← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي الرُّؤْيَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ تُفِيدَ لَنِ التَّأْبِيدَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُعَارِضْهَا فِيهِ نَصٌّ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي إِفَادَةِ لَنْ تَأْبِيدَ النَّفْيِ حَيْثُ لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ صَارِفٌ، وَعَدَمِ إِفَادَتِهَا لِذَلِكَ، فَعَلَى الْقَوْلِ: بِأَنَّهَا تُفِيدُ التَّأْبِيدَ فَقَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي بُرْدَةَ: «وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ، يَدُلُّ عَلَى تَأْبِيدِ نَفْيِ الْإِجْزَاءِ، كَمَا ذَكَرْنَا وَعَلَى عَدَمِ اقْتِضَائِهَا التَّأْبِيدَ، فَلَا تَقُلْ عَنِ الظُّهُورِ فِيهِ، حَتَّى يَصْرِفَ عَنْهُ صَارِفٌ، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، كَالْمُتَعَذَّرِ فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ، وَحَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ: أَرْجَحُ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَرْعِ هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي السِّنِّ الَّتِي تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةِ إِلَّا بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ بِأَنْوَاعِهَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [٢٢ \ ٢٨] ، فَلَا تُشْرَعُ التَّضْحِيَةُ بِالظِّبَاءِ وَلَا بِبَقَرَةِ الْوَحْشِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ مَثَلًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : وَلَا تُجْزِئُ بِالْمُتَوَلِّدِ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ كَمَا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ مِنْ أَنَّ بَقَرَةَ الْوَحْشِ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالظَّبْيَ عَنْ وَاحِدٍ، خِلَافُ التَّحْقِيقِ. وَعَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّ وَلَدَ الْبَقَرَةِ الْإِنْسِيَّةِ يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ وَحْشِيًّا وَعَنْ أَبِي ثَوْرٍ: يُجْزِئُ إِنْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ بَيْنِ مَا يُجْزِئُ، وَمَا لَا يُجْزِئُ، لَا يُجْزِئُ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ الْحَاظِرِ عَلَى الْمُبِيحِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا خَالَفَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يُضَحِّيَ إِلَّا بِبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ; لِظَاهِرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. الْفَرْعُ الْخَامِسُ: اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ الْأُضْحِيَّةِ: الْبَدَنَةُ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ الشَّاةُ، وَالضَّأْنُ، أَفْضَلُ مِنَ الْمَعْزِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِبَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَوْنِ الْأَفْضَلِ: الْبَدَنَةَ، ثُمَّ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ شَاةَ الضَّأْنِ، ثُمَّ شَاةَ الْمَعْزِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَدَاوُدَ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَفْضَلُهَا الْغَنَمُ ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْإِبِلُ. قَالَ: وَالضَّأْنُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَعْزِ،

стр. 2242

وَإِنَاثُهَا أَفْضَلُ مِنْ فُحُولِ الْمَعْزِ، وَفُحُولُ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنْ إِنَاثِ الْمَعْزِ، وَإِنَاثُ الْمَعْزِ خَيْرٌ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: الْإِبِلُ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرِ. فَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَفْضَلِ مَا يُضَحَّى بِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْجُمْهُورَ الَّذِينَ قَالُوا الْبَدَنَةُ أَفْضَلُ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ الشَّاةُ احْتَجُّوا بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا أَنَّ الْبَدَنَةَ أَعْظَمُ مِنَ الْبَقَرَةِ، وَالْبَقَرَةَ أَعْظَمُ مِنَ الشَّاةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الْآيَةَ [٢٢ \ ٣٢] . وَمِنْهَا مَا قَدَّمْنَا ثَابِتًا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْبَقَرَةَ وَالْبَدَنَةَ كِلْتَاهُمَا تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ فِي الْهَدْيِ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَعْدِلُ سَبْعَ شِيَاهٍ. وَكَوْنُهَا تَعْدِلُ سَبْعَ شِيَاهٍ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ شَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، غَيْرَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ» ، اهـ. قَالُوا: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ، عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ أَفْضَلُ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: عَلَى أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْغَنَمِ أَفْضَلُ: بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِالْغَنَمِ لَا بِالْإِبِلِ، وَلَا بِالْبَقَرِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ بِتَضْحِيَتِهِ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، وَتَضْحِيَتِهِ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَكُلُّهَا ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَا أَسَانِيدَهَا وَمُتُونَهَا. قَالُوا: وَهُوَ ﷺ لَا يُضَحِّي مُكَرِّرًا ذَلِكَ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، إِلَّا بِمَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ. فَلَوْ كَانَتِ التَّضْحِيَةُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لَفَعَلَ ﷺ ذَلِكَ الْأَفْضَلَ. قَالُوا فَإِنْ قِيلَ: أَهْدَى فِي حَجَّتِهِ الْإِبِلَ، وَلَمْ يُهْدِ الْغَنَمَ. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ أَهْدَى الْغَنَمَ أَيْضًا فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ فِي الْهَدْيِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا أَفْضَلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ لَا يُنْكِرُونَ أَفْضَلِيَّةَ الْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْغَنَمَ أَفْضَلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ فَضْلٌ مِنْ جِهَةٍ ; فَالْإِبِلُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ لَحْمِهَا، وَالْغَنَمُ أَفْضَلُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ، وَأَلَذُّ. وَعِنْدَ

стр. 2243

الْمَالِكِيَّةِ: فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُرَاعِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَصْفَيْنِ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ النُّسُكِ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرٌ. لَكِنَّ دَلِيلَ الْمَالِكِيَّةِ أَخَصُّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُضَحِّ إِلَّا بِالْغَنَمِ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ مِنْ تَفْضِيلِ الْبَدَنَةِ، ثُمَّ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ الْكَبْشِ الْأَقْرَنِ، لَمْ يَأْتِ فِي خُصُوصِ الْأُضْحِيَّةِ. وَلَكِنَّ فِعْلَهُ ﷺ فِي خُصُوصِ الْأُضْحِيَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [٣٣ \ ٢١] . وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَجْهًا مِنَ النَّظَرِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُمْهُورَ أَجَابُوا عَنْ دَلِيلِ مَالِكٍ بِأَنَّ تَضْحِيَتَهُ ﷺ بِالْغَنَمِ، لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَنَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَدَنَةٌ وَلَا بَقَرَةٌ، وَإِنَّمَا تَيَسَّرَتْ لَهُ الْغَنَمُ هَكَذَا قَالُوا. وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَكَرُّرُ تَضْحِيَتِهِ ﷺ بِالْغَنَمِ، وَقَدْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى قَصْدِهِ الْغَنَمَ دُونَ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إِلَّا الْغَنَمُ سَنَةً، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ غَيْرُهَا فِي سَنَةٍ أُخْرَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ ﷺ يُضَحِّي بِالْجَزُورِ أَحْيَانًا وَبِالْكَبْشِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْجَزُورَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الزُّرْقَانِيَّ فِي «شَرْحِ الْمُوَطَّأِ» قَالَ مَا نَصُّهُ: وَحَدِيثُ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ ﷺ يُضَحِّي بِالْجَزُورِ أَحْيَانًا، وَبِالْكَبْشِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْجَزُورَ» . ضَعِيفٌ. فِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، وَفِيهِ مَقَالٌ. انْتَهَى مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى» ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الضَّحَايَا الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ» انْتَهَى مِنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تُقَوِّيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ عَنْهُ ﷺ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى التَّضْحِيَةِ بِالْكَبْشَيْنِ الْأَقْرَنَيْنِ، أَوِ الْكَبْشِ الْأَقْرَنِ. كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. الْفَرْعُ السَّادِسُ: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَجَازُوا اشْتِرَاكَ سَبْعَةِ مُضَحِّينَ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، بِأَنْ يَشْتَرُوهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُهْدُوا بِهَا، أَوْ يُضَحُّوا بِهَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ سُبْعُهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا النُّصُوصَ الصَّرِيحَةَ بِذَلِكَ فِي الْهَدْيِ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْهَدْيِ، وَالْأُضْحِيَّةِ. وَخَالَفَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ الْجُمْهُورَ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ ذَبْحُ بَدَنَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، وَلَا بَقَرَةٍ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا وَاحِدٌ فَيُشْرِكُ غَيْرَهُ مَعَهُ فِي الْأَجْرِ. أَمَّا اشْتِرَاكُهُمْ فِي مِلْكِهَا، فَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ وَلَا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ، وَكَذَلِكَ هَدْيُ التَّطَوُّعِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ.

стр. 2244

وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا ﵀ حَمَلَ أَحَادِيثَ اشْتِرَاكِ السَّبْعَةِ فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ، عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَجْرِ، بِأَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ وَاحِدًا، وَيُشْرِكُ غَيْرَهُ مَعَهُ فِي الْأَجْرِ لَا فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ فِيهِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْمِلْكِ. وَأَجَازَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ: أَنْ يُضَحِّيَ بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ، وَيُشْرِكَ مَعَهُ أَهْلَهُ فِي الْأَجْرِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَبَحَ كَبْشًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاكُ مَالِكِينَ فِي شَاةِ الْأُضْحِيَّةِ، أَمَّا كَوْنُ الْمَالِكِ وَاحِدًا فَيُضَحِّي عَنْ نَفْسِهِ بِالشَّاةِ وَيَنْوِي اشْتِرَاكَ أَهْلِ بَيْتِهِ مَعَهُ فِي الْأَجْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَتَأَدَّى بِهِ الشِّعَارُ الْإِسْلَامِيُّ عَنْهُمْ جَمِيعًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يخُتَلَفَ فِيهِ ; لِدَلَالَةِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ عَلَيْهِ، كَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَغَيْرِهِ، كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ: كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ، حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَ كَمَا تَرَى. قَالَ فِي «الْمُنْتَقَى» : رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ شَارِحُهُ فِي «النَّيْلِ» : وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَالِاشْتِرَاكُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَجْرِ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَصِحُّ وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَكَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِذَلِكَ شُرُوطًا ثَلَاثَةً. وَهِيَ سُكْنَاهُمْ مَعَ الْمُضَحِّي، وَقَرَابَتُهُمْ مِنْهُ، وَإِنْفَاقُهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ تَبَرُّعًا. وَلَا أَعْلَمُ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ مُسْتَنَدًا مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يُرَادُ بِهَا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فِي مُسَمَّى الْأَهْلِ، وَأَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ هُمْ مَا اجْتَمَعَ فِيهِمُ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ، وَلَا تُسَاعِدُ عَلَى الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي جَمِيعِ النُّسُكِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ بِاشْتِرَاكِ كُلِّ سَبْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِي الْحَجِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الِاشْتِرَاكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْأَجْرِ لَا فِي الرَّقَبَةِ، وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُمْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِمُ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّضْحِيَةِ بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنِ الْمُضَحِّي وَأَهْلِهِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَكَرِهَ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَإِذَا اشْتَرَكَ فِيهَا اثْنَانِ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُمَا انْتَهَى مِنْهُ. وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ: حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ. الْفَرْعُ السَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَأَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، بِمَا

стр. 2245

أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ، عِنْدَ مُسْلِمٍ الْمُقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا أَنْ يُقَلِّمَ شَيْئًا مِنْ أَظْفَارِهِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، حَتَّى يُضَحِّيَ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: تَحْرِيمُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهُ ﷺ : «فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يُقَلِّمَنَّ ظُفْرًا» . وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهَا، عَنْهُ ﷺ : «فَلَا يَمَسُّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» وَفِي الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنْ حَلْقِ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ إِلَّا لِصَارِفٍ عَنْهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ: إِنَّ الْحَلْقَ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ; لِأَنَّ الْمُضَحِّيَ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: التَّحْرِيمُ أَظْهَرُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ ﷺ يَقُولُ: «وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» ، وَالتَّحْرِيمُ الْمَذْكُورُ لِظَاهِرِ النَّصِّ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ فِي كِتَابِهِ الرَّقْمِ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَحَكَى الشَّيْخُ الْمَوَّاقُ فِي شَرْحِهِ لِخَلِيلٍ، عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ: تَحْرِيمَ الْحَلْقِ، وَتَقْلِيمَ الْأَظَافِرِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمُرِيدِ التَّضْحِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: بِالتَّحْرِيمِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: هُوَ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ; لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُقَلِّدُهَا بِيَدِهِ» ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَاللِّبَاسُ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ حَلْقُ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. وَأَظْهَرُ شَيْءٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَصْرَحُ وَأَخَصُّهُ فِيهِ: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : مَذْهَبُنَا أَنَّ إِزَالَةَ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ فِي الْعَشْرِ لِمَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ: مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، حَتَّى يُضَحِّيَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُكْرَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَحْمَدُ، وَرَبِيعَةُ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ: يَحْرُمُ، وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَحَكَى عَنْهُ الدَّارِمِيُّ يَحْرُمُ فِي التَّطَوُّعِ، وَلَا يَحْرُمُ فِي الْوَاجِبِ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِلْقَوْلَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ أَخَصَّهُمَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ: وَهُوَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 2246

الْفَرْعُ الثَّامِنُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِجْزَاءِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَاخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، وَظَاهِرُ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ ذُكُورَ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنْ إِنَاثِهَا ; لِتَضْحِيَتِهِ بِالْكَبْشِ دُونَ النَّعْجَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: بِأَفْضَلِيَّةِ الذُّكُورِ مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: بِأَفْضَلِيَّةِ الْإِنَاثِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ فِي غَيْرِ ذَكَرِ الضَّأْنِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي ذَكَرِ الضَّأْنِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ أُنْثَاهُ. الْفَرْعُ التَّاسِعُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْعَ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ مَنْسُوخٌ. فَقَدْ دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، عَلَى أَنَّهُ ﷺ مَنَعَ ادِّخَارَ لَحْمِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَمَنَعَ الْمُضَحِّيَ بِأَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وَصَارَ الْأَكْلُ وَالِادِّخَارُ مِنْهَا مُبَاحًا مُطْلَقًا. وَسَنَذْكُرُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ طَرَفًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَعَلَى نَسْخِهِ وَإِبَاحَةِ ذَلِكَ مُطْلَقًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا الْعَامَ الْمَاضِيَ؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا» ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَرِيبًا مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِنَا بَعْدَ ثَلَاثٍ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَلَا تَأْكُلُوا» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» . وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ» ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ. وَفِي لَفْظٍ: بَعْدَ ثَلَاثٍ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقَدٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ،

стр. 2247

سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبِيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ صُفْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ «، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيُجْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ:» إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا «. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :» أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ فِي مِنًى، فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كُنَّا لَا نُمْسِكُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَزَوَّدَ مِنْهَا، وَنَأْكُلَ يَعْنِي: فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ: كُنَّا نَتَزَوَّدُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، لَا تَأْكُلُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَهُمْ عِيَالًا وَحَشَمًا وَخَدَمًا فَقَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَاحْبِسُوا وَادَّخِرُوا» ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: شَكَّ عَبْدُ الْأَعْلَى. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: «ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِيَّةً، ثُمَّ قَالَ:» يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَهُمْ هَذِهِ «، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ» . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» انْتَهَى مِنْهُ. فَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّابِتَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ فِي مُسْلِمٍ، وَبَعْضُهَا فِي الْبُخَارِيِّ فِيهَا الدَّلَالَةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ أَنَّ تَحْرِيمَ الِادِّخَارِ، وَالْأَكْلِ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، فَوْقَ ثَلَاثٍ: أَنَّهُ

стр. 2248

مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: تَعْلِيلُ ذَلِكَ النَّهْيِ الْمُوَقَّتِ بِمَجِيءِ بَعْضِ الْفُقَرَاءِ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَهُمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ بِالدَّافَّةِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «النِّهَايَةِ» : الدَّافَّةُ الْقَوْمُ يَسِيرُونَ جَمَاعَةً سَيْرًا لَيْسَ بِالشَّدِيدِ. يُقَالُ لَهُمْ: يَدِفُّونَ دَفِيفًا، وَالدَّافَّةُ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَرِدُونَ الْمِصْرَ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ عِنْدَ الْأَضْحَى، فَنَهَاهُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، لِيُفَرِّقُوهَا وَيَتَصَدَّقُوا بِهَا، فَيَنْتَفِعَ أُولَئِكَ الْقَادِمُونَ بِهَا. انْتَهَى مِنَ «النِّهَايَةِ» . تَنْبِيهٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: بِاشْتِرَاطِ انْعِكَاسِ الْعِلَّةِ فِي صِحَّتِهَا ; لِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ: هِيَ وُجُودُ دَافَّةِ فُقَرَاءِ الْبَادِيَةِ، الَّذِينَ دَفُّوا عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا زَالَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ زَالَ الْحُكْمُ مَعَهَا، وَدَوَرَانُ الْحُكْمِ مَعَ عِلَّتِهِ فِي الْعَدَمِ، هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الِاصْطِلَاحِ بِانْعِكَاسِهَا. وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَحَلَّ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ بِعَدَمِ انْعِكَاسِهَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْحُكْمِ وَاحِدَةً، لَا إِنْ كَانَتْ لَهُ عِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلَا يَقْدَحُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِعَدَمِ الْعَكْسِ ; لِأَنَّهُ إِذَا انْعَدَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى، كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، لِنَقْضِ الْوُضُوءِ مَثَلًا. فَإِنَّ الْبَوْلَ يَكُونُ مَعْدُومًا وَعِلَّةُ النَّقْضِ ثَابِتَةٌ بِخُرُوجِ الْغَائِطِ، وَهَكَذَا. وَكَذَلِكَ مَعَ كَوْنِهَا عِلَّةً وَاحِدَةً لَا بُدَّ أَيْضًا فِي الْقَدْحِ فِيهَا، بِعَدَمِ الْعَكْسِ مِنْ عَدَمِ وُرُودِ دَلِيلٍ بِبَقَاءِ الْحُكْمِ مَعَ ذَهَابِ الْعِلَّةِ، فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ، مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا بِعَدَمِ الْعَكْسِ، كَالرَّمَلِ فِي الْأَشْوَاطِ الْأُوَلِ مِنَ الطَّوَافِ، فَإِنَّ عِلَّتَهُ هِيَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَقْوِيَاءُ وَلَمْ تُضْعِفْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. وَهَذِهِ الْعِلَّةُ قَدْ زَالَتْ مَعَ أَنَّ حُكْمَهَا وَهُوَ الرَّمَلُ فِي الْأَشْوَاطِ الْمَذْكُورَةِ بَاقٍ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ عَلَى بَقَائِهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ رَمَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَعْدُومَةٌ قَطْعًا زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ صَاحِبُ «مَرَاقِي السُّعُودِ» فِي مَبْحَثِ الْقَوَادِحِ بِقَوْلِهِ: وَعَدَمُ الْعَكْسِ مَعَ اتِّحَادٍ ... يَقْدَحُ دُونَ النَّصِّ بِالتَّمَادِي الْفَرْعُ الْعَاشِرُ: أَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: هُوَ نَسْخُ الْأَمْرِ بِالْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ، عَنْ عِيَاضٍ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ بِالْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: اسْتِحْبَابُ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ قَالَ: وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ.

стр. 2249

وَالدَّلِيلُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ هُوَ نَسْخُهُمَا: هُوَ ثُبُوتُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ح) ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» ، زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ: أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانَ يَنْتِجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ اهـ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ مِنْ طَرِيقَيْهِ كَمَا تَرَى. وَفِيهِ: تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ لَا فَرَعَ. وَالْعَتِيرَةُ وَالْفَرَعُ بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدُهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، جَاءَ تَفْسِيرُهُ، عَنِ ابْنِ رَافِعٍ كَمَا ذَكَرَهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ فِيمَا رَأَيْتُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ وَآخَرُونَ: الْفَرَعُ هُوَ أَوَّلُ نِتَاجِ الْبَهِيمَةِ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ، وَلَا يَمْلِكُونَهُ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِي الْأُمِّ، وَكَثْرَةِ نَسْلِهَا، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ: هُوَ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ: وَهِيَ طَوَاغِيتُهُمْ. وَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ النِّتَاجِ لِمَنْ بَلَغَتْ إِبِلُهُ مِائَةً يَذْبَحُونَهُ. وَقَالَ شِمْرٌ: قَالَ أَبُو مَالِكٍ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَلَغَتْ إِبِلُهُ مِائَةً قَدَّمَ بِكْرًا فَنَحَرَهُ لِصَنَمِهِ، وَيُسَمُّونَهُ الْفَرَعَ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَأَمَّا الْعَتِيرَةُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ فَهِيَ: ذَبِيحَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ رَجَبٍ، وَيُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا صَرِيحٌ فِي نَسْخِ الْأَمْرِ بِهَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» نَفْيٌ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ، فِيمَا يَظْهَرُ كَقَوْلِهِ: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [٢ \ ١٩٧] ، أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا تَعْمَلُوا عَمَلَ الْجَاهِلِيَّةِ فِي ذَبْحِ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الصِّيغَةَ نَافِيَةٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ مَطْلُوبَانِ شَرْعًا، وَنَسْخُهُمَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَنَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَمَا رَأَيْتَ. وَمَنْ زَعَمَ بَقَاءَ مَشْرُوعِيَّتِهِمَا، وَاسْتِحْبَابَهُمَا فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذَلِكَ، وَسَنَذْكُرُ حَاصِلَهَا بِوَاسِطَةِ نَقْلِ النَّوَوِيِّ ; لِأَنَّهُ جَمَعَهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَقَالَ مِنْهَا: حَدِيثُ نُبَيْشَةَ ﵁ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ، فَقَالَ: «اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ وَأَطْعِمُوا» ، قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُفْرِعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ

стр. 2250

سَائِمَةٍ فَرَعٌ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ فَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ، أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ: السَّائِمَةُ مِائَةٌ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْفَرَعَةِ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ وَاحِدَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ شَاةً شَاةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ صَحِيحٌ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الرَّاوِي: أَرَاهُ عَنْ جَدِّهِ. قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْفَرَعِ، فَقَالَ: «الْفَرَعُ حَقٌّ، وَإِنْ تَرَكُوهُ حَتَّى يَكُونَ بِكْرًا أَوِ ابْنَ مَخَاضٍ أَوِ ابْنَ لَبُونٍ، فَتُعْطِيهِ أَرْمَلَةً أَوْ تَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ وَتَكْفَأَ إِنَاءَكَ وَتُولِهَ نَاقَتَكَ» ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْفَرَعُ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ حِينَ يُولَدُ وَلَا شِبَعَ فِيهِ» ، وَلِذَا قَالَ: «تَذْبَحُهُ، فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ» ، وَفِيهِ أَنَّ ذَهَابَ وَلَدِهَا يَدْفَعُ لَبَنَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: «خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكْفَأَ» يَعْنِي: أَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّكَ كَفَأْتَ إِنَاءَكَ وَأَرَقْتَهُ. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى ذَهَابِ اللَّبَنِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يَفْجَعُهَا بِوَلَدِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: «وَتُولِهَ نَاقَتَكَ» فَأَشَارَ بِتَرْكِهِ، حَتَّى يَكُونَ ابْنَ مَخَاضٍ، وَهُوَ ابْنُ سَنَةٍ، ثُمَّ يَذْهَبُ وَقَدْ طَابَ لَحْمُهُ وَاسْتَمْتَعَ بِلَبَنِ أُمِّهِ، وَلَا تَشُقُّ عَلَيْهَا مُفَارَقَتُهُ ; لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهَا. هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، أَوْ قَالَ: بِمِنًى، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْعَتِيرَةِ؟ فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ عَتَرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ، وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ» ، وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّا كُنَّا نَذْبَحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ذَبَائِحَ فِي رَجَبٍ، فَنَأْكُلُ مِنْهَا، وَنُطْعِمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا بَأْسَ بِذَلِكَ» ، وَعَنْ أَبِي رَمْلَةَ، عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ هَلْ تَدْرِي مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الرَّجَبِيَّةَ» ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفُ الْمَخْرَجِ ; لِأَنَّ أَبَا رَمْلَةَ مَجْهُولٌ، هَذَا مُخْتَصَرُ مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ اهـ كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ مُسْتَوْفًى عَلَى حَدِيثِ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ الْمُقْتَضِي: أَنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ: أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، وَقَدْ عَلِمْتَ حُجَجَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَنَا فِيهِمَا: النَّسْخُ، وَيَتَرَجَّحُ ذَلِكَ بِأُمُورٍ: مِنْهَا أَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ الْمُصَرِّحَ بِذَلِكَ أَصَحُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ.

стр. 2251

وَمِنْهَا أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى النَّسْخِ فِي ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ عِيَاضٍ. وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِهِمَا [لِطَوَاغِيتِهِمَا] ، وَلِلْمُخَالِفِ أَنَّ يَقُولَ فِي هَذَا الْأَخِيرِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَقَرَّبُونَ بِهِمَا لِلَّهِ وَيَتَصَدَّقُونَ بِلُحُومِهِمَا. وَلَمْ نَسْتَقْصِ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ لِقَصْدِ الِاخْتِصَارِ، لِطُولِ الْكَلَامِ فِي مَوْضُوعِ آيَاتِ الْحَجِّ هَذِهِ. الْفَرْعُ الْحَادِي عَشَرَ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَعِيبَةَ لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِهَا، وَلَا تُجْزِئُ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَاكِمُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ، بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي» ، وَالَّتِي لَا تُنْقِي هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا ; لِأَنَّ النِّقْيَ بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ، وَسُكُونِ الْقَافِ الْمُخُّ. فَقَوْلُ الْعَرَبِ: أَنْقَتْ تُنْقِي إِنْقَاءً: إِذَا كَانَ لَهَا مُخٌّ وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الْغَنَوِيِّ يَرْثِي أَخَاهُ: يَبِيتُ النَّدَى يَا أُمَّ عَمْرٍو ضَجِيعَهُ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُنْقِيَاتِ حَلُوبُ وَقَوْلُ الْآخَرِ: وَلَا يَسْرِقُ الْكَلْبُ السَّرُوقُ نِعَالَنَا ... وَلَا يَنْتَقِي الْمُخَّ الَّذِي فِي الْجَمَاجِمِ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «النِّهَايَةِ» : وَالْكَسِيرُ: الَّتِي لَا تُنَقَّى، أَيِ الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا لِضَعْفِهَا وَهُزَالِهَا. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا» أَيْ: عَرَجُهَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَالضَّلَعُ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَاللَّامِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ وَلَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ» . قَالَ الْمَجْدُ فِي «الْمُنْتَقَى» : وَرَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَمُرَادُهُ بِالْخَمْسَةِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ: أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْمُقَابَلَةُ وَالْمُدَابَرَةُ: كِلْتَاهُمَا بِفَتْحِ الْبَاءِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَالْمُقَابَلَةُ: هِيَ الَّتِي قُطِعَ شَيْءٌ مِنْ مُقَدَّمِ أُذُنِهَا وَلَمْ يَنْفَصِلْ، بَلْ بَقِيَ لَاصِقًا بِالْأُذُنِ مُتَدَلِّيًا، وَالْمُدَابَرَةُ: هِيَ الَّتِي قُطِعَ شَيْءٌ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا عَلَى نَحْوِ

стр. 2252

مَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَالْخَرْقَاءُ: الَّتِي فِي أُذُنِهَا خَرْقٌ مُسْتَدِيرٌ، وَالشَّرْقَاءُ: مَشْقُوقُ الْأُذُنِ اهـ. وَضَابِطُ مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ هُوَ مَا يُنْقِصُ اللَّحْمَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعَمْيَاءَ لَا تُجْزِئُ، وَكَذَلِكَ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ. وَاخْتَلَفُوا فِي ذَاهِبَةِ الْقَرْنِ وَمَكْسُورَتِهِ فَمَذْهَبُنَا: أَنَّهَا تُجْزِئُ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَتْ مَكْسُورَةَ الْقَرْنِ، وَهُوَ يَدْمَى لَمْ تُجْزِهِ، وَإِلَّا فَتُجْزِئُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ قَرْنِهَا لَمْ تُجْزِهِ، سَوَاءً دَمِيَتْ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ دُونَ النِّصْفِ أَجْزَأَتْهُ. وَأَمَّا مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، فَمَذْهَبُنَا: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، سَوَاءً قُطِعَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُدُ وَقَالَ أَحْمَدُ: إِنْ قُطِعَ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ لَمْ تُجْزِهِ، وَإِلَّا فَتُجْزِئُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قُطِعَ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ لَمْ تُجْزِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ أُذُنِهَا: أَجْزَأَتْ، وَأَمَّا مَقْطُوعَةُ بَعْضِ الْأَلْيَةِ: فَلَا تُجْزِئُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ: إِنْ بَقِيَ الثُّلُثُ أَجْزَأَتْ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ بَقِيَ أَكْثَرُهَا أَجْزَأَتْ، وَقَالَ دَاوُدُ: تُجْزِئُ بِكُلِّ حَالٍ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَاتٍ أُخَرَ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلَ عَنْهُمْ وَلَمْ نَسْتَقْصِ هُنَا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ بَابَ الْأُضْحِيَّةِ جَاءَ فِي هَذَا الْكِتَابِ اسْتِطْرَادًا، مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي آيَاتِ الْحَجِّ طَالَ كَثِيرًا ; وَلِذَلِكَ اكْتَفَيْنَا هُنَا بِهَذِهِ الْجُمَلِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ الْأَضَاحِيِّ. مَسْأَلَةٌ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْعُمْرَةُ قَرِينَةَ الْحَجِّ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [٢ \ ١٩٦] ، وَقَوْلِهِ: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [٢ \ ١٥٨] ، وَقَوْلِهِ: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [٢ \ ١٩٦] ، أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَ هُنَا حُكْمَ الْعُمْرَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ اسْتِطْرَادًا، وَالْعُمْرَةُ فِي اللُّغَةِ الزِّيَارَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ... مَغْزًى بَعِيدًا مِنْ بَعِيدٍ وَخَبَرْ وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: زِيَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ لِلنُّسُكِ الْمَعْرُوفِ الْمُتَرَكِّبِ مِنْ إِحْرَامٍ، وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا، وَلَا

стр. 2253

يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا وَعَدَمُ إِتْمَامِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. أَمَّا حُكْمُ اسْتِئْنَافِ فِعْلِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْعُمْرِ كَالْحَجِّ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ أَصْلًا، وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمِمَّنْ قَالَ: بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً: الشَّافِعِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِهِ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَطَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَسْرُوقٌ، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْحَضْرَمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُدُ. وَمِمَّنْ قَالَ: بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْعُمْرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ: مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، عَنِ النَّخَعِيِّ قَالَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَتَجِبُ الْعُمْرَةُ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي الْعُمْرَةِ: هَلْ هِيَ فَرْضٌ فِي الْعُمْرِ، أَوْ سُنَّةٌ؟ فَدُونَكَ أَدِلَّتَهُمْ، وَمُنَاقَشَتَهَا بِاخْتِصَارٍ مَعَ بَيَانِ مَا يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ مِنْهَا. أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: الْعُمْرَةُ فَرْضٌ فِي الْعُمْرِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ: مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى وَهُوَ أَنَّهُ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، فَقَالَ:» حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ «، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَمَحَلُّ الدَّلِيلِ مِنْهُ قَوْلُهُ:» وَاعْتَمِرْ «; لِأَنَّهُ صِيغَةُ أَمْرٍ بِالْعُمْرَةِ، مَقْرُونَةٌ بِالْأَمْرِ بِالْحَجِّ، فَأَفَادَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ الْوُجُوبَ كَمَا أَوْضَحْنَا تَوْجِيهَ ذَلِكَ مِرَارًا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ فِي إِيجَابِ الْعُمْرَةِ حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا وَلَا أَصَحَّ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ الْآيَةَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِتْمَامِهَا فِي الْآيَةِ ابْتِدَاءُ فِعْلِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، لَا إِتْمَامُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ،

стр. 2254

وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي الْآيَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهَا: وُجُوبُ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ إِلَى حُكْمِ ابْتِدَاءِ فِعْلِهَا. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى وُجُوبِهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ:» الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ، لَا يَضُرُّكَ أَيَّهُمَا بَدَأْتَ «اهـ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ: مَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثٍ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ:» وَأَنْ تَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ «، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرَوَاهُ الْمَجْدُ فِي» الْمُنْتَقَى «، بِلَفْظٍ قَالَ:» يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ» ، الْحَدِيثَ. وَأَنَّهُ قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» ، ثُمَّ قَالَ الْمَجْدُ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمُخَرَّجِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» . وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى وُجُوبِهَا: مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» ، اهـ. قَالَ الْمَجْدُ فِي «الْمُنْتَقَى» : رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمِنْ أَجْوِبَةِ الْمُخَالِفِينَ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ حَدِيثًا أَجْوَدَ فِي إِيجَابِ الْعُمْرَةِ مِنْهُ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ، الَّذِي فِيهِ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» ، أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: «وَاعْتَمِرْ» ، وَارِدَةٌ بَعْدَ سُؤَالِ أَبِي رَزِينٍ، وَقَدْ قَرَّرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ الْوَارِدَةَ بَعْدَ الْمَنْعِ أَوِ السُّؤَالِ: إِنَّمَا تَقْتَضِي الْجَوَازَ لَا الْوُجُوبَ ; لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَنِ الْجَوَازِ دَلِيلٌ صَارِفٌ عَنِ الْوُجُوبِ إِلَى الْجَوَازِ، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْرُوفٌ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي آيَاتِ الْحَجِّ هَذِهِ، وَأَجَابُوا عَنْ آيَةِ: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا: الْإِتْمَامُ بَعْدَ الشُّرُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» ، الْحَدِيثَ. بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُسْلِمٍ الْمَكِّيَّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ» : ثُمَّ هُوَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ زَيْدٍ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا، عَلَى زَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِسْنَادُهُ أَصَحُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ:

стр. 2255

هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، عَنْ عَطَاءٍ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَ: لَيْسَ بِصَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ، وَأَجَابُوا عَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «وَأَنْ تَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ» ، بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْعُمْرَةِ وَهِيَ أَصَحُّ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ زِيَادَةَ الْعُدُولِ مَقْبُولَةٌ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: هُوَ مَا ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» ، فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَنَصُّ كَلَامِهِ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ وُقُوعَ الْعُمْرَةِ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ: يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، فَيُقَالُ: لَيْسَ كُلُّ أَمْرٍ مِنَ الْإِسْلَامِ وَاجِبًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: حَدِيثُ شُعَبِ الْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى أُمُورٍ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، انْتَهَى مِنْهُ، وَلَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» ، بِأَنَّ لَفْظَةَ: «عَلَيْهِنَّ» : لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الْوُجُوبِ، فَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِإِرَادَةِ الْوُجُوبِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ، لَزِمَ طَلَبُ الدَّلِيلِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ وَقَدْ دَلَّ دَلِيلٌ خَارِجٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ خَارِجٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ. هَذَا هُوَ حَاصِلُ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ، وَمُنَاقَشَةُ مُخَالِفِيهِمْ لَهُمْ. أَمَّا الْقَائِلُونَ: بِأَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ، فَقَدِ احْتَجُّوا أَيْضًا بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْلَى لَكَ» ، وَقَالَ صَاحِبُ «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ» ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَأَبُو صَالِحٍ: لَيْسَ هُوَ ذَكْوَانُ السَّمَّانُ، بَلْ هُوَ: أَبُو صَالِحٍ مَاهَانُ الْحَنَفِيُّ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.

стр. 2256

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ مَشَى إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَحَجَّةٍ، وَمَنْ مَشَى إِلَى صَلَاةِ تَطَوُّعٍ فَأَجْرُهُ كَعُمْرَةٍ» . هَذَا هُوَ حَاصِلُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالُوا: بِأَنَّ الْعُمْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَأَجَابَ مُخَالِفُوهُمْ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ، قَالُوا: أَمَّا حَدِيثُ سُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ، وَأَنَّهُ أَجَابَهُ: بِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَأَنَّهُ إِنِ اعْتَمَرَ تَطَوُّعًا، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَتَصْحِيحُ التِّرْمِذِيِّ لَهُ مَرْدُودٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ: الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى تَضْعِيفِ الْحَجَّاجِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ» : وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَجْلِ الْحَجَّاجِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى تَضْعِيفِهِ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ مُدَلِّسٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَلَّا يُغْتَرَّ بِكَلَامِ التِّرْمِذِيِّ فِي تَصْحِيحِهِ، فَإِنَّهُ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ شَيْءٌ ثَابِتٌ: أَنَّهَا تَطَوُّعٌ. وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْذُوبٌ بَاطِلٌ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ، وَقَالَ كَذَلِكَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ انْتَهَى مِنْهُ. هَذَا هُوَ حَاصِلُ حُجَجِ مَنْ قَالُوا: إِنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ: فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» ، بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْأَحَادِيثَ، الَّتِي ذَكَرْنَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُحْتَجٌّ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ مَشَى إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَحَجَّةٍ، وَمَنْ مَشَى إِلَى صَلَاةٍ غَيْرِ مَكْتُوبَةٍ، فَأَجْرُهُ كَعُمْرَةٍ» ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقُّ عَدَمُ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ، لَا يُنْتَقَلُ عَنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَثْبُتُ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَلَا دَلِيلَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، لَا سِيَّمَا مَعَ اعْتِضَادِهِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ: بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ اقْتِصَارُهُ ﷺ عَلَى الْحَجِّ فِي حَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ، وَاقْتِصَارُ اللَّهِ ﷻ عَلَى الْحَجِّ فِي قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [٣ \ ٩٧] ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَا احْتَجَّ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ رَأَيْتُ الشَّوْكَانِيَّ

стр. 2257

رَجَّحَ عَدَمَ الْوُجُوبِ بِمُوَافَقَتِهِ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ بِمُقْتَضَى الصِّنَاعَةِ الْأُصُولِيَّةِ: تَرْجِيحُ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ عَلَى أَدِلَّةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأُصُولِ يُرَجِّحُونَ الْخَبَرَ النَّاقِلَ عَنِ الْأَصْلِ: عَلَى الْخَبَرِ الْمُبْقِي عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ «مَرَاقِي السُّعُودِ» ، فِي مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ الْمَدْلُولِ: وَنَاقِلٌ وَمُثْبِتٌ وَالْآمِرُ بَعْدَ النَّوَاهِي ثُمَّ هَذَا الْآخَرُ عَلَى إِبَاحَةِ. . . إِلَخْ. لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَنَاقِلٌ» أَنَّ الْخَبَرَ النَّاقِلَ عَنِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَبَرِ الْمُبْقِي عَلَيْهَا. وَعَزَاهُ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى: «نَشْرُ الْبُنُودِ لِلْجُمْهُورِ» ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ. الثَّانِي أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: رَجَّحُوا الْخَبَرَ الدَّالَّ عَلَى الْوُجُوبِ، عَلَى الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: هُوَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ «مَرَاقِي السُّعُودِ» ، الْمَذْكُورِ آنِفًا: ثُمَّ هَذَا الْآخَرُ. . . . عَلَى إِبَاحَةِ إِلَخْ ; لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْآخَرِ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ: هُوَ الْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى الْأَمْرِ، فَالْأَوَّلُ الدَّالُّ عَلَى النَّهْيِ ; لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ، مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، ثُمَّ الدَّالُّ عَلَى الْأَمْرِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ، ثُمَّ الدَّالُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَيَشْمَلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَسْنُونَ وَالْمَنْدُوبُ ; لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي عَدَمِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ. الثَّالِثُ: أَنَّكَ إِنْ عَمِلْتَ بِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا فَأَدَّيْتَهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، وَلَوْ مَشَيْتَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَلَمْ تُؤَدِّهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ بَقِيتَ مُطَالَبًا بِوَاجِبٍ عَلَى قَوْلِ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» ، وَيَقُولُ: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» ، وَهَذَا الْمُرَجَّحُ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا قَبْلَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ جَمِيعَ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْعُمْرَةِ إِلَّا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. فَلَا تَنْبَغِي الْعُمْرَةُ فِيهَا حَتَّى تَغْرُبَ شَمْسُ الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ، عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

стр. 2258

الْفَرْعُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ «عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ: «حَجَّةً مَعِي» . الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي رَجَبٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَطْعًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، إِلَّا أَرْبَعَ عُمَرٍ. الْأُولَى: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، مِنْ عَامِ سِتٍّ، وَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَحَلَّ وَنَحَرَ مِنْ غَيْرِ طَوَافٍ وَلَا سَعْيٍ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. الثَّانِيَةُ: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، عَامَ سَبْعٍ: وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» وَجْهَ تَسْمِيَتِهَا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَأَوْضَحْنَاهُ. الثَّالِثَةُ: عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ عَامِ ثَمَانٍ، بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ عَامَ ثَمَانٍ. الرَّابِعَةُ: الْعُمْرَةُ الَّتِي قَرَنَهَا، مَعَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ وَلْنَكْتَفِ هُنَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّ غَالِبَ أَحْكَامِهَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِنَا عَلَى مَسَائِلِ الْحَجِّ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [٢٢ \ ٢٩] . صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِيفَاءِ بِالنَّذْرِ، كَمَا قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، عَلَى الْأَصَحِّ، إِلَّا لِدَلِيلٍ صَارِفٍ عَنْهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى لُزُومِ الْإِيفَاءِ بِالنَّذْرِ: أَنَّهُ تَعَالَى أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ هُوَ، وَالْخَوْفُ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ أَسْبَابِ الشُّرْبِ مِنَ الْكَأْسِ الْمَمْزُوجَةِ بِالْكَافُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [٧٦ \ ٥ - ٦] ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى بَعْضِ أَسْبَابِ ذَلِكَ، فَقَالَ: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [٧٦ \ ٧] ، فَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ مَمْدُوحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ آيَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي وُجُوبِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ الْآيَةَ [٢ \ ٢٧٠] . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ الْبَيَانَ بِالْقُرْآنِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَافِيًا بِالْمَقْصُودِ أَتْمَمْنَاهُ بِالْبَيَانِ بِالسُّنَّةِ. وَلِذَلِكَ سَنُبَيِّنُ هُنَا مَا تَقْتَضِيهِ السُّنَّةُ مِنَ النَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الْإِيفَاءُ بِهِ، وَالَّذِي لَا يَجِبُ الْإِيفَاءُ بِهِ. اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْأَمْرَ الْمَنْذُورَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ حَالَتَانِ: الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ فِيهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ.

стр. 2259

وَالثَّانِيَةُ: أَلَّا يَكُونَ فِيهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ مُنْقَسِمٌ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ. وَالثَّانِي: مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ فِي ذَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الطَّاعَةِ كَالْمُبَاحِ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. وَالَّذِي يَجِبُ اعْتِمَادُهُ بِالدَّلِيلِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْمَنْذُورَ إِنْ كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ، وَجَبَ الْإِيفَاءُ بِهِ، سَوَاءً كَانَ فِي نَدْبٍ كَالَّذِي يَنْذُرُ صَدَقَةً بِدَرَاهِمَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ يَنْذُرُ ذَبْحَ هَدْيٍ تَطَوُّعًا أَوْ صَوْمَ أَيَّامٍ تَطَوُّعًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ، يَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ إِنْ تَعَلَّقَ النَّذْرُ بِوَصْفٍ، كَالَّذِي يَنْذُرُ أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيفَاءُ بِذَلِكَ. أَمَّا لَوْ نَذَرَ الْوَاجِبَ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، فَلَا أَثَرَ لِنَذْرِهِ ; لَأَنَّ إِيجَابَ اللَّهِ لِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ إِيجَابِهِ بِالنَّذْرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ مَعْصِيَةً لِلَّهِ: فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَا نَهْيَ فِيهِ، وَلَا أَمْرَ فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ. أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِيفَاءِ فِي نَذْرِ الطَّاعَةِ وَعَلَى مَنْعِهِ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ الْإِيفَاءِ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ، وَمَنْعِ الْإِيفَاءِ بِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ الْمَذْكُورَيْنِ آنِفًا. وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ، قَدْ دَلَّ عَلَى لُزُومِ الْإِيفَاءِ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ، وَمَنْعِهِ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ. فَاعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى عَدَمِ الْإِيفَاءِ بِنَذْرِ الْأَمْرِ الْجَائِزِ: هُوَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذْ هُوَ بَرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ،

стр. 2260

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ نَذْرِهِ مِنْ جِنْسِ الطَّاعَةِ، وَهُوَ الصَّوْمُ أَمَرَهُ ﷺ بِإِتْمَامِهِ، وَفَاءً بِنَذْرِهِ وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرِهِ مُبَاحًا لَا طَاعَةً، كَتَرْكِ الْكَلَامِ، وَتَرْكِ الْقُعُودِ، وَتَرْكِ الِاسْتِظْلَالِ، أَمَرَهُ بِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّا لَمْ نَذْكُرْ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُنَا لِلِاخْتِصَارِ، وَلِوُجُودِ الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا نَذْرَ لِشَخْصٍ فِي التَّقَرُّبِ بِشَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَفِيهِ مَا نَصُّهُ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ، فَأَتَتِ الْإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ وَنَذَرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا، فَأَعْجَزَتْهُمْ قَالَ: وَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، رَآهَا النَّاسُ فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، بِئْسَمَا جَزَتْهَا نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» ، الْحَدِيثَ. وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : «وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» ، وَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» اهـ. قَالَ الْحَافِظُ فِي «بُلُوغِ الْمَرَامِ» : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرَدْمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ.

стр. 2261

الْفَرْعُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، هَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؟ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ: هُوَ حَدِيثُ نَذْرِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ لَا يَقْعُدُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَسْتَظِلُّ، وَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ آنِفًا: أَنَّهُ لَا يَفِي بِهَذَا النَّذْرِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» ، مُوَضَّحًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ قَالَ فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ: هَذِهِ أَوْضَحُ الْحُجَجِ لِلْجُمْهُورِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، عَلَى مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً، أَوْ مَا لَا طَاعَةَ فِيهِ. فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَمَّا ذَكَرَهُ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّذْرَ الَّذِي لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فِي صَحِيحِهِ: وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ يُونُسَ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» اهـ، وَظَاهِرُهُ شُمُولُهُ لِلنَّذْرِ الَّذِي لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ مُسْلِمٍ» : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهِ، فَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إِنْسَانٌ يُرِيدُ الِامْتِنَاعَ مِنْ كَلَامِ زِيدٍ مَثَلًا: إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا مَثَلًا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ، أَوْ غَيْرُهَا، فَيُكَلِّمُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَبَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَكَثِيرُونَ أَوِ الْأَكْثَرُونَ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ، وَحَمَلَهُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ، وَقَالُوا: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْمَنْذُورَاتِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ، وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَلَا يَخْفَى بَعْدَ الْقَوْلِ الْأَخِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، فَهُوَ أَمْرٌ جَازِمٌ مَانِعٌ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِيفَاءِ بِهِ، وَبَيْنَ شَيْءٍ آخَرَ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا مُطْلَقًا كَأَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرٌ، أَنَّهُ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي الْحَدِيثَيْنِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: النَّذْرُ

стр. 2262

الْمُطْلَقُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ صَاحِبُهُ مَا نَذَرَهُ بَلْ أَطْلَقَهُ، وَالْبَيَانُ يَجُوزُ بِكُلِّ مَا يَزِيدُ الْإِيهَامَ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَرَّمَ شُرْبَ الْعَسَلِ عَلَى نَفْسِهِ فِي قِصَّةِ مُمَالَأَةِ أَزْوَاجِهِ عَلَيْهِ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [٦٦ \ ١] ، قَالَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [٦٦ \ ٢] ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى لُزُومِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: بِلُزُومِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَرَّمَ جَارِيَتَهُ، وَالْأَقْوَالُ فِيمَنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ، أَوْ جَارِيَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَغَيْرُ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَا يَحْرُمُ بِالتَّحْرِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْخِلَافُ فِي لُزُومِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَعَدَمِ لُزُومِهَا، وَظَاهِرُ الْآيَةِ لُزُومُهَا، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: لَا يَلْزَمُ فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، أَمَّا تَحْرِيمُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، فَفِيهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا مَعْرُوفَةً فِي مَحَلِّهَا، وَأَجْرَاهَا عَلَى الْقِيَاسِ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ لُزُومُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهُوَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حَرَامٌ، وَالظِّهَارُ نَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، عَلَى أَنَّ فِيهِ كَفَّارَتَهُ الْمَنْصُوصَةَ فِي سُورَةِ «الْمُجَادَلَةِ» . أَمَّا نَذْرُ اللَّجَاجِ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ، بِأَنَّ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَالْمُرَادُ بِنَذْرِ اللَّجَاجِ: النَّذْرُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَمْرٍ لَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، بِأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِهِ شَيْئًا، أَوْ يَحُثَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ صَدَقَةُ مَالِي أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، فَهَذَا يَمِينٌ حُكْمُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَحْنَثَ فَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الْمَنْذُورِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَيُسَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ، وَالْغَضَبِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا شَيْءَ فِي الْحَلِفِ بِالْحَجِّ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَالْحَكَمِ: لَا شَيْءَ فِي الْحَلِفِ بِصَدَقَةِ مَالِهِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ، وَهَذَا مَا حَلَفَ بِاسْمِ اللَّهِ وَلَا يَجِبُ مَا سَمَّاهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ عَلَى طَرِيقِ

стр. 2263

الْعُقُوبَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ ; لِأَنَّهُ نَذْرٌ فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَنَذْرِ الْبِرِّ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَلَنَا مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْجَوْزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجِمِ. وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ وَالْهَدْيِ، أَوْ جَعَلَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي الْمَسَاكِينِ، أَوْ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ الْكَفَّارَةُ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ «الْمُغْنِي» ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ، فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكِ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَكَلِّمْ أَخَاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ» ، اهـ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْ عُمَرَ. قَالَهُ بَعْضُهُمْ: وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِ سَعِيدٍ مِنْ عُمَرَ، وَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ نَقْبَلْ سَعِيدًا، عَنْ عُمَرَ، فَمَنْ يُقْبَلُ. وَالظَّاهِرُ سَمَاعُهُ مِنْ عُمَرَ كَمَا صَدَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَاحِبُ «تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ» ، وَعَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، وَحَدِيثُ سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ: إِمَّا مُتَّصِلٌ، وَإِمَّا مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : وَلَكِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ مَالَهُ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ إِنْ كَلَّمَ ذَا قَرَابَةٍ. فَقَالَتْ: يُكَفِّرُ عَنِ الْيَمِينِ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ اهـ. وَلَفْظُ مَالِكٍ فِي «الْمُوَطَّأِ» : فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ، وَلَيْسَ فِي «الْمُوَطَّأِ» أَنَّ فَتْوَاهَا هَذِهِ فِي نَذْرِ لَجَاجٍ بَلِ الَّذِي فِيهِ: أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ بَابُهَا وَهُوَ بِرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ فَجِيمٌ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ: حَاصِلُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي لِمَا ذَكَرْنَا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا شَيْءَ فِيهِ. وَأَمَّا نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا خِلَافَ فِي

стр. 2264

أَنَّهُ حَرَامٌ، وَأَنَّ الْوَفَاءَ بِهِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: فِيهِ الْكَفَّارَةُ. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ بِأَنَّهُ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» ، وَنَفْيُ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ أَثَرِهِ، فَإِذَا انْتَفَى النَّذْرُ مِنْ أَصْلِهِ انْتَفَتْ كَفَّارَتُهُ ; لِأَنَّ التَّابِعَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْمَتْبُوعِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الصِّيغَةَ فِي قَوْلِهِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» ، خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْإِنْشَاءُ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، فَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَإِذَا فَسَدَ الْمَنْذُورُ بِالنَّهْيِ بَطَلَ مَعَهُ تَأْثِيرُهُ فِي الْكَفَّارَةِ. قَالُوا: وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الْكَفَّارَةِ. قَالُوا: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِأَنَّهُ: «لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» . قَالَ الْمَجْدُ فِي «الْمُنْتَقَى» : رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: «إِنَّمَا النَّذْرُ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وَفِي إِسْنَادِهِ مُنَاقَشَاتٌ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةَ كَفَّارَةً بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ. مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، قَالَ الْمَجْدُ فِي «الْمُنْتَقَى» : رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْخَمْسَةِ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ قَالَ: ثَنَا وَهْبٌ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمَعْنَاهُ. وَإِسْنَادُهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ شَبُّوَيْهِ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَعْنِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَ أَبُو سَلَمَةَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: أَفْسَدُوا عَلَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، قِيلَ لَهُ: وَصَحَّ إِفْسَادُهُ عِنْدَكَ، وَهَلْ رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ؟ قَالَ: أَيُّوبُ كَانَ أَمْثَلَ مِنْهُ، يَعْنِي: أَيُّوبَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوبُ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ

стр. 2265

أَرْقَمَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ: إِنَّمَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَرَادَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ وَهِمَ فِيهِ، وَحَمَلَهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى بَقِيَّةُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِإِسْنَادِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ مِثْلَهُ اهـ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِهِ. وَفِيهِ سُوءُ ظَنٍّ كَثِيرٌ بِالزُّهْرِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ وَاسِطَتَيْنِ: وَهُمَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَكَذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ، لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَمِمَّا يُقَوِّي سُوءَ الظَّنِّ الْمَذْكُورَ بِالزُّهْرِيِّ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ الَّذِي حَذَفَهُ مِنَ الْإِسْنَادِ مَتْرُوكٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، فَحَذْفُ الْمَتْرُوكِ. وَرِوَايَةُ حَدِيثِهِ عَمَّنْ فَوْقَهُ مِنَ الْعُدُولِ مِنْ تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ، وَهُوَ شَرُّ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ وَأَقْبَحُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّدْلِيسِ قَادِحٌ فِيمَنْ تَعَمَّدَهُ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَنَّ الثَّوْرِيَّ وَالْأَعْمَشَ كَانَا يَفْعَلَانِ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّدْلِيسِ مُجَابٌ عَنْهُ بِأَنَّهُمَا لَا يُدَلِّسَانِ إِلَّا عَمَّنْ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَهُمَا. وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عِنْدَ غَيْرِهِمَا. وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِسُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ مَعَ اتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ عَلَى عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لُزُومَ الْكَفَّارَةِ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، جَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ، لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ كَلَامٍ. وَقَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الرَّوْضَةِ» : حَدِيثُ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ. قَالَ الْحَافِظُ: قُلْتُ: قَدْ صَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، فَأَيْنَ الِاتِّفَاقُ. انْتَهَى مِنْهُ. وَقَدْ تَرَكْنَا تَتَبُّعَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَمُنَاقَشَتَهَا اخْتِصَارًا. وَالْأَحْوَطُ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ. فَمَنْ أَخْرَجَ كَفَّارَةً عَنْ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ، وَمَنْ لَمْ يُخْرِجْهَا بَقِيَ مُطَالَبًا بِهَا عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ شَيْئًا مِنَ الطَّاعَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِعَجْزِهِ عَنْهُ.

стр. 2266

وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، فَلَوْ نَذَرَ مَثَلًا أَنْ يَحُجَّ، أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا عَلَى رِجْلَيْهِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْمَشْيِ: جَازِ لَهُ الرُّكُوبُ لِعَجْزِهِ عَنِ الْمَشْيِ، وَإِنْ قَدِرَ عَلَى الْمَشْيِ: لَزِمَهُ. وَفِي حَالَةِ رُكُوبِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَلْزَمُهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَاجِزٌ، وَاللَّهُ يَقُولُ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [٢ \ ٢٨٦] ، فَقَدْ عَجَزَ عَمَّا نَذَرَ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ غَيْرُ مَا نَذَرَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ هَدْيٌ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي ": وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ". وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَشْيُ إِلَّا فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَشْيَ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ: هُوَ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِذَا أَطْلَقَ النَّاذِرُ حَمَلَ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ. وَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِيهِ لِنَذْرِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ رَكِبَ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَأَفْتَى بِهِ عَطَاءٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ، وَتَهْدِيَ هَدْيًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ; وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْإِحْرَامِ فَلَزِمَهُ هَدْيٌ، كَتَارِكِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَا: يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ، بَلْ وَيَرْكَبُ مَا مَشَى، وَيَمْشِي مَا رَكِبَ وَنَحْوَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَادَ، فَقَالَ: وَيَهْدِي، وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَالثَّانِيَةُ: كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ هَدْيٌ سَوَاءً عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، أَوْ قَدِرَ عَلَيْهِ. وَأَقَلُّ الْهَدْيِ: شَاةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ كَفَّارَةٌ بِحَالٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ مَشْيًا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ شَيْءٌ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ " الْمُغْنِي ". وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ شَيْئًا، وَعَجَزَ عَنْهُ، فَهَذِهِ أَدِلَّةُ أَقْوَالِهِمْ نَقَلْنَاهَا مُلَخَّصَةً بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْمَجْدِ فِي " الْمُنْتَقَى " ; لِأَنَّهُ جَمَعَهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ. أَمَّا مَنْ قَالَ: تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَدِ احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ

стр. 2267

عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " اهـ. قَالَ الْحَافِظُ فِي " بُلُوغِ الْمَرَامِ ": فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ، اهـ. كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. وَمِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكِ شَيْئًا ; لِتَخْرُجْ رَاكِبَةً وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ فِي " نَيْلِ الْأَوْطَارِ ": فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْفِيرِ عَنِ الْيَمِينِ: هُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ الْمَعْرُوفَةُ، وَلَقَدْ صَدَقَ الشَّوْكَانِيُّ فِي أَنَّ رِجَالَ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورِ رِجَالُ الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِمَتْنِهِ، فَطَبَقَةُ إِسْنَادِهِ الْأُولَى حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، وَهُوَ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ الَّذِي أَكْثَرَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنَ الْإِخْرَاجِ لَهُ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ، وَطَبَقَتُهُ الثَّانِيَةُ: أَبُو النَّضْرِ، وَهُوَ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مِقْسَمٍ اللِّيثِيُّ الْبَغْدَادِيُّ خُرَاسَانِيُّ الْأَصْلِ، وَلَقَبُهُ قَيْصَرُ، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، أَخْرَجَ لَهُ الْجَمِيعُ. وَطَبَقَتُهُ الثَّالِثَةُ هِيَ: شَرِيكٌ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَرِيكٍ النَّخَعِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي. أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ فِي " تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ " أَنَّ مُسْلِمًا إِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَكَلَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ كَثِيرٌ بَيْنَ مُثْنٍ وَذَاكِرٍ غَيْرَ ذَلِكَ، وَطَبَقَتُهُ الرَّابِعَةُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَطَبَقَتُهُ الْخَامِسَةُ: كُرَيْبُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْهَاشِمِيُّ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ثِقَةٌ، وَأَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُ الْجَمِيعُ. هَذَا هُوَ حَاصِلُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ عَلَى مَنْ نَذَرَ نَذْرًا، وَلَمْ يُطِقْهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَةً، غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ "، اهـ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْمَجْدِ فِي " الْمُنْتَقَى ". قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَسَّنَهُ

стр. 2268

التِّرْمِذِيُّ وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي دَاوُدَ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدِهِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ تَزْكِيَتَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. فَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَقَالَ: " مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ". حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، مَوْلًى لِبَنِي ضَمْرَةَ، وَكَانَ أَيَّمَا رَجُلٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيَّ، أَخْبَرَهُ بِإِسْنَادِ يَحْيَى، وَمَعْنَاهُ، اهـ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، فَكِتَابَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فِي ابْنِ زَحْرٍ الْمَذْكُورِ. وَكَانَ أَيَّمَا رَجُلٍ فِيهِ أَعْظَمُ تَزْكِيَةٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُمْ فَكَانَ أَيَّمَا رَجُلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَفَاضِلِ الرِّجَالِ وَالتَّفْضِيلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِنَّمَا هُوَ فِي الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ، كَمَا تَرَى وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ الرَّاعِي: فَأَوْمَأْتُ إِيمَاءً خَفِيًّا لِحَبْتَرٍ ... فَلِلَّهِ عَيْنَا حَبْتَرٍ أَيِّمَا فَتًى وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّقْرِيبِ "، فِي ابْنِ زَحْرٍ الْمَذْكُورِ: صَدُوقٌ يُخْطِئُ، وَكَلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْهُمُ: الْمُثْنِي، وَمِنْهُمُ الْقَادِحُ. وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ إِنَّ عَلَيْهِ بَدَنَةً: هِيَ مَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ وَشَكَا إِلَيْهِ ضَعْفَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ نَذْرِ أُخْتِكَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ: قَالَ الْحَافِظُ فِي " التَّلْخِيصِ ": إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا هِيَ: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، ثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتَهْدِيَ هَدْيًا. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي

стр. 2269

هَذَا الْحَدِيثِ: سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَلُزُومُ الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فِي " الْمُوَطَّأِ " وَفَسَّرَ الْهَدْيَ: بِبَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ شَاةٍ، إِنْ لَمْ تَجِدْ غَيْرَهَا. هَذَا هُوَ حَاصِلُ أَدِلَّةِ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ: فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ شَيْئًا، وَعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِ. وَالْقَوْلُ بِالْهَدْيِ وَالْقَوْلُ بِالْبَدَنَةِ، يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْبَدَنَةَ هَدْيٌ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَ النَّاسِ فِي أَسَانِيدِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَحْوَطُهَا فِيمَنْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، الَّذِي نَذَرَهُ فِي الْحَجِّ: الْبَدَنَةُ ; لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَبْعَدِ، أَنْ تَلْزَمَ الْبَدَنَةُ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ ; لِأَنَّ كُلَّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِنَفْيِ إِجْزَاءِ شَيْءٍ آخَرَ. فَحَدِيثُ لُزُومِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إِجْزَاءِ الْبَدَنَةِ، وَحَدِيثُ الْهَدْيِ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إِجْزَاءِ الصَّوْمِ مَثَلًا وَهَكَذَا. وَقَدْ عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ كَلَامٍ. وَظَاهِرُ النُّصُوصِ الْعَامَّةِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [٢ \ ٢٨٦] ، وَيَقُولُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [٦٤ \ ١٦] ، وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَرَأَ: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا الْآيَةَ [٢ \ ٢٨٦] قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْتُ ". وَفِي رِوَايَةٍ: نَعَمْ، وَيَدْخُلُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. الْآيَةَ [٢ \ ٢٨٦] . الْفَرْعُ الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ الْإِقْدَامِ عَلَى النَّذْرِ، مَعَ تَعْرِيفِهِ لُغَةً وَشَرْعًا. اعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يَنْبَغِي، وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، إِنْ كَانَ قُرْبَةً كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ ". وَفِي الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ فَقَالَ: " إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا يَأْتِي ابْنُ آدَمَ النَّذْرَ بِشَيْءٍ لَمْ أَكُنْ قَدَرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ ; فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ

стр. 2270

قَبْلُ "، اهـ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ وَيَقُولُ: " إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ ". وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: " إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا تَنْذُرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: " إِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنَ الْقَدَرِ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنَّ النَّذْرَ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ "، انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: فِيهِ الدَّلَالَةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ. وَفِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى الَّذِينَ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [٧٦ \ ٥ - ٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [٢ \ ٢٧] ، وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ الْآيَةَ [٢٢ \ ٢٩] وَكَقَوْلِهِ ﷺ : " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ "، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ ذَمِّ الَّذِينَ لَمْ يُوفُوا بِنُذُورِهِمْ.

стр. 2271

قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ: " ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ "، اهـ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي إِثْمِ الَّذِينَ لَا يُوفُونَ بِنَذْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَالَّذِينِ يَخُونُونَ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ هَذَا: فِيهِ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَهُوَ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ النَّذْرِ مَنْهِيًّا عَنْهُ: كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْإِقْدَامِ عَلَى النَّذْرِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى جَوَازِ نَذْرِ الْمَنْدُوبَاتِ إِلَّا الَّذِي يَتَكَرَّرُ دَائِمًا كَصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ. وَنُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُمُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى الْخِلَافِ عَنْهُمْ، وَالْجَزْمِ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ. وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِالْكَرَاهَةِ، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ فِي أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّتِهَا، وَكَرَاهَتُهُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. اهـ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ حَجَرٍ فِي " الْفَتْحِ ". وَجَزَمَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الظَّاهِرُ لِي فِي طَرِيقِ إِزَالَةِ هَذَا الْإِشْكَالِ، الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ أَنَّ نَذْرَ الْقُرْبَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ. أَحَدُهُمَا: مُعَلَّقٌ عَلَى حُصُولِ نَفْعٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَعَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرُ كَذَا، أَوْ إِنْ نَجَّانِيَ اللَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الْفُلَانِيِّ الْمَخُوفِ، فَعَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرُ كَذَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلَى نَفْعٍ لِلنَّاذِرِ، كَأَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَقَرُّبًا خَالِصًا بِنَذْرِ كَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ، وَأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ النَّذْرَ فِيهِ لَمْ يَقَعْ خَالِصًا لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، بَلْ بِشَرْطِ حُصُولِ نَفْعٍ لِلنَّاذِرِ وَذَلِكَ النَّفْعُ الَّذِي يُحَاوِلُهُ النَّاذِرُ هُوَ الَّذِي دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ الْقَدَرَ فِيهِ غَالِبٌ عَلَى النَّذْرِ وَأَنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ نَذْرُ الْقُرْبَةِ الْخَالِصُ مِنِ اشْتِرَاطِ النَّفْعِ فِي النَّذْرِ، فَهُوَ الَّذِي فِيهِ

стр. 2272

التَّرْغِيبُ وَالثَّنَاءُ عَلَى الْمُوفِينَ بِهِ الْمُقْتَضِي أَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الطَّيِّبَةِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ قَالَتْ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ نَفْسَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ فِيهَا قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ، دَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا تَكَرَّرَ فِيهَا مِنْ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ، وَلَا يُقَدِّمُ شَيْئًا، وَلَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَكَوْنُهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ النَّاذِرَ أَرَادَ بِالنَّذْرِ جَلْبَ نَفْعٍ عَاجِلٍ، أَوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَاجِلٍ فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ مَا قَضَى اللَّهُ بِهِ فِي ذَلِكَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّ نَذْرَ النَّاذِرِ لَا يَرُدُّ شَيْئًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ إِنْ قَدَّرَ اللَّهُ مَا كَانَ يُرِيدُهُ النَّاذِرُ بِنَذْرِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ الشَّيْءَ الَّذِي نَذَرَ وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا كَمَا ذَكَرْنَا. الثَّانِي أَنَّ الْجَمْعَ وَاجِبٌ إِذَا أَمْكَنَ وَهَذَا جَمْعٌ مُمْكِنٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاضِحٌ تَنْتَظِمُ بِهِ الْأَدِلَّةُ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهَا خِلَافٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّاذِرَ الْجَاهِلَ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ النَّذْرَ قَدْ يَرُدُّ عَنْهُ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي حَلِّ هَذَا الْإِشْكَالِ. وَقَدْ قَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ النَّذْرَ الْمُعَلَّقَ كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ نَجَّانِي مِنْ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرُ كَذَا، قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْقُرْبَةِ، فَكَيْفَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّصَّ الصَّحِيحَ دَلَّ عَلَى هَذَا، فَدَلَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ أَوَّلًا، كَمَا ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَدَلَّ عَلَى لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ، فَقَوْلُهُ ﷺ : " وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ " نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْبَخِيلَ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ مَا نَذَرَ إِخْرَاجَهُ، وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ أَوَّلًا، وَلَا غَرَابَةَ فِي هَذَا ; لِأَنَّ الْوَاحِدَ بِالشَّخْصِ قَدْ يَكُونُ لَهُ جِهَتَانِ. فَالنَّذْرُ الْمَنْذُورُ لَهُ جِهَةٌ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مِنْ أَجْلِهَا ابْتِدَاءً، وَهِيَ شَرْطُ حُصُولِ النَّفْعِ فِيهِ، وَلَهُ جِهَةٌ أُخْرَى هُوَ قُرْبَةٌ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَهُوَ إِخْرَاجُ الْمَنْذُورِ تَقَرُّبًا لِلَّهِ وَصَرْفُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّذْرَ فِي اللُّغَةِ النَّحْبُ وَهُوَ مَا يَجْعَلُهُ الْإِنْسَانُ نَحْبًا وَاجِبًا عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

стр. 2273

أَلَا تَسْأَلَانِ الْمَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلَالٌ وَبَاطِلُ وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إِلْزَامُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهَا، فَيَجْعَلُهُ وَاجِبًا عَلَيْهَا وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: الْتِزَامُ الْمُكَلَّفِ قُرْبَةً لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " النِّهَايَةِ ": يُقَالُ: نَذَرْتُ أَنْذِرُ وَأَنْذُرُ نَذْرًا إِذَا أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي شَيْئًا تَبَرُّعًا مِنْ عِبَادَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي أَحَادِيثِهِ ذِكْرُ النَّهْيِ عَنْهُ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِهِ وَتَحْذِيرٌ عَنِ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ عَنْهُ حَتَّى لَا يُفْعَلَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ حُكْمِهِ، وَإِسْقَاطُ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذْ كَانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً. فَلَا يَلْزَمُ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجُرُّ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا، وَلَا يَصْرِفْ عَنْهُمْ ضُرًّا، وَلَا يَرُدُّ قَضَاءً. فَقَالَ: لَا تَنْذُرُوا عَلَى أَنَّكُمْ قَدْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ، أَوْ تَصْرِفُونَ بِهِ عَنْكُمْ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا نَذَرْتُمْ وَلَمْ تَعْتَقِدُوا هَذَا فَأَخْرِجُوا عَنْهُ بِالْوَفَاءِ، فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمُ، اهـ الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْأَثِيرِ. وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَرْجَحَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْجَمْعِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمَالِكِيَّةِ لِلنَّذْرِ شَرْعًا: بِأَنَّهُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، وَلَوْ غَضْبَانَ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ فِي النَّذْرِ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مَا نَذَرَهُ الْكَافِرُ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ قَدْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَغْوًا غَيْرَ مُنْعَقِدٍ، لَمَا كَانَ لَهُ أَثَرٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ: " أَوْفِ بِنَذْرِكَ "، انْتَهَى مِنْهُ. فَقَوْلُهُ ﷺ لِعُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " أَوْفِ بِنَذْرِكَ " مَعَ أَنَّهُ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ كَمَا تَرَى، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا أَوَّلَهُ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَعْرِيفِ النَّذْرِ، وَلَوْ غَضْبَانَ لَا يَخْفَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُخْتَلِفُونَ فِي نَذْرِ الْغَضْبَانِ، هَلْ يُلْزَمُ فِيهِ مَا نَذَرَ أَوْ هُوَ مِنْ نَوْعِ اللَّجَاجِ تَلْزَمُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَمَا أَوْضَحْنَا حُكْمَهُ سَابِقًا. الْفَرْعُ الْخَامِسُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ تَقَرُّبًا لِلَّهِ فِي مَحَلٍّ

стр. 2274

مُعَيَّنٍ، فَلَا بَأْسَ بِإِيفَائِهِ بِنَذْرِهِ، بِأَنْ يَنْحَرَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُعَيَّنِ، إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ بِهِ وَثَنٌ يُعْبَدُ، أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ فِيهِ وَثَنًا يُعْبَدُ، أَوْ عِيدًا مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِيهِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثْنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ، قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: " هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ " انْتَهَى مِنْهُ. وَفِيهِ الدَّلَالَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى أَنَّ النَّحْرَ بِمَوْضِعٍ كَانَ فِيهِ وَثَنٌ يُعْبَدُ أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِسْنَادُ الْحَدِيثِ صَحِيحٌ. الْفَرْعُ السَّادِسُ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ أَنَّهُ يُقْضَى عَنْهُ، وَسَنَقْتَصِرُ هُنَا عَلَى قَلِيلٍ مِنْهَا اخْتِصَارًا لِصِحَّتِهِ، وَثُبُوتِهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ» اهـ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ الْحَجِّ، أَنَّهُ يُقْضَى عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ. تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ أَفْتَيَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يُصَلِّ مَا نَذَرَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ، وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ فَقَالَ: صَلِّي عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، اهـ مِنَ الْبُخَارِيِّ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمَّتِهِ: أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ، عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ، فَأَفْتَى

стр. 2275

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا. قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، اهـ مِنَ «الْمُوَطَّأِ» . وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ، فِي شَرْحِهِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنْكَرَ مَالِكٌ الْأَحَادِيثَ فِي الْمَشْيِ إِلَى قُبَاءٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْمَشْيَ إِلَّا إِلَى مَكَّةَ خَاصَّةً. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَعْنِي: لَا يَعْرِفُ إِيجَابَ الْمَشْيِ لِلْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ. وَأَمَّا الْمُتَطَوِّعُ، فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَأَنَّ إِتْيَانَهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ. اهـ فِيهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، أَمَّا الصَّوْمُ وَالْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ فَقَدْ قَدَّمْنَا مَشْرُوعِيَّتَهُمَا. وَإِنْ خَالَفَ جُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ مَالِكٍ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الشَّامِ، أَوْ إِلَى مِصْرَ، أَوْ إِلَى الرَّبَذَةِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ، إِنْ كَلَّمَ فُلَانًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِنْ هُوَ كَلَّمَهُ، أَوْ حَنِثَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ طَاعَةٌ. وَإِنَّمَا يُوَفَّى لِلَّهِ بِمَا لَهُ فِيهِ طَاعَةٌ، اهـ. مِنَ «الْمُوَطَّأِ» . الْفَرْعُ السَّابِعُ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ جَمِيعَ مَالِهِ لِلَّهِ لِيُصْرَفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَنَّهُ يَكْفِيهِ الثُّلُثُ وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُ الْجَمِيعِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالزُّهْرِيِّ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعُلَمَاءِ عَشَرَةُ مَذَاهِبَ أَظْهَرُهَا عِنْدَنَا: هُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَيَلِيهِ فِي الظُّهُورِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ كُلُّهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَعَنْ رَبِيعَةَ تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَتَادَةَ: إِنْ كَانَ كَثِيرًا وَهُوَ أَلْفَانِ تَصَدَّقَ بِعُشْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا وَهُوَ أَلْفٌ تَصَدَّقَ بِسُبْعِهِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ تَصَدَّقَ بِخُمُسِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَتَصَدَّقُ بِالْمَالِ الزَّكَوِيِّ كُلِّهِ، وَعَنْهُ فِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: يَتَصَدَّقُ بِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ، وَالْبَتِّيِّ، وَالشَّافِعِيِّ: يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَعَنِ اللَّيْثِ: إِنْ كَانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِجُ قَدْرَ زَكَاةِ مَالِهِ وَهَذَا مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْكُلُّ إِلَّا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ، فَكَفَّارَةٌ

стр. 2276

يَمِينٍ، وَعَنْ سَحْنُونٍ: يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ. وَعَنِ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَاعْلَمْ: أَنَّ أَكْثَرَهَا لَا يَعْتَضِدُ بِدَلِيلٍ، وَالَّذِي يَعْتَضِدُ بِالدَّلِيلِ مِنْهَا ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: هُوَ مَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ أَظْهَرُهَا عِنْدَنَا، وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ بِالثُّلُثِ. وَالثَّانِي: لُزُومُ الصَّدَقَةِ بِالْمَالِ كُلِّهِ. وَالثَّالِثُ: قَوْلُ سَحْنُونٍ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ مَا لَا يُضَرُّ بِهِ، أَمَّا الِاكْتِفَاءُ بِالثُّلُثِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُهَا عِنْدَنَا فَقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنِ التَّصَدُّقِ بِالْمَالِ كُلِّهِ، وَفِيهَا أَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: بَابُ إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ، وَالتَّوْبَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [٩ \ ١١٨] فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» اهـ. فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ كَعْبًا غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ بَلْ مُرِيدُ التَّجَرُّدِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ، كَمَا فِي تَرْجَمَةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَمَرَهُ ﷺ بِأَنْ يُمْسِكَ بَعْضَ مَالِهِ، وَصَرَّحَ لَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي يُمْسِكُهُ بِالثُّلُثَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا السَّنَدِ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: «إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَنَصِفُهُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَثُلُثُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنِّي سَأَمْسِكُ سَهْمِي فِي خَيْبَرَ» . وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَمِنَ تَدْلِيسَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ

стр. 2277

كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً، قَالَ: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ، عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ مِثْلُهُ اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي. وَقَدْ رَأَيْتُ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةَ بِأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ جَازِمٌ غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ فَمَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ مُسْتَشِيرٌ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ مَبْدُوءٌ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، الَّذِي هُوَ إِنَّ الْمَكْسُورَةُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، وَاللَّفْظُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّوَقُّفِ وَالِاسْتِشَارَةِ، كَمَا تَرَى فَقَوْلُهُ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي لُبَابَةَ: إِنَّ الثُّلُثَ يَكْفِي عَنِ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، هُوَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا بِسَبَبِهِ: أَنَّ أَقْرَبَ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا الِاكْتِفَاءُ بِالثُّلُثِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ، فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إِيفَائِهِ بِنَذْرِهِ، وَلَوْ أَتَى عَلَى كُلِّ الْمَالِ، إِلَّا أَنَّ دَلِيلَ مَا قَبْلَهُ أَخَصُّ مِنْهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَعَمِّ. وَأَمَّا قَوْلُ سَحْنُونٍ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمَا لَا يَضُرُّ بِهِ فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ الْآيَةَ [٢ \ ٢١٦] ; لِأَنَّ الْعَفْوَ فِي أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، هُوَ مَا لَا يَضُرُّ إِنْفَاقُهُ بِالْمُنْفِقِ، وَلَا يُجْحِفُ بِهِ لِإِمْسَاكِهِ مَا يَسُدُّ خَلَّتَهُ الضَّرُورِيَّةَ، وَهَذَا قَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الثُّلُثَ مِنَ الْعَفْوِ الَّذِي لَا يُجْحِفُ بِهِ إِنْفَاقُهُ، فَأَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ كَمَا ذَكَرْنَا وَبَاقِي الْأَقْوَالِ لَا أَعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا مُتَّجِهًا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَمَا وَجَّهَ بِهِ تِلْكَ الْأَقْوَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَتَّجِهُ عِنْدِي، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الثَّامِنُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ دَلَّ النَّصُّ الصَّحِيحُ، عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى مَسْجِدٍ لِيُصَلِّيَ فِيهِ كَمَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، أَوِ الْكُوفَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: لَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ، وَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ الَّتِي نَذَرَهَا بِهِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَالنَّصُّ الصَّحِيحُ الْمَذْكُورُ هُوَ حَدِيثُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» ، وَالْجَارِي عَلَى الْأُصُولِ: أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَصْرِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ نَصٌّ صَحِيحٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ السَّفَرَ لِصَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ، وَصَلَّاهَا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَجْزَأَتْهُ، لِأَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا حَمَّادٌ أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ

стр. 2278

عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ: «صَلِّ هَهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ هَهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنَكَ إِذًا» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : «وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هُنَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ صَلَاةً فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ» اهـ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلْنَكْتَفِ بِمَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ مَسَائِلِ النَّذْرِ لِكَثْرَةِ مَا كَتَبْنَا فِي آيَاتِ سُورَةِ الْحَجِّ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا، وَالنَّذْرُ بَابٌ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، فَمَنْ أَرَادَ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ مَسَائِلِهِ، فَلْيَنْظُرْهَا فِي كُتُبِ فُرُوعِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَا عُيُونَ مَسَائِلِهِ الْمُهِمَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. فِي الْمُرَادِ بِالْعَتِيقِ هُنَا لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقَدِيمُ، لِأَنَّهُ أَقْدَمُ مَوَاضِعِ التَّعَبُّدِ. الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِتْقِ فِيهِ الْكَرَمُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْقَدِيمَ عَتِيقًا وَعَاتِقًا وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ ﵁: كَالْمِسْكِ تَخْلِطُهُ بِمَاءِ سَحَابَةٍ ... أَوْ عَاتِقٍ كَدَمِ الذَّبِيحِ مُدَامِ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْعَاتِقِ الْخَمْرُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي طَالَ مُكْثُهَا فِي دَنِّهَا زَمَنًا طَوِيلًا، وَتُسَمِّي الْكَرِيمَ عِتْقًا وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: قَنْوَاءُ فِي حَرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا عِتْقٌ ... مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ فَقَوْلُهُ: عِتْقٌ مُبِينٌ: أَيْ كَرَمٌ ظَاهِرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي: وَيَبِينُ عِتْقُ الْخَيْلِ فِي أَصْوَاتِهَا أَيْ كَرَمُهَا، وَالْعِتْقُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ كَالْعِتْقِ مِنَ الرِّقِّ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ. وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، عَلَى أَنَّ الْعَتِيقَ فِي الْآيَةِ

стр. 2279

بِمَعْنَى الْقَدِيمِ الْأَوَّلِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا الْآيَةَ [٣ \ ٩٦] مَعَ أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرَيْنِ كِلَاهُمَا حَقٌّ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَخَيْرُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْقُرْآنُ الْقُرْآنُ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، عَلَى لُزُومِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِلْحَجِّ بِدُونِهِ. الثَّانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى لُزُومِ الطَّوَافِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجِدَارُ الْقَصِيرُ شَمَالَ الْبَيْتِ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْبَيْتِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَذَا الَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حِلْيَةِ الْأَنْعَامِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [٦ \ ١٤٥] وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الصَّوَابُ، أَمَّا مَا قَالَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنْ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي بَيَّنَتِ الْإِجْمَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [٢٢] أَنَّهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ الْآيَةَ [٥ \ ٣] فَهُوَ غَلَطٌ، لِأَنَّ الْمَائِدَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَآيَةُ الْحَجِّ هَذِهِ نَازِلَةٌ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ بِكَثِيرٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحَالَ الْبَيَانُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ بَلِ الْمُبَيِّنُ لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ آيَةُ الْأَنْعَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا لِأَنَّهَا نَازِلَةٌ بِمَكَّةَ، فَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِآيَةِ الْحَجِّ الْمَذْكُورَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [٥ \ ١] فَيَصِحُّ بَيَانُهُ بِقَوْلِهِ فِي الْمَائِدَةِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ الْآيَةَ [٥ \ ٣] ، كَمَا أَوْضَحْنَا فِي أَوَّلِ الْمَائِدَةِ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ. «مِنْ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانِيَّةٌ. وَالْمَعْنَى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ: أَيْ

стр. 2280

عِبَادَتَهَا وَالرِّجْسُ الْقَذَرُ الَّذِي تَعَافُهُ النُّفُوسُ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَدْخُلُ فِي حُكْمِهَا، وَمَعْنَاهَا عِبَادَةُ كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَهَذَا الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ هُنَا، جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [١٦ \ ٣٦] وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إِيمَانِهِ بِاللَّهِ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [٢ \ ٢٥٦] وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَى مُجْتَنِبِي عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ الْمُنِيبِينَ لِلَّهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ لَهُمُ الْبُشْرَى، وَهِيَ مَا يَسُرُّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى الْآيَةَ [٣٩ \ ١٧] ، وَقَدْ سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ اجْتِنَابَ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [١٤ \ ٣٥] وَالْأَصْنَامُ تَدْخُلُ فِي الطَّاغُوتِ دُخُولًا أَوَّلِيًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِاجْتِنَابِ قَوْلِ الزُّورِ، وَهُوَ الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَكَادِّعَائِهِمْ لَهُ الْأَوْلَادَ وَالشُّرَكَاءَ، وَكُلُّ قَوْلٍ مَائِلٍ عَنِ الْحَقِّ فَهُوَ زُورٌ، لِأَنَّ أَصْلَ الْمَادَّةِ الَّتِي هِيَ الزُّورُ مِنَ الِازْوِرَارِ بِمَعْنَى الْمَيْلِ، وَالِاعْوِجَاجِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ الْآيَةَ [١٨ \ ١٧] . وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا، أَنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ عَامٌّ، ثُمَّ يُصَرَّحُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْعَامِّ فِيهِ، وَتَقَدَّمَتْ لِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ، وَسَيَأْتِي بَعْضُ أَمْثِلَتِهِ فِي الْآيَاتِ الْقَرِيبَةِ مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ هَذِهِ. وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ هُنَا قَالَ: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ بِصِيغَةٍ عَامَّةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بَعْضَ أَفْرَادِ قَوْلِ الزُّورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا [٢٥ \ ٤] فَصَرَّحَ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا مِنَ الظُّلْمِ وَالزُّورِ، وَقَالَ فِي الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَيَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [٥٨ \ ٢] فَصَرَّحَ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ، مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ
следующие страницы →