجبا للمؤمن، لا يقضي الله قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».
ثم أمر الله بطاعته: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي واشتغلوا بطاعة الله فيما شرع وطاعة رسوله ﷺ فيما بلّغ، وافعلوا ما به أمر، واتركوا ما عنه نهى وزجر، فإن أعرضتم عن الطاعة ونكلتم عن العمل، فإثمكم على أنفسكم، وليس على الرسول ﷺ من بأس، إذ
стр. 8470
وظيفته التبليغ البيّن الواضح، وعليكم ما حمّلتم من السمع والطاعة. قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغة، وعلينا التسليم. ثم أمر تعالى بالتوكل عليه:
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي إن الله هو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وهو المستحق للعبودية دون غيره، فوحدوا الله وأخلصوا العمل لديه، ولا تشركوا به شيئا، وفوضوا أموركم إليه، واعتمدوا عليه، لا على غيره، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل ٩/ ٧٣].
وهذا إرشاد للعباد في وجوب الاعتماد على الله، والتوكل عليه، وطلب العون الدائم منه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى المبادئ التالية في العقيدة والتشريع:
١ - وجوب الرضا بالقضاء والقدر، فإن كل ما يحدث في الكون، وكل ما يصيب الإنسان من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل، هو بعلم الله وقضائه.
٢ - من يصدّق ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله، يهد قلبه للصبر والرضا والثبات على الإيمان، فهو إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإذا ظلم غفر، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه تسليم من انقاد وسلّم لأمره، ولا كراهة من كرهه.
وليست المصائب في الدنيا دليلا على عدم الرضا، وليس النجاح فيها دليلا على الرضا.
стр. 8471
٣ - على المؤمنين تهوين المصائب على أنفسهم، والاشتغال بطاعة الله تعالى، والعمل بكتابه، وإطاعة الرسول ﷺ في العمل بسنته، فإن تولوا عن الطاعة، فليس على الرسول ﷺ إلا التبليغ.
٤ - على الناس قاطبة توحيد الله وعبادته وحده، فلا إله إلا هو، ولا معبود سواه، ولا خالق غيره، وعليهم التوكل على الله، وحسن الظن بالله، والاعتماد عليه بعد تعاطي الأسباب، والقيام بما يقتضيه الواجب من السعي والعمل في الحياة.
التحذير من فتنة الأزواج والأولاد والأموال والأمر بالتقوى
والإنفاق
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾
الإعراب:
﴿وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿خَيْراً﴾ إما منصوب ب ﴿أَنْفِقُوا﴾ ويراد به هنا المال، أو منصوب بفعل مقدر دل عليه. ﴿أَنْفِقُوا﴾ أي وآتوا خيرا، أو وصف لمصدر محذوف، أي وأنفقوا إنفاقا خيرا، أو خبر كان مقدرة، أي وأنفقوا وكان الإنفاق خيرا..
стр. 8472
البلاغة:
﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ بينهما طباق.
﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء بمن يقرض الله قرضا واجب الوفاء بطريق التمثيل، سماه قرضا من حيث التزام الله بثوابه. ﴿وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعول وفعيل.
﴿رَحِيمٌ﴾ ﴿عَظِيمٌ﴾ ﴿حَلِيمٌ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ سجع مرصع لتوافق الفواصل.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ يشغلكم عن طاعة الله والتخلف عن الخير، كالجهاد.
﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ عنهم في التثبيط عن الخير وعن ذنوبهم، بترك المعاقبة. ﴿وَتَصْفَحُوا﴾ بالإعراض وترك اللوم. ﴿وَتَغْفِرُوا﴾ بالتجاوز عما فعلوا والتمهيد للمعذرة. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعاملكم بمثل ما عملتم.
﴿فِتْنَةٌ﴾ اختبار لكم بمعرفة مدى شغلها لكم عن أمور الآخرة. ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ مواعظه. ﴿وَأَطِيعُوا﴾ أوامره. ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ في وجوه الخير والطاعة لوجهه الكريم. ﴿خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي افعلوا ما هو خير، وهو خبر «يكن» مقدرة، جوابا للأمر.
﴿وَمَنْ يُوقَ﴾ يحفظ نفسه. ﴿شُحَّ﴾ الشح: البخل مع الحرص. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون. ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ﴾ بصرف المال فيما أمر. ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ هو التصدق من الحلال، مقرونا بالإخلاص وطيب النفس. ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يزيد الثواب من عشرة أضعاف إلى سبع مائة ضعف وأكثر، وقرئ: يضعفه بالتشديد. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ببركة الإنفاق. ﴿وَاللهُ شَكُورٌ﴾ -يعطي على الطاعة الجزيل بالقليل. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل بالعقوبة على المعصية.
﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الأنظار ويشمل السر. ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ما يشاهد بالحس، ويشمل العلانية، فلا يخفى عليه شيء. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تام القدرة والعلم فهو القوي في ملكه، الحكيم المتقن في صنعه وتدبيره.
стр. 8473
سبب النزول:
نزول الآية (١٤):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾: أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ في قوم من أهل مكة، أسلموا، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فأتوا المدينة، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ، رأوا الناس قد فقهوا، فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: ﴿إِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ.﴾. نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه، ووقفوا، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرقّ ويقيم، فنزلت هذه الآية، وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة.
وفي رواية عن ابن عباس قال: كان الرجل يريد الهجرة، فتحبسه امرأته، فيقول: أما والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلنّ ولأفعلنّ، فجمع الله بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله هذه الآية:
سبب نزول الآية (١٦):
﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت:
﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
المناسبة:
بعد الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، حذر تعالى من الأزواج
стр. 8474
والأولاد الذين يثبطون عن الطاعة، شأن أكثر ميل الناس عن الطاعات، ثم أبان أن الأموال والأولاد فتنة، فينبغي الحذر، ثم أمر تعالى بالتقوى والإنفاق في سبيل الله، مبينا مضاعفة الثواب للمنفقين ومغفرته لهم.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ، فَاحْذَرُوهُمْ﴾ أي يا أيها المصدقون بالله تعالى ورسوله ﷺ ، إن بعض أزواجكم وأولادكم أعداء لكم، عداوة أخروية، يشغلونكم عن الخير والأعمال الصالحة التي تنفع في الآخرة، فكونوا منهم على حذر، واحذروا أن تؤثروا حبهم وشفقكم عليهم على طاعة الله تعالى.
وقد عرفنا سبب النزول: أن رجالا من مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا، فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله سبحانه بأن يحذروهم، فلا يطيعوهم.
وجاء في الحديث أن النبي ﷺ ، قال: «يأتي زمان على أمتي، يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده، يعيّرانه بالفقر، فيركب مراكب السوء، فيهلك» (١).
ثم أمر الله تعالى العفو والصفح عنهم، فقال:
﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي وإن تعفوا عن ذنوب أزواجكم وأولادكم التي ارتكبوها بترك المعاقبة، وتصفحوا بترك اللوم والتثريب عليها، وتستروا الأخطاء تمهيدا لمعذرتهم فيها، فالله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، يعامل الناس بأحسن مما عملوا.
ثم زاد الله تعالى الأمر بيانا، فقال:
стр. 8475
﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي الأموال والأولاد بلاء واختبار ومحنة، وربما يحملونكم على كسب الحرام، ومنع حق الله، وارتكاب المعاصي والآثام، والله عنده الثواب الجليل لمن آثر طاعة الله تعالى، وترك معصيته في محبة ماله وولده.
أخرج أحمد والترمذي والحاكم والطبراني عن كعب بن عياض قال: سمعت رسول الله ﷺ : «إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال».
وأخرج أحمد وأبو بكر البزار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الولد ثمرة القلوب، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة».
وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزا لك، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك: ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك».
ثم أمر الله بالتقوى والطاعة والنفقة، فقال:
﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي فالزموا أوامر الله واجتنبوا نواهيه قدر جهدكم وطاقتكم، كما
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». واسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا أوامر الله تعالى والرسول ﷺ ، وأنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير، ولا تبخلوا بها، فإن الإنفاق في مصالح الأمة والدين خير وسعادة لأنفسكم من الأموال والأولاد، وهو خير لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرا لكم في الدنيا والآخرة.