← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

لَمْ يُلَبِّ قَبْلَ وُصُولِهِ الْبَيْدَاءَ، وَهَذَا الْجَمْعُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْفَتْحِ ": فَائِدَةُ الْبَيْدَاءِ هَذِهِ فَوْقَ عَلَمَيْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، لِمَنْ صَعِدَ مِنَ الْوَادِي، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَغَيْرُهُ. انْتَهَى مِنْهُ. وَإِذَا عَرَفْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَوَّلَ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ، وَأَنَّهُ وَقْتُ انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ: أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: حَتَّى يَنْتَهِيَ رَمْيُهُ إِيَّاهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّوَابُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ هُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵄ وَكَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، فَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ. وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ، هُوَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ، عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الرَّمْيِ ; لِأَنَّ بُلُوغَ الْجَمْرَةِ هُوَ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الرَّمْيِ. وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْفَضْلِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ " وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ " هُوَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ: يُلَبِّي حَتَّى يَنْتَهِيَ رَمْيُهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَنَحْنُ بِجَمْعٍ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ " الْبَقَرَةِ "، يَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " وَجَمْعٌ هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ " الْبَقَرَةِ " يَقُولُ فِي هَذَا الْمَكَانِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ أَيْضًا عِنْدَ مُسْلِمٍ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا: سَمِعْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ " الْبَقَرَةِ " هَاهُنَا يَقُولُ " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " ثُمَّ لَبَّى وَلَبَّيْنَا مَعَهُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: فَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ، تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي رَمْيِ الْعَقَبَةِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ: حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، يُرَادُ بِهِ الشُّرُوعُ فِي رَمْيِهَا، لَا الِانْتِهَاءُ مِنْهُ. وَمِنَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ: مَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ مِنَ التَّكْبِيرِ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، فَظَرْفُ الرَّمْيِ لَا يَسْتَغْرِقُ غَيْرَ التَّكْبِيرِ، مَعَ الْحَصَاةِ لِتَتَابُعِ رَمْيِ الْحَصَيَاتِ.

стр. 2032

قَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُوَطَّأِ "، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ الْفَضْلِ: أَفَضْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُفَسِّرٌ لِمَا أُبْهِمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، أَتَمَّ رَمْيَهَا، اهـ. وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهَا. وَإِذَا عَلِمْتَ الصَّحِيحَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، فَاعْلَمْ أَنَّ فِي وَقْتِ انْتِهَاءِ الرَّمْيِ مَذَاهِبَ لِلْعُلَمَاءِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَعَائِشَةَ: أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهُمَا كَانَا يُلَبِّيَانِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: يُلَبِّي حَتَّى يُصَلِّيَ الْغَدَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ﵀ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كَانَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ. قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، اهـ. وَرَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ إِذَا رَجَعَتْ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَرُوِيَ فِي " الْمُوَطَّأِ " أَيْضًا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ. حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ. فَإِذَا غَدَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ. وَكَانَ يَتْرُكُ فِي الْعُمْرَةِ، إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، اهـ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا، إِلَّا إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ؛ لِدَلَالَةِ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً، وَدَلَالَةِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ عَلَى تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ بِمُزْدَلِفَةَ أَيْضًا، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ شَيْءٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا حُكْمُ التَّلْبِيَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا مَعْرُوفًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِي ": لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ التَّلْبِيَةِ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ أَرْبَعَةٌ، يُمْكِنُ تَوْصِيلُهَا إِلَى عَشَرَةٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. ثَانِيهَا: وَاجِبَةٌ، وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ،

стр. 2033

وَقَالَ: إِنَّهُ وَجَدَ لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَحَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَلَّابِ قَالَ: التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الدَّمُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمْ يَجِبْ، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَهُمْ بِتَرْكِ تَكْرَارِهَا دَمٌ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ. ثَالِثُهَا: وَاجِبَةٌ لَكِنْ يَقُومُ مَقَامَهَا فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ، كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَبِهَذَا صَدَّرَ ابْنُ شَاسٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ كَلَامَهُ فِي الْجَوَاهِرِ لَهُ، وَحَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مِثْلَهُ، لَكِنْ زَادَ الْقَوْلَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ مِنَ الذِّكْرِ، كَمَا فِي مَذْهَبِهِمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ، فَهُوَ مُحْرِمٌ. رَابِعُهَا: أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الْإِحْرَامِ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالزُّبَيْرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالُوا: هِيَ نَظِيرَةُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ، وَيُقَوِّيهِ مَا تَقْدَّمَ مِنْ بَحْثِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، قَالَ: التَّلْبِيَةُ فَرْضُ الْحَجِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ كَوْنِهَا رُكْنًا. انْتَهَى مِنْ " فَتْحِ الْبَارِي ". وَإِذَا عَرَفْتَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ التَّلْبِيَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّى كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ: " لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " فَعَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ مِنْ مَنَاسِكِنَا التَّلْبِيَةَ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ: أَمَّا كَوْنُهَا مَسْنُونَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً أَوْ وَاجِبَةً يَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهَا، وَتُجْبَرُ بِدَمٍ فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ دَلِيلٌ خَاصٌّ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِهِ ﷺ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مَعْنَى التَّلْبِيَةِ: فَهِيَ مِنْ لَبَّى بِمَعْنَى: أَجَابَ، فَلَفْظَةُ: لَبَّيْكَ مُثَنَّاةٌ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ، وَتَثْنِيَتُهَا لِلتَّكْثِيرِ: أَيْ إِجَابَةً لَكَ بَعْدَ إِجَابَةٍ، وَلُزُومًا لِطَاعَتِكَ، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ: لَبَّيْكَ: اسْمٌ مُفْرَدٌ لَا مُثَنًّى، قَالَ: وَإِنَّمَا انْقَلَبَتْ أَلِفُهُ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ، كَمَا قُلِبَتْ أَلْفُ لَدَى، وَإِلَى، وَعَلَى فِي حَالَةِ الِاتِّصَالِ بِالضَّمِيرِ فَتَقُولُ: لَدَيْكَ، وَإِلَيْكَ وَعَلَيْكَ بِإِبْدَالِ الْأَلْفِ يَاءً، وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ سُمِعَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ثُبُوتُ الْيَاءِ مَعَ الْإِضَافَةِ لِلِاسْمِ الظَّاهِرِ

стр. 2034

لَا الضَّمِيرِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ، وَهُوَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ: دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا ... فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: ثَنَّوْا لَبَّيْكَ كَمَا ثَنَّوْا حَنَانَيْكَ: أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍّ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى لَبَّيْكَ وَاشْتِقَاقِهَا، فَقِيلَ مَعْنَاهَا: اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تَلُبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهَا مَحَبَّتِي لَكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمُ: امْرَأَةٌ لَبَّةٌ، إِذَا كَانَتْ مُحِبَّةً لِوَلَدِهَا عَاطِفَةً عَلَيْهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهَا: إِخْلَاصِي لَكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: حُبٌّ لُبَابٌ، إِذَا كَانَ خَالِصًا مَحْضًا، وَمِنْ ذَلِكَ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهَا: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، وَإِجَابَتِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ، وَأَلَبَّ بِهِ إِذَا أَقَامَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَبِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ. وَقِيلَ فِي لَبَّيْكَ: أَيْ قُرْبًا مِنْكَ، وَطَاعَةً، وَالْإِلْبَابُ: الْقُرْبُ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ مَعْنَاهُ: أَنَا مُلِبٌّ بَيْنَ يَدَيْكَ أَيْ: خَاضِعٌ. انْتَهَى كَلَامُ عِيَاضٍ، مَعَ تَصَرُّفٍ وَحَذْفٍ يَسِيرٍ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ النَّوَوِيِّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ "، وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِيَاضٌ ﵀ يَدُورُ حَوْلَهُ كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَةِ، وَبَقِيَّةُ أَلْفَاظِ التَّلْبِيَةِ مَعَانِيهَا ظَاهِرَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَةَ لَبَّيْكَ مُلَازِمَةٌ لِلْإِضَافَةِ لِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ، وَشَذَّ إِضَافَتُهَا لِلظَّاهِرِ ; كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَشَذَّ أَيْضًا إِضَافَتُهَا لِضَمِيرِ الْغَائِبِ كَقَوْلِ الرَّاجِزِ: إِنَّكَ لَوْ دَعَوْتَنِي وَدُونِي زَوْرَاءُ ذَاتُ مُتَّزَعٍ بَيُونِ لَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرِّجَالِ رَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّلْبِيَةِ، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. مِنْ حَدِيثِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ» ، اهـ. وَلَفْظُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي، أَوْ مَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ بِالْإِهْلَالِ» يُرِيدُ أَحَدَهُمَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي الْأُصُولِ مَعَ الظَّاهِرِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ

стр. 2035

الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إِلَّا لِدَلِيلٍ صَارِفٍ عَنْهُ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُنَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ كَمَا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ: إِنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لِتُسْمِعَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَعَلَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ خَفْضَ الْمَرْأَةِ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، بِخَوْفِ الِافْتِتَانِ بِصَوْتِهَا. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ الْمُسَمَّى: «فَتْحُ الْعَزِيزِ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ» : وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الرَّفْعُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَلَا يَرْفَعُ حَيْثُ يَجْهَدُ وَيُقْطَعُ صَوْتُهُ، وَالنِّسَاءُ تَقْتَصِرْنَ عَلَى إِسْمَاعِ أَنْفُسِهِنَّ، وَلَا يَجْهَرْنَ كَمَا لَا يَجْهَرْنَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ الْقَاضِي الرُّوْيَانِيُّ: وَلَوْ رَفَعَتْ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ لَمْ يَحْرُمْ ; لِأَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا، اهـ. وَذَكَرَ نَحْوَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الرُّويَانِيِّ ثُمَّ قَالَ: وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ: لَا يَحْرُمُ لَكِنْ يُكْرَهُ، صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيُّ، وَيَخْفِضُ الْخُنْثَى صَوْتَهُ كَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَمَّا الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ الرَّخِيمَةُ الصَّوْتِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ صَوْتَهَا مِنْ مَفَاتِنِ النِّسَاءِ وَلَا يَجُوزُ لَهَا رَفْعُهُ بِحَالٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّوْتَ الرَّخِيمَ مِنْ مَحَاسِنِ النِّسَاءِ وَمَفَاتِنِهَا، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَكْثُرُ ذِكْرُهُ فِي التَّشْبِيبِ بِالنِّسَاءِ، كَقَوْلِ غَيْلَانَ ذِي الرُّمَّةِ: لَهَا بَشَرٌ مِثْلُ الْحَرِيرِ وَمَنْطِقٌ ... رَخِيمُ الْحَوَاشِي لَا هُرَاءٌ وَلَا نَزْرُ وَعَيْنَانِ قَالَ اللَّهُ كُونَا فَكَانَتَا ... فَعُولَانِ بِالْأَلْبَابِ مَا تَفْعَلُ الْخَمْرُ فَتَرَاهُ جَعَلَ الصَّوْتَ الرَّخِيمَ مِنْ مَحَاسِنِ النِّسَاءِ، كَالْبَشَرَةِ النَّاعِمَةِ، وَالْعَيْنَيْنِ الْحَسَنَتَيْنِ، وَكَقَوْلِ قَعْنَبِ ابْنِ أُمِّ صَاحِبٍ: وَفِي الْخُدُودِ لَوَ أَنَّ الدَّارَ جَامِعَةٌ ... بِيضٌ أَوَانِسُ فِي أَصْوَاتِهَا غُنَنُ فَتَرَاهُ جَعَلَ الصَّوْتَ الْأَغَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحَاسِنِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لَا يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَلَا مُخَاطِبًا لِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُنَّ خَيْرُ أُسْوَةٍ لِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا لِأَنَّ تَلْيِينَ الصَّوْتِ وَتَرْخِيمَهُ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِالرِّيبَةِ كَإِبْدَاءِ غَيْرِهِ مِنْ مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

стр. 2036

يُحْسَبْنَ مِنَ الْكَلَامِ زَوَانِيَا ... وَيَصُدُّهُنَّ عَنِ الْخَنَا الْإِسْلَامُ الْفَرْعُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنَ التَّلْبِيَةِ فِي دَوَامِ الْإِحْرَامِ، وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهَا فِي كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ، وَحُدُوثِ أَمْرٍ مِنْ رُكُوبٍ، أَوْ نُزُولٍ، أَوِ اجْتِمَاعِ رِفَاقٍ، أَوْ فَرَاغٍ مِنْ صَلَاةٍ وَعِنْدَ إِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَوَقْتِ السَّحَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تُغَايُرِ الْأَحْوَالِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَيُلَبِّيَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّفَاقِ، وَفِي كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي إِذَا رَأَى رَكْبًا أَوْ صَعِدَ أَكَمَةً أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الْمَكْتُوبَةِ وَآخِرِ اللَّيْلِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَلَمْ يَتَكَلَّمِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمُهَذَّبِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ» فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ: هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْمُهَذَّبِ، وَبَيَّضَ لَهُ النَّوَوِيُّ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الْمُهَذَّبِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي إِذَا لَقِيَ رَكْبًا» فَذَكَرَهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي رَاكِبًا، وَنَازِلًا، وَمُضْطَجِعًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا هَبَطُوا وَادِيًا أَوْ عَلَوْهُ، وَعِنْدَ الْتِقَاءِ الرِّفَاقِ، وَعِنْدَ خَيْثَمَةَ نَحْوُهُ وَزَادَ: وَإِذَا اسْتَقَلَّتْ بِالرَّجُلِ رَاحِلَتُهُ. انْتَهَى مِنَ التَّلْخِيصِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» : سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَعَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ. وَيَسْتَأْنِسُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ، بَابُ التَّلْبِيَةِ: إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ قَالَ: «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي» وَقَالَ فِي «الْفَتْحِ» فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْهُبُوطِ كَمَا تَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصُّعُودِ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ التَّلْبِيَةِ فِي حَالِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ، وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُلَبِّي فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ: مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ الْجَدِيدُ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ يُلَبِّي

стр. 2037

حَوْلَ الْبَيْتِ إِلَّا عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ، وَمِمَّنْ أَجَازَ التَّلْبِيَةَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ: أَحْمَدُ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ، إِلَّا عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّهُ لَا يُلَبِّي، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِذِكْرٍ يَخُصُّهُ، فَكَانَ أَوْلَى. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ «الْمُغْنِي» ، وَقَدْ قَدَّمْنَا لَكَ أَنَّ الْقَوْلَ الْجَدِيدَ الْأَصَحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يُلَبِّي خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُغْنِي، وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ. حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ. فَإِذَا غَدَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ. وَكَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ، إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ. انْتَهَى مِنَ «الْمُوَطَّأِ» ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» أَيْضًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يُلَبِّي، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ انْتَهَى مِنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا خِلَافُ هَذَا، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ» : أَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ لَبَّى. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ يُلَبِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى، وَمَسْجِدِ نَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ ; لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ نُسُكٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّلْبِيَةِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسَاجِدِ. وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي: أَنَّهُ يُلَبِّي فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ رَفْعًا يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الْخَامِسُ: أَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّ الْمُحْرِمَ يُلَبِّي فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي الْأَمْصَارِ وَفِي الْبَرَارِي، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعَبْدَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: التَّلْبِيَةُ مَسْنُونَةٌ فِي الصَّحَارِي، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ فِي الْمِصْرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ فِيمَا يَمْتَنِعُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمُحْرِمِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ فَمِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [٢ \ ١٩٧] وَالصِّيغَةُ فِي قَوْلِهِ: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ

стр. 2038

صِيغَةُ خَبَرٍ أُرِيدَ بِهَا الْإِنْشَاءُ: أَيْ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَفْسُقُ، وَلَا يُجَادِلُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الْمَعَانِي أَنَّ الصِّيغَةَ قَدْ تَكُونُ خَبَرِيَّةً، وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِنْشَاءُ لِأَسْبَابٍ مِنْهَا التَّفَاؤُلُ كَقَوْلِكِ: رَحِمَ اللَّهُ زَيْدًا، فَالصِّيغَةُ خَبَرِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِنْشَاءُ الدُّعَاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَمِنْهَا إِظْهَارُ تَأْكِيدِ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ، وَإِلْزَامُ ذَلِكَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الْآيَةَ [٦١ \ ١٠ - ١١] : أَيْ آمِنُوا بِاللَّهِ بِدَلِيلِ جَزْمِ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ الْآيَةَ [٦١ \ ١٢] فَهُوَ مَجْزُومٌ بِالطَّلَبِ الْمُرَادِ بِالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أَيْ: آمِنُوا بِاللَّهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ; كَقَوْلِهِ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ الْآيَةَ [٩ \ ١٤] تَعَالَوْا أَتْلُ الْآيَةَ [٦ \ ١٥١] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْمُسَوِّغُ لِكَوْنِ الصِّيغَةِ فِي الْآيَةِ خَبَرِيَّةً، هُوَ إِظْهَارُ التَّأَكُّدِ، وَاللُّزُومِ فِي الْإِتْيَانِ بِالْإِيمَانِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، لِإِظْهَارِ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَالْوَاقِعِ بِالْفِعْلِ الْمُخْبَرِ عَنْ وُقُوعِهِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ الْآيَةَ [٢ \ ٢٣٣] ، وَقَوْلِهِ: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ الْآيَةَ [٢ \ ٢٢٨] . فَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِالْإِرْضَاعِ، وَالتَّرَبُّصِ وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةٍ خَبَرِيَّةٍ لِمَا ذَكَرْنَا، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي فَنِّ الْمَعَانِي. وَالْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى الرَّفَثِ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُبَاشَرَةُ النِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَالثَّانِي: الْكَلَامُ بِذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ الْمُحْرِمُ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ أَحْلَلْنَا مِنْ إِحْرَامِنَا فَعَلْنَا كَذَا وَكَذَا، وَمِنْ إِطْلَاقِ الرَّفَثِ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ كَجِمَاعِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [٢ \ ١٨٧] فَالْمُرَادُ بِالرَّفَثِ فِي الْآيَةِ: الْمُبَاشَرَةُ بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَمِنْ إِطْلَاقِ الرَّفَثِ عَلَى الْكَلَامِ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: وَرُبَّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ ... كُظَمِ عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْبَيْتَ فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ لَمَّا أَنْشَدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ الرَّاجِزُ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسًا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا فَقِيلَ لَهُ: أَتَرْفَثُ، وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: إِنَّمَا الرَّفَثُ: مَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاءُ، وَفِي لَفْظِ: مَا قِيلَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ النِّسَاءِ. وَالْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى الْفُسُوقِ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى،

стр. 2039

وَالْفُسُوقُ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا: خَوَارِجَ عَنْ جِهَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَقْصِدُهَا. وَالْأَظْهَرُ فِي الْجِدَالِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ الْمُخَاصَمَةُ وَالْمِرَاءُ: أَيْ لَا تُخَاصِمْ صَاحِبَكَ وَتُمَارِهِ حَتَّى تُغْضِبَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ: أَيْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِرَاءٌ وَلَا خُصُومَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَوْضَحَ أَحْكَامَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَمِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ، مِنْ حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [٢ \ ١٩٦] ، وَمِنْ ذَلِكَ تَغْطِيَةُ الْمُحْرِمِ الذَّكَرِ رَأْسَهُ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ فَمَاتَ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي بَعْضِهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَخْمِيرِ الرَّأْسِ، وَفِيهَا النَّهْيُ عَنْ تَخْمِيرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَفِي بَعْضِهَا: النَّهْيُ عَنْ مَسِّهِ بِطِيبٍ، وَفِي بَعْضِهَا: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَأَنْ يُغَطُّوا وَجْهَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ، وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي مَنْعِ تَغْطِيَةِ الْمُحْرِمِ الذَّكَرِ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تُغَطِّي رَأْسَهَا، وَلَا تُغَطِّي وَجْهَهَا، إِلَّا إِذَا خَافَتْ نَظَرَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ إِلَيْهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْ ذَلِكَ لُبْسُ كُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٍ بِالْبَدَنِ، أَوْ بَعْضِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُغَطِّي الرَّأْسَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا: فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الْقَمِيصِ، وَلَا الْعِمَامَةِ، وَلَا السَّرَاوِيلِ، وَلَا الْبُرْنُسِ، وَلَا الْقَبَاءِ، وَلَا الْخُفِّ إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا: فَلَهُ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانُ. وَهَذِهِ أَدِلَّةُ مَنْعِ مَا ذُكِرَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ الْمُحْرِمُ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلِيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.

стр. 2040

وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلِيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ سَالِمٍ. وَأَخْرَجَ بَعْضَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ. ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» يَعْنِي: الْمُحْرِمَ. وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ عَمْرٍو: يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، قَالَ مُسْلِمٌ ﵀: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى جَوَازِ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ، الَّذِي لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، كَجَوَازِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ الْمَذْكُورَيْنِ زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: وَهِيَ جَوَازُ السَّرَاوِيلِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَجِبُ قَبُولُهَا، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ قَبُولَهَا، وَإِطْلَاقُ الْخُفَّيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ الْمَذْكُورَيْنِ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَطْعِهِمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ; لِوُجُوبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا وَسَبَبُهُمَا كَمَا هُنَا، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ. فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ، إِلَّا فِي حَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ، وَأَنَّ قَطْعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ جَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْخُفَّ، إِلَّا

стр. 2041

أَلَّا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ» فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَكَذَا، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ: «وَلَا يَلْبَسُ الْقَبَاءَ» وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ مَحْفُوظَةٌ، انْتَهَى مِنْهُ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ الْقَبَاءِ لِلْمُحْرِمِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ الْبَارِي» فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ: زَادَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «وَلَا الْقَبَاءَ» ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَهُنَّ أَنْ يَلْبَسْنَ مَا شِئْنَ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ، إِلَّا أَنَّهُنَّ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَنْتَقِبْنَ، وَلَا أَنْ يَلْبَسْنَ الْقُفَّازَيْنِ ; لِأَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ. . . الْحَدِيثَ، وَفِيهِ «وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَا وَرْسَ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ، وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ، وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ. انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀ فِي سُنَنِهِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ. وَزَادَ: «وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» . وَفِي لَفْظٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ، وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّهُ الْوَرْسُ، وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حَرِيرٍ، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ خُفًّا، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ صَاحِبِ الْمَغَازِي، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَكْثَرُ مَا أُنْكِرَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ التَّدْلِيسُ، وَإِذَا قَالَ الْمُدَلِّسُ: حَدَّثَنِي،

стр. 2042

احْتُجَّ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ. انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ» : حَدِيثُ أَنَّهُ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ النِّقَابِ، وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا، أَوْ خَزًّا، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ خُفًّا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ زَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: عَنِ النِّقَابِ: «وَمَا مَسَّ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ مِنَ الثِّيَابِ وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ إِلَى قَوْلِهِ «مِنَ الثِّيَابِ» ، وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْمُحْرِمِ الطِّيبَ فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثِيَابِهِ، وَالطِّيبُ هُوَ مَا يُتَطَيَّبُ بِهِ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ، كَالْمِسْكِ، وَالْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالصَّنْدَلِ، وَالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِي مَنْعِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ هُوَ مَا قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ مَا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَالْوَرْسُ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي الَّذِي وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَوْقَصَتْهُ فَمَاتَ. فَفِي لَفْظٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا يُمَسَّ طِيبًا، الْحَدِيثَ. وَفِي لَفْظٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ وَلَا تُقْرِبُوهُ طِيبًا، وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي» ، فَقَوْلُهُ: «وَلَا يُمَسَّ طِيبًا» فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَقَوْلُهُ: «وَلَا تُقْرِبُوهُ طِيبًا» فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ، وَكِلْتَاهُمَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ، وَتَرْتِيبُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ بِالْفَاءِ. قَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ ذَلِكَ الطِّيبِ كَوْنُهُ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا، وَالدِّلَالَةُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ هِيَ مِنْ دَلَالَةِ مَسْلَكِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ. وَمِنْ ذَلِكَ عَقْدُ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَا أَنْ يُزَوِّجَ غَيْرَهُ بِوِلَايَةٍ أَوْ وِكَالَةٍ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَزْوِيجِ الْمُحْرِمِ غَيْرَهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَوْنُ إِحْرَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوِ الْوَلِيِّ مَانِعًا مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» لِجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُدَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي «شَرْحِ مُسْلِمٍ» : قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ: لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ، اهـ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃ وَبِهِ

стр. 2043

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، اهـ. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ إِحْرَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، أَوِ الْوَلِيِّ، لَيْسَ مَانِعًا مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَزَاهُ صَاحِبُ «الْمُغْنِي» ، لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَزْوَ هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحُّ مِنْ عَزْوِ النَّوَوِيِّ لَهُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا كَمَا سَتَرَى: مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، هَلْ هُوَ مَانِعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، أَوْ لَا؟ ، فَهَذِهِ أَدِلَّتُهُمْ. أَمَّا الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ: بِأَنَّ الْإِحْرَامَ مَانِعٌ مِنَ النِّكَاحِ، فَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ، بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ. فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ. فَقَالَ أَبَانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَنْكِحِ الْمُحْرِمَ، وَلَا يَنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ. حَدَّثَنِي نَبِيهُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَكَانَ يَخْطُبُ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَلَى ابْنِهِ. فَأَرْسَلَنِي إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ. فَقَالَ: أَلَا أَرَاهُ أَعْرَابِيًّا: «إِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ» ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ عُثْمَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى (ح) ، وَحَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ. قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ مَطَرٍ، وَيَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانِ بْنِ عَفَّانَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ أَرَادَ

стр. 2044

أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ طَلْحَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْحَجِّ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَجِّ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ. فَأُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: أَلَا أَرَاكَ عِرَاقِيًّا جَافِيًا! إِنِّي سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ» . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرِ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّهُ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو فَزَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ. انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَحَدِيثُ عُثْمَانَ الْمَذْكُورُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَوَاهُ أَيْضًا مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، لَا يَرَوْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُحْرِمُ. وَقَالُوا: إِنْ نَكَحَ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ. وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ الْمَذْكُورُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» رَوَاهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَلَالٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ فِيمَا بَيْنَهُمَا» . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ رَبِيعَةَ. وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ» رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ أَيْضًا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ مُرْسَلًا. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ هَذَا رَوَاهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَرَوَى مَالِكٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَيْضًا، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ

стр. 2045

الْمُسَيَّبِ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلُوا عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ؟ فَقَالُوا: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ: أَنَّ أَبَا غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا، تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَرَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ نِكَاحَهُ. وَحَدِيثُ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ، هَذَا رَوَاهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَوْ يَحُجَّ؟ فَقَالَ: لَا تَتَزَوَّجْهَا، وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، انْتَهَى مِنْهُ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْمُجِدِّ فِي «الْمُنْتَقَى» . فَهَذَا هُوَ حَاصِلُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ الْإِحْرَامَ مَانِعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَمْنَعُ عَقْدَ النِّكَاحِ، فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» ، وَلِلْبُخَارِيِّ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرَفٍ» ، اهـ. قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [٣٣ \ ٢١] وَهُوَ الْمُشَرِّعُ لِأُمَّتِهِ بِأَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَتَقْرِيرِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ تَزْوِيجُ الْمُحْرِمِ حَرَامًا لَمَا فَعَلَهُ ﷺ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِمَنْعِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، قَالُوا: ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» وَصِيغَةُ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ: «لَا يَنْكِحُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» يُرَادُ بِهَا النَّهْيُ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ أَيْ: لَا تَرْفُثُوا، وَلَا تَفْسُقُوا، وَلَا تُجَادِلُوا فِي الْحَجِّ، وَإِيرَادُ الْإِنْشَاءِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ أَبْلَغُ مِنْ إِيرَادِهِ بِصِيغَةِ الْإِنْشَاءِ ; كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْمَعَانِي. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَنْعِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَهُوَ مُعْتَضِدٌ بِمَا ذَكَرْنَا مَعَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَالْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ: يَمْنَعُ إِحْرَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوِ الْوَلِيِّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، بِأَجْوِبَةٍ.

стр. 2046

وَاعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ: أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ نَصَّانِ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَجَبَ التَّرْجِيحُ. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَجْوِبَتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ: «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» وَوَجْهُ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ، هُوَ أَنْ يُفَسَّرَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ مُحْرِمًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا ﷺ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ ذُو الْقِعْدَةِ عَامَ سَبْعٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ: «الْمَغَازِي فِي بَابِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ» . قَالَ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ» انْتَهَى مِنْهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ كَانَتْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ ذُو الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ فِي إِطْلَاقِ الْإِحْرَامِ عَلَى الدُّخُولِ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ كَالدُّخُولِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، أَوْ فِي الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي «اللِّسَانِ» : وَأَحْرَمَ الرَّجُلُ: إِذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ. وَمِنْ إِطْلَاقِ الْإِحْرَامِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَقَدْ أَنْشَدَهُ فِي اللِّسَانِ شَاهِدًا لِذَلِكَ - قَوْلُ زُهَيْرٍ: جَعَلْنَ الْقِنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحُزْنَهُ ... وَكَمْ بِالْقِنَانِ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْرِمِ وَقَوْلُ الْآخَرِ: وَإِذْ فَتَكَ النُّعْمَانُ بِالنَّاسِ مُحْرِمًا ... فَمَلِيءٌ مِنْ عَوْفِ بْنِ كَعْبٍ سَلَاسِلُهْ وَقَوْلُ الرَّاعِي: قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ... وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولًا فَتَفَرَّقَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ عَصَاهُمُ ... شَقَقًا وَأَصْبَحَ سَيْفُهُمْ مَسْلُولًا وَيُرْوَى: فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًا، فَقَوْلُهُ: قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا: أَيْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ ; لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ، سَوَاءٌ كَانَتْ زَمَانِيَّةً، أَوْ مَكَانِيَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ، مِنْهُمُ الْأَصْمَعِيُّ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِ الرَّاعِي: مُحْرِمًا فِي بَيْتِهِ

стр. 2047

الْمَذْكُورِ كَوْنُهُ فِي حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَذِمَّتِهِ الَّتِي يَجِبُ حِفْظُهَا، وَيَحْرُمُ انْتِهَاكُهَا وَأَنَّهُ لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْقَتْلَ، وَمِنْ إِطْلَاقِ الْمُحْرِمِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرِ، قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا ... غَادَرُوهُ لَمْ يُمَتَّعْ بِكَفَنْ يُرِيدُ قَتْلَ شِيرَوَيْهِ أَبَاهُ أَبْرُوِيزَ بْنَ هُرْمُزَ، مَعَ أَنَّ لَهُ حُرْمَةَ الْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدُوهُ بِهِ، حِينَ مَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَحُرْمَةَ الْأُبُوَّةِ وَلَمْ يَفْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ مِنْهُمُ الْقَتْلَ. وَذَلِكَ هُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: مُحْرِمًا، وَعَلَى تَفْسِيرِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهُوَ مُحْرِمٌ بِمَا ذَكَرَ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَأَبِي رَافِعٍ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ تَفْسِيرَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا ذُكِرَ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ كُلَّ الظُّهُورِ، وَأَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بَاقٍ، وَالْمَصِيرَ إِلَى التَّرْجِيحِ إِذًا وَاجِبٌ. وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ وَأَبِي رَافِعٍ أَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ مَيْمُونَةَ هِيَ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ أَدْرَى بِمَا جَرَى لَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ خَبَرَ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ الْمَرْوِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْحَالِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْأُصُولِيُّونَ يُمَثِّلُونَ لَهُ بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمَذْكُورِ، مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ، بِاعْتِبَارِ حَالِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا تُرَجَّحُ بِهِ رِوَايَةُ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِ: أَوْ رَاوِيًا بِاللَّفْظِ أَوْ ذَا الْوَاقِعِ ... وَكَوْنَ مَنْ رَوَاهُ غَيْرَ مَانِعِ وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُهُ: أَوْ ذَا الْوَاقِعِ: أَيْ يُقَدَّمُ خَبَرُ ذِي الْوَاقِعِ الْمَرْوِيِّ عَلَى خَبَرِ غَيْرِهِ كَخَبَرِ مَيْمُونَةَ، مَعَ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِمَّا يُرَجَّحُ بِهِ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا رَافِعٍ هُوَ رَسُولُهُ إِلَيْهَا يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ مُبَاشِرٌ لِلْوَاقِعَةِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ تَرْجِيحُ خَبَرِ الرَّاوِي الْمُبَاشِرِ لِمَا رَوَى عَلَى خَبَرِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لِمَا رَوَى أَعْرَفُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْأُصُولِيُّونَ يُمَثِّلُونَ لَهُ بِخَبَرِ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ: وَكُنْتُ الرَّسُولَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ: «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَمِمَّا يَرْجُحُ بِهِ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ مَعًا، عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنْ مَيْمُونَةَ، وَأَبَا رَافِعٍ كَانَا بَالِغَيْنِ وَقْتَ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ لَيْسَ بِبَالِغٍ وَقْتَ التَّحَمُّلِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ تَرْجِيحُ خَبَرِ الرَّاوِي الْمُتَحَمِّلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى الْمُتَحَمِّلِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ الْبَالِغَ أَضْبَطُ مِنَ الصَّبِيِّ لِمَا تَحْمَّلَ، وَلِلِاخْتِلَافِ فِي قَبُولِ

стр. 2048

خَبَرِ الْمُتَحَمِّلِ، قَبْلَ الْبُلُوغِ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْمُتَحَمِّلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ قَبُولَ خَبَرِ الْمُتَحَمِّلِ قَبْلَ الْبُلُوغِ إِذَا كَانَ الْأَدَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ أَرْجَحُ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَإِلَى تَقْدِيمِ خَبَرِ الرَّاوِي الْمُبَاشِرِ عَلَى خَبَرِ غَيْرِهِ، وَتَقْدِيمِ خَبَرِ الْمُتَحَمِّلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى خَبَرِ الْمُتَحَمِّلِ قَبْلَهُ. أَشَارَ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الرَّاوِي، بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا يُرَجِّحُ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ: أَوْ كَوْنَهُ مُبَاشِرًا أَوْ كَلِفًا ... أَوْ غَيْرَ ذِي اسْمَيْنِ لِلْأَمْنِ مِنْ خَفَا فَإِنْ قِيلَ: يُرَجَّحُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِأَنَّهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ، أَرْجَحُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَهُوَ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ، وَأَرْجَحُ مِمَّا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ غَايَةَ مَا يُفِيدُهُ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ صِحَّةُ الْحَدِيثِ، إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَنَحْنُ لَوْ جَزَمْنَا بِأَنَّهُ قَالَهُ قَطْعًا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ تَرْجِيحِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَأَبِي رَافِعٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُمَا أَعْلَمُ بِحَالِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُ ; لِأَنَّ مَيْمُونَةَ صَاحِبَةُ الْوَاقِعَةِ، وَأَبُو رَافِعٍ هُوَ الرَّسُولُ الْمُبَاشِرُ لِذَلِكَ. فَلْنَفْرِضْ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ، وَأَنَّ أَبَا رَافِعٍ وَمَيْمُونَةَ خَلَّفَاهُ، وَهُمَا أَعْلَمُ بِالْحَالِ مِنْهُ ; لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَعَلُّقًا خَاصًّا بِنَفْسِ الْوَاقِعَةِ لَيْسَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. وَمِنَ الْمُرَجِّحَاتِ الَّتِي رَجَّحَ بِهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَدِيثَ تَزَوُّجِهِ ﷺ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَلَالٌ عَلَى حَدِيثِ تَزَوُّجِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَنَّ الْأَوَّلَ: رَوَاهُ أَبُو رَافِعٍ، وَمَيْمُونَةُ. وَالثَّانِي: رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَحْدَهُ، وَمَا رَوَاهُ الِاثْنَانِ أَرْجَحُ مِمَّا رَوَاهُ الْوَاحِدُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ «مَرَاقِي السُّعُودِ» فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمَرْوِيِّ: وَكَثْرَةُ الدَّلِيلِ وَالرِّوَايَةِ ... مُرَجِّحٌ لَدَى ذَوِي الدِّرَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَلَكِنَّ هَذَا التَّرْجِيحَ الْمَذْكُورَ يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ الْبَارِي» ، وَلَفْظُهُ: فَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَصَحَّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. انْتَهَى مِنْهُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَمَنْ رَوَى أَنَّ تَزْوِيجَهَا فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ - أَكْثَرُ.

стр. 2049

فَإِنْ قِيلَ: يُرْجَّحُ حَدِيثُهُمْ إِذًا بِالْكَثْرَةِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُمْ وَإِنْ كَثُرُوا فَمَيْمُونَةُ، وَأَبُو رَافِعٍ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِالْوَاقِعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَجِّحَاتُ يُرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَضَابِطُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ قُوَّةُ الظَّنِّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ مَيْمُونَةُ ﵂ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ زَوْجِهَا ﷺ الَّذِي هُوَ أَبُو رَافِعٍ أَقْوَى فِي ظَنِّ الصِّدْقِ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ غَيْرُهُمَا، وَأَشَارَ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» إِلَى مَا ذَكَرْنَا بِقَوْلِهِ: قُطْبُ رَحَاهَا قُوَّةُ الْمَظِنَّهْ ... فَهِيَ لَدَى تَعَارُضٍ مَئِنَّهْ وَمِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَا تَنْهَضُ بِهِ الْحُجَّةُ، عَلَى جَوَازِ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ هُوَ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَمَتِهِ ﷺ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ النِّكَاحِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ. وَالْأَظْهَرُ دُخُولُهُ هُوَ ﷺ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ، فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْعُمُومَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ لِتَحَتُّمِ تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْعُمُومِ الْقَوْلِيِّ بِذَلِكَ الْفِعْلِ. فَيَكُونُ خَاصًّا بِهِ ﷺ . وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ النَّصَّ الْقَوْلِيَّ الْعَامَّ الَّذِي يَشْمَلُ النَّبِيَّ بِظَاهِرِ عُمُومِهِ لَا بِنَصٍّ صَرِيحٍ، إِذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلًا يُخَالِفُهُ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُخَصِّصًا لِذَلِكَ الْعُمُومِ الْقَوْلِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ خَاصًّا بِهِ ﷺ . وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ «مَرَاقِي السُّعُودِ» إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ: فِي حَقِّهِ الْقَوْلُ بِفِعْلٍ خُصَّا ... إِنْ يَكُ فِيهِ الْقَوْلُ لَيْسَ نَصًّا فَإِنْ قِيلَ: لَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَلَى مَنْعِ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِيهِ وَطْءُ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِجْمَاعًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدُ. فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ قَرِينَتَيْنِ دَالَّتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، لَا الْوَطْءُ. الْأُولَى: أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ» فَقَوْلُهُ: «وَلَا يُنْكِحُ» بِضَمِّ الْيَاءِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: لَا يُزَوِّجُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ

стр. 2050

الْوَطْءُ ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا زَوَّجَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَطَلَبَ الزَّوْجُ وَطْءَ زَوْجِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِ وَلِيِّهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: «وَلَا يُنْكِحُ» لَيْسَ الْوَطْءَ بَلِ التَّزْوِيجَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقَرِينَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ أَيْضًا: «وَلَا يَخْطُبُ» ، وَالْمُرَادُ خِطْبَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي هِيَ طَلَبَ تَزْوِيجَهَا، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلَبُ بِالْخِطْبَةِ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ أَنْ يُطْلَبَ بِخِطْبَةٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَعْنَاهُ، فَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: «وَلَا يُنْكِحُ» : أَيْ لَا يُزَوِّجُ ; لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي أَوْرَدَ فِيهِ الْحَدِيثَ، هُوَ أَنَّهُ أَرْسَلَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ حَدِيثَ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ تَفْسِيرَهُ الْحَدِيثَ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِيهِ الْعَقْدُ لَا الْوَطْءُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَالْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ التَّزْوِيجِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عِنْدَ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ: فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَوْ يَحُجَّ، قَالَ: لَا تَتَزَوَّجْهَا وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، اهـ. فَتَرَاهُ صَرَّحَ بِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ التَّزْوِيجُ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا: فِي إِسْنَادِهِ أَيُّوبُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَدْ وُثِّقَ، وَكَالْأَثَرِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ: أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِكَاحَهُ، اهـ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ يُفَسِّرُ النِّكَاحَ الْمَمْنُوعَ فِي الْإِحْرَامِ بِالتَّزْوِيجِ وَلَا يَخُصُّهُ بِالْوَطْءِ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى» بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَنْ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ نَزَعْنَا مِنْهُ امْرَأَتَهُ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيًا ﵁ قَالَ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، فَإِنْ نَكَحَ رُدَّ نِكَاحُهُ. وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ شَوْذَبٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.

стр. 2051

قَالَ: وَرُوِّينَا فِي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى قَالَ: تَزَوَّجْتُ، وَأَنَا مُحْرِمٌ فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ فَقَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ، هُوَ أَنَّ إِحْرَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوِ الْوَلِيِّ مَانِعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ ; لِحَدِيثِ عُثْمَانَ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ شَيْءٌ يُعَارِضُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا لَكَ أَوْجُهَ تَرْجِيحِهِمَا عَلَيْهِ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَهَذَا فِعْلٌ خَاصٌّ لَا يُعَارِضُ عُمُومًا قَوْلِيًّا لِوُجُوبِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ الْقَوْلِيِّ الْمَذْكُورِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. أَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَا تَنْهَضُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى تَوْهِيمِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّ الرَّاوِيَ عَنْ سَعِيدٍ، لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ كَمَا تَرَى، وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَازِعِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ كَقِيَاسِ مَنْ أَجَازَ النِّكَاحَ فِي الْإِحْرَامِ، النِّكَاحَ عَلَى شِرَاءِ الْأَمَةِ فِي الْإِحْرَامِ لِقَصْدِ الْوَطْءِ، وَكَقِيَاسِ مَنْ مَنَعَهُ النِّكَاحَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَعْقُبُهُ جَوَازُ التَّلَذُّذِ ; كَالْوَطْءِ وَالْقُبْلَةِ تَرَكْنَاهُ وَتَرَكْنَا مُنَاقَشَتَهُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَنْصُوصَةِ فَلَا حَاجَةَ فِيهَا إِلَى الْقِيَاسِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الطَّرَفَانِ لَا تَنْهَضُ بِهَا حُجَّةٌ. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ مَا يَمْتَنِعُ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الْمُحْرِمِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ مُطَلَّقَتَهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ ; لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ مُؤْتَنَفٍ ; لِأَنَّهَا لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى عَقْدٍ، وَلَا صَدَاقٍ، وَلَا إِلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ وَلَا الزَّوْجَةِ فَلَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ» وَجَوَازُ الرَّجْعَةِ فِي الْإِحْرَامِ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَأَصْحَابُهُمْ:

стр. 2052

مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا رِوَايَةً عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» فِي شَرْحِهِ قَوْلَ الْخِرَقِيِّ: وَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَّجِرَ وَيَصْنَعَ الصَّنَائِعَ، وَيَرْتَجِعَ امْرَأَتَهُ - مَا نَصُّهُ: فَأَمَّا الرَّجْعَةُ: فَالْمَشْهُورُ إِبَاحَتُهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّهَا لَا تُبَاحُ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَجْهُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ وَالرَّجْعَةَ إِمْسَاكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [٦٥ \ ٢] فَأُبِيحَ ذَلِكَ كَالْإِمْسَاكِ قَبْلَ الطَّلَاقِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» فِي الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ: أَنَّهُ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ، إِذَا كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: جَوَازُ الرَّجْعَةِ، وَالثَّانِي: مَنْعُهَا فِي الْإِحْرَامِ. الْفَرْعُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى تَزْوِيجِ وَلِيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِذَلِكَ الْوَكِيلِ تَزْوِيجُهَا بِالْوَكَالَةِ فِي حَالَةِ إِحْرَامِهِ ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الزَّوْجِ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ» فَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ السُّلْطَانِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ بِهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ دَلِيلٌ ; فَالتَّحْقِيقُ مَنْعُ تَزْوِيجِهِ فِي الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ، وَلَا دَلِيلَ مَعَهُمْ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ أَقْوَى مِنَ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ. بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُسْلِمَ الْخَاصَّ، لَا يُزَوِّجُ الْكَافِرَةَ بِخِلَافِ السُّلْطَانِ، فَلَهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُزَوِّجَ الْكَافِرَةَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّ لِلشَّاهِدِ الْمُحْرِمِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى عَقْدِ نِكَاحٍ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَتَنَاوَلُهُ حَدِيثُ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ» لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالشَّاهِدُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قَائِلًا: إِنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ رُكْنٌ فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ تَجُزْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ كَالْوَلِيِّ، وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى النِّكَاحِ.

стр. 2053

الْفَرْعُ الْخَامِسُ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي: أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ امْرَأَةً، وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمَةُ، لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ خِطْبَتُهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ، عِنْدَ مُسْلِمٍ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُرْمَةَ الْخِطْبَةِ كَحُرْمَةِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ الصِّيغَةَ فِيهِمَا مُتَّحِدَةٌ، فَالْحُكْمُ بِحُرْمَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ حُرْمَةُ النِّكَاحِ وَحُرْمَةُ وَسِيلَتِهِ الَّتِي هِيَ الْخِطْبَةُ كَمَا تَحْرُمُ خِطْبَةُ الْمُعْتَدَّةِ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْخِطْبَةَ لَا تَحْرُمُ فِي الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنَ النَّصِّ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: عَلَى أَنَّ الْمُتَعَاطِفَيْنِ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْآخَرِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ الْآيَةَ [٦ \ ١٤١] . قَالُوا: الْأَكْلُ مُبَاحٌ وَإِيتَاءُ الْحَقِّ وَاجِبٌ، لَا دَلِيلَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «وَلَا يَخْطُبُ» فَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، كَقَوْلِهِ قَبْلَهُ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ» . الْفَرْعُ السَّادِسُ: إِذَا وَقَعَ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي حَالِ إِحْرَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوِ الْوَلِيِّ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى فَسْخِهِ بِطَلَاقٍ ; كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآثَارِ الَّتِي قَدَّمْنَا، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ: أَنَّهُ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ أَجَازَهُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. الْفَرْعُ السَّابِعُ: أَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّهُ إِذَا وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا فِي التَّزْوِيجِ، ثُمَّ أَحْرَمَ أَحَدُهُمَا أَوِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الْوِكَالَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْوِكَالَةِ السَّابِقَةِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: تَنْفَسِخُ الْوِكَالَةُ بِذَلِكَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا كَانَ حَلَالًا وَالْمُوَكِّلَ مُحْرِمًا، فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْحَلَالِ عَقْدُ النِّكَاحِ، قَبْلَ تَحَلُّلِ مُوَكِّلِهِ خِلَافًا لِمَنْ حَكَى وَجْهًا بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ غَلَطٌ. الْفَرْعُ الثَّامِنُ: اعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْإِحْرَامَ يَحْرُمُ بِسَبَبِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَطْءُ امْرَأَتِهِ فِي الْفَرْجِ وَمُبَاشَرَتُهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [٢ \ ١٩٧] وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الرَّفَثَ شَامِلٌ لِلْجِمَاعِ، وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَقَدْ أَرَدْنَا فِي هَذَا الْفَرْعِ أَنْ نُبَيِّنَ مَا يَلْزَمُهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ: أَنَّ

стр. 2054

حَجَّهُ يَفْسُدُ بِذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، إِلَّا الْجِمَاعُ خَاصَّةً، وَإِذَا فَسَدَ حَجُّهُ بِجِمَاعِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ: فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ حَجِّهِ هَذَا الَّذِي أَفْسَدَهُ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَجَمَاعَاتٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَدَنَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَقَالَ دَاوُدُ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ بَدَنَةٍ وَبَقَرَةٍ وَشَاةٍ، فَإِنْ كَانَ جِمَاعُهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَحَجُّهُ فَاسِدٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ﵏. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: حَجُّهُ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ بَدَنَةً مُتَمَسِّكًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» وَإِنْ كَانَ جِمَاعُهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ: فَحَجُّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: تَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ: فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ الْحَلْقِ، وَبَعْدَ الْوُقُوفِ: فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: فِيمَا يَلْزَمُهُ هَلْ هُوَ شَاةٌ، أَوْ بَدَنَةٌ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّ حَجَّهُ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَعُمْرَةٌ، وَوَجْهُهُ عِنْدَهُ أَنَّ الْجِمَاعَ لَمَّا كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، لَمْ يَفْسُدْ بِهِ الْحَجُّ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ فِيهِ نَقْصٌ بِسَبَبِ الْجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي، فَكَانَ هَذَا النَّقْصُ عِنْدَهُ يُجْبَرُ بِالْعُمْرَةِ وَالْهَدْيِ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي الْحَجِّ، مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ إِصَابَتُهُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَهْدِيَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ، اهـ. وَنَقَلَ الْبَاجِّيُّ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ مَحِلَّ فَسَادِ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْإِفَاضَةِ وَبَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَطْءُ وَاقِعًا يَوْمَ النَّحْرِ، أَمَّا إِنْ أَخَّرَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَطَوَافَ الْإِفَاضَةِ مَعًا عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَجَامَعَ قَبْلَهُمَا: فَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ: وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَدْيَانِ: هَدْيٌ لِوَطْئِهِ، وَهَدْيٌ لِتَأْخِيرِ رَمْيِ الْجَمْرَةِ انْتَهَى مِنْهُ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْمَوَّاقِ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ خَلِيلٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ، وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإِنْ يَنْظُرْ قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا، إِنْ وَقَعَ قَبْلَ إِفَاضَتِهِ وَعَقِبَهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ وَإِلَّا فَهَدْيٌ، اهـ. فَتَحَصَّلَ: أَنَّ الْجِمَاعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ، عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ الثَّانِي: لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ. وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا مَا يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ

стр. 2055

بِعَرَفَةَ، وَقَبْلَ التَّحَلُّلِ: أَفْسَدَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ قَرِيبًا. وَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْجِمَاعِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ، وَالْمُفَاخَذَةِ، وَاللَّمْسِ بِقَصْدِ اللَّذَّةِ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَلْزَمُهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ كُلَّ تَلَذُّذٍ بِمُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ قُبْلَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، إِذَا حَصَلَ مَعَهُ إِنْزَالٌ أَفْسَدَ الْحَجَّ. وَقَدْ بَيَّنَّا قَرِيبًا مَا يَلْزَمُ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ أَدَامَ النَّظَرَ بِقَصْدِ اللَّذَّةِ فَأَنْزَلَ: فَسَدَ عِنْدَ مَالِكٍ حَجُّهُ، وَلَوْ أَنْزَلَ بِسَبَبِ النَّظْرَةِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ إِدَامَةٍ: لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ. أَمَّا إِذَا تَلَذَّذَ بِالْمَرْأَةِ بِمَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَلَمْ يُنْزِلْ فَإِنْ كَانَ بِتَقْبِيلِ الْفَمِ: فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَالْقُبْلَةُ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْقُبْلَةِ كَاللَّمْسِ بِالْيَدِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ إِنْ قَصَدَ بِهِ اللَّذَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهَا بِهِ، فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ، وَلَا هَدْيَ فِيهِ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ اللَّذَّةَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِلَّا إِذَا حَصَلَ بِسَبَبِهِ مَذْيٌ فَيَلْزَمُ فِيهِ الْهَدْيُ، وَمَحَلُّ هَذَا عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ الْمُلَاعَبَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ الْكَثِيرَةِ فَفِيهَا الْهَدْيُ. فَتَحَصَّلَ: أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فَسَادُ الْحَجِّ بِمُقْدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، إِنْ أَنْزَلَ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَفِي الْقُبْلَةِ خَاصَّةً مُطْلَقًا: هَدْيٌ وَكَذَلِكَ كَلُّ تَلَذُّذٍ خَرَجَ بِسَبَبِهِ مَذْيٌ، وَكَذَلِكَ الْمُلَاعَبَةُ الطَّوِيلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ الْكَثِيرَةُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ التَّلَذُّذِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَلَا يَفْسُدُ الْحَجُّ عِنْدَهُ إِلَّا بِالْجِمَاعِ، أَوِ الْإِنْزَالِ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ التَّلَذُّذَ بِمَا دُونَ الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ، وَالْمُفَاخَذَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: يَلْزَمُ بِسَبَبِهِ دَمٌ، وَسَوَاءً عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ أَنَزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَلَوْ رَدَّدَ النَّظَرَ إِلَى امْرَأَتِهِ حَتَّى أَمْنَى، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀: هُوَ أَنَّهُ إِنْ بَاشَرَ امْرَأَتَهُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ: أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةُ الْأَذَى وَالِاسْتِمْنَاءُ عِنْدَهُ، كَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَصَحَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ عَلَيْهِ شَاةً، وَلَوْ رَدَّدَ النَّظَرَ إِلَى امْرَأَتِهِ، حَتَّى أَمْنَى، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: أَنَّهُ إِنْ وَطِئَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَلَمْ يُنْزِلْ: فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ أَنْزَلَ: فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَفِي فَسَادِ حَجِّهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ إِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَبِهَا جَزَمَ الْخِرَقِيُّ. وَقَالَ فِي «الْمُغْنِي» : فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ،

стр. 2056

وَالْحَسَنِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَا يَجِبُ بِنَوْعِهِ حَدٌّ فَلَمْ يَفْسُدُ الْحَجُّ كَمَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إِجْمَاعَ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَحْمَدَ: مِنْ أَنَّهُ إِنْ أَنْزَلَ تَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ: أَيْ سَوَاءٌ قُلْنَا بِفَسَادِ الْحَجِّ، أَوْ عَدَمِ فَسَادِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِلُزُومِ الْبَدَنَةِ فِي ذَلِكَ: الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ «الْمُغْنِي» . وَإِنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُنْزِلْ أَوْ أَنْزَلَ جَرَى عَلَى حُكْمِ الْوَطْءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا. وَإِنْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَصَرَفَ بَصَرَهُ، فَأَمْنَى فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ، حَتَّى أَمْنَى: فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ عِنْدَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ، حَتَّى أَمْنَى فَسَدَ حَجُّهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ بِالْجِمَاعِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ فَوْرًا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْآثَارُ الَّتِي سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَدِلَّةِ هَذَا الْمَبْحَثِ. وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَيْضًا - أَنَّ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ أُفْسِدَا حَجُّهُمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِذَا أَحْرَمَا بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ لِئلا يُفْسِدَا حَجَّةَ الْقَضَاءِ أَيْضًا بِجِمَاعٍ آخَرَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَيْضًا: أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً لَهُ فِي الْجِمَاعِ يَلْزَمُهَا مِثْلُ مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ مِنَ الْهَدْيِ وَالْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدِ وَالْقَضَاءِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَكْفِيهِمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنْ أَكْرَهَهَا: لَا هَدْيَ عَلَيْهَا. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي جِمَاعِ الْمُحْرِمِ، وَمُبَاشَرَتِهِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، فَاعْلَمْ أَنَّ غَايَةَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْإِحْرَامِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [٢ \ ١٩٧] ، أَمَّا أَقْوَالُهُمْ فِي فَسَادِ الْحَجِّ وَعَدَمِ فَسَادِهِ، وَفِيمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا يَحْتَجُّونَ بِآثَارٍ مَرْوِيَّةٍ عَنِ الصَّحَابَةِ. وَلَمْ أَعْلَمْ بِشَيْءٍ

стр. 2057

مَرْوِيٍّ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا مُنْقَطِعًا لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ: وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، أَنْبَأَ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَسَوِيُّ الدَّاوُدِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، ثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي: ابْنَ سَلَامٍ، عَنْ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ: شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَأَهْدِيَا هَدْيًا، ثُمَّ ارْجِعَا حَتَّى إِذَا جِئْتُمَا الْمَكَانَ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَتَفَرَّقَا وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى فَتُقْبِلَانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَأَحْرِمَا وَأَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا» . هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ الْأَسْلَمِيُّ بِلَا شَكٍّ، انْتَهَى مِنَ الْبَيْهَقِيِّ. وَتَرَاهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَانْقِطَاعُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي «نَصْبِ الرَّايَةِ» بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَذَكَرَ قَوْلَ الْبَيْهَقِيِّ: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ - مَا نَصُّهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ نُعَيْمٍ مَجْهُولٌ، وَيَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ ثِقَةٌ. وَقَدْ شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ، وَلَا يُعْلَمُ عَمَّنْ هُوَ مِنْهُمَا، وَلَا عَمَّنْ حَدَّثَهُمْ بِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فَهُوَ لَا يَصِحُّ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا: «أَتِمَّا حَجَّكُمَا، ثُمَّ ارْجِعَا، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى، فَإِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا، وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا» انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَفِي هَذَا أَنَّهُ أَمَرَهُمَا بِالتَّفَرُّقِ فِي الْعَوْدَةِ، لَا فِي الرُّجُوعِ. وَحَدِيثُ الْمَرَاسِيلِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْهُ، قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا بِابْنِ لَهِيعَةَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ مِنْ «نَصْبِ الرَّايَةِ» لِلزَّيْلَعِيِّ. وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ الْمُنْقَطِعَ سَنَدُهُ تَبَيَّنَ: أَنَّ عُمْدَةَ الْفُقَهَاءِ فِيهَا عَلَى الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» بَلَاغًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ سَأَلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ؟ فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ يَمْضِيَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ. قَالَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ

стр. 2058

عَنْهُ -: وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامِ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، اهـ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا كَمَا تَرَى. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَيْضًا: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ يَقُولُ: مَا تَرَوْنَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ الْقَوْمُ شَيْئًا. فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَبَعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِلَى عَامِ قَابِلٍ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لِيَنْفُذَا لِوَجْهِهِمَا فَلْيُتِمَّا حَجَّهُمَا الَّذِي أَفْسَدَاهُ، فَإِذَا فَرَغَا رَجَعَا، فَإِنْ أَدْرَكَهُمَا حَجُّ قَابِلٍ فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ وَالْهَدْيُ، وَيُهِلَّانِ مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا بِحَجِّهِمَا الَّذِي أَفْسَدَاهُ وَيَتَفَرَّقَانِ، حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا. قَالَ مَالِكٌ: يَهْدِيَانِ جَمِيعًا بَدَنَةً بَدَنَةً. قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي الْحَجِّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَحَجُّ قَابِلٍ، فَإِنْ كَانَتْ إِصَابَتُهُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ، وَيَهْدِيَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَالَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءٌ دَافِقٌ. قَالَ: وَيُوجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا الْمَاءُ الدَّافِقُ، إِذَا كَانَ مِنْ مُبَاشَرَةٍ، فَأَمَّا رَجُلٌ ذَكَرَ شَيْئًا حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ دَافِقٌ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ مَاءٌ دَافِقٌ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْقُبْلَةِ إِلَّا الْهَدْيِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يُصِيبُهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِرَارًا فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَهِيَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُطَاوِعَةٌ: إِلَّا الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ، إِنْ أَصَابَهَا فِي الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا فِي الْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعُمْرَةِ الَّتِي أُفْسِدَتْ وَالْهَدْيُ، اهـ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَيْضًا، عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ، وَهُوَ بِمِنًى، قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَعْتَمِرُ وَيَهْدِي. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ فِي مُحْرِمٍ بِحَجَّةٍ أَصَابَ امْرَأَتَهُ: يَعْنِي وَهِيَ مُحْرِمَةٌ؟ قَالَ: يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ

стр. 2059

قَابِلٍ مِنْ حَيْثُ كَانَا أَحْرَمَا، وَيَفْتَرِقَانِ حَتَّى يُتِمَّا حَجَّهُمَا، قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: وَعَلَيْهِمَا بَدَنَةٌ، إِنْ أَطَاعَتْهُ، أَوِ اسْتَكْرَهَهَا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمَا بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ، اهـ. وَهَذَا الْأَثَرُ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ عَطَاءً لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ ﵁ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا: أَنْ مُجَاهِدًا سُئِلَ عَنِ الْمُحْرِمِ، يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَجِّهِمَا، ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَلَالًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِذَا كَانَ مَنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا، وَتَفَرَّقَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا، فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّقَا، وَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَاهْدِيَا هَدْيًا. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَهِلَّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، اهـ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْأَثَرِ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَسْأَلُهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ؟ فَأَشَارَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ فَسَلْهُ. قَالَ شُعَيْبٌ: فَلَمْ يَعْرِفْهُ الرَّجُلُ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: بَطَلَ حَجُّكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَ: اخْرُجْ مَعَ النَّاسِ وَاصْنَعْ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا، فَحَجٌ وَاحِدٌ، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَنَا مَعَهُ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ، قَالَ شُعَيْبٌ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَنَا مَعَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَالَ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: قَوْلِي مِثْلُ مَا قَالَا، اهـ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَتَرَى هَذَا الْأَثَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَنْهُمْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةً، وَفِي بَعْضِهَا: أَنَّهُمَا تَكْفِيهِمَا بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَهَذِهِ الْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَبَعْضِ خِيَارِ التَّابِعِينَ هِيَ عُمْدَةُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. الْفَرْعُ التَّاسِعُ: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّهُ إِذَا جَامَعَ مِرَارًا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَاهُ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ كَفَّرَ لَزِمَتْهُ بِالْجِمَاعِ الثَّانِي كَفَّارَةٌ أُخْرَى، كَمَا أَنَّهُ إِنْ زَنَى مِرَارًا قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ كَفَاهُ حَدٌّ وَاحِدٌ إِجْمَاعًا، وَإِنْ زَنَى بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لَزِمَهُ حَدٌّ آخَرُ،

стр. 2060

وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ مُطْلَقًا: مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَعَطَاءٌ. وَالْأَصَحُّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ بَدَنَةٌ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ شَاةٌ. وَعَنْ أَبِي ثَوْرٍ: تَلْزَمُهُ بِكُلِّ مَرَّةٍ بَدَنَةٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. فَدَمٌ وَاحِدٌ وَإِلَّا فَدَمَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا جَامَعَ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ؟ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ: أَنَّ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَسَادِ الْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْقَدِيمُ. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: إِنْ وَطِئَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَمَّا إِنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِمَاعَ الْمُفْسِدَ لِلْحَجِّ هُوَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ وَالْغُسْلِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي كَلَامِ مَالِكٍ فِي «الْمُوَطَّأِ» ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِتْيَانَ فِي الدُّبُرِ كَالْجِمَاعِ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْ فِعْلِ كُلِّ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ أَفْسَدَا حَجَّهُمَا، وَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي حِجَّةِ الْقَضَاءِ. لَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ. وَظَاهِرُ الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ ذَلِكَ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ، وَعَنْ مَالِكٍ: يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ، وَلَا يُنْتَظَرُ مَوْضِعُ الْجِمَاعِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَظْهَرُ. وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ: أَنَّ التَّفْرِيقَ الْمَذْكُورَ وَاجِبٌ وَهُوَ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالثَّانِي عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ وَجْهٌ أَيْضًا عَنِ الْحَنَابِلَةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» وَنَقْلَهَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» ، عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَطَاءٍ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَفْتَرِقَانِ قِيَاسًا عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُمَا إِذَا قَضَيَا الْيَوْمَ الَّذِي أَفْسَدَاهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَاعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا خِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْهَدْيِ الَّذِي عَلَى الْمُفْسِدِ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: بَدَنَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَاتٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمُ ابْنُ

стр. 2061

عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَمْ نَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْبَدَنَةِ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْبَدَنَةِ كَفَتْهُ شَاةٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَخْرَجَ بِقِيمَةِ الْبَدَنَةِ طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُفْسِدَ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ إِذَا قَضَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ فِي حَجِّهِ الْفَاسِدِ، كَأَنْ يَكُونَ فِي حَجِّهِ الْفَاسِدِ مُفْرِدًا وَيَقْضِيهِ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَيَقْضِيهِ قَارِنًا فَلَا إِشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مُفْرِدًا فِي الْحَجِّ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ قَارِنًا فَلَا إِشْكَالَ ; لِأَنَّهُ جَاءَ بِقَضَاءِ الْحَجِّ مَعَ زِيَادَةِ الْعُمْرَةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ قَارِنًا فِي الْحَجِّ الَّذِي أَفْسَدَهُ ثُمَّ قَضَاهُ مُفْرِدًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّمَ اللَّازِمَ لَهُ بِسَبَبِ الْقِرَانِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِفْرَادِهِ فِي الْقَضَاءِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : إِذَا وَطِئَ الْقَارِنُ، فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ، وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِمَا، وَتَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ لِلْوَطْءِ، وَشَاةٌ بِسَبَبِ الْقِرَانِ، فَإِذَا قَضَى لَزِمَتْهُ أَيْضًا شَاةٌ أُخْرَى، سَوَاءٌ قَضَى قَارِنًا، أَمْ مُفْرِدًا لِأَنَّهُ تَوَجَّبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ قَارِنًا، فَإِذَا قَضَى مُفْرِدًا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ. قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ وَطِئَ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ، وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِمَا وَالْقَضَاءُ، وَعَلَيْهِ شَاتَانِ: شَاةٌ لِإِفْسَادِ الْحَجِّ، وَشَاةٌ لِإِفْسَادِ الْعُمْرَةِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَذَبْحُ شَاةٍ، وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ فَتَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ بِسَبَبِهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِمَّنْ قَالَ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ وَاحِدٌ: عَطَاءٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ الْحَكَمُ: يَلْزَمُهُ هَدْيَانِ انْتَهَى مِنْ «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَنَا: أَنَّ الزَّوْجَيْنِ الْمُفْسِدَيْنِ حَجَّهُمَا بِالْجِمَاعِ تَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ، إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَوْجَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالضَّحَّاكُ وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيًا، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ:

стр. 2062

عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ كَانَ قَبْلَ عَرَفَةَ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ. وَالثَّانِيَةُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيٌ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ: لَزِمَهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ. الْفَرْعُ الْعَاشِرُ: إِذَا جَامَعَ الْمُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ طَوَافِهِ: فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ إِجْمَاعًا، وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا وَالْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ، فَإِنْ كَانَ جِمَاعُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ السَّعْيِ فَعُمْرَتُهُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهَا، وَالْقَضَاءُ وَالدَّمُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَضَاءَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ جَامَعَ الْمُعْتَمِرُ بَعْدَ أَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، فَسَدَتْ، وَعَلَيْهِ إِتْمَامُهَا وَالْقَضَاءُ وَدَمٌ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ جِمَاعُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَلَكِنَّهُ قَبْلَ الْحَلْقِ، فَلَمْ يَقُلْ بِفَسَادِ عُمْرَتِهِ إِلَّا الشَّافِعِيُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَحْفَظُ هَذَا عَنْ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَعَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعْلَى. انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ النَّوَوِيِّ. وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّ الْمُحْرِمَةَ الَّتِي أَكْرَهَهَا زَوْجُهَا عَلَى الْوَطْءِ حَتَّى أَفْسَدَ حَجَّهَا أَوْ عُمْرَتَهَا بِذَلِكَ، أَنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ اللَّازِمَةَ لَهَا بِسَبَبِ حَجَّةِ الْقَضَاءِ مِنْ نَفَقَاتِ سَفَرِهَا فِي الْحَجِّ، كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالْهَدْيِ اللَّازِمِ لَهَا كُلَّهُ عَلَى الزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ بَانَتْ مِنْهُ، وَنَكَحَتْ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَاجِزًا لِفَقْرِهِ صَرَفَتْ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إِنْ أَيْسَرَ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَطَاءٍ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ تَكَالِيفِ حَجَّةِ الْقَضَاءِ فِي مَالِهَا لَا فِي مَالِ الزَّوْجِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ الشِّلْبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ، شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ فِي الْفِقْهِ الْحَنَفِيِّ مَا نَصُّهُ: قَالَ فِي «شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ» : أَمَّا الْمَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ نَائِمَةً، أَوْ جَامَعَهَا صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ، فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَلَا تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَزِمَهَا عَلَى الْمُكْرِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَزِمَهَا فِيمَا بَيْنَهَا، وَبَيْنَ اللَّهِ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ أُكَرِهَ عَلَى

стр. 2063

النَّذْرِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، فَإِذَا أَدَّى مَا لَزِمَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ، كَذَلِكَ هُنَا انْتَهَى إِتْقَانِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. انْتَهَى كَلَامُ الشِّلْبِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ حَاشِيَتِهِ الْمَذْكُورَةِ: ثُمَّ إِذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً حَتَّى فَسَدَ حَجُّهَا وَلَزِمَهَا دَمٌ، هَلْ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ: لَا، وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ: نَعَمْ، اهـ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَنَا لُزُومُ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا الَّذِي أَكْرَهَهَا، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ جِدًّا ; لِأَنَّ سَبَبَهُ هُوَ جِنَايَتُهُ بِالْجِمَاعِ، الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ شَرْعًا، وَمَنْ تَسَبَّبَ فِي غَرَامَةِ إِنْسَانٍ بِفِعْلِ حَرَامٍ، فَإِلْزَامُهُ تِلْكَ الْغَرَامَةَ لَا شَكَّ فِي ظُهُورِ وَجْهِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَصُّهُ: وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً عَلَى الْجِمَاعِ، فَلَا هَدْيَ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَهْدِيَ عَنْهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ جِمَاعٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الصِّيَامِ، وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَهْدِيَ عَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ ; لِأَنَّ إِفْسَادَ الْحَجِّ وُجِدَ مِنْهُ فِي حَقِّهَا، فَكَانَ عَلَيْهِ لِإِفْسَادِهِ حَجَّهَا هَدْيٌ قِيَاسًا عَلَى حَجِّهِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ فَسَادَ الْحَجِّ ثَبَتَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْهَدْيَ عَلَيْهَا، وَيَتَحَمَّلُهُ الزَّوْجُ عَنْهَا، فَلَا يَكُونُ رِوَايَةً ثَالِثَةً. انْتَهَى مِنْهُ. وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ مِنْهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ ; كَمَا بَيَّنَهُ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» . كَمَا إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً لَهُ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَكَالِيفَ حَجَّةِ الْقَضَاءِ، وَكُلَّ مَا سَبَّبَهُ الْوَطْءُ الْمَذْكُورُ ; لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ، وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ. الْفَرْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: اعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُهُ عَلَى الْفَوْرِ لَا عَلَى التَّرَاخِي، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَانَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ; لِأَنَّ النَّفْلَ مِنْهُمَا يَصِيرُ فَرْضًا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ فِي هَذَا الْفَرْعِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ، فَأَفْسَدَهُ أَيْضًا بِالْجِمَاعِ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَلَزِمَهُ قَضَاءٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَيَقَعُ الْقَضَاءُ عَنِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ أَيِ: الَّذِي أَفْسَدَهُ أَوَّلًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِمَّا يُمْنَعُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ حَلْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ ; لِقَوْلِهِ

стр. 2064

تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [٢ \ ١٩٦] ، فَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ لِأَجْلِ مَرَضٍ، أَوْ أَذًى، كَكَثْرَةِ الْقُمَّلِ فِي رَأْسِهِ، فَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى مَا يَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [٢ \ ١٩٦] . وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا ; لِأَنَّ لَفْظَةَ «أَوْ» فِي قَوْلِهِ: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ حَرْفُ تَخْيِيرٍ، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الصِّيَامَ الْمَذْكُورَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَمَا سِوَى هَذَا فَهُوَ خِلَافُ التَّحْقِيقِ. وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأْسِي، فَحُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً» ؟ قُلْتُ: لَا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ قَالَ: «هُوَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: «أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ:» كَأَنَّ هَوَامَّ رَأْسِكَ تُؤْذِيكَ «؟ فَقُلْتُ: أَجَلْ. قَالَ:» فَاحْلِقْهُ، وَاذْبَحْ شَاةً، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ «رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ» فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوِ انْسُكْ شَاةً، فَحَلَقْتُ رَأْسِي ثُمَّ نَسَكْتُ» وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ:» لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ «؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ «وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ:» وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا فَقَالَ: «يُؤْذِيكَ هَوَامَّكَ» ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، أَوِ احْلِقْ» قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ «وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا» فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يَهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبَعْضُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِيهِ غَيْرُهَا بِمَعْنَاهَا،

стр. 2065

وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ. فَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ: مُبِيِّنَةٌ غَايَةَ الْبَيَانِ آيَةَ الْفِدْيَةِ، مُوَضِّحَةٌ: أَنَّ الصِّيَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ فِيهَا ثَلَاثَةُ آصُعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَأَنَّ النُّسُكَ فِيهَا مَا تَيَسَّرَ شَاةٌ فَمَا فَوْقَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، كَمَا هُوَ نَصُّ الْآيَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ ; لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْحَسَنِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَنَافِعٍ: أَنَّ الصِّيَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةَ عَلَى عَشْرَةِ مَسَاكِينَ - خِلَافُ الصَّوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَأَنَّ مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: مِنْ أَنَّهُ يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الْبُرِّ خَاصَّةً لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْبُرِّ كَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ مَثَلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ صَاعٍ كَامِلٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ - خِلَافُ الصَّوَابِ أَيْضًا لِمُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا. وَأَنَّ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ أَوَّلًا النُّسُكُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نُسُكًا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ - خِلَافُ الصَّوَابِ أَيْضًا، لِلْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ وَاضِحَةٌ صَرِيحَةٌ فِي التَّخْيِيرِ. وَمِنْ أَصَرَحِهَا فِي التَّخْيِيرِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنْ شِئْتَ فَانْسُكْ نَسِيكَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ» ، اهـ. فَصَرَاحَةُ هَذَا فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ كَمَا تَرَى. وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ» انْتَهَى مِنَ «الْمُوَطَّأِ» . وَقَوْلُهُ: «أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ» صَرِيحٌ فِي التَّخْيِيرِ كَمَا تَرَى، مَعَ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، وَالرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ لِصَرَاحَةِ لَفْظَةِ، أَوْ فِي التَّخْيِيرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا الَّذِي بَيَّنَّا حُكْمَهُ الْآنَ: هُوَ حَلْقُ جَمِيعِ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَمَّا حَلْقُ بَعْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَوْ شَعْرِ بَاقِي الْجَسَدِ غَيْرِ الرَّأْسِ، فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 2066

وَاعْلَمْ أَنَّ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النُّسُكَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ: بَقَرَةٌ، يُجَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَسَنَذْكُرُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ، وَالْجَوَابَ عَنْهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَخْبَرَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ فِي رَأْسِهِ أَذًى، فَحَلَقَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَهْدِيَ هَدْيًا بَقَرَةً. انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الْفَتْحِ» بَعْدَ أَنْ أَشَارَ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: هَذَا وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَلَقَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رَأْسَهُ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْتَدِيَ فَافْتَدَى بِبَقَرَةٍ. وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: افْتَدَى كَعْبٌ مِنْ أَذًى كَانَ فِي رَأْسِهِ، فَحَلَقَهُ - بِبَقَرَةٍ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قِيلَ لِابْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: مَا صَنَعَ أَبُوكَ حِينَ أَصَابَهُ الْأَذَى فِي رَأْسِهِ؟ قَالَ: ذَبْحَ بَقَرَةً. انْتَهَى مِنَ «الْفَتْحِ» . ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا تَدُورُ عَلَى نَافِعٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي الْوَاسِطَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ، وَقَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهَا، مِنْ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ كَعْبٌ وَفَعَلَهُ إِنَّمَا هُوَ شَاةٌ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ذَبَحَ شَاةً لِأَذًى كَانَ أَصَابَهُ، وَهَذَا أَصْوَبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاعْتَمَدَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَقَالَ: أَخَذَ كَعْبٌ بِأَرْفَعِ الْكَفَّارَاتِ، وَلَمْ يُخَالِفِ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ ذَبْحِ الشَّاةِ، بَلْ وَافَقَهُ، وَزَادَ. فَفِيهِ: أَنَّ مَنْ أَفْتَى بِأَيْسَرِ الْأَشْيَاءِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَرْفَعِهَا، كَمَا فَعَلَ كَعْبٌ. قُلْتُ: هُوَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَثْبُتْ لِمَا قَدَّمْتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ. وَقَدْ عَلِمْتَ مِنْهُ الرِّوَايَاتِ الْمَقْضِيَّةَ: أَنَّ النُّسُكَ فِي آيَةِ الْفِدْيَةِ الْمَذْكُورَةِ بَقَرَةٌ، وَأَنَّ الْجَوَابَ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَدَمُ ثُبُوتِ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ بِالْبَقَرَةِ، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَا هُوَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ أَنَّ النُّسُكَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ شَاةٌ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ ثَابِتَةٌ، فَهِيَ لَا تُعَارِضُ الرِّوَايَاتِ

стр. 2067

الصَّحِيحَةَ الدَّالَّةَ، عَلَى أَنَّ النُّسُكَ الْمَذْكُورَ: شَاةٌ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّازِمَ هُوَ الشَّاةُ، وَالتَّطَوُّعُ بِالْبَقَرَةِ تَطَوُّعٌ بِأَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ. وَلَا مَانِعَ مِنَ التَّطَوُّعِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمَهُ: هُوَ حَلْقُ الرَّأْسِ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ، أَوْ أَذًى فِي الرَّأْسِ كَكَثْرَةِ الْقَمْلِ فِيهِ، كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ آيَةِ الْفِدْيَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَا. أَمَّا إِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ وَقْتِ الْحَلْقِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَلْزَمُهُ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ فِي الْعَمْدِ بِلَا عُذْرٍ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْفِدْيَةِ لِعُذْرِ الْمَرَضِ، أَوِ الْأَذَى فِي الرَّأْسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا فِي الْإِثْمِ، فَإِنَّ الْمَعْذُورَ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ الْإِثْمِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الثَّوْرِيِّ. وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ نَاسِيًا إِحْرَامَهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعُذْرِ بِالنِّسْيَانِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ حَلَقَ لِعُذْرٍ وَمَنْ حَلَقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ حَلَقَهُ لِعُذْرٍ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ، وَإِنْ كَانَ حَلَقَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الدَّمُ دُونَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، وَلَا أَعْلَمُ لِأَقْوَالِهِمْ ﵏ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصًّا وَاضِحًا يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ. أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ فِدْيَةَ غَيْرِ الْمَعْذُورِ كَفِدْيَةِ الْمَعْذُورِ، فَاحْتَجُّوا، بِأَنَّ الْحَلْقَ إِتْلَافٌ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ كَقَتْلِ الصَّيْدِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ، اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَأَمْثَالِهِ لَيْسَ فِيهِ مَقْنَعٌ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ قَالُوا: فَرَتَّبَ الْفِدْيَةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الْعُذْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ، لَا يَكُونُ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْعُذْرِ خَاصَّةً. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَجِلَّاءِ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّهُ قَوْلٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ: يَعْنِي مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَالْمُقَرَّرُ فِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ: عَدَمُ الِاحْتِجَاجِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ.

стр. 2068

قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: لَا يَلْزَمُ الْحَنَفِيَّةَ احْتِجَاجُ الشَّافِعِيَّةِ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَعَمْ نَحْنُ لَا نَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَلَكِنْ نَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِ الْحَالِقِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَا بِنَفْيِ الْفِدْيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا بِإِثْبَاتِهَا، وَقَدْ ظَهَرَ لَنَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ خَارِجٍ عَنِ الْآيَةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، اهـ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ صِيَامَ الْفِدْيَةِ لَهُ أَنْ يَصُومَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي النُّسُكِ، وَالصَّدَقَةِ أَيْضًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُمَا حَيْثُ شَاءَ ; لِأَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى أَشْبَهُ بِالْكَفَّارَةِ مِنْهَا بِالْهَدْيِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ لِلْفِدْيَةِ مَحَلًّا مُعَيَّنًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَمَّاهَا نُسُكًا وَلَمْ يُسَمِّهَا هَدْيًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ بِالنُّسُكِ الْمَذْكُورِ الْهَدْيَ، فَيَجْرِيَ عَلَى حُكْمِ الْهَدْيِ، فَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ، كَمَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ يَخْتَصُّ النُّسُكُ الْمَذْكُورُ بِالْحَرَمِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا إِذَا كَانَ الَّذِي حَلَقَهُ بَعْضَ شَعْرِ رَأْسِهِ لَا جَمِيعَهُ، أَوْ كَانَ شَعْرَ جَسَدِهِ أَوْ بَعْضَهُ، لَا شَعْرَ الرَّأْسِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إِجْمَاعٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا إِنَّمَا ذَكَرَ فِي آيَةِ الْفِدْيَةِ: حَلْقَ الرَّأْسَ، وَظَاهِرُهَا حَلْقُ جَمِيعِهِ لَا بَعْضِهِ، وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا فِي مُسْتَنَدَاتِ أَقْوَالِهِمْ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ ضَابِطَ مَا تَلْزَمُ بِهِ فِدْيَةُ الْأَذَى مِنَ الْحَلْقِ هُوَ حُصُولُ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ تَرَفُّهٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يُزِيلَ عَنْهُ بِهِ أَذًى. أَمَّا حَلْقُ الْقَلِيلِ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَحْصُلُ بِهِ تَرَفُّهٌ، وَلَا إِمَاطَةُ أَذًى، فَيَلْزَمُ فِيهِ التَّصَدُّقُ بِحَفْنَةٍ: وَهِيَ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمُ الظُّفْرُ الْوَاحِدُ لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى، وَقَتْلُ الْقَمْلَةِ أَوِ الْقَمَلَاتِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا سَمِعْتُ بِحَدٍّ فِيمَا دُونَ إِمَاطَةِ الْأَذَى أَكْثَرَ مِنْ حَفْنَةٍ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ قَالَ فِي قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَالْحَفْنَةُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ. انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْمَوَّاقِ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَفِي الظُّفْرُ الْوَاحِدُ، لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى حَفْنَةٌ، اهـ.

стр. 2069

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: إِلَى أَنَّ حَلْقَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا تَلْزَمُ فِيهِ فِدْيَةُ الْأَذَى كَامِلَةً، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الثَّلَاثَ: يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَكَانَ حَلْقُهَا كَحَلْقِ الْجَمِيعِ، وَهَذَا الْقَوْلُ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهَا الْمَذْهَبُ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي. أَمَّا حَلْقُ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ، أَوِ الشَّعْرَتَيْنِ فَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَصَحُّهَا عِنْدَ مُحَقِّقِيهِمْ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ مُدٌّ وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّانِ. الثَّانِي: يَجِبُ فِي شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ دِرْهَمٌ، وَفِي شَعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ. الثَّالِثُ: يَجِبُ فِي شَعْرَةٍ ثُلُثُ دَمٍ وَفِي شَعْرَتَيْنِ ثُلُثَاهُ. الرَّابِعُ: أَنْ فِي الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ دَمًا كَامِلًا. وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ كَامِلَةً فِي أَرْبَعِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْخِرَقِيُّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا. أَمَّا مَا هُوَ أَقَلُّ مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي يُوجِبُ الْفِدْيَةَ، وَهُوَ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، أَوْ شَعْرَتَانِ بِحَسَبِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَفِي الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ: مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ: مُدَّانِ، وَعَنْهُ أَيْضًا فِي كُلِّ شَعْرَةٍ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ، أَوْ رُبُعَ لِحْيَتِهِ، أَوْ حَلَقَ عُضْوًا كَامِلًا كَرَقَبَتِهِ، أَوْ عَانَتِهِ أَوْ أَحَدِ إِبِطَيْهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ: لَزِمَتْهُ فِدْيَةُ الْأَذَى، إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ: لَزِمَهُ دَمٌ، وَيَلْزَمُ عِنْدَهُ فِي حَلْقِ أَقَلَّ مِمَّا ذُكِرَ كَحَلْقِ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ الرَّأْسِ، أَوْ رُبُعِ اللِّحْيَةِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ كَامِلٍ صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ عِنْدَهُمْ: نِصْفُ صَاعٍ مَنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ مَنْ غَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ قَبْضَةً مِنْ طَعَامٍ كَمَا ذَكَرَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ الْبَدَنِ غَيْرَ الرَّأْسِ، فَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ: أَنَّهُ إِنْ حَلَقَ عُضْوًا كَامِلًا فَفِيهِ الْفِدْيَةُ أَوِ الدَّمُ، وَإِنْ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ، فَفِيهِ الصَّدَقَةُ، وَأَنَّ حُكْمَ اللِّحْيَةِ عِنْدَهُ كَحُكْمِ الرَّأْسِ، وَحَلْقُ الرُّبُعِ فِيهِمَا كَحَلْقِ الْجَمِيعِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الْجَسَدِ غَيْرَ الرَّأْسِ كَحُكْمِ حَلْقِ الرَّأْسِ، فَتَلْزَمُ الْفِدْيَةُ

стр. 2070

فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْجَسَدِ، وَفِي الشَّعْرَةِ، أَوِ الشَّعْرَتَيْنِ مِنَ الْجَسَدِ عِنْدَهُمُ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَشَعْرَ بَدَنِهِ مَعًا، لَزِمَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ: فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، خِلَافًا لِأَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ الْقَائِلِ: يَلْزَمُهُ فِدْيَتَانِ، مُحْتَجًّا بِأَنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ مُخَالِفٌ لِشَعْرِ الْبَدَنِ ; لِأَنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بِشَعْرِ الرَّأْسِ، فَيَلْزَمُ حَلْقُهُ، أَوْ تَقْصِيرُهُ بِخِلَافِ شَعْرِ الْبَدَنِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا فِي النُّسُكِ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ: فَأَجْزَأَتْ لَهُمَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ. وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَشَعْرُ الرَّأْسِ وَشَعْرُ الْبَدَنِ حُكْمُهُمَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ. وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمَانِ، إِذَا حَلَقَ مِنْ كُلٍّ مِنَ الرَّأْسِ، وَالْجَسَدِ مَا تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ مُنْفَرِدًا عَنِ الْآخَرِ كَقَوْلِ الْأَنْمَاطِيِّ الْمُتَقَدِّمِ. قَالَ فِي «الْمُغْنِي» : وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ الرَّأْسَ يُخَالِفُ الْبَدَنَ، بِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهِ دُونَ الْبَدَنِ، وَلَنَا أَنَّ الشَّعْرَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الْبَدَنِ، فَلَمْ تَتَعَدَّدِ الْفِدْيَةُ فِيهِ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ كَسَائِرِ الْبَدَنِ، وَكَاللِّبَاسِ، وَدَعْوَى الِاخْتِلَافِ تَبْطُلُ بِاللِّبَاسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْفُ الرَّأْسِ، دُونَ غَيْرِهِ، وَالْجَزَاءُ فِي اللُّبْسِ فِيهِمَا وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» أَيْضًا: وَإِنْ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَتَيْنِ، وَمِنْ بَدَنِهِ شَعْرَتَيْنِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ شَعْرَ الْبَدَنِ كَشَعْرِ الرَّأْسِ، فَإِنْ حَلَقَ مِنْ شَعْرِ بَدَنِهِ مَا فِيهِ تَرَفُّهٌ، أَوْ إِمَاطَةُ أَذًى: لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَالتَّصَدُّقُ بِحَفْنَةٍ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ. وَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنِ الْمُحْرِمِ يَتَوَضَّأُ فَيُمِرُّ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الْوُضُوءِ، أَوْ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي أَنْفِهِ لِمُخَاطٍ يَنْزِعُهُ، أَوْ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، أَوْ يَرْكَبُ دَابَّتَهُ، فَيَحْلِقُ سَاقَهُ الْإِكَافُ أَوِ السَّرْجُ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ، وَهَذَا خَفِيفٌ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ. انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْحَطَّابِ فِي كَلَامِهِ عَلَى قَوْلِ خَلِيلٍ: وَتَسَاقُطُ شَعْرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ، اهـ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ ﵏ فِي شَعْرِ الْجَسَدِ. فَاعْلَمْ أَنِّي لَا أَعْلَمُ لِشَيْءٍ مِنْهَا مُسْتَنَدًا مِنْ نَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ.
следующие страницы →