← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ الْآيَةَ [٣ \ ٣١] ، وَمِنِ اتِّبَاعِهِ التَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ، قَالُوا: وَصِيغَةُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: فَاتَّبِعُونِي لِلْوُجُوبِ. وَمِنْهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْوَطْءِ، بِدُونِ إِنْزَالٍ سَأَلُوا عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهُمْ أَنَّهَا هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَا ذَلِكَ، فَاغْتَسَلَا فَحَمَلُوا ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ مِنَ الْوَطْءِ بِدُونِ إِنْزَالٍ عَلَى الْوُجُوبِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ لَمَّا خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، خَلَعُوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا سَأَلَهُمْ: لِمَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ، فَخَلَعْنَا نِعَالَنَا، فَحَمَلُوا مُطْلَقَ فِعْلِهِ عَلَى الْوُجُوبِ، فَخَلَعُوا لَمَّا خَلَعَ، وَأَقَرَّهُمْ ﷺ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، لَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ خَلْعِهِ أَنْ يَخْلَعُوا، وَلَكِنَّهُ أَقَرَّهُمْ عَلَى خَلْعِ نِعَالِهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ فِي بَاطِنِهِمَا قَذَرًا وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ ثَابِتَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ ". وَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي " نَيْلِ الْأَوْطَارِ " فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي " الْمُنْتَقَى " بَعْدَ أَنْ قَالَ الْمَجْدُ فِي " الْمُنْتَقَى ": رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، انْتَهَى الْحَدِيثُ. أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَاخْتَلَفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ الْمَوْصُولَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ الْقَائِلِينَ: بِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ حُكْمُهُ مِنْ وُجُوبٍ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ، بَلْ عَلَى النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ إِلَى آخِرِ أَقْوَالِهِمْ، نَاقَشُوا الْأَدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَا مُنَاقَشَةً مَعْرُوفَةً فِي الْأُصُولِ، قَالُوا: قَوْلُهُ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [٥٩ \ ٧] ، أَيْ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ [٥٩ \ ٧] ، فَهِيَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا فِي مُطْلَقِ الْفِعْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَخْصِيصَ: (وَمَا آتَاكُمُ) ، بِالْأَمْرِ تَخْصِيصٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَذِكْرُ النَّهْيِ بَعْدَهُ لَا يُعَيِّنُهُ وَقَالُوا: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي إِنَّمَا يَكُونُ الِاتِّبَاعُ وَاجِبًا فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ فِعْلُهُ مَنْدُوبًا فَالِاتِّبَاعُ فِيهِ مَنْدُوبٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ الْفِعْلَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ بِالِاتِّبَاعِ إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ. أَمَّا لَوْ كَانَ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، وَفَعَلَتْهُ الْأُمَّةُ عَلَى

стр. 2172

سَبِيلِ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الِاتِّبَاعُ بِذَلِكَ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الْآيَةَ [٣٣ \ ٢١] ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الْأُسْوَةُ إِذَا كَانَ هُوَ ﷺ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، وَفَعَلَتْهُ أُمَّتُهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، بَلْ لَا بُدَّ فِي الْأُسْوَةِ مِنْ عِلْمِ جِهَةِ الْفِعْلِ، الَّذِي فِيهِ التَّأَسِّي، قَالُوا: وَخَلْعُهُمْ نِعَالَهُمْ لَا دَلِيلَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ دَاخِلٌ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " ; لِأَنَّ خَلْعَ النِّعَالِ كَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ هَيْئَةِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا أَخَذُوا وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنَ الْفِعْلِ، الَّذِي أَخْبَرَتْهُمْ بِهِ عَائِشَةُ ; لِأَنَّهُ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، أَوْ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [٥ \ ٦] ، وَالْفِعْلُ الْمُبَيِّنُ لِإِجْمَالِ النَّصِّ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. قَالُوا: وَالِاحْتِيَاطُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَلْزَمُ ; لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَلْزَمُ إِلَّا فِيمَا ثَبُتَ وُجُوبُهُ أَوْ كَانَ وُجُوبُهُ هُوَ الْأَصْلَ كَلَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، إِنْ حَصَلَ غَيْمٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ عَادَةً، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ الِاحْتِيَاطُ، كَمَا لَوْ حَصَلَ الْغَيْمُ الْمَانِعُ مِنْ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ: فَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمُ الشَّكِّ، وَلَا يُحْتَاطُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ وُجُوبٌ وَلَمْ يَكُنْ وَجُوبُهُ هُوَ الْأَصْلَ، إِلَى آخِرِ أَدِلَّتِهِمْ وَمُنَاقَشَاتِهَا. فَلَمْ نُطِلْ بِجَمِيعِهَا الْكَلَامَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: فَاتَّبِعُونِي [٣ \ ٣١] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ الْآيَةَ [٥٩ \ ٧] ، وَقَوْلِهِ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الْآيَةَ [٣٣ \ ٢١] ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقْنِعَةً بِنَفْسِهَا فِي الْمَوْضُوعِ، فَلَا تَقِلُّ عَنْ أَنْ تَكُونَ عَاضِدَةً لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ وُجُوبِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ بِهِ الْبَيَانُ، وَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَابِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا: وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ ذَبْحُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ يَوْمَ النَّحْرِ، هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ وَلَنْ يُصْلِحَ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا، وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا بِوَجْهٍ أَنَّهُ ﷺ ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ حَجِّهِمْ فِي عُمْرَةٍ، وَأَنْ يَحِلُّوا مِنْهَا الْحِلَّ كُلَّهُ، ثُمَّ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَتَأَسَّفَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وَقَالَ: " لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً "، وَفِي تِلْكَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ: التَّصْرِيحُ بِأَمْرِهِمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ هُوَ ﷺ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْحَجَّ فِي الْعُمْرَةِ، كَمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: بِأَنَّ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ. أَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَوْ كَانَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ يَجُوزُ ذَبْحُهُ بَعْدَ

стр. 2173

الْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَجَعَلَ الْحَجَّ عُمْرَةً، وَأَحَلَّ مِنْهَا، وَنَحَرَ الْهَدْيَ بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنْهَا. وَلَكِنَّ الْمَانِعَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ عَدَمُ جَوَازِ النَّحْرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَالْحَلْقُ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْإِحْلَالُ دُونَهُ مُعَلَّقٌ عَلَى بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ، كَمَا قَالَ: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [٢ \ ١٩٦] . وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ بِفِعْلِهِ الثَّابِتِ عَنْهُ أَنَّ مَحِلَّهُ: مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ فِي مَوْضِعَيْنِ، عَلَى أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [٢ \ ١٩٦] . وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [٢٢ \ ٢٨] ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ نَحْرِهَا تَقَرُّبًا لِلَّهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ النَّحْرِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [٢٢ \ ٢٩] ، وَمِنْ قَضَاءِ تَفَثِهِمُ: الْحَلْقُ، أَوِ التَّقْصِيرُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: " أَنَّهُ ﷺ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ وَأَمَرَ بِذَلِكَ "، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " مُسْتَوْفًى، وَلَكِنَّهُ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ، عَلَى النَّحْرِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّ الْوَاقِعِ مِنْ ذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ، أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ " الْحَجِّ " عَلَى أَنَّ كُلَّ هَدْيٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَجِّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّمَتُّعُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَنَّ وَقْتَ ذَبْحِهِ مُخَصَّصٌ بِأَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ، دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَيَّامِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [٢٢ \ ٢٧ - ٢٨] ; لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَذِّنْ فِيهِمْ بِالْحَجِّ، يَأْتُوكَ مُشَاةً وَرُكْبَانًا ; لِأَجْلِ أَنْ يَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، وَلِأَجْلِ أَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ، عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ: أَيْ وَلِأَجْلِ أَنْ يَتَقَرَّبُوا بِدِمَاءِ الْأَنْعَامِ فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَنْعَامَ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ، وَيُسَمَّى عَلَيْهَا اللَّهُ عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا، أَنَّهَا أَظْهَرُ فِي الْهَدَايَا مِنَ الضَّحَايَا ; لِأَنَّ الضَّحَايَا لَا تَحْتَاجُ أَنْ يُؤْذَنَ فِيهَا لِلْمُضَحِّينَ، لِيَأْتُوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، وَيَذْبَحُوا ضَحَايَاهُمْ كَمَا تَرَى، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَنَّهُ مَا مَنَعَهُ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ إِلَّا سَوْقُ الْهَدْيِ، وَأَنَّ الْهَدْيَ لَوْ كَانَ يَجُوزُ ذَبْحُهُ بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ، لَأَحَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَذَبَحَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ مِنْهَا، أَوْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، كَمَا يَقُولُ مَنْ ذَكَرْنَا: أَنَّهُ جَائِزٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَثِيرًا مِنْهَا مُوَضَّحًا بِأَسَانِيدِهِ، وَسَنُعِيدُ طَرَفًا مِنْهُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 2174

فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَتَحَلَّلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: " إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أُهِلُّ حَتَّى أَنْحَرَهُ " انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَوْلُهُ: " حَتَّى أَنْحَرَ "، يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَوْ جَازَ نَحْرُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَأَحَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَنَحَرَ. وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: " إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلَّ حَتَّى أَنْحَرَ ". وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ: " إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ ". وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهَا: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ حَفْصَةُ: قُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَحِلَّ؟ قَالَ: " إِنِّي لَبَدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلَّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي " اهـ. فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ الَّذِي مَعَهُ مَانِعٌ مِنَ الْحِلِّ، وَلَوْ كَانَ النَّحْرُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ جَائِزًا لَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ نَحَرَ، وَفِيهِ أَنَّ أَزْوَاجَهُ ﷺ مُتَمَتِّعَاتٌ، وَقَدْ نَحَرَ عَنْهُنَّ الْبَقَرَ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ "، قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُهُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ مُسْلِمٌ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ ". وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: " نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً فِي

стр. 2175

حَجَّتِهِ. انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ تَرَكْنَا ذِكْرَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، هَلْ ذَبَحَ عَنْ جَمِيعِهِنَّ بَقَرَةً وَاحِدَةً، أَوْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ بَقَرَةً، كَمَا جَاءَ بِهِ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَائِشَةَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ، وَأَمْثَالُهَا الْكَثِيرَةُ الَّتِي قَدَّمْنَا كَثِيرًا مِنْهَا: تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ نَحَرَ عَمَّنْ تَمَتَّعَ مِنْ أَزْوَاجِهِ، وَمَنْ قَرَنَ فِي خُصُوصِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَنَّهُ هُوَ ﷺ كَذَلِكَ فَعَلَ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ قَارِنًا مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَعْتَمِرَ، وَيَحِلَّ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، كَمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ: بِأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ سَوْقُ الْهَدْيِ، فَلَوْ كَانَ الْهَدْيُ يَجُوزُ نَحْرُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لِتَحَلَّلَ وَنَحَرَ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ، وَفِعْلُهُ هَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَبَيَّنَ بِفِعْلِهِ أَنَّ بُلُوغَهُ مَحَلَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَمَنْ أَجَازَ ذَبْحَ هَدْيِ التَّمَتُّعِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَدْ خَالَفَ فِعْلَهُ ﷺ الْمُبَيِّنَ لِإِجْمَالِ الْقُرْآنِ، وَخَالَفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ صَحِيحٍ عَنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ أَنَّهُ نَحَرَ هَدْيَ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ ﷺ مُبَيِّنًا بِهِ إِجْمَالَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: " لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ "، كَمَا تَرَى. فَإِذَا عَرَفْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَفِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ كَافَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: هُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَحْرُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ. فَدُونَكَ الْأَجْوِبَةَ الَّتِي أُجِيبَ بِهَا عَنْ أَدِلَّةِ الْمُخَالِفِينَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ ذَبْحِهِ عِنْدَ إِحْرَامِ الْحَجِّ، أَوْ عِنْدَ الْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ. أَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ هَدْيَ التَّمَتُّعِ لَهُ سَبَبَانِ، فَجَازِ بِأَحَدِهِمَا قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ، بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَقَبْلَ حُلُولِ الْحَوْلِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ بِكَوْنِهِ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ، وَفَسَادُ الِاعْتِبَارِ مِنَ الْقَوَادِحِ الْمُجْمَعِ عَلَى الْقَدْحِ بِهَا، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ مُخَالِفًا لِنَصٍّ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، وَهَذَا الْقِيَاسُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ ﷺ الَّتِي هِيَ النَّحْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ، وَعُرِفَ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» فَسَادُ الِاعْتِبَارِ بِقَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْقَوَادِحِ: وَالْخُلْفُ لِلنَّصِّ أَوِ اجْمَاعٍ دَعَا ... فَسَادَ الِاعْتِبَارِ كُلُّ مَنْ وَعَى وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ شُرُوطَ التَّمَتُّعِ وُجِدَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، فَوُجِدَ التَّمَتُّعُ بِوُجُودِ شُرُوطِهِ، وَذَبْحُ الْهَدْيِ مُعَلَّقٌ عَلَى وُجُودِ التَّمَتُّعِ فِي الْآيَةِ، وَإِذَا حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، حَصَلَ الْمُعَلَّقُ، مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 2176

الْأَوَّلُ أَنَّ وُجُودَ التَّمَتُّعِ لَمْ يُحَقَّقْ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ بِسَبَبٍ عَائِقٍ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقْتَهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ، لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّمَتُّعُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ وُجُودُ حَقِيقَةِ التَّمَتُّعِ الَّتِي عُلِّقَ عَلَى وُجُودِهَا مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. الثَّانِي أَنَّ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِالتَّمَتُّعِ لَهُ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ، لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ بِفِعْلِهِ الثَّابِتِ ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَقَوْلِهِ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي» الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ أَنَّ مَحِلَّهُ هُوَ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْهَدْيِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ بَعْضِهِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، فَجَازَ تَقْدِيمُ الْهَدْيِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ، قِيَاسًا عَلَى بَدَلِهِ مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قِيَاسٌ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي فَعَلَهَا مُبَيِّنًا بِهَا الْقُرْآنَ. وَقَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، فَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ قَرِيبًا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ فَوَارِقٍ تَمْنَعُ مِنْ إِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ. مِنْهَا أَنَّ الْهَدْيَ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَبْحِهِ قَضَاءُ التَّفَثِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي ذَبْحِ الْهَدَايَا: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [٢٢ \ ٢٩] ، وَهَذَا الْحُكْمُ الْمَوْجُودُ فِي الْأَصْلِ مُنْتَفٍ عَنِ الْفَرْعِ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ تَفَثٍ. وَمِنْهَا أَنَّ الْهَدْيَ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، وَهَذَا الْوَصْفُ مُنْتَفٍ عَنِ الْفَرْعِ، وَهُوَ الصَّوْمُ، فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ. وَمِنْهَا أَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا يُؤَدَّى جُزْؤُهُ الْأَكْبَرُ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [٢ \ ١٩٦] ، وَهَذَا مُنْتَفٍ عَنِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْهَدْيُ، فَلَا يُفْعَلُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ كَمَا تَرَى. وَاسْتِدْلَالُهُمْ: بِأَنَّهُ دَمُ جُبْرَانٍ، فَجَازَ بَعْدَ وُجُوبِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ قِيَاسًا عَلَى فِدْيَةِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَيْضًا. اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّا قَدَّمْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمُنَاقَشَةَ أَدِلَّتِهِمْ مُنَاقِشَةً دَقِيقَةً فِي هَدْيِ التَّمَتُّعِ

стр. 2177

هَلْ هُوَ دَمُ جُبْرَانٍ، أَوْ دَمُ نُسُكٍ كَالْأُضْحِيَّةِ؟ فَعَلَى أَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَسُقُوطُ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ وَاضِحٌ، وَعَلَى أَنَّهُ دَمُ جُبْرَانٍ، فَقِيَاسُهُ عَلَى فِدْيَةِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ يَمْنَعُهُ أَمْرَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْهُ ﷺ . الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ صَحِيحٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ فِي الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ هَدْيُ التَّمَتُّعِ، وَالْعُلَمَاءُ إِنَّمَا أَوْجَبُوا الْفِدْيَةَ فِي الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ قِيَاسًا عَلَى الْحَلْقِ الْمَنْصُوصِ فِي آيَةِ الْفِدْيَةِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى حُكْمٍ مُثْبَتٍ بِالْقِيَاسِ فِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ. فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَصٍّ، أَوِ اتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ، كَأَنْ تَقُولَ هُنَا: مَنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ فِي إِحْرَامِهِ، لَزِمَتْهُ فِدْيَةُ الْأَذَى، قِيَاسًا عَلَى الْحَلْقِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ الْآيَةَ [٢ \ ١٩٦] ، بِجَامِعِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ، ثُمَّ تَقُولُ: ثَبَتَ بِهَذَا الْقِيَاسِ أَنَّ فِي الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ فِدْيَةً فَتَجْعَلُ الطِّيبَ وَاللِّبَاسَ الثَّابِتَ حُكْمُهَا بِالْقِيَاسِ أَصْلًا ثَانِيًا، فَتَقِيسُ عَلَيْهِمَا هَدْيَ التَّمَتُّعِ فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ بِجَامِعِ أَنَّ الْكُلَّ دَمُ جُبْرَانٍ، وَكَأَنْ تَقُولَ: يَحْرُمُ الرِّبَا فِي الذُّرَةِ، قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الِاقْتِيَاتِ، وَالِادِّخَارِ، أَوِ الْكَيْلِ مَثَلًا، ثُمَّ تَقُولُ: ثَبَتَ تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي الذُّرَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبُرِّ، فَتَجْعَلُ الذُّرَةَ أَصْلًا ثَانِيًا، فَتَقِيسُ عَلَيْهَا الْأُرْزَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَعَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَصِحُّ بِهِ الْقِيَاسُ، فَسُقُوطُ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ وَاضِحٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» بِقَوْلِهِ: وَحُكْمُ الْأَصْلِ قَدْ يَكُونُ مُلْحَقَا ... لِمَا مِنِ اعْتِبَارِ الْأَدْنَى حُقِّقَا فَهُوَ قِيَاسٌ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ أَصْلًا، وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ أَيْضًا ; لِمُخَالَفَتِهِ لِسُنَّتِهِ ﷺ . وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قَائِلِينَ: إِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ يُسَمَّى مُتَمَتِّعًا، فَيَجِبُ الْهَدْيُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ ; لِأَنَّ اسْمَ التَّمَتُّعِ يَحْصُلُ بِهِ، وَالْهَدْيُ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ مَا جُعِلَ غَايَةً تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِأَوَّلِهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [٢ \ ١٨٧] ، مَرْدُودٌ أَيْضًا. أَمَّا كَوْنُ التَّمَتُّعِ يُوجَدُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَالْهَدْيُ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ وُجُودُهُ بِوُجُودِهِ، فَقَدْ بَيَّنَّا رَدَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ بِإِيضَاحٍ قَرِيبًا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ مَا جُعِلَ غَايَةً تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِأَوَّلِهِ يَعْنُونَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:

стр. 2178

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ جُعِلَ فِيهِ الْحَجُّ غَايَةً بِحَرْفِ الْغَايَةِ الَّذِي هُوَ (إِلَى) ، فَيَجِبُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ ذَبْحُ الْهَدْيِ بِأَوَّلِ الْغَايَةِ، وَهُوَ الْحَجُّ وَأَوَّلُهُ الْإِحْرَامُ، فَيَجِبُ الذَّبْحُ بِالْإِحْرَامِ كَقَوْلِهِ: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، فَإِنَّ حُكْمَ إِتْمَامِ الصِّيَامِ يَنْتَهِي بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، الَّذِي هُوَ الْغَايَةُ لِإِتْمَامِهِ مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ، فَلَا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِأَوَّلِ مَا جُعِلَ غَايَةً. وَمِنَ النُّصُوصِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّقِ الْحُكْمُ بِهَا فَأَوَّلُ مَا جُعِلَ غَايَةً قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [٢ \ ٢٣٠] ، فَنِكَاحُهَا زَوْجًا غَيْرَهُ جُعِلَ غَايَةً لِعَدَمِ حَلِّيَّتِهَا لَهُ، مَعَ أَنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الْغَايَةِ الَّذِي هُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِ آخِرِ الْغَايَةِ: وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : «لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّعَلُّقَ بِأَوَّلِ الْغَايَةِ: لَا يَلْزَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ الثَّابِتَةَ عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ، وَمَفْهُومِ قَوْلِهِ: بَيَّنَتْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ، لَا يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ الْغَايَةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهَا وَهُوَ الْإِحْلَالُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْحَرْ هَدْيَ تَمَتُّعٍ، وَلَا قِرَانٍ إِلَّا بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَفِعْلُهُ فِيهِ الْبَيَانُ الْكَافِي لِلْمُرَادِ مِنَ الْغَايَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ الْآيَةَ [٣٣ \ ٢١] ، فَفِعْلُهُ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ; لِأَنَّهُ ذَبَحَ عَنْ أَزْوَاجِهِ الْمُتَمَتِّعَاتِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الْمُتَمَتِّعِينَ بِذَلِكَ، وَخَيْرُ مَا يُبَيَّنُ بِهِ الْقُرْآنُ بَعْدَ الْقُرْآنِ السُّنَّةُ، وَاللَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ الْآيَةَ [٦ \ ٤٤] ، وَهُوَ ﷺ يُبَيِّنُ الْمَنَاسِكَ بِأَفْعَالِهِ، مُوَضِّحًا لِذَلِكَ الْمُرَادِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَجَازَ الْحَلْقُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ ; فَالْحَلْقُ لَا يَجُوزُ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْقُرْآنِ، وَالْحَلْقُ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَالْهَدْيُ لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى، وَلِذَا لَمْ يَأْذَنْ ﷺ فِي حَجَّتِهِ لِمَنْ سَاقَ هَدْيًا أَنْ يَحِلَّ وَيَحْلِقَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ مَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: «فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نَهْدِيَ

стр. 2179

وَيَجْتَمِعُ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ» . وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ مَرْدُودٌ بِالْقَادِحِ الْمُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ بِالْقَلْبِ ; لِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ الْقَلْبِ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: «وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ» . وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ «وَذَلِكَ» رَاجِعَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْهَدِيَّةِ، وَالِاشْتِرَاكِ فِيهَا، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ حِينَ إِحْلَالِهِمْ مِنْ حَجِّهِمْ ; وَذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ يَوْمَ النَّحْرِ ; لِأَنَّهُ لَا إِحْلَالَ مِنْ حَجٍّ أَلْبَتَّةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ. وَالْغَرِيبُ مِنَ الشَّيْخِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا: وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَبْحِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْحَجِّ، وَهُوَ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى وُقُوعِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا سَهْوٌ مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ ذَهَبَ ذِهْنُهُ إِلَى أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ حِينَ تَحَلُّلِهِمْ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَظَنَّ أَنَّ اسْمَ الْحَجِّ لَا يُنَافِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَصْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، فَفَسَخُوهُ فِي عُمْرَةٍ، فَلَمَّا أَحَلُّوا مِنْهَا صَارُوا كَأَنَّهُمْ مُحِلُّونَ مِنَ الْحَجِّ الَّذِي فَسَخُوهُ فِيهَا، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ ; لِأَنَّ الْحَجَّ الَّذِي أَحْرَمُوا بِهِ لَمَّا فَسَخُوهُ فِي عُمْرَةٍ زَالَ اسْمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَصَارَ الْإِحْلَالُ مِنْ عُمْرَةٍ لَا مِنْ حَجٍّ كَمَا تَرَى، فَحَمْلُ لَفْظِ الْإِحْلَالِ مِنَ الْحَجِّ عَلَى الْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ حَمْلٌ لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، عَلَى مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَسْبَ الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. وَلَوْ سَلَّمْنَا جَدَلِيًّا أَنَّ الْمُرَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْحَجِّ: هُوَ الْإِحْلَالُ مِنَ الْعُمْرَةِ الَّتِي فَسَخُوا فِيهَا الْحَجَّ كَمَا هُوَ رَأْيُ النَّوَوِيِّ، فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا ; لِأَنَّ غَايَةَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُ أَمَرَهُمْ عِنْدَ الْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ بِالْهَدْيِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ ذَبَحُوهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، بَلِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَذْبَحُوا شَيْئًا مِنْ هَدَايَاهُمْ، قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ الْحَاكِمِ: «أَنَّهُ ﷺ قَسَّمَ يَوْمَئِذٍ فِي أَصْحَابِهِ غَنَمًا فَأَصَابَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ تَيْسٌ فَذَبَحَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ» ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، لَا دَلِيلَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْبَحْهُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، كَمَا فَعَلَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ. وَجَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فَصَارَتْ رِوَايَةُ أَحْمَدَ الْمُصَرِّحَةُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ يَوْمَ النَّحْرِ، مُفَسِّرَةً لِرِوَايَةِ الْحَاكِمِ. قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي «مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ» ، مَا نَصُّهُ: «بَابُ تَفْرِقَةِ الْهَدْيِ» : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 2180

- ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ غَنَمًا يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَصْحَابِهِ وَقَالَ:» اذْبَحُوا لِعُمْرَتِكُمْ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْكُمْ «فَأَصَابَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ تَيْسٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. انْتَهَى مِنْهُ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ ذَبْحَهُمْ عَنْ عُمْرَتِهِمْ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا الْحَاكِمُ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ، وَلَقَدْ صَدَقَ الْهَيْثَمِيُّ فِي أَنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمِصِّيصِيِّ الْأَعْوَرِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُجَالِدٍ، وَهُوَ تِرْمِذِيُّ الْأَصْلِ سَكَنَ بَغْدَادَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْمِصِّيصَةِ، أَخْرَجَ لَهُ الْجَمِيعُ. وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ» : ثِقَةٌ ثَبْتٌ، لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَ فِيهِ فِي «تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ» ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ثَنَاءً عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ نُقَّادِ رِجَالِ الْحَدِيثِ، كَانَ ثِقَةً صَدُوقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَانَ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ حِينَ رَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ إِنَّمَا أَخَذَ عَنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَغْدَادَ قَبْلَ الْمِصِّيصَةِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنَ الْمِصِّيصَةِ إِلَى بَغْدَادَ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَمَاتَ بِهَا وَاخْتِلَاطُهُ فِي رُجُوعِهِ الْأَخِيرِ كَمَا يَعْلَمُهُ مَنْ نَظَرَ تَرْجَمَتَهُ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ، وَحَجَّاجٌ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْجَمِيعُ وَهُوَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ مَعْرُوفٌ وَكَانَ يُدَلِّسُ وَيُرْسِلُ، وَلَكِنَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَرَّحَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَحْمَدَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَجَلَالَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، فَظَهَرَ صِحَّةُ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَالَهُ فِي «مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ» ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ رَأَيْتُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَدِلَّةَ مَنْ قَالَ: بِجَوَازِ ذَبْحِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَمَنْ قَالَ: بِجَوَازِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَأَدِلَّةَ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَمُنَاقَشَتَهَا. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَدِلَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أَوْضَحْنَاهَا غَايَةَ الْإِيضَاحِ قَرِيبًا. مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَذَلِكَ فَعَلَ فَلَمْ يَذْبَحْ عَنْ أَزْوَاجِهِ الْمُتَمَتِّعَاتِ وَلَا عَنْ عَائِشَةَ الْقَارِنَةِ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ هُوَ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ الْمُتَمَتِّعِينَ بِأَمْرِهِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ عَمَلُ الْأُمَّةِ، وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ مَنَاسِكَنَا، وَمِنْ مَنَاسِكِنَا وَقْتُ ذَبْحِ الْهَدَايَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ هَدْيٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَجِّ أَنَّ ذَبْحَهُ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ، لَا فِي أَيَّامٍ مَجْهُولَاتٍ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ مِرَارًا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى

стр. 2181

قَالَ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [٢٢ \ ٢٧ - ٢٨] ; لِأَنَّ مَضْمُونَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَذِّنْ فِيهِمْ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ حُجَّاجًا مُشَاةً وَرُكْبَانًا ; لِأَجْلِ أَنْ يَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، وَلِأَجْلِ أَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ: أَيْ وَلِيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِدِمَاءِ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، ذَاكِرِينَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا عِنْدَ التَّذْكِيَةِ. فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ بِدِمَاءِ الْأَنْعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا دَعَوْا إِلَى الْحَجِّ مِنْ أَجْلِهِ، أَنَّهُ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ لَا فِي زَمَنٍ مُطْلَقٍ مَجْهُولٍ كَمَا تَرَى. وَقَدْ بَيَّنَّا الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَحْثِ، وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ أَوَّلَ وَقْتِهَا، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَقْتَ تَذْكِيَتِهَا يَوْمَ النَّحْرِ، وَيُوَضِّحُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا تَقَرُّبًا لِلَّهِ تَعَالَى بِدِمَائِهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ أَيْ ذَكُّوهَا قَائِمَةً صَوَافَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْجُلٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ بَيَّنَ أَنَّ الْهَدْيَ لَهُ مَحِلٌّ مَعْرُوفٌ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ بِحَلْقِ الرَّأْسِ، قَبْلَ بُلُوغِهِ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا: أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا مِنْ أَصْحَابِهِ بِفَسْخِ حَجِّهِ فِي عُمْرَةٍ، وَالْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَتَأَسَّفَ هُوَ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَلُّلُ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَمِنَ الضَّرُورِيِّ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ هَدْيَ التَّمَتُّعِ لَوْ كَانَ يَجُوزُ ذَبْحُهُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ، أَوِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَنَّهُ ﷺ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، وَيَذْبَحُ هَدْيَهُ عِنْدَمَا تَحَلَّلَ مِنْهَا، فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا ذَابِحًا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ، أَوْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا صَرَّحَ بِامْتِنَاعِ هَذَا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَلَّدَ هَدْيَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ فِي الْحَجِّ - وَيَدْخُلُ فِيهَا الذَّبْحُ وَوَقْتُهُ - كُلِّهَا بَيَانٌ لِإِجْمَالِ آيَاتِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَقَوْلِهِ:

стр. 2182

وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، كَمَا أَنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ الْآيَةَ [٣ \ ٩٧] . وَلِذَا قَالَ ﷺ مُبَيِّنًا أَنَّ أَفْعَالَهُ فِي الْحَجِّ، بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَقَدْ قَدَّمْنَا اتِّفَاقَ الْأُصُولِيِّينَ، عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ الَّذِي هُوَ بَيَانٌ لِإِجْمَالِ نَصٍّ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ: أَنَّهُ وَاجِبٌ إِلَى آخِرِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ ذَبْحِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ كَالشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَلَا فِعْلِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَنَّ تَمَسُّكَهُمْ بِآيَةِ: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَبَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةٌ نَاهِضَةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ - الَّذِينَ يَزْعُمُونَ التَّقَرُّبَ بِالْهَدْيِ يَوْمَ النَّحْرِ - مِنْ ذَبْحِ الْغَنَمِ فِي أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ مِنًى لَا يَقْدِرُ الْفُقَرَاءُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا، وَتَرْكِهَا مَذْبُوحَةً لَيْسَ بِقُرْبِهَا فَقِيرٌ يَنْتَفِعُ بِهَا، وَتَضِيعُ تِلْكَ الْغَنَمُ بِكَثْرَةٍ وَتَنْتَفِخُ وَيَنْتَشِرُ نَتَنُ رِيحِهَا فِي أَقْطَارِ مِنًى، حَتَّى يَعُمَّ أَرْجَاءَهَا النَّتَنُ كَأَنَّهُ نَتَنُ الْجِيَفِ، أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الطَّاعَةِ. وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ بَسَطَ اللَّهُ يَدَهُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ فَسَادٌ وَأَذِيَّةٌ لِسَائِرِ الْحُجَّاجِ بِالْأَرْوَاحِ الْمُنْتِنَةِ، وَإِضَاعَةٌ لِلْمَالِ، وَإِفْسَادٌ لَهُ بِاسْمِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، وَدَوَاءُ ذَلِكَ الدَّاءِ الْمُنْتَشِرِ فِي مِنًى كُلَّ سَنَةٍ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ مُهْدٍ وَكُلُّ مُضَحٍّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِيصَالُ لَحْمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْفُقَرَاءِ، فَعَلَيْهِ إِذَا ذَبَحَهَا أَنْ يُؤَجِّرَ مَنْ يَسْلَخُهَا طَرِيَّةً حِينَ ذَبْحِهَا أَوْ يَسْلَخُهَا هُوَ، وَيَحْمِلُهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ، حَتَّى يُوصِلَهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [٢٢ \ ٢٨] ، وَيَقُولُ: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [٢٢ \ ٣٦] وَلَا يُمْكِنُهُ إِطْعَامُ أَحَدٍ مِمَّنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِإِطْعَامِهِمْ إِلَّا بِإِيصَالِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَلَوِ اجْتَهَدَ فِي إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ، لَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يَدَهُ أَنْ يُعِينَ الْحُجَّاجَ الْمُتَقَرِّبِينَ بِالدِّمَاءِ عَلَى طَرِيقِ الْإِيصَالِ إِلَى الْفُقَرَاءِ بِالطُّرُقِ الْكَفِيلَةِ بِتَيْسِيرِ ذَلِكَ كَتَهْيِئَةِ عَدَدٍ ضَخْمٍ مِنَ الْعَامِلِينَ لِلْإِيجَارِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى سَلْخِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا طَرِيَّةً، وَحَمْلِ لُحُومِهَا إِلَى الْفُقَرَاءِ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَكَتَعَدُّدِ مَوَاضِعِ الذَّبْحِ فِي أَرْجَاءِ مِنًى، وَفِجَاجِ مَكَّةَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ الْمُعِينَةِ عَلَى إِيصَالِ الْحُقُوقِ لِمُسْتَحِقِّيهَا.

стр. 2183

وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْحَرَمِ هُمُ الْمَوْجُودُونَ فِيهِ وَقْتَ نَحْرِ الْهَدَايَا مِنَ الْآفَاقِيِّينَ، وَحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنْ ذَبَحَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ فُقَرَاءُ، وَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الذَّبِيحَةِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَسَّرَ لَهُمُ الْأَكْلَ مِنْهَا بِطَرِيقٍ لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ فِيهَا، فَكَأَنَّهُ أَطْعَمَهُمْ بِالْفِعْلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الصَّوْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [٢ \ ١٩٦] . وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فِي الْحَجِّ) : أَيْ فِي حَالَةِ التَّلَبُّسِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنِ اسْمِ الْحَجِّ هُوَ الدُّخُولُ فِي نَفْسِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ بِالْإِحْرَامِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُرَادُ بِالْحَجِّ أَشْهُرُهُ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [٢ \ ٢٩٧] وَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ عِنْدِي ; لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ زَمَنُ الْحَجِّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ. وَحَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفًا عَنْهُ فِي الْإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا وَعَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْرِمَ بِحَجِّهِ، قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِيُتِمَّ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ; لِأَنَّ صَوْمَهُ لَا يَجُوزُ. وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْحَاجِّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَاسْتَحَبَّ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ السَّبْعَةَ إِنَّمَا يَصُومُهَا بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، وَوُصُولِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصُومُهَا فِي طَرِيقِهِ فِي رُجُوعِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمُرَادَ الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ وَالْأَيَّامَ السَّبْعَةَ: لَا يَجُبِ التَّتَابُعُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَإِنْ فَاتَهُ صَوْمُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةَ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَمَتِّعِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهَا، وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهَا يَجُوزُ صَوْمُهَا مُطْلَقًا، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْقَوْلِ وَسُقُوطُهُ. أَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، وَلَا غَيْرِهِ فَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ،

стр. 2184

عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ "، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْهُ زِيَادَةٌ: " وَذِكْرِ اللَّهِ ". وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى: " أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ". وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " فَنَادَيَا " انْتَهَى مِنْهُ. قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَحَابِيَّانِ: هُمَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَنُبَيْشَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهُذَلِيُّ، فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ فِي الْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَجَازَ صَوْمَهَا مُطْلَقًا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: إِنَّهَا الْأَيَّامُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِهِنَّ، وَأَمَرَ بِفِطْرِهِنَّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْفَتْحِ ": أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ. وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي فَاتَهُ صَوْمُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَهِيَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ: بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هُشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. انْتَهَى مِنْهُ. قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِالتَّرْخِيصِ فِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَمَتِّعِ، الَّذِي لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي رَوَاهَا الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ، لَمْ يُرَخَّصْ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قَالَ فِي " الْفَتْحِ ": وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالطَّحَاوِيُّ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ سَلَامٍ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيقَ عَائِشَةَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ

стр. 2185

الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الطُّرُقُ الْمُصَرِّحَةُ بِالرَّفْعِ، بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى الِاحْتِمَالِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا، هَلْ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؟ عَلَى أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا: إِنْ أَضَافَهُ إِلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَإِلَّا فَلَا. وَاخْتُلِفَ فِي التَّرْجِيحِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُضِفْهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ رُخِّصَ لَنَا فِي كَذَا، وَعُزِمَ عَلَيْنَا أَلَّا نَفْعَلَ كَذَا، كُلٌّ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، فَمَنْ يَقُولُ: إِنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ فَغَايَةُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ، أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى. لَكِنْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَخَذَاهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فِي الْحَجِّ) ، يَعُمُّ مَا قَبْلَ النَّحْرِ، وَمَا بَعْدَهُ، فَتَدْخُلُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ بَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُمَا، عَمَّا فَهِمَاهُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَعَارَضَ عُمُومُ الْآيَةِ الْمُشْعِرُ بِالْإِذْنِ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ الْمُشْعِرُ بِالنَّهْيِ، وَفِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْمُتَوَاتِرِ بِعُمُومِ الْآحَادِ نَظَرٌ لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا، فَكَيْفَ وَفِي كَوْنِهِ مَرْفُوعًا نَظَرٌ، فَعَلَى هَذَا يَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ فِي «الْفَتْحِ» وَتَرَاهُ فِيهِ يَجْعَلُ: أُمِرْنَا وَنُهِينَا، وَرُخِّصَ لَنَا وَعُزِمَ عَلَيْنَا، كُلَّهَا سَوَاءً فِي الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ: هَلْ لَهَا حُكْمُ الرَّفْعِ أَوِ الْوَقْفِ؟ وَمِمَّنْ قَالَ: بِصَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَمَتِّعِ: ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَعُرْوَةُ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ عَدَمَ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ لَهَا: الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَالَهُ فِي «الْمُغْنِي» . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: مَسْأَلَةُ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَمَتِّعِ، يَظْهَرُ لِي فِيهَا أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، يَتَرَجَّحُ فِيهَا عَدَمُ جَوَازِ صَوْمِهَا وَبِالنَّظَرِ إِلَى صِنَاعَةِ عِلْمِ الْحَدِيثِ يَتَرَجَّحُ فِيهَا جَوَازُ صَوْمِهَا، وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّ عَدَمَ صَوْمِهَا: دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، كَمَا قَدَّمْنَا وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَوْنَهَا: «أَيَّامَ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» . مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ صَوْمِهَا، فَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ فِي الْمُتَمَتِّعِ، الَّذِي لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَفِي غَيْرِهِ.

стр. 2186

وَلَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ: يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، الَّذِي لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الطَّحَاوِيِّ مِنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ ﵃ أَخَذَا جَوَازَ صَوْمِهَا مِنْ ظَاهِرِ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَالظَّاهِرُ سُقُوطُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْحَاجَّ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْحَلْقِ: أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ بِالْحَجِّ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصَّيْدِ، وَالطِّيبِ، وَكُلِّ شَيْءٍ. فَقَدْ زَالَ عَنْهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَصَارَ حَلَالًا حِلًّا تَامًّا كُلَّ التَّمَامِ. وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْحَجِّ، فَإِنْ صَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَقَدَ صَامَهَا فِي غَيْرِ الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ تَحَلَّلَ مِنْ حَجِّهِ، وَقَضَى مَنَاسِكَهُ. وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا رَفَثَ فِي الْحَجِّ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ يَجُوزُ فِيهَا الرَّفَثُ بِالْجِمَاعِ فَمَا دُونَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّافِثَ فِيهَا لَيْسَ فِي الْحَجِّ، وَأَمَّا الرَّمْيُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَهُوَ مِنَ السُّنَنِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَجِّ تَابِعَةً لَهُ، وَكَذَلِكَ النَّحْرُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَنْحَرْ يَوْمَ النَّحْرِ. أَمَّا كَوْنُهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْحَجِّ بَعْدَ إِحْلَالِهِ مِنْهُ، وَفَرَاغِهِ مِنْهُ، حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ عُمُومُ الْآيَةِ، فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ عِنْدِي. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى صِنَاعَةِ عِلْمِ الْحَدِيثِ، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ هُوَ جَوَازُ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَمَتِّعِ، الَّذِي لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ; لِأَنَّ الْمَشْهُورَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ رُخِّصَ لَنَا فِي كَذَا، أَوْ أُحِلَّ لَنَا كَذَا لَهُ كُلُّهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ الثَّانِي: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا مِنْ نَوْعِ الْمَرْفُوعِ، وَالْمُسْنَدِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ مُطْلَقَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ بِظَاهِرِهِ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَعْدَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَقْرِيبِهِ: الثَّانِي قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ وَمَا أَشْبَهَهُ، كُلُّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَعْدَهُ انْتَهَى

стр. 2187

مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا دَرَجَ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ فِي قَوْلِهِ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ أَوْ ... نَحْوَ أُمِرْنَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ وَلَوْ بَعْدَ النَّبِيِّ قَالَهُ بِأَعْصُرٍ ... عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَفِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مُنَاقَشَاتٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْرُوفَةٌ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَنْ ضُمِّنَ الْحَدِيثُ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ. وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ عَنْ صَحَابِيَّيْنِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ حَدِيثِ نُبَيْشَةَ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَوْ كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى صَوْمِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الطَّحَاوِيِّ، فَلَا مَانِعَ مِنْ تَخْصِيصِ عُمُومِهَا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ التَّحْقِيقَ، جَوَازُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْمُتَوَاتِرِ، بِأَخْبَارِ الْآحَادِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ، وَالْبَيَانُ يَجُوزُ بِكُلِّ مَا يُزِيلُ اللَّبْسَ، وَلِذَا كَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ بَيَانِ الْمُتَوَاتِرِ، بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، كَتَخْصِيصِ عُمُومِ: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [٤ \ ٢٤] ، وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ بِحَدِيثِ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا» ، وَهُوَ خَبَرُ آحَادٍ، وَقَدْ أَكْثَرْنَا مِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، وَكَذَلِكَ أَجَازَ الْجُمْهُورُ تَخْصِيصَ الْمَنْطُوقِ بِالْمَفْهُومِ كَتَخْصِيصِ عُمُومِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» ، وَهُوَ مَنْطُوقٌ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي حَدِيثِ: «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُبَيَّنَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُونَ الْمُبَيَّنِ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ فِي السَّنَدِ، وَفِي الدَّلَالَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» بِقَوْلِهِ: وَبَيْنَ الْقَاصِرِ مِنْ حَيْثُ السَّنَدْ ... أَوِ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا يُعْتَمَدْ وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا، وَذَكَرْنَا كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ. وَقَدْ يَتَرَجَّحُ عِنْدَ النَّاظِرِ عَدَمُ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ عَدَمَ صَوْمِهَا مَرْفُوعٌ رَفْعًا صَرِيحًا، وَصَوْمُهَا مَوْقُوفٌ لَفَظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْمَرْفُوعُ صَرِيحًا أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنَ الْمَرْفُوعِ حُكْمًا. وَالثَّانِي أَنَّ الْجَوَازَ وَالنَّهْيَ، إِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ النَّهْيُ ; لِأَنَّ تَرْكَ مُبَاحٍ أَهْوَنُ مِنِ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَقَدْ يَحْتَجُّ الْمُخَالِفُ، بِأَنَّ دَلِيلَ الْجَوَازِ خَاصٌّ بِالْمُتَمَتِّعِ، وَدَلِيلَ النَّهْيِ عَامٌّ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ أَخَّرَ صَوْمَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، عَنْ يَوْمِ

стр. 2188

عَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُهَا، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَا يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَصُومُهَا إِنَّمَا يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِانْتِهَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهَلْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ نَصًّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِيهَا فَيَصُومُ عَشَرَةً، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا، هَلْ يُفَرِّقُهَا فَيَفْصِلُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالْعَشَرَةِ، بِمِقْدَارِ مَا وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَدَاءِ، لَوْ لَمْ تَفُتْ فِي وَقْتِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الثَّلَاثَةِ عَلَى السَّبْعَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَتَرْتِيبِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، أَوْ لَيْسَ عَلَيْهِ تَفْرِيقُهَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا مُتَوَالِيَةً، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ وَجَبَ بِحُكْمِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَقَدْ فَاتَ، فَسَقَطَ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَتْ أَوْقَاتُهَا، فَإِنَّهَا تُقْضَى مُتَوَالِيَةً لَا مُتَفَرِّقَةً عَلَى أَوْقَاتِهَا حَسَبَ الْأَدَاءِ لَوْ لَمْ تَفُتْ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ فِي الصَّوْمِ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَعَدَمُهُ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالُوا: بِلُزُومِ قَضَاءِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا. فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَا دَمَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ ; لِأَنَّهُ قَضَى مَا فَاتَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ دَمٌ مَعَ الْقَضَاءِ ; لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَضَاءُ، وَلَا دَمَ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا دَمَ مَعَ الْقَضَاءِ بِحَالٍ. وَقِيلَ: لَا تُقْضَى الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ، بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، وَيَلْزَمُ الدَّمُ لِسُقُوطِ قَضَائِهَا بِفَوَاتِ وَقْتِهَا، وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ السَّبْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلثَّلَاثَةِ الَّتِي سَقَطَتْ، وَيَتَعَيَّنُ الدَّمُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَآخِرُ وَقْتِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ يَقُولَانِ: إِنَّ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ لِلْعَاجِزِ عَنِ الْهَدْيِ يَجُوزُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَوْمِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ عِنْدَهُ: أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، فَيَصُومَ السَّابِعَ، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ. وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ يَرْوِي هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَعِنْدَ أَحْمَدَ: يَجُوزُ صَوْمُهَا، عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَعَنْهُ: إِذَا حَلَّ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْحَجِّ يُرَادُ بِهِ: أَشْهُرُهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا عَدَمَ ظُهُورِهِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا إِلَّا بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالشَّافِعِيُّ يَسْتَحِبُّ إِنْهَاءَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ إِلَى يَوْمِ

стр. 2189

النَّحْرِ، أَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَصَامَ عِنْدَ مَالِكٍ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْهَا، حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَلَهُ بِهِ مَالٌ لَزِمَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِالْهَدْيِ، إِلَى الْحَرَمِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ عِنْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصِّيَامَ ; لِيُهْدِيَ مِنْ بَلَدِهِ، وَفِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِلْمُتَمَتِّعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: قَوْلَانِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: رِوَايَتَانِ فِيهِمَا. وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ صَوْمَهَا. وَأَنَّ مَالِكًا يُجِيزُهُ وَيَكْفِي عِنْدَهُ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ الرُّجُوعُ مِنْ مِنًى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ صَوْمَهَا بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ. فَمَا يُرْوَى عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، لِمُخَالَفَتِهِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ. وَلَفْظُهُ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» الْحَدِيثَ، هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» ، فَلَفْظَةُ: «إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [٢ \ ١٩٦] ، وَإِذَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: تَفْسِيرُ الرُّجُوعِ فِي الْآيَةِ بِرُجُوعِهِ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ» ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَوْمَ السَّبْعَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى أَهْلِهِ، لَا فِي رُجُوعِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَلَا فِي طَرِيقِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا، بَلْ صَرِيحُهَا، وَالْعُدُولُ عَنِ النَّصِّ بِلَا دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي: أَنَّهُ إِنْ صَامَ السَّبْعَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، فَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مِنْ أَنَّهُ يَرَى إِجْزَاءَهَا لَا وَجْهَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بِمُقْتَضَى النُّصُوصِ، وَقَالَ لَا تُجْزِئُ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى أَهْلِهِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ وَاضِحٌ ; لِأَنَّ مَنْ قَدَّمَهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَدْ خَالَفَ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ ، الثَّابِتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ لَفْظٌ مِنْهُ ﷺ ، فِي مَعْرِضِ تَفْسِيرِ آيَةِ: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ وَالْعُدُولُ عَنْ لَفْظِهِ الصَّرِيحِ، الْمُبَيِّنِ لِمَعْنَى الْقُرْآنِ. لَوْ قِيلَ: بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَاعِلَهُ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْهَدْيِ فِي حَجِّهِ يَنْتَقِلُ إِلَى الصَّوْمِ وَلَوْ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ عَجَزَ وَابْتَدَأَ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ، بَعْدَ أَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْهَا أَوْ يَوْمَيْنِ،

стр. 2190

فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى الْهَدْيِ، وَاسْتِحْبَابُ الِانْتِقَالِ إِلَى الْهَدْيِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ. وَمِمَّنْ وَافَقَهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَحَمَّادٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْمُزَنِيِّ: إِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ، قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَقِيلَ: مَتَى قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ صَامَ أَوْ لَمْ يَصُمْ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي: أَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ فِي وَقْتِهَا، إِلَى مَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي هِيَ: هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرُ الْمُؤَقَّتُ الْقَضَاءَ، إِذَا فَاتَ وَقْتُهُ، أَوْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ الْآيَةَ [١٩ \ ٥٩] . فَعَلَى الْقَوْلِ: بِأَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ فَلَا إِشْكَالَ فِي قَضَاءِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ وَقْتِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ: بِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ لِعُمُومِ حَدِيثِ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِقَضَاءِ التَّفَثِ ; لِأَنَّ الدَّمَ مُسَوِّغٌ لِقَضَاءِ التَّفَثِ، مِمَّنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الصَّوْمِ قُدِّمَ لِيَنُوبَ عَنِ الدَّمِ فِي تَسْوِيغِ قَضَاءِ التَّفَثِ. وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ: لَا يَظْهَرُ الْقَضَاءُ، وَلَا يَبْعُدُ لُزُومُ الدَّمِ لِلْإِخْلَالِ بِالصَّوْمِ فِي وَقْتِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا لُزُومُ صَوْمِ السَّبْعَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي: لُزُومُهُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ مُطْلَقًا: وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ ; لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُمْكِنُ إِسْقَاطُهُ، إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ، يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. فَجَعْلُ الدَّمِ بَدَلًا مِنْهُ إِنْ فَاتَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ فِي وَقْتِهَا، لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِصَرِيحِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ. تَنْبِيهٌ إِذَا أَخَّرَ الْحَاجُّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مَثَلًا، فَهَلْ يُجْزِئُهُ حِينَئِذٍ صَوْمُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي الْحَجِّ، لِبَقَاءِ رُكْنٍ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرَّفَثُ إِلَى النِّسَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي الْحَجِّ، أَوْ لَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهَا نَظَرًا إِلَى أَنَّ وَقْتَ الطَّوَافِ، الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» قَدْ فَاتَ؟ وَهَذَا التَّأْخِيرُ مُخَالِفٌ

стр. 2191

لِلسُّنَّةِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدِي. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَبِنَحْوِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» ، قَائِلًا: إِنَّ تَأْخِيرَ الطَّوَافِ بَعِيدٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْحَجِّ) وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا آخَرَ غَيْرَ هَذَا. وَإِنْ مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ الْعَاجِزُ، عَنِ الصَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَتَصَدَّقُ عَمَّا أَمْكَنَهُ صَوْمُهُ، عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: يُهْدِي عَنْهُ. وَقِيلَ: لَا هَدْيَ عَنْهُ، وَلَا إِطْعَامَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، حَتَّى قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ هَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى الْهَدْيِ؟ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا لَزِمَ لِلْعَجْزِ عَنِ الْهَدْيِ، وَقَدْ زَالَ بِوُجُودِهِ، وَهَذَا إِنْ وَقَعَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ. أَمَّا إِنْ وُجِدَ الْهَدْيُ، بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، فَهُوَ مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، وَلَا نَصَّ فِيهِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ صَوْمَ السَّبْعَةِ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لَهُ وَقْتٌ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ، إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ، بِغَيْرِ النَّذْرِ مَعَ كَوْنِهَا مَنْصُوصًا عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ. أَمَّا الدِّمَاءُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ حُكْمُهَا فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَاسَهَا الْعُلَمَاءُ عَلَى الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَمِنْهَا: دَمُ الْفَوَاتِ. فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّهُ أَمَرَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ، وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ: أَنْ يُحِلَّا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا، وَيُهْدِيَانِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. فَقَدْ قَاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَمَ الْفَوَاتِ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ حَيْثُ قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَقَوْلُ عَمَرَ «ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ» ، لَا يَظْهَرُ فِي الْفَوَاتِ ; لِأَنَّ الْفَوَاتَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِانْتِهَاءِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِنْ كَانَ عَاقَهُ عَائِقٌ، وَهُوَ بَعِيدٌ، بِحَيْثُ لَوْ سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَحِينَئِذٍ قَدْ يَصُومُهَا وَكَأَنَّهُ فِي الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْفَوَاتُ فِعْلًا، وَإِنْ كَانَ الْفَوَاتُ مُحَقَّقًا وُقُوعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَوَجْهُ قِيَاسِ: دَمِ الْفَوَاتِ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ، حَتَّى صَارَ بَدَلُهُ مِنَ الصَّوْمِ كَبَدَلِهِ.

стр. 2192

ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» قَائِلًا: إِنَّ هَدْيَ التَّمَتُّعِ، إِنَّمَا وَجَبَ لِلتَّرَفُّهِ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ وَقَضَائِهِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ دَمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِجَامِعِ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ مَا اقْتَضَاهُ إِحْرَامُهُ، فَصَارَ كَالتَّارِكِ لِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَلَا يَظْهَرُ عِنْدِي كُلَّ الظُّهُورِ. ثُمَّ قَالَ فِي «الْمُغْنِي» : فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَلْحَقْتُمُوهُ بِهَدْيِ الْإِحْصَارِ فَإِنَّهُ أَشْبَهُ بِهِ، إِذْ هُوَ حَلَالٌ مِنْ إِحْرَامِهِ قَبْلَ إِتْمَامِهِ. قُلْنَا: الْهَدْيُ فِيهِمَا سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْبَدَلُ، فَإِنَّ الْإِحْصَارَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى الْبَدَلِ فِيهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ قِيَاسًا، فَقِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى فَرْعِهِ، عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ هَاهُنَا مِثْلُ الصِّيَامِ عَنْ دَمِ الْإِحْصَارِ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ صِيَامَ الْإِحْصَارِ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ حِلِّهِ، وَهَذَا يَجُوزُ فِعْلُهُ قَبْلَ حِلِّهِ وَبَعْدَهُ، وَهُوَ أَيْضًا مُفَارِقٌ لِصَوْمِ الْمُتْعَةِ ; لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ فِي الْمُتْعَةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ آخِرَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ فَوَاتِ عَرَفَةَ. وَالْخِرَقِيُّ إِنَّمَا جَعَلَ الصَّوْمَ عَنْ هَدْيِ الْفَوَاتِ مِثْلَ الصَّوْمِ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ أَيْضًا: كُلُّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، كَدَمِ الْقِرَانِ وَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالرَّمْيِ، وَالْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى بِهَا، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ. فَالْوَاجِبُ فِيهِ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَأَمَّا مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ الْمُنْتَشِرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ، كَصِيَامِ الْمُتْعَةِ. كَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَوَاهُ عَنْهُمُ الْأَثْرَمُ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، فَيَكُونُ بَدَلُهُ مَقِيسًا عَلَى بَدَلِ دَمِ الْمُتْعَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُقَوِّمُ الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَتَكُونُ مُلْحَقَةً بِالْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ. وَيُقَاسُ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى مَا وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، يُتَرَفُّهُ بِهِ كَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ وَكُلِّ اسْتِمْتَاعٍ مِنَ النِّسَاءِ: كَالْوَطْءِ فِي الْعُمْرَةِ، أَوْ فِي الْحَجِّ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى فِدْيَةِ الْأَذَى مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَيُلْحَقُ بِهِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِامْرَأَةٍ وَقَعَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ: عَلَيْكِ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. انْتَهَى بِطُولِهِ مِنَ «الْمُغْنِي» . وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ لَا نَصَّ فِيهَا، مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.

стр. 2193

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» ، أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمُحْصَرِ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْهَدْيِ هَلْ يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَدَلًا عَنْهُ. وَأَقْوَالَ مَنْ قَالُوا: يَلْزَمُهُ الْبَدَلُ فِي الْبَدَلِ، هَلْ هُوَ الصَّوْمُ، أَوِ الْإِطْعَامُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَقَدْ عَلِمْتَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ «الْمُغْنِي» أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ: هُوَ قِيَاسُ دَمِ الْفَوَاتِ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁، وَأَنَّ الْخِرَقِيَّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ قَاسَهُ عَلَى دَمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَجَعَلَ الصَّوْمَ عَنْ دَمِ الْفَوَاتِ، كَالصَّوْمِ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَأَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ أَيْضًا، قِيَاسُ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ. فَيَصُومُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ كَدَمِ الْقِرَانِ، وَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى بِهَا. وَطَوَافِ الْوَدَاعِ. وَكَذَلِكَ قِيَاسُ صَوْمِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْبَدَنَةِ فِي حَالِ إِفْسَادِ حَجِّهِ بِالْجِمَاعِ، فَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ قِيَاسًا عَلَى التَّمَتُّعِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا نَقْلَ صَاحِبِ «الْمُغْنِي» لِذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَعَدَمَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ. وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: تَقْوِيمُ بَدَنَةِ الْمُجَامِعِ الْعَاجِزِ بِالدَّرَاهِمِ، فَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ. وَأَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ: قِيَاسُ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، كَاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ قِيَاسَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى: مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ. يُخَصِّصُهُ بِمَا فُعِلَ لِلْعُذْرِ، وَيُوجِبُ الدَّمَ دُونَ غَيْرِهِ، فِيمَا فُعِلَ مِنْ ذَلِكَ لَا لِعُذْرٍ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي دَمِ الْفَوَاتِ، فَفِيهِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا: قِيَاسُهُ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ، فِي التَّرْتِيبِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَدَمِ التَّمَتُّعُ أَيْضًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَدَمِ الْجِمَاعِ فِي الْأَحْكَامِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا شَاةٌ، وَالْجِمَاعُ بَدَنَةٌ لِاشْتِرَاكِ الصُّورَتَيْنِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ الْمُجَامِعِ الْعَاجِزِ عَنِ الْبَدَنَةِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَاذَا يَلْزَمُهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الدَّمِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِ تَرْكِ بَعْضِ الْمَأْمُورَاتِ كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالرَّمْيِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَبِمِنًى لَيَالِيَ مِنًى، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ هُوَ أَنَّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: أَنَّهُ كَدَمِ التَّمَتُّعُ أَيْضًا فِي التَّرْتِيبِ،

стр. 2194

وَالتَّقْدِيرُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْهَدْيِ، صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْهَدْيِ قَوَّمَ شَاةَ الْهَدْيِ دَرَاهِمَ، وَاشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَالْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَرَكْنَاهُمَا لِضَعْفِهِمَا وَشُذُوذِهِمَا، كَمَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الدَّمِ اللَّازِمِ. بِسَبَبِ الِاسْتِمْتَاعِ: كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ أَنَّ فِيهِ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا. وَقَدَّمْنَا أَنَّ أَصَحَّهَا أَنَّهُ كَفِدْيَةِ الْأَذَى الْمَنْصُوصَةِ فِي آيَةِ الْفِدْيَةِ. وَدَمُ الْجِمَاعِ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ طُرُقٌ وَاخْتِلَافٌ مُنْتَشِرٌ، وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ بَدَنَةٌ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ عَجَزَ فَسَبْعُ شِيَاهٍ، فَإِنْ عَجَزَ قَوَّمَ الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَقِيلَ: إِنْ عَجَزَ عَنِ الْغَنَمِ قَوَّمَ الْبَدَنَةَ وَصَامَ، فَإِنْ عَجَزَ أَطْعَمَ، فَيُقَدِّمُ الصِّيَامَ عَلَى الْإِطْعَامِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَنَحْوِهَا. وَقِيلَ: لَا مَدْخَلَ لِلْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، بَلْ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْغَنَمِ ثَبَتَ الْفِدَاءُ فِي ذِمَّتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبَدَنَةِ، وَالْبَقَرَةِ، وَالْغَنَمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا، فَالْإِطْعَامُ ثُمَّ الصَّوْمُ. وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبَدَنَةِ، وَالْبَقَرَةِ، وَالشِّيَاهِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالصِّيَامِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ جَلِيٍّ. وَقَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ: إِنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ صِيَامٍ وَدَمٍ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ الْوَحْيُ فَهُوَ عَفْوٌ لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ هُوَ قِيَاسُ الطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا دَمُ الْفَوَاتِ وَالْفَسَادِ، وَتَرْكِ الرَّمْيِ وَتَعَدِّي الْمِيقَاتِ، وَتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَقِيسُ بَدَلَهُ عَلَى بَدَلِ التَّمَتُّعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْهَدْيِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا يَصُومُ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ عِنْدَهُمُ الْمُتَمَتِّعُ، وَالْقَارِنُ وَمُتَعَدِّي الْمِيقَاتِ، وَمُفْسِدُ الْحَجِّ وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَأَمَّا مَنْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِ جَمْرَةٍ أَوِ النُّزُولِ بِمُزْدَلِفَةَ، فَيَصُومُ مَتَى شَاءَ ; لِأَنَّهُ يَقْضِي فِي غَيْرِ حَجٍّ، فَيَصُومُ فِي غَيْرِ حَجٍّ. اهـ مِنَ الْمَوَّاقِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مَسَائِلِ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ الْحَجِّ: بَعْضَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَعَدَّدُ فِيهَا الدَّمُ، وَبَعْضُ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يَتَعَدَّدُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ، مَعَ عَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ.

стр. 2195

وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ الدِّمَاءَ إِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهَا كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَدَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ حَجُّهُ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَتَرَكَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ وَتَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى أَيَّامَ مِنًى، أَنَّهُ تَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهَا مَعَ اخْتِلَافِهَا. أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْأَسْبَابُ الْمُتَعَدِّدَةُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، كَأَنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ، ثُمَّ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ آخَرَ أَوْ بَاتَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي مِنًى فِي غَيْرِ مِنًى ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ، فَلِلتَّعَدُّدِ وَجْهٌ وَلِلِاتِّحَادِ وَجْهٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ ثُمَّ كَرَّرَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ: لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا هَدْيُ تَمَتُّعٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَقَلَّ الْهَدْيِ وَاجِبًا كَانَ لِلتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ شَاةٌ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ، كَسُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَ فِي الِاشْتِرَاكِ فِيهِ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ الصَّحِيحَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، فَيَكُونُ قَارِنًا، وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ مَا لَمْ يَفْتَتِحِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَإِنِ افْتَتَحَ الطَّوَافَ: فَفِي جَوَازِ إِدْخَالِهِ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ، وَمَنَعَهُ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَيَكُونُ قَارِنَا، وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: هُوَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، بَلْ جَوَازُهُ خَاصٌّ بِهِ ﷺ كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ، وَيَصِيرُ قَارِنًا وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مِصْرَ، وَنُقِلَ مَنْعُهُ عَنْ أَكْثَرِ مَنْ لَقِيَهُ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُحْرِمَ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، يُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، إِلَّا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، بِأَمْرِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَمَحَلُّ هَذَا إِنْ كَانَ وَاجِدًا هَدْيَ التَّمَتُّعِ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَصُومَ، اسْتُحِبَّ لَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ ; لِيَصُومَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَقْوَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ

стр. 2196

يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ آخِرَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَوْلَ مَنْ كَرِهَ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَاسْتَحَبَّ انْتِهَاءَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ تَنْبِيهٌ إِذَا فَرَغَ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَكَانَ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا فَإِنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ التَّامَّ، فَلَهُ مَسُّ الطِّيبِ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالنِّسَاءِ، وَكُلُّ شَيْءِ حَرُمَ عَلَيْهِ بِإِحْرَامِهِ، فَإِنْ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ أَيْضًا ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي التَّمَتُّعِ: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [٢ \ ١٩٦] ، وَلَا يَمْنَعُهُ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِحْلَالُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا بِحَدِيثِ: حَفْصَةَ ﵂ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ ﷺ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: " إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ " وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ﵃. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَلَكِنَّهُ يُؤَخِّرُ ذَبْحَ هَدْيِ تَمَتُّعِهِ، حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ. وَالِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ حَفْصَةَ الْمَذْكُورِ لَا يَنْهَضُ كُلَّ النُّهُوضِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا، فَحَدِيثُهَا لَيْسَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ النِّزَاعَ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ يُرِيدُ التَّحَلُّلَ مِنْهَا. وَالْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ. هَلْ يَمْنَعُهُ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنَ التَّحَلُّلِ؟ وَحَدِيثُ حَفْصَةَ فِي الْقِرَانِ، وَالْقِرَانُ لَيْسَ مَحَلَّ نِزَاعٍ، وَقَوْلُهَا: وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ. تَعْنِي: عُمْرَتَهُ الْمَقْرُونَةَ مَعَ الْحَجِّ، لَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً بِإِحْرَامٍ دُونَ الْحَجِّ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَكَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُفْرَدَةً لَكَانَ لَهُ الْإِحْلَالُ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ: " لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ " ; لِأَنَّهُ سَاقَهُ لِقِرَانٍ لَا لِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ عَنِ الْحَجِّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ

стр. 2197

أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَتَحَلَّلْ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ ". فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُخْتَصَرَةٌ مِنْ رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا مُسْلِمٌ قَبْلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَبَعْدَهَا قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا "، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى وَيَتَعَيَّنُ هَذَا التَّأْوِيلُ ; لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ فَصَحَّتِ الرِّوَايَاتُ. انْتَهَى مِنْهُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا عَنِ النَّوَوِيِّ أَنَّ رِوَايَةَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي قَالَ: إِنَّهَا يَجِبُ تَأْوِيلُهَا بِتَفْسِيرِهَا بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الْأُخْرَى فِيهَا مَا لَفْظُهُ: " وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ " ; لِكَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ كُلَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرِدًا، وَلَمْ يَسُقْ هَدْيًا أَنْ يَفْسَخَ حَجَّهُ فِي عُمْرَةٍ، وَيَحِلَّ مِنْهَا الْحِلَّ كُلَّهُ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهَا: وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُتِمَّ حَجَّتَهُ: يَجِبُ تَأْوِيلُهُ، وَتَفْسِيرُهُ بِالرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ، كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ. وَقَوْل مَنْ قَالَ: إِنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ فِي عُمْرَتِهِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِحْلَالِ مِنْهَا حَتَّى يَنْحَرَ يَوْمَ النَّحْرِ لَهُ وَجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ لِدُخُولِهِ فِي ظَاهِرِ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [٢ \ ١٩٦] ، وَهَذَا الْمُعْتَمِرُ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي سَاقَ مَعَهُ هَدْيَ التَّمَتُّعِ إِنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلْنَكْتَفِ هُنَا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ بِغَيْرِ النَّذْرِ. أَمَّا الْهَدْيُ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ: وَهُوَ هَدْيُ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَيَنْحَرَهُ وَيُفَرِّقَهُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى مِائَةَ بَدَنَةٍ وَهُوَ قَارِنٌ، وَيَكْفِي لِدَمِ الْقِرَانِ بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ، بَلْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَبَقِيَّةُ الْمِائَةِ تَطَوُّعٌ مِنْهُ ﷺ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَا يُهْدِيهِ سَمِينًا حَسَنًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ الْآيَةَ [٢٢ \ ٣٢] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ تَعْظِيمُهَا الِاسْتِسْمَانُ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِعْظَامُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الْآيَةَ [٢٢ \ ٣٦] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَقَلَّ الْهَدْيِ شَاةٌ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ الْأَنْعَامِ، وَأَنَّهَا الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهِيَ: الْجَمَلُ، وَالنَّاقَةُ، وَالْبَقَرَةُ، وَالثَّوْرُ، وَالنَّعْجَةُ، وَالْكَبْشُ، وَالْعَنْزُ، وَالتَّيْسُ.

стр. 2198

وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْهَدْيَ وَالْإِطْعَامَ يَخْتَصُّ بِهِمَا فُقَرَاءُ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ، وَأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ مَكَانٌ دُونَ مَكَانٍ، مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الطَّعَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ " الْمَائِدَةِ ". وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَبْحُ الْهَدْيِ فِي الْحَرَمِ، وَتَفْرِيقُهُ فِي الْحَرَمِ أَيْضًا، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ جَوَازَ الذَّبْحِ فِي الْحِلِّ، إِنْ كَانَ تَفْرِيقُ اللَّحْمِ فِي الْحَرَمِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْبُدْنَ يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا، وَإِشْعَارُهَا فَيُقَلِّدُهَا نَعْلَيْنِ. وَمَعْنَى إِشْعَارِهَا: هُوَ جَرْحُهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا، وَيُسْلَتُ الدَّمُ عَنْهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِشْعَارَ فِي صَفْحَةِ السَّنَامِ الْيُمْنَى، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ الْقَائِلِ: إِنَّهُ فِي الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْإِشْعَارَ الْمَذْكُورَ سُنَّةٌ لِثُبُوتِهِ عَنْهُ ﷺ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ: بِالنَّهْيِ عَنْهُ، مُعَلِّلًا: بِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ النَّخَعِيِّ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْوَارِدَةَ بِالْإِشْعَارِ تُخَصِّصُ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ مُثْلَةٌ، فَهُوَ جَرْحٌ لِمَصْلَحَةٍ: كَالْفَصْدِ وَالْخِتَانِ، وَالْحِجَامَةِ، وَالْكَيِّ، وَالْوَسْمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَدْيَ مِنَ الْغَنَمِ يُسَنُّ تَقْلِيدُهُ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَخَالَفَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ الْجُمْهُورَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: " أَنَّهُ ﷺ أَهْدَى غَنَمًا فَقَلَّدَهَا " وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا تُقَلَّدُ بِالنِّعَالِ لِضَعْفِهَا، وَإِنَّمَا تُقَلَّدُ بِنَحْوِ عُرَى الْقِرَبِ، وَلَا تُشْعَرُ الْغَنَمُ إِجْمَاعًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَعَمِلَ بِهِ ; لِأَنَّهُ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِشْعَارُ الْبَقَرِ إِنْ كَانَ لَهُ سَنَامٌ لَا نَصَّ فِيهِ، وَقَاسَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إِشْعَارِ الْإِبِلِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ وَتَلْطِيخِ الْهَدْيِ بِالدَّمِ، هُوَ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ هَدْيٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ، فَإِذَا أُشْعِرَ وَقُلِّدَ تَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا شَرَدَ فَيُعْرَفُ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيُرَدُّ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْبَقَرِ، فَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ: إِشْعَارُهُ إِنْ كَانَ لَهُ سَنَامٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْحِكْمَةُ فِي تَقْلِيدِهِ النَّعْلَيْنِ أَنَّ الْمُنْتَعِلَ عِنْدَهُمْ كَالرَّاكِبِ لِكَوْنِ النَّعْلِ تَقِي صَاحِبَهَا الْأَذَى مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالشَّوْكِ، وَالْقَذَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَأَنَّ الْمُهْدِيَ خَرَجَ لِلَّهِ عَنْ مَرْكُوبِهِ الْحَيَوَانِيِّ، وَغَيْرِ الْحَيَوَانِيِّ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُمْ قَلَّدُوا الْبَقَرَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ; حَيْثُ قَالَ: بَابُ فَتْلِ الْقَلَائِدِ لِلْبُدْنِ وَالْبَقَرِ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ حَفْصَةَ الْمُتَقَدِّمَ، وَفِيهِ قَالَ: " إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي ". الْحَدِيثَ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ ". . . الْحَدِيثَ، فَتَرَى الْبُخَارِيَّ قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ هَذِهِ: بَابُ فَتْلِ الْقَلَائِدِ لِلْبُدْنِ وَالْبَقَرِ.

стр. 2199

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ. وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ صَحِيحَةٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالَّذِي فِي الْحَدِيثِ: الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ مَعًا فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْإِبِلَ خَاصَّةً فَالْبَقَرُ فِي مَعْنَاهَا. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْغَنَمَ كُلُّهَا تُقَلَّدُ إِنْ كَانَتْ هَدْيًا، وَأَنَّ الْغَنَمَ لَا تُشْعَرُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَنَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ ثَابِتَةٌ بِإِشْعَارِ الْإِبِلِ، وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنَّ الْبَقَرَ كَذَلِكَ إِنْ كَانَ لَهُ سَنَامٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَنْ أَهْدَى إِلَى الْحَرَمِ هَدْيًا وَهُوَ مُقِيمٌ فِي بَلَدِهِ لَيْسَ بِحَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ، لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِإِرْسَالِ الْهَدْيِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا خَالَفَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، قَالَتْ: عَمْرَةُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ، إِلَّا أَنْ فِيهِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ عَائِشَةَ ابْنُ زِيَادٍ. وَالصَّوَابُ: مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهَا يَسْأَلُهَا هُوَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَعْرُوفُ بِزِيَادِ ابْنِ أَبِيهِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ كَوْنِهِ ابْنَ زِيَادٍ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْهُ ﷺ ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى قَوْلِ كُلِّ عَالِمٍ، وَلَوْ بَلَغَ مَا بَلَغَ مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَنْ بَعَثَ بِهَدْيٍ، وَأَقَامَ فِي بَلَدِهِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِإِرْسَالِ هَدْيِهِ، وَأَنَّ مَا خَالَفَ ذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَإِنْ زَعَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمُجَاهِدٍ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى أَقْوَالِ كُلِّ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: مِنْ أَنَّهُ لَا يَجْتَنِبُ إِلَّا الْجِمَاعَ لَيْلَةَ جَمْعٍ: وَهِيَ لَيْلَةُ النَّحْرِ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ; لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ، الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ ضَعِيفٌ، كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي " الْفَتْحِ "، فَلَا يُعَارَضُ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ

стр. 2200

عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْفَتْحِ "، عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ لِمَا بَيَّنَتْ بِهِ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَجَعَ النَّاسُ عَنْ فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ النُّسُكَ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَيْءٌ، خِلَافًا لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَخِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَأَمَّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَلَّدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ ; لِأَنَّ إِيجَابَ الْإِحْرَامِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ: عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا بَلَغَ الْمِيقَاتَ وَأَرَادَ مُجَاوَزَتَهُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ بِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَلَوِ اشْتَرَاهُ مِنْ مَنًى وَنَحَرَهُ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ إِلَى الْحِلِّ أَجْزَأَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا هَدْيَ إِلَّا مَا أُحْضِرَ عَرَفَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْهَدْيِ أَنْ يُجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى الْهَدْيَ إِلَّا مَا عُرِّفَ بِهِ، وَنَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُذْبَحُ هَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بِمِنًى، إِلَّا إِذَا وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ ذَبَحَهُ فِي مَكَّةَ، وَلَا بُدَّ عِنْدَهُ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ بِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُ إِخْرَاجُهُ إِلَى الْحِلِّ وَالرُّجُوعُ بِهِ إِلَى الْحَرَمِ وَذَبْحُهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الظَّاهِرَ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ جَمْعِ الْهَدْيِ، بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ; لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِذَلِكَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. الثَّانِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْهَدْيِ نَفْعُ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَلَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ.

стр. 2201

الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْهَدْيُ مَعَهُ مِنْ بَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَشِرَاؤُهُ مِنَ الطَّرِيقِ أَفْضَلُ مِنْ شِرَائِهِ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ أَصْلًا بَلِ اشْتَرَاهُ مِنْ مِنًى جَازَ، وَحَصَلَ الْهَدْيُ اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُهْدِ هَدْيًا إِلَّا جَامِعًا بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ; لِأَنَّهُ يُسَاقُ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [٢ \ ١٩٦] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ أَفْضَلُ، وَلَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَمَّا كَوْنُهُ لَا يُجْزِئُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَلَا دَلِيلَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، وَالْغَرَضُ الْمَقْصُودُ شَرْعًا حَاصِلٌ، وَلَوْ لَمْ يَجْمَعِ الْهَدْيُ بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ، وَجَمْعُ هَدْيِهِ ﷺ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرِ الْجِبِلِّيِّ، فَلَا يَتَمَحَّضُ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ ; لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْهَدْيِ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنْ بَلَدِهِ، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ الَّتِي قَدِمَ بِهَا عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ تَيَسَّرَ لَهُ وَجُودُهَا هُنَاكَ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَعْلَمُ. فَحُصُولُ الْهَدْيِ فِي الْحِلِّ يُشْبِهُ الْوَصْفَ الطَّرْدِيَّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ مَصْلَحَةً كَمَا تَرَى، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُهْدِيَ إِنِ اضْطُرَّ لِرُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ فِي الطَّرِيقِ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: " ارْكَبْهَا ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ " فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ " هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ، فَقَالَ: " ارْكَبْهَا " فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: " ارْكَبْهَا "، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: " ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ " فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ " وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ عَنْ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ ﵄. وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَهُ رُكُوبُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، بِحَيْثُ لَا يَضُرُّهُ. وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْكَبُهُ إِلَّا إِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ أَوْجَبَ رُكُوبَهَا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ وَلِمُخَالَفَةِ مَا كَانَتْ

стр. 2202

الْجَاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِنْ إِهْمَالِ السَّائِبَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا عِنْدِي فِي رُكُوبِ الْهَدْيِ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ: هُوَ أَنَّهُ إِنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ لِذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّ أَخَصَّ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَصْرَحُهَا فِيهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا ". وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا " اهـ. فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ رُكُوبَ الْهَدْيِ إِنَّمَا يَجُوزُ بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا أَلْجَأَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ، فَإِنْ زَالَتِ الضَّرُورَةُ بِوُجُودِ ظَهْرٍ يَرْكَبُهُ غَيْرِ الْهَدْيِ تَرَكَ رُكُوبَ الْهَدْيِ، فَهَذَا الْقَيْدُ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ تُقَيَّدُ بِهِ جَمِيعُ الرِّوَايَاتِ الْخَالِيَةِ عَنِ الْقَيْدِ ; لِوُجُوبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَا سِيَّمَا إِنِ اتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ كَمَا هُنَا. أَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ: بِوُجُوبِ رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَهِيَ ظَاهِرَةُ السُّقُوطِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْكَبْ هَدْيَهُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الرُّكُوبَ مُطْلَقًا، فَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : " وَيْلَكَ ارْكَبْهَا "، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [٢٢ \ ٣٣] ، عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، وَلَا تَنْهَضُ بِهِ الْحُجَّةُ فِيمَا يَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى كَوْنِهِ تَدْعُوهُ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَهُوَ أَخَصُّ نَصٍّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شُرْبَ مَا فَضَلَ مِنْ لَبَنِهَا، عَنْ وَلَدِهَا لَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى وَلَدِهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنْ رَكِبَهَا الرُّكُوبَ الْمُبَاحَ لِلضَّرُورَةِ وَنَقَصَهَا ذَلِكَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ النَّقْصِ يَتَصَدَّقُ بِهَا. وَلَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنِ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِصَاحِبِ الْبَدَنَةِ " ارْكَبْهَا "، وَهِيَ مُقَلَّدَةٌ نَعْلًا، وَقَدْ صَرَّحَ لَهُ تَصْرِيحًا مُكَرَّرًا بِأَنَّهَا بَدَنَةٌ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، هَلْ تِلْكَ الْبَدَنَةُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ مِرَارًا. وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي

стр. 2203

" مَرَاقِي السُّعُودِ " بِقَوْلِهِ: وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ ... مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ مَسْأَلَةٌ: فِي حُكْمِ الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بَعْدَ بُلُوغِ مَحِلِّهِ اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الصَّوَابَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ بُعِثَ مَعَهُ هَدْيٌ إِلَى الْحَرَمِ فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ، قَبْلَ بُلُوغِ مَحِلِّهِ: أَنَّهُ يَنْحَرُهُ ثُمَّ يَصْبُغُ نَعْلَيْهِ فِي دَمِهِ، وَيَضْرِبُ بِالنَّعْلِ الْمَصْبُوغِ بِالدَّمِ صَفْحَةَ سَنَامِهَا ; لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهَا أَنَّهَا هَدْيٌ وَيُخَلِّي بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ الْمُرَافِقِينَ لَهُ فِي سَفَرِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ ; لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحِ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَا لَفْظُهُ: " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِيهَا، قَالَ: فَمَضَى ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أَبْدَعَ عَلَيٍّ مِنْهَا؟ قَالَ: " انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ "، انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: " إِنْ عَطِبَ شَيْءٌ مِنْهَا فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَتَهَا وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ "، انْتَهَى مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أَبْدَعَ مِنْهَا؟ : هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَإِسْكَانِ الْبَاءِ، وَكَسْرِ الدَّالِ بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ: أَيْ كَلَّ وَأَعْيَا حَتَّى وَقَفَ مِنَ الْإِعْيَاءِ، فَهَذَا النَّصُّ الصَّحِيحُ. لَا يُلْتَفَتُ مَعَهُ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ رُفْقَتَهُ لَهُمُ الْأَكْلُ مَعَ جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الصَّحِيحِ، وَلَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ ﷺ ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ مِرَارًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِلَّةَ مَنْعِهِ وَمَنْعِ رُفْقَتِهِ: هُوَ سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَتَوَصَّلُ هُوَ أَوْ بَعْضُ رُفْقَتِهِ إِلَى نَحْرِهِ، بِدَعْوَى أَنَّهُ عَطِبَ أَوْ بِالتَّسَبُّبِ لَهُ فِي ذَلِكَ لِلطَّمَعِ فِي أَكْلِ لَحْمِهِ ; لِأَنَّهُ صَارَ لِلْفُقَرَاءِ، وَهُمْ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ لِلْأَغْنِيَاءِ، بَلْ لِلْفُقَرَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ

стр. 2204

بِهَدْيٍ فَقَالَ: " إِنْ عَطِبَ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ " اهـ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " وَبَيْنَ النَّاسِ "، يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ سَائِقَ الْهَدْيِ وَرُفْقَتَهُ. فَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ أَصَحُّ وَأَخَصُّ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ أَخْرَجَ السَّائِقَ وَرُفْقَتَهُ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ أَصْحَابِ السُّنَنِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ تَفَاصِيلَ فِي حُكْمِ مَا عَطِبَ مِنَ الْهَدْيِ، قَبْلَ نَحْرِهِ بِمَحِلِّ النَّحْرِ، سَنَذْكُرُ أَرْجَحَهَا عِنْدَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ لِلْأَقْوَالِ وَالْحُجَجِ ; لِأَنَّ مَسَائِلَ الْحَجِّ أَطَلْنَا عَلَيْهَا الْكَلَامَ طُولًا يَقْتَضِي الِاخْتِصَارَ فِي بَعْضِهَا خَوْفَ الْإِطَالَةِ الْمُمِلَّةِ. اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْهَدْيَ إِمَّا وَاجِبٌ، وَإِمَّا تَطَوُّعٌ، وَالْوَاجِبُ إِمَّا بِالنَّذْرِ، أَوْ بِغَيْرِهِ، وَالْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ، إِمَّا مُعَيَّنٌ، أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَالظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ أَنَّ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِغَيْرِ النَّذْرِ كَهَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَالدِّمَاءَ الْوَاجِبَةَ بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ، وَالْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ فِي ذِمَّتِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرٌ أَنْ أَهْدِيَ هَدْيًا، أَنَّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ. الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ سَاقَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْهَدْيِ يَنْوِي بِهِ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعِينَهُ بِالْقَوْلِ، كَأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْهَدْيُ سُقْتُهُ أُرِيدُ بِهِ أَدَاءَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ عَلَيَّ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ أَنْ يَسُوقَهُ يَنْوِي بِهِ الْهَدْيَ الْمَذْكُورَ مَعَ تَعْيِينِهِ بِالْقَوْلِ، فَإِنْ نَوَاهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ بِالْقَوْلِ ; فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَزَالُ فِي ضَمَانِهِ وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إِلَّا بِذَبْحِهِ وَدَفْعِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَلِذَا إِنْ عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ أَكْلٍ وَبَيْعٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِأَدَاءِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي عَطِبَ ; لِأَنَّهُ عَطِبَ فِي ضَمَانِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَحَمَلَهُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَصْدِ دَفْعِهِ إِلَيْهِ، فَتَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَيْهِ: فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الدِّينِ بِغَيْرِ التَّالِفِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ تَعَيَّبَ الْهَدْيُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ، فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ سَلِيمًا وَيَفْعَلُ بِالَّذِي تَعَيَّبَ مَا شَاءَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي مِلْكِهِ، وَضَمَانِهِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَعْطَبْ، وَلَمْ يَتَعَيَّبْ ; لِأَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ إِهْدَائِهِ عَنِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ لَا يَنْقُلُ مِلْكَهُ عَنْهُ، وَالْهَدْيُ الْمَذْكُورُ لَازِمٌ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ نَمَاءَهُ. وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ مَا إِذَا نَوَاهُ وَعَيَّنَهُ بِالْقَوْلِ كَأَنْ يَقُولَ: هَذَا هُوَ الْهَدْيُ

стр. 2205

الْوَاجِبُ عَلَيَّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ كَذَلِكَ. فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْوُجُوبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْرَأَ الذِّمَّةُ، فَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مَا دَامَ سَلِيمًا، وَإِنْ عَطِبَ أَوْ سُرِقَ أَوْ ضَلَّ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ، وَعَادَ الْوُجُوبُ إِلَى ذِمَّتِهِ. فَيَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ ; لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ أَوْ فَعَلَ بِهِ مَا شَاءَ ; لِأَنَّ الْهَدْيَ لَازِمٌ فِي التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ إِنْ عَطِبَ ذِمَّتَهُ، وَهَذَا الَّذِي عَطِبَ صَارَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ لَا حَقَّ فِيهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ بَاقٍ فِي الذِّمَّةِ، فَلَهُ بَيْعُهُ وَأَكْلُهُ، وَكُلُّ مَا شَاءَ. وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَعَنْ مَالِكٍ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ مَنْ شَاءَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَلَا يَبِيعُ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَذَبَحَهُ وَسُرِقَ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحْمَدَ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوصِلِ الْحَقَّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَذْبَحْهُ. وَلَنَا أَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، فَبَرِئَ مِنْهُ كَمَا لَوْ فَرَّقَهُ. وَدَلِيلُ أَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّفْرِقَةُ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ خَلَّى بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ أَجْزَأَهُ. وَلِذَلِكَ لَمَّا نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَدَنَاتِ قَالَ: " مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ ". انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ " الْمُغْنِي ". وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي: أَنَّهُ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِذَبْحِهِ: حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ إِنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ ذَبْحِهِ وَبَيْنَ بَقَائِهِ حَيًّا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [٢٢ \ ٢٨] ، وَيَقُولُ: وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [٢٢ \ ٣٦] ، وَالْآيَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى لُزُومِ التَّفْرِقَةِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ يَقْتَسِمُونَهُ تَفْرِقَةٌ ضِمْنِيَّةٌ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَيَسِّرٌ لَهُمْ كَإِعْطَائِهِمْ إِيَّاهُ بِالْفِعْلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْهَدْيَ الْمَذْكُورَ إِنْ تَعَيَّبَ فِي الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ نَحْرُهُ، وَنَحْرُ هَدْيٍ آخَرَ غَيْرِ مَعِيبٍ لَا يَظْهَرُ كُلَّ الظُّهُورِ، إِذْ لَا مُوجِبَ لِتَعَدُّدِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا وَاحِدٌ. وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ إِلَى اللَّهِ لَا يَحْسُنُ انْتِفَاعُهُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَأَمَّا الْوَاجِبُ الْمُعَيَّنُ بِالنَّذْرِ، كَأَنْ يَقُولَ: نَذَرْتُ لِلَّهِ إِهْدَاءَ هَذَا الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ، وَلَا يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ عَطِبَ أَوْ سُرِقَ: لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ إِذًا تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، لَا بِذِمَّةِ الْمُهْدِي. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، سَوَاءً عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بَلَغَ مَحِلَّهُ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا: رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ مَا عَطِبَ بِالطَّرِيقِ مِنَ الْهَدْيِ إِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ سَلِيمًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الْأَكْلَ مِنْهُ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ سَلِيمًا، وَقِيلَ: يُلْزَمُ الَّذِي عَطِبَ

стр. 2206

وَالسَّلِيمَ مَعًا لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ فِيهِ بِعَيْنِ الْهَدْيِ كَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ لِلْمَسَاكِينِ، لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ، وَلَا الْأَكْلُ مِنْهُ إِذَا عَطِبَ وَلَا بَعْدَ نَحْرِهِ، إِنْ بَلَغَ مَحِلَّهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ هَدْيٍ جَازَ الْأَكْلُ مِنْهُ لِلْمُهْدِي لَهُ، أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ مَنْ شَاءَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَكُلَّ هَدْيٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، فَلَا يَجُوزُ إِطْعَامُهُ إِلَّا لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وَكُرِهَ عِنْدَهُمْ إِطْعَامُ الذِّمِّيِّينَ مِنْهُ. وَسَتَأْتِي تَفَاصِيلُ مَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ: فَكُلُوا مِنْهَا الْآيَةَ [٢٢ \ ٢٨] . وَأَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنْ عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ أُلْقِيَتْ قَلَائِدُهُ فِي دَمِهِ، وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ سَائِقٌ مُرْسَلٌ مَعَهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ الْأَكْلُ مِنْهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ ; لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ: فَهُوَ أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، فَلَهُ ذَبْحُهُ، وَأَكْلُهُ، وَبَيْعُهُ وَسَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ فِيهِ وَلَوْ قَلَّدَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِلَّا نِيَّةُ ذَبْحِهِ وَالنِّيَّةُ لَا تُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهُ، حَتَّى يَذْبَحَهُ بِمَحِلِّهِ، فَلَوْ عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ فَلِمُهْدِيهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَأَكْلٍ وَإِطْعَامٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي مِلْكِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ بُلُوغِ مَحِلِّهِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُهْدِيهِ الْأَكْلُ مِنْهُ وَلَا لِغَنِيٍّ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُهُ الْفُقَرَاءُ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ، لَا يَجُوزُ لِمُهْدِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ: هُوَ أَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ، جَاءَ النَّصُّ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ، أَمَّا قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ فَلَمْ يَأْتِ الْإِذْنُ بِأَكْلِهِ، وَوَجْهُ خُصُوصِ الْفُقَرَاءِ بِهِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ صَدَقَةً ; لِأَنَّ كَوْنَهُ صَدَقَةً خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُتْرَكَ لِلسِّبَاعِ تَأْكُلُهُ. هَكَذَا قَالُوا: وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ إِذَا عَيَّنَ هَدْيًا بِالْقَوْلِ، أَوِ التَّقْلِيدِ، وَالْإِشْعَارِ ثُمَّ ضَلَّ ثُمَّ نَحَرَ هَدْيًا آخَرَ مَكَانَهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ الْأَوَّلَ الَّذِي كَانَ ضَالًّا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهُ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ صَارَ هَدْيًا لِلْفُقَرَاءِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّهُ لِمِلْكِهِ، مَعَ وُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَيَّنَ بَدَلًا مِنْهُ، ثُمَّ وَجَدَ الضَّالَّ، فَإِنَّهُ يَنْحَرُهُمَا مَعًا.

стр. 2207

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَفَعَلَتْهُ عَائِشَةُ ﵃. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِنَا فِيمَا إِذَا تَعَيَّبَ الْهَدْيَ، فَأَبْدَلَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ مَا شَاءَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مِلْكِ أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ مَا فِي الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ عَطِبَ الْمُعَيَّنُ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ، فَأَضَلَّتْهُمَا، فَبَعَثَ إِلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدْيَيْنِ فَنَحَرَتْهُمَا، ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ فَنَحَرَتْهُمَا، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَهَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ بِهِمَا بِإِيجَابِهِمَا، أَوْ ذَبْحِ أَحَدِهِمَا وَإِيجَابِ الْآخَرِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ «الْمُغْنِي» . وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ. وَالْأَحْوَطُ: ذَبْحُ الْجَمِيعِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَدْيَ إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بِالنَّذْرِ مِنَ الْأَصْلِ، بِأَنْ قَالَ: نَذَرْتُ إِهْدَاءَ هَذَا الْهَدْيِ بِعَيْنِهِ أَوْ مُعَيَّنًا تَطَوُّعًا، إِذَا رَآهُ صَاحِبُهُ فِي حَالَةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ سَيَمُوتُ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ فِيهَا حَتَّى مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ. أَمَّا لَوْ مَاتَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، أَوْ ضَلَّ أَوْ سُرِقَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلٌ عَنْهُ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْحَقُّ بِذِمَّتِهِ بَلْ بِعَيْنِ الْهَدْيِ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي: إِنْ لَزِمَهُ بَدَلُهُ بِتَفْرِيطِهِ أَنَّهُ يَشْتَرِي هَدْيًا مِثْلَهُ، وَيَنْحَرُهُ بِالْحَرَمِ بَدَلًا عَنِ الَّذِي فَرَّطَ فِيهِ، وَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، فَلَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ وَلْنَكْتَفِ بِمَا ذَكَرْنَا هُنَا مِنْ أَحْكَامِ الْهَدْيِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَفْصِيلُ مَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْهَدَايَا. تَنْبِيهٌ قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى أَنَّ نَحْرَ الْهَدْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ، وَالتَّقْصِيرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَاجَّ مُفْرِدًا كَانَ أَوْ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا إِنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَنَحَرَ مَا مَعَهُ مِنَ الْهَدْيِ: فَعَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ وَأَنَّهُ

стр. 2208

أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ ; لِقَوْلِهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ فَقَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ» فِي الرَّابِعَةِ، أَوِ الثَّالِثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. فَدَلَّ دُعَاؤُهُ لِلْمُحَلِّقِينَ بِالرَّحْمَةِ مِرَارًا: عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى لَمَا اسْتَحَقَّ فَاعِلُهُ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَدَلَّ تَأْخِيرُ الدُّعَاءِ لِلْمُقَصِّرِينَ إِلَى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ أَنَّ التَّقْصِيرَ مَفْضُولٌ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَالتَّقْصِيرُ مَعَ كَوْنِهِ مَفْضُولًا: يُجْزِئُ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [٤٨ \ ٢٧] ، وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ، وَغَيْرُهُمَا: التَّقْصِيرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃. فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «حَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ» ، وَقَدْ قَدَّمْنَا حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ الثَّابِتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ وَحَدِيثَ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَقَدْ أَجْمَعَ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ مُجْزِئٌ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَكْفِي فِي الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: يَكْفِي فِيهِمَا حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا أَوْ تَقْصِيرُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ ; لِأَنَّ الثَّلَاثَ جَمْعٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكْفِي حَلْقُ رُبُعِ الرَّأْسِ، أَوْ تَقْصِيرُ رُبُعِهِ بِقَدْرِ الْأُنْمُلَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمَا: يَجِبُ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ، أَوْ تَقْصِيرُ جَمِيعِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي التَّقْصِيرِ تَتَبُّعُ كُلِّ شَعْرَةٍ، بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِ الرَّأْسِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَكْفِيهِ قَدْرُ الْأُنْمُلَةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ: يُقَصِّرُهُ إِلَى الْقُرْبِ مِنْ أُصُولِ الشِّعْرِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ، أَوْ تَقْصِيرُ جَمِيعِهِ، وَلَا يَلْزَمُ تَتَبُّعُ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي التَّقْصِيرِ ; لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً كَبِيرَةً، بَلْ يَكْفِي تَقْصِيرُ جَمِيعِ جَوَانِبِ الرَّأْسِ مَجْمُوعَةً أَوْ مُفَرَّقَةً، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الرُّبُعُ، وَلَا ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ:

стр. 2209

بَعْضَ رُءُوسِكُمْ وَمُقَصِّرِينَ أَيْ: رُءُوسَكُمْ لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وَظَاهَرُهُ حَلْقُ الْجَمِيعِ أَوْ تَقْصِيرُهُ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» . فَمَنْ حَلَقَ الْجَمِيعَ أَوْ قَصَّرَهُ تَرَكَ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ عَلَى رُبُعِ الرَّأْسِ، لَمْ يَدَعْ مَا يَرِيبُهُ، إِذْ لَا دَلِيلَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَلَّقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ وَأَعْطَى شَعْرَ رَأْسِهِ لِأَبِي طَلْحَةَ لِيُفَرِّقَهُ عَلَى النَّاسِ. وَفِعْلُهُ فِي الْحَلْقِ بَيَانٌ لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَلْقِ كَقَوْلِهِ: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ : إِذَا كَانَ بَيَانًا لِنَصٍّ مُجْمَلٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ حُكْمٍ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْمُبَيِّنَ لِذَلِكَ النَّصِّ وَاجِبٌ. وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ. تَنْبِيهٌ آخَرُ اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْحَلْقِ أَفْضَلَ مِنَ التَّقْصِيرِ، إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً. أَمَّا النِّسَاءُ: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ حَلْقٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ. وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا: وُجُوبُ تَقْصِيرِ الْمَرْأَةِ جَمِيعَ رَأْسِهَا وَيَكْفِيهَا قَدْرُ الْأُنْمُلَةِ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَقْصِيرٌ مِنْ غَيْرِ مُنَافَاةٍ لِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ شَعْرَ الْمَرْأَةِ مِنْ جَمَالِهَا، وَحَلْقَهُ مُثْلَةٌ وَتَقْصِيرُهُ جِدًّا إِلَى قُرْبِ أُصُولِ الشِّعْرِ نَقْصٌ فِي جَمَالِهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النِّسَاءَ لَا حَلْقَ عَلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَتَكِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» . حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيُّ ثِقَةٌ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» ، فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ

стр. 2210

حَسَنٍ. وَقَالَ صَاحِبُ «نَصْبِ الرَّايَةِ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ: قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: هَذَا ضَعِيفٌ وَمُنْقَطِعٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَانْقِطَاعُهُ مِنْ جِهَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ صَفِيَّةَ، فَلَمْ يُعْلَمْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ ثِقَةٌ، يُكْنَى أَبَا يَعْقُوبَ، وَهَذَا غَيْرُ كَافٍ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبِي إِسْرَائِيلَ، فَذَاكَ رَجُلٌ تَرَكَهُ النَّاسُ لِسُوءِ رَأْيِهِ. وَأَمَّا ضَعْفُهُ: فَإِنَّ أُمَّ عُثْمَانَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ لَا يُعْرَفُ حَالُهَا. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ «نَصْبِ الرَّايَةِ» لِلزَّيْلَعِيِّ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ: فِي أَنَّ عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرَ لَا الْحَلْقَ، أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ الْحَسَنُ. فَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: إِنَّهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَصْوَبُ مِمَّا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ضَعِيفٌ وَمُنْقَطِعٌ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ: وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَإِنَّ أُمَّ عُثْمَانَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ لَا يُعْرَفُ حَالُهَا فِيهِ قُصُورٌ ظَاهِرٌ جِدًّا ; لِأَنَّ أُمَّ عُثْمَانَ الْمَذْكُورَةَ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ الْمُبَايِعَاتِ، وَقَدْ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَدَعْوَى أَنَّهَا لَا يُعْرَفُ حَالُهَا ظَاهِرَةُ السُّقُوطِ كَمَا تَرَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ سُفْيَانَ الْقُرَشِيَّةُ الشَّيْبِيَّةُ الْعَبْدَرِيَّةُ، أُمُّ بَنِي شَيْبَةَ الْأَكَابِرِ، كَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ. رَوَتْ عَنْهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسَافِعٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْهَا. انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الْإِصَابَةِ» : أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ سُفْيَانَ، وَالِدَةُ بَنِي شَيْبَةَ الْأَكَابِرِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ. قَالَهُ أَبُو عُمَرَ إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا رَوَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الْإِصَابَةِ» ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: حَدِيثًا أَخْرَجَهُ، وَفِيهِ أَنَّ أُمَّ عُثْمَانَ بِنْتَ سُفْيَانَ هِيَ أُمُّ بَنِي شَيْبَةَ الْأَكَابِرِ، وَقَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ» : أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ سُفْيَانَ. وَيُقَالُ: بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ: هِيَ أُمُّ وَلَدِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ. رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَتْ عَنْهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِتَزْكِيَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَهُمْ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي غَيْرِ
следующие страницы →