Полный текст (4 343 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا " قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [٩ \ ٧٤] قَالَ: بِأَخْذِهِمُ الدِّيَةَ.
وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ مَالِكٌ: فَأَهْلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ، وَأَهْلُ الْوَرِقِ أَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَيْضًا: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ الدِّيَةَ تَقْطَعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ، قَالَ مَالِكٌ: وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَى فِي ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي الدِّيَةِ الْإِبِلُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ الْوَرِقُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ الذَّهَبُ.
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
الْأَوَّلُ: جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، يَدْفَعُ ثُلْثَهَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلَاثِ.
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي أَنَّهَا مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ; فَإِنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا ﵄ جَعَلَا دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ اه.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، وَهُوَ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ صَاحِبُ «مَرَاقِي السُّعُودِ» مَعَ بَيَانِ شَرْطِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
وَجَعْلُ مَنْ سَكَتَ مِثْلَ مَنْ أَقَرْ ... فِيهِ خِلَافٌ بَيْنِهِمْ قَدِ اشْتُهِرْ
فَالِاحْتِجَاجُ بِالسُّكُوتِي نَمَّا ... تَفْرِيعَهُ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَا
وَهُوَ بِفَقْدِ السُّخْطِ وَالضِّدِّ حَرِي ... مَعَ مُضِيِّ مُهْلَةٍ لِلنَّظَرِ
وَتَأْجِيلُهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَفْسِ الْجَانِي ; هَلْ يَلْزَمُهُ قِسْطٌ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ كَوَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ، أَوْ لَا.
стр. 1122
فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّ الْجَانِيَ يَلْزَمُهُ قِسْطٌ مِنَ الدِّيَةِ كَوَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ: إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْءٌ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ» وَظَاهِرُهُ قَضَاؤُهُ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الْآخَرِ: أَنْ أَصْلَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَهُمْ مُعِينُونَ لَهُ، فَيَتَحَمَّلُ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ مَا يَتَحَمَّلُ رَجُلٌ مِنْ عَاقِلَتِهِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ عَنِ الْجَانِي دِيَةَ الْخَطَأِ.
فَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الْعَاقِلَةَ هُمْ أَهْلُ دِيوَانِ الْقَاتِلِ إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ، وَأَهْلُ الدِّيوَانِ أَهْلُ الرَّايَاتِ، وَهُمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ كَتَبَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الدِّيوَانِ لِمُنَاصَرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ، وَتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَتَّسِعِ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ نَسَبًا عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصِبَاتِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀: الْبُدَاءَةُ بِأَهْلِ الدِّيوَانِ أَيْضًا، فَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَطَاؤُهُمْ قَائِمًا فَعَاقِلَتُهُ عَصَبَتُهُ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، وَلَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ شَيْئًا مِنَ الْعَقْلِ.
وَلَيْسَ لِأَمْوَالِ الْعَاقِلَةِ حَدٌّ إِذَا بَلَغَتْهُ عَقَلُوا، وَلَا لِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ حَدٌّ، وَلَا يُكَلَّفُ أَغْنِيَاؤُهُمُ الْأَدَاءَ عَنْ فُقَرَائِهِمْ.
وَمِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَصَبَةً فَعَقْلُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْمَوَالِي بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبَةِ مِنَ الْقَرَابَةِ، وَيَدْخُلُ فِي الْقَرَابَةِ الِابْنُ وَالْأَبُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ كَانَتِ الْعَاقِلَةُ أَلْفًا فَهُمْ قَلِيلٌ، يُضَمُّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إِلَيْهِمْ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَصَبَةِ مِنَ الدِّيَةِ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ وَثُلُثٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلَاثِ، فَالْمَجْمُوعُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ.
وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّ أَهْلَ الدِّيوَانِ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الْعَقْلِ إِلَّا إِذَا كَانُوا عَصَبَةً، وَمَذْهَبُهُمَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ الْعَاقِلَةَ هِيَ الْعَصَبَةُ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ وَالْآبَاءُ؟ فَعَنْ أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي الْعَصَبَةِ ; لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْعَاقِلَةِ ; لِظَاهِرِ حَدِيثِ
стр. 1123
أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُ: «أَنَّ مِيرَاثَ الْمَرْأَةِ لِوَلَدِهَا، وَالدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهَا» ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ دُخُولِ أَوْلَادِهَا، فَقِيسَ الْآبَاءُ عَلَى الْأَوْلَادِ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: يَحْمِلُونَ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَ. هَذَا لَا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَيَفْرِضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ وَلَا يُؤْذِي، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ، وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهَا إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ كَمَقَادِيرِ النَّفَقَاتِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَفْرِضُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ مِثْقَالٍ ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَالٍ يَتَقَدَّرُ فِي الزَّكَاةِ فَكَانَ مُعَبَّرًا بِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبُعُ مِثْقَالٍ ; لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ تَافِهٌ لِكَوْنِ الْيَدِ لَا تُقْطَعُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ، وَمَا دُونَ رُبُعِ دِينَارٍ لَا تُقْطَعُ فِيهِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَرُ مَا يُحْمَلُ عَلَى الْوَاحِدِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ. اه كَلَامُ صَاحِبِ «الْمُغْنِي» .
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا مِنَ الْكَفَّارَةِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [٤ \ ٩٢] ، بَلْ هِيَ فِي مَالِ الْجَانِي إِجْمَاعًا، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: هِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَالْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا بِنَصِّ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَمْدِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ مَشْهُورٌ، وَأَجْرَى الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ ; لِأَنَّ الْعُمَدَ فِي الْقَتْلِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفِّرَهُ الْعِتْقُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْقَاتِلِ عَمْدًا: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [٤ \ ٩٣] ، فَهَذَا الْأَمْرُ أَعْلَى وَأَفْخَمُ مِنْ أَنْ يُكَّفَرَ بِعِتْقِ رَقَبَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالدِّيَةُ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَّأً ثَابِتًا بِإِقْرَارِ الْجَانِي وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، بَلْ إِنَّمَا تَحْمِلُهَا إِنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ، كَمَا ذَهَبَ إِلَى هَذَا عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَالثَّوْرِيُّ،
стр. 1124
وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَرْعُ الْخَامِسُ: جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَحَكَى غَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالْأَصَمِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: دِيَتُهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ. وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي.
وَجِرَاحُ الْمَرْأَةِ تُسَاوِي جِرَاحَ الرَّجُلِ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِنْ بَلَغَتِ الثُّلُثَ فَعَلَى النِّصْفِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْرَجُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَسْتَوِيَانِ إِلَى النِّصْفِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ تَخْتَلِفُ دِيَةُ نَفْسِهِمَا فَاخْتَلَفَ أَرْشُ جِرَاحِهُمَا. اه وَهَذَا الْقَوْلُ أَقِيسُ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ وَالْخِرَقِيِّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ يَسْتَوِيَانِ فِيهِ، وَأَنَّ تَفْضِيلَهُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا أَنَّ دِيَةَ جَائِفَةِ الْمَرْأَةِ وَمَأْمُومَتِهَا كَدِيَةِ جَائِفَةِ الرَّجُلِ وَمَأْمُومَتِهِ ; لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنَ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَأَنَّ عَقْلَهَا لَا يَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عَقْلِهِ إِلَّا فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، كَدِيَةِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ مِنَ الْيَدِ، فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعِينَ مِنَ الْإِبِلِ، إِذْ فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ، وَالْأَرْبَعُونَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلْثِ الْمِائَةِ. وَكَلَامُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَا بَلَغَ الثُّلُثُ كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ تَكُونُ دِيَةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَأَنَّ مَحَلَّ اسْتِوَائِهَا
стр. 1125
إِنَّمَا هُوَ فِيمَا دُونَ الثُّلْثِ خَاصَّةً كَالْمُوَضَّحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالْإِصْبَعِ وَالْإِصْبَعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَهُمَا قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَصَحَّهُمَا هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا الْقَوْلُ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّ قَطَعَتْ مِنْ يَدِهَا ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ كَانَتْ دِيَتُهَا ثَلَاثِينَ مِنَ الْإِبِلِ كَأَصَابِعِ الرَّجُلِ، لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلْثِ، وَإِنْ قَطَعَتْ مِنْ يَدِهَا أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ كَانَتْ دِيَتُهَا عِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ، لِأَنَّهَا زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ فَصَارَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَكَوْنُ دِيَةِ الْأَصَابِعِ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثِينَ مِنَ الْإِبِلِ، وِدِيَةِ الْأَصَابِعِ الْأَرْبَعَةِ عِشْرِينَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ كَمَا تَرَى.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ، فَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ ﵀ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَمْ فِي إِصْبَعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي إِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي ثَلَاثٍ؟ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا، وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ. بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. فَقَالَ سَعِيدٌ: هِيَ السُّنَّةُ يَابْنَ أَخِي.
وَظَاهِرُ كَلَامِ سَعِيدٍ هَذَا: أَنَّ هَذَا مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ هَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ سَعِيدًا لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَرَاسِيلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِنَّ مُرَادَهُ بِالسُّنَّةِ هُنَا سُنَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ ﵀ فِي سُنَنِهِ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» اه وَهَذَا يُعَضِّدُ قَوْلَ سَعِيدٍ: إِنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: إِسْنَادُ النَّسَائِيِّ هَذَا ضَعِيفٌ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ جِهَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ عَنْ غَيْرِ الشَّامِيِّينَ ضَعِيفَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ لَيْسَ بِشَامِيٍّ، بَلْ هُوَ حِجَازِيٌّ مَكِّيٌّ.
стр. 1126
الثَّانِيَةُ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ عَنْعَنَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ﵀ مُدَلِّسٌ، وَعَنْعَنَةُ الْمُدَلِّسُ لَا يُحْتَجُّ بِهَا مَا لَمْ يَثْبُتِ السَّمَاعُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى كَمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْإِعْلَالَ مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ ﵀: مِنْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - قَالَ: إِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ» فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورِ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ تَصْحِيحَ ابْنِ خُزَيْمَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «بُلُوغِ الْمَرَامِ» وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ ثَلَاثُونَ، وَفِي أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ عِشْرُونَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عَهِدَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا الشَّرْعِ الْكَرِيمِ كَمَا تَرَى، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنْ جَعَلَ الْمَرْأَةَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ فِيمَا بَلَغَ الثَّالِثَ فَصَاعِدًا أَنَّهُ فِي الزَّائِدِ فَقَطْ، فَيَكُونُ فِي أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِهَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ، فَيَكُونُ النَّقْصُ فِي الْعَشْرَةِ الرَّابِعَةُ فَقَطْ، وَهَذَا مَعْقُولٌ وَظَاهِرٌ، وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنَمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ» ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ، فَالضَّعْفُ الَّذِي يَعْنِيهِ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي الْكُلِّ» . وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْهُ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَعَنْ عُمَرَ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀.
الْفَرْعُ السَّادِسُ: اعْلَمْ أَنَّ أَصَحَّ الْأَقْوَالِ وَأَظْهَرُهَا دَلِيلًا: أَنَّ دِيَةَ الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: أَنَّ دِيَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ عِنْدَ تَقْوِيمِهِ الدِّيَةَ لَمَّا غَلَتِ الْإِبِلُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا فِي سُنَنِهِ: حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ» . قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ،
стр. 1127
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِثْلَهُ اه.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى. . - وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ» .
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ ﵀ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضَى أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» . وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: دِيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِينَ ; كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا قَدْرُ ثُلْثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. كَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي جَاءَتْ بِأَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهِدِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ ضَعِيفَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ضَعْفَهَا فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى» ، وَقَدْ حَاوَلَ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ ﵀ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ صَالِحَةً لِلِاحْتِجَاجِ، وَهِيَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ صَحِيحٌ.
أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [٤ \ ٩٢] ، فَيُقَالُ فِيهِ: هَذِهِ دَلَالَةُ اقْتِرَانٍ، وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبِرَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ: أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُبَيِّنْ قَدْرَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَلَا الْكَافِرِ، وَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أَنَّ دِيَةَ الْكَافِرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ.
أَمَّا اسْتِوَاؤُهُمَا فِي قَدْرِ الْكَفَّارَةِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى.
وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَا دَلَالَتَهَا أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ أَقْوَى، وَيُؤَيِّدُهَا: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» فَمَفْهُومُ
стр. 1128
قَوْلِهِ «الْمُؤْمِنَةِ» أَنَّ النَّفْسَ الْكَافِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الْمُخَالِفَ فِي هَذِهِ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀، وَالْمُقَرَّرُ فِي أُصُولِهِ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ دَلِيلُ الْخِطَابِ أَعْنِي مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عَنْهُ. وَلَا يَقُولُ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيِّدِ، فَيَسْتَدِلُّ بِإِطْلَاقِ النَّفْسِ عَنْ قَيْدِ الْإِيمَانِ فِي الْأَدِلَّةِ الْأُخْرَى عَلَى شُمُولِهَا لِلْكَافِرِ، وَالْقَوْلِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْكَافِرِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا فَتَكُونُ دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَبَيْنَ الْمَقْتُولِ خَطَأً فَتَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، لَا نَعْلَمُ لَهُ مُسْتَنَدًا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سَنَةٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ: فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا ثُلْثُ خُمْسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ; فَهِيَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵃، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ قَالَ: دِيَتُهُ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ بِحَدِيثِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» لَا يَتَّجِهُ، لِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا صَلَاحِيَةَ الْحَدِيثِ لِلِاحْتِجَاجِ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَخْذُ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ فَقَطْ، بِدَلِيلِ أَنَّ نِسَاءَهُمْ لَا تَحِلُّ، وَذَبَائِحُهُمْ لَا تُؤْكَلُ اه.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : إِنَّ قَوْلَ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ: إِنَّ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثُلُثُ خُمْسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، لَمْ يُخَالِفْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا. وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حُجَّةٌ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: دِيَةُ الْمُرْتَدِّ إِنْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ كَدِيَةِ الْمَجُوسِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَمَّا الْحَرُبِيُّونَ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ مُطْلَقًا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَرْعُ السَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مُوجَبِ التَّغْلِيظِ فِي الدِّيَةِ، وَبِمَ تُغَلَّظُ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهَا تُغَلَّظُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: وَهِيَ الْقَتْلُ فِي الْحَرَمِ، وَكَوْنُ الْمَقْتُولِ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ; فَتُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِزِيَادَةِ ثُلُثِهَا.
стр. 1129
فَمَنْ قَتَلَ مُحْرِمًا فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ، وَمَنْ قَتَلَ مُحْرِمًا فِي الْحَرَمِ فِدْيَةٌ وَثُلْثَانِ، وَمَنْ قَتَلَ مُحْرِمًا فِي الْحَرَمِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَدِيَتَانِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ ; نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ هَذَا الْقَوْلَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَغَيْرُهُمْ ; كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀: تُغَلِّظُ الدِّيَةُ بِالْحَرَمِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذِي الرَّحِمِ الْمُحْرِمِ، وَفِي تَغْلِيظِهَا بِالْإِحْرَامِ عَنْهُمْ وَجْهَانِ.
وَصِفَةُ التَّغْلِيظِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: هِيَ أَنْ تَجْعَلَ دِيَةَ الْعَمْدِ فِي الْخَطَأِ، وَلَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فِي قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ قَتْلًا شِبْهَ عَمْدٍ ; كَمَا فَعَلَ الْمُدْلِجِيُّ بِأَبِيهِ، وَالْجَدُّ وَالْأُمُّ عِنْدَهُ كَالْأَبِ.
وَتَغْلِيظُهَا عِنْدَهُ: هُوَ تَثْلِيثُهَا بِكَوْنِهَا ثَلَاثِينَ حَقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الْأَسْنَانِ كَانَتْ، وَلَا يَرِثُ الْأَبُ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ دِيَةِ الْوَلَدِ وَلَا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا.
وَظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ مُطْلَقًا مِنْ دِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْخَطَأِ بَيْنَ الدِّيَةِ وَغَيْرِهَا، فَمَنَعُوا مِيرَاثَهُ مِنَ الدِّيَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ مَالِ التَّرِكَةِ. وَالْإِطْلَاقُ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِصَّةُ الْمُدْلِجِيُّ: هِيَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يُقَالُ لَهُ «قَتَادَةُ» حَذَفَ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ ; فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنَزَّى فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ، فَقَدِمَ سُرَاقَةُ بْنُ جَعْشَمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَعْدِدْ عَلَى مَاءِ قَدِيدٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حَقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خِلْفَةً، وَقَالَ: أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: هَاأَنَذَا. قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» .
الْفَرْعُ الثَّامِنُ: اعْلَمْ أَنَّ دِيَةَ الْمَقْتُولِ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ ; كَسَائِرِ مَا خَلَّفَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
стр. 1130
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، لَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ، وَزَادَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ قَتْلُهُمْ أَشْيَمَ خَطَأً. وَمَا رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁. رُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَزُرَارَةُ بْنُ جَرِيٍّ. كَمَا ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى أَنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا نَصَّ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ ; قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ. وَهُوَ مُعْتَضِدٌ بِمَا تَقَدَّمَ وَبِمَا يَأْتِي، وَبِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مُقْتَضَاهُ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ قُرَّةَ بْنِ دَعْمُوصٍ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَعَمِّي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدَ هَذَا دِيَةُ أَبِي فَمُرْهُ يُعْطِنِيهَا. وَكَانَ قُتِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: «أَعْطِهِ دِيَةَ أَبِيهِ» فَقُلْتُ: هَلْ لِأُمِّي فِيهَا حَقٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، وَكَانَتْ دِيَتُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ.
وَقَدْ سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ هَكَذَا: قَالَ قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ: أَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: أَنَا عَائِذُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسٍ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ دَعْمُوصٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَعَمِّي - إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنَا - وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ﵀، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ صَالِحُونَ لِلِاحْتِجَاجِ، إِلَّا عَائِذُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسٍ النُّمَيْرِيُّ فَلَمْ نَرَ مَنْ جَرَحَهُ وَلَا مَنْ عَدَلَهُ.
وَذَكَرَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ تَرْجَمَةً، وَذَكَرَا أَنَّهُ سَمِعَ قُرَّةَ بْنَ دَعْمُوصٍ، وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ جَرْحًا وَلَا تَعْدِيلًا.
وَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ دِيَةَ الْمَقْتُولِ تُقَسَّمُ كَسَائِرِ تَرَكَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ; سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهَا مِيرَاثٌ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ
стр. 1131
الدِّيَةَ لَا يَرِثُهَا إِلَّا الْعَصَبَةُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، وَكَانَ هَذَا هُوَ رَأْيُ عُمَرَ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهُ: أَنْ يُوَرِّثَ زَوْجَةَ أَشْيَمَ الْمَذْكُورِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: هِيَ مِيرَاثٌ، وَلَكِنَّهَا لَا تَقْضِي مِنْهَا دُيُونَهُ، وَلَا تَنْفُذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ فَقُتِلَ وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ ; فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى: لَيْسَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنَ الدِّيَةِ شَيْءٌ.
وَمَبْنَى هَذَا: عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ مِلْكٌ لِلْمَيِّتِ، أَوْ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ بَدَلَهَا لَهُ كَدِيَةِ أَطْرَافِهِ الْمَقْطُوعَةِ مِنْهُ فِي الْحَيَاةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهَا عَنِ الْقَاتِلِ بَعْدَ جُرْحِهِ إِيَّاهُ كَانَ صَحِيحًا وَلَيْسَ لَهُ إِسْقَاطُ حَقِّ الْوَرَثَةِ، وَلِأَنَّهَا مَالٌ مَوْرُوثٌ فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ أَمْوَالِهِ. وَالْأُخْرَى أَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِالْمَوْتِ تَزُولُ أَمْلَاكُ الْمَيِّتِ الثَّابِتَةُ لَهُ، وَيَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِوَرَثَتِهِ ابْتِدَاءً، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمَيِّتَ يُجَهَّزُ مِنْهَا. اه مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ قُدَامَةَ ﵀.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي: أَنَّهُ يُقَرَّرُ مِلْكُ الْمَيِّتِ لِدِيَتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَتُوَرَّثُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ ; لِتَصْرِيحِ النَّبِيِّ ﷺ لِلضَّحَّاكِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ، وَالْمِيرَاثُ لَا يُطْلِقُ شَرْعًا إِلَّا عَلَى مَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَيِّتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُ هَذَا السُّلْطَانَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا الْآيَةَ [١٧ \ ٣٣] .
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ فِي الْآيَةِ: الْوَرَثَةُ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ ; فَإِنْ عَفَا مَنْ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ صَحَّ عَفْوُهُ وَسَقَطَ بِهِ الْقِصَاصُ، وَتَعَيَّنَتِ الدِّيَةُ لِمَنْ لَمْ يَعْفُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 1132
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ ; أَيْ: فَهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ عِنْدَهُمْ فِي اسْمِ الْوَلِيِّ الَّذِي لَهُ السُّلْطَانُ فِي الْآيَةِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَوْرُوثٌ لِلْعَصَبَاتِ خَاصَّةً، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ تَفْصِيلٌ: فَالْوَلِيُّ الَّذِي لَهُ السُّلْطَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الَّذِي هُوَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ أَوِ الْعَفْوُ عِنْدَهُ هُوَ أَقْرَبُ الْوَرَثَةِ الْعَصَبَةِ الذُّكُورِ، وَالْجَدُّ وَالْإِخْوَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ:
وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ كَالْوَلَاءِ ... ، إِلَّا الْجَدُّ وَالْأُخْوَةُ فَسِيَّانٌ
اه.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجَيْنِ عِنْدَهُ حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ وَلَا الْعَفْوِ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ غَيْرُ الْوَارِثَاتِ: كَالْعَمَّاتِ، وَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ، وَبَنَاتِ الْعَمِّ.
أَمَّا النِّسَاءُ الْوَارِثَاتُ: كَالْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَالْأُمَّهَاتِ فَلَهُنَّ الْقِصَاصُ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ عَاصِبٌ مُسَاوٍ لَهُنَّ فِي الدَّرَجَةِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ:
وَلِلنِّسَاءِ إِنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهُنَّ عَاصِبٌ
فَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: «إِنْ وَرِثْنَ» أَنَّ غَيْرَ الْوَارِثَاتِ لَا حَقَّ لَهُنَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: «وَلَمْ يُسَاوِهُنَّ عَاصِبٌ» أَنَّهُنَّ إِنْ سَاوَاهُنَّ عَاصِبٌ: كَبَنِينٍ، وَبَنَاتٍ، وَإِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ، فَلَا كَلَامَ لِلْإِنَاثِ مَعَ الذُّكُورِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَعَهُنَّ عَاصِبٌ غَيْرُ مُسَاوٍ لَهُنَّ: كَبَنَاتٍ، وَإِخْوَةٍ ; فَثَالِثُ الْأَقْوَالِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْقِصَاصَ وَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ ; أَعْنِي وَلَوْ عَفَا بَعْضُ هَؤُلَاءِ، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ:
وَلِكُلٍّ الْقَتْلُ وَلَا عَفْوَ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ
; يَعْنِي: وَلَوْ بَعْضُ هَؤُلَاءِ وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحَانَهُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْوَلِيَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمُ الْوَرَثَةُ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، وَلَا مَانِعَ مِنْ إِطْلَاقِ الْوَلِيِّ عَلَى الْأُنْثَى ; لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْوَلِيِّ الشَّامِلِ لِكُلِّ مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ سَبَبٌ يَجْعَلُ كُلًّا مِنْهُمَا يُوَالِي
стр. 1133
الْآخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [٩ \ ٧١] ، وَقَوْلِهِ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ الْآيَةَ [٨ \ ٧٥] .
وَالدَّلِيلُ عَلَى شُمُولِ الْوَلِيِّ فِي الْآيَةِ لِلْوَارِثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَلَوْ بِالزَّوْجِيَّةِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: (بَابُ عَفْوِ النِّسَاءِ عَنِ الدَّمِ) : حَدَّثْنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الْأَزْوَاعِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ حِصْنًا، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً» .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَفْوَ النِّسَاءِ فِي الْقَتْلِ جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الْأَوْلِيَاءِ، وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: «يَنْحَجِزُوا» يَكُفُّوا عَنِ الْقَوَدِ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ ﵀ فِي سُنَنِهِ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حِصْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ (ح) . وَأَنْبَأْنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَعَلَى الْمُقْتَتَلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً» اه.
وَهَذَا الْإِسْنَادُ مُقَارِبٌ ; لِأَنَّ رِجَالَهُ صَالِحُونَ لِلِاحْتِجَاجِ، إِلَّا حِصْنًا الْمَذْكُورَ فِيهِ فَفِيهِ كَلَامٌ.
فَطَبَقَتُهُ الْأُولَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: هِيَ دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ الْهَاشِمِيُّ مَوْلَاهُمُ الْخَوَارِزْمِيِّ نَزِيلُ بَغْدَادَ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ ثِقَةٌ.
وَالطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَهُمَا: هِيَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الدِّمَشْقِيُّ ثِقَةٌ، لَكِنَّهُ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ وَالتَّسْوِيَةُ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَبَاقِي الْجَمَاعَةِ.
وَالطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ عِنْدَهُمَا: هِيَ الْإِمَامُ الْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو أَبُو [عَمْرٍو] الْأَوْزَاعِيُّ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ، ثِقَةٌ جَلِيلٌ.
وَالطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ عِنْدَهُمَا: هِيَ حِصْنٌ الْمَذْكُورُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوِ ابْنُ مِحْصَنٍ التَّرَاغِمِيُّ أَبُو حُذَيْفَةَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ» : مَقْبُولٌ. وَقَالَ فِيهِ فِي «تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ» : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ شَيْخٌ يُعْتَبَرُ بِهِ، لَهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثٌ
стр. 1134
وَاحِدٌ «عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً» ، قَلْتُ: وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يُعْرَفُ حَالُهُ (اهـ) وَتَوْثِيقُ ابْنِ حِبَّانَ لَهُ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِهِ ; لِأَنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُ ثِقَةٌ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ مُدَّعٍ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ» عَنْ أَبِي حَاتِمٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ غَيْرَ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَالطَّبَقَةُ الْخَامِسَةُ عِنْدَهُمَا: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁، وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ.
وَالطَّبَقَةُ السَّادِسَةُ عِنْدَهُمَا: عَائِشَةُ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ ﵀ ذَكَرَ حِصْنًا الْمَذْكُورَ فِي الثِّقَاتِ، وَأَنَّ بَقِيَّةَ طَبَقَاتِ السَّنَدِ كُلِّهَا صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ
إِذَا كَانَ بَعْضُ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ غَائِبًا ; فَهَلْ لِلْبَالِغِ الْحَاضِرِ الْعَاقِلِ: الْقِصَاصُ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ، وَبُلُوغِ الصَّغِيرِ، وَإِفَاقَةِ الْمَجْنُونِ؟ أَوْ يَجِبُ انْتِظَارُ قُدُومِ الْغَائِبِ، وَبُلُوغِ الصَّغِيرِ. .! إِلَخْ.
فَإِنْ عَفَا الْغَائِبُ بَعْدَ قُدُومِهِ، أَوِ الصَّغِيرُ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَثَلًا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ ; فِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ انْتِظَارِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ، وَقُدُومِ الْغَائِبِ، وَإِفَاقَةِ الْمَجْنُونِ.
وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَإِسْحَاقُ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لِلْكِبَارِ الْعُقَلَاءِ اسْتِيفَاؤُهُ ; وَبِهِ قَالَ حَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ اه مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ انْتِظَارِ قُدُومِ الْغَائِبِ، وَمِنْهُ اسْتِبْدَادُ الْحَاضِرِ دُونَهُ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً فَفِيهِ
стр. 1135
خِلَافٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الِانْتِظَارُ وَلَوْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، مِنْهُمْ سَحْنُونٌ: لَا يُنْتَظَرُ بَعِيدُ الْغَيْبَةِ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، الَّذِي قَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى بِقَوْلِهِ: وَانْتَظِرْ غَائِبًا لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ، لَا مُطْبِقًا وَصَغِيرًا لَمْ يَتَوَقَّفِ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " مَا نَصُّهُ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ فِيهِ حَقًّا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَاسْتَحَقَّهُ ; وَلَوْ نَافَاهُ الصِّغَرُ مَعَ غَيْرِهِ لَنَافَاهُ مُنْفَرِدًا كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَاسْتَحَقَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا عِنْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ مُسْتِحَقًّا بَعْدَهُ ; كَالرَّقِيقِ إِذَا عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ لَاسْتَحَقَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتِحَقًّا لِلْقِصَاصِ لَمَا اسْتَحَقَّ بَدَلَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الصَّغِيرُ لَاسْتَحَقَّهُ وَرَثَتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَمْ يَرِثْهُ كَسَائِرِ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ انْتِظَارُ بُلُوغِ الصَّبِيِّ، وَلَا إِفَاقَةُ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْقَاصِرِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَاجِزًا عَنِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ كَانَ غَيْرُهُ يَتَوَلَّى النَّظَرُ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ النَّظَرَ فِيهَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفِ بِالْمَصْلَحَةِ فِي جَمِيعِ حُقُوقِهِ، وَأَوْلَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْقِصَاصِ الْوَرَثَةُ الْمُشَارِكُونَ لَهُ فِيهِ. وَهَذَا لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي ; لِأَنَّهُ يُقَالُ فِيهِ بِمُوجِبِهَا فَيُقَالُ فِيهِ: هُوَ مُسْتَحِقٌّ لَكِنَّهُ قَاصِرٌ فِي الْحَالِ، فَيَعْمَلُ غَيْرُهُ بِالْمَصْلَحَةِ فِي حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ ; وَلَا سِيَّمَا شَرِيكُهُ الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِتَعْطِيلِ حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ إِلَى زَمَنٍ بَعِيدٍ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵁ قَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيَّ قِصَاصًا بِقَتْلِهِ عَلِيًّا ﵁، وَبَعْضُ أَوْلَادِ عَلِيٍّ إِذْ ذَاكَ صِغَارٌ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِقَتْلِهِ بُلُوغَهُمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ عَلِيٍّ ﵁ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ، وَلَوْ كَانَ انْتِظَارُ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَاجِبًا لَانْتَظَرَهُ.
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا مِنْ قِبَلِ الْمُخَالِفِينَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ ابْنَ مُلْجِمٍ كَافِرٌ ; لِأَنَّهُ مُسْتَحِلٌّ دَمَ عَلِيٍّ، وَمَنِ اسْتَحَلَّ دَمَ مِثْلِ عَلِيٍّ ﵁ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِذَا كَانَ كَافِرًا فَلَا حُجَّةَ فِي قَتْلِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَهُوَ مُحَارِبٌ، وَالْمُحَارِبُ إِذَا قَتَلَ وَجَبَ قَتْلُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَوْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الدَّمِ ; كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي سُورَةِ " الْمَائِدَةِ " وَإِذَنْ فَلَا
стр. 1136
دَاعِي لِلِانْتِظَارِ.
قَالَ: الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مَا نَصُّهُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنَّمَا اسْتَبَدَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ بِقَتْلِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الصِّغَارِ مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ ﵁ ; لِأَنَّهُ قَتَلَهُ حَدًّا لِكُفْرِهِ لَا قِصَاصًا.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي ": فَأَمَّا ابْنُ مُلْجِمٍ فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ قَتَلَهُ بِكُفْرِهِ ; لِأَنَّهُ قَتَلَ عَلِيًّا مُسْتَحِلًّا لِدَمِهِ، مُعْتَقِدًا كُفْرَهُ، مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: قَتَلَهُ لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَإِظْهَارِ السِّلَاحِ، فَيَكُونُ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلَ، وَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ، وَهُوَ إِلَى الْإِمَامِ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْإِمَامُ، وَلِذَلِكَ لَمَّ يَنْتَظِرِ الْغَائِبِينَ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي وُجُوبِ انْتِظَارِهِمْ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ قِصَاصًا فَقَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى خِلَافِهِ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْمُغْنِي.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِقَتْلِهِ بُلُوغَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ ; فَإِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا يَوْمَ قُتِلَ أَبُوهُ. قَالُوا: لِأَنَّهُ كَانَ قَتْلَ مُحَارَبَةٍ لَا قِصَاصًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اه.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ ابْنَ مُلْجِمٍ كَافِرٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ "؟ قُلْتُ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: " صَدَقْتَ. فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ "؟ قُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى يَافُوخِهِ - فَيُخَضِّبُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ - يَعْنِي لِحْيَتَهُ - مِنْ دَمِ رَأْسِهِ " قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنَّهُ قَدِ انْبَعَثَ أَشْقَاكُمْ " وَقَدْ سَاقَ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " الِاسْتِيعَابِ " وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ التَّارِيخِ وَالْأَخْبَارِ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ قَتْلَ ابْنِ مُلْجِمٍ كَانَ قِصَاصًا لِقَتْلِهِ عَلِيًّا ﵁، لَا لِكُفْرٍ وَلَا حَرَابَةٍ، وَعَلِيٌّ ﵁ لَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِ الْخَوَارِجِ، وَلَمَّا سُئِلَ عَنْهُمْ قَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا، فَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوا ابْنَ مُلْجِمٍ وَيُحْسِنُوا إِسَارَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ مَاتَ قَتَلُوهُ بِهِ قِصَاصًا، وَإِنْ حَيِيَ فَهُوَ وَلِيُّ دَمِهِ ; كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْأَثِيرِ، وَابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُمْ فِي تَوَارِيخِهِمْ.
وَذِكْرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْإِخْبَارِيِّينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ مُلْجِمٍ
стр. 1137
مُتَأَوِّلٌ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - وَلَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ فَاسِدٌ، مُورِدُ صَاحِبِهِ النَّارَ، وَلَمَّا ضَرَبَ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: الْحُكْمُ لِلَّهِ يَا عَلِيُّ، لَا لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ، وَمُرَادُهُ أَنَّ رِضَاهُ بِتَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ: أَبِي مُوسَى، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، كُفْرٌ بِاللَّهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ; لِقَوْلِهِ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [٦ \ ٥٧ - ١٢ \ ٤٠] .
وَلَمَّا أَرَادَ أَوْلَادُ عَلِيٍّ ﵁ أَنْ يَتَشَفَّوْا مِنْهُ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرَجُلَاهُ لَمْ يَجْزَعْ، وَلَا فَتَرَ عَنِ الذِّكْرِ، ثُمَّ كُحِّلَتْ عَيْنَاهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُ اللَّهَ، وَقَرَأَ سُورَةَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [٩٦ \ ١] إِلَى آخِرِهَا، وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَسِيلَانِ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ حَاوَلُوا لِسَانَهُ لِيَقْطَعُوهُ فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَمْكُثَ فَوَاقًا لَا أَذْكُرُ اللَّهَ (اهـ) ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ.
وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ السَّدُوسِيُّ يَمْدَحُ ابْنَ مُلْجِمٍ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فِي قَتْلِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا ﵁:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا
وَجَزَى اللَّهُ خَيْرًا الشَّاعِرَ الَّذِي يَقُولُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ:
قُلْ لِابْنِ مُلْجِمٍ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ ... هَدَمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانَا
قَتَلْتَ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... وَأَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا وَإِيمَانَا
وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ بِمَا ... سَنَّ الرَّسُولُ لَنَا شَرْعًا وَتِبْيَانَا
صِهْرُ النَّبِيِّ وَمَوْلَاهُ وَنَاصِرُهُ ... أَضْحَتْ مَنَاقِبُهُ نُورًا وَبُرْهَانَا
وَكَانَ مِنْهُ عَلَى رَغْمِ الْحَسُودِ لَهُ ... مَكَانُ هَارُونَ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَا
ذَكَرْتُ قَاتِلَهُ وَالدَّمْعُ مُنْحَدِرٌ ... فَقَلْتُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ سُبْحَانَا
إِنِّي لَأَحْسَبُهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ ... يَخْشَى الْمَعَادَ وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانَا
أَشْقَى مُرَادٍ إِذَا عُدَّتْ قَبَائِلُهَا ... وَأَخْسَرُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا
كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الْأُولَى الَّتِي جَلَبَتْ ... عَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحِجْرِ خُسْرَانَا
قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يُخَضِّبُهَا ... قَبْلَ الْمَنِيَّةِ أَزْمَانًا فَأَزْمَانَا
فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ مَا تَحَمَّلَهُ ... وَلَا سَقَى قَبْرَ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَا
لِقَوْلِهِ فِي شَقِيٍّ ظَلَّ مُجْتَرِمًا ... وَنَالَ مَا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانَا
стр. 1138
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا
بَلْ ضَرْبَةٌ مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَدَتْهُ لَظًى ... فَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا
كَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ ... إِلَّا لِيَصْلَى عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانَا
وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ قَتْلَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَنْهُ لِابْنِ مُلْجِمٍ قَبْلَ بُلُوغِ الصِّغَارِ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيٍّ يُقَوِّي حُجَّةَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ انْتِظَارِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ.
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ أَيْضًا بِكُفْرِهِ قَوِيَّةٌ ; لِلْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ أَشْقَى الْآخِرِينَ، مَقْرُونًا بِقَاتِلِ نَاقَةِ صَالِحٍ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَتْلَ ظُلْمًا، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ بِسَبَبِهِ هَذَا السُّلْطَانَ وَالنَّصْرَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا الْآيَةَ [١٧ \ ٣٣] ، يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: اثْنَانِ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَوَاحِدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا الِاثْنَانِ الْمُتَّفَقُ عَلَى ثُبُوتِهِ بِهِمَا: فَهُمَا الْإِقْرَارُ بِالْقَتْلِ، وَالْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَهُوَ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ مَعَ وُجُودِ اللَّوْثِ، وَهَذِهِ أَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ.
أَمَّا الْإِقْرَارُ بِالْقَتْلِ: فَقَدْ دَلَّتْ أَدِلَّةٌ عَلَى لُزُومِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: «بَابُ إِذَا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ مَرَّةً قُتِلَ بِهِ» حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرْنَا حِبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلَانٌ؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّي الْيَهُودِيُّ. فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: (بَابُ سُؤَالِ الْقَاتِلِ حَتَّى يُقِرَّ) ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا، وَقَالَ فِيهِ: فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ فَرَضَّ رَأْسَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ وَاضِحٌ عَلَى لُزُومِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِإِقْرَارِ الْقَاتِلِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدَ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ
стр. 1139
الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ: أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنَسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقَتَلْتَهُ» ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ. قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ. قَالَ: «كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟» قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ» ؟ قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي. قَالَ: «فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ» قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ. فَرَمَى إِلَيْهِ بِنَسْعَتِهِ، وَقَالَ: «دُونَكَ صَاحِبَكَ. .» الْحَدِيثَ. وَفِيهِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى ثُبُوتِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِالْإِقْرَارِ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِيضَاحُ إِلْزَامِ الْإِنْسَانِ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي سُورَةِ «الْقِيَامَةِ» .
وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِالْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا: فَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى ثُبُوتِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِهَا، قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، ثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَقْتُولًا بِخَيْبَرَ ; فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَكُمْ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِكُمْ» ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ يَهُودٌ، وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمِ مِنْ هَذَا، قَالَ: «فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ، فَاسْتَحْلِفُوهُمْ فَأَبَوْا. فَوَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ اه» .
فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «لَكُمْ شَاهِدَانِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِكُمْ» ، فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ثُبُوتِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَى الْقَتْلِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رِجَالَ هَذَا الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ وَقَدْ وُثِّقَ. وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ» : صَدُوقٌ رُمِيَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّدْلِيسِ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ: أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الْأَصْغَرَ أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا
стр. 1140
عَلَى أَبْوَابِهِمْ، قَالَ: «فَتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ أَحْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَتَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ قَسَامَةً» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَسْتَحْلِفُهُمْ وَهُمُ الْيَهُودُ، فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ عَلَيْهِمْ وَأَعَانَهُمْ بِنِصْفِهَا. اهـ.
فَقَوْلُهُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «أَقِمْ شَاهِدَيْنَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ثُبُوتِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنَ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ الْحُسْنُ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الْفَتْحِ» : هَذَا السَّنَدُ صَحِيحٌ حَسَنٌ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا.
وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ تَعْتَضِدُ بِمُوَافَقَةِ الْإِجْمَاعِ لَهَا حَتَّى تَصِيرَ قَطْعِيَّةً كَالْمُتَوَاتِرِ، لِاعْتِضَادِهَا بِالْمَعْصُومِ وَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ يَقُولُونَ: إِنَّ اعْتِضَادَ خَبَرِ الْآحَادِ بِالْإِجْمَاعِ لَا يُصَيِّرُهُ قَطْعِيًّا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ مَرَاقِي السُّعُودِ فِي مَبْحَثِ أَخْبَارِ الْآحَادِ:
وَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ مَا يُوَافِقُ الْ ... إِجْمَاعَ وَالْبَعْضُ بِقَطْعٍ يَنْطِقُ
وَبَعْضُهُمْ يُفِيدُ حَيْثُ عَوَّلَا ... عَلَيْهِ وَأَنِفَهُ إِذَا مَا قَدْ خَلَا
مَعَ دَوَاعِي رَدِّهِ مِنْ مُبْطِلٍ ... كَمَا يَدُلُّ لِخِلَافَةِ عَلِي
وَقَوْلُهُ: وَأَنِفَهُ إِذَا مَا قَدْ خَلَا. . إِلَخْ ; مَسْأَلَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِارْتِبَاطِ بَعْضِ الْأَبْيَاتِ بِبَعْضٍ.
وَأَمَّا أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ مَعَ وُجُودِ اللَّوْثِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهَا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ.
فَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ: مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَجَعَ عَنْهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُدَ.
وَقَضَى بِالْقَتْلِ بِالْقَسَامَةِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَبُوهُ مَرْوَانُ ; وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: قُلْنَا
стр. 1141
بِهَا وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، إِنِّي لَأَرَى أَنَّهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ، فَمَا اخْتَلَفَ مِنْهُمُ اثْنَانِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ (فِي فَتْحِ الْبَارِي) : إِنَّمَا نَقَلَ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ; كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ، وَإِلَّا فَأَبُو الزِّنَادِ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ رَأَى عِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ أَلْفٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ بِهَا الدِّيَةُ وَلَا يَجِبُ بِهَا الْقَوَدُ: الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ ﵃. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعُثْمَانَ الْبُتِّيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ: الْقَتْلُ بِهَا أَيْضًا.
وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا يَثْبُتُ بِهَا حُكْمٌ مِنْ قِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَقَتَادَةَ، وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَإِلَيْهِ يَنْحُو الْبُخَارِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ رَجُلًا بِالْقَسَامَةِ، وَمَحَا أَسْمَاءَ الَّذِينَ حَلَفُوا أَيْمَانَهُمْ مِنَ الدِّيوَانِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْقَسَامَةِ فَدُونَكَ أَدِلَّتَهُمْ عَلَى أَقْوَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:
أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِالْقِصَاصِ بِالْقَسَامَةِ فَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ بِخَيْبَرَ، مُخَاطِبًا لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ: " يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ. . " الْحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ " فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ " مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُمْ لِيَقْتُلُوهُ بِصَاحِبِهِمْ. وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: صَحِيحٌ حَسَنٌ. فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ: " أَقِمْ شَاهِدَيْنَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ " صَرِيحٌ أَيْضًا فِي الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ. وَادِّعَاءُ أَنَّ مَعْنَى دَفْعِهِ إِلَيْهِمْ بِرُمَّتِهِ: أَيْ لِيَأْخُذُوا مِنْهُ الدِّيَةَ، بِعِيدٌ جِدًّا كَمَا تَرَى.
стр. 1142
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ الْمَذْكُورِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ: " تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ. أَوْ: صَاحِبَكُمْ. . " الْحَدِيثَ، قَالُوا: فَعَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ " قَاتِلَكُمْ " فَهِيَ صَرِيحٌ فِي الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ. وَعَلَى أَنَّهَا " صَاحِبَكُمْ " فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ احْتِمَالًا قَوِيًّا. وَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالِفِ بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا لِلشَّكِّ فِي اللَّفْظِ الَّذِي قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ " صَاحِبَكُمْ " لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَقْتُولَ، وَأَنَّ الْمَعْنَى: تَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ. وَالِاحْتِمَالُ الْمُسَاوِي يُبْطِلُ الِاسْتِدْلَالَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ ; لِأَنَّ مُسَاوَاةَ الِاحْتِمَالَيْنِ يَصِيرُ بِهَا اللَّفْظُ مُجْمَلًا، وَالْمُجْمَلُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُ حَتَّى يَرِدَ دَلِيلٌ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْهُ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ نُسَلِّمُهُ ".
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ " قَالُوا: مَعْنَى " دَمَ صَاحِبِكُمْ " قَتْلُ الْقَاتِلِ.
وَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالِفِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ " بِدَمِ صَاحِبِكُمْ " الدِّيَةُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ قَوِيٌّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الدَّمَ عَلَى الدِّيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
أَكَلْتُ دَمًا إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ ... بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (ح) ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أَنَّهُ قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ بِبَحْرَةِ الرُّغَاةِ عَلَى شَطِّ لِيَّةِ الْبَحْرَةِ، قَالَ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْهُمْ، وَهَذَا لَفْظُ مَحْمُودٍ: بِبَحْرَةٍ، أَقَامَهُ مَحْمُودٌ وَحْدَهُ عَلَى شَطِّ لِيَّةَ اهـ. وَانْقِطَاعُ سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاضِحٌ فِي قَوْلِهِ: " عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " كَمَا تَرَى. وَقَدْ سَاقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ هَذَا، وَقَالَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ الطَّائِفَ "، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَتَلَ وَهُوَ سَكْرَانُ
стр. 1143
رَجُلًا ضَرَبَهُ بِشَوِيقٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ قَاطِعَةٌ إِلَّا لَطْخٌ أَوْ شَبِيهُ ذَلِكَ، وَفِي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمِنْ فُقَهَاءِ النَّاسِ مَا لَا يُحْصَى، وَمَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنْ يَحْلِفَ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ وَيَقْتُلُوا أَوْ يَسْتَحْيُوا، فَحَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَتَلُوا، وَكَانُوا يُخْبِرُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْقَسَامَةِ، وَيَرَوْنَهَا لِلَّذِي يَأْتِي بِهِ مِنَ اللَّطْخِ أَوِ الشُّبْهَةِ أَقْوَى مِمَّا يَأْتِي بِهِ خَصْمُهُ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الصُّهَيْبِيِّ حِينَ قَتَلَهُ الْحَاطِبِيُّونَ وَفِي غَيْرِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَزَادَ فِيهِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: إِنْ كَانَ مَا ذَكَرْنَا لَهُ حَقًّا أَنْ يُحَلِّفَنَا عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ يُسَلِّمَهُ إِلَيْنَا.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ أَيْضًا: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، ثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ آلِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ آلِ صُهَيْبٍ مُنَازَعَةٌ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قَتْلِهِ، قَالَ: فَرَكِبَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي ذَلِكَ، فَقَضَى بِالْقَسَامَةِ عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ آلِ حَاطِبٍ، فَثَنَّى عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانَ، فَطَلَبَ آلُ حَاطِبٍ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى اثْنَيْنِ وَيَقْتُلُوهُمَا، فَأَبَى عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى وَاحِدٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَحَلَفُوا عَلَى الصُّهَيْبِيِّ فَقَتَلُوهُ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عُرْوَةُ، وَرَأَى أَنْ قَدْ أُصِيبَ فِيهِ الْحَقُّ، وَرُوِّينَا فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُمَا أَقَادَا بِالْقَسَامَةِ.
وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ وَجَدَ أَصْحَابُهُ بَيِّنَةً، وَإِلَّا فَلَا تُظْلَمُ النَّاسُ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْضَى فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ ﵀.
هَذِهِ هِيَ أَدِلَّةُ مَنْ أَوْجَبَ الْقَوَدَ بِالْقَسَامَةِ.
وَأَمَّا حُجَجُ مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ بِهَا إِلَّا الدِّيَةُ فَمِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ سَهْلٍ الْمَذْكُورِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ ".
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَاهُ إِنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ عَلَيْهِمْ بِقَسَامَتِكُمْ، فَإِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ - أَيْ: يَدْفَعُوا إِلَيْكُمْ دِيَتَهُ - وَإِمَّا أَنْ يُعْلِمُونَا أَنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنِ الْتِزَامِ أَحْكَامِنَا، فَيَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ، وَيَصِيرُونَ حَرْبًا لَنَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ: الْوَاجِبُ بِالْقَسَامَةِ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ. اهـ كَلَامُ النَّوَوِيِّ،
стр. 1144
رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " أَفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ "، قَالُوا: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّابِتَةُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ إِنَّمَا هُوَ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ (فِي فَتْحِ الْبَارِي) ، قَالَ: وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ فِيهَا إِلَّا الدِّيَةُ بِمَا أَخْرَجَهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمْرُ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا وَجَدْتُمُوهُ إِلَيْهِ أَقْرَبَ فَأَحْلِفُوهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَأَغْرِمُوهُمُ الدِّيَةَ. وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمْرَ كَتَبَ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ خِيرَانَ وَوَدَاعَةَ أَنْ يُقَاسَ مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ ; فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ أُخْرِجَ إِلَيْهِ مِنْهَا خَمْسُونَ رَجُلًا حَتَّى يُوَافُوهُ فِي مَكَّةَ، فَأَدْخَلَهُمُ الْحِجْرَ فَأَحْلَفَهُمْ، ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ، فَقَالَ: " حَقَنْتُ بِأَيْمَانِكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَلَا يُطَلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ".
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا أَخَذَهُ الشَّعْبِيُّ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَالْحَارِثُ غَيْرُ مَقْبُولٍ. انْتَهَى. وَلَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْنَ حَيَّيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ " أَنْ يُقَاسَ إِلَى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ فَأَلْقَى دِيَتَهُ عَلَى الْأَقْرَبِ "، وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ: أَعَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَلِمَ تَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا؟ فَسَكَتَ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي الْقَسَامَةِ: تُوجِبُ الْعَقْلَ وَلَا تُسْقِطُ الدَّمَ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀.
فَهَذِهِ هِيَ أَدِلَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقَسَامَةَ تُوجِبُ الدِّيَةَ وَلَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ.
وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقَسَامَةَ لَا يَلْزَمُ بِهَا حُكْمٌ، فَهِيَ أَنَّ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ إِنَّمَا يَحْلِفُونَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَحْضُرُوهُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ، وَحَلِفُ الْإِنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَرَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ مِنْ آلِ أَبِي قِلَابَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو
стр. 1145
قِلَابَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ قَالُوا: نَقُولُ الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ، وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ. قَالَ لِي: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ رُءُوسُ الْأَجْنَادِ وَأَشْرَافُ الْعَرَبِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَدْ زَنَى لَمْ يَرَوْهُ، أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحِمْصَ أَنَّهُ سَرَقَ، أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ، أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ رَجُلٌ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ. . . إِلَى آخِرِ حَدِيثِهِ.
وَمُرَادُ أَبِي قِلَابَةَ وَاضِحٌ، وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يُقْتَلُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ يَحْلِفُونَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَحْضُرُوهُ.
هَذَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ، وَهَذِهِ حُجَجُهُمْ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي دَلِيلًا - الْقَوَدُ بِالْقَسَامَةِ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي قَدَّمْنَا فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّهُمْ إِنْ حَلَفُوا أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ دَفَعَ الْقَاتِلَ بِرُمَّتِهِ إِلَيْهِمْ "، وَهَذَا مَعْنَاهُ الْقَتْلُ بِالْقَسَامَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُعَارِضُ هَذَا. وَالْقَسَامَةُ أَصْلٌ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ رَجْمٍ أَوْ قَطْعٍ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو قِلَابَةَ فِي كَلَامِهِ الْمَارِّ آنِفًا ; لِأَنَّ الْقَسَامَةَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، شُرِعَ لِحَيَاةِ النَّاسِ وَرَدْعِ الْمُعْتَدِينَ، وَلَمْ تُمَكَّنْ فِيهِ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ إِلَّا مَعَ حُصُولِ لَوْثٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِهِ صِدْقُهُمْ فِي ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الَّتِي فِيهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمَّا سَأَلَ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ هَلْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ» وَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، قَالَ: «يَحْلِفُونَ» يَعْنِي الْيَهُودَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ حَلِفِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ أَصْلًا - لَا دَلِيلَ فِيهَا لِمَنْ نَفَى الْقَوَدَ بِالْقَسَامَةِ ; لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدٍ وَهِمَ فِيهَا، فَأَسْقَطَ مِنَ السِّيَاقِ تَبْرِئَةَ الْمُدَّعِينَ بِالْيَمِينِ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَتِهِ رَدَّ الْيَمِينِ. وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، فَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ الْأَيْمَانَ أَوَّلًا عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَلَمَّا أَبَوْا عَرَضَ عَلَيْهِمْ رَدَّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ. فَاشْتَمَلَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَلَى زِيَادَةٍ
стр. 1146
مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ فَوَجَبَ قَبُولُهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ﵀ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ (فِي بَابِ الْقَسَامَةِ) وَذَكَرَ رِوَايَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (فِي بَابِ الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ) وَفِيهَا: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ» أَوْ صَاحِبَكُمْ. . . الْحَدِيثَ. وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ» لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ.
وَجَزَمَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْدِيمِ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ عَلَى رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ - ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ لَمْ يُعَارِضْهَا غَيْرُهَا فَيَجِبُ قَبُولُهَا ; كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَعِلْمِ الْأُصُولِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا الْآيَةَ [٢ \ ٧٣] ، وَقَدْ أَسْنَدَ حَدِيثَ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِالْمُدَّعِينَ - يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، فَهَؤُلَاءِ سَبْعَةٌ. وَإِنْ كَانَ أَرْسَلَهُ مَالِكٌ، فَقَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةُ الْحُفَّاظِ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ (فِي الْمُوَطَّأِ) بَعْدَ أَنْ سَاقَ رِوَايَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعْتُهُ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ، وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ: أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُونَ. اهـ مَحِلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ يُشْتَرَطُ لَهَا لَوْثٌ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ اللَّوْثِ الَّذِي تُحْلَفُ مَعَهُ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ إِلَى أَنَّهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. وَهَلْ يَكْفِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ، أَوْ لَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ؟ خِلَافٌ عِنْدَهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَشْهَدَ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقَتْلُ كَاثْنَيْنِ غَيْرِ عَدْلَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعْتُهُ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ، وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُونَ، وَأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، أَوْ يَأْتِيَ وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمُ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِمُدَّعِي الدَّمَ عَلَى مَنِ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةَ عِنْدَنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ
стр. 1147
الْوَجْهَيْنِ. اهـ مَحِلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ، هَكَذَا قَالَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَسَتَأْتِي زِيَادَةٌ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ ﵀ إِيجَابَهُ الْقَسَامَةَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ.
قَالُوا: هَذَا قَتْلُ مُؤْمِنٍ بِالْأَيْمَانِ عَلَى دَعْوَى مُجَرَّدَةٍ.
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ ﵀ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ طَبْعِ النَّاسِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ: الْإِنَابَةُ وَالتَّوْبَةُ وَالنَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئِ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ ; كَقَوْلِهِ: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [٦٣ \ ١٠] ، وَقَوْلِهِ: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [٤ \ ١٨] ، وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [٤٠ \ ٨٤] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
فَهَذَا مَعْهُودٌ مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانِ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَدَعَ قَاتِلَهُ وَيَعْدِلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَا نَادِرٌ فِي النَّاسِ لَا حُكْمَ لَهُ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ قِصَّةَ قَتِيلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِ الْمَقْتُولِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
فَقَدِ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِقِصَّةِ الْقَتِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ بِقَوْلِهِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، أَوْ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَرَدَّ الْمُخَالِفُونَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّ إِحْيَاءَ الْقَتِيلِ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُحْيِيهِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ بِقَاتِلِهِ خَبَرًا جَازِمًا لَا يَدْخُلُهُ احْتِمَالٌ، فَافْتَرَقَا.
وَرَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ إِنَّمَا كَانَتْ فِي إِحْيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَلَمَّا صَارَ حَيًّا كَانَ كَلَامُهُ كَسَائِرِ كَلَامِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ.
قَالَ: وَهَذَا فَنٌّ دَقِيقٌ مِنَ الْعِلْمِ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ إِلَّا مَالِكٌ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ وَجَبَ صِدْقُهُ، فَلَعَلَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْقَسَامَةِ مَعَهُ. اهـ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ. وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ عِنْدِي ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَتِيلَ إِذَا ضُرِبَ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ وَحَيِيَ أَخْبَرَهُمْ بِقَاتِلِهِ، فَانْقَطَعَ بِذَلِكَ النِّزَاعُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا [٢ \ ٧٢] . فَالْغَرَضُ الْأَسَاسِيُّ مِنْ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ قَطَعُ النِّزَاعِ بِمَعْرِفَةِ الْقَاتِلِ بِإِخْبَارِ الْمَقْتُولِ إِذَا ضُرِبَ بِبَعْضِهَا فَحَيِيَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَالشَّاهِدُ الْعَدْلُ لَوْثٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ
стр. 1148
يُقْسَمُ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَوْثٌ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ لَوْثٌ، دُونَ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتُلِفَ فِي اللَّوْثِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ بِقَوْلِهِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَالَّذِينَ قَالُوا بِالْقَسَامَةِ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِهِ جِرَاحٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ.
وَالَّذِي بِهِ الْحُكْمُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ بِالْمَقْتُولِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِدُونِ وُجُودِ أَثَرِ الضَّرْبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَقِيَتْ صُورَتَانِ مِنْ صُوَرِ الْقَسَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ.
الْأُولَى: أَنْ يَشْهَدَ عَدْلَانِ بِالضَّرْبِ، ثُمَّ يَعِيشُ الْمَضْرُوبُ بَعْدَهُ أَيَّامًا، ثُمَّ يَمُوتُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ إِفَاقَةٍ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ أَيْضًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْقِصَاصُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ عَلَى الضَّرْبِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُوجَدَ مَقْتُولٌ وَعِنْدَهُ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ مَنْ بِيَدِهِ آلَةُ الْقَتْلِ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ الدَّمِ مَثَلًا، وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهُ فَتُشْرَعُ الْقَسَامَةُ عِنْدَ مَالِكٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَيَلْحَقُ بِهَذَا أَنْ تَفْتَرِقَ جَمَاعَةٌ عَنْ قَتِيلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مُقْتَتِلَتَيْنِ: أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي لَيْسَ مِنْهَا الْقَتِيلُ إِنْ كَانَ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ.
أَمَّا إِنَّ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِمَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَيْهِمَا مَعًا مُطْلَقًا. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ.
وَأَمَّا اللَّوْثُ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْقَسَامَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَهُوَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ لَمْ يُدْرَ قَاتِلُهُ، فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحِلَّةِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا الْقَتِيلُ يَتَخَيَّرُهُمُ الْوَلِيُّ: مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا، ثُمَّ إِذَا حَلَفُوا غُرِّمَ أَهْلُ الْمَحِلَّةِ الدِّيَةَ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ، وَلَيْسَ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَسَامَةٌ إِلَّا بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ بِمَحِلَّةٍ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ: الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
стр. 1149
وَشَرْطُ هَذَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إِلَّا الْحَنَفِيَّةَ: أَنْ يُوجَدَ بِالْقَتِيلِ أَثَرٌ. وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ بِمَحِلَّةٍ لَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ، بَلْ يَكُونُ هَدَرًا ; لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ وَيُلْقَى فِي الْمَحِلَّةِ لِتُلْصَقَ بِهِمُ التُّهْمَةُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُونُوا أَعْدَاءً لِلْمَقْتُولِ وَلَمْ يُخَالِطْهُمْ غَيْرُهُمْ وَإِلَّا وَجَبَتِ الْقَسَامَةُ ; كَقِصَّةِ الْيَهُودِ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀، فَإِنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِ ; كَالْوَاحِدِ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ. وَكَذَلِكَ تَجِبُ عِنْدَهُ بِوُجُودِ الْمَقْتُولِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، وَعِنْدَهُ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ مَنْ بِيَدِهِ آلَةُ الْقَتْلِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الدَّمِ مَثَلًا، وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهُ، وَيَلْحَقُ بِهِ افْتِرَاقُ الْجَمَاعَةِ عَنْ قَتِيلٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ الْجُمْهُورِ فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ: أَنَّ الْقَسَامَةَ فِيهِ تَكُونُ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى دُونَ طَائِفَتِهِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ تَجِبُ عِنْدَهُ فِيمَا كَانَ كَقِصَّةِ الْيَهُودِيِّ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَاللَّوْثُ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْقَسَامَةُ عِنْدَهُ، فِيهِ رِوَايَتَانِ.
الْأُولَى: أَنَّ اللَّوْثَ هُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ بَيْنَ الْمَقْتُولِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَالْيَهُودِ، وَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَالْأَحْيَاءِ وَأَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ بَيْنَهُمُ الدِّمَاءُ وَالْحُرُوبُ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ. وَلَا يُشْتَرَطُ عِنْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَلَّا يُخَالِطَهُمْ غَيْرُهُمْ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّأٍ. وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَلَّا يُخَالِطَهُمْ غَيْرُهُمْ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّ اللَّوْثَ هُوَ مَا يَغْلِبُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: الْعَدَاوَةُ الْمَذْكُورَةُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ عَنْ قَتِيلٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَوْثًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ فَأَنْكَرَ كَوْنَهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُوجَدَ الْمَقْتُولُ وَيُوجَدَ بِقُرْبِهِ رَجُلٌ مَعَهُ سِكِّينٌ أَوْ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَفْتَرِقُوا عَنْ قَتِيلٍ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فَاللَّوْثُ عَلَى الْأُخْرَى.
стр. 1150
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ لَا تَصِلُ سِهَامُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَاللَّوْثُ عَلَى طَائِفَةِ الْقَتِيلِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ عَقْلَ الْقَتِيلِ عَلَى الَّذِينَ نَازَعُوهُمْ فِيمَا إِذَا اقْتَتَلَتِ الْفِئَتَانِ إِلَّا أَنْ يَدَّعُوا عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِهِ فَاسْتَوَى الْجَمِيعُ فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ بِالْقَتْلِ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ ; فَعَنْ أَحْمَدَ هُوَ لَوْثٌ، لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي، وَعَنْهُ: لَيْسَ بِلَوْثٍ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ.
فَأَمَّا الْقَتِيلُ الَّذِي يُوجَدُ فِي الزِّحَامِ كَالَّذِي يَمُوتُ مِنَ الزِّحَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَوْثٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْ مَاتَ بِالزِّحَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، فَإِنَّ سَعِيدًا رَوَى فِي سُنَنِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ فِي زِحَامِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ. فَجَاءَ أَهْلُهُ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: بَيِّنَتُكُمْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُطَلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِنْ عَلِمْتَ قَاتِلَهُ وَإِلَّا فَأَعْطِهِمْ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. انْتَهَى مِنَ الْمُغْنِي.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (فِي بَابِ إِذَا مَاتَ فِي الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ بِهِ) فِي الْكَلَامِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ الْيَمَانَ وَالِدَ حُذَيْفَةَ ﵄ مَا نَصُّهُ: وَحُجَّتُهُ (يَعْنِي إِعْطَاءَ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ قِصَّةِ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ: أَنَّ وَالِدَ حُذَيْفَةَ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَتَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ أَيْضًا (فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنِ الْخَطَأِ) وَرَوَى مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ مَذْكُورٍ: أَنَّ رَجُلًا زُحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَاتَ، فَوَدَاهُ عَلِيٌّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ أُخْرَى (مِنْهَا) قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ دِيَتَهُ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَتَوْجِيهُهُ: أَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِمْ فَلَا يَتَعَدَّاهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ. (وَمِنْهَا) قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ: أَنَّهُ يُقَالُ لِوَلِيِّهِ ادَّعِ عَلَى مَنْ شِئْتَ وَاحْلِفْ، فَإِنْ حَلَفْتِ اسْتَحْقَقْتَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلْتَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى النَّفْيِ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ. وَتَوْجِيهُهُ: أَنَّ الدَّمَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالطَّلَبِ.
(وَمِنْهَا) قَوْلُ مَالِكٍ: دَمُهُ هَدَرٌ. وَتَوْجِيهُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ بِعَيْنِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ أَحَدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الرَّاجِحِ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ (فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنِ الْخَطَأِ) انْتَهَى
стр. 1151
كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀.
وَالتَّرْجِيحُ السَّابِقُ الَّذِي أَشَارَ لَهُ هُوَ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ حُذَيْفَةَ ﵁ مُخَاطِبًا لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ خَطَأً: «غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ» اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ دِيَتَهُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ حَضَرَ ; لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: «غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ» ، عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَهُوَ لَا يَعْفُو إِلَّا عَنْ شَيْءٍ اسْتَحَقَّ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ. انْتَهَى مَحِلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. فَكَأَنَّ ابْنَ حَجَرٍ يَمِيلُ إِلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي اللَّوْثِ الَّذِي تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِهِ: أَنَّهُ كُلُّ مَا يَغْلِبُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فِي دَعْوَاهُمْ ; لِأَنَّ جَانِبَهُمْ يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُونَ مَعَهُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ «أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الرِّوَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ مَا تَحْصُلُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ» وَعَقَدَهُ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ فِي شُرُوطِ الرَّاوِي:
بِغَالِبِ الظَّنِّ يَدُورُ الْمُعْتَبَرْ ... فَاعْتَبَرَ الْإِسْلَامَ كُلُّ مَنْ غَبَرْ
، إِلَخْ
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: لَا يَحْلِفُ النِّسَاءُ وَلَا الصِّبْيَانُ فِي الْقَسَامَةِ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ فِيهَا الرِّجَالُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَاللَّيْثُ، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي قَسَامَةِ الْعَمْدِ، وَأَجَازَ حَلِفَ النِّسَاءِ الْوَارِثَاتِ فِي قَسَامَةِ الْخَطَإِ خَاصَّةً. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ كُلُّ وَارِثٍ بَالِغٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إِلَّا الرِّجَالُ بِأَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فِي الْقَسَامَةِ يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ. قَالُوا: وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الرِّجَالِ لَا يُقْسِمُ.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» ، فَجَعَلَ الْحَالِفَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ غَيْرَ الْوَارِثِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَلِفُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ.
وَأَجَابَ الشَّافِعِيَّةُ عَنْ حُجَّةِ الْأَوَّلِينَ بِمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ» مَا نَصُّهُ: هَذَا مِمَّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْوَارِثِ خَاصَّةً لَا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقَبِيلَةِ. وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنَّ مَعْنَاهُ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ يَمِينًا، وَالْحَالِفُ هُمُ الْوَرَثَةُ، فَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ مِنَ
стр. 1152
الْأَقَارِبِ غَيْرُ الْوَرَثَةِ، يَحْلِفُ كُلُّ الْوَرَثَةِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَوَافَقَنَا مَالِكٌ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَقَالَ: يَحْلِفُ الْأَقَارِبُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَلَا تَحْلِفُ النِّسَاءُ وَلَا الصِّبْيَانُ. وَوَافَقَهُ رَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ. انْتَهَى الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ ﵀.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ الَّذِي أَوَّلُوا بِهِ الْحَدِيثَ بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُصَرِّحُ بِتَمْيِيزِ الْخَمْسِينَ بِالرَّجُلِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَبْدَأَ بِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ عَلَى التَّحْقِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ ; فَإِنْ حَلَفُوا اسْتَحَقُّوا الْقَوَدَ أَوِ الدِّيَةَ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ نَكَلُوا رُدِّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ; فَإِنْ حَلَفُوهَا بُرِّئُوا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» أَيْ يَبْرَءُونَ مِنْكُمْ بِذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمْ إِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحِلَّةِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا الْقَتِيلُ أَنْ يُغَرَّمُوا الدِّيَةَ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ عُمَرَ أَلْزَمَهُمُ الدِّيَةَ بَعْدَ أَنْ حَلَفُوا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَلَا حَلِفَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: إِنِ امْتَنَعَ الْمُدَّعُونَ مِنَ الْحَلِفِ وَلَمْ يَرْضَوْا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ يُعْطِي دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [٣٣ \ ٢١] .
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: إِنْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَبْرَأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَحْلِفَ بِانْفِرَادِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَلَا تُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ: تُقَسَّمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ ; لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مُتَسَاوُونَ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا، فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْيَمِينِ فَقِيلَ يُحْبَسُونَ حَتَّى يَحْلِفُوا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ
стр. 1153
مَالِكٍ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنْ طَالَ حَبْسُهُمْ وَلَمْ يَحْلِفُوا تُرِكُوا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ، وَلَا أَعْلَمُ لِهَذَا دَلِيلًا، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي: أَنَّهُمْ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ بِنُكُولِهِمْ عَنِ الْأَيْمَانِ، وَرَوَاهُ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنُّكُولِ فَثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ هَاهُنَا كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ; قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْفَرْعُ الْخَامِسُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ الْعَدَدِ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَحْلِفَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ ; فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحْلِفَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْعَصَبَةِ، فَلَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ ابْنٌ وَاحِدٌ مَثَلًا اسْتَعَانَ بِرَجُلٍ آخَرَ مِنْ عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ وَلَوْ غَيْرَ وَارِثٍ يَحْلِفُ مَعَهُ أَيْمَانَهَا، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا هُوَ صِحَّةُ اسْتِعَانَةِ الْوَارِثِ بِالْعَصَبَةِ غَيْرِ الْوَارِثِينَ فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ.» الْحَدِيثَ. وَهُمَا ابْنَا عَمِّ الْمَقْتُولِ، وَلَا يَرِثَانِ فِيهِ لِوُجُودِ أَخِيهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ «يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ الْمَقْتُولِ عِشْرُونَ رَجُلًا وَارِثُونَ، لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ إِلَّا أَخُوهُ وَمَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَقْرَبُ مِنْهُ نَسَبًا.
وَأَجَابَ الْمُخَالِفُونَ بِأَنَّ الْخِطَابَ لِلْمَجْمُوعِ مُرَادًا بِهِ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الْوَارِثُونَ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ; فَإِنْ كَانُوا خَمْسِينَ حَلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا، وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وُزِّعَتْ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِمْ فِي الْمِيرَاثِ، فَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّ نَصِيبُهُ عَلَى الْبَاقِينَ إِنْ كَانَ النَّاكِلُ مُعِينًا لَا وَارِثًا، فَإِنْ كَانَ وَارِثًا يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنِ الدَّمِ، سَقَطَ الْقَوَدُ بِنُكُولِهِ، وَرُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّمْنَا. هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀.
وَأَمَّا الْقَسَامَةُ فِي الْخَطَأِ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فَيَحْلِفُ أَيْمَانَهَا الْوَارِثُونَ عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا وَاحِدٌ وَلَوِ امْرَأَةٌ حَلَفَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا كُلَّهَا وَاسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ فَقَالَ: لَا يَجِبُ الْحَقُّ حَتَّى يَحْلِفَ الْوَرَثَةُ خَاصَّةً خَمْسِينَ يَمِينًا سَوَاءٌ قَلُّوا أَمْ كَثُرُوا، فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ خَمْسِينَ حَلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا، وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْبَاقِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا وَاحِدٌ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ حَتَّى لَوْ كَانَ مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ أَوْ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّ الْقَسَامَةَ إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِهَا
стр. 1154
الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَعَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ:
الْأُولَى: أَنَّهُ يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنَ الْعَصَبَةِ خَمْسِينَ يَمِينًا، كُلُّ رَجُلٍ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً، فَإِنْ وُجِدَتِ الْخَمْسُونَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ فَذَلِكَ، وَإِلَّا كُمِّلَتِ الْخَمْسُونَ مِنَ الْعَصَبَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، الْأَقْرَبِ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبِ حَتَّى تَتِمَّ الْخَمْسُونَ، وَهَذَا قَوْلٌ لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ سَهْلٍ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ إِلَّا الْوَرَثَةُ خَاصَّةً، وَتُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا وَاحِدٌ حَلَفَ الْخَمْسِينَ وَاسْتَحَقَّ، إِلَّا أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِفْنَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ، فَالْمُرَادُ بِالْوَرَثَةِ عِنْدَهُ الذُّكُورُ خَاصَّةً. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ عِنْدَهُ لَا يَحْلِفُهَا إِلَّا خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحِلَّةِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا الْقَتِيلُ، فَيُقْسِمُونَ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ وَلَا عَلِمُوا لَهُ قَاتِلًا.
تَنْبِيهٌ
قَدْ عَلِمْتَ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ يَحْلِفُ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ، فَإِذَا وُزِّعَتْ عَلَى عَدَدٍ أَقَلَّ مِنَ الْخَمْسِينَ وَوَقَعَ فِيهَا انْكِسَارٌ، فَإِنْ تَسَاوَوْا جُبِرَ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ خَلَّفَ الْمَقْتُولُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ; فَإِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا، وَهُوَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثُلُثَانِ، فَيُتَمَّمُ الْكَسْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا.
فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ خِلَافُ الشَّرْعِ فِي زِيَادَةِ الْأَيْمَانِ عَلَى خَمْسِينَ يَمِينًا ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِذَلِكَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ يَمِينًا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ نَقْصَ الْأَيْمَانِ عَنْ خَمْسِينَ لَا يَجُوزُ، وَتَحْمِيلُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ زِيَادَةً عَلَى الْآخَرِينَ لَا يَجُوزُ، فَعُلِمَ اسْتِوَاؤُهُمْ فِي جَبْرِ الْكَسْرِ، فَإِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ الْمُنْكَسِرَةُ لَمْ يَسْتَوِ فِي قَدْرِ كَسْرِهَا الْحَالِفُونَ، كَأَنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمْ نِصْفُهَا، وَعَلَى آخَرَ ثُلُثُهَا، وَعَلَى آخَرَ سُدُسُهَا، حَلَفَهَا مَنْ عَلَيْهِ نِصْفُهَا تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ، وَلَا تُجْبَرُ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ وَالسُّدُسِ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: تُجْبَرُ عَلَى الْجَمِيعِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1155
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُدَّعِينَ خَمْسِينَ يَمِينًا، سَوَاءٌ تَسَاوَوْا فِي الْمِيرَاثِ أَوِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لَوِ انْفَرَدَ لَحَلَفَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا كُلَّهَا. قَالَ: وَمَا يَحْلِفُهُ مُنْفَرِدًا يَحْلِفُهُ مَعَ غَيْرِهِ كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا الْقَوْلُ بِعِيدٌ فِيمَا يَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْقَسَامَةِ تُصَرِّحُ بِأَنَّ عَدَدَ أَيْمَانِهَا خَمْسُونَ فَقَطْ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ تَصِيرُ بِهِ مِئَاتٍ كَمَا تَرَى، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَرْعُ السَّادِسُ: لَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ الْقَوَدَ بِهَا إِلَّا وَاحِدٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْقَائِلِينَ بِالْقَوَدِ بِهَا، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالزُّهْرِيُّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ:
«يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ.» الْحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ ﷺ فِي مَعْرِضِ بَيَانِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: يُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ، فَاسْتَوَى فِيهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ كَالْبَيِّنَةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَبُو ثَوْرٍ، قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي.
وَهَلْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي الْقَسَامَةِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ لَا؟ وَهَلْ تُسْمَعُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: تُسْمَعُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مُسْتَدِلًّا بِقِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَقْتُولِ بِخَيْبَرَ ; لِأَنَّ أَوْلِيَاءَهُ ادَّعَوْا عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الدَّعْوَى فِيهَا لَا تُسْمَعُ إِلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ، قَالُوا: وَلَا دَلِيلَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ وَالْأَنْصَارِيِّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِيهَا: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ» فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يُعَيَّنَ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنِ اشْتَرَطَ كَوْنَهَا عَلَى مُعَيَّنٍ: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَشْتَرِطُ كَوْنَهَا عَلَى مُعَيَّنٍ: يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا اخْتِلَافَهُمْ: هَلْ يَجُوزُ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا يُقْتَلُ إِلَّا وَاحِدٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْحَقُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ صَاحِبُ مَالِكٍ: لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى جَمَاعَةٍ وَيَخْتَارُوا وَاحِدًا لِلْقَتْلِ،
стр. 1156
وَيُسْجَنُ الْبَاقُونَ عَامًا، وَيُضْرَبُونَ مِائَةً.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَرْعُ السَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ تُحْلَفُ عَلَى الْبَتِّ، وَدَعْوَى الْقَتْلِ أَيْضًا عَلَى الْبَتِّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْلِفُ الْغَائِبُ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَحْضُرْهُ، وَكَيْفَ يَأْذَنُ الشَّارِعُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَيْمَانِ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَكْفِي فِي مِثْلِ هَذَا، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ غَلَبَةٌ قَوِيَّةٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ غَلَبَةٌ قَوِيَّةٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْحَلِفِ.
الْفَرْعُ الثَّامِنُ: إِنْ مَاتَ مُسْتَحِقُّ الْأَيْمَانِ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّفَهَا انْتَقَلَ إِلَى وَارِثِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ فِيهَا عَلَيْهِمْ كَمَا يُجْبَرُ فِي حَقِّ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ انْتَقَلَ إِلَى وَارِثِهِ.
وَلْنَكْتَفِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ الْقَسَامَةِ خَوْفَ الْإِطَالَةِ الْمُمِلَّةِ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَهَا كَثِيرَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ جِدًّا، وَقَدْ بَسَطَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا الْكَلَامَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ.
غَرِيبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ
وَهِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ اسْتَنْبَطَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا أَيَّامَ النِّزَاعِ بَيْنَ عَلِيٍّ ﵁ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ ﵁ أَنَّ السَّلْطَنَةَ وَالْمُلْكَ سَيَكُونَانِ لِمُعَاوِيَةَ، لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ مَقْتُولٌ ظُلْمًا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا الْآيَةَ [١٧ \ ٣٣] ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَهَذَا الِاسْتِنْبَاطُ عَنْهُ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ بِسَنَدِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وَلْنَكْتَفِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ خَوْفَ الْإِطَالَةِ الْمُمِلَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
نَهَى جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنِ اتِّبَاعِ الْإِنْسَانِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: رَأَيْتُ، وَلَمْ يَرَ. وَسَمِعْتُ، وَلَمْ يَسْمَعْ، وَعَلِمْتُ، وَلَمْ يَعْلَمْ. وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ قَوْلٍ بِلَا عِلْمٍ، وَأَنْ يَعْمَلَ الْإِنْسَانُ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَقَدْ أَشَارَ جَلَّ وَعَلَا إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
стр. 1157
[٢ \ ١٦٩] ، وَقَوْلِهِ:
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [٧ \ ٣٣] ، وَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ الْآيَةَ [٤٩ \ ١٢] ، وَقَوْلِهِ: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [١٠ \ ٥٩] ، وَقَوْلِهِ: وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [٥٣ \ ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [٤ \ ١٥٧] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا فِي ذَمِّ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْعِلْمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ - كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» .
تَنْبِيهٌ
أَخَذَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْعَ التَّقْلِيدِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ اتِّبَاعُ غَيْرِ الْعِلْمِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: لَا شَكَّ أَنَّ التَّقْلِيدَ الْأَعْمَى الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الْكُفَّارَ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ تَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ عَلَى مَنْعِهِ، وَكُفْرِ مُتَّبِعِهِ ; كَقَوْلِهِ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [٥ \ ١٠٤] وَقَوْلِهِ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [٥ \ ١٠٤] ، وَقَوْلِهِ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [٣١ \ ٢١] ، وَقَوْلِهِ: أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [٢١ \ ٢٤] ، وَقَوْلِهِ: قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا الْآيَةَ [١٤ \ ١٠] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
أَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ كَابْنِ حَزْمٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْآيَاتِ عَلَى مَنْعِ الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا، وَتَضْلِيلِ الْقَائِلِ بِهِ، وَمَنْعِ التَّقْلِيدِ مِنْ أَصْلِهِ - فَهُوَ مِنْ وَضْعِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَتَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ، كَمَا هُوَ كَثِيرٌ فِي
стр. 1158
الظَّاهِرِيَّةِ ; لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ سُؤَالِ الْجَاهِلِ لِلْعَالِمِ وَعَمَلِهِ بِفُتْيَاهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ الْعَامِّيُّ يَسْأَلُ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُفْتِيهِ فَيَعْمَلُ بِفُتْيَاهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ; كَمَا أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، فَاجْتِهَادُ الْعَالِمِ حِينَئِذٍ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ فِي تَفَهُّمِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ لِيَعْرِفَ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ - لَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ، وَكَانَ جَارِيًا بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَسَنُوضِّحُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَشْرِ» مَسْأَلَةَ الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِ، وَاسْتِنْبَاطِ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ بِإِلْحَاقِهِ بِهِ، قِيَاسًا كَانَ الْإِلْحَاقُ أَوْ غَيْرُهُ، وَنُبَيِّنُ أَدِلَّةَ ذَلِكَ، وَنُوَضِّحُ رَدَّ شُبَهِ الْمُخَالِفِينَ كَالظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِأَحَادِيثَ وَآيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى دَعْوَاهُمْ، وَبِشُبَهٍ عَقْلِيَّةٍ حَتَّى يَتَّضِحَ بُطْلَانُ جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَسَنَذْكُرُ هُنَا طَرَفًا قَلِيلًا مِنْ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِهِ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَأَنَّ إِلْحَاقَ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلشَّرْعِ الْكَرِيمِ.
اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ إِلْحَاقَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا لَا يَكَادُ يُنْكِرُهُ إِلَّا مُكَابِرٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَيُسَمِّيهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ «الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ» وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ لَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ الْقِيَاسِ، مَعَ أَنَّهُ إِلْحَاقُ مَسْكُوتٍ عَنْهُ بِمَنْطُوقٍ بِهِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ; أَعْنِي الْفَرْقَ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [١٧ \ ٢٣] ، فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّأَفُّفِ الْمَنْطُوقِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الضَّرْبِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [٩٩ \ ٧، ٨] فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَيْضًا فِي أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِمِثَالِ الذَّرَّةِ وَالْإِثَابَةِ عَلَيْهِ الْمَنْطُوقُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ، وَالْإِثَابَةِ بِمِثْقَالِ الْجَبَلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ الْآيَةَ [٦٥ \ ٢] ، لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ مَسْكُوتًا عَنْهَا.
وَنَهْيُهُ ﷺ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالْعَوْرَاءِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالْعَمْيَاءِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى الْآيَةَ [٤ \ ١٠] ، لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ
стр. 1159
يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ إِحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ وَإِغْرَاقِهِ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ إِتْلَافٌ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَقَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي أَمَةٍ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ، لِمَا عُرِفَ مِنَ اسْتِقْرَاءِ الشَّرْعِ أَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِتْقِ وَصْفَانِ طَرْدِيَّانِ لَا تَأْثِيرَ لَهُمَا فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ طَرْدِيَّيْنِ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ كَالشَّهَادَةِ وَالْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» ، لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ قَضَاءِ الْحَكَمِ فِي كُلِّ حَالٍ يَحْصُلُ بِهَا التَّشْوِيشُ الْمَانِعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ ; كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ الْمُفْرِطَيْنِ، وَالسُّرُورِ وَالْحُزْنِ الْمُفْرِطَيْنِ، وَالْحَقْنِ وَالْحَقْبِ الْمُفْرِطَيْنِ.
وَنَهْيُهُ ﷺ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي قَارُورَةٍ مَثَلًا، وَصَبِّ الْبَوْلِ مِنَ الْقَارُورَةِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ; إِذْ لَا فَرْقَ يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْبَوْلِ فِيهِ مُبَاشَرَةً وَصَبِّهِ فِيهِ مِنْ قَارُورَةٍ وَنَحْوِهَا، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَ فِيهَا إِلَّا مُكَابِرٌ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ اسْتِدْلَالًا بِمَنْطُوقٍ بِهِ عَلَى مَسْكُوتٍ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ نَوْعُ الِاجْتِهَادِ الْمَعْرُوفُ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ «بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ» لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْكِرَهُ إِلَّا مُكَابِرٌ، وَمَسَائِلُهُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُكَابِرٍ لَا يُحِيطُ بِهَا الْحَصْرُ، وَسَنَذْكُرُ أَمْثِلَةً مِنْهَا ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [٥ \ ٩٥] فَكَوْنُ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ يُمَاثِلُهُ النَّوْعُ الْمُعَيَّنُ مِنَ النَّعَمِ اجْتِهَادٌ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ هَذَا الْحُكْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الِاجْتِهَادَ فِي الشَّرْعِ مُسْتَحِيلًا مِنْ أَصْلِهِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَاجِبٌ، وَتَحْدِيدُ الْقَدْرِ اللَّازِمِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَوْعٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ، وَتَحْدِيدُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اجْتِهَادٍ، وَالزَّكَاةُ لَا تُصْرَفُ إِلَّا فِي مَصْرِفِهَا، كَالْفَقِيرِ وَلَا يُعْلِمُ فَقْرُهُ إِلَّا بِأَمَارَاتٍ ظَنِّيَّةٍ يُجْتَهَدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا بِالْقَرَائِنِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْبَاطِنِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يُحْكَمُ إِلَّا بِقَوْلِ الْعَدْلِ، وَعَدَالَتُهُ إِنَّمَا تُعْلَمُ بِأَمَارَاتٍ ظَنِّيَّةٍ يُجْتَهَدُ فِي مَعْرِفَتِهَا بِقَرَائِنِ الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَطُولِ الْمُعَاشَرَةِ. وَكَذَلِكَ الِاجْتِهَادُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِالْأَمَارَاتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى.
وَمِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاجْتِهَادِ فِي مَسَائِلِ الشَّرْعِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
стр. 1160
يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» .
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي عَقِبِ الْحَدِيثِ: قَالَ يَزِيدُ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مِثْلَ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا. انْتَهَى.
فَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَحُصُولِ الْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ، وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى الظَّاهِرِيَّةِ مَنْعَ الِاجْتِهَادِ مِنْ أَصْلِهِ، وَتَضْلِيلَ فَاعِلِهِ وَالْقَائِلِ بِهِ قَطْعًا بَاتًّا كَمَا تَرَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي حَاكِمٍ عَالِمٍ أَهْلٍ لِلْحُكْمِ ; فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ، وَأَجْرٌ بِإِصَابَتِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يَحْكُمَ فَاجْتَهَدَ. قَالُوا: فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْحُكْمِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ، فَإِنْ حَكَمَ فَلَا أَجْرَ لَهُ بَلْ هُوَ آثِمٌ، وَلَا يَنْعَقِدُ حُكْمُهُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْحَقَّ أَمْ لَا ; لِأَنَّ إِصَابَتَهُ اتِّفَاقِيَّةٌ لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنْ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ، فَهُوَ عَاصٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ سَوَاءٌ وَافَقَ الصَّوَابَ أَمْ لَا، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ كُلُّهَا، وَلَا يُعْذَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي السُّنَنِ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ. قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» انْتَهَى الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: الِاجْتِهَادُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الِاجْتِهَادُ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا صَرْفٌ لِكَلَامِهِ ﷺ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
следующие страницы →