← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وَقَالَ فِي الدُّرَرِ كَالزَّرْكَشِيِّ لَا يُعْرَفُ، وَسُئِلَ عَنْهُ الْمِزِّيُّ، وَالذَّهَبِيُّ فَأَنْكَرَاهُ. نَعَمْ يَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، فَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: " مَا قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ " وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: " إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ " وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَلْزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ الشَّيْخَيْنِ بِإِخْرَاجِهَا ; لِثُبُوتِهَا عَلَى شَرْطِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيِّ فِي شَرْحِ الْوَرَقَاتِ الْكَبِيرِ: " حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ "، لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، إِلَى آخِرِهِ قَرِيبًا مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ، اهـ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ بِقَافَيْنِ مُصَغَّرًا: وَهِيَ صَحَابِيَّةٌ مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، وَرُقَيْقَةُ أُمُّهَا: وَهِيَ أُخْتُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ. وَقِيلَ عَمَّتُهَا وَاسْمُ أَبِيهَا بِجَادٌ بِمُوَحَّدَةٍ، ثُمَّ جِيمٍ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي " الْمَرَاقِي " بِقَوْلِهِ: خِطَابٌ وَاحِدٌ لِغَيْرِ الْحَنْبَلِيِّ ... مِنْ غَيْرِ رَعْيِ النَّصِّ وَالْقَيْسِ الْجَلِيِّ وَبِهَذَا كُلِّهِ تَعْلَمُ أَنَّ التَّحْقِيقَ مَنْعُ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ، وَظَاهِرُ النُّصُوصِ الْإِطْلَاقُ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِحْرَامِ، أَوْ غَيْرِهِ كَمَا رَأَيْتَ، وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ مُطْلَقًا، وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الْمُتَقَدِّمِ الدَّالِّ عَلَى إِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ فِي الْإِحْرَامِ، بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْمَنْعِ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ، وَحَدِيثَ الْجَوَازِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا لِلرِّجَالِ جَائِزًا لِلنِّسَاءِ، وَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ. وَمِمَّنِ اعْتَمَدَ هَذَا الْجَمْعَ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ حَيْثُ قَالَ: بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهَةِ الْمُعَصْفَرِ لِلرِّجَالِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ " وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انْتَهَى مِنْهُ. فَتَرَاهُ فِي تَرْجَمَةِ الْحَدِيثِ جَعَلَهُ خَاصًّا بِالرِّجَالِ، وَهُوَ عَيْنُ الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَأَشَارَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ يُشِيرُ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَعْنِي النَّوَوِيَّ قَوْلُهُ ﷺ : " أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا " مَعْنَاهُ: أَنَّ هَذَا مِنْ لِبَاسِ النِّسَاءِ، وَزِيِّهِنَّ، وَأَخْلَاقِهِنَّ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.

стр. 2102

وَتَفْسِيرُهُ لِلْحَدِيثِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ تَحْرِيمُ الْمُعَصْفَرِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا الْجَمْعِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةٍ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَعَلَيَّ رَيْطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بِالْعُصْفُرِ فَقَالَ: " مَا هَذِهِ الرَّيْطَةُ عَلَيْكَ؟ " فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ فَأَتَيْتُ أَهْلِي، وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورًا لَهُمْ فَقَذَفْتُهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: " يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟ " فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَلَا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ " انْتَهَى مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ، ثُمَّ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَعَلَيَّ رَيْطَةٌ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. كَلَفْظِ أَبِي دَاوُدَ، اهـ. وَجَمَعَ الْخَطَّابِيُّ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ: بِأَنَّ النَّهْيَ فِيمَا صُبِغَ مِنَ الثِّيَابِ بَعْدَ النَّسْجِ، وَأَنَّ الْإِبَاحَةَ مُنْصَرِفَةٌ إِلَى مَا صُبِغَ غَزْلُهُ، ثُمَّ نُسِجَ نَقَلَ هَذَا الْجَمْعَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنِ الْخَطَّابِيِّ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: هَذَا الْجَمْعُ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعُصْفُرَ لَيْسَ بِطِيبٍ، فَأُبِيحَ لِلنِّسَاءِ وَمُنِعَ لِلرِّجَالِ، كَالْحَرِيرِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. فَاتَّضَحَ أَنَّ الظَّاهِرَ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ أَنَّ الْمُعَصْفَرَ: لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ، وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْهُ الْعُمُومُ، وَكَوْنُهُ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ قَرِينَةً عَلَى التَّعْمِيمِ، إِلَّا أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ تُخَصَّصُ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُصَرِّحَةِ، بِجَوَازِهِ لِلنِّسَاءِ كَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ، وَحَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَمَا فَسَّرَ بِهِ النَّوَوِيُّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ وَحَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَكَوْنُهُ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ: لَا يُنَافِي أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ. دُونَ النِّسَاءِ، كَمَا قَالَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ: " إِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ " مَعَ إِبَاحَتِهَا لِلنِّسَاءِ. وَالَّذِينَ أَبَاحُوا لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَعًا، احْتَجُّوا بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " قَالَ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ حُلَّةً حَمْرَاءَ.

стр. 2103

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ " انْتَهَى مِنْهُ فَانْظُرْهُ. وَالَّذِينَ مَنَعُوهُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ اسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ، وَعَضَّدُوا الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ بِآثَارٍ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَ شَارِحُهُ الزَّرْقَانِيُّ: وَكَذَلِكَ جَاءَ عَنْ أُخْتِهَا. رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى مِنْهُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْهَا ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَخَالَفَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ فَرَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ. انْتَهَى مِنَ السُّنَنِ الْكُبْرَى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا عَنْ نَافِعٍ أَنَّ نِسَاءَ ابْنِ عُمَرَ كُنَّ يَلْبَسْنَ الْمُعَصْفَرَ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ: أَنَّ مَكْحُولًا قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِثَوْبٍ مُشَبَّعٍ بِعُصْفُرٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَأُحْرِمُ فِي هَذَا؟ قَالَ: " لَكِ غَيْرُهُ؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: " فَأَحْرِمِي فِيهِ " ثُمَّ سَاقَ سَنَدَهُ بِهِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ، وَذُكِرَ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ وَتَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُوَرَّدَةَ بِالْعُصْفُرِ الْخَفِيفِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ "، وَقَدْ قَدَّمْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ قَالَ: كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ، وَيَلْبَسْنَ الْمُعَصْفَرَ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِي بُدَيْلٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ

стр. 2104

النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمْشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ " انْتَهَى مِنْهُ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ صَحِيحٌ كَمَا تَرَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ، لَمَّا أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعُصْفُرَ طِيبٌ، وَلِذَلِكَ نَهَيْتُ عَنِ الْمُعَصْفَرِ، إِذْ لَوْ كَانَ النَّهْيُ لِكَوْنِهِ زِينَةً نَهَيْتُ عَنْ ثَوْبِ الْعَصْبِ ; لِأَنَّهُ فِي الزِّينَةِ فَوْقَ الْمُعَصْفَرِ، وَالْعَصْبُ بُرُودُ الْيَمَنِ يُعْصَبُ غَزْلُهَا: أَيْ تُطْوَى، ثُمَّ تُصْنَعُ مَصْبُوغًا، ثُمَّ تُنْسَجُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﷺ اسْتَثْنَى مِنَ الْمَنْعِ ثَوْبَ الْعَصْبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ خَالَفَتْ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ عِنْدَنَا تَحْرِيمُ الْعَصْبِ مُطْلَقًا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ. انْتَهَى مِنْهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: " وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا " الْحَدِيثَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: " كُنَّا نَنْهَى أَنْ نَحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ". الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: " وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَطَيَّبُ وَلَا تَلْبَسُ مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ " الْحَدِيثَ. وَالْمُمَشَّقَةُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الْمَصْبُوغَةُ بِالْمَشْقِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَهُوَ الْمَغْرَةُ، وَالْعُصْفُرُ بِالضَّمِّ: نَبَاتٌ يُصْبَغُ بِهِ وَبِرُزِّهُ هُوَ الْقُرْطُمُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَنْعَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، مِنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ الْمَذْكُورِ، لَيْسَ لِكَوْنِهِ طِيبًا كَمَا ظَنَّهُ صَاحِبُ الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ، بِدَلِيلِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، مَعَ جَوَازِ الطِّيبِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِلزِّينَةِ: وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، دُونَ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الْعَصْبِ فَوْقَهُ فِي الزِّينَةِ ; لِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مَمْنُوعَةٌ فِي الْعِدَّةِ، مِنَ الطِّيبِ، وَالتَّزَيُّنِ، فَإِبَاحَةُ الْعَصْبِ لَهَا تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ رُتْبَتِهِ فِي الزِّينَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمِنْ ذَلِكَ الْحِنَّاءُ، قَدْ قَدَّمْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا، هَلْ هِيَ طِيبٌ أَوْ لَا؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا

стр. 2105

آثَارًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِطِيبٍ، وَقَدَّمْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ كُنَّ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ يَعْقُوبَ بْنَ عَطَاءٍ، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي " السُّنَنِ الْكُبْرَى " عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قِيلَ لَهَا: مَا تَقُولِينَ فِي الْحِنَّاءِ وَالْخِضَابِ؟ قَالَتْ: كَانَ خَلِيلِي لَا يُحِبُّ رِيحَهُ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ كَالدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَ بِطِيبٍ: " فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ وَلَا يُحِبُّ رِيحَ الْحِنَّاءِ " انْتَهَى مِنْهُ. وَهَذَا حَاصِلُ مُسْتَنَدِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَقَالَ صَاحِبُ " الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْبَيْهَقِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا: وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ خِلَافُ هَذَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي " التَّمْهِيدِ ": ذَكَّرَ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ، عَنْ أُمِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: " لَا تَطَيَّبِي وَأَنْتِ مُحْرِمَةٌ وَلَا تَمَسِّي الْحِنَّاءَ، فَإِنَّهُ طِيبٌ ". وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ، مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ عَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ الدَّيْنَوَرِيُّ وَغَيْرُهُ: مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْحِنَّاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ: وَفِي الْحَدِيثِ: " سَيِّدُ رَيَاحِينِ الْجَنَّةِ الْفَاغِيَةِ " قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ " انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ صَاحِبُ كَشْفِ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ. وَقَالَ النَّجْمُ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ بُرَيْدَةَ: " سَيِّدُ الْإِدَامِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ، وَسَيِّدُ الشَّرَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْمَاءُ، وَسَيِّدُ الرَّيَاحِينِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْفَاغِيَةُ " انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِيهِ: " سَيِّدُ رَيَاحِينِ الْجَنَّةِ الْفَاغِيَةُ، هِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ " وَقِيلَ: نَوْرُ الرَّيْحَانِ. وَقِيلَ: نَوْرُ كُلِّ نَبْتٍ مِنْ أَنْوَارِ الصَّحْرَاءِ، الَّتِي لَا تُزْرَعُ. وَقِيلَ: فَاغِيَةُ كُلِّ نَبْتٍ نَوْرُهُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ "، اهـ. وَفِي " الْقَامُوسِ ": وَالْفَاغِيَةُ نَوْرُ الْحِنَّاءِ أَوْ يُغْرَسُ غُصْنُ الْحِنَّاءِ مَقْلُوبًا فَيُثْمِرُ زَهْرًا أَطْيَبَ مِنَ الْحِنَّاءِ، فَذَلِكَ الْفَاغِيَةُ انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحِنَّاءَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ وَأَكْثَرُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ لَمْ تَثْبُتْ فِي خُصُوصِهَا نُصُوصٌ، وَمِنْهَا: مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ كَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَكَالذَّرِيرَةِ وَالْمِسْكِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الْأَنْوَاعِ: هَلْ هُوَ طِيبٌ، أَوْ لَيْسَ بِطِيبٍ؟ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الِاخْتِلَافِ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 2106

الْفَرْعُ السَّابِعَ عَشَرَ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي التَّطَيُّبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَهُ بِحَيْثُ يَبْقَى أَثَرُ الطِّيبِ، وَرِيحُهُ أَوْ عَيْنُهُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْإِحْرَامِ، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقْتَ الطِّيبِ غَيْرُ مُحْرِمٍ، وَالدَّوَامُ عَلَى الطِّيبِ، لَيْسَ كَابْتِدَائِهِ كَالنِّكَاحِ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، مَعَ إِبَاحَةِ الدَّوَامِ عَلَى نِكَاحٍ مَقْعُودٍ، قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ وُجُودَ رِيحِ الطِّيبِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ أَثَرِهِ فِي الْمُحْرِمِ بَعْدَ إِحْرَامِهِ كَابْتِدَائِهِ لِلتَّطَيُّبِ ; وَلِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ حَالَ الْإِحْرَامِ بِالطِّيبِ، مَعَ أَنَّ الطِّيبَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَقَالَ جَمَاهِيرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الطِّيبَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ مُسْتَحَبٌّ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةُ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ، اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَبِهِ قَالَ خَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ مِنْهُمْ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى آخِرِهِ، كَمَا فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ". وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ: وَيَتَطَيَّبُ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ خَاصَّةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، أَوْ أَثَرُهُ كَالْعُودِ وَالْبَخُورِ وَمَاءِ الْوَرْدِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعُرْوَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَجُوزُ التَّطَيُّبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ غَسْلُهُ حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهُ وَرِيحُهُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَقَالَ آخَرُونَ بِمَنْعِهِ مِنْهُمُ: الزَّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، اهـ. وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": وَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُكْرَهُ.

стр. 2107

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، اهـ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي ": وَكَانَ عَطَاءٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃، اهـ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَهَذِهِ أَدِلَّتُهُمْ وَمُنَاقَشَتُهَا وَمَا يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ مِنْهَا. أَمَّا الَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ: فَقَدِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ التَّمِيمِيِّ ﵁ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ: أَنْ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ ﵁: أَرِنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ ﵁ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبٌ، وَقَدْ أُظِلَّ بِهِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: " أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ " فَأُوتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: " اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ " قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرَّحَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِغَسْلِ الطِّيبِ الَّذِي تَضَمَّخَ بِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَأَمَرَ بِإِنْقَائِهِ كَمَا قَالَهُ عَطَاءٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّ الطِّيبَ فِي بَدَنِهِ إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْجُبَّةِ، دُونَ الْبَدَنِ لَكَفَى نَزْعُ الْجُبَّةِ كَمَا تَرَى، خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ تَرْجَمَةُ الْحَدِيثِ الَّذِي تَرْجَمَهُ بِهَا الْبُخَارِيُّ، وَهِيَ قَوْلُهُ: بَابُ غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ. وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِ هَذَا الْإِسْنَادِ: قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى مِثْلِهِ مُسْتَوْفًى وَبَيَّنَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهُ مَوْصُولٌ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ، أَوْ مُعَلَّقٌ ; لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ: فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ، أَوْ قَالَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: كَيْفَ

стр. 2108

تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَوَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ عُمَرُ: تَعَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْوَحْيَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبِكْرِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ، اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ " انْتَهَى مِنْهُ. وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ " صَرِيحٌ فِي أَنَّ غَسْلَ ذَلِكَ وَإِنْقَاءَهُ مِنْ بَدَنِهِ ; لِأَنَّ مَا فِي الْجُبَّةِ مِنَ الْخَلُوقِ، وَالصُّفْرَةِ يَزُولُ بِخَلْعِهَا كَمَا تَرَى. وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فُرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ أَوْ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ. فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنْ أَرَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبِكْرِ. قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ : اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ " أَوْ قَالَ: " أَثَرَ الْخَلُوقِ - وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ ". وَفِي لَفْظٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَعْلَى قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَأَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ - يَعْنِي جُبَّةً - وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فَقَالَ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ، وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِخَلُوقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ " قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ، وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ " وَفِي لَفْظٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ يَعْلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ " وَفِي لَفْظٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَعْلَى ﵁: " أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَا كَمَا تَرَى فَقَالَ: " انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ ". وَفِي لَفْظٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَعْلَى أَيْضًا قَالَ: " انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ،

стр. 2109

وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ مَا كُنْتَ فَاعِلًا فِي حَجِّكَ " انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. قَالُوا: فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الدَّوَامُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ ثَلَاثًا، وَإِنْقَاؤُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ حُجَّةُ مَالِكٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ إِزَالَةِ الْمُحْرِمِ الطِّيبَ، الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ. وَرَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: " أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ، وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ، وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَهْلَلَتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " انْزِعْ قَمِيصَكَ، وَاغْسِلْ هَذِهِ الصُّفْرَةَ عَنْكَ، وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِكَ "، اهـ. وَالَّذِينَ قَالُوا بِهَذَا قَالُوا: يَعْتَضِدُ حَدِيثُ يَعْلَى الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ، وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ، فَقَالَ: مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مِنْكَ لَعَمْرُ اللَّهِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لِتَرْجِعَنَّ فَلَتَغْسِلَنَّهُ. وَرَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنِ الصَّلْتِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ، وَإِلَى جَنْبِهِ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَقَالَ عُمَرُ: مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ كَثِيرٌ: مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَأَرَدْتُ أَلَّا أَحْلِقَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَاذْهَبْ إِلَى شَرَبَةٍ فَادْلُكْ رَأْسَكَ، حَتَّى تُنَقِّيَهُ، فَفَعَلَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ. قَالَ مَالِكٌ: الشَّرَبَةُ حَفِيرٌ تَكُونُ عِنْدَ أَصْلِ النَّخْلَةِ. انْتَهَى مِنَ " الْمُوَطَّأِ ". قَالُوا: فَفِعْلُ هَذَا الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ مُطَابِقٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَذَكَرَ الزَّرْقَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُوَطَّأِ ": أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ أَيْضًا ذَلِكَ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، كَمَا أَنْكَرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَكَثِيرٍ الْمَذْكُورَيْنِ، قَالَ: فَهَذَا عُمَرُ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى صَحَابِيَّيْنِ، وَتَابِعِيٍّ كَبِيرٍ الطِّيبَ بِمَحْضَرِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ صَحَابَةً وَغَيْرَهُمْ، وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُثْمَانَ رَأَى رَجُلًا قَدْ تَطَيَّبَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِطِينٍ، اهـ.

стр. 2110

وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْتَشِرَ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا، فَقَالَ: " مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، لَأَنْ أُطْلَى بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ ". هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ. وَفِيهِ بَعْدَهُ رَدُّ عَائِشَةَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَحَدِيثُ يَعْلَى الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَالْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهَا مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُوَ حُجَّةُ مَالِكٍ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ فِي مَنْعِ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَوُجُوبِ غَسْلِهِ، وَإِنْقَائِهِ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ: الْكَرَاهَةُ لَا التَّحْرِيمُ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ التَّطَيُّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَبَعْضِ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ، وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ مُسْلِمٌ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحِرْمِهِ، حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، لِحِرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحَلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ.

стр. 2111

وَفِي النِّهَايَةِ: الذَّرِيرَةُ: نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ مَجْمُوعٌ مِنْ أَخْلَاطٍ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَلْخِيصِهِ لِلنِّهَايَةِ: وَقِيلَ هِيَ فُتَاتُ قَصَبٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": هِيَ فُتَاتُ قَصَبٍ طَيِّبٍ، يُجَاءُ بِهِ مِنَ الْهِنْدِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " أَنَّ الذَّرِيرَةَ قَصَبٌ يُجَاءُ بِهِ مِنَ الْهِنْدِ كَقَصَبِ النِّشَابِ أَحْمَرُ يُتَدَاوَى بِهِ. وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ، وَفِي لَفْظٍ: بِأَطْيَبِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ثُمَّ يُحْرِمُ. وَفِي لَفْظٍ: بِأَطْيَبِ مَا وَجَدْتُ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا قَالَتْ: لَكَأَنِي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُهِلُّ. وَفِي لَفْظٍ: وَهُوَ يُلَبِّي. وَالْأَلْفَاظُ الْمُمَاثِلَةُ لِهَذَا مُتَعَدِّدَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهَا ﵂ وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الدُّهْنِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطْيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا بَلَغَهَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ: لَأَنْ أُطْلَى بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَتْ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا، اهـ. كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. قَالُوا فَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَ أَثَرُهُ بَاقِيًا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، بَلْ وَلَوْ بَقِيَ عَيْنُهُ وَرِيحُهُ ; لِأَنَّ رُؤْيَتَهَا وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ، تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ خُصُوصِيَّةِ ذَلِكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ صَاحِبُ نَصْبِ الرَّايَةِ: وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّهِ ﷺ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ رُئِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُحْرِمًا، وَعَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ الرُّبِّ مِنَ الْغَالِيَةِ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ صُبْحٍ: رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِنَ الطِّيبِ مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَعَدَّ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ. انْتَهَى مِنْهُ. فَهَذَا الْحَدِيثُ، وَهَذِهِ الْآثَارُ: حُجَّةُ مَنْ قَالَ: بِالتَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ كَانَ الطِّيبُ يَبْقَى بَعْدَ الْإِحْرَامِ. وَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحُجَجَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَهَذِهِ مُنَاقَشَةُ أَقْوَالِهِمْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا: أَنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ تَطَيَّبَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ، فَذَهَبَ الطِّيبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ،

стр. 2112

قَالُوا: وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا " فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا تَطَيَّبَ لِمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِ ثُمَّ زَالَ بِالْغُسْلِ بَعْدَهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَهَّرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ قَبْلَ الْأُخْرَى، وَلَا يَبْقَى مَعَ ذَلِكَ طِيبٌ، وَيَكُونُ قَوْلُهَا: ثُمَّ أَصْبَحَ يَنْضَحُ طِيبًا: أَيْ قَبْلَ غُسْلِهِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ كَانَ ذَرِيرَةً وَهِيَ مِمَّا يُذْهِبُهُ الْغُسْلُ، قَالُوا: وَقَوْلُهَا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، الْمُرَادُ بِهِ: أَثَرُهُ لَا جِرْمُهُ قَالَهُ: الْقَاضِي عِيَاضٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ عَيْنَ الطِّيبِ بَقِيَتْ. وَمِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ التَّطَيُّبَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ . وَمِنْهَا: أَنَّ الدَّوَامَ عَلَى الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَابْتِدَاءِ الطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ، بِجَامِعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِرِيحِ الطِّيبِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَالُوا: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ ذَلِكَ التَّطَيُّبَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لِعَامَّةِ النَّاسِ لَمَا أَنْكَرَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْمَنَاسِكِ وَجَلَالَتِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ. وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَّا مَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَلَمَا أَنْكَرَهُ الزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْمَنَاسِكِ. وَمِنْهَا: أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي إِبَاحَةَ الطِّيبِ، لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ، وَحَدِيثَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: يَقْتَضِي مَنْعَ ذَلِكَ، وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْمَنْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الْإِبَاحَةِ ; لِأَنَّ تَرْكَ مُبَاحٍ أَهْوَنُ مِنِ ارْتِكَابِ حَرَامٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ حَدِيثَ يَعْلَى مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِهِ الصَّرِيحِ فِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ الطِّيبِ، وَإِنْقَائِهِ مِنَ الْبَدَنِ، وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ يَعُمُّ حُكْمُهُ الْجَمِيعَ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي التَّكْلِيفِ، وَالْعُمُومُ الْقَوْلِيُّ لَا يُعَارِضُهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ لَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ سَابِقًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ " مَرَاقِي السُّعُودِ ": فِي حَقِّهِ الْقَوْلُ بِفِعْلٍ خُصَّا ... إِنْ يَكُ فِيهِ الْقَوْلُ لَيْسَ نَصَّا فَهَذَا هُوَ حَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِمَنْعِ التَّطَيُّبِ، عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ كَرَاهَتِهِ. وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِمَنْعِ ذَلِكَ كُلِّهِ قَالُوا: دَعْوَى أَنَّ التَّطَيُّبَ لِلنِّسَاءِ لَا الْإِحْرَامَ، يَرُدُّهُ صَرِيحُ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهَا: طَيَّبْتُهُ لَا لِإِحْرَامِهِ، يَرُدُّهُ صَرِيحُ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهَا: طَيَّبْتُهُ لِإِحْرَامِهِ، وَادِّعَاءُ أَنَّ اللَّامَ لِلتَّوْقِيتِ، خِلَافُ الظَّاهِرِ قَالُوا: وَادِّعَاءُ أَنَّ الطِّيبَ زَالَ بِالْغُسْلِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ تَرُدُّهُ الرِّوَايَاتُ الصَّرِيحَةُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَأَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ ; لِأَنَّ الْوَبِيصَ فِي اللُّغَةِ: الْبَرِيقُ، وَاللَّمَعَانُ، وَهُوَ

стр. 2113

وَصْفٌ وُجُودِيٌّ، وَالْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ: لَا يُوصَفُ بِهِ الْمَعْدُومُ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الْمَوْجُودُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ الْمَوْصُوفَ بِالْوَبِيصِ مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ عَيْنَ الطِّيبِ بَقِيَتْ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْجُنَيْدِ الدَّامَغَانِيُّ: ثِنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: " كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ. فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا " انْتَهَى مِنْهُ وَالسُّكُّ بِضَمِّ السِّينِ، وَتَشْدِيدِ الْكَافِ: نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ، يُضَافُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الطِّيبِ، وَيُسْتَعْمَلُ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي " نَيْلِ الْأَوْطَارِ " فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا: سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَإِسْنَادُهُ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا الْحُسَيْنُ بْنُ الْجُنَيْدِ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: مُسْتَقِيمُ الْأَمْرِ فِيمَا يَرْوِي، اهـ. وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّقْرِيبِ ": لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ فِيهِ: فِي " تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ": قَالَ النَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " الثِّقَاتِ ". وَقَالَ: مِنْ أَهْلِ سِمَنَانَ: مُسْتَقِيمُ الْأَمْرِ فِيمَا يَرْوِي. قُلْتُ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ الْعَابِدِيُّ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْجُنَيْدِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَقَالَ: مَسْلَمَةُ بْنُ الْقَاسِمِ ثِقَةٌ انْتَهَى مِنْهُ. وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَقَالَ فِيهِ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ انْتَهَى مِنْهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي جَوَازِ بَقَاءِ عَيْنِ الطِّيبِ فِي الْمُحْرِمِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، إِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِلطِّيبِ، قَبْلَ الْإِحْرَامِ. قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَالسُّكُّ بِالضَّمِّ طِيبٌ، يُتَّخَذُ مِنَ الرَّامَكِ مَدْقُوقًا مَنْخُولًا مَعْجُونًا بِالْمَاءِ، وَيُعْرَكُ شَدِيدًا، وَيُمْسَحُ بِدُهْنِ الْخَيْرِيِّ لِئَلَّا يَلْصَقَ بِالْإِنَاءِ، وَيُتْرَكُ لَيْلَةً ثُمَّ يُسْحَقُ السُّكُّ وَيُلْقَمُهُ وَيُعْرَكُ شَدِيدًا وَيُقَرَّصُ وَيُتْرَكُ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يُثْقَبُ بِمِسَلَّةٍ وَيُنْظَمُ فِي خَيْطِ قِنَّبٍ، وَيُتْرَكُ سُنَةً، وَكُلَّمَا عَتِقَ طَابَتْ رَائِحَتُهُ انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ أَيْضًا: وَالرَّامِكُ كَصَاحِبٍ: شَيْءٌ أَسْوَدُ يَخْلِطُ بِالْمِسْكِ، وَيَفْتَحُ انْتَهَى مِنْهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا كُنَّ يُضَمِّدْنَ بِهِ جِبَاهَهُنَّ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَعْجُونًا، قَبْلَ أَنْ يَقْرُصَ وَيَجِفَّ.

стр. 2114

وَقَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي " اللِّسَانِ ": وَالسُّكُّ ضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ يُرَكَّبُ مِنْ مِسْكٍ وَرَامَكٍ، وَقَالَ فِي " اللِّسَانِ " أَيْضًا ابْنُ سِيدَهْ: وَالرَّامِكُ وَالرَّامَكُ وَالْكَسْرُ أَعْلَى شَيْءٌ أَسْوَدٌ كَالْقَارِ يُخْلَطُ بِالْمِسْكِ فَيُجْعَلُ سُكًّا، قَالَ: إِنَّ لَكَ الْفَضْلَ عَلَى صُحْبَتِي ... وَالْمِسْكُ قَدْ يَسْتَصْحِبُ الرَّامِكَا وَأَجَابُوا عَنْ كَوْنِ التَّطَيُّبِ الْمَذْكُورِ خَاصًّا بِهِ ﷺ : بِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا نَصٌّ فِي عَدَمِ خُصُوصِ ذَلِكَ بِهِ ﷺ وَعَضَّدُوهُ بِالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ قَالُوا: وَإِنْكَارُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ لَا يُعَارِضُ الْمَرْفُوعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ سُنَّتَهُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ قَوْلِ كُلِّ صَحَابِيٍّ، مَعَ أَنَّهُمْ خَالَفَهُمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ﵃. وَأَجَابُوا عَنْ كَوْنِ حَدِيثِ يَعْلَى، كَالْعُمُومِ الْقَوْلِيِّ، فَلَا يُعَارِضُهُ فِعْلُهُ ﷺ بَلْ يُخَصَّصُ بِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ التَّطَيُّبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، لَيْسَ خَاصًّا بِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ آنِفًا. وَقَوْلُهَا فِي الصَّحِيحِ: " طَيَّبْتُهُ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ ". صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا شَارَكَتْهُ فِي مُلَامَسَةِ ذَلِكَ الطِّيبِ، كَمَا تَرَى. وَأَجَابُوا عَنْ كَوْنِ حَدِيثِ يَعْلَى: دَالًّا عَلَى الْمَنْعِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ. وَالدَّالُّ عَلَى الْمَنْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّالِ عَلَى الْجَوَازِ، بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا جُهِلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا. أَمَّا إِذَا عُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْمُتَأَخِّرِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ، وَقِصَّةُ يَعْلَى وَقَعَتْ بِالْجِعْرَانَةِ عَامَ ثَمَانٍ بِلَا خِلَافٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَامَ عَشْرٍ وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ النَّصَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا وَعُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا فَهُوَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ. وَأَجَابُوا عَنْ كَوْنِ الدَّوَامِ عَلَى الطِّيبِ كَابْتِدَائِهِ بِأَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ عَقْدِهِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الدَّوَامِ عَلَى نِكَاحٍ، وَقَدْ عَقَدَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَ عَقْدِهِ الزَّوْجَانِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَا كُلُّ دَوَامٍ كَالِابْتِدَاءِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمَانِعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: هُوَ الْمَانِعُ لِلدَّوَامِ وَالِابْتِدَاءِ مَعًا كَالرَّضَاعِ، فَإِنَّ الرَّضَاعَ مَانِعٌ مِنِ ابْتِدَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ كَمَا أَنَّهُ أَيْضًا مَانِعٌ مِنَ الدَّوَامِ عَلَيْهِ فَلَوْ تَزَوَّجَ رَضِيعَةً غَيْرَ مَحْرَمٍ مِنْهُ فِي حَالِ الْعَقْدِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّ هَذَا الرَّضَاعَ الطَّارِئَ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ مَانِعٌ مِنَ الدَّوَامِ عَلَيْهِ،

стр. 2115

لِوُجُوبِ فَسْخِ ذَلِكَ النِّكَاحِ بِذَلِكَ الرَّضَاعِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ، وَكَالْحَدَثِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، مَانِعٌ مِنَ الدَّوَامِ عَلَيْهَا إِذَا طَرَأَ فِي أَثْنَائِهَا. وَالثَّانِي: هُوَ الْمَانِعُ لِلدَّوَامِ فَقَطْ دُونَ الِابْتِدَاءِ، كَالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنَ الدَّوَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ بِمُوجِبِهِ، وَلَيْسَ مَانِعًا مِنِ ابْتِدَاءِ عَقْدٍ جَدِيدٍ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بِمُوجِبِهِ. وَالثَّالِثُ: هُوَ الْمَانِعُ مِنَ الِابْتِدَاءِ فَقَطْ دُونَ الدَّوَامِ، كَالنِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِحْرَامِ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ مَانِعٌ مِنِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ مَانِعًا مِنَ الدَّوَامِ عَلَى عَقْدٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَكَالِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنَ النِّكَاحِ فِي حَالِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلَيْسَ مَانِعًا مِنَ الدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ ; لِأَنَّ الزَّوْجَ إِذَا وُطِئَتِ امْرَأَتُهُ بِشُبْهَةٍ، فَلَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الدَّوَامِ عَلَى عَقْدِ زَوَاجِهَا الْأَوَّلِ، قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الطِّيبِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ مَانِعٌ مِنِ ابْتِدَائِهِ، وَلَيْسَ مَانِعًا مِنَ الدَّوَامِ عَلَيْهِ، كَالنَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ وَإِلَى تَعْرِيفِ الْمَانِعِ وَأَقْسَامِهِ، أَشَارَ فِي " الْمَرَاقِي " بِقَوْلِهِ: مَا مِنْ وُجُودِهِ يَجِيءُ الْعَدَمُ ... وَلَا لُزُومٌ فِي انْعِدَامٍ يُعْلَمُ بِمَانِعٍ يَمْنَعُ لِلدَّوَامِ ... وَالِابْتِدَا أَوْ آخِرِ الْأَقْسَامِ أَوْ أَوَّلُ فَقَطْ عَلَى نِزَاعٍ ... كَالطُّولِ الِاسْتِبْرَاءِ وَالرَّضَاعِ هَذَا هُوَ حَاصِلُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَتُهَا. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الطِّيبَ جَائِزٌ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ بَقِيَتْ رِيحُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ; لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ، وَالْأَخْذُ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ عَامَ عَشْرٍ، وَحَدِيثُ يَعْلَى عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ عَامُ ثَمَانٍ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ بَعْدَ حَدِيثِ يَعْلَى بِسَنَتَيْنِ، هَذَا مَا ظَهَرَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ أَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّهُ إِنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَهُ الدَّوَامُ عَلَى لُبْسِهِ كَتَطْيِيبِ بَدَنِهِ، وَأَنَّهُ إِنْ نَزَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الثَّوْبَ الْمُطَيَّبَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ لُبْسَهُ، فَإِنْ لَبِسَهُ صَارَ كَالَّذِي ابْتَدَأَ الطِّيبَ فِي الْإِحْرَامِ، فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَكَذَلِكَ إِنْ نَقَلَ الطِّيبَ الَّذِي

стр. 2116

تَلَبَّسَ بِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، مِنْ مَوْضِعِ بَدَنِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَهُوَ ابْتِدَاءُ تَطَيُّبٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، الَّذِي نَقَلَهُ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ أَوْ نَحَّاهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ كُلَّ تِلْكَ الصُّوَرِ فِيهَا ابْتِدَاءُ تَلَبُّسٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالطِّيبِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ. أَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ عَرِقَ فَسَالَ الطِّيبُ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ فِعْلِهِ. وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثَوْبِهِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا نَزَعَ ثَوْبَهُ لَا يَعُودُ إِلَى لُبْسِهِ، فَإِنْ عَادَ فَهَلْ عَلَيْهِ فِي الْعَوْدِ فِدْيَةٌ، يَحْتَمِلُ أَنْ نَقُولَ: لَا فِدْيَةَ ; لِأَنَّ مَا فِيهِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْعَفْوِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ; لِأَنَّهُ لُبْسٌ جَدِيدٌ وَقَعَ بِثَوْبٍ مُطَيَّبٍ. انْتَهَى مِنَ الْحَطَّابِ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ: فِي أَحْكَامِ أَشْيَاءَ مُتَفَرِّقَةٍ: كَالنَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ لِلْمُحْرِمِ، وَغَسْلِ الرَّأْسِ، وَالْبَدَنِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ قَتْلِهِ بِغَسْلِهِ رَأَسَهُ قَمْلًا، وَالْحِجَامَةِ، وَحَكِّ الْجَسَدِ، وَالرَّأْسِ وَتَقْرِيدِ الْبَعِيرِ، وَتَضْمِيدِ الْعَيْنِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوِهِ، وَالسِّوَاكِ. أَمَّا النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُحْرِمِ، وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَرَجَّلَ، وَيَدَّهِنَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَشُمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ، وَيَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ، وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ الْهِمْيَانَ، وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ، وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ﵂ بِالتُّبَّانِ بَأْسًا لِلَّذِينِ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا انْتَهَى مِنْهُ. وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ عَنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَيَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ، قَدْ قَدَّمْنَاهَا كُلَّهَا وَأَوْضَحْنَا مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا، إِلَّا النَّظَرَ فِي الْمِرْآةِ الَّذِي هُوَ غَرَضُنَا مِنْهَا الْآنَ. وَكَوْنُ عَائِشَةَ لَمْ تَرَ بَأْسًا بِالتُّبَّانِ، لِلَّذِينِ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا، وَالتُّبَّانُ كَرُمَّانٍ، سَرَاوِيلُ صَغِيرٌ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغْلَّظَةَ، وَإِبَاحَةُ عَائِشَةَ لِلتُّبَّانِ لِلَّذِينِ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ: بِجَوَازِ الِاسْتِثْفَارِ لِلرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ: " أَنَّهُ طَافَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ " خَصَّصَ الْمَالِكِيَّةُ، جَوَازَ شَدِّ الْحِزَامِ

стр. 2117

عَلَى الْبَطْنِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ بِضَرُورَةِ الْعَمَلِ خَاصَّةً كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي جَوَازِ نَظَرِ الْمُحْرِمِ فِي الْمِرْآةِ، إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْفَتْحِ ": أَنَّهُ نُقِلَتْ كَرَاهَتُهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا أُحِبُّ نَظَرَ الْمُحْرِمِ فِي الْمِرْآةِ، فَإِنْ نَظَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَاوُسٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ، وَكَرِهَ ذَلِكَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ، قَالَ: وَعَنْ عَطَاءٍ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ. انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنَ النَّوَوِيِّ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مُجَرَّدَ نَظَرِ الْمُحْرِمِ فِي الْمِرْآةِ لَا بَأْسَ بِهِ، مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الِاسْتِعَانَةَ عَلَى أَمْرٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، كَنَظَرِ الْمَرْأَةِ فِيهَا لِتَكْتَحِلَ بِمَا فِيهِ طِيبٌ أَوْ زِينَةٌ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَذَكَرَ فِي " الْفَتْحِ " أَيْضًا: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ رَوَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا حَجَّتْ، وَمَعَهَا غِلْمَانٌ لَهَا، وَكَانُوا إِذَا شَدُّوا رَحْلَهَا يَبْدُو مِنْهُمُ الشَّيْءُ، فَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا التَّبَابِينَ فَيَلْبَسُوهَا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ قَالَ: وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: يَشُدُّونَ هَوْدَجَهَا، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَحَلْتُ الْبَعِيرَ أَرْحَلُهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمُضَارِعِ، وَالْمَاضِي رَحْلًا بِمَعْنَى: شَدَدْتُ الرَّحْلَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: رَحَلَتْ سُمَيَّةُ غَدْوَةً أَجَمَالَهَا ... غَضْبَى عَلَيْكَ فَمَا تَقُولُ بَدَا لَهَا وَقَوْلُ الْمُثَقِّبِ الْعَبْدِيِّ وَهُوَ عَائِذُ بْنُ مِحْصَنٍ: إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ وَالْهَوْدَجُ: مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ مَعْرُوفٌ، وَمَا ذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِنَّمَا رَخَّصَتْ فِي الْتُّبَّانِ، لِمَنْ يَرْحَلُ هَوْدَجَهَا، لِضَرُورَةِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ

стр. 2118

يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَالْعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا غَسْلُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ بِالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ لِجَنَابَةٍ كَاحْتِلَامٍ، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِرِفْقٍ لِئَلَّا يَقْتُلَ بَعْضَ الدَّوَابِّ فِي رَأْسِهِ وَاغْتِسَالِ الْمُحْرِمِ، وَغَسْلُهُ رَأْسَهُ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ: لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكُلَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْهُ ﷺ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: بَابُ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةَ بِالْحَكِّ بَأْسًا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ. وَقَالَ ابْنُ حَجْرٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: وَكَأَنَّهُ خَصَّ الرَّأْسَ بِالسُّؤَالِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشِّعْرِ الَّذِي يُخْشَى انْتِتَافُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْبَدَنِ غَالِبًا، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ كَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ. مِنْهَا: جَوَازُ اغْتِسَالِ الْمُحْرِمِ، وَغَسْلِهِ رَأْسَهُ، وَإِمْرَارِ الْيَدِ عَلَى شِعْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا إِلَى آخِرِهِ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيهِ التَّصْرِيحُ: بِجَوَازِ غَسْلِ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَامِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْبَدَنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اغْتِسَالُ الْمُحْرِمِ بِالْمَاءِ وَالِانْغِمَاسُ فِيهِ، فَجَائِزٌ لَا يُعْرَفُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، خِلَافٌ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ السَّابِقِ: أَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ عَنْ نَفْسِهِ فَجَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِزَالَةِ الْوَسَخِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِخَطْمِيٍّ؛ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ. دَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ عَنْ بَعِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَرِهَ

стр. 2119

جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمَالِكٌ: غَسْلُ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ. قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ مُبَاحٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا جَوَازَ غَسْلِ الرَّأْسِ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ، عَنِ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَرَاهَةِ غَمْسِ الرَّأْسِ فِي الْمَاءِ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ بِذَلِكَ بَعْضَ دَوَابِّ الرَّأْسِ. وَقَالَ صَاحِبُ " اللِّسَانِ ": وَالْخَطْمِيُّ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبَاتِ، بِغَسْلٍ بِهِ، وَفِي الصَّحَاحِ: يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَمَنْ قَالَ: خِطْمِيٌّ بِكَسْرِ الْخَاءِ فَقَدْ لَحَنَ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ، فَإِنْ دَخَلَهُ، وَتَدَلَّكَ، وَأَلْقَى الْوَسَخَ: افْتَدَى. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: أَرَى أَنْ يَفْتَدِيَ، وَلَوْ لَمْ يَتَدَلَّكْ ; لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيمَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ أَنَّ الشَّعَثَ يَذْهَبُ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَتَدَلَّكْ، انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْمَوَّاقِ. فَتَحَصَّلَ: أَنَّ مُطْلَقَ الْغُسْلِ الَّذِي لَا تَنْظِيفَ فِيهِ لَا خِلَافَ فِيهِ إِلَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، إِلَّا مِنِ احْتِلَامٍ ". وَرَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: " أَنَّهُ غَسَلَ رَأَسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَأَمَرَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ: أَنْ يَصُبَّ عَلَى رَأْسِهِ أَيْ: عُمَرَ الْمَاءَ، وَقَالَ: اصْبُبْ، فَلَنْ يَزِيدَهُ الْمَاءُ إِلَّا شَعَثًا ". وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ جَوَازُهُ، وَأَنَّ إِزَالَةَ الْوَسَخِ بِالتَّدَلُّكِ فِي الْحَمَّامِ، وَغَسْلَ الرَّأْسِ بِالْخَطْمِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فِيهِ خِلَافٌ كَمَا رَأَيْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ. وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: مِنَ التَّدَلُّكِ وَإِزَالَةِ الْوَسَخِ لَا شَيْءَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ عَنْ بَعِيرِهِ، وَمَاتَ، وَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ: بِأَنَّهُ يَبْعَثُ مُلَبِّيًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ. وَاحْتَجَّ مِنْ مَنْعِ إِزَالَةِ الْوَسَخِ: بِأَنَّ الْوَسَخَ مِنَ التَّفَثِ وَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ التَّفَثِ: لَا تَجُوزُ قَبْلَ وَقْتِ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا "، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ " وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ.

стр. 2120

قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَمَّا مُجَرَّدُ الْغَسْلِ الَّذِي لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شَعَثًا كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا التَّدَلُّكُ فِي الْحَمَّامِ، وَغَسْلِ الرَّأْسِ بِالْخَطْمِيِّ، فَلَا نَصَّ فِيهِ، وَالْأَحْسَنُ تَرْكُهُ احْتِيَاطًا، وَأَمَّا لُزُومُ الْفِدْيَةِ فِيهِ فَلَا أَعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا حُكْمُ مَنْ قَتَلَ بِغَسْلِهِ رَأْسَهُ قَمْلًا، فَلَا أَعْلَمُ فِي خُصُوصِ قَتْلِ الْمُحْرَمِ الْقَمْلَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِنْ قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ قَمَلَاتٍ أَطْعَمَ مِلْءَ يَدٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّعَامِ كَفَّارَةً لِذَلِكَ، وَإِنْ قَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً: أَطْعَمَ شَيْئًا قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ فَدَاهَا بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ الْقَمْلُ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ، لَمْ يُكْرَهْ لَهُ أَنْ يُنَحِّيَهُ ; لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ قَتْلَ الْقَمْلِ لَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: إِبَاحَةُ قَتْلِهِ ; لِأَنَّهُ يُؤْذِي، وَالْأُخْرَى مَنْعُ قَتْلِهِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَرَفُّهًا. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْقَمْلَ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَأَخْذُهُ مِنَ الرَّأْسِ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَتْلُهُ يَجُوزُ لَمَا صَبَرَ عَلَى أَذَاهُ، وَلَتَسَبَّبَ فِي التَّفَلِّي ; لِإِزَالَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ، كَمَا هُوَ الْعَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِيمَنْ آذَاهُ الْقَمْلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ إِنْ لَمْ يُرِدِ الْحَلْقَ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى لُزُومِ شَيْءٍ فِي قَتْلِ الْقَمْلِ، مَعَ أَنَّهُ يُؤْذِي أَشَدَّ الْإِيذَاءِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ كِلَاهُمَا: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ إِنَّمَا لَزِمَتْ بِسَبَبِ حَلْقِ الرَّأْسِ، مَعَ كَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْقَمْلِ، فَلَوْ كَانَتِ الْفِدْيَةُ تَلْزَمُ مِنْ قَتْلِ الْقَمْلِ، وَإِزَالَتِهِ، لَبَيَّنَهُ ﷺ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ظَاهِرُهُ: أَنَّ الْأَذَى الَّذِي بِرَأْسِهِ مِنَ الْقَمْلِ وَنَحْوِهِ: كَالْمَرَضِ فِي إِبَاحَةِ الْحَلْقِ، وَأَنَّ الْفِدْيَةَ لَزِمَتْ بِسَبَبِ الْحَلْقِ لَا بِسَبَبِ الْمَرَضِ، وَلَا بِسَبَبِ إِزَالَةِ الْقَمْلِ، وَكَذَلِكَ

стр. 2121

ظَاهِرُ حَدِيثِ كَعْبٍ، حَيْثُ أَمَرَهُ بِالْحَلْقِ وَالْفِدْيَةِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ مِنْ أَجْلِ الْحَلْقِ لَا غَيْرُهُ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقَمْلَ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَهُوَ كَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَعُوضِ، وَلَيْسَ الْقَمْلُ بِمَأْكُولٍ، وَلَيْسَ بِصَيْدٍ. قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: هِيَ أَهْوَنُ مَقْتُولٍ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ مُحْرِمٍ أَلْقَى قَمْلَةً، ثُمَّ طَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا؟ قَالَ: تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُبْتَغَى. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً، قَالَ: يُطْعِمُ شَيْئًا فَعَلَى هَذَا أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَأَهُ، سَوَاءٌ قَتَلَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: تَمْرَةٌ فَمَا فَوْقَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى مَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ التَّقْدِيرَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّقْرِيبِ لِأَقَلِّ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ. انْتَهَى مِنَ " الْمُغْنِي ". وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا أَقْوَالٌ لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ: أَنَّ قَتْلَ الْقَمْلِ فِيهِ تَرَفُّهٌ لِلْمُحْرِمِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْحِجَامَةُ: إِنْ دَعَتْ إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا لِلْمُحْرِمِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْفِدْيَةِ، إِنِ احْتَجَمَ. أَمَّا جَوَازُهَا لِضَرُورَةٍ فَهُوَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: بَابُ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ: وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ قَالَ: " احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيَيْ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ ". انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.

стр. 2122

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " الطِّبِّ "، بَابِ الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ: قَالَهُ ابْنُ بُحَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ ". وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " الطِّبِّ " أَيْضًا: بَابِ الْحِجَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُحَيْنَةَ، يُحَدِّثُ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ بِلَحْيَيْ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ " وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ " وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ: لَحْيَيْ جَمَلٍ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ " انْتَهَى مِنْهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ". وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْمَذْكُورَ بِلَفْظِ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَسَطَ رَأْسِهِ "، اهـ. فَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، عَنْ صَحَابِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ وَهُمَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ: صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ إِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةُ وَجَعٍ. وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ فِيهِ أَنَّ الْحِجَامَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْفَتْحِ ": وَخَالَفَ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ قَالَ: " احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ ". وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ، حَكَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ، فَأَرْسَلَهُ وَسَعِيدٌ أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ، وَالْجُمَعُ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ، وَاضِحٌ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. انْتَهَى مِنْهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا تَعَارُضَ فِيهِ، وَأَنَّهُ احْتَجَمَ مَرَّةً فِي الرَّأْسِ، وَمَرَّةً عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " بِلَحْيَيْ جَمَلٍ " هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ،

стр. 2123

وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَسُكُونِ الْحَاءِ وَيَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: بِيَاءَيْنِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَجَمَلٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَالْمِيمِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ، أَنَّهُ اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَقَالَ فِي " الْفَتْحِ ": قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: هِيَ بُقْعَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ عَقَبَةُ الْجَحْفَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ السُّقْيَا، اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْقَامُوسِ ": وَلِحَى جَمَلٍ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، وَإِلَى الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ. وَزَعَمَ صَاحِبُ " الْقَامُوسِ ": أَنَّ السُّقْيَا بِالضَّمِّ: مَوْضِعٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ، وَوَادِي الصَّفْرَاءِ، وَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَحَدُ فَكَّيِ الْجَمَلِ الَّذِي هُوَ ذَكَرُ الْإِبِلِ، وَأَنَّ فَكَّهُ كَانَ هُوَ آلَةَ الْحِجَامَةِ، فَهُوَ غَلَطٌ لَا شَكَّ فِيهِ. فَهَذِهِ النُّصُوصُ الَّتِي ذَكَرْنَا لَا يُبْقَى مَعَهَا شَكٌّ فِي جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي بِهِ وَجَعٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْحِجَامَةِ. أَمَّا مَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِهَا لَهُ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ، إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ وَإِنْ قَطَعَ الشَّعْرَ حِينَئِذٍ، لَكِنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ لِقَطْعِ الشِّعْرِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ هُ تَعَالَى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي الْحِجَامَةِ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ قَطْعِ شِعْرِ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْمُحْرِمُ الْحِجَامَةَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ تَضَمَّنَتْ قَلْعَ شَعْرٍ، فَهِيَ حَرَامٌ لِتَحْرِيمِ قَطْعِ الشِّعْرِ وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ لَا شَعْرَ فِيهِ، فَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: وَلَا فِدْيَةَ فِيهَا، وَوَافَقَ الْجُمْهُورُ سَحْنُونَ، مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ كَرَاهَتُهَا، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: فِيهَا الْفِدْيَةُ. دَلِيلُنَا: أَنَّ إِخْرَاجَ الدَّمِ لَيْسَ حَرَامًا فِي الْإِحْرَامِ. انْتَهَى مِنْهُ. وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ: مِنْ كَرَاهَةِ الْحِجَامَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إِلَّا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ " وَفِيهِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا إِنْ أَدَّتْ إِلَى قَطْعِ شَعْرٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهَا أَنَّهَا حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ شَعْرٍ، فَقَدَ وَجَّهَ الْمَالِكِيَّةُ كَرَاهَتَهَا الْمَذْكُورَةَ، عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ بِأَمْرَيْنِ:

стр. 2124

أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِخْرَاجَ الدَّمِ مِنَ الْحَاجِّ، قَدْ يُؤَدِّي إِلَى ضَعْفِهِ، كَمَا كُرِهَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ، مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ أَخَفُّ مِنَ الْحِجَامَةِ، قَالُوا: فَبَطَلَ اسْتِدْلَالُ الْمَجِيزِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ إِخْرَاجِ الدَّمِ فِي الْإِحْرَامِ، لِأَنَّا لَمْ نَقُلْ بِالْحُرْمَةِ، بَلْ بِالْكَرَاهَةِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى عُلِمَتْ. قَالَهُ: الزُّرْقَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُوَطَّأِ ". وَمُرَادُهُمْ أَنَّ ضَعْفَهُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ مِنْهُ، قَدْ يُؤَدِّي إِلَى عَجْزِهِ عَنْ إِتْمَامِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْعَادَةِ، بِشَدِّ الزُّجَاجِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْعَقْدِ وَالشَّدِّ عَلَى جَسَدِهِ. قَالَهُ: الشَّيْخُ سَنَدٌ. وَقَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ عَاطِفًا عَلَى مَا يُكْرَهُ: وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ - مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَتَجُوزُ، فَإِنْ لَمْ يُزِلْ بِسَبَبِهَا شَعْرًا، وَلَمْ يَقْتُلْ قَمْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَزَالَ بِسَبَبِهَا شَعْرًا: فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلًا بِسُقُوطِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ غَرِيبٌ، وَإِنْ قَتَلَ قَمْلًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَالْفِدْيَةُ، وَإِلَّا أَطْعَمَ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى مِنْهُ. وَالْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَاسْتَغْرَبَهُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ بِسُقُوطِ الْفِدْيَةِ مُطْلَقًا. وَلَوْ أَزَالَ بِسَبَبِ الْحِجَامَةِ شَعْرًا لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، وَلَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ قُوَّةٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ: " بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ، لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ افْتَدَى لِإِزَالَةِ ذَلِكَ الشَّعْرِ مِنْ أَجْلِ الْحِجَامَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِدْيَةٌ، لِبَيَّنَهَا لِلنَّاسِ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ. لَا يَنْهَضُ كُلَّ النُّهُوضِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، لَا فِي حَلْقِ بَعْضِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ حَلْقَ بَعْضِهِ: لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ. وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ: إِلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ تَلْزَمُ بِحَلْقِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا. وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى ذَلِكَ، وَفِي الْأُخْرَى: إِلَى لُزُومِهَا بِأَرْبَعِ شَعَرَاتٍ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِلَى لُزُومِهَا بِحَلْقِ الرُّبُعِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ: إِلَى لُزُومِهَا بِحَلْقِ مَا فِيهِ تَرَفُّهٌ، أَوْ إِمَاطَةُ أَذًى، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّصِّ الصَّرِيحِ فِي حَلْقِ بَعْضِ

стр. 2125

الرَّأْسِ، فَلَا تَتَعَيَّنُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى لُزُومِ الْفِدْيَةِ، فِي مَنْ أَزَالَ شَعْرًا قَلِيلًا ; لِأَجْلِ تَمَكُّنِ آلَةِ الْحِجَامَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْوَجَعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ إِزَالَةَ الشَّعْرِ عَنْ مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ لَا فِدْيَةَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ قَالَا: فِي ذَلِكَ صَدَقَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا: أَنَّ الصَّدَقَةَ عِنْدَهُمْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ كَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ كَتَمْرٍ وَشَعِيرٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَلَقَ الشَّعْرَ لِأَجْلِ تَمَكُّنِ آلَةِ الْحِجَامَةِ، لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَدْرِ مَا تَلْزَمُ بِهِ الْفِدْيَةُ، مِنْ حَلْقِ الشَّعْرِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَأَنَّ عَدَمَ لُزُومِهَا عِنْدَنَا لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ قَوِيٌّ، وَحَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَحْلِقْ بِالْحِجَامَةِ شَعْرًا، فَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا، وَتَفْصِيلَهُمْ بَيْنَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثِ الْحِجَامَةِ الْمَذْكُورَةِ، عَلَى جَوَازِ الْفَصْدِ، وَرَبْطِ الْجُرْحِ، وَالدُّمَّلِ، وَقَلْعِ الضِّرْسِ، وَالْخِتَانِ، وَقَطْعِ الْعُضْوِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّدَاوِي، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَحْظُورٌ: كَالطِّيبِ، وَقَطْعِ الشَّعْرِ. وَأَمَّا الْحَكُّ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا شَعْرَ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي جَوَازِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ شَعْرٌ كَالرَّأْسِ، وَكَانَ بِرِفْقٍ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ بِهِ نَتْفُ بَعْضِ الشَّعْرِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِقُوَّةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ نَتْفُ بَعْضِ الشَّعْرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَكِّ. وَلَمْ أَعْلَمْ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَإِنَّمَا فِيهِ بَعْضُ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا. وَرَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ، أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَلْيَحْكُكْهُ، وَلْيَشْدُدْ، وَلَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ، وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا رِجْلِي لَحَكَكْتُ، اهـ. وَأَمَّا نَزْعُ الْقُرَادِ وَالْحَلَمَةِ مِنْ بَعِيرِهِ، فَقَدْ أَجَازَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ: أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقْرَدُ بَعِيرًا لَهُ فِي طِينٍ بِالسُّقْيَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَكْرَهُهُ. وَرُوِيَ أَيْضًا فِي

стр. 2126

" الْمُوَطَّأِ " عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً، أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: يَقْرَدُ بَعِيرَهُ: أَيْ يَنْزِعُ عَنْهُ الْقُرَادَ وَيَرْمِيهِ. وَأَمَّا تَضْمِيدُ الْعَيْنِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا طِيبَ فِيهِ لِضَرُورَةِ الْوَجَعِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِيهِ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى تَضْمِيدِ الْعَيْنِ وَنَحْوِهَا بِمَا فِيهِ طِيبٌ. أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى جَوَازِ تَضْمِيدِ الْعَيْنِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوِهِ: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنِ اضْمِدْهُمَا بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبْرِ. وَفِي لَفْظٍ عَنْ مُسْلِمٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ رَمِدَتْ عَيْنُهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَحِّلَهَا، فَنَهَاهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهَا بِالصَّبْرِ، وَحَدَّثَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ. انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَأَمَّا السِّوَاكُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ الشَّيْخُ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَرَبْطِ جُرْحِهِ مَا نَصُّهُ: قَالَ التَّادَلِيُّ فِي مَنَاسِكِ ابْنِ الْحَاجِّ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَسَوَّكَ، وَإِنْ دَمِيَ فَمُهُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ: رَوَى مُحَمَّدٌ وَالْعُتْبِيُّ: لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَسَوَّكَ، وَلَوْ أَدْمَى فَاهُ انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ الْقَاضِي الزِّينَةَ مَنْعُ السِّوَاكِ بِالْجَوْزَاءِ وَنَحْوِهِ. انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ الْحَطَّابِ. فَصْلٌ فِيمَا تَتَعَدَّدُ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَنَحْوُهَا وَمَا لَا يَتَعَدَّدُ فِيهِ ذَلِكَ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يَدْخُلُ فِي مَسْأَلَةٍ كَبِيرَةٍ، يَذْكُرُهَا عُلَمَاءُ الْأُصُولِ فِي مَبْحَثِ الْأَمْرِ، وَهِيَ: هَلِ الْأَمْرُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَوْ لَا؟ وَهِيَ ذَاتُ وَاسِطَةٍ وَطَرَفَيْنِ، طَرَفٌ يَتَعَدَّدُ فِيهِ اللَّازِمُ بِلَا خِلَافٍ، وَطَرَفٌ لَا يَتَعَدَّدُ فِيهِ، بِلَا خِلَافٍ، وَوَاسِطَةٌ: هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَهَذَا الْبَحْثُ أَعَمُّ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَلَكِنْ إِذَا تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ، رَجَعْنَا إِلَى

стр. 2127

مَسْأَلَتِنَا، فَذَكَرْنَا فِيهَا كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَدِلَّتِهِمْ، وَنَاقَشْنَاهَا. وَالْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ: هِيَ إِذَا تَعَدَّدَتِ الْأَسْبَابُ، وَاتَّحَدَ مُوجَبُهَا بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، هَلْ يَتَعَدَّدُ الْمُوجَبُ نَظَرًا لِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ أَوْ لَا يَتَعَدَّدُ نَظَرًا لِاتِّحَادِهِ فِي نَفْسِهِ؟ وَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجُمْلَةِ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ فِي «التَّكْمِيلِ» بِقَوْلِهِ: إِنْ يَتَعَدَّدْ سَبَبٌ وَالْمُوجَبُ ... مُتَّحِدٌّ كَفَى لَهُنَّ مُوجَبٌ كَنَاقِضٍ سَهْوٍ وُلُوغٍ وَالْفِدَا ... حِكَايَةُ حَدِّ تَيَمُّمٍ بَدَا وَذَا الْكَثِيرِ وَالتَّعَدُّدِ وَرَدْ ... بِخُلْفٍ أَوْ وُفْقٍ بِنَصٍّ مُعْتَمَدْ فَقَوْلُهُ: الْمُوجَبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ. وَقَوْلُهُ كَنَاقِضٍ يَعْنِي: أَنَّ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ إِنْ تَعَدَّدَتْ كَمَنْ بَالَ مَرَّاتٍ. أَوْ بَالَ وَنَامَ وَقَبَّلَ، فَإِنَّهُ يَكْفِي لِجَمِيعِهَا وُضُوءٌ وَاحِدٌ. وَكَذَلِكَ الْجَنَابَةُ، إِنْ تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهَا بِوَطْءٍ مَرَّاتٍ، وَإِنْزَالٍ بِلَذَّةٍ، وَاحْتِلَامٍ، وَانْقِطَاعِ حَيْضٍ، فَإِنَّهُ يَكْفِي لِجَمِيعِ ذَلِكَ غُسْلٌ وَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ: سَهْوٌ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، يَكْفِيهِ لِجَمِيعِهَا سُجُودُ سَهْوٍ وَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ: وُلُوغٌ يَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا تَعَدَّدَ وُلُوغُ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ بِأَنْ وَلَغَ فِيهِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً أَوْ دَلَفَتْ فِيهِ كِلَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِنَّهُ يَكْفِي لِجَمِيعِ ذَلِكَ غَسْلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يَتَعَدَّدُ الْغَسْلُ بِتَعَدُّدِ الْوُلُوغِ. وَقَوْلُهُ: وَالْفِدَا يَعْنِي: أَنَّ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ مُوجِبُ الْفِدْيَةِ، كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَخِيطًا مُطَيَّبًا تَكْفِيهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ. قَوْلُهُ: حِكَايَةٌ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ سَمِعَ أَذَانَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، يَكْفِيهِ حِكَايَةُ أَذَانِ وَاحِدٍ، وَلَا تَتَعَدَّدُ حِكَايَةُ الْأَذَانِ لِتَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ. وَقَوْلُهُ: حَدٌّ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ زَنَى مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَكْفِي حَدُّهُ حَدًّا وَاحِدًا، وَلَا يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ بِتَعَدُّدِ الزِّنَى مَثَلًا. أَمَّا إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ زَنَى بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِزِنَاهُ الْوَاقِعِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ. وَقَوْلُهُ: تَيَمُّمٌ يَعْنِي: أَنَّ الْجُنُبَ مَثَلًا الَّذِي حُكْمُهُ التَّيَمُّمُ، إِذَا أَرَادَ حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِيهِ يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

стр. 2128

وَقَوْلُهُ: وَذَا الْكَثِيرِ يَعْنِي: أَنَّ الْكَثِيرَ فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ تَعَدُّدِ الْمُوجَبِ الَّذِي تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهُ. وَقَوْلُهُ: وَالتَّعَدُّدُ وَرَدَ بِخُلْفٍ، أَوْ وُفْقٍ يَعْنِي: أَنَّ تَعَدُّدَ الْمُوجَبِ، لِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ وَارِدٌ فِي الشَّرْعِ، وَتَارَةً يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَى تَعَدُّدِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَقَوْلُهُ: أَوْ وُفْقٍ يَعْنِي: بِالْوُفْقِ الِاتِّفَاقُ، وَمُرَادُهُ بِهِ الْإِجْمَاعُ. وَقَدْ نَظَّمَ الْعَلَوِيَّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي «نَشْرِ الْبُنُودِ شَرْحِ مَرَاقِي السُّعُودِ» مَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ إِجْمَاعًا، وَمَا يَتَعَدَّدُ بِخِلَافٍ فِي شَرْحِهِ ; لِقَوْلِهِ فِي «الْمَرَاقِي» : أَوِ التَّكَرُّرُ إِذَا مَا عُلِّقَا ... بِشَرْطٍ أَوْ بِصِفَةٍ تَحَقَّقَا فَقَالَ ﵀: وَمَا تَعَدَّدَ بِوُفْقِ غِرَّهْ ... أَوْ دِيَةٍ وَمَهْرِ غَصْبِ الْحُرَّهْ عَقِيقَةٌ وَمَهْرُ مَنْ لَمْ تَعْلَمْ ... وَالثُّلُثُ مِنْ بَعْدِ الْخُرُوجِ فَاعْلَمْ وَالْخُلْفُ فِي صَاعِ الْمُصَرَّاةِ وَفِي ... كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَنْ نَسَى يَفِي وَهَدْيُ مَنْ نَذَرَ نَحْرَ وَلَدِهِ ... غُسْلٌ إِنَّ الْوَلْغَ يُرَى بِعَدَدِهِ حِكَايَةُ الْمُؤَذِّنِينَ وَسُجُودُ ... تِلَاوَةٍ وَبَعْدَ تَكْفِيرٍ يَعُودُ قَذْفُ جَمَاعَةٍ وَثُلُثٍ قَبْلَ أَنْ ... يُخْرِجَ ثُلُثًا قَالَهُ مَنْ قَدْ فَطِنْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاللَّهِ عَلَا ... لِقَصْدِ تَأْسِيسِ مَنِ الَّذِي ائْتَلَى وَحَاصِلُ كَلَامِهِ فِي نَظْمِهِ: أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّدُ إِجْمَاعًا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّ مَنْ ضَرَبَ بَطْنَ حَامِلٍ، فَأَسْقَطَتْ جَنِينَيْنِ مَثَلًا، يَتَعَدَّدُ الْوَاجِبُ فِيهِمَا مِنْ غُرَّةٍ أَوْ دِيَةٍ عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» ، وَهَذَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: وَمَا تَعَدَّدَ بِوُفْقٍ غُرَّةٌ أَوْ دِيَةٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مِنْ غَصَبَ حُرَّةً فَزَنَى بِهَا مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ مَهْرُهَا بِتَعَدُّدِ الزِّنَى بِهَا. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ تُوأَمَانِ لَزِمَتْهُ عَقِيقَتَانِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ مَنْ وُطِئَتْ مَرَّاتٍ وَهِيَ غَيْرُ عَالِمَةٍ كَالنَّائِمَةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ لَهَا الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ. الْخَامِسَةُ: أَنَّ مَنْ نَذَرَ ثُلُثَ مَالِهِ فَأَخْرَجَهُ ثُمَّ نَذَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُلُثَهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَمُرَادُهُ

стр. 2129

بِهَذَا وَاضِحٌ مِنَ النَّظْمِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ الْمَذْكُورَاتِ، لَا يَخْلُو مِنْ خِلَافٍ. أَمَّا مَا ذَكَرَ تَعَدُّدَهُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، فَهُوَ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: صَاعُ الْمُصَرَّاةِ يَعْنِي: صَاعَ التَّمْرِ الَّذِي يَرُدُّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ إِذَا حَلَبَهَا، هَلْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الشِّيَاهِ الْمُصَرَّاةِ، أَوْ يَكْفِي عَنْ جَمِيعِهَا صَاعٌ وَاحِدٌ، وَالْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ التَّعَدُّدُ. الثَّانِيَةُ: إِذَا ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَاتِهِ الْأَرْبَعِ، هَلْ تَتَعَدَّدُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ بِتَعَدُّدِهِنَّ، أَوْ تَكْفِي كَفَارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ وَالثَّالِثَةُ: إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ نَذْرُ ذَبْحِ وَلَدِهِ، بِأَنْ نَذَرَ أَنَّهُ يَذْبَحُ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهِ، وَقُلْنَا: يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، هَلْ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأَوْلَادِ الْمَنْذُورِ ذَبْحُهُمْ، أَوْ يَكْفِي هَدْيٌ وَاحِدٌ؟ وَالرَّابِعَةُ: تَعَدُّدُ وُلُوغِ الْكِلَابِ فِي الْإِنَاءِ، هَلْ يَتَعَدَّدُ الْغَسْلُ سَبْعًا بِتَعَدُّدِ الْوُلُوغِ، أَوْ يَكْفِي غَسْلُهُ سَبْعًا مَرَّةً وَاحِدَةً؟ وَالْخَامِسَةُ: حِكَايَةُ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِينَ. وَالسَّادِسَةُ: سُجُودُ التِّلَاوَةِ، إِذَا كَرَّرَ آيَةَ السُّجُودِ مِرَارًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، هَلْ يَكْفِي سُجُودٌ وَاحِدٌ أَوْ لَا؟ وَالسَّابِعَةُ: إِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، ثُمَّ كَفَّرَ مِنْ حِينِهِ، ثُمَّ جَامَعَ مَرَّةً أُخْرَى فِي نَفْسِ الْيَوْمِ، هَلْ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ أَوْ لَا؟ وَالثَّامِنَةُ: إِذَا قَذَفَ جَمَاعَةً، هَلْ يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ بِتَعَدُّدِهِمْ، أَوْ يَكْفِي حَدٌّ وَاحِدٌ؟ وَالتَّاسِعَةُ: إِذَا نَذَرَ ثُلُثَ مَالِهِ، ثُمَّ نَذَرَ ثُلُثًا آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ الثُّلُثَ الْأَوَّلَ هَلْ يَلْزَمُهُ النَّذْرُ فِي الثُّلُثَيْنِ، أَوْ يَكْفِي وَاحِدٌ؟ وَالْعَاشِرَةُ: إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَقَصَدَ بِكُلِّ يَمِينٍ التَّأْسِيسَ لَا التَّأْكِيدَ، هَلْ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِ الْأَيْمَانِ، أَوْ تَكْفِي كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، هَذَا هُوَ حَاصِلُ مُرَادِهِ بِالْأَبْيَاتِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْمُتَّفَقَ عَلَى تَعَدُّدِهَا وَالْمُخْتَلَفَ فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ بِكَثِيرٍ، فَمِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَى التَّعَدُّدِ فِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا مَنْ صَادَ ظَبْيَيْنِ مَثَلًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إِجْمَاعًا. وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّهُ يَكْفِي جَزَاءٌ وَاحِدٌ، لَا يَصِحُّ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ «الْمُغْنِي» ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ; لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مِثْلًا لِلِاثْنَيْنِ.

стр. 2130

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، إِنَّمَا تُعْرَفُ فُرُوعُهَا بِالتَّتَبُّعِ، فَقَدْ يَكْفِي مُوجَبٌ وَاحِدٌ مَعَ تَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ إِجْمَاعًا، كَتَعَدُّدِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، وَأَسْبَابِ الْجَنَابَةِ، وَتَعَدُّدِ سَبَبِ الْحَدِّ كَالزِّنَى، وَقَدْ يَتَعَدَّدُ إِجْمَاعًا كَالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِي تَعَدُّدِهِ، وَعَدَمِ تَعَدُّدِهِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ فِي «التَّكْمِيلِ» . فَإِذَا عَلِمْتَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجُمْلَةِ وَعَلِمْتَ أَنَّهَا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى مَسْأَلَةِ: الْأَمْرُ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارُ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ؟ فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَدِلَّتُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، وَهِيَ مَا تَعَدَّدُ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَنَحْوُهَا، بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهَا، وَمَا لَا تَتَعَدَّدُ فِيهِ. وَاعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ تَعَدُّدَ اللَّازِمِ فِي الْجِمَاعِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ، وَعَدَمِ تَعَدُّدِهِ قَدْ قَدَّمْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ، وَاسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ. أَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ. حَاصِلُهُ: أَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَتَعَدَّدُ الْهَدْيُ اللَّازِمُ فِيهِ بِتَعَدُّدِهِ، سَوَاءٌ جَامَعَ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْهَدْيِ عَنِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ أَوْ قَبْلَهُ. وَأَمَّا غَيْرُ الْجِمَاعِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّطَيُّبِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَقَلْمِ الْأَظَافِرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَتَارَةً تَكْفِي عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، عَنِ الْجَمِيعِ، وَتَارَةً تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهَا. أَمَّا مُوجِبَاتُ عَدَمِ تَعَدُّدِ الْفِدْيَةِ، فَهِيَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ثَلَاثَةٌ. الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ فَعَلَ أَسْبَابَ الْفِدْيَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ بَعْضَهَا بِالْقُرْبِ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ فَعَلَ بَعْضَهَا قَرِيبًا مِنْ بَعْضٍ، وَالْقَوْلُ الَّذِي خَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ بِالتَّعَدُّدِ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ، لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ جَمِيعِهَا، بِأَنْ يَنْوِيَ اللُّبْسَ وَالتَّطَيُّبَ وَالْحَلْقَ فَتَلْزَمَهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ غَيْرَ قَرِيبٍ مِنْهُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فَعَلَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ظَانًّا أَنَّهَا مُبَاحَةٌ، كَالَّذِي يَطُوفُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فِي عُمْرَتِهِ، ثُمَّ يَسْعَى، وَيَحِلُّ وَيَفْعَلُ مَحْظُورَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَكَالَّذِي يَرْفُضُ إِحْرَامَهُ ظَانًّا أَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ رَفْضُهُ، فَيَفْعَلُ بَعْدَ رَفْضِهِ مَحْظُورَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَكَمَنَ أَفْسَدَ إِحْرَامَهُ بِالْوَطْءِ، ثُمَّ فَعَلَ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ ظَانًّا أَنَّ الْإِحْرَامَ تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِالْفَسَادِ، وَجَعَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ صُوَرِ ظَنِّ الْإِبَاحَةِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِهِ أَوْ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ

стр. 2131

بَعْضِهَا. وَأَمَّا مَا يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْفِدْيَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ مُتَرَتِّبَةً بَعْضَهَا بَعْدَ بَعْضٍ، غَيْرَ قَرِيبٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ بِكُلِّ مَحْظُورٍ فِدْيَةٌ، وَلَوْ كَثُرَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَحْظُورَاتُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، كَمَنْ كَرَّرَ التَّطَيُّبَ، أَوْ كَرَّرَ اللُّبْسَ، أَوْ كَرَّرَ الْحَلْقَ فِي أَوْقَاتٍ غَيْرِ مُتَقَارِبَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْبَ بِحَسَبِ الْعُرْفِ، أَوْ مِنْ أَنْوَاعٍ كَمَنْ لَبِسَ مَخِيطًا، ثُمَّ تَطَيَّبَ، ثُمَّ حَلَقَ، فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَتَعَدَّدُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ قَرِيبًا مِنْ بَعْضٍ، أَوْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ قَمِيصٍ، ثُمَّ احْتَاجَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى لُبْسِ سَرَاوِيلَ، فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّ مَحَلَّ السَّرَاوِيلِ كَانَ يَسْتُرُهُ الْقَمِيصُ قَبْلَ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ. أَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى السَّرَاوِيلِ أَوَّلًا، ثُمَّ احْتَاجَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْقَمِيصِ، فَفِدْيَتَانِ ; لِأَنَّ الْقَمِيصَ يَسْتُرُ مِنْ أَعْلَى بَدَنِهِ شَيْئًا مَا كَانَ يَسْتُرُهُ السَّرَاوِيلُ. هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي تَعَدُّدِ الْفِدْيَةِ وَعَدَمِهِ فِي تَعَدُّدِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَهُوَ أَنَّهُ إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ مُوجِبُ الْفِدْيَةِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ فِدْيَةُ الْأَذَى إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، وَدَمٌ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَجَالِسَ مُتَعَدِّدَةٍ تَعَدَّدَتِ الْكَفَّارَةُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَتَعَدَّدُ إِلَّا إِذَا كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي، فَلَوْ لَبِسَ قَمِيصًا وَقَبَاءً وَسَرَاوِيلَ وَخُفَّيْنِ يَوْمًا كَامِلًا لَزِمَهُ دَمٌ وَاحِدٌ أَوْ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَصَارَتْ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَامَ عَلَى لُبْسِ ذَلِكَ أَيَّامًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ يَنْزِعُهُ بِاللَّيْلِ، وَيَلْبَسُهُ بِالنَّهَارِ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا دَمٌ وَاحِدٌ، إِلَّا إِذَا نَزَعَهُ عَلَى عَدَمِ التَّرْكِ، ثُمَّ لَبِسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ ; لِأَنَّ اللُّبْسَ الْأَوَّلَ انْفَصَلَ عَنِ الثَّانِي بِالْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ، وَكَذَا لَوْ لَبِسَ قَمِيصًا لِلضَّرُورَةِ وَلَبِسَ خُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَفِدْيَةٌ ; لِأَنَّ السَّبَبَ اخْتَلَفَ فَلَا يُمْكِنُ التَّدَاخُلُ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَيَّبَ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، إِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَفْدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، وَإِنْ كَانَ تَطْيِيبُ أَعْضَائِهِ فِي مَجَالِسَ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ أَوِ الدَّمُ بِتَعَدُّدِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي طَيَّبَهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، سَوَاءٌ ذَبَحَ لِلْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يَذْبَحْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ ذَبَحَ لِلْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَذْبَحْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُ الْفِدْيَةِ، كَمَنْ تَطَيَّبَ، وَلَبِسَ مَخِيطًا أَوْ تَطَيَّبَ، وَغَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا كَامِلًا مَثَلًا، تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ، أَوِ الدَّمُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَعَدُّدِ جَزَاءِ الصَّيْدِ بِتَعَدُّدِ الصَّيْدِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِمُخَالَفَتِهِ صَرِيحَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

стр. 2132

هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ: أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ مَحْظُورَاتٍ مُتَعَدِّدَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ حَلَقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أَوْ لِبَسَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أَوْ تَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ، الَّتِي هِيَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَمَحِلُّ هَذِهِ مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، قَبْلَ الْفِعْلِ الثَّانِي. فَلَوْ تَطَيَّبَ مَثَلًا، ثُمَّ افْتَدَى ثُمَّ تَطَّيْبَ بَعْدَ الْفِدْيَةِ لَزِمَتْهُ فِدْيَةٌ أُخْرَى ; لِتَطَيُّبِهِ بَعْدَ أَنِ افْتَدَى. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِنْ كَرَّرَ ذَلِكَ لِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ أَنْ لَبِسَ لِلْبَرْدِ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْحَرِّ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْمَرَضِ فَكَفَّارَاتٌ، وَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ فِيمَنْ لَبِسَ قَمِيصًا وَجُبَّةً وَعِمَامَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. قُلْتُ لَهُ: فَإِنِ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً، ثُمَّ بَرِئَ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً، قَالَ: هَذَا الْآنَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ قَالَهُ فِي «الْمُغْنِي» ، ثُمَّ قَالَ: وَعَنِ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا، وَعَنْهُ لَا يَتَدَاخَلُ. وَقَالَ مَالِكٌ: تَتَدَاخَلُ كَفَّارَةُ الْوَطْءِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ حُكْمُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَنَا أَنَّ مَا يَتَدَاخَلُ إِذَا كَانَ بَعْضُهُ عَقِبَ بَعْضٍ، يَجِبُ أَنْ يَتَدَاخَلَ، وَإِنْ تَفَرَّقَ كَالْحُدُودِ وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ: فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَتَدَاخَلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. انْتَهَى مِنَ «الْمُغْنِي» . وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمَحْظُورَاتُ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَأَنْ حَلَقَ، وَلَبِسَ، وَتَطَيَّبَ، وَوَطِئَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِدْيَةٌ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا. قَالَ فِي «الْمُغْنِي» : وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ فِي الطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَالْحَلْقِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِذَا حَلَقَ ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الطِّيبِ أَوْ إِلَى قَلَنْسُوَةٍ أَوْ إِلَيْهِمَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا فِدْيَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ لَبِسَ الْقَمِيصَ، وَتَعَمَّمَ، وَتَطَيَّبَ فَعَلَ ذَلِكَ جَمِيعًا: فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.

стр. 2133

وَلَنَا أَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ أَجْزَاؤُهَا كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَعَكْسُهُ مَا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. انْتَهَى مِنَ «الْمُغْنِي» . وَهَذَا هُوَ حَاصِلُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْمَحْظُورَاتِ تَنْقَسِمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى اسْتِهْلَاكٍ، كَالْحَلْقِ، وَالْقَلْمِ، وَالصَّيْدِ وَإِلَى اسْتِمْتَاعٍ، وَتَرَفُّهٍ كَالطِّيبِ، وَاللِّبَاسِ، وَمُقْدِمَاتِ الْجِمَاعِ فَإِذَا فَعَلَ مَحْظُورَيْنِ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْتِهْلَاكًا، وَالْآخَرُ اسْتِمْتَاعًا، فَيُنْظَرَ: إِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَالْحَلْقِ، وَلُبْسِ الْقَمِيصَ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَإِنِ اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَمَنْ أَصَابَتْ رَأَسَهُ شَجَّةٌ، وَاحْتَاجَ إِلَى حَلْقِ جَوَانِبِهَا، وَسَتَرَهَا بِضِمَادٍ، وَفِيهِ طِيبٌ، فَفِي تَعَدُّدِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا تَعَدُّدُهَا. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اسْتِهْلَاكًا وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ الصَّيْدُ. فَتَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِهِ، بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ، سَوَاءٌ فَدَى عَنِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، أَوِ اخْتَلَفَا كَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ، دُونَ الْآخَرِ كَالصَّيْدِ وَالْحَلْقِ فَتَتَعَدَّدَ بِلَا خِلَافٍ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُقَابَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ، فَيُنْظَرُ إِنِ اخْتَلَفَ نَوْعُهُمَا كَحَلْقٍ وَطِيبٍ أَوْ لِبَاسٍ وَحَلْقٍ، تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ، سَوَاءٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَوْ وَالَى فِي مَكَانٍ أَوْ مَكَانَيْنِ بِفِعْلَيْنِ أَمْ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا فَوَجْهَانِ عِنْدَهُمُ، الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ مِنْهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ فِدْيَتَانِ، وَإِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ. فَإِنْ كَرَّرَ الْحَلْقَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ - لَزِمَتْهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَنْ يَحْلِقُ رَأْسَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الْحَلْقِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَوَضَعَ الطَّعَامَ، وَجَعَلَ يَأْكُلُ لُقْمَةً لُقْمَةً مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْحَلْقُ فِي أَمْكِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَوْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَفِيهِ عِنْدُهُمْ طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ فَتُفْرَدُ كُلُّ مَرَّةٍ بِحُكْمِهَا، فَإِنْ كَانَ حَلَقَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا، وَجَبَ لِكُلِّ مَرَّةٍ فِدْيَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَعْرَةً أَوْ شَعْرَتَيْنِ، فَفِيهَا الْأَقْوَالُ السَّابِقَةُ

стр. 2134

الْأَرْبَعَةُ: وَهِيَ أَنَّهُ قِيلَ فِي الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ مُدٌّ. وَقِيلَ: دِرْهَمٌ. وَقِيلَ: ثُلُثُ دَمٍ. وَقِيلَ: دَمٌ كَامِلٌ وَحُكْمُ الشَّعْرَتَيْنِ مَعْرُوفٌ مِنْ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: بِالتَّعَدُّدِ، وَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ التَّعَدُّدِ: هُوَ الْقَدِيمُ، وَالتَّعَدُّدُ: هُوَ الْجَدِيدُ. وَإِنْ حَلَقَ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَمْكِنَةٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَفِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ طَرِيقَانِ، أَصَحُّهُمَا، أَنَّهُ يُفْرِدُ كُلَّ شَعْرَةٍ بِحُكْمِهَا، وَفِيهَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ الْمَاضِيَةُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: هُوَ تَفْرِيعُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ، بِالتَّدَاخُلِ وَعَدَمِهِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ: لَزِمَتْهُ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ ; لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَطَعَ الشَّعَرَاتِ الثَّلَاثَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قُلْنَا: بِعَدَمِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ، فَلِكُلِّ شَعْرَةِ حُكْمُهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ. وَلَوْ أَخَذَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ بَدَنِهِ. فَفِيهِ عِنْدَهُمْ طَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: لُزُومُ الْفِدْيَةِ، كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا لَوْ أَزَالَهَا فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، أَوْ أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ حُكْمَ الْأَظْفَارِ عِنْدَهُمْ كَحُكْمِ الشِّعْرِ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ اسْتِمْتَاعًا، فَإِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ بِأَنْ تَطَيَّبَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الطِّيبِ أَوْ لَبِسَ أَنْوَاعًا مِنَ الثِّيَابِ كَعِمَامَةٍ وَقَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ، وَخُفٍّ أَوِ اسْتَعْمَلَ نَوْعًا وَاحِدًا مَرَّاتٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَوَالِيًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهُ تَكْفِيرٌ عَنِ الْأَوَّلِ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِي لِلْجَمِيعِ، وَإِنْ تَخَلَّلَهُ تَكْفِيرٌ وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ لِلثَّانِي أَيْضًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَكَانَيْنِ، أَوْ زَمَانَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ فَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا تَكْفِيرٌ: وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ لِلثَّانِي أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا تَكْفِيرٌ فَقَوْلَانِ، الْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْجَدِيدُ: تَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ، وَالْقَدِيمُ: تَتَدَاخَلُ، وَلَا تَتَعَدَّدُ وَإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ، بِأَنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَوْ فَعَلَهُمَا مَعًا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ عِنْدَهُمْ. أَصَحُّهَا: تَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ لِاخْتِلَافِ نَوْعِ السَّبَبِ. الثَّانِي: تَجِبُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهُمَا اسْتِمْتَاعٌ، فَيَتَدَاخَلَانِ، لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ. الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ، فَإِنِ اتَّحَدَ سَبَبُهُمَا بِأَنْ أَصَابَتْهُ شَجَّةٌ، وَاحْتَاجَ فِي مُدَاوَاتِهَا إِلَى طِيبٍ وَسِتْرِهَا. لَزِمَتْهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدِ السَّبَبُ: فَفِدْيَتَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ

стр. 2135

الْجِمَاعِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ تَعَدُّدِ الْجِمَاعِ، وَفِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا: تَجِبُ بِالْجِمَاعِ الْأَوَّلِ: بَدَنَةٌ، وَبِالثَّانِي: شَاةٌ. وَالثَّانِي: تَجِبُ بِكُلِّ جِمَاعٍ بَدَنَةٌ. الثَّالِثُ: تَكْفِي بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ عَنِ الْجَمِيعِ. الرَّابِعُ: إِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، قَبْلَ الْجِمَاعِ الثَّانِي وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ لِلثَّانِي: وَهِيَ شَاةٌ فِي الْأَصَحِّ، وَبَدَنَةٌ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ كَفَتْهُ بَدَنَةٌ عَنْهُمَا. وَالْخَامِسُ: إِنْ طَالَ الزَّمَانُ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ أَوِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ: وَجَبَتْ كَفَّارَةٌ أُخْرَى لِلثَّانِي، وَفِيهَا الْقَوْلَانِ. وَإِلَّا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ وَطِئَ مَرَّةً ثَالِثَةً وَرَابِعَةً، أَوْ أَكْثَرَ فَفِيهِ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ، الْأَظْهَرُ: تَجِبُ لِلْأَوَّلِ بَدَنَةٌ، وَلِكُلِّ جِمَاعٍ بَعْدَ ذَلِكَ شَاةٌ. وَالثَّانِي: تَجِبُ بِكُلِّ جِمَاعٍ بَدَنَةٌ إِلَى آخِرِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا. هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَلْنَكْتَفِ هُنَا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ الْحَجِّ هَذِهِ خَوْفَ الْإِطَالَةِ الْمُمِلَّةِ. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» ، وَمَسْأَلَةَ الصَّيْدِ وَجَزَائِهِ فِي الْإِحْرَامِ، أَوْ أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ، وَأَشْجَارِ الْحَرَمَيْنِ، وَنَبَاتِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَصَيْدِ وَجٍّ - قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» ، وَأَحْكَامُ الْهَدْيِ سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا مِنْ سُورَةِ «الْحَجِّ» هَذِهِ. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ تَعَدُّدِ الْفِدْيَةِ، وَعَدَمِ تَعَدُّدِهَا، إِذَا تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ فِيمَا نَعْلَمُ، وَاخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ نَوْعِ الِاخْتِلَافِ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ. اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِيَشْهَدُوا [٢٢ \ ٢٨] : هِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ: وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ الْآيَةَ [٢٢ \ ٢٧] : أَيْ إِنْ تُؤَذِّنْ فِيهِمْ يَأْتُوكَ مُشَاةً وَرُكْبَانًا، لِأَجْلِ أَنْ يَشْهَدُوا: أَيْ يَحْضُرُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِحُضُورِهِمُ الْمَنَافِعَ: حُصُولُهَا لَهُمْ.

стр. 2136

وَقَوْلُهُ: مَنَافِعَ جَمْعُ مَنْفَعَةٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَذِهِ الْمَنَافِعَ مَا هِيَ. وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ بَعْضِهَا فِي بَعْضِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ دُنْيَوِيٌّ، وَمَا هُوَ أُخْرَوِيٌّ، أَمَّا الدُّنْيَوِيٌّ فَكَأَرْبَاحِ التِّجَارَةِ، إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ بِمَالِ تِجَارَةٍ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يُحْصُلُ لَهُ الرِّبْحُ غَالِبًا، وَذَلِكَ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ. وَقَدْ أَطْبَقَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [٢ \ ١٩٨] أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ إِثْمٌ وَلَا حَرَجٌ، إِذَا ابْتَغَى رِبْحًا بِتِجَارَةٍ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، مِنْ أَدَاءِ مَنَاسِكِهِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِيهِ بَيَانٌ لِبَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ فِي آيَةِ «الْحَجِّ» هَذِهِ وَهَذَا نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ. وَمِنَ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَا يُصِيبُونَهُ مِنَ الْبُدْنِ وَالذَّبَائِحِ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا ; كَقَوْلِهِ فِي الْبُدْنِ: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ. وَقَوْلُهُ: فَكُلُوا مِنْهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ أَيْضًا لِبَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ فِي آيَةِ «الْحَجِّ» هَذِهِ. وَقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ «الْبَقَرَةِ» عَلَى مَا فَسَّرَهَا بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَاخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَوَجَّهَ اخْتِيَارَهُ لَهُ، بِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ: أَنَّ مِنَ الْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ فِي آيَةِ «الْحَجِّ» غُفْرَانَ ذُنُوبِ الْحَاجِّ، حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِ إِثْمٌ إِنْ كَانَ مُتَّقِيًا رَبَّهُ فِي حَجِّهِ بِامْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [٢ \ ٢٠٣] أَنَّ الْحَاجَّ يَرْجِعُ مَغْفُورًا لَهُ، وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ إِثْمٌ، سَوَاءٌ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ تَأَخَّرَ إِلَى الثَّالِثِ، وَلَكِنَّ غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ هَذَا مَشْرُوطٌ بِتَقْوَاهُ رَبَّهُ فِي حَجِّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِمَنِ اتَّقَى الْآيَةَ: أَيْ وَهَذَا الْغُفْرَانُ لِلذُّنُوبِ، وَحَطُّ الْآثَامِ إِنَّمَا هُوَ لِخُصُوصِ مَنِ اتَّقَى. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِيهَا أَوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ غَيْرُ هَذَا. وَمِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مَعْنَاهَا: أَنَّهُ يَغْفِرُ لِلْحَاجِّ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ، سَوَاءٌ تَعَجَّلَ فِي

стр. 2137

يَوْمَيْنِ، أَوْ تَأَخَّرَ: عَلِيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعَامِرٌ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ. وَلَمَّا ذَكَرَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا قَالَ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَمَنْ تَعَجَّلَ مِنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ، فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، يَحُطُّ اللَّهُ ذُنُوبَهُ إِنْ كَانَ قَدِ اتَّقَى فِي حَجِّهِ، فَاجْتَنَبَ فِيهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ، وَفَعَلَ فِيهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وَأَطَاعَهُ بِأَدَائِهِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ حُدُودِهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهُنَّ، فَلَمْ يَنْفِرْ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي، حَتَّى نَفَرَ مِنْ غَدِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لِتَكْفِيرِ اللَّهِ مَا سَلَفَ مِنْ آثَامِهِ، وَإِجْرَامِهِ إِنْ كَانَ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ بِأَدَائِهِ بِحُدُودِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ: لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَأَنَّهُ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» . وَسَاقَ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀ بِأَسَانِيدِهِ أَحَادِيثَ دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ فَفِي لَفْظٍ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَابَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ» . وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ، أَوْ خَبَثَ الْحَدِيدِ» . وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَضَيْتَ حَجَّكَ فَأَنْتَ مِثْلُ مَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِ جَمِيعِهَا الْكِتَابُ مِمَّا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ مَنْ حَجَّ، فَقَضَاهُ بِحُدُودِهِ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُوَضِّحُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ، مَحْطُوطَةً عَنْهُ آثَامُهُ، مَغْفُورَةً أَجْرَامُهُ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الطَّوِيلِ فِي الْمَوْضُوعِ. وَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَعْنَى لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَعَجُّلِهِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَأَخُّرِهِ ; لِأَنَّ التَّأَخُّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِثْمٌ، حَتَّى يُقَالَ فِيهِ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أَنْ بَعْضَهُمْ كَانَ يَقُولُ: التَّعَجُّلُ لَا يَجُوزُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: التَّأَخُّرُ لَا يَجُوزُ.

стр. 2138

فَمَعْنَى الْآيَةِ: النَّهْيُ عَنْ تَخْطِئَةِ الْمُتَأَخِّرِ الْمُتَعَجِّلِ كَعَكْسِهِ: أَيْ لَا يُؤَثِّمَنَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ أَعْنِي الطَّبَرِيَّ بَيَّنَ كَثِيرًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: هُوَ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْحَاجَّ يَخْرُجُ مَغْفُورًا لَهُ، كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ تَأَخَّرَ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّ رَبْطَ نَفْيِ الْإِثْمِ فِي قَوْلِهِ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالتَّعَجُّلِ وَالتَّأَخُّرِ فِي الْآيَةِ، رَبْطَ الْجَزَاءِ بِشَرْطِهِ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ نَفْيَ الْإِثْمِ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّعَجُّلِ وَالتَّأَخُّرِ، وَلَكِنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي أَقَامَهَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَارَ فِيهَا فِيهِ مَقْنَعٌ، وَتَشْهَدُ لَهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَخَيْرُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْقُرْآنُ بَعْدَ الْقُرْآنِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَوْلُهُ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ هَذِهِ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ، وَقَوْلُهُ: لِمَنِ اتَّقَى، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ» ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، هُوَ الَّذِي اتَّقَى. وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ مَا نَصُّهُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْجَالِبُ لِلَّامِ فِي قَوْلِهِ: لِمَنِ اتَّقَى وَمَا مَعْنَاهَا؟ قِيلَ: الْجَالِبُ لَهَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ مَعْنَى: حَطَطْنَا ذُنُوبَهُ، وَكَفَّرْنَا آثَامَهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَعْنَى: جَعَلْنَا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقَى فِي اللَّهِ حَجَّهُ، وَتَرَكَ ذِكْرَ «جَعَلْنَا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ» اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّهُ كَأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ هَذِهِ الرُّخْصَةَ، فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ فَقَالَ: لِمَنِ اتَّقَى أَيْ هَذَا لِمَنِ اتَّقَى، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الصِّفَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ ; لِأَنَّهَا لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا، وَلَكِنَّهَا فِيمَا زَعَمَ مِنْ صِلَةِ قَوْلٍ مَتْرُوكٍ. فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ مَا قُلْنَا: مِنْ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى، وَقَامَ قَوْلُهُ: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ مَقَامَ الْقَوْلِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ مَعْنَى فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: أَنَّ الْحَاجَّ يُغْفَرُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ إِثْمٌ، فَغُفْرَانُ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ أَكْبَرِ الْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَعَلَيْهِ فَقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ «الْبَقَرَةِ» هَذِهِ بَعْضَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ «الْحَجِّ» ، وَقَدْ أَوْضَحَتِ السُّنَّةُ هَذَا الْبَيَانَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ; كَحَدِيثِ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ

стр. 2139

وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وَحَدِيثِ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» ، وَمِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْهَا الْقُرْآنُ حَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ أَهْلَ السَّمَاءِ» الْحَدِيثَ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْهَا الْقُرْآنُ تَيَسُّرُ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَقْطَارِ الدُّنْيَا فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فِي أَمَاكِنَ مُعَيَّنَةٍ لِيَشْعُرُوا بِالْوَحْدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلِتُمْكِنَ اسْتِفَادَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فِيمَا يَهُمُّ الْجَمِيعَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَبِدُونِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَسَنَّى لَهُمْ ذَلِكَ، فَهُوَ تَشْرِيعٌ عَظِيمٌ مِنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. قَوْلُهُ: وَيَذْكُرُوا مَنْصُوبٌ بِحَذْفِ النُّونِ ; لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَنْصُوبِ بِـ «أَنِ» الْمُضْمَرَةِ بَعْدَ لَامِ التَّعْلِيلِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ. وَإِيضَاحُ الْمَعْنَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ مُشَاةً وَرُكْبَانًا ; لِأَجْلِ أَنْ يَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، وَلِأَجْلِ أَنْ يَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِإِرَاقَةِ دِمَاءِ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، مَعَ ذِكْرِهِمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا عِنْدَ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّقَرُّبَ بِالنَّحْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ، إِنَّمَا هُوَ الْهَدَايَا لَا الضَّحَايَا ; لِأَنَّ الضَّحَايَا لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الْأَذَانِ بِالْحَجِّ، حَتَّى يَأْتِيَ الْمُضَحُّونَ مُشَاةً وَرُكْبَانًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْهَدَايَا عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الْحَاجَّ بِمِنًى لَا تَلْزَمُهُ الْأُضْحِيَةُ وَلَا تُسَنُّ لَهُ، وَكُلُّ مَا يَذْبَحُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَهُوَ يَجْعَلُهُ هَدْيًا لَا أُضْحِيَةً. وَقَوْلُهُ: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ أَيْ عَلَى نَحْرِ وَذَبْحِ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ; لِيَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِدِمَائِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَقْوَى مِنْهُمْ، فَهُوَ يَصِلُ إِلَى رَبِّهِمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [٢٢ \ ٣٧] ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْهَا؛ كَقَوْلِهِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَوْلِهِ: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [٦ \ ١١٩] ، وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ جَعَلَ الْحَرَمَ الْمَكِّيَّ مَنْسَكًا تُرَاقُ فِيهِ الدِّمَاءُ تَقْرُّبًا إِلَى اللَّهِ، وَيُذْكَرُ عَلَيْهَا عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا اسْمُ اللَّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هَلْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا لِكُلِّ أُمَّةٍ أَوْ لَا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُ جَعَلَ مِثْلَ هَذَا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 2140

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [٢٢ \ ٣٤] . وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ مِنْ حِكَمِ الْأَذَانِ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، لِيَأْتُوا مُشَاةً، وَرُكْبَانًا تَقَرُّبَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ بِدِمَاءِ الْأَنْعَامِ، ذَاكِرِينَ عَلَيْهَا اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا، وَأَنَّ الْآيَةَ أَقْرَبُ إِلَى إِرَادَةِ الْهَدْيِ مِنْ إِرَادَةِ الْأُضْحِيَةِ، فَدُونَكَ تَفْصِيلَ أَحْكَامِ الْهَدَايَا الَّتِي دَعَوْا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْهَا. اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ الْهَدْيَ قِسْمَانِ: هَدْيٌ وَاجِبٌ، وَهَدْيٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، بَلْ تَطَوَّعَ بِهِ صَاحِبُهُ تَقَرُّبًا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُذْبَحُ فِيهَا، وَيُذْكَرُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ فِيهَا - لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ. وَالتَّحْقِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ غَيْرَ اثْنَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْكَثِيرَةِ بَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْهَا اثْنَانِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ هِيَ أَيَّامُ النَّحْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَذِكْرُهُمُ اللَّهَ عَلَيْهَا يَعْنِي: التَّسْمِيَةَ عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا. فَاتَّضَحَ أَنَّهَا أَيَّامُ النَّحْرِ والقولان المعول عليهما دون سائر الأقوال الأخرى أحدهما: أنها يوم النحر، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَذْبَحُ الْهَدْيَ، وَلَا الْأُضْحِيَةَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى، الَّذِي هُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَهَذَا الْقَوْلُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: وَهُوَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَيَّامُ النَّحْرِ: يَوْمُ الْأَضْحَى، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: اخْتَلَفُوا كَمْ أَيَّامُ النَّحْرِ. فَقَالَ مَالِكٌ: ثَلَاثَةٌ، يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃. وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَيْضًا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَ أَيْضًا: قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ
следующие страницы →