← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَلَوِيُّ الشَّنْقِيطِيُّ فِي (نَشْرِ الْبُنُودِ شَرْحِ مَرَاقِي السُّعُودِ) فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَالْأَنْبِيَاءُ عُصِمُوا مِمَّا نَهَوْا ... عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَفُكُّهٌ بِجَائِزٍ بَلْ ذَاكَ لِلتَّشْرِيعِ ... أَوْ نِيَّةِ الزُّلْفَى مِنَ الرَّفِيعِ مَا نَصُّهُ: فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْمِلَلِ، وَالشَّرَائِعِ كُلِّهَا عَلَى وُجُوبِ عِصْمَتِهِمْ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِيمَا دَلَّ الْمُعْجِزُ الْقَاطِعُ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهِ. كَدَعْوَى الرِّسَالَةِ، وَمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْخَلَائِقِ. وَصُدُورُ الْكَذِبِ عَنْهُمْ فِيمَا ذَكَرَ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا مَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَمَا سِوَى الْكَذِبِ فِي التَّبْلِيغِ. فَإِنْ كَانَ كُفْرًا فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ عَمْدًا. وَمُخَالِفُ الْجُمْهُورِ الْحَشْوِيَّةُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَقِّ: هَلِ الْمَانِعُ لِوُقُوعِ الْكَبَائِرِ مِنْهُمْ عَمْدًا الْعَقْلُ أَوِ السَّمْعُ؟ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَالْعَقْلُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا فَالْمُخْتَارُ الْعِصْمَةُ مِنْهَا. وَأَمَّا الصَّغَائِرُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فَقَدْ جَوَّزَهَا الْجُمْهُورُ عَقْلًا. لَكِنَّهَا لَا تَقَعُ مِنْهُمْ غَيْرُ صَغَائِرَ الْخِسَّةِ فَلَا يَجُوزُ وُقُوعُهَا مِنْهُمْ لَا عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا انْتَهَى مِنْهُ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ: عِصْمَتُهُمْ مِنَ الْكَذِبِ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ وَمِنَ الْكُفْرِ، وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ. وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الصَّغَائِرِ الْأُخْرَى مِنْهُمْ عَقْلًا. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِعْلًا. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» وَفِي الْمُنْتَخَبِ لِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْمُرْسِيِّ مَا مُلَخَّصُهُ: مَنَعَتِ الْأُمَّةُ وُقُوعَ الْكُفْرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِلَّا الْفُضَيْلِيَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ قَالُوا: وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُمْ ذُنُوبٌ، وَالذَّنْبُ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ. وَأَجَازَ الْإِمَامِيَّةُ إِظْهَارَ الْكُفْرِ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ. وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَلَا يَجُوزُ عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا. وَأَجْمَعُوا عَلَى امْتِنَاعِ خَطَئِهِمْ فِي الْفُتْيَا عَمْدًا. وَاخْتَلَفُوا فِي السَّهْوِ. وَأَمَّا أَفْعَالُهُمْ فَقَالَتِ الْحَشَوِيَّةُ: يَجُوزُ وُقُوعُ الْكَبَائِرِ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الْعَمْدِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ: بِجَوَازِ الصَّغَائِرِ عَمْدًا إِلَّا فِي الْقَوْلِ كَالْكَذِبِ. وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: يَمْتَنِعَانِ عَلَيْهِمْ إِلَّا عَلَى جِهَةِ التَّأْوِيلِ. وَقِيلَ: يَمْتَنِعَانِ عَلَيْهِمْ إِلَّا عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ، وَالْخَطَأِ، وَهُمْ مأخُوذُونَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ. وَقَالَتِ الرَّافِضَةُ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ جِهَةٍ. وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْعِصْمَةِ. فَقَالَتِ الرَّافِضَةُ: مِنْ وَقْتِ مَوْلِدِهِمْ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: مِنْ وَقْتِ النُّبُوَّةِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ ذَنْبٌ حَالَةَ النُّبُوَّةِ الْبَتَّةَ لَا الْكَبِيرَةُ، وَلَا الصَّغِيرَةُ. لِأَنَّهُمْ لَوْ صَدَرَ عَنْهُمُ الذَّنْبُ لَكَانُوا أَقَلَّ دَرَجَةٍ مِنْ عُصَاةِ الْأُمَّةِ

стр. 1647

لِعَظِيمِ شَرَفِهِمْ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَلِئَلَّا يَكُونُوا غَيْرَ مَقْبُولِي الشَّهَادَةِ، وَلِئَلَّا يَجِبَ زَجْرُهُمْ وَإِيذَاؤُهُمْ، وَلِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَلِئَلَّا يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقَابِ، ولئِلَّا يَفْعَلُوا ضِدَّ مَا أُمِرُوا بِهِ لِأَنَّهُمْ مُصْطَفَوْنَ، وَلِأَنَّ إِبْلِيسَ اسْتَثْنَاهُمْ فِي الْإِغْوَاءِ. انْتَهَى مَا لَخَّصْنَاهُ مِنْ (الْمُنْتَخَبِ) ، وَالْقَوْلُ فِي الدَّلَائِلِ لِهَذِهِ الْمَذَاهِبِ. وَفِي إِبْطَالِ مَا يَنْبَغِي إِبْطَالُهُ مِنْهَا مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ. انْتَهَى كَلَامُ أَبِي حَيَّانَ. وَحَاصِلُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: عِصْمَتُهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَفِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَتَطْفِيفِ حَبَّةٍ، وَأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الصَّغَائِرِ غَيْرَ صَغَائِرِ الْخِسَّةِ مِنْهُمْ. وَلَكِنَّ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأُصُولِيِّينَ اخْتَارُوا أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ جَازَ عَقْلًا لَمْ يَقَعْ فِعْلًا، وَقَالُوا: إِنَّمَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ أَوْ نِسْيَانًا أَوْ سَهْوًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لَنَا أَنَّهُ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ مَا يُزْرِي بِمَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ، وَمَنَاصِبِهِمُ السَّامِيَةِ. وَلَا يَسْتَوْجِبُ خَطَأً مِنْهُمْ، وَلَا نَقْصًا فِيهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْضُ الذُّنُوبِ لِأَنَّهُمْ يَتَدَارَكُونَ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَصِدْقِ الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ حَتَّى يَنَالُوا بِذَلِكَ أَعْلَى دَرَجَاتِهِمْ فَتَكُونُ بِذَلِكَ دَرَجَاتُهُمْ أَعْلَى مِنْ دَرَجَةِ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [٢٠ \ ١٢١] ،. فَانْظُرْ أَيَّ أَثَرٍ يَبْقَى لِلْعِصْيَانِ وَالْغَيِّ بَعْدَ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَاجْتِبَائِهِ أَيِ: اصْطِفَائِهِ إِيَّاهُ، وَهِدَايَتِهِ لَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ الزَّلَّاتِ يَنَالُ صَاحِبُهَا بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا دَرَجَةً أَعْلَى مِنْ دَرَجَتِهِ قَبْلَ ارْتِكَابِ تِلْكَ الزَّلَّةِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. الِاجْتِبَاءُ: الِاصْطِفَاءُ، وَالِاخْتِيَارُ. أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَا صَدَرَ مِنْ آدَمَ بِمُهْلَةٍ اصْطَفَاهُ رَبُّهُ وَاخْتَارَهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ إِلَى مَا يُرْضِيهِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا السَّبَبَ لِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ تَلَقَّى مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَكَانَتْ سَبَبَ تَوْبَةِ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [٢ \ ٣٧] ، أَيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» : أَنَّ الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةَ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [٧ \ ٢٣] ،

стр. 1648

وَخَيْرُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْقُرْآنُ الْقُرْآنُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. الظَّاهِرُ أَنَّ أَلِفَ الِاثْنَيْنِ فِي قَوْلِهِ اهْبِطَا رَاجِعَةٌ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [٢٠ \ ١٢١] ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى إِبْلِيسَ وَآدَمَ، وَأَمْرُهُ إِيَّاهُمَا بِالْهُبُوطِ مِنَ الْجَنَّةِ الْمَذْكُورِ فِي آيَةِ «طه» هَذِهِ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [٢ \ ٣٦] ، وَقَوْلِهِ فِيهَا أَيْضًا: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢ \ ٣٨] ، وَقَوْلِهِ فِي «الْأَعْرَافِ» : قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [٧ \ ٢٤] ،. وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ سُؤَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ جِيءَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ اهْبِطُوا [٢ \ ٣٦، ٧ ٢٤] ، فِي «الْبَقَرَةِ» وَ «الْأَعْرَافِ» وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي «طه» فِي قَوْلِهِ: اهْبِطَا مَعَ أَنَّهُ أَتْبَعَ صِيغَةَ التَّثْنِيَةِ فِي «طه» بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى وَأَظْهَرُ الْأَجْوِبَةِ عِنْدِي عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ التَّثْنِيَةَ بِاعْتِبَارِ آدَمَ وَحَوَّاءَ فَقَطْ، وَالْجَمْعَ بِاعْتِبَارِهِمَا مَعَ ذُرِّيَّتِهِمَا. خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّثْنِيَةَ بِاعْتِبَارِ آدَمَ وَإِبْلِيسَ، وَالْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا مَعَهُمَا، وَخِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجَمْعَ فِي قَوْلِهِ: اهْبِطُوا مُرَادٌ بِهِ آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ، وَالْحَيَّةُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَيَّةَ لَيْسَتْ مُرَادَّةً فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ يَذْكُرُونَ قِصَّةَ الْحَيَّةِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ قَوَائِمَ أَرْبَعٍ كَالْبُخْتِيَّةِ مِنْ أَحْسَنِ دَابَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنَّ إِبْلِيسَ دَخَلَ فِي فَمِهَا فَأَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ، فَوَسْوَسَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ بَعْدَ أَنْ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الدَّوَابِّ فَلَمْ يُدْخِلْهُ إِلَّا الْحَيَّةُ. فَأُهْبِطَ هُوَ إِلَى الْأَرْضِ وَلُعِنَتْ هِيَ وَرُدَّتْ قَوَائِمُهَا فِي جَوْفِهَا، وَجُعِلَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ، وَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِقَتْلِهَا. وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» جُمَلًا مِنْ أَحْكَامِ قَتْلِ الْحَيَّاتِ. فَذَكَرَ عَنْ سَاكِنَةَ بِنْتِ الْجَعْدِ أَنَّهَا رَوَتْ عَنْ سُرَيَّ بِنْتِ نَبْهَانَ الْغَنَوِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَأَسُوَدِهَا وَأَبْيَضِهَا، وَيُرَغِّبُ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثًا فِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِقَتْلِ حَيَّةٍ فَسَبَقَتْهُمْ إِلَى جُحْرِهَا. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُضْرِمُوا عَلَيْهَا

стр. 1649

نَارًا. وَذَكَرَ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ خَصَّصُوا بِذَلِكَ النَّهْيِ عَنِ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ، وَعَنْ أَنْ يُعَذَّبَ أَحَدٌ بِعَذَابِ اللَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُحْرَقَ الْعَقْرَبُ بِالنَّارِ، وَقَالَ: هُوَ مُثْلَةٌ. وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّابِتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا [٧٧] ، فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً، إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ «اقْتُلُوهَا» ، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا» فَلَمْ يُضْرِمْ نَارًا، وَلَا احْتَالَ فِي قَتْلِهَا، وَأَجَابَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ نَارًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْجُحْرُ بِهَيْئَةٍ يُنْتَفَعُ بِالنَّارِ هُنَاكَ، مَعَ ضَرَرِ الدُّخَانِ وَعَدَمِ وُصُولِهِ إِلَى الْحَيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ مِنَ الْإِرْشَادِ إِلَى دَفْعِ الْمُضِرَّةِ الْمُخَوِّفَةِ مِنَ الْحَيَّاتِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي» ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ لَا تُقْتَلُ حَتَّى تُؤْذَنَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. لِحَدِيثِ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ خَصَّ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهَا لِحَدِيثِ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا» . قَالُوا: وَلَا نَعْلَمُ هَلْ أَسْلَمَ مِنْ جِنِّ غَيْرِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَوْ لَا. قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ الْآيَةَ [٤٦ \ ٢٩] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي دَاعِيَ الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَفِيهِ سَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ» وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي سُورَةِ «الْجِنِّ» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يُقْتَلْ شَيْءٌ مِنْهَا حَتَّى يَخْرُجَ عَلَيْهِ وَيُنْذَرُ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (ثُمَّ قَالَ) : رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زَهْرَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينِ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا

стр. 1650

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنَّنِي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ» فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ. فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يَدْرِي أَيْهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى. قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا: فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» . وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهُمْ فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ وَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ» . ثُمَّ قَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْجَانَّ الَّذِي قَتَلَهُ الْفَتَى كَانَ مُسْلِمًا، وَأَنَّ الْجِنَّ قَتَلَتْهُ بِهِ قِصَاصًا. لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أَنَّ الْقِصَاصَ مَشْرُوعٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْجِنِّ لَكَانَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ، وَهَذَا الْفَتَى لَمْ يَقْصِدْ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ إِذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إِلَى قَتْلِ مَا سُوِّغَ قَتْلُ نَوْعِهِ شَرْعًا، فَهَذَا قَتْلٌ خَطَأٌ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ. فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُفَّارَ الْجِنِّ أَوْ فَسَقَتَهُمْ قَتَلُوا الْفَتَى بِصَاحِبِهِمْ عَدْوًا وَانْتِقَامًا. وَقَدْ قَتَلَتْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁، وَذَلِكَ أَنَّهُ وُجِدَ مَيِّتًا فِي مُغْتَسَلِهِ وَقَدِ اخْضَرَّ جَسَدُهُ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ، وَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا: قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ ... رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ ... فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهُ وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا» لِيُبَيِّنَ طَرِيقًا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَرُّزُ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمْ، وَيَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى قَتْلِ الْكَافِرِ مِنْهُمْ. وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَتَلَتْ جَانًا. فَأُرِيَتْ فِي الْمَنَامِ أَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهَا: لَقَدْ قَتَلْتِ مُسْلِمًا. فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: مَا دَخَلَ عَلَيْكِ إِلَّا وَعَلَيْكِ ثِيَابُكِ. فَأَصْبَحَتْ فَأَمَرَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَجُعِلَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا دَخَلَ عَلَيْكِ إِلَّا وَأَنْتِ مُسْتَتِرَةٌ. فَتَصَدَّقَتْ وَأَعْتَقَتْ رِقَابًا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ: الْجَانُّ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّتِي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا هِيَ الَّتِي تَمْشِي، وَلَا تَلْتَوِي. وَعَنْ عَلْقَمَةَ نَحْوُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ إِنْذَارِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُنْذَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ:

стр. 1651

وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى إِنْذَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَكُونَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: يَكْفِي ثَلَاثَ مِرَارٍ. لِقَوْلِهِ ﷺ : «فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا» ، وَقَوْلُهُ «حَرِّجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا» وَلِأَنَّ ثَلَاثًا لِلْعَدَدِ الْمُؤَنَّثِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. وَقَوْلُ مَالِكٍ أَوْلَى لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ مُقَيِّدٌ لِتِلْكَ الْمُطْلَقَاتِ، وَيَحْمِلُ ثَلَاثًا عَلَى إِرَادَةِ لَيَالِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثِ، فَغَلَّبَ اللَّيْلَةَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي بَابِ التَّارِيخِ، فَإِنَّهَا تَغْلِبُ فِيهَا التَّأْنِيثُ. قَالَ مَالِكٌ: وَيَكْفِي فِي الْإِنْذَارِ أَنْ يَقُولَ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَلَّا تَبْدُوا لَنَا، وَلَا تُؤْذُونَا. وَذَكَرَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ حَيَّاتُ الْبُيُوتِ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فِي مَسَاكِنِكُمْ فَقُولُوا: أَنْشُدُكُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ نُوحٌ ﵇، وَأَنْشُدُكُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ سُلَيْمَانُ ﵇، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا بَعْدُ فَاقْتُلُوهُ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُقَالُ: «أَنْشُدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ ﵇ أَلَّا تُؤْذُونَا، وَلَا تَظْهَرْنَ عَلَيْنَا» انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ مُلَخَّصًا قَرِيبًا مِنْ لَفْظِهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَيَّاتِ فِي الْبُيُوتِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كَالْحَيَّاتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْفَيَافِي، وَأَنَّ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ لَا تُقْتَلُ إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ. وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي عُمُومُ الْإِنْذَارِ فِي الْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِنْذَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا تَكْفِي ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ. وَأَنَّ الْأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ يُقْتَلَانِ فِي الْبُيُوتِ بِلَا إِنْذَارٍ. لِمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: إِنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنْهُنَّ (يُرِيدُ عَوَامِرَ الْبُيُوتِ) وَأُمِرَ بِقَتْلِ الْأَبْتَرِ وَذِي الطُّفْيَتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ: «لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلَّا كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ، وَيُذْهِبُ الْبَصَرَ فَاقْتُلُوهُ» . وَالدَّلِيلُ عَلَى قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَإِنْذَارِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، وَالْأَبْتَرَ. فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَهَا فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهِيَ الْعَوَامِرُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ

стр. 1652

الْخَطَّابِ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَقَالَ صَالِحٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَابْنُ مُجَمَّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةُ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ اهـ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ، وَالْأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ وَيَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ» قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ وَجَدَهَا. فَأَبْصَرَهُ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُطَارِدُ حَيَّةً فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ. ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَفِي كُلِّهَا التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ يَعْنِي إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ ثَلَاثًا. وَعَنْ مَالِكٍ: يُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا بِالْمَسَاجِدِ. وَقَوْلُهُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ» هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ. وَأَصْلُ الطُّفْيَةِ خُوصَةُ الْمُقَلِ وَهُوَ شَجَرُ الدَّوْمِ. وَقِيلَ: الْمُقَلُ ثَمَرُ شَجَرِ الدَّوْمِ. وَجَمْعُهَا طُفَى بِضَمٍّ فَفَتَحَ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْمُرَادُ بِالطُّفْيَتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ: خَطَّانِ أَبْيَضَانِ. وَقِيلَ: أَسْوَدَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، يُشْبِهَانِ فِي صُورَتِهَا خُوصَ الْمُقَلِ الْمَذْكُورَ. وَالْأَبْتَرُ: قَصِيرُ الذَّنَبِ مِنَ الْحَيَّاتِ: وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: هُوَ صِنْفٌ مِنَ الْحَيَّاتِ أَزْرَقٌ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ، لَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ حَامِلٌ إِلَّا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ الْأَفْعَى الَّتِي تَكُونُ قَدْرَ شِبْرٍ أَوْ أَكْثَرَ قَلِيلًا وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «يَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ» مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحَامِلَ إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِمَا وَخَافَتْ أَسْقَطَتْ جَنِينَهَا غَالِبًا. وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِسْقَاطَ الْحَبَلِ الْمَذْكُورَ خَاصِّيَّةٌ فِيهِمَا مِنْ سُمِّهِمَا. وَالْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى «يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ» أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيهِمَا مِنْ شِدَّةٍ سُمِّهِمَا خَاصِّيَّةً يَخْطِفَانِ بِهَا الْبَصَرَ، وَيَطْمِسَانِهِ بِهَا بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمَا إِلَيْهِ. وَالْقَوْلُ: بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ الْبَصَرَ بِاللَّسْعِ، وَالنَّهْشِ ضَعِيفٌ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ» يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِهَا. لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الْقَرَائِنِ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ الْقَتْلِ الْمَذْكُورِ لِلنَّدْبِ، وَالِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [٢٠ \ ١٢٣] ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْأَظْهَرُ. فَالْمَعْنَى: أَنَّ بَعْضَ بَنِي آدَمَ عَدُوٌّ لِبَعْضِهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [٦ \ ٦٥] ، وَنَحْوَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ

стр. 1653

بِقَوْلِهِ اهْبِطَا آدَمُ وَإِبْلِيسُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ أَعْدَاءٌ لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [١٨ \ ٥٠] ، وَنَحْوَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ: مِنْ إِحْرَاقِ الْحَيَّةِ بِالنَّارِ لَمْ يَثْبُتْ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْتَلَ بِالنَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ غَيْرَ الْأَبْتَرِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الَّتِي قَدَّمْنَا عَنْ أَبِي لُبَابَةَ: «لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلَّا كُلَّ أَبْتَرٍ ذِي طُفْيَتَيْنِ» يَقْتَضِي أَنَّهُمَا وَاحِدٌ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ أَجَابَ عَنْ هَذَا. بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَذْكُورَةَ ظَاهِرُهَا اتِّحَادُهُمَا، وَلَكِنَّهَا لَا تَنْفِي الْمُغَايَرَةَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِأَنَّهَا لَا تَنْفِي الْمُغَايَرَةَ: أَنَّ الْأَبْتَرَ وَإِنْ كَانَ ذَا طُفْيَتَيْنِ فَلَا يُنَافِي وُجُودَ ذِي طُفْيَتَيْنِ غَيْرَ الْأَبْتَرِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ لِبَنِي آدَمَ. أَيْ: فَإِنْ يَأْتِكُمْ مِنِّي هُدًى أَيْ: رَسُولٌ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ، وَكِتَابٌ يَأْتِي بِهِ رَسُولٌ، فَمَنِ اتَّبَعَ مِنْكُمْ هُدَايَ أَيْ: مَنْ آمَنَ بِرُسُلِي وَصَدَّقَ بِكُتُبِي، وَامْتَثَلَ مَا أَمَرْتُ بِهِ، وَاجْتَنَبَ مَا نَهَيْتُ عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِي. فَإِنَّهُ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا، أَيْ: لَا يَزِيغُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ لِاسْتِمْسَاكِهِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا عَامِلًا بِمَا يَسْتَوْجِبُ السَّعَادَةَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَةِ رُسُلِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ هُنَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ فِي «الْبَقَرَةِ» : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الْآيَةَ ٣٨] ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ أَبَوَيْنَا مِنَ الْجَنَّةِ لَا يَرُدُّ إِلَيْهِمَا أَحَدًا مِنَّا إِلَّا بَعْدَ الِابْتِلَاءِ، وَالِامْتِحَانِ بِالتَّكَالِيفِ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، ثُمَّ يُطِيعُ اللَّهَ فِيمَا ابْتَلَاهُ بِهِ. كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا الْآيَةَ [١٣ \ ٥٧] الْآيَاتُ الْمُوَضَّحَةُ نَتَائِجَ الْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الْوَخِيمَةِ. فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ مِنْهَا الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ. وَاعْلَمْ

стр. 1654

أَنَّ الضَّنْكَ فِي اللُّغَةِ: الضِّيقُ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: إِنْ يَلْحَقُوا أَكْرُرْ وَإِنْ يَسْتَلْحِمُوا ... أَشْدُدْ وَإِنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أَنْزِلُ وَقَوْلُهُ أَيْضًا: إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثْلِي إِذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ الْمَنْزِلِ وَأَصْلُ الضَّنْكِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ، وَالْمُؤَنَّثُ، وَالْمُفْرَدُ، وَالْجَمْعُ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ مَعِيشَةً ضَنْكًا أَيْ: عَيْشًا ضَيِّقًا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْعَيْشِ الضَّيِّقِ عَلَى أَقْوَالٍ مُتَقَارِبَةٍ، لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا: أَنَّ الْأَوْلَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ شُمُولَ الْآيَةِ لِجَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ. وَمِنَ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَعَ الدِّينِ التَّسْلِيمَ، وَالْقَنَاعَةَ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ، وَالرِّضَا بِقِسْمَتِهِ فَصَاحِبُهُ يُنْفِقُ مِمَّا رَزَقَهُ اللَّهُ بِسَمَاحٍ وَسُهُولَةٍ، فَيَعِيشُ عَيْشًا هَنِيئًا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً الْآيَةَ [١٦ \ ٩٧] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى الْآيَةَ [١١ \ ٣] كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأَمَّا الْمُعْرِضُ عَنِ الدِّينِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْحِرْصُ الَّذِي لَا يَزَالُ يَطْمَحُ بِهِ إِلَى الِازْدِيَادِ مِنَ الدُّنْيَا مُسَلِّطٌ عَلَيْهِ الشُّحَّ الَّذِي يَقْبِضُ يَدَهُ عَنِ الْإِنْفَاقِ، فَعَيْشُهُ ضَنْكٌ، وَحَالُهُ مُظْلِمَةٌ. وَمِنَ الْكَفَرَةِ مَنْ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ، وَالْمَسْكَنَةَ بِسَبَبِ كُفْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ الْآيَاتِ [٢ \ ٦١] . وَذَلِكَ مِنَ الْعَيْشِ الضَّنْكِ بِسَبَبِ الْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا الْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَأَطَاعُوهُ تَعَالَى أَنَّ عَيْشَهُمْ يَصِيرُ وَاسِعًا رَغْدًا لَا ضَنْكًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ الْآيَةَ [٥ \ ٦٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [٧ \ ٩٦] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [٧١ \ ١٠ - ١٢] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ هُودٍ: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ الْآيَةَ [١١ \ ٥٢]

стр. 1655

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ الْآيَةَ [٧٢ \ ١٦ - ١٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ: هِيَ طَعَامُ الضَّرِيعِ، وَالزَّقُّومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ الْآيَةَ [٨٨ \ ٦] وَقَوْلِهِ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ الْآيَةَ [٤٤ \ ٤٣ - ٤٤] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ: الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ: الْكَسْبُ الْحَرَامُ، وَالْعَمَلُ السَّيِّئُ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ: عَذَابُ الْقَبْرِ وَضَغْطَتُهُ. وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ فِي قَوْلِهِ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [١٤ \ ٢٧] ،. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ فِي الْآيَةِ: عَذَابُ الْقَبْرِ. وَبَعْضُ طُرُقِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ شُمُولُ الْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ لِمَعِيشَتِهِ فِي الدُّنْيَا. وَطَعَامِ الضَّرِيعِ، وَالزَّقُّومِ. فَتَكُونُ مَعِيشَتَهُ ضَنْكًا فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْآخِرَةِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ يَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حَالِ كَوْنِهِ أَعْمَى. قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالسُّدِّيُّ: أَعْمَى أَيْ: لَا حُجَّةَ لَهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: عَمِيَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا جَهَنَّمَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ: أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ قَوْلًا، وَيَكُونُ فِي نَفْسِ الْآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ الْقَوْلِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ. فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى خِلَافِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَأَبِي صَالِحٍ، وَعِكْرِمَةَ. وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَعْمَى أَيْ: أَعْمَى الْبَصَرِ لَا يَرَى شَيْئًا. وَالْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [٢٠ \ ١٢٥] ، فَصَرَّحَ بِأَنَّ عَمَاهُ هُوَ الْعَمَى الْمُقَابِلُ لِلْبَصَرِ وَهُوَ بَصَرُ الْعَيْنِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَعْمَى الْقَلْبِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ زَادَ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ الْعَمَى يُحْشَرُ أَصَمَّ أَبْكَمَ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1656

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [١٧ \ ٩٧] . تَنْبِيهٌ فِي آيَةِ " طه " هَذِهِ وَآيَةِ " الْإِسْرَاءِ " الْمَذْكُورَتَيْنِ إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قَدْ دَلَّتَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، وَزَادَتْ آيَةُ " الْإِسْرَاءِ " أَنَّهُ يُحْشَرُ أَبْكَمَ أَصَمَّ أَيْضًا، مَعَ أَنَّهُ دَلَّتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُبْصِرُونَ وَيَسْمَعُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا الْآيَةَ [١٩ \ ٣٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا الْآيَةَ [١٨ \ ٥٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا الْآيَةَ [٣٢ \ ١٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا (دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) الْجَوَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: وَاسْتَظْهَرَهُ أَبُو حَيَّانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْعَمَى، وَالصَّمَمِ، وَالْبَكَمِ حَقِيقَتُهُ. وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ أَبْصَارَهُمْ وَنُطْقَهُمْ وَسَمْعَهُمْ فَيَرَوْنَ النَّارَ وَيَسْمَعُونَ زَفِيرَهَا، وَيَنْطِقُونَ بِمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، وَلَا يَسْمَعُونَ كَذَلِكَ، وَلَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، كَمَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَبْصِرُونَ، وَلَا يَنْطِقُونَ بِالْحَقِّ، وَلَا يَسْمَعُونَهُ. وَأَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ نَزَلَ مَا يَقُولُونَهُ وَيَسْمَعُونَهُ وَيُبْصِرُونَهُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. كَمَا أَوْضَحْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ لَا شَيْءَ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي الْمُنَافِقِينَ: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ الْآيَةَ [٢ \ ١٨] مَعَ أَنَّهُ يَقُولُ فِيهِمْ: فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ [٣٣ \ ١٩] ، وَيَقُولُ فِيهِمْ: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [٦٣ \ ٤] ، أَيْ: لِفَصَاحَتِهِمْ وَحَلَاوَةِ أَلْسِنَتِهِمْ. وَيَقُولُ فِيهِمْ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ [٢ \ ٢٠] ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ الْكَلَامَ وَنَحْوَهُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَلَا شَيْءٍ: فَيَصْدُقُ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْمَى وَأَصَمُّ وَأَبْكَمُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ قَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صَاحِبٍ: صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ... وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا

стр. 1657

وَقَوْلُ الْآخَرِ: أَصَمُّ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا أُرِيدُهُ ... وَأَسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ وَقَوْلُ الْآخَرِ: قُلْ مَا بَدَا لَكَ مِنْ زُورٍ وَمِنْ كَذِبِ ... حِلْمِي أَصَمُّ وَأُذْنِي غَيْرُ صَمَّاءَ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ إِطْلَاقِ الصَّمَمِ عَلَى السَّمَاعِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَالرُّؤْيَةُ الَّتِي لَا فَائِدَةَ فِيهَا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ إِذَا قَالَ لَهُمْ: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [٢٣ \ ١٠٨] وَقَعَ بِهِمْ ذَلِكَ الْعَمَى، وَالصَّمَمُ، وَالْبَكَمُ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ، وَالْيَأْسِ مِنَ الْفَرَجِ، قَالَ تَعَالَى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ [٢٧ \ ٨٥] ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْأَحْوَالُ الْخَمْسَةُ مُقَدَّرَةً، أَعْنِي قَوْلَهُ فِي " طه ": وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [٢٠ \ ١٢٥] ، وَقَوْلُهُ فِيهَا: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَوْلُهُ فِي " الْإِسْرَاءِ: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [١٧ \ ٩٧] ، وَأَظْهَرُهَا عِنْدِي الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [٢٠ \ ١٢٦] مِنَ النِّسْيَانِ بِمَعْنَى التَّرْكِ عَمْدًا كَمَا قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا. [٢٠ \ ١١٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ. ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ يُجَازِي الْمُسْرِفِينَ ذَلِكَ الْجَزَاءَ الْمَذْكُورَ. وَقَدْ دَلَّ مَسْلَكَ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْجَزَاءَ لِعِلَّةِ إِسْرَافِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الطُّغْيَانِ وَالْمَعَاصِي، وَبَيَّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ جَزَاءَ الْإِسْرَافِ النَّارُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [٤٠ \ ٤٣] ، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُنِيبُوا إِلَى اللَّهِ وَيَتُوبُوا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ الْآيَةَ [٣٩ \ ٥٢ - ٥٤] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى.

стр. 1658

ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى. أَيْ: أَشَدُّ أَلَمًا وَأَدْوَمُ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ الَّتِي هِيَ عَذَابُ الْقَبْرِ. وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [١٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [٤١ \ ١٦] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [٦٨ \ ٣٣] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ. تَقَدَّمَ بَعْضُ الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةِ لَهُ فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» وَسَيَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى. أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ اقْتَرَحُوا - عَلَى عَادَتِهِمْ فِي التَّعَنُّتِ - آيَةً عَلَى النُّبُوَّةِ كَالْعَصَا وَالْيَدِ مِنْ آيَاتِ مُوسَى، وَكَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَاقْتِرَاحِهِمْ لِذَلِكَ بِحَرْفِ التَّحْضِيضِ الدَّالِّ عَلَى شِدَّةِ الْحَضِّ فِي طَلَبِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا يَأْتِينَا [٢٠ \ ١٣٨] ، أَيْ: هَلَّا يَأْتِينَا مُحَمَّدٌ بِآيَةٍ: كَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَا مُوسَى، أَيْ: نَطْلُبُ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَضٍّ وَحَثٍّ. فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى [٢٠ \ ١٣٣] وَهِيَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ؛ لِأَنَّهُ آيَةٌ هِيَ أَعْظَمُ الْآيَاتِ وَأَدَلُّهَا عَلَى الْإِعْجَازِ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِأَنَّهُ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى صِحَّةِ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِدْقِهَا وَصِحَّتِهَا: كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [٥ \ ٤٨] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٣ \ ٩٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي هُوَ الْأَظْهَرُ أَوْضَحَهُ - جَلَّ وَعَلَا - فِي سُورَةِ «الْعَنْكَبُوتِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [٢٩ - ٥١] فَقَوْلُهُ فِي «الْعَنْكَبُوتِ» : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [٢٩ \ ٥١] هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي «طه» :

стр. 1659

أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى كَمَا أَوْضَحْنَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أُوتِيَ مَا آمَنَ الْبَشَرُ عَلَى مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى. قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» أَنَّ آيَةَ «طه» هَذِهِ تُشِيرُ إِلَى مَعْنَاهَا آيَةُ «الْقَصَصِ» الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [٢٨ \ ٤٧] ، وَأَنَّ تِلْكَ الْحُجَّةَ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا لَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [٤ \ ١٦٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا. أَمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - نَبِيَّهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنْ يَقُولَ لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الْآيَاتِ عِنَادًا وَتَعَنُّتًا: كُلٌّ مِنَّا وَمِنْكُمْ مُتَرَبِّصٌ، أَيْ: مُنْتَظِرٌ مَا يَحِلُّ بِالْآخَرِ مِنَ الدَّوَائِرِ، كَالْمَوْتِ، وَالْغَلَبَةِ. وَقَدْ أَوْضَحَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ مَا يَنْتَظِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُ خَيْرٌ، بِعَكْسِ مَا يَنْتَظِرُهُ وَيَتَرَبَّصُ الْكُفَّارُ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [٩ \ ٥٢] ، وَقَوْلِهِ: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ الْآيَةَ [٩ \ ٩٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالتَّرَبُّصُ: الِانْتِظَارُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى. ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ سَيَعْلَمُونَ فِي ثَانِي حَالٍ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى. أَيْ: وُفِّقَ لِطَرِيقِ الصَّوَابِ، وَالدَّيْمُومَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ. وَالْمَعْنَى: سَيَتَّضِحُ لَكُمْ أَنَّا مُهْتَدُونَ، وَأَنَّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَأَنَّكُمْ عَلَى ضَلَالٍ وَبَاطِلٍ. وَهَذَا يَظْهَرُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا عَايَنُوا الْحَقِيقَةَ، وَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَوْنَهُ مَنْ نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ .

стр. 1660

وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [٢٥ \ ٤٢] ، وَقَوْلِهِ: سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [٥٤ \ ٢٦] وَقَوْلِهِ: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [٣٨ \ ٨٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالصِّرَاطُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ. وَالسَّوِيُّ: الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ وَ «مَنْ» فِي قَوْلِهِ مَنْ أَصْحَابُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هِيَ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ «تَعْلَمُونَ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الْعِلْمِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي «مَرْيَمَ» ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 1661

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «النَّحْلِ» فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ أَخْفَوُا النَّجْوَى فِيمَا بَيْنَهُمْ، قَائِلِينَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا هُوَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ؟ وَالنَّجْوَى: الْإِسْرَارُ بِالْكَلَامِ وَإِخْفَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ. وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ دَعْوَاهُمْ أَنَّ بَشَرًا مِثْلَهُمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، وَتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [١٧ \ ٩٤] وَقَوْلِهِ: فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ الْآيَةَ [٦٤ \ ٦] وَقَوْلِهِ: أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ [٥٤ \ ٢٤] وَقَوْلِهِ: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [٢ ٣ \ ٣٣ - ٣٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ الْآيَةَ [٢٥ \ ٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا الْآيَةَ [١٤ \ ١٠] . وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ. وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةَ الَّتِي هِيَ مَنْعُ إِرْسَالِ الْبَشَرِ، كَقَوْلِهِ هُنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [٢١ \ ٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً الْآيَةَ [١٣ \ ٣٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ

стр. 1662

وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ [٢٥ \ ٢٠] وَقَوْلُهُ هُنَا: وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [٢١ \ ٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَجُمْلَةُ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قِيلَ: بَدَلٌ مِنَ «النَّجْوَى» . أَيْ: أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّتِي هِيَ هَذَا الْحَدِيثُ الْخَفِيُّ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُمْ: هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. وَصَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ لِلنَّجْوَى. لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْخَفِيِّ. أَيْ: قَالُوا فِي خُفْيَةٍ: هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. وَقِيلَ: مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: قَالُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَهُوَ أَظْهَرُهَا؛ لِاطِّرَادِ حَذْفِ الْقَوْلِ مَعَ بَقَاءِ مَقُولِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أَوْجُهٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْإِعْرَابِ مَعْرُوفَةٌ، وَأَظْهَرُهَا عِنْدِي أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: وَأَسَرُّوا بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ بَدَلَ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [٣ \ ٩٧] ،. فَقَوْلُهُ مَنْ بَدَلٌ مِنْ «النَّاسِ» : بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَهِيَ مُخَصِّصَةٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَا عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. كَمَا قَدَّمْنَا هَذَا فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ. إِعْرَابُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ جَارٍ مَجْرَى إِعْرَابِ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، الَّتِي هِيَ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ سِحْرٌ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الزَّعْمِ الْبَاطِلِ أَنْكَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِتْيَانَ السِّحْرِ وَهُمْ يُبْصِرُونَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ تَصْدِيقَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: لَا يُمْكِنُ أَنْ نُصَدِّقَكَ وَنَتَّبِعَكَ، وَنَحْنُ نُبْصِرُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ. وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ ﷺ سِحْرٌ، كَقَوْلِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [٧٤ \ ٢٤] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [٥١ \ ٥٢] . وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ سِحْرٌ بِقَوْلِهِ هُنَا: قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [٢١ \ ٤] يَعْنِي أَنَّ الَّذِي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الَّذِي هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، الْمُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَكَوْنُ مَنْ أَنْزَلَهُ هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ صِدْقِهِ فِي الْأَخْبَارِ وَعَدْلِهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَسَلَامَتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ، وَالنَّقَائِصِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ. وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [٢٥ \ ٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1663

لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [٤ \ ١٦٦] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ بِأَلِفٍ بَعْدِ الْقَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ قُلْ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ. الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِضْرَابَ فِي قَوْلِهِ هُنَا: بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ [٢١ \ ٥] إِلَخْ، إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ لَا إِبْطَالِيٌّ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ كُلَّهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي حَكَاهَا اللَّهُ عَنْهُمْ صَدَرَتْ مِنْ طَائِفَةٍ مُتَّفِقَةٍ لَا يَثْبُتُونَ عَلَى قَوْلٍ، بَلْ تَارَةً يَقُولُونَ هُوَ سَاحِرٌ، وَتَارَةً شَاعِرٌ، وَهَكَذَا؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لَا يَثْبُتُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ قَالَتْهُ طَائِفَةٌ، كَمَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إِلَى هَذَا فِي سُورَةِ «الْحِجْرِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [١٥ \ ٩١] ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةَ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَرَدِّهِ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ شَاعِرٌ أَوْ كَاهِنٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [٦٩ \ ٤١ - ٤٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [٣٦] ، وَقَوْلِهِ فِي رَدِّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ افْتَرَاهُ: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [١٠ \ ٣٧ - ٣٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [١١ \ ١٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [١٢ \ ١١١] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَكَقَوْلِهِ فِي رَدِّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ كَاهِنٌ أَوْ مَجْنُونٌ: فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [٥٢ \ ٢٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [٨١ \ ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ

стр. 1664

[٣٤ \ ٤٦] وَقَوْلِهِ: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [٢٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ إِبْطَالَ كُلِّ مَا ادَّعَوْهُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَالْقُرْآنِ. وَقَوْلُهُ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ [٢١ \ ٥] أَيْ: أَخْلَاطٌ كَالْأَحْلَامِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَرَاهَا النَّائِمُ وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَحَادِيثُ طسم أَوْ سَرَابٌ بِفَدْفَدِ ... تَرَقْرَقَ لِلسَّارِي وَأَضْغَاثُ حَالِمِ وَعَنِ الْيَزِيدِيِّ: الْأَضْغَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ. ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ اقْتَرَحُوا عَلَى نَبِيِّنَا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ كَآيَاتِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ؛ نَحْوِ نَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَى مُوسَى، وَرِيحِ سُلَيْمَانَ، وَإِحْيَاءِ عِيسَى لِلْأَمْوَاتِ، وَإِبْرَائِهِ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِيضَاحُ وَجْهِ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ هُوَ أَنَّهُ فِي مَعْنَى: كَمَا أَتَى الْأَوَّلُونَ بِالْآيَاتِ؛ لِأَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِتْيَانِ بِالْآيَاتِ. فَقَوْلُكَ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْمُعْجِزَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا لَوْ جَاءَتْهُمْ مَا آمَنُوا، وَأَنَّهَا لَوْ جَاءَتْهُمْ وَتَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مُسْتَأْصِلٍ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ صَالِحٍ لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا الْآيَةَ [١٧ \ ٥٩] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ [٦ \ ١٠٩] . وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ هُنَا فِي قَوْلِهِ: مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [٢١ \ ٦] يَعْنِي أَنَّ الْأُمَمَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا الْآيَاتِ مِنْ قَبْلِهِمْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِمَا اقْتَرَحُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، بَلْ تَمَادَوْا فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَأَنْتُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ عُتُوًّا وَعِنَادًا. فَلَوْ جَاءَكُمْ مَا اقْتَرَحْتُمْ مَا آمَنْتُمْ، فَهَلَكْتُمْ كَمَا هَلَكُوا. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [١٠ \ ٩٦ - ٩٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَبَيِّنَ أَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ هِيَ أَعْظَمُ الْآيَاتِ، فَيَسْتَحِقُّ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِهَا التَّقْرِيعَ وَالتَّوْبِيخَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ الْآيَةَ [٢٩ - ٥١] . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي

стр. 1665

الصُّحُفِ الْأُولَى [٢٠ \ ١٣٣] وَقَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا إِلَى قَوْلِهِ: وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [٢١ \ ٨] ، قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ. بَيِّنَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إِلَى الْأُمَمِ فَكَذَّبُوهُمْ، وَأَنَّهُ وَعَدَ الرُّسُلَ بِأَنَّ لَهُمُ النَّصْرَ وَالْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ، وَأَنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ ذَلِكَ الْوَعْدَ فَأَنْجَاهُمْ. وَأَنْجَى مَعَهُمْ مَا شَاءَ أَنْ يُنْجِيَهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ أُمَمِهِمْ، وَأَهْلَكَ الْمُسْرِفِينَ وَهُمُ الْكُفَّارُ الْمُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [١٢ \ ١١ ٠] وَقَوْلِهِ: فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [١٤ \ ٤٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [١٤ \ ١٣ - ١٤] وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [٣٧ \ ١٧١ - ١٧٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا الْآيَةَ [١١ \ ٥٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا الْآيَةَ [١١ \ ٦٦] وَقَوْلِهِ: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [١١ \ ٩٤] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ «صَدَقَ» تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا وَبِالْحَرْفِ، تَقُولُ: صَدَقْتُهُ الْوَعْدَ، وَصَدَقْتُهُ فِي الْوَعْدِ، كَقَوْلِهِ هُنَا: ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ [٢١ \ ٩] وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [٣ \ ١٥٢] فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: «صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ كَقَوْلِهِ: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا» - لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْإِسْرَافُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْمَعَاصِي كَالْكُفْرِ، وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُ الْمُسْرِفِينَ عَلَى الْكُفَّارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ. «وَكَمْ» هُنَا لِلْإِخْبَارِ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأَنَّهَا مَفْعُولُ «قَصَمْنَا» أَيْ: قَصَمْنَا كَثِيرًا مِنَ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ ظَالِمَةً، وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ هُنَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ

стр. 1666

الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [١٧ \ ١٧] وَقَوْلِهِ: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا الْآيَةَ [٢٢ \ ٤٥] وَقَوْلِهِ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا [٦٥ \ ٨ - ٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَكَمْ قَصَمْنَا أَصْلُ الْقَصْمِ: أَفْظَعُ الْكَسْرِ؛ لِأَنَّهُ الْكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلَاؤُمَ الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْفَصْمِ - بِالْفَاءِ - فَهُوَ كَسْرٌ لَا يُبَيِّنُ تَلَاؤُمَ الْأَجْزَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَصْمِ فِي الْآيَةِ: الْإِهْلَاكُ الشَّدِيدُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ «الْحِجْرِ» فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ الْآيَةَ [٢١ \ ١٨] . قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذَا، قَدْ قَدَّمْنَا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مَا يُبَيِّنُهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - قَالُوا عَلَيْهِ: إِنَّهُ اتَّخَذَ وَلَدًا. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بَيَانًا شَافِيًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَبَيَّنَ هُنَا بُطْلَانَ مَا ادَّعَوْهُ عَلَى رَبِّهِمْ مِنِ اتِّخَاذِ الْأَوْلَادِ - وَهُمْ فِي زَعْمِهِمُ الْمَلَائِكَةُ - بِحَرْفِ الْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ الَّذِي هُوَ «بَلْ» مُبَيِّنًا أَنَّهُمْ عِبَادُهُ الْمُكْرَمُونَ، وَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لِسَيِّدِهِ. ثُمَّ أَثْنَى عَلَى مَلَائِكَتِهِ بِأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَ رَبَّهُمْ بِالْقَوْلِ، أَيْ: لَا يَقُولُونَ إِلَّا مَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوهُ لِشِدَّةِ طَاعَتِهِمْ لَهُ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَبِيدُهُ وَمِلْكُهُ، وَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لِسَيِّدِهِ، أَشَارَ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ فِي «الْبَقَرَةِ» : وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [٢ \ ١١٦] وَقَوْلِهِ فِي «النِّسَاءِ» : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [٤ \ ١٧١] أَيْ: وَالْمَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُنَافِي الْوَلَدِيَّةَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ سِوَاهُ إِلَّا

стр. 1667

وَهُوَ مِلْكٌ لَهُ - جَلَّ وَعَلَا -. وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ عَلَى مَلَائِكَتِهِ - عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ - بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى. عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [٦٦ \ ٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [٨٢ \ ١٠ - ١٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [٢١ \ ١٩ - ٢٠] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. مَسْأَلَةٌ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَمْثَالِهَا فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْأَبَ إِذَا مَلَكَ ابْنَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. فَنَفَى اللَّهُ تِلْكَ الدَّعْوَى بِأَنَّهُمْ عِبَادُهُ وَمِلْكُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُنَافَاةِ الْمِلْكِ لِلْوَلَدِيَّةِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [٢١ \ ٢٦] وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مَعَ كَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ لَوِ ادَّعَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ لَهُ الْحَقَّ فِي صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ إِلَيْهِ لَكَانَ مُشْرِكًا، وَكَانَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَصِحُّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَلَا يَقَعُ، فَقَوْلُهُ: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ الْآيَةَ [٤٣ \ ٨١] وَقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [٢١ \ ٢٢] وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ أَمْرِ الشِّرْكِ. وَهَذَا الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ - جَلَّ وَعَلَا - هُنَا فِي شَأْنِ الْمَلَائِكَةِ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي شَأْنِ الرُّسُلِ، عَلَى الْجَمِيعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [٣٩ \ ٦٥] وَلَمَّا ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ [٦ \ ٨٤] إِلَى آخَرِ مَنْ ذَكَرَ مِنْهُمْ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [٦ \ ٨٨] .

стр. 1668

وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ الْآيَةَ [٢١ \ ٢٩] دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ الْخَالِصَةَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ شَيْءٌ مِنْهَا لِأَحَدٍ وَلَوْ مَلِكًا مُقَرَّبًا، أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [٣ \ ٧٩ - ٨٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِسَيِّدِ الْخَلْقِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [٣ \ ٦٤] . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا. قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ مَا عَدَا ابْنَ كَثِيرٍ «أَوَلَمْ يَرَ» بِوَاوٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ «أَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا» بِدُونِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ مَكَّةَ. وَالِاسْتِفْهَامُ لِتَوْبِيخِ الْكُفَّارِ وَتَقْرِيعِهِمْ، حَيْثُ يُشَاهِدُونَ غَرَائِبَ صُنْعِ اللَّهِ وَعَجَائِبَهُ، وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مَا لَا يَنْفَعُ مَنْ عَبَدَهُ، وَلَا يَضُرُّ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ: كَانَتَا التَّثْنِيَةُ بِاعْتِبَارِ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا نَوْعُ السَّمَاءِ وَنَوْعُ الْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا [٣٥ \ ٤١] وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةَ: أَلَمْ يُحْزِنْكَ أَنَّ جِبَالَ قِيسٍ ... وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعًا وَالرَّتْقُ مَصْدَرُ رَتَقَهُ رَتْقًا: إِذَا سَدَّهُ. وَمِنْهُ الرَّتْقَاءُ، وَهِيَ الَّتِي انْسَدَّ فَرْجُهَا، وَلَكِنَّ الْمَصْدَرَ وُصِفَ بِهِ هُنَا، وَلِذَا أَفْرَدَهُ وَلَمْ يَقُلْ كَانَتَا رَتْقَيْنِ. وَالْفَتْقُ: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْمُتَّصِلَيْنِ، فَهُوَ ضِدُّ الرَّتْقِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: يَهُونُ عَلَيْهِمْ إِذَا يَغْضَبُو ... نَ سُخْطُ الْعِدَاةِ وَإِرْغَامُهَا وَرَتْقُ الْفُتُوقِ وَفَتْقُ الرُّتُوقِ ... وَنَقْضُ الْأُمُورِ وَإِبْرَامُهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالرَّتْقِ وَالْفَتْقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ، بَعْضُهَا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا تَدُلُّ لَهُ قَرَائِنُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ:

стр. 1669

الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَى كَانَتَا رَتْقًا أَيْ: كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مُتَلَاصِقَةً بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، فَفَتَقَهَا اللَّهُ وَفَصَلَ بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَرَفَعَ السَّمَاءَ إِلَى مَكَانِهَا، وَأَقَرَّ الْأَرْضَ فِي مَكَانِهَا، وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْهَوَاءِ الَّذِي بَيْنَهُمَا كَمَا تَرَى. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ كَانَتْ رَتْقًا، أَيْ: مُتَلَاصِقَةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَفَتَقَهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، كُلُّ اثْنَتَيْنِ مِنْهَا بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، وَالْأَرَضُونَ كَذَلِكَ كَانَتْ رَتْقًا فَفَتَقَهَا، وَجَعَلَهَا سَبْعًا بَعْضُهَا مُنْفَصِلٌ عَنْ بَعْضٍ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى كَانَتَا رَتْقًا أَنَّ السَّمَاءَ كَانَتْ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا مَطَرٌ، وَالْأَرْضُ كَانَتْ لَا يَنْبُتُ فِيهَا نَبَاتٌ، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ، وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: كَانَتَا رَتْقًا أَيْ: فِي ظُلْمَةٍ لَا يُرَى مِنْ شِدَّتِهَا شَيْءٌ، فَفَتَقَهُمَا اللَّهُ بِالنُّورِ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. الْخَامِسُ: - وَهُوَ أَبْعَدُهَا لِظُهُورِ سُقُوطِهِ - أَنَّ الرَّتْقَ يُرَادُ بِهِ الْعَدَمُ، وَالْفَتْقُ يُرَادُ بِهِ الْإِيجَادُ، أَيْ: كَانَتَا عَدَمًا فَأَوْجَدْنَاهُمَا. وَهَذَا الْقَوْلُ كَمَا تَرَى. فَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ مِنْهَا - وَهُوَ كَوْنُهُمَا كَانَتَا رَتْقًا بِمَعْنَى أَنَّ السَّمَاءَ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا مَطَرٌ، وَالْأَرْضَ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ، وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ - قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: الْأُولَى: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ [٢١] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ فِي «رَأَى» أَنَّهَا بَصَرِيَّةٌ، وَالَّذِي يَرَوْنَهُ بِأَبْصَارِهِمْ هُوَ أَنَّ السَّمَاءَ تَكُونُ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا مَطَرٌ، وَالْأَرْضُ مَيِّتَةٌ هَامِدَةٌ لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَيُشَاهِدُونَ بِأَبْصَارِهِمْ إِنْزَالَ اللَّهِ الْمَطَرَ وَإِنْبَاتَهُ بِهِ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ. الْقَرِينَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [٢١] . وَالظَّاهِرُ اتِّصَالُ هَذَا الْكَلَامِ بِمَا قَبِلَهُ، أَيْ: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ بِفَتِقِنَا السَّمَاءَ، وَأَنْبَتْنَا بِهِ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ بِفَتِقِنَا الْأَرْضَ - كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. الْقَرِينَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [٨٦ \ ١٢] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجْعِ نُزُولُ الْمَطَرِ مِنْهَا تَارَةً بَعْدَ أُخْرَى، وَالْمُرَادَ بِالصَّدْعِ انْشِقَاقُ الْأَرْضِ عَنِ النَّبَاتِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا الْآيَةَ

стр. 1670

[٨٠ \ ٢٤ - ٢٦] . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَغَيْرُهُمَا؛ لِلْقَرَائِنِ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ الِاسْتِدْلَالِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِظَمِ مِنَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْبَعْثِ. وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالرَّتْقِ وَالْفَتْقِ أَنَّهُمَا كَانَتَا مُتَلَاصِقَتَيْنِ، فَفَتَقَهُمَا اللَّهُ وَفَصَلَ بَعْضَهُمَا عَنْ بَعْضٍ - قَالُوا فِي قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَ أَنَّهَا مِنْ «رَأَى» الْعِلْمِيَّةِ لَا الْبَصْرِيَّةِ، وَقَالُوا: وَجْهُ تَقْرِيرِهِمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ لَا سَبِيلَ لِلشَّكِّ فِيهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا ذَكَرْنَا دَلَالَةَ الْقَرَائِنِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَرَجَّحُوا هَذَا الْوَجْهَ عَلَى سَائِرِ الْوُجُوهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا وَلِلْمَاءِ تَعَلُّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْوَجْهُ مَرْجُوحٌ؛ لِأَنَّ الْمَطَرَ لَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ بَلْ مِنْ سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ سَمَاءُ الدُّنْيَا. قُلْنَا: إِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الْجَمْعِ لِأَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْهَا سَمَاءٌ، كَمَا يُقَالُ: ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ، وَبُرْمَةٌ أَعْشَارٌ. اهـ مِنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ. الظَّاهِرُ أَنَّ «جَعَلَ» هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ «النُّورِ» : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [٢٤ \ ٤٥] . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَاءُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ هُوَ النُّطْفَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُولَدُ عَنْ طَرِيقِ التَّنَاسُلِ مِنَ النُّطَفِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ الْمَاءُ الْمَعْرُوفُ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ إِمَّا مَخْلُوقَةً مِنْهُ مُبَاشَرَةً كَبَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَتَخَلَّقُ مِنَ الْمَاءِ، وَإِمَّا غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ؛ لِأَنَّ النُّطَفَ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَالْأَغْذِيَةُ كُلُّهَا نَاشِئَةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَذَلِكَ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَنَحْوِهَا ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللُّحُومِ، وَالْأَلْبَانِ، وَالْأَسْمَانِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ نَاشِئٌ بِسَبَبِ الْمَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى خَلْقِهِ كُلَّ حَيَوَانٍ مِنْ مَاءٍ أَنَّهُ كَأَنَّمَا خَلَقَهُ مِنَ الْمَاءِ

стр. 1671

لِفَرْطِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ، وَقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [٢١ \ ٣٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْمَعَانِيَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي تَأْتِي لَهَا لَفْظَةُ «جَعَلَ» وَمَا جَاءَ مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ وَمَا لَمْ يَجِئْ فِيهِ فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» . وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَصُّهُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ قَالَ: وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ حَيَوَانٍ؟ وَقَدْ قَالَ: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [١٥ \ ٢٧] وَجَاءَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنَ النُّورِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ عِيسَى ﵇: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي [٥ \ ١١٠] وَقَالَ فِي حَقِّ آدَمَ: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [٣ \ ٥٩] . وَالْجَوَابُ: اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا إِلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمُخَصِّصَةَ قَائِمَةٌ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُشَاهَدًا مَحْسُوسًا؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْمَقْصُودِ. وَبِهَذَا الطَّرِيقِ تَخْرُجُ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْجِنُّ، وَآدَمُ، وَقِصَّةُ عِيسَى ﵈؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. اهـ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ أَيْضًا: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ الْحَيَوَانُ فَقَطْ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبَاتُ، وَالشَّجَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَاءِ صَارَ نَامِيًا، وَصَارَ فِيهِ الرُّطُوبَةُ، وَالْخُضْرَةُ، وَالنُّورُ، وَالثَّمَرُ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَلْيَقُ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَفَتَقْنَا السَّمَاءَ لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَجَعَلْنَا مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ مِنَ النَّبَاتِ وَغَيْرِهِ حَيًّا. حُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ النَّبَاتَ لَا يُسَمَّى حَيًّا. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [٣٠ \ ٥٠] انْتَهَى مِنْهُ أَيْضًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ. تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ ثَلَاثَ مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلَا - جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا، أَيْ: لِأَنَّهَا لِلْأَرْضِ كَالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ السَّقْفَ مَحْفُوظًا.

стр. 1672

الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْكُفَّارَ مُعْرِضُونَ عَمَّا فِيهَا - أَيِ السَّمَاءِ - مِنَ الْآيَاتِ، لَا يَتَّعِظُونَ بِهِ، وَلَا يَتَذَكَّرُونَ. وَقَدْ أَوْضَحَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَمَّا كَوْنُهُ جَعَلَهَا سَقْفًا فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ «الطُّورِ» أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [٥٢ - ٥] . وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ السَّقْفِ مَحْفُوظًا فَقَدْ بَيَّنَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ السُّقُوطِ فِي قَوْلِهِ: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [٢٢ \ ٦٥] وَقَوْلِهِ: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [٣٠ \ ٢٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا [٣٥ \ ٤١] وَقَوْلِهِ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [٢ \ ٢٥٥] وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [٢٣ \ ١٧] عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ. إِذْ لَوْ كُنَّا نَغْفُلُ لَسَقَطَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ فَأَهْلَكَتْهُمْ. وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّشَقُّقِ وَالتَّفَطُّرِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَرْمِيمٍ وَلَا إِصْلَاحٍ كَسَائِرِ السُّقُوفِ إِذَا طَالَ زَمَنُهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [٦٧ \ ٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [٥٠ \ ٦] أَيْ: لَيْسَ فِيهَا مِنْ شُقُوقٍ، وَلَا صُدُوعٍ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ السَّقْفَ الْمَذْكُورَ مَحْفُوظٌ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، كَقَوْلِهِ: وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [١٥ \ ١٧] وَقَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى حِفْظِهَا مِنْ جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ فِي سُورَةِ «الْحِجْرِ» . وَأَمَّا كَوْنُ الْكُفَّارِ مُعْرِضِينَ عَمَّا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ فَقَدْ بَيَّنَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [١٢ \ ١٠٥] وَقَوْلِهِ: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا الْآيَةَ [٥٤ \ ٢] وَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [١٠ \ ٩٦ - ٩٧] وَقَوْلِهِ: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [١٠ \ ١٠١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ﷺ وَيَقُولُونَ: هُوَ شَاعِرٌ يُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، وَلَعَلَّهُ يَمُوتُ كَمَا مَاتَ شَاعِرُ بَنِي فَلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ مَاتَ

стр. 1673

الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِكَ، وَتَوَلَّى دِينَهُ بِالنَّصْرِ وَالْحِيَاطَةِ، فَهَكَذَا نَحْفَظُ دِينَكَ وَشَرْعَكَ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَمَّا نَعَى جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفْسَهُ قَالَ: «فَمَنْ لِأُمَّتِي» ؟ فَنَزَلَتْ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [٢١ \ ٣٤] وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِبَشَرٍ قَبْلَ نَبِيِّهِ الْخُلْدَ أَيْ: دَوَامَ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، بَلْ كُلُّهُمْ يَمُوتُ. وَقَوْلُهُ: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ مَعْنَاهُ النَّفْيُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ إِنْ مِتَّ فَهُمْ لَنْ يَخْلُدُوا بِعْدَكَ، بَلْ سَيَمُوتُونَ، وَلِذَلِكَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [٣ \ ١٨٥] وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ سَيَمُوتُ، وَأَنَّهُمْ سَيَمُوتُونَ، وَأَنَّ الْمَوْتَ سَتَذُوقُهُ كُلُّ نَفْسٍ أَوْضَحَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٩ \ ٣] وَكَقَوْلِهِ: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [٥٢ \ ٢٦ - ٢٧] وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «آلِ عِمْرَانَ» : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [٣ \ ١٨٥] وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «الْعَنْكَبُوتِ» : يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [٢٩ \ ٥٦ - ٥٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» : أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [٤ \ ٧٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» اسْتِدْلَالَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مَوْتِ الْخَضِرِ ﵇. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: فَهُمُ الْخَالِدُونَ هُوَ اسْتِفْهَامٌ حُذِفَتْ أَدَاتُهُ. أَيْ: أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ أَنَّ حَذْفَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ إِذَا دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهَا جَائِزٌ، وَهُوَ قِيَاسِيٌّ عِنْدَ الْأَخْفَشِ مَعَ «أَمْ» ، وَدُونَهَا ذِكْرُ الْجَوَابِ أَمْ لَا، فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ دُونَ «أَمْ» وَدُونَ ذِكْرِ الْجَوَابِ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ ... وَلَا لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ يَعْنِي: أَوْ ذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ. وَقَوْلُ أَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ وَاسْمُهُ خُوَيْلِدٌ: رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ يَعْنِي: أَهُمْ هُمْ عَلَى التَّحْقِيقِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ دُونَ «أَمْ» مَعَ ذِكْرِ الْجَوَابِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ: ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرَا ... عَدَدَ النَّجْمِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ

стр. 1674

يَعْنِي: أَتَحُبُّهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَهُوَ مَعَ «أَمْ» كَثِيرٌ جِدًّا، وَأَنْشَدَ لَهُ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ التَّمِيمِيِّ: لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ يَعْنِي: أَشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ: بَدَا لِي مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ... وَكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ يَعْنِي: أَبِسَبْعٍ. وَقَوْلُ الْأَخْطَلِ: كِذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالًا يَعْنِي: أَكْذَبَتْكَ عَيْنُكَ. كَمَا نَصَّ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْأَخْطَلِ هَذَا، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْخَلِيلَ قَائِلًا: إِنَّ «كَذَبَتْكَ» صِيغَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفٌ، وَإِنَّ «أَمْ» بِمَعْنَى بَلْ. فَفِي الْبَيْتِ عَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ الْمَعْنَوِيِّ يُسَمَّى «الرُّجُوعَ» . وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَكْثَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِهَا الْعَرَبِيَّةِ فِي كِتَابِنَا (دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «آلِ عِمْرَانَ» وَذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي آيَةِ «الْأَنْبِيَاءِ» هَذِهِ فَهُمُ الْخَالِدُونَ مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَفَإِنْ مِتَّ قَرَأَهُ نَافِعٌ وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ وَحَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ «مِتَّ» بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» وَجْهَ كَسْرِ الْمِيمِ. وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْرَحَ بِمَوْتِ أَحَدٍ لِأَجْلِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ يَنَالُهُ بِسَبَبِ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ لَيْسَ مُخَلَّدًا بَعْدَهُ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ مُسْتَشْهِدًا بِهِمَا: تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقَى خِلَافَ الَّذِي ... مَضَى تَهَيَّأْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الْآخَرِ: فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.

стр. 1675

الْمَعْنَى: وَنَخْتَبِرُكُمْ بِمَا يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ مِنَ الْبَلَايَا، وَمِمَّا يَجِبُ فِيهِ الشُّكْرُ مِنَ النِّعَمِ، وَإِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُجَازِيكُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يُوجَدُ مِنْكُمْ مِنَ الصَّبْرِ أَوِ الشُّكْرِ، وَقَوْلِهِ: فِتْنَةً مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ وَنَبْلُوكُمْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ - جَلَّ وَعَلَا - مِنْ أَنَّهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ أَيْ: يَخْتَبِرُهُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ - قَدْ بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [٧ \ ١٦٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [٦ \ ٤٢ - ٤٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [٧ \ ٩٤ - ٩٥] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ «بَلَا يَبْلُو» تُسْتَعْمَلُ فِي الِاخْتِبَارِ بِالنِّعَمِ وَبِالْمَصَائِبِ وَالْبَلَايَا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ «بَلَا يَبْلُو» ، وَفِي الْخَيْرِ «أَبْلَى يُبْلِي» . وَقَدْ جَمَعَ اللُّغَتَيْنِ فِي الْخَيْرِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: جَزَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ ... وَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ قَالَ: أَيْ نَبْتَلِيكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً بِالشِّدَّةِ، وَالرَّخَاءِ، وَالصِّحَّةِ، وَالسُّقْمِ، وَالْغِنَى، وَالْفَقْرِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْهُدَى، وَالضَّلَالِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ. ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ مَا يَتَّخِذُونَهُ إِلَّا هُزُوًا، أَيْ مُسْتَهْزَأً بِهِ مُسْتَخَفًّا بِهِ. وَالْهُزُؤُ: السُّخْرِيَةُ، فَهُوَ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. وَيَقُولُونَ: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أَيْ: يَعِيبُهَا وَيَنْفِي أَنَّهَا تَشْفَعُ لَكُمْ وَتُقَرِّبُكُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى،

стр. 1676

وَيَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَنْفَعُ مَنْ عَبَدَهَا، وَلَا تَضُرُّ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا، وَهُمْ مَعَ هَذَا كُلِّهِ كَافِرُونَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا رَآكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَ «إِنْ» فِي قَوْلِهِ: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ نَافِيَةٌ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ: إِنَّهُ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّعْجِيبِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ الْمَذْكُورِ التَّحْقِيرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ قَوْلِهِ: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الْمَعَانِي أَنَّ مِنَ الْأَغْرَاضِ الَّتِي تُؤَدَّى بِالِاسْتِفْهَامِ التَّحْقِيرَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ جَوَابَ «إِذَا» هُوَ الْقَوْلُ الْمَحْذُوفُ، وَتَقْدِيرُهُ: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ. وَقَالَ: إِنَّ جُمْلَةَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ إِذَا وَجَوَابِهَا. وَاخْتَارَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ جَوَابَ «إِذَا» هُوَ جُمْلَةُ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ وَقَالَ: إِنَّ جَوَابَ إِذَا بِجُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِـ «إِنْ» أَوْ «مَا» النَّافِيَتَيْنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاقْتِرَانِ بِالْفَاءِ. وَقَوْلِهِ: يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أَيْ: يَعِيبُهَا. وَمِنْ إِطْلَاقِ الذِّكْرِ بِمَعْنَى الْعَيْبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [٢١ \ ٦٠] أَيْ: يَعِيبُهُمْ، وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ: لَا تَذْكُرِي مُهْرِي وَمَا أَطْعَمْتُهُ ... فَيَكُونُ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الْأَجْرَبِ أَيْ لَا تَعِيبِي مُهْرِي، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الذِّكْرُ يَكُونُ بِخَيْرٍ وَبِخِلَافِهِ، فَإِذَا دَلَّتِ الْحَالُ عَلَى أَحَدِهِمَا أُطْلِقُ وَلَمْ يُقَيَّدْ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَذْكُرُكَ، فَإِذَا كَانَ الذَّاكِرُ صَدِيقًا فَهُوَ ثَنَاءٌ، وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا فَذَمٌّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ [٢١ \ ٦٠] وَقَوْلِهِ: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [٢١ \ ٣٦] انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَالْجُمْلَةُ فِي قَوْلِهِ: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ حَالِيَّةٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى كُفْرِهِمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمُوَضَّحُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [٢٥ \ ٦٠] وَقَوْلُهُمْ: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحِمْنَ الْيَمَامَةَ، يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ إِنْكَارَهُمْ لِمَعْرِفَتِهِمُ الرَّحْمَنَ تَجَاهُلٌ مِنْهُمْ وَمُعَانَدَةٌ مَعَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ الرَّحْمَنَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلَاءُ: أَلَا ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلَا قَطَعَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا وَقَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ الطُّهَوِيُّ:

стр. 1677

عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجَلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ ... وَمَا يَشَأِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدُ وَيُطْلِقُ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى سَخَافَةِ عُقُولِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ عَاكِفُونَ عَلَى ذِكْرِ أَصْنَامٍ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَيَسُوءُهُمْ أَنْ تُذَكَرَ بِسُوءٍ، أَوْ يُقَالَ: إِنَّهَا لَا تَشْفَعُ، وَلَا تُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ. وَأَمَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ فَهُمْ بِهِ كَافِرُونَ لَا يُصَدِّقُونَ بِهِ، فَهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يُتَّخَذُوا هُزُؤًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي اتَّخَذُوهُ هُزُؤًا، فَإِنَّهُ مُحِقٌ وَهُمْ مُبْطِلُونَ. فَإِذَا عَرَفْتَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ جَاءَ أَيْضًا مُبَيَّنًا فِي سُورَةِ «الْفُرْقَانِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [٢٥ \ ٤١ - ٤٢] فَتَحْقِيرُهُمْ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - لَهُ ﷺ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ فِي «الْأَنْبِيَاءِ» فِي قَوْلِهِ: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [٢١ \ ٣٦] هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ فِي «الْفُرْقَانِ» : أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [٢٥ \ ٤١] وَذِكْرُهُ لِآلِهَتِهِمْ بِالسُّوءِ الْمَذْكُورِ فِي «الْأَنْبِيَاءِ» فِي قَوْلِهِ: يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي «الْفُرْقَانِ» فِي قَوْلِهِ: إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [٢٠ \ ٤٢] أَيْ: لِمَا يُبَيِّنُ مِنْ مَعَائِبِهَا، وَعَدَمِ فَائِدَتِهَا، وَعِظَمِ ضَرَرِ عِبَادَتِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُورِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ. قَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا أَنْ يَذْكُرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ قَوْلًا وَيَكُونَ فِي نَفْسِ الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ الْقَوْلِ. فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: مِنْ عَجَلٍ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ، وَفِي نَفْسِ الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ أَحَدِهِمَا. أَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّتِ الْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ فَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْعَجَلُ: الطِّينُ، وَهِيَ لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ: الْبَيْعُ فِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبَتُهُ ... وَالنَّخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْعَجَلِ يَعْنِي: بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَمَعْنَى الْآيَةِ: خُلِقَ الْإِنْسَانَ مِنْ طِينٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [١٧ \ ٦١] وَقَوْلِهِ: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ [٣٢ \ ٧] وَالْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَجَلِ فِي الْآيَةِ لَيْسَ الطِّينَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ وَقَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

стр. 1678

[٢١ \ ٣٨] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَجَلِ هُوَ الْعَجَلَةُ الَّتِي هِيَ خِلَافُ التَّأَنِّي، وَالتَّثَبُّتِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: خُلِقَ مِنْ كَذَا. يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْمُبَالِغَةَ فِي الْإِنْصَافِ. كَقَوْلِهِمْ: خُلِقَ فَلَانٌ مِنْ كَرَمٍ، وَخُلِقَتْ فُلَانَةُ مِنَ الْجَمَالِ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [٣٠ \ ٥٤] عَلَى الْأَظْهَرِ. وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [١٧ \ ١١] أَيْ: وَمِنْ عَجَلَتِهِ دُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ بِالشَّرِّ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذَابَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ الْمُلْجِئَةَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْإِقْرَارِ، وَيَقُولُونَ: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ لِلزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ. كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنْكُمْ أَنْ تَسْتَعْجِلُوا، فَإِنَّكُمْ مَجْبُولُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ طَبْعُكُمْ وَسَجِيَّتُكُمْ. ثُمَّ وَعَدَهُمْ بِأَنَّهُ سَيُرِيهِمْ آيَاتِهِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَسْتَعْجِلُوا بِقَوْلِهِ: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [٢١ \ ٣٧] كَمَا قَالَ تَعَالَى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [٤١ \ ٥٣] وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ آدَمُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيِّ: لَمَّا دَخَلَ الرُّوحُ فِي عَيْنَيْ آدَمَ نَظَرَ فِي ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا دَخَلَ جَوْفَهُ اشْتَهَى الطَّعَامَ، فَوَثَبَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ؛ عَجْلَانَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْكَلْبِيِّ، وَغَيْرِهِمَا: خُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أَحْيَا اللَّهُ رَأْسَهُ اسْتَعْجَلَ وَطَلَبَ تَتْمِيمَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ جِنْسَ الْإِنْسَانِ مِنْ طَبْعِهِ الْعَجَلُ وَعَدَمُ التَّأَنِّي كَمَا بَيَّنَّا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ عَجَلَةِ الْإِنْسَانِ هَاهُنَا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالرَّسُولِ ﷺ وَقَعَ فِي النُّفُوسِ سُرْعَةُ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَاسْتَعْجَلَتْ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، يُؤَجِّلُ ثُمَّ يُعَجِّلُ، وَيُنْظِرُ ثُمَّ لَا يُؤَخِّرُ. وَلِهَذَا قَالَ: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي أَيْ: نَقْمِي وَحُكْمِي، وَاقْتِدَارِي عَلَى مَنْ عَصَانِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ. انْتَهَى مِنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ. جَوَابُ «لَوْ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَحْذُوفٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَدِلَّةَ ذَلِكَ وَشَوَاهِدَهُ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ

стр. 1679

فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» ، وَأَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي سُورَةِ «إِبْرَاهِيمَ» وَسُورَةِ «يُوسُفَ» . وَمَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَوْ يَعْلَمُ الْكُفَّارُ الْوَقْتَ الَّذِي يَسْأَلُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ؟ وَهُوَ وَقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ، تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النَّارُ مِنْ وَرَاءَ وَقُدَّامَ. فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَنْعِهَا وَدَفْعِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ نَاصِرًا يَنْصُرُهُمْ؛ لَمَّا كَانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَالِاسْتِعْجَالِ، وَلَكِنَّ جَهْلَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنَ الْمَعَانِي جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا إِحَاطَةُ النَّارِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدْ جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [١٨ \ ٢٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ الْآيَةَ [٧ \ ٤١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ [٣٩ \ ١٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [١٤ \ ٥٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [٢٣ \ ١٠٤] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. نَرْجُو اللَّهَ الْكَرِيمَ الْعَظِيمَ أَنْ يُعِيذَنَا مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ مَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيْسَ لَهُمْ نَاصِرٌ وَلَا قُوَّةٌ يَدْفَعُونَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [٨٦ \ ١٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [٣٧ \ ٢٥ - ٢٦] وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَنَّ الَّذِي هَوَّنَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْعَظِيمَ حَتَّى اسْتَعْجَلُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِمَنْ يُخَوِّفُهُمْ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ جَهْلُهُمْ بِهِ جَاءَ مُبَيَّنًا أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [٤٢] ١٨، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ [١٠ \ ٥٠] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَوْ يَعْلَمُ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هُوَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عِرْفَانِيَّةٌ، فَهِيَ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَةْ ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدِ مُلْتَزَمَةْ

стр. 1680

وَعَلَى هَذَا فَالْمَفْعُولُ هَذَا قَوْلُهُ: حِينَ أَيْ: لَوْ يَعْرِفُونَ حِينَ وُقُوعِ الْعَذَابِ بِهِمْ وَمَا فِيهِ مِنَ الْفَظَائِعِ لَمَا اسْتَخَفُّوا بِهِ وَاسْتَعْجَلُوهُ. وَعَلَى هَذَا فَالْحِينُ مَفْعُولٌ بِهِ لَا مَفْعُولٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ وَاقِعٌ عَلَى نَفْسِ الْحِينِ الْمَذْكُورِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: فِعْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، فَلَيْسَ وَاقِعًا عَلَى مَفْعُولٍ. وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: لَوْ كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ وَلَمْ يَكُونُوا جَاهِلِينَ لَمَا كَانُوا مُسْتَعْجِلِينَ. وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [٣٩ \ ٩] وَالْمَعْنَى: لَا يَسْتَوِي مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الْمَعَانِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ إِثْبَاتُ الْفِعْلِ لِفَاعِلِهِ فِي الْكَلَامِ الْمُثْبَتِ، أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُ فِي الْكَلَامِ الْمَنْفِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى اللَّازِمِ، كَقَوْلِهِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [٣٩ \ ٩] لِأَنَّهُ يُرَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ صِفَةُ الْعِلْمِ لَا يَسْتَوِي هُوَ وَمَنِ انْتَفَتْ عَنْهُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ هُنَا وُقُوعُ الْعِلْمِ عَلَى مَعْلُومَاتِ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُهُ: حِينَ لَا يَكُفُّونَ مَنْصُوبٌ بِمُضْمَرٍ. أَيْ: حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وَجْهِهِمُ النَّارَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْبَاطِلِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ. وَاسْتَظْهَرَ أَبُو حَيَّانَ أَنَّ مَفْعُولَ «يَعْلَمُ» مَحْذُوفٌ، وَأَنَّهُ هُوَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ الَّذِي هُوَ «حِينَ» ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَجِيءَ الْمَوْعُودِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ حِينَ لَا يَكُفُّونَ لَمَا كَفَرُوا وَاسْتَعْجَلُوا وَاسْتَهْزَءُوا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ مَعَ قَوْلِهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ فَلَا يُقَالُ: كَيْفَ يَقُولُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مِنَ الْعَجَلِ وَجُبِلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْهَاهُ عَمَّا خُلِقَ مِنْهُ وَجُبِلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمُحَالٍ! ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ هُوَ جُبِلَ عَلَى الْعَجَلِ، وَلَكِنْ فِي اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالتَّأَنِّي. كَمَا أَنَّهُ جُبِلَ عَلَى حُبِّ الشَّهَوَاتِ مَعَ أَنَّهُ فِي اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالْكَفِّ عَنْهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى. [٧٩ \ ٤٠ - ٤١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ إِخْوَانَهُ مِنَ الرُّسُلِ الْكِرَامِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمُ - اسْتَهْزَأَ بِهِمُ الْكُفَّارُ، كَمَا اسْتَهْزَءُوا بِهِ ﷺ يَعْنِي: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرُوا، وَلَكَ

стр. 1681

الْعَاقِبَةُ الْحَمِيدَةُ، وَالنَّصْرُ النِّهَائِيُّ كَمَا كَانَ لَهُمْ. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ ذَلِكَ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [٤١ \ ٤٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [١١ \ ١٢٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [٣٥ \ ٢٥ - ٢٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [٣٥ \ ٤] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمْ. وَمَادَّةُ حَاقَ يَائِيَّةُ الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْمُضَارِعِ: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [٣٥ \ ٤٣] وَلَا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْمَادَّةُ إِلَّا فِي إِحَاطَةِ الْمَكْرُوهِ خَاصَّةً. فَلَا تَقُولُ: حَاقَ بِهِ الْخَيْرُ بِمَعْنَى أَحَاطَ بِهِ. وَالْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ: وَحَاقَ بِهِمُ الْعَذَابُ الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ ابْنُ كَثِيرٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَحَاقَ أَيْ: أَحَاطَ وَدَارَ بِالَّذِينَ كَفَرُوا وَسَخِرُوا مِنْهُمْ وَهَزِئُوا بِهِمْ (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [٢١ \ ٤١] أَيْ جَزَاءُ اسْتِهْزَائِهِمْ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ. أَمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - نَبَيَّهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُعْرِضِينَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ: مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أَيْ: مَنْ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُكُمْ وَيَحْرُسُكُمْ بِاللَّيْلِ فِي حَالِ نَوْمِكُمْ وَالنَّهَارِ فِي حَالِ تَصَرُّفِكُمْ فِي أُمُورِكُمْ. وَالْكِلَاءَةُ بِالْكَسْرِ: الْحِفْظُ وَالْحِرَاسَةُ. يُقَالُ: اذْهَبْ فِي كِلَاءَةِ اللَّهِ. أَيْ: فِي حِفْظِهِ، وَاكْتَلَأْتُ مِنْهُمْ: احْتَرَسْتُ. وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ: إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا ... ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: أَنَخْتُ بَعِيرِي وَاكْتَلَأْتُ بِعَيْنِهِ ... وَآمَرْتُ نَفْسِي أَيَّ أَمْرِي أَفْعَلُ

стр. 1682

وَ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ مِنَ الرَّحْمَنِ فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ: أَحَدُهُمَا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَنَّ «مِنْ» هِيَ الَّتِي بِمَعْنَى بَدَلَ. وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ مِنَ الرَّحْمَنِ أَيْ: بَدَلَ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي غَيْرَهُ. وَأَنْشَدَ ابْنُ كَثِيرٍ لِذَلِكَ قَوْلَ الرَّاجِزِ: جَارِيَةٌ لَمْ تَلْبَسِ الْمُرَقَّقَا ... وَلَمْ تَذُقْ مِنَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَا أَيْ لَمْ تَذُقْ بَدَلَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ [٩ \ ٣٨] أَيْ: بَدَلَهَا. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَخَذُوا الْمَخَاضَ مِنَ الْفَصِيلِ غُلُبَّةً ... ظُلْمًا وَيُكْتَبُ لِلْأَمِيرِ أَفِيلَا يَعْنِي: أَخَذُوا فِي الزَّكَاةِ الْمَخَاضَ بَدَلَ الْفَصِيلِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أَيْ: يَحْفَظُكُمْ مِنَ الرَّحْمَنِ أَيْ: مِنْ عَذَابِهِ وَبَأْسِهِ. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي. وَنَظِيرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ [١١ \ ٦٣] أَيْ: مَنْ يَنْصُرُنِي مِنْهُ فَيَدْفَعُ عَنِّي عَذَابَهُ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ يَكْلَؤُكُمْ قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ: هُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ، وَهُوَ عِنْدِي يَحْتَمِلُ الْإِنْكَارَ وَالتَّقْرِيرَ. فَوَجْهُ كَوْنِهِ إِنْكَارِيًّا أَنَّ الْمَعْنَى: لَا كَالِئَ لَكُمْ يَحْفَظُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَلْبَتَّةَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، أَيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وُوجْهُ كَوْنِهِ تَقْرِيرِيًّا أَنَّهُمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَنْ يَكْلَؤُكُمْ؟ اضْطُرُّوا إِلَى أَنْ يُقِرُّوا بِأَنَّ الَّذِي يَكْلَؤُهُمْ هُوَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نَافِعَ وَلَا ضَارَّ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ يُخْلِصُونَ لَهُ الدُّعَاءَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرُوبِ، وَلَا يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، كَمَا قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي سُورَةِ «الْإِسْرَاءِ» وَغَيْرِهَا. فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ تَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ التَّوْبِيخُ وَالتَّقْرِيعُ، كَيْفَ يَصْرِفُونَ حُقُوقَ الَّذِي يَحْفَظُهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَى مَا لَا يَنْفَعُ، وَلَا يَضُرُّ. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا يَحْفَظُهُ وَلَا يَحْرُسُهُ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ الْحَافِظَ لِكُلِّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ - جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [١٣ \ ١١] عَلَى أَظْهَرِ التَّفْسِيرَاتِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا الْآيَةَ [٤٨ \ ١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [٣٣ \ ١٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ

стр. 1683

ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [٥ \ ١٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٣٣ \ ٨٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ. قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَمْ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ، وَهِيَ بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَةِ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَعْنَى الْإِضْرَابِ وَالْإِنْكَارِ، وَالْمَعْنَى: أَلَهَمْ آلِهَةٌ تَجْعَلُهُمْ فِي مَنَعَةٍ وَعِزٍّ حَتَّى لَا يَنَالُهُمْ عَذَابُنَا. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ لَا تَسْتَطِيعُ نَفْعَ أَنْفُسِهَا، فَكَيْفَ تَنْفَعُ غَيْرَهَا بِقَوْلِهِ: لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ [٢١ \ ٤٣] وَقَوْلِهِ: مِنْ دُونِنَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ آلِهَةً أَيْ: أَلَهُمْ آلِهَةٌ مِنْ دُونِنَا أَيْ: سِوَانَا تَمْنَعُهُمْ مِمَّا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَمْنَعُهُمْ لِقَوْلِ الْعَرَبِ: مَنَعْتُ دُونَهُ، أَيْ: كَفَفْتُ أَذَاهُ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي الْأَوَّلُ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ الْآيَةَ [٢١ \ ٢٩] وَقَوْلِهِ: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً الْآيَةَ [٢٥ \ ٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ كَوْنِ الْآلِهَةِ الَّتِي اتَّخَذُوهَا لَا تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أَنْفُسِهَا، فَكَيْفَ تَنْفَعُ غَيْرَهَا - جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ [٧ \ ١٩١ - ١٩٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [٧ \ ١٩٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ الْآيَةَ [٣٥ \ ١٣ - ١٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْآيَةَ [٤٦ \ ٥] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْآلِهَةَ الْمَعْبُودَةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهَا نَفْعٌ أَلْبَتَّةَ.

стр. 1684

وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ أَيْ: يُجَارُونَ، أَيْ: لَيْسَ لِتِلْكَ الْآلِهَةِ مُجِيرٌ يُجِيرُهُمْ مِنَّا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [٢٣ \ ٨٨] فِي قَوْلِهِ: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٢٣ \ ٨٨] وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَنَا جَارٌ لَكَ وَصَاحِبٌ مِنْ فَلَانٍ، أَيْ: مُجِيرٌ لَكَ مِنْهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ... لِيُصْحَبَ مِنَّا وَالرِّمَاحُ دَوَانِي يَعْنِي: لِيُجَارَ وَيُغَاثَ مِنَّا. وَأَغْلَبُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: يُصْحَبُونَ يُمْنَعُونَ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يُنْصَرُونَ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ أَيْ: لَا يَصْحَبُهُمُ اللَّهُ بِخَيْرٍ، وَلَا يَجْعَلُ الرَّحْمَةَ صَاحِبًا لَهُمْ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ. الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِضْرَابَ بَلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ انْتِقَالِيٌّ، وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: هَؤُلَاءِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ مِنْ قَبْلُ فِي قَوْلِهِ: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ الْآيَةَ، وَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وَمَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَتَّعَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ وَآبَاءَهُمْ قَبْلَهُمْ بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا حَتَّى طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فِي رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ، فَحَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الطُّغْيَانِ، وَاللَّجَاجِ فِي الْكُفْرِ. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى يُمْهِلُ الْكُفَّارَ وَيُمْلِي لَهُمْ فِي النِّعْمَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهُمْ كُفْرًا وَضَلَالًا - جَاءَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [٣ \ ١٧٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [٧ \ ١٨٢ - ١٨٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [٢٥ \ ١٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [٤٣ \ ٢٩] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَالْعُمْرُ يُطْلَقُ عَلَى مُدَّةِ الْعَيْشِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ.

стр. 1685

فِي مَعْنَى إِتْيَانِ اللَّهِ الْأَرْضَ يَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ لِلْعُلَمَاءِ، وَبَعْضُهَا تَدُلُّ لَهُ قَرِينَةٌ قُرْآنِيَّةٌ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: نَقْصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا: مَوْتُ الْعُلَمَاءِ، وَجَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبُعْدُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ دَلَالَةِ السِّيَاقِ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: نَقْصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا خَرَابُهَا عِنْدَ مَوْتِ أَهْلِهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: نَقْصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا هُوَ نَقْصُ الْأَنْفُسِ، وَالثَّمَرَاتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ الْقُرْآنِيَّةُ فَهُوَ أَنَّ مَعْنَى نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَيْ: نَنْقُصُ أَرْضَ الْكُفْرِ وَدَارَ الْحَرْبِ، وَنَحْذِفُ أَطْرَافَهَا بِتَسْلِيطِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا وَإِظْهَارِهِمْ عَلَى أَهْلِهَا، وَرَدِّهَا دَارَ إِسْلَامٍ. وَالْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى هِيَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [٢١ \ ٤٤] وَالِاسْتِفْهَامُ لِإِنْكَارِ غَلَبَتِهِمْ. وَقِيلَ: لِتَقْرِيرِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ لَا غَالِبُونَ، فَقَوْلُهُ: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَقْصَ الْأَرْضِ مِنْ أَطْرَافِهَا سَبَبٌ لِغَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ لِلْكُفَّارِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ. وَمِمَّا يَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [١٣ \ ٣١] عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْقَارِعَةِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ سَرَايَا النَّبِيِّ ﷺ تَفْتَحُ أَطْرَافَ بِلَادِهِمْ، أَوْ تَحُلُّ أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ. وَمِمَّنْ يُرْوَى عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ هُنَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ سُورَةِ «الرَّعْدِ» أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [١٣ \ ٤١] وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ «الْأَنْبِيَاءِ» هَذِهِ: إِنَّ أَحْسَنَ مَا فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [٤٦ \ ٢٧] . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ صَوَابٌ، وَاسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: أَفَلَا يَرَى كُفَّارُ مَكَّةَ وَمَنْ سَارَ سَيْرَهُمْ فِي تَكْذِيبِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالْكَفْرِ بِمَا جِئْتَ بِهِ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَيْ: بِإِهْلَاكِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كَمَا أَهْلَكْنَا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ لُوطٍ، وَهُمْ يَمُرُّونَ بِدِيَارِهِمْ. وَكَمَا
следующие страницы →