به أنه يحق لك أن تمشي هكذا، وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد، وهو كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩/ ٤٤] وقوله سبحانه: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً، إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات ٤٦/ ٧٧] وقوله : ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥/ ٣٩] وقوله عز من قائل: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١].
قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله ﷺ بيد أبي جهل، ثم قال:
﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ توعده، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، وإني لأعزّ أهل هذا الوادي، ثم انسلّ ذاهبا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، كما قال له الرسول ﵊. ولما كان يوم بدر أشرف على القوم فقال: لا يعبد الله بعد هذا اليوم، فقتل إذ ذاك شرّ قتلة.
ثم أقام الله تعالى دليلين على صحة البعث لتأكيد ما جاء في أول السورة:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾:
الأول- ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ أي أيظن أن يترك الإنسان في الدنيا مهملا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يكلف، ولا يحاسب ولا يعاقب بعمله في الآخرة؟ وهذا خلاف مقتضى العدل والحكمة، فلا بد من الجزاء حتى لا يتساوى المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، واقتضت الحكمة الإلهية تأجيل الجزاء إلى عالم الآخرة، وترك تعجيله، ليتسنى وجود الفرصة المواتية الكافية في أثناء العمر والحياة للإيمان والصلاح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه ١٥/ ٢٠]. وقال سبحانه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨].
стр. 8822
ونظير الآية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥/ ٢٣].
الثاني- ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ أي أما كان ذلك الإنسان قطرة أو نطفة ضعيفة من مني يراق في الرحم، ثم صار بعد ذلك علقة، أي قطعة دم، ثم مضغة أي قطعة لحم، ثم شكّل ونفخ فيه الروح، فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء، ذكرا أو أنثى بإذن الله وتقديره؟ أليس ذلك الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه بقادر على أن يعيد خلق الأجسام من جديد بالبعث، كما كانت عليه في الدنيا؟ بلى، فإن الإعادة أهون من الابتداء.
وقوله: ﴿فَخَلَقَ﴾ أي فقدّر بأن جعلها مضغة مخلّقة، وقوله ﴿فَسَوّى﴾ أي فعدّل أركانه وكمل نشأته ونفخ فيه الروح، وجعل من المني بعد تخليقه صنفي الإنسان: الرجل والمرأة.
وهذا استدلال بالخلق الأول على الإعادة، فإن الخالق الأول هو الخالق الآخر، والأمران سواء عليه.
روى ابن أبي حاتم وغيره أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال:
«سبحانك اللهم وبلى».
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه، والحاكم وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ منكم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين ١/ ٩٥] وانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ [التين ٨/ ٩٥] فليقل: بلى، وأنا على ذلكم من الشاهدين، ومن قرأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة ١/ ٧٥] فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة ٤٠/ ٧٥] فليقل: بلى، ومن قرأ المرسلات، فبلغ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟﴾ [المرسلات ٥٠/ ٧٧] فليقل: آمنا بالله».
стр. 8823
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - ذكّر الله تعالى الناس قاطبة بشدة الحال وصعوبة الأمر عند نزول الموت، فعند الاحتضار يجتمع على الإنسان أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، ويجتمع عليه أيضا شيئان محزنان: فراق الدنيا والأهل والولد حين معاينة الملائكة، واتصال شدة الدنيا بشدة أول الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من ﵀، أي شدة كرب الموت بشدة هول المطلع على الآخرة.
٢ - يكون الشّوق في يوم القيامة إلى الخالق، ويكون المرجع والمآب إلى حكم الله، إما إلى الجنة وإما إلى النار.
٣ - يكون الكافر أولى وأجدر بالعذاب والهلاك لفساد العقيدة والعمل والخلق، فلم يصدّق بالرسول محمد ﷺ ولا بالقرآن ولم يصلّ الصلاة المفروضة التي أمره الله بها، وتجرد عن إنسانيته بالتكبر والتبختر، افتخارا بالمال والولد، واعتزازا بالقوة الجسدية أو الجاه، لذا جاء التهديد بعد التهديد، والوعيد بعد الوعيد في قوله تعالى: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ فهو وعيد أربعة لأربعة، أي وعيد بأربعة أنواع من العذاب لأربعة أنواع من الأمور: ترك الإيمان والصلاة وتكذيب الله تعالى والرسول ﷺ والقرآن، والتبختر.
٤ - أعاد الله تعالى في آخر السورة ما ذكر في أولها بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وقد ذكر هذا لإثبات الحشر والبعث والقيامة بدليلين:
الأول-لا بد في الحياة من التكليف لتنظيم الحياة وتهذيب الأنفس ودرء
стр. 8824
المفاسد، والتكليف لا يحسن، ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة.
الثاني-الاستدلال بالخلقة الأولى على الإعادة، فمن قدر على بدء الخلق وإيجاد الإنسان، فهو أقدر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى.
стр. 8825
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإنسان، أو: الدّهر
مدنيّة وهي إحدى وثلاثون آية.
تسميتها:
سميت سورة الإنسان لافتتاحها بالتنويه بخلق الإنسان وإيجاده، بعد أن لم يكن شيئا موجودا، ثم صار خليفة في الأرض، وخلق له جميع ما في الأرض من خيرات ومعادن وكنوز.
مناسبتها لما قبلها:
تتعلق السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة:
١ - ذكر الله تعالى في آخر السورة السابقة مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم جعل منه الصنفين: الرجل والمرأة، ثم ذكر في مطلع هذه السورة خلق آدم أبي البشر، وجعله سميعا بصيرا، ثم هدايته السبيل، وما ترتب عليه من انقسام البشر إلى نوعين: شاكر وكفور.
٢ - أجمل في السورة المتقدمة وصف حال الجنة والنار، ثم فصل أوصافهما في هذه السورة، وأطنب في وصف الجنة.
٣ - ذكر سبحانه في السورة السابقة الأهوال التي يلقاها الفجار في يوم القيامة، وذكر في هذه السورة ما يلقاه الأبرار من النعيم.
стр. 8826
ما اشتملت عليه السورة:
بالرغم من كون هذه السورة مدنية في قول الجمهور، فإنها عنيت بالحديث عن أحوال الآخرة، ولا سيما تنعم الأبرار في دار الخلد والنعيم، أما من قال بأنها مكية فرأيه متفق مع موضوعها.
وقد افتتحت بالكلام عن مبدأ خلق الإنسان، وتزويده بطاقات السمع والبصر، وهدايته السبيل، ثم انقسامه إلى فئتين: شاكر وكفور، والإخبار عن جزاء الشاكرين والجاحدين ووصف الجنة والنار: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ..﴾.
[الآيات: ١ - ٦].
ثم أشادت بأعمال الشاكرين من الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لوجه الله، والخوف من عذاب الله: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ.﴾. [الآيات: ٧ - ١١].
وأردفت ذلك بوصف ما لهم عند ربهم من الجنان والثواب والفضل والإكرام:
﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الآيات: ١٢ - ٢٢].
ثم أبانت مصدر تنزيل القرآن، وأمر النبي ﷺ بالصبر الجميل، وذكر الله، وقيام الليل: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً.﴾. [الآيات: ٢٣ - ٢٦].
ونوّهت بشيء تضمنته السورة السابقة وهو حب الدنيا العاجلة وترك الآخرة، وتهديدهم بتبديل أمثالهم إن داموا على الكفر والعناد وإمعان الأذى:
﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ.﴾. [الآيات: ٢٧ - ٢٨].
وختمت السورة الكريمة بإعلان أن القرآن تذكرة وعظة لجميع البشر وندبهم إلى الإيمان والعمل بما جاء فيه: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.﴾. [الآيات: ٢٩ - ٣١].
стр. 8827
خلق الله الإنسان وهدايته السبيل
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً (٣)﴾
الإعراب:
﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ﴾ ﴿هَلْ﴾ إما بمعنى قد أي أقد؛ لأن الأصل أهل ثم حذفت الهمزة، أو يكون الاستفهام بمعنى التقرير، وهو تقرير موجه لمن أنكر البعث، يراد به انتزاع إقراره بهذه الحقيقة الأبدية فيقال له: من أحدث الإنسان بعد العدم؟ ونظرا لبداهة الجواب كان لا بد من (نعم) وإذا أقر بأن الخالق هو الله فكيف يمتنع عليه إعادة هذا الإنسان الذي خلقه أول مرة؟ فإن من قدر على إحداث شيء بعد أن لم يكن كان على إعادته أولى.
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ الجملة حال من الإنسان. ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ في موقع الحال.
﴿إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ منصوبان على الحال من هاء: ﴿هَدَيْناهُ﴾.
البلاغة:
﴿شاكِراً﴾ و ﴿كَفُوراً﴾ بينهما طباق. وكفور صيغة مبالغة وعبر به وليس بالكافر مراعاة للفواصل وإشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا وإنما المؤاخذة بالتوغل بالكفر.
﴿مَذْكُوراً﴾ ﴿بَصِيراً﴾ ﴿كَفُوراً﴾ ﴿مَنْثُوراً﴾ ﴿طَهُوراً﴾ ﴿مَشْكُوراً.﴾. إلخ سجع مرصع وهو من مراعاة الفواصل.
المفردات اللغوية:
﴿هَلْ﴾ استفهام تقرير وتقريب فهو بمعنى «قد». ﴿الْإِنْسانَ﴾ آدم ﵇ أو جنس الإنسان وهو الراجح لقوله: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ ﴿حِينٌ﴾ جزء محدود من الزمان قدره بعضهم بأربعين سنة ﴿الدَّهْرِ﴾ الزمان الممتد غير المحدود. ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ كان
стр. 8828
شيئا منسيا لا يذكر معدوما لا يعرف. ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ أي جنس الإنسان. ﴿نُطْفَةٍ﴾ قليل من الماء. ﴿أَمْشاجٍ﴾ أخلاط جمع مشج ومشيج أي من اختلاط ماء الرجل وماء المرأة وامتزاجهما. ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ نختبره بالتكليف أي مريدين اختباره عند التكليف والتأهل.
﴿فَجَعَلْناهُ﴾ بسبب ذلك. ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات فهو كالمسبب من الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على ﴿نَبْتَلِيهِ﴾.
﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ بيّنا له طريق الخير والهدى بإقامة الأدلة وإنزال الآيات وبعث الرسل.
التفسير والبيان:
﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ أي قد أتى على الإنسان (جنس الإنسان) زمن كان فيه منسيا غير موجود فلم يكن آدم وبنوه شيئا معروفا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة المتقدمين عليه وهم الملائكة والجن. وهذا إخبار بكون الإنسان في بدء الخلق معدوما غير مخلوق والآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة. وهي حقيقة لا ينكرها أحد ويؤكدها علماء طبقات الأرض الذين قالوا: لم يوجد الإنسان على الأرض إلا بعد خلقها بأحقاب طوال.
قال الفرّاء وثعلب: المعنى أنه كان جسدا مصوّرا ترابا وطينا لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا.
والمراد بالإنسان هنا جنس بني آدم لقوله تعالى بعدئذ: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾.
ثم أخبر الله تعالى عن بدء تكاثر نوع الإنسان بعد خلق آدم ﵇ فقال: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ أي إننا نحن الخالق الإله أوجدنا أو خلقنا ابن آدم من مني أو ماء قليل مختلط ممتزج بين ماءي الرجل والمرأة من يدين بهذا الخلق ابتلاءه أي اختباره بالخير
стр. 8829
والشر وبالتكاليف الشرعية بعد بلوغ سن التكليف وأهلية الخطاب التشريعي وزوّدناه بطاقات الفهم والوعي والإدراك وهي السمع والبصر ليتمكن من حمل رسالة التكليف واجتياز الامتحان واستماع الآيات والتأمل في دلائل الكون والتفكر في براهين الوجود الدالة على الخالق الواحد الأحد.
فبالسمع والبصر والفؤاد وسائر الحواس يتمكن هذا الإنسان من الطاعة والمعصية. ولما جعله تعالى بهذا التركيب وامتن عليه بهاتين الصفتين (السمع والبصر) وهما آلة التمييز والفهم وأشرف الحواس التي تدرك بها أعظم المدركات أخبر تعالى أنه هداه السبيل أي أرشده إلى الطريق وعرفه مآله طريق النجاة ومآل طريق الهلاك وبيّن له طريق الهدى وطريق الضلال فقال:
﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ أي بيّنا وأوضحنا له وعرّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر وبصّرناه بعواقب الأمور وعرّفناه منافع الأشياء ومضارّها التي يهتدي إليها بطبعه السليم وكمال عقله فآل أمره إلى أن ينقسم نوع الإنسان إلى قسمين: شاكر لأنعم الله مؤمن به مهتد بهديه. وكافر جاحد للنعمة معرض عن الطاعة صادّ عن الهدي الإلهي.
ونظير الآية: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد وهذا قول الجمهور ولم نجبره أو نكرهه على شيء من الإيمان أو الكفر وإنما اختار الإنسان لنفسه ما شاء كما قال تعالى: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت ١٧/ ٤١].
وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها».
стр. 8830
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - لم يكن الإنسان قبل خلقه بأمر ربه شيئا معروفا وظل على هذا النحو حينما من الزمان غير معروف.
٢ - أوجد الله أصل الإنسان من تراب ثم نفخ فيه من روحه ثم حدث التناسل والتكاثر من شيء ضعيف مهين وهو التقاء نطفتي الرجل والمرأة.
٣ - كان القصد من خلق الإنسان هو الابتلاء والاختبار لذا أمده الله تعالى بمفاتيح المعرفة والهداية والعلم وأعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر وهما كنايتان عن الفهم والتمييز.
٤ - أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركّب الإنسان وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بيّن له سبيل الهدى والضلال بقوله: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾.
٥ - الآية المتقدمة دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل وهذا صحيح؛ لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف وهي الحواس الظاهرة والباطنة.
٦ - المراد من هداية السبيل: خلق الدلائل وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب.
٧ - أيا كان نوع الإنسان ومنهجه شاكرا أو كفورا فقد بيّن الله ما يحتاج إليه من الخير والطاعة.
٨ - ليس المراد بالشاكر: من يشتغل بفعل الشكر وفعل الكفران وإلا لم
стр. 8831
يتحقق الحصر المفهوم من كلمة ﴿إِمّا﴾ بل المراد من الشاكر: الذي يكون مقرا معترفا بوجوب شكر خالقه عليه والمراد من الكفور: الذي لا يقرّ بوجوب الشكر عليه إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه وحينئذ يتحقق الحصر: وهو أن المكلف: إما أن يكون شاكرا وإما أن يكون كفورا. وبهذا يرد على الخوارج الذين احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر لأن الشاكر هو المطيع والكفور هو الكافر (١).
جزاء الكفار والأبرار يوم القيامة
﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢)﴾
الإعراب:
﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً﴾ ﴿سَلاسِلَ﴾: قرئ بتنوين لمجاورته ﴿أَغْلالاً﴾ وقرئ من غير تنوين؛ لأنه ممنوع من الصرف.
وكذا أيضا ﴿قَوارِيرَا﴾ [الآية ١٥] قرئ منونا وغير منون.
﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها﴾ ﴿عَيْناً﴾ منصوب من ستة أوجه: على أنه بدل من قوله:
стр. 8832
﴿كافُوراً﴾ أو على التمييز أو لقيامه مقام مفعول محذوف ل ﴿يَشْرَبُونَ﴾ تقديره: يشربون من كأس ماء عين أو على البدل من ﴿كَأْسٍ﴾ على الموضع أو على الحال من ضمير ﴿مِزاجُها﴾ وفيه خلاف أو منصوب بتقدير أعني. و ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ الباء إما بمعنى «من» أي يشرب منها أو زائدة أي يشرب ماءها؛ لأن العين لا تشرب وإنما يشرب ماؤها.
البلاغة:
﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ﴾ لف ونشر مشوّش فإنه تعالى قال: ﴿شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ ثم أعاد بالذكر على الثاني دون الأول.
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿يَوْماً عَبُوساً﴾ مجاز عقلي إسناد العبوس إلى اليوم من إسناد الشيء إلى زمانه مثل:
نهاره صائم.
﴿فَوَقاهُمُ﴾ و ﴿لَقّاهُمْ﴾ جناس غير تام.
المفردات اللغوية:
﴿أَعْتَدْنا﴾ هيأنا. ﴿سَلاسِلَ﴾ قيودا توضع في الأرجل يسحبون بها إلى النار.
﴿وَأَغْلالاً﴾ أطواقا وقيودا توضع في الأيدي وتجمع إلى أعناقهم جمع غلّ: وهو القيد.
﴿وَسَعِيراً﴾ نارا مسعّرة بها يحرقون ويعذبون.
﴿الْأَبْرارَ﴾ أهل الطاعة والإخلاص جمع برّ والبررة جمع بارّ كما جاء في الصحاح.
﴿كَأْسٍ﴾ قدح أو إناء زجاجة فيها خمر والمراد: من خمر تسمية للحالّ باسم المحل و ﴿مِنْ﴾: للتبعيض. ﴿مِزاجُها﴾ ما تمزج به. ﴿كافُوراً﴾ طيب معروف له رائحة جميلة.
﴿يَشْرَبُ بِها﴾ أي منها. ﴿عِبادُ اللهِ﴾ أولياؤه. ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ يقودونها ويجرونها حيث شاؤوا إجراء سهلا ويخرجونها من الأرض والمراد أنها تحت تصرفهم وأمرهم.
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ﴿بِالنَّذْرِ﴾: التزام قربة لله تعالى والمراد يؤدون ما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات. ﴿شَرُّهُ﴾ شدائده. ﴿مُسْتَطِيراً﴾ فاشيا منتشرا في البلاد. ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ محبة الطعام أو الإطعام. ﴿مِسْكِيناً﴾ محتاجا لفقره. ﴿وَيَتِيماً﴾ من لا أب له. ﴿وَأَسِيراً﴾ من أسر من الكفار في حرب إسلامية ويشمل أيضا الأسير المؤمن والمملوك والمسجون. ﴿لِوَجْهِ اللهِ﴾ ابتغاء لرضوانه وطلب ثوابه لا لتوهم المنّ وتوقع المكافأة المنقصة للأجر. ﴿شُكُوراً﴾ شكرا.
﴿يَوْماً﴾ عذاب يوم. ﴿عَبُوساً﴾ تعبس فيه الوجوه أي كريه المنظر لشدته.
стр. 8833
﴿قَمْطَرِيراً﴾ شديد العبوس والهول مظلما. ﴿فَوَقاهُمُ﴾ دفع عنهم بسبب خوفهم وتحفظهم منه.
﴿وَلَقّاهُمْ﴾ أعطاهم. ﴿نَضْرَةً﴾ حسنا وبهاء. ﴿وَسُرُوراً﴾ حبورا. ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا﴾ بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرّمات وإيثار الأموال. ﴿جَنَّةً﴾ بستانا يأكلون منه.
﴿وَحَرِيراً﴾ يلبسونه.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ.﴾.: أخرج ابن المنذر عن ابن جرير في قوله:
﴿وَأَسِيراً﴾ قال: لم يكن النبي ﷺ يأسر أهل الإسلام ولكنها نزلت في أسارى أهل الشرك كانوا يأسرونهم في العذاب فنزلت فيهم فكان النبي ﷺ يأمرهم بالإصلاح إليهم.
وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا. وقال أهل التفسير: نزلت في علي وفاطمة ﵄ وجارية لهما اسمها فضة لكن القصة لم تصح.
قال القرطبي: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار ومن فعل فعلا حسنا؛ فهي عامة (١).
المناسبة:
بعد بيان أن الله هدى الناس إلى طريق الخير وطريق الشرّ ثم انقسامهم بعدئذ فريقين: شاكرا وكافرا ذكر تعالى على جهة الوعيد أنه أعد للكافرين قيودا ونارا وللمؤمنين الطائعين جنة فيها ألوان النعيم من المأكل والمشرب والملبس لتتم المقابلة أو المقارنة بين الجزاءين مع بيان العلة أو السبب لكل جزاء.
стр. 8834
التفسير والبيان:
﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً﴾ أي إننا هيأنا وأعددنا لكل من كفر بالله وبنعمه وخالف أمره سلاسل في أرجلهم يقادرون بها إلى الجحيم قيودا تشد بها أيديهم إلى أعناقهم ونارا تستعر وتتوقد لنعذبهم ونحرقهم بها.
والسلاسل: القيود في جهنم كل سلسلة سبعون ذراعا كما جاء في سورة الحاقة.
والأغلال: ما تغل به الأيدي إلى الأعناق.
ونظير الآية: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر ٧١/ ٤٠ - ٧٢].
فهذا إخبار عما أرصده الله للكافرين الأشقياء من خلقه ثم أتبعه بما أعد للمؤمنين الطائعين فقال:
﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ أي إن المؤمنين أهل الطاعة والإخلاص الذين يؤدون حق الله بالتزام فرائضه واجتناب معاصيه يشربون من خمر ممزوجة بكافور بارد أبيض طيب الرائحة ليكمل ريح الخمر وطعمها ويطيب وممزوجة أيضا بماء عين يشرب منها عباد الله الصالحون يجرونها إلى حيث أرادوا من منازلهم وقصورهم وينتفعون بها كما يشاءون ويشقّونها شقّا كما يشقّ النهر ويتفجر الينبوع. وقيل: الكافور: اسم عين في الجنة يقال له عين الكافور.
وقوله: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ معناه يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير: الإنباع.
ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أسباب لهذا التكريم وثواب الأبرار فقال:
١ - ٢ - ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ أي يوفون
стр. 8835
بما أوجبوه على أنفسهم من نذور تقربا إلى الله تعالى ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها. والنذر في الشرع: ما أوجبه المكلف على نفسه لله تعالى من صلاة أو صوم أو ذبح أو غيرها مما لم يكن عليه واجبا بالشرع. قال الرازي: اعلم أن مجامع الطاعات محصورة في أمرين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله:
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ والشفقة على خلق الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾. ويخافون عذاب يوم هو يوم القيامة كانت شدائده وأهواله فاشية منتشرة في كل جهة وعامة على الناس إلا من رحم الله.
وإنما سميت الأهوال شرّا؛ لكونها مضرة بمن تنزل عليه ولكونها صعبة عليه كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شرورا.
والآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى عقبه بقوله: ﴿يَخافُونَ يَوْماً﴾ وهذا يقتضي أن الخوف من عذاب الله هو سبب الوفاء بالنذر.
٣ - ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ أي ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له المحتاج الفقير العاجز عن الكسب واليتيم الحزين الذي فقد أباه وعائله والأسير المقيد المحبوس أو المملوك سواء من أهل الإيمان أو من المشركين. وخصّ الطعام بالذكر لكونه إنقاذا للحياة وإصلاحا للإنسان وإحسانا لا ينسى.
وفي قوله ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد ١١/ ٩٠ - ١٦] وقوله سبحانه: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة ١٧٧/ ٢] وقوله: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢/ ٣].
стр. 8836
وبما أن تمام الطاعة لا يكون إلا بالإخلاص وقرن النية بالعمل ذكر النية بعد تلك الأعمال فقال:
﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾ أي إنما قصدنا من هذا الإطعام هو ابتغاء رضوان الله وحده ورجاء ثوابه دون منّ عليكم ولا ثناء من الناس ولا توقع مكافأة تنقص الأجر ولا طلب مجازاة منكم ولا إرادة شكر منكم لنا بل هو خالص لوجه الله تعالى.
وهذا أي طلب رضا الله عنهم هو الهدف الأول ثم أعقبه بالهدف الثاني وهو خوف يوم القيامة وأهوالها فقال سبحانه:
﴿إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ أي إننا مع طلب رضوان الله نخاف من أهوال يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته صعب شديد. ووصف اليوم بالعبوس مجاز وصف بصفة أهله أو تشبيها في ضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء.
ويلاحظ أنه سبحانه وصفهم بالخوف من أهوال القيامة في موضعين: في قوله المتقدم: ﴿وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ وقوله هنا: ﴿إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾.
ثم أوضح الله تعالى أنه حقق للأبرار الهدفين وذكر ما سيجزيهم على أعمالهم وإخلاصهم فذكر الثاني أولا ثم الأول فقال: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ أي فدفع الله عنهم شرّ ذلك اليوم العبوس وآمنهم مما خافوا منه بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه وأعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب لطلبهم رضا الله. والنضرة:
البياض والنقاء في وجوههم من أثر النعمة.
стр. 8837
ونظير الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨/ ٨٠ - ٣٩].
﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ أي وكافأهم بسبب صبرهم على التكاليف جنة يدخلونها وحريرا يلبسونه، أي أعطاهم منزلا رحبا، وعيشا رغدا، ولباسا حسنا، كما قال تعالى: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج ٢٣/ ٢٢]. والتعبير بقوله: ﴿فَوَقاهُمُ﴾ و ﴿لَقّاهُمْ﴾ بصيغة الماضي، لتأكيد تحقق الوعد.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - إن انقسام الناس باختيارهم إلى فريقين: شاكر وكافر، اقتضى تنوع الجزاء بعد التكليف والتمكين من المأمورات، فمن كفر فله العقاب من السلاسل في الأرجل، والأغلال في الأيدي، والنار المستعرة التي تحرق الجسد؛ ومن وحّد وشكر، فله الثواب الجزيل والجنة بما فيها من ألوان النعيم.
والآية دليل على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة؛ لأن قوله تعالى:
﴿أَعْتَدْنا﴾ إخبار عن الماضي.
ويلاحظ أن الاختصار في ذكر العقاب، مع الإطناب في شرح الثواب، يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى (١).
٢ - وصف الله تعالى نعيم أهل الجنة بما يبهر، فذكر أن الأبرار: أهل التوحيد والصدق يشربون في الجنة الخمر غير المسكرة، الممزوجة بالكافور، المختومة بالمسك، المختلطة بعين ماء عذبة في الجنة، يشربون منها، وتكون تحت تصرفهم وأمرهم يجرونها كما يشاءون، ويشقّقونها شقّا، كما يفجر النهر في الدنيا.
стр. 8838
وتلك العين هي السلسبيل كما
جاء في حديث ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع عيون في الجنة:
عينان تجريان من تحت العرش، إحداهما التي ذكر الله: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ والأخرى الزنجبيل، والأخريان نضّاختان من فوق العرش: إحداهما التي ذكر الله عينا فيها، تسمى سلسبيلا، والأخرى التسنيم». وقال: فالتسنيم للمقربين خاصة شربا لهم، يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مزاج.
٣ - إن علة أو سبب هذا النعيم للأبرار أمور ثلاثة: وفاؤهم بالنذور وأداؤهم ما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيرها من الواجبات؛ وخوفهم من يوم القيامة ذي الشدائد والأهوال الفاشية المنتشرة في كل مكان؛ وإطعامهم الطعام على قلّته وحبهم له وشغفهم به ذا مسكنة وفقر وحاجة، ويتيما من يتامى المسلمين، والأسير المؤمن أو الكافر الذي يؤسر فيحبس.
وقد أوصى النبي ﷺ بالأسارى قائلا: «استوصوا بالأسارى خيرا» (١).
ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا. وتقدم لدينا أن الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر.
وأجاز عامة العلماء الإحسان إلى الكفار في بلاد الإسلام من التطوعات لا من الواجبات. وإطعام الأسير واجب أولا على الإمام (الدولة) فإن لم يفعله وجب على المسلمين.
٤ - إطعام هؤلاء بقصدين أو غرضين: رضا الله عنهم، وخوف يوم القيامة.
стр. 8839
٥ - أعطى الله الأبرار ما يحقق الغرضين، فوقاهم ودفع عنهم شرور ومحاذير ومخاطر يوم القيامة وآمنهم من خوفهم، وأعطاهم وآتاهم حين لقوه نضرة أي حسنا، وسرورا، أي حبورا، فتحقق لهم الغرضان: الحفظ من هول القيامة، وطلب رضا الله تعالى.
قال الرازي: اعلم أن هذه الآية أحد ما يدل على أن شدائد الآخرة لا تصل إلا إلى أهل العذاب.
٦ - كذلك جزاهم الله بصبرهم على طاعة الله وعلى معصية الله ومحارمه جنان الخلد يدخلونها، والحرير يلبسونه.
روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ سئل عن الصبر، فقال: «الصبر أربعة: أولها-الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر على أداء الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، والصبر على المصائب» (١).
هذا مع العلم بأن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإنما ألبسه من ألبسه في الجنة عوضا عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرم الله فيها.
مساكن أهل الجنة وأشربتهم وخدمهم وألبستهم
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)﴾
стр. 8840
الإعراب:
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها.﴾. حال من الهاء والميم في ﴿جَزاهُمْ﴾. وكذلك ﴿لا يَرَوْنَ﴾ في موضع نصب على الحال من ذلك الضمير، أو من ضمير ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ منصوب بالعطف على قوله: ﴿جَنَّةً﴾ في آية: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً﴾ و ﴿ظِلالُها﴾: فاعل ﴿دانِيَةً﴾.
﴿عَيْناً فِيها.﴾. بدل من ﴿زَنْجَبِيلاً﴾.
﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ.﴾. ﴿ثَمَّ﴾: في موضع نصب إما لأنه ظرف مكان، ويكون مفعول ﴿رَأَيْتَ﴾ محذوفا، وإما لأنه مفعول ﴿رَأَيْتَ﴾. و ﴿ثَمَّ﴾: مبني على الفتح لتضمنه لام التعريف؛ لأنه معرفة، أو لتضمنه معنى الإشارة، والأصل في الإشارة أن يكون بالحرف، فكأنه تضمن معنى الحرف.
﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ.﴾. ﴿عالِيَهُمْ﴾ بفتح الياء منصوب لكونه ظرفا بمعنى فوقهم، أو على الحال من الهاء والميم في ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ﴾ أي يعلوهم في هذه الحالة. وقرئ بالسكون فيكون مبتدأ، و ﴿ثِيابُ﴾: خبره، وعالي: لفظه لفظ الواحد، والمراد به الجمع، كالسامر في قوله تعالى: ﴿سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٧/ ٢٣]. ويصح كونه صفة ﴿وِلْدانٌ﴾.
و ﴿ثِيابُ سُندُسٍ﴾: مرفوع ب ﴿عالِيَهُمْ﴾ سواء كان حالا أو وصفا. و ﴿خُضْرٌ﴾ إما بالجر صفة ل ﴿سُندُسٍ﴾ وإما بالرفع صفة ل ﴿ثِيابُ﴾. وكذلك ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ بالجر عطفا على ﴿سُندُسٍ﴾، أو بالرفع عطفا على ﴿ثِيابُ﴾. و ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ في أصله: اسم أعجمي: وهو غليظ الديباج، وأصله ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ فأبدلوا من الهاء قافا. وهو منصرف لأنه يحسن فيه دخول الألف واللام، وليس اسم علم كإبراهيم، ومن لم يصرفه فقد وهم.
البلاغة:
﴿شَمْساً﴾ و ﴿زَمْهَرِيراً﴾ بينهما طباق.
﴿إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ تشبيه رائع، أي كاللؤلؤ المنثور.
﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً﴾ إيجاز بالحذف، أي يقال لهم: إن هذا.
﴿وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ مجاز عن قبول الطاعة والثواب الكثير.
﴿زَمْهَرِيراً﴾، ﴿قَوارِيرَا﴾، ﴿تَقْدِيراً﴾، ﴿مَنْثُوراً﴾، ﴿كَبِيراً﴾، ﴿طَهُوراً﴾، ﴿مَشْكُوراً﴾ سجع مرصع، أي مراعاة الفواصل.
стр. 8841
المفردات اللغوية:
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ جالسين بتمكن وراحة، والغالب أن يكون الجلوس على جانب واحد، بالاعتماد على وسادة. ﴿الْأَرائِكِ﴾ السرر في الحجال، جمع أريكة: وهي السرير المجلل بالأستار أو الحجلة أو الكلّة (الناموسية). ﴿لا يَرَوْنَ﴾ لا يجدون. ﴿شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ أي لا حرّا ولا بردا، والزمهرير: البرد الشديد. ﴿وَدانِيَةً﴾ قريبة. ﴿ظِلالُها﴾ ظلال أشجارها. ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ سخرت وسهّلت ثمارها، وصارت في متناول الأيدي. ﴿قُطُوفُها﴾ ثمارها، جمع قطف، والمراد:
أدنيت ثمارها، فينالها القائم والقاعد والمضطجع.
﴿بِآنِيَةٍ﴾ صحاف أو أواني الطعام، جمع إناء. ﴿وَأَكْوابٍ﴾ آنية الشراب، جمع كوب: وهو قدح أو كوز مستدير الفتحة، لا عروة فيه. ﴿قَوارِيرَا﴾ أوعية زجاجية، جمع قارورة: وهي الزجاجة المعروفة. ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيراً﴾ قدرها السقاة الطوافون على قدر ريّ الشارب، من غير زيادة ولا نقصان، وذلك ألذ الشراب. ﴿كَأْساً﴾ أي خمرا، والكأس في الأصل: القدح الذي تكون فيه الخمر. ﴿مِزاجُها﴾ ما تمزج به. ﴿زَنْجَبِيلاً﴾ ماء يشبه الزنجبيل في الطعم، وكانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به، والزنجبيل: نبات ذو عرق يوضع في أخلاط البهارات، له رائحة طيبة وله لذع في اللسان، ينبت في بلاد الشام والهند والصين.
﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ سميت بذلك لسلاسة انحدارها في الحلق، وسهولة مساغها.
والسلسبيل: الشراب اللذيذ. ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ دائمو البهاء والحسن، لا يشيبون. ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ ظننتم لحسنهم. ﴿لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ كاللؤلؤ المنتثر في الصفاء والبياض. ﴿ثَمَّ﴾ هناك. ﴿نَعِيماً﴾ لا يوصف. ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ واسعا لا غاية له. ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ﴾ يعلوهم ثياب الحرير الخضر، والسندس: ما رقّ من الحرير، وهو الظهائر. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ ما غلظ من الديباج، وهو البطائن. ﴿وَحُلُّوا﴾ ألبسوا حلية. ﴿أَساوِرَ﴾ جمع سوار. ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وفي موضع آخر:
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف ٧١/ ٤٣]، للدلالة على أنهم يحلّون من النوعين معا، ومفرّقا. ﴿شَراباً طَهُوراً﴾ نقيا من الشوائب، والطهور: صيغة مبالغة في طهارته ونظافته، خلافا لخمر الدنيا.
﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً﴾ أي يقال لهم: إن ما أعدّ لكم من الثواب جزاء أعمالكم الصالحة.
﴿مَشْكُوراً﴾ مجازي عليه، غير مضيّع.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٠):
﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ.﴾.:
أخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: دخل عمر بن
стр. 8842
الخطاب على النّبي ﷺ ، وهو راقد على حصير من جريد، وقد أثّر في جنبه، فبكى عمر فقال: ما يبكيك؟ قال: ذكرت كسرى وملكه، وهرمز، وصاحب الحبشة وملكه، وأنت رسول الله ﷺ على حصير من جريد، فقال رسول الله ﷺ : أما ترضى أن لهم الدنيا، ولنا الآخرة، فأنزل الله تعالى:
﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾.
المناسبة:
بعد بيان طعام أهل الجنة ولباسهم، ذكر الله تعالى أوصاف مساكنهم وكيفية جلوسهم فيها وأشربتهم وأوانيهم وخدمهم واعتدال هوائهم، ثم أشار إلى تجملهم بمحاسن الثياب والحلي، وذكر في النهاية أن هذه النعم جزاء عملهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أوضاع أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العظيم، فقال تعالى:
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ، لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ أي جزاهم الله جنة، متكئين فيها على الأسرة المظللة بالحجال أو الكلل، لا يرون فيها حرّ الشمس، ولا برد الزمهرير، بل إن هواءها معتدل،
جاء في الحديث: «هواء الجنة سجسج، لا حرّ ولا قرّ» والسجسج: الظل الممتد كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس (١).
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ أي وإن ظلال الأشجار قربة منهم، مظللة عليهم، زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس هناك، وسخرت وأدنيت ثمارها لمتناوليها تسخيرا، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك. فقوله: ﴿وَدانِيَةً﴾ أي وجزاهم جنة أخرى
стр. 8843
دانية عليهم ظلالها.
ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح عليه في الدنيا، وهو الضوء النوراني، فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنوّ الظلال: أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس، لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة، وقد أكّد هذا المعنى بقوله: ﴿وَذُلِّلَتْ.﴾. أي لا تمتنع على قطّافها كيف شاؤوا (١).
ثم أخبر الله تعالى عن شرابهم وأوانيهم التي فيها يشربون، فقال:
﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا. قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً﴾ أي يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وبأكواب الشراب: وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم، وهي أيضا من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير وهي الزجاج، حتى يرى داخلها، من خارجها، وجاءت في الشكل والحجم كما يريدون لا تزيد ولا تنقص.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة».
وجاء في آية أخرى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ﴾ [الزخرف ٧١/ ٤٣]. وهذا يدل على أنهم تارة يسقون بأكواب الفضة، وتارة بأكواب الذهب. والصحاف: هي القصاع. والفرق بين الآنية والأكواب: أن الأكواب كما تقدم هي الكيزان التي لا عرى لها، والآنية هي ما له عرى، كالقدح.
ثم وصف الله تعالى مشروبهم نفسه قائلا:
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً﴾ أي ويسقى الأبرار أيضا في هذه الأكواب في الجنة خمرا ممزوجة بالزنجبيل، فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور
стр. 8844
كما تقدم وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل. أما المقرّبون فإنهم يشربون من كلّ منهما صرفا.
﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ أي ويسقون من عين في الجنة تسمى السلسبيل، سميت بذلك لسلاسة مائها، وسهولة جريها وانحدارها وإساغتها في حلوقهم. قال ابن الأعرابي عن السلسبيل: لم أسمعه إلا في القرآن.
وقال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة، فليس منه في الدنيا إلا الاسم.
والفائدة في تسمية العين بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته، ولكن ليس فيها اللذع الذي هو مناف للسلاسة.
ثم وصف خدمهم بقوله:
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ أي ويطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة، يبقون فيها على حالة واحدة من الشباب والطراوة والنضارة، لا يهرمون ولا يتغيرون ولا يموتون، إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج غيرهم وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، ظننتهم كاللؤلؤ المنثور، قال ابن كثير: ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.
شبههم بالمنثور؛ لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين، فإنه شبّههن باللؤلؤ المكنون؛ لأنهن لا يمتهنّ بالخدمة.
ثم أجمل نعيمهم؛ لأنه أعلى وأعظم مما سبق، ولأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد، ما دام في الدنيا، فخاطب نبيّه ﷺ أو كل راء قائلا:
﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ، رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ أي وإذا نظرت نظرا بعيدا
стр. 8845
في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور، رأيت نعيما لا يوصف، وسلطانا وملكا عظيما لا يقدر قدره.
جاء في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه، كما ينظر إلى أدناه» (١).
ثم وصف ملابسهم وحليهم بقوله:
﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ، وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي لباسهم الذي يعلوهم هو الحرير الرفيع الرقيق الأخضر، والديباج الغليظ، وحلوا بأساور من فضة، وفي آية أخرى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف ٣١/ ١٨، فاطر ٣٣/ ٣٥] أي تارة تكون حليهم الفضة، وتارة الذهب.
ثم ذكر الله تعالى شرابا آخر لهم غير الممزوج بالكافور أو بالزنجبيل، فقال:
﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ أي وسقاهم ربّهم بشراب غير ما سبق يطهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روي عن علي ﵁. والطهور مبالغة طاهر، والمراد أنها ليست بنجسة، ولا مستقذرة طبعا، ولا تؤول إلى النجاسة، ولكنها ترشح عرقا من أبدانهم، له ريح كريح المسك.
قال أبو قلابة وإبراهيم النخعي: يؤتون بالطعام، فإذا كان آخره أتوا بالشراب الطهور، فيشربون، فتضمر بطونهم من ذلك، ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك.
ثم ذكر الله تعالى علة هذا الفضل والنعيم، فقال:
﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً، وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ أي ويقال لهؤلاء الأبرار الممتعين بالجنان، تكريما لهم وإحسانا إليهم: إن هذا المذكور من أنواع النعم،
стр. 8846
كان لكم جزاء بأعمالكم، أي ثوابا لها، وجزاكم الله تعالى على القليل بالكثير، ويقبل طاعتكم، فشكر الله سبحانه لعمل عبده: هو قبوله لطاعته.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة ٢٤/ ٦٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ٤٣/ ٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - يكون الأبرار أهل الجنة في غاية النعيم والراحة، فهم متكئون على الأرائك أي السرر في الحجال، ولا يرون في الجنة شدة حرّ كحر الشمس، ولا بردا مفرطا، وظلال الأشجار في الجنة قريبة منهم، فهي مظلّة عليهم، زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس ولا قمر، كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شعث ثمّ.
وتسخر لهم الثمار تسخيرا، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك، كما قال قتادة.
ويدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة أو من ذهب، وبقوارير في صفاء الزجاج وبياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة، وقد قدّر أقدارها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم.
ويسقون في الجنة خمرا في آنية، ممزوجة بالزنجبيل تطييبا لرائحتها وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، فرغّبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب.
ويشربون أيضا في الجنة من عين تسمى السلسبيل: وهو الشراب اللذيذ.
стр. 8847
ويطوف عليهم بالآنية للخدمة ولدان يبقون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة والحسن، لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة على مرّ الأزمنة، فإذ شاهدتهم ظننتهم من حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم لؤلؤا مفرقا في ساحات المجلس، واللؤلؤ إذا نثر على بساط كان أحسن منه منظوما. والمراد دوام كونهم على تلك الصورة التي لا يراد في الخدم أبلغ منها، وذلك يتضمن دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة.
وهناك في الجنة إذا رأيت ببصرك، رأيت نعيما لا يوصف، وملكا عظيما لا يقدر قدره.
وثيابهم الحرير الأخضر الرقيق والديباج الغليظ، ويحلون في الجنة بحلي وأساور من ذهب أو فضة، حسبما يروق لهم، وإن كانوا رجالا.
ويشربون من شراب آخر غير ما ذكر موصوف بغاية الطهر والنقاء، إما لإذهاب آثار الطعام وجعله يتفصد من الجسد عرقا، أو للترفع عن اللذات الحسية والتخلص من مفاسد الأخلاق الرديئة، كالحسد والحقد والبغض وغير ذلك.
٢ - يقال لهؤلاء الأبرار في الجنة بعد دخولهم فيها ومشاهدتهم نعيمها، تكريما لهم وإحسانا إليهم: إنما هذا المذكور من النعم ثواب عملكم، وكان عملكم مشكورا من قبل الله، وشكره للعبد: قبول طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه.
стр. 8848
أحوال الطائعين والمتمردين المشركين في الدنيا
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)﴾
الإعراب:
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ.﴾. ﴿نَحْنُ﴾: في موضع نصب صفة لاسم «إن» للتأكيد، ولا يجوز أن يكون ﴿نَحْنُ﴾ ضمير فصل هنا لا محل له من الإعراب؛ لأن من شرط الفصل أن يقع بين معرفتين أو في حكمهما، ولم يوجد هنا. و ﴿نَزَّلْنا﴾: جملة فعلية في موضع رفع خبر «إن».
﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ ﴿أَوْ﴾: هنا للإباحة، أي لا تطع هذا النوع. والنهي في هذا كالأمر. ولو قال: لا تطع آثما، لا تطع كفورا، لانقلب المعنى؛ لأنه حينئذ لا تحرم طاعتهما كليهما.
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ ﴿وَالظّالِمِينَ﴾: منصوب بتقدير فعل، تقديره: ويعذب الظالمين، وجاز إضماره؛ لأن ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾ دلّ عليه.
البلاغة:
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ بينهما طباق.
﴿يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ، وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ مقابلة، حيث قابل بين المحبة والترك، وبين العاجلة والباقية.
стр. 8849
المفردات اللغوية:
﴿إِنّا نَحْنُ﴾ نحن تأكيد لاسم إن ﴿نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ أي نزلناه مفرّقا مفصّلا منجّما لحكمة اقتضته، ولم ننزله جملة واحدة. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ داوم على حكم ربّك عليك بتبليغ رسالته. ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ أي الكفار. ﴿آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ الآثم: الفاجر المجاهر بالمعاصي، والكفور: شديد التعصب للكفر المغالي فيه وهو المشرك المجاهر بكفره. قال المفسرون: وهما حينئذ عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة، قالا للنبي ﷺ : ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج. ثم صار المراد كل آثم وكافر، لا تطع أيا كان فيما دعاك إليه من إثم أو كفر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ داوم على ذكره. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أول النهار وآخره، فيشمل صلوات الفجر، والظهر، والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ أي في بعض الليل صلّ لله، ويشمل صلاتي المغرب والعشاء، وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص لله. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ أي وتهجد له طائفة طويلة من الليل، وهي صلاة التطوع.
﴿الْعاجِلَةَ﴾ الدنيا. ﴿وَراءَهُمْ﴾ أمامهم. ﴿يَوْماً ثَقِيلاً﴾ شديدا، أي يوم القيامة، مستعار من الثقل المتعب للحامل، وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه. ﴿وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ﴾ أحكمنا وقوينا أعضاءهم ومفاصلهم وكذلك ربطها بالأعصاب والعروق، وفي اللغة: الأسر: شدة الخلق والخلق. ﴿وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ أي وإذا أردنا أهلكناهم، وبدّلنا أمثالهم في الخلقة وشدة الأعضاء.
﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ إن هذه السورة أو الآيات القريبة موعظة وعبرة للناس. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ طريقا يتقرب إليه بالطاعة. ﴿وَما تَشاؤُنَ﴾ اتّخاذ السبيل بالطاعة.
﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي إلا وقت مشيئة الله. ﴿عَلِيماً﴾ بخلقه وبما يستأهل كل أحد.
﴿حَكِيماً﴾ في فعله، لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته. ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي يدخل من يريد وهم المؤمنون في جنته، بعد الهداية والتوفيق للطاعة. ﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ أي عذّب أو كافا الظالمين وهم الكافرون. ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ مؤلما.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤):
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه بلغه أن أبا جهل
стр. 8850
قال: لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾.
المناسبة:
بعد بيان أحوال الكفار والمؤمنين في الآخرة، ثبّت الله تعالى الرسول ﷺ وشرح صدره، بسبب ما نسبوه إليه من كهانة وسحر، فذكر الله تعالى أن ذلك وحي من الله، ثم أمره بالصبر على أذى قومه، ثم ذكر أحوال هذين الفريقين في الدنيا، مقدّما بيان أحوال الطائعين وهم الرسول ﷺ وأمته على أحوال الكفار العصاة.
التفسير والبيان:
امتن الله تعالى على رسوله ﷺ بما أنزله عليه من القرآن العظيم مفرّقا منجّما، فقال:
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ أي إنا نحن الإله الحق أنزلنا عليك أيها الرسول القرآن مفرّقا منجّما في الإنزال في مدى ثلاث وعشرين سنة، ولم ننزله جملة واحدة، ليسهل حفظه ووعيه والعمل به، وليتثبت المؤمنون في معالجة الحوادث، ولم تأت به من عندك كما يدّعيه المشركون.
والمراد من ذلك تثبيت قلب الرسول ﷺ في مواجهة افتراءات المشركين الذين نسبوا إليه الكهانة والسحر، وإعلام الناس قاطبة أن ما جاء به وحي من الله تعالى، لا من عند محمد ﷺ .
وبعد بيان هذه المقدمة، جاء الأمر بالصبر والنهي عن طاعة الكفار، فقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك من القرآن، فاصبر على قضاء الله وقدره في تأخير
стр. 8851
نصرك على المشركين، إلى أجل اقتضته حكمته، وفي القيام بتبليغ رسالته ووحيه الذي أوحاه إليك، فلكل أجل كتاب، وسيتولاك ربك بحسن تدبيره، ولا تطع أحدا من الكافرين والمنافقين، المغالين في الكفر، أو مرتكبي الإثم والفجور والمعاصي إن أرادوا صدّك عما أنزل إليك، بل بلّغ ما أنزل إليك من ربّك، وتوكل على الله، فإن الله يعصمك من الناس. والآثم كما تقدم: هو مرتكب المعاصي، والكفور: هو جاحد النعمة، المغالي في الكفر، فكل كفور آثم، وليس كل آثم كفورا.
ومن أمثلة الآثم: عتبة بن ربيعة؛ لأنه كان متعاطيا لأنواع الفسوق، يروى أنه قال للنبي ﷺ : ارجع عن هذا الأمر، حتى أزوّجك ولدي، فإني من أجمل قريش ولدا.
ومن أمثلة الكفور: الوليد بن المغيرة؛ لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر،
روي أنه قال للنبي ﷺ : أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فإني من أكثرهم مالا، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ من أول ﴿حم﴾ السجدة إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [الآية ١٣] فانصرفا عنه، وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.
وبالرغم من أنه ﷺ ما كان يطيع أحدا منهم، إلا أنه وجه النهي له؛ لأنه القدوة، وإشارة إلى أن الناس محتاجون دائما إلى مواصلة التنبيه والإرشاد، لوجود نزعة الشر والفساد في نفوسهم، فلو أن أحدا استغنى عن توفيق الله وإرشاده، لكان أحق الناس بذلك هو الرسول المعصوم ﷺ ، فوجب على كل مسلم أن يرغب إلى الله تعالى ويتضرع إليه في أن يصونه عن اتباع الأهواء والشهوات.
ثم عقّب النهي بالأمر، فقال سبحانه:
стр. 8852
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ، وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ أي داوم على ذكر الله في جميع الأوقات بالقلب واللسان، وصلّ لربّك أول النهار وآخره، فأول النهار: صلاة الصبح، وآخره: صلاة العصر. وكذلك صلّ لربّك في الليل، وذلك يشمل صلاتي المغرب والعشاء، وتهجد له طائفة من الليل، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء ٧٩/ ١٧]، وقال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل ١/ ٧٣ - ٤].
وعلى هذا تكون كلمات الآية جامعة الصلوات الخمس، والتهجد. وبعد بيان حال الطائعين، أبان الله تعالى أحوال الكفار والمتمردين، وأنكر عليهم وعلى أشباههم حبّ الدنيا والإقبال عليها، وترك الآخرة وراء ظهورهم، فقال:
﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ أي إن هؤلاء كفار مكة وأمثالهم يحبون الدار العاجلة، وهي دار الدنيا، ويقبلون على لذاتها وشهواتها، ويتركون وراءهم ظهريا يوم القيامة ذا الشدائد والأهوال، فلا يستعدون له، ولا يعبؤون به. وسمي يوما ثقيلا: لما فيه من الشدائد والأهوال. والآية تتضمن توبيخ المتمردين واستحقارهم.
وهذا هو الخط الفاصل بين المؤمنين والكافرين، فالمؤمنون يعملون للدنيا والآخرة، والكفار يعملون للدنيا وحدها، وهي النظرة المادية والسلوك المادي النفع، مما يدل على أن الداعي لهم إلى الكفر هو حبّ العاجل.
ثم أوضح الله تعالى كمال قدرته، وأقام الدليل بالبداءة في الخلق على الرجعة والبعث، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ، وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ أي كيف يتغافل هؤلاء الكفار عن ربّهم وعن الآخرة، ونحن الذين
стр. 8853
خلقناهم، وأحكمنا أعضاءهم ومفاصلهم وربطها بالعروق والأعصاب، ولو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ، وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً﴾ [النساء ١٣٣/ ٤]، وقوله سبحانه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ١٩/ ١٤].
وبعد بيان أحوال السعداء وأحوال الأشقياء في الدنيا، أرشد إلى فائدة القرآن فقال:
﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي إن هذه السورة بما فيها من مواعظ، وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، تذكرة للمتأملين، وتبصرة للمستبصرين، وعظة للعقلاء، فمن شاء الخير لنفسه في الدنيا والآخرة، اتّخذ طريقا للتقرب إلى ربّه بالإيمان والطاعة، واجتناب المعصية، ومن شاء اهتدى بالقرآن.
ثم أوضح الله تعالى أن مشيئة العبد في إطار مشيئة الله، ولكن دون قهر ولا جبر، فقال:
﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ، إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي وما تشاؤون أن تتخذوا إلى الله سبيلا إلى النجاة، إلا بمشيئة الله، ولا يقدر أحد أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان، ولا يجر لنفسه نفعا إلا بتوفيق الله، فالأمر إليه سبحانه، ليس إلى عباده، والخير والشر بيده، فمشيئة العبد وحدها لا تأتي بخير ولا تدفع شرا، إلا إن أذن الله بذلك، ولكن يثاب الإنسان على اختياره الخير، ويعاقب على اختياره الشر، وإن الله تعالى عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له، ويقيّض له أسبابها، وعليم بمن يستحق الغواية، فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، فيضع الأشياء في محالّها.
стр. 8854
والخلاصة: أن جميع ما يصدر عن العبد فبمشيئة الله ولكن دون إجبار.
ثم ختم السورة بخاتمة عجيبة تدل على أن دخول الجنة والنار ليس إلا بمشيئة الله، فقال:
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي يدخل في جنته من يشاء من عباده أن يدخلها فيها، فضلا من الله وإحسانا، ويعذب الظالمين الكافرين الذين ظلموا أنفسهم، فقد أعدّ لهم في الآخرة عذابا موجعا مؤلما، هو عذاب جهنم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
١ - إن القرآن الكريم كلام الله ووحيه الذي أنزله على عبده محمد ﷺ في مدى ثلاث وعشرين سنة، مفرّقا منجّما بحسب الحوادث والمسائل، فهو ليس مفترى به من عنده، ولا جاء به من تلقاء نفسه كما يدّعيه المشركون.
وبما أن السورة تضمنت الوعد والوعيد، فالناس بحاجة ماسة إلى هذا الكتاب الذي ليس بسحر ولا كهانة ولا شعر، وأنه حق من عند الله. قال ابن عباس: أنزل القرآن متفرّقا، آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة، فلذلك قال: ﴿نَزَّلْنا﴾.
٢ - ما دام هذا القرآن حقا من عند الله، ودستورا منقذا لحياة البشرية من التردي والضياع والضلال، وجب الصبر على أذى القوم في تبليغه للناس، والصبر على ما حكم به من الطاعات، ومخالفة أهل الإثم والكفر، وعدم إطاعتهم في شيء من ضلالهم.
وهذا أمر للنبي ﷺ ، ونهي له ولكل واحد من أمته.
стр. 8855
٣ - إن العبد بأشد الحاجة للارتباط بالله والاستعانة به والاتكال عليه، لذا كانت الصلاة صلة بين العبد وربّه، وتقوية على الإيمان وصلابة الاعتقاد، وتربية المهابة لله في النفس، وتهذيب السلوك. ولأجل هذا أمر الله بذكره ليل نهار، وبالصلاة أول النهار وآخره، وذلك يشمل الصلوات الخمس المفروضة، وزيد عليها التطوع في الليل.
٤ - وبخ الله تعالى الكفار وقرّعهم على محبتهم الدنيا وحدها، وتركهم العمل للآخرة، فلا يؤمنون بيوم القيامة، ولا يستعدون لمواجهة موقف الحساب العسير الشديد في ذلك اليوم.
٥ - مما يدل على كمال قدرة الله تعالى: أنه هو الذي خلق الناس، وأحكم تركيب أجسادهم، وتشديد مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب، وأنه قادر على إهلاك الناس والمجيء بأطوع لله منهم.
٦ - إن هذه السورة وأمثالها من القرآن موعظة وعبرة، فمن أراد الخير لنفسه اتخذ طريقا موصلا إلى طاعة ربّه وطلب مرضاته. لكن الطاعة والاستقامة واتّخاذ سبيل الله لا تقع قهرا عن الله في ملكه، وإنما بمشيئة الله، فالأمر إليه سبحانه، ليس لعباده، ولا تنفذ مشيئة أحد ولا تتقدم إلا أن تتقدم مشيئة الله، وكل ذلك دون قهر ولا إجبار ولا إكراه من الله على اختيار شيء معين، إنما الاختيار للإنسان، والله عليم بأعمال عباده، حكيم في أمره ونهيه لهم.
٧ - كذلك دخول الجنة برحمة الله، ودخول النار بمشيئة الله، فهو الذي يرحم عباده المؤمنين، ويعذب الظالمين الكافرين عذابا مؤلما في نار جهنم، وبئس المصير.
стр. 8856
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المرسلات
مكيّة، وهي خمسون آية.
تسميتها:
سميت سورة المرسلات تسمية لها باسم مطلعها الذي أقسم الله به وهو ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ أي أقسم برياح العذاب التي تهب متتابعة كعرف الفرس، أو شعر الفرس.
مناسبتها لما قبلها:
وجه اتصالها بما قبلها من وجهين:
١ - أنه تعالى وعد المؤمنين الأبرار، وأوعد الظالمين الفجار في آخر السورة المتقدمة بقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ ثم أقسم في مطلع هذه السورة على تحقيق ما وعد به هنالك المؤمنين، وأوعد به الظالمين، ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
٢ - ذكر تعالى في سورة الإنسان نزرا من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين فيها، والأمر في هذه السورة على العكس: إطناب في وصف الكفار، وإيجاز في وصف المؤمنين، فوقع بذلك الاعتدال بين السورتين (١).
стр. 8857
ما اشتملت عليه السورة:
محور هذه السورة المكية الكلام عن البعث وأحوال الآخرة، فهي كسائر السور المكية متعلقة بأمور العقيدة، فذكر فيها القسم على وقوع البعث، ثم بيان مقدماته، ثم إيراد بعض دلائل القدرة والوحدانية، وتلاها وصف بعض الأمور الغيبية وأحوال الكفار والمؤمنين في عالم الآخرة ولوم الكفار على بعض أعمالهم.
افتتحت بالقسم بالرياح والملائكة على وقوع يوم القيامة (أو يوم الفصل) وحدوث العذاب للكفار: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً.﴾. [الآيات ١ - ٧] وبيان علامات ذلك العذاب ووقته: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ.﴾. [الآيات ٨ - ١٥].
ثم أوردت بعض دلائل القدرة الإلهية على البعث وإحياء الناس بعد الموت، وهو إهلاك بعض الأمم المتقدمة وخلق الناس، وجعل الأرض كفاتا (جامعة ضامة لمن عليها) والجبال الشامخات للتثبيت. وتضمن ذلك وعيد الكافرين بعقوبة مماثلة، وتوبيخ المكذبين على إنكار نعم الله عليهم في الأنفس ومخلوقات الأرض: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ.﴾. [الآيات ١٥ - ٢٨].
ثم حددت مصير المجرمين، ووصفت عذاب الكافرين وصفا تشيب له الولدان: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الآيات ٢٩ - ٤٠].
ثم وصفت نعيم المؤمنين المتقين، وألوان التكريم والإحسان والإفضال في جنان الخلد: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الآيات ٤١ - ٤٥].
وختمت السورة بتقريع الكفار وتوبيخهم على بعض أعمالهم، وأبانت سبب امتناعهم عن عبادة الله، وهو طغيانهم وإجرامهم: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [الآيات ٤٦ - ٥٠].
стр. 8858
فضلها:
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى، إذ نزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ فإنه ليتلوها، وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ : «اقتلوها» فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي ﷺ : «وقيت شرّكم، كما وقيتم شرّها».
وأخرج أحمد عن ابن عباس عن أمه: أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا.
وفي رواية مالك والشيخين في الصحيحين عن ابن عباس: أن أم الفضل سمعته يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب.
وقوع يوم القيامة حتما ووقته وعلاماته
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾
الإعراب:
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ إن جعلت ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ بمعنى الرياح، كان ﴿عُرْفاً﴾ منصوبا
стр. 8859
على الحال، وإن جعلت بمعنى الملائكة كان ﴿عُرْفاً﴾ منصوبا بتقدير حذف حرف جر، أي والمرسلات بعرف، أي بمعروف، والمعنى الأول أظهر.
﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ عصفا ونشرا: منصوبان على المصدر المؤكد.
﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾: منصوبان من ثلاثة أوجه: إما على المفعول لأجله، أي للإعذار والإنذار، أو على البدل من ﴿ذِكْراً﴾ أي فالملقيات عذرا أو نذرا، أو بالمصدر نفسه وهو (ذكر) وتقديره: أن ذكّر عذرا أو نذرا.
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿النُّجُومُ﴾: مرفوع بفعل دل عليه ﴿طُمِسَتْ﴾ وتقديره: إذا طمست النجوم طمست، وجواب إذا مقدر، تقديره: وقع الفصل، أو الجواب: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ.﴾ ..
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ أصل ﴿أُقِّتَتْ﴾ وقتت، إلا أنه لما انضمت الواو ضما لازما، قلبت همزة، كقولهم في وجوه: أجوه.
البلاغة:
﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وَالنّاشِراتِ نَشْراً، فَالْفارِقاتِ فَرْقاً﴾ تأكيد بذكر المصدر لزيادة البيان، وتقوية الكلام.
﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ بينهما طباق.
﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ، وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ وضع الظاهر في الجملة الأخيرة موضع الضمير، وجيء بصيغة الاستفهام، لزيادة تهويل الأمر وتعظيمه والتعجيب من هوله.
المفردات اللغوية:
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ الأظهر أنها الرياح المتتابعة كعرف الفرس: وهو الشعر المتتابع النابت على الرقبة، وقيل: إنها الملائكة المرسلة للمعروف والإحسان. ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً﴾ الرياح الشديدة. ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ الأظهر أنها أيضا الرياح التي تنشر المطر، أو تنشر السحاب في آفاق السماء، كما يشاء الرب ، وقيل: إنها الملائكة الموكلون بالسحب يسوقونها حيث يشاء الله تعالى لنشر المطر وإحياء الأرض.
﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقاً، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ أي الملائكة التي تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل، لتفرّق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وتلقي بالعلم والحكمة إلى الأنبياء، للإعذار والإنذار، الإعذار من الله للعباد لئلا يبقى لهم حجة عند الله، والإنذار من الله تعالى للناس بالنقمة والعذاب إذا لم يؤمنوا.
стр. 8860
﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ جواب القسم، أي إن الذي توعدون به يا كفار مكة وأشباهكم من مجيء القيامة والبعث والعذاب كائن لا محالة. ﴿طُمِسَتْ﴾ محقت وذهب نورها. ﴿فُرِجَتْ﴾ شقت وصدعت. ﴿أُقِّتَتْ﴾ جمعت لوقت، وعين لها وقت تحضر فيه للشهادة على الأمم بالتبليغ، قال الزمخشري: والوجه أن يكون معنى (وقتت) بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ؟﴾ أي يقال: لأي يوم أخّرت وأمهلت للشهادة على الأمم بالتبليغ، وهذا القول تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله. ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق بأعمالهم: إما إلى الجنة، وإما إلى النار. ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ تهويل لشأنه، والمعنى: ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بذلك، وهذا وعيد لهم، والويل: العذاب والخزي. وويل في الأصل: مصدر منصوب بإضمار فعل، عدل به إلى الرفع، للدلالة على ثبات الهلاك للمدعو عليه، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه، أو صفته.
التفسير والبيان:
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ أي أقسم بالرياح المتتابعة كعرف الفرس إذا ذهبت شيئا فشيئا، وبالرياح التي ترسل عاصفة لما أمرت به من نعمة ونقمة، وبالرياح التي تنشر السحاب وتفرقه في آفاق السماء كما يشاء الرب . وهذا هو الأظهر كما قال ابن كثير وابن جزي صاحب التسهيل لعلوم التنزيل، وقال القرطبي: جمهور المفسرين على أن المرسلات: الرياح.
وقيل: المقصود بالمرسلات: الملائكة المرسلة بوحي الله وأمره ونهيه بالإحسان والمعروف، والعاصفات: الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها، والناشرات: الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها أو ينشرون أجنحتهم في الجوّ عند النزول بالوحي. وقيل: المراد بهؤلاء وما يأتي: طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المحقق لكل خير، الذي أخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته، وانتشرت دعوتهم، ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة، أو إلى طائفة معينين.