← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

أَوْ الِاعْتِرَافُ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ﵁، بِأَنَّ الْحَبَلَ الَّذِي هُوَ الْحَمْلُ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا كَمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْحَبَلَ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا، عُمَرُ ﵁ كَمَا رَأَيْتَ، وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الزِّنَا وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ، وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ عَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَجَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِذَا عُرِفَتْ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَهَذِهِ أَدِلَّتُهُمْ. أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ بِالْحَمْلِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنْ عُمَرَ بِأَنَّ الْحَبَلَ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا، كَالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : إِنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ: بِوُجُوبِ الْحَدِّ وَثُبُوتِ الزِّنَا بِالْحَمْلِ، لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁، وَالرَّجْمُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا كَانَ مُحْصَنًا، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ، وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ أُوتِيَ بِامْرَأَةٍ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُرْجَمَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ اللَّهُ: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [٤٦ \ ١٥] ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرْجُمُهَا بِحَمْلِهَا وَعَنْ عُمَرَ نَحْوُ هَذَا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزِّنَا زِنَاءَانِ: زِنَا سِرٍّ، وَزِنَا عَلَانِيَةٍ، فَزِنَا السِّرِّ: أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ، فَيَكُونُ الشُّهُودُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي، وَزِنَا الْعَلَانِيَةِ: أَنْ يَظْهَرَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ، فَيَكُونُ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي، وَهَذَا قَوْلُ سَادَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ «الْمُغْنِي» . وَانْظُرْ أَسَانِيدَ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنِ الصَّحَابَةِ، هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ بِالْحَمْلِ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْحَمْلَ وَحْدَهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ، فَقَدْ قَالَ فِي «الْمُغْنِي» : حُجَّتُهُمْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ وَطْءِ إِكْرَاهٍ أَوْ شُبْهَةٍ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ بِأَنْ يَدْخُلَ مَاءُ الرَّجُلِ فِي فَرْجِهَا، إِمَّا بِفِعْلِهَا، أَوْ فِعْلِ غَيْرِهَا، وَلِهَذَا تُصُوِّرَ حَمْلُ الْبِكْرِ فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ فَرَوَى سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ،

стр. 2417

حَدَّثَنَا هَاشِمٌ: أَنَّ امْرَأَةً رُفِعَتْ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ، وَقَدْ حَمَلَتْ فَسَأَلَهَا عُمَرُ، فَقَالَتْ: إِنَّنِي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ وَقَعَ عَلَيَّ رَجُلٌ، وَأَنَا نَائِمَةٌ فَمَا اسْتَيْقَظْتُ حَتَّى فَرَغَ، فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ، وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ صَبْرَةَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ بِامْرَأَةٍ حَامِلٍ، فَادَّعَتْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ، فَقَالَ: خَلِّ سَبِيلَهَا، وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، أَلَّا يُقْتَلَ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: إِذَا كَانَ فِي الْحَدِّ لَعَلَّ وَعَسَى فَهُوَ مُعَطَّلٌ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵃ أَنَّهُمْ - قَالُوا: إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْحَدُّ فَادْرَأْ مَا اسْتَطَعْتَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ هُنَا، اهـ بِلَفْظِهِ مِنَ «الْمُغْنِي» . وَانْظُرْ أَيْضًا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنِ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ هُوَ حَاصِلُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الْحَبَلَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ، وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَقَعُ لَا شَكَّ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ فِي الْفَرَجِ، بَلْ قَدْ يَطَأُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فِي فَخِذَيْهَا، فَتَتَحَرَّكُ شَهْوَتُهَا فَيَنْزِلُ مَاؤُهَا وَيُنْزِلُ الرَّجُلُ، فَيَسِيلُ مَاؤُهُ فَيَدْخُلُ فِي فَرْجِهَا، فَيَلْتَقِي مَاؤُهُ بِمَائِهَا فَتَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ وَهَذَا مُشَاهَدٌ لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ يَطَأُ امْرَأَتَهُ فِي الْفَخِذَيْنِ، وَلَمْ يُجَامِعْهَا فِي الْفَرْجِ فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اللِّعَانُ لِنَفْيِ ذَلِكَ الْحَمْلِ ; لِأَنَّ مَاءَهُ قَدْ يَسِيلُ إِلَى فَرْجِهَا، فَتَحْمِلُ مِنْهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁: إِذَا كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ اجْتِهَادٌ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ ﵁ أَنَّ الْحَمْلَ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا كَالِاعْتِرَافِ وَالْبَيِّنَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَظْهَرَ لَنَا خِلَافُ قَوْلِهِ ﵁، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ بَلْ قَدْ تَحْبَلُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْحَبَلُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ فَلَا وَجْهَ لِثُبُوتِ الزِّنَا، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ غَيْرِ مُسْتَلْزِمٍ لِمُوجَبِ الْحَدِّ، كَمَا تَرَى. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَنَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

стр. 2418

الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِالْحَمْلِ قَالُوا: إِنَّ تِلْكَ الْحَامِلَ إِنْ كَانَتْ طَارِئَةً مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، وَادَّعَتْ أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ زَوْجٍ لَهَا تَرَكَتْهُ فِي بَلَدِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهَا الزِّنَا بِذَلِكَ الْحَمْلِ. الْفَرْعُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَادَّعَتْ أَنَّهَا مُكْرَهَةٌ لَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْإِكْرَاهَ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ الزِّنَا بِالْحَمْلِ إِلَّا إِذَا اعْتَضَدَتْ دَعَوَاهَا بِمَا يُقَوِّيهَا مِنَ الْقَرَائِنِ كَإِتْيَانِهَا صَارِخَةً مُسْتَغِيثَةً مِمَّنْ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ، وَكَأَنْ تَأْتِيَ مُتَعَلِّقَةً بِرَجُلٍ تَزْعُمُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَكْرَهَهَا وَكَأَنْ تَشْتَكِيَ مِنَ الَّذِي فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ الْحَمْلِ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَتْ شَكْوَاهَا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ مُشْبِهَةً لِكَوْنِ الرَّجُلِ الَّذِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِالصَّلَاحِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ، وَالْعَفَافِ، وَالتَّقْوَى حَدَثَ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ لَمْ تُسَمِّ الرَّجُلَ الَّذِي ادَّعَتْ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا تُعَزَّرُ، وَلَا تُحَدُّ إِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: قَالَ الشَّيْخُ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمَالِكِيِّ: أَوْ مُكْرَهَةً، مَا نَصُّهُ: قَالَ فِي الطِّرَازِ أَوْ فِي أَوَاخِرِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ فِي تَرْجَمَةِ تَفْسِيرِ الطَّلَاقِ، وَمَا يَلْزَمُ مِنْ أَلْفَاظِهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ: وَيُقَالُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى سُئِلَ عَنْ جَارِيَةٍ بِكْرِ زَوَّجَهَا فَابْتَنَى بِهَا زَوْجُهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَائِمَةً فَانْتَبَهْتُ لِبَلَلٍ بَيْنَ فَخِذَيَّ، وَذَكَرَ الزَّوْجُ أَنَّهُ وَجَدَهَا عَذْرَاءَ. فَأَجَابَ فِيهَا: أَنَّهَا لَا حَدَّ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْعَفَافِ، وَحُسْنِ الْحَالِ، وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ، وَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتِ الْحَمْلَ، وَغَرَّتْ فَلَهَا قَدْرُ مَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا، انْتَهَى مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ، انْتَهَى كَلَامُ الطِّرَازِ، انْتَهَى مَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا وَهُوَ مُحْصَنٌ، اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ أَوَّلًا ثُمَّ يُرْجَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُرْجَمُ فَقَطْ وَلَا يُجْلَدُ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْقَتْلِ يَنْدَرِجُ فِي الْقَتْلِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلِيٌّ ﵁، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي

стр. 2419

«الْمُغْنِي» : وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْهُمَا وَاخْتَارَهُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّهُ يُرْجَمُ فَقَطْ وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، الْجُوزَجَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، وَنَصَرَاهُ فِي سُنَنِهِمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» ، وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ الَّذِي هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الرَّجْمِ عَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ الزَّانِي شَيْخًا ثَيِّبًا فَإِنْ كَانَ شَابًّا ثَيِّبًا اقْتَصَرَ عَلَى الرَّجْمِ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَهَذِهِ تَفَاصِيلُ أَدِلَّتِهِمْ، أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: يُجْمَعُ لِلزَّانِي الْمُحْصَنِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِأَدِلَّةٍ. مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلزَّانِي الْمُحْصَنِ تَصْرِيحًا ثَابِتًا عَنْ ثُبُوتٍ لَا مَطْعَنَ فِيهِ. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ الثَّيِّبَ وَهُوَ الْمُحْصَنُ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُرْجَمُ، وَهَذَا اللَّفْظُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ، وَفِي لَفْظٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «: الثَّيِّبُ جُلِدَ مِائَةً ثُمَّ رُجِمَ بِالْحِجَارَةِ» ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا «: وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ» ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ فِي الصَّحِيحِ فِيهَا تَصْرِيحُهُ ﷺ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ،

стр. 2420

قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، انْتَهَى مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الْفَتْحِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، مَا نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِامْرَأَةٍ زَنَتْ فَضَرَبَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ، بِأَنَّ عَلِيًّا ضَرَبَهَا وَرَجَمَهَا، وَهِيَ شُرَاحَةُ الْهَمْدَانِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا مَوْلَاةٌ لِسَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [٢٤ \ ٢] ، وَاللَّفْظُ عَامٌّ فِي الْبِكْرِ وَالْمُحْصَنِ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِالرَّجْمِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ وَالتَّغْرِيبِ سَنَةً فِي حَقِّ الْبِكْرِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعًا، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁، قَالُوا: وَقَدْ شُرِّعَ فِي كُلٍّ مِنَ الْمُحْصَنِ وَالثَّيِّبِ عُقُوبَتَانِ: أَمَّا عُقُوبَتَا الثَّيِّبِ: فَهُمَا الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ، وَأَمَّا عَقُوبَتَا الْبِكْرِ: فَهُمَا الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ. هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَا احْتَجَّ بِهِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ يُجْمَعُ لِلْمُحْصَنِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: يُرْجَمُ فَقَطْ، وَلَا يُجْلَدُ فَاحْتَجُّوا بِأَدِلَّةٍ. مِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا، وَلَمْ يَجْلِدْهُ مَعَ الرَّجْمِ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ فِي رَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ جَلَدَهُ مَعَ الرَّجْمِ بَلْ أَلْفَاظُهَا كُلُّهَا مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الرَّجْمِ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ لَمْ يُنْسَخْ لِأَمَرَ بِجَلْدِ مَاعِزٍ مَعَ الرَّجْمِ، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ لَنَقَلَهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْقِصَّةِ، قَالُوا: وَقِصَّةُ مَاعِزٍ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ الَّذِي فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ مُتَقَدِّمٌ وَأَنَّهُ أَوَّلُ نَصٍّ نَزَلَ فِي حَدِّ الزِّنَا أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ فِيهِ «: خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» الْحَدِيثَ، يُشِيرُ بِجَعْلِ اللَّهِ لَهُنَّ سَبِيلًا بِالْحَدِّ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [٤ \ ١٥] ، فَالزَّوَانِي كُنَّ مَحْبُوسَاتٍ فِي الْبُيُوتِ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: وَهُمَا الْمَوْتُ، أَوْ جَعْلُ اللَّهِ لَهُنَّ سَبِيلًا فَلَمَّا قَالَ ﷺ «: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» ، ثُمَّ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِحَدِّ الزِّنَا عَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ أَوَّلُ نَصٍّ فِي حَدِّ الزِّنَا، وَأَنَّ قِصَّةَ مَاعِزٍ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ.

стр. 2421

وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَنَّهُ رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ جَلَدَهَا، لَوْ جَلَدَهَا مَعَ الرَّجْمِ لَنَقَلَ ذَلِكَ بَعْضُ الرُّوَاةِ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ: أَنَّهُ قَالَ ﷺ «: وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، وَلَمْ يَقُلْ فَاجْلِدْهَا مَعَ الرَّجْمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى سُقُوطِ الْجَلْدِ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَنَقَلَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَهَذِهِ الْوَقَائِعُ كُلُّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَى مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ آنِفًا. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَمُ فَقَطْ، وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي رَجْمِهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ الْجُهَنِيَّةِ، وَالْغَامِدِيَّةِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الرَّجْمِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا جَلْدٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ الْغَسَّانِيُّ: جُهَيْنَةُ وَغَامِدُ وَبَارِقُ وَاحِدٌ، انْتَهَى مِنْهُ، وَعَلَيْهِ فَالْجُهَنِيَّةُ هِيَ الْغَامِدِيَّةُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَجَمِيعُ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ فِي رَجْمِ الْغَامِدِيَّةِ، وَرَجْمِ الْجُهَنِيَّةِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرُ الْجَلْدِ، وَإِنَّمَا فِيهَا كُلِّهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الرَّجْمِ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رَجَمَهُمَا ﷺ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الرَّجْمُ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا جَلْدٌ، هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ، وَأَمَّا الشَّابُّ فَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يُحْصَنْ وَيُرْجَمُ فَقَطْ إِنْ أَحْصَنَ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِلَفْظِ الْآيَةِ الَّتِي نُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا) إِلَى آخِرِهِ، قَالُوا: فَرَجْمُ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنْ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا فَحُكْمُهَا بَاقٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الْفَتْحِ» : وَقَالَ عِيَاضٌ: شَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَقَالَتِ: الْجَمْعُ عَلَى الشَّيْخِ الثَّيِّبِ دُونَ الشَّابِّ، وَلَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ كَذَا قَالَهُ، وَنَفَى أَصْلَهُ، وَوَصَفَهُ بِالْبُطْلَانِ إِنْ أَرَادَ بِهِ طَرِيقَهُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ دَلِيلَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ: (الشَّيْخُ) فَفَهِمَ هَؤُلَاءِ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّابَّ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ، وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْبُطْلَانِ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ «فَتْحِ الْبَارِي» . وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ «فَتْحِ الْبَارِي» : إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حَزْمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ زَادَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، انْتَهَى.

стр. 2422

وَإِذَا عُرِفَتْ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَحُجَجُهُمْ، فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تُرَجِّحُ قَوْلَهَا عَلَى قَوْلِ الْأُخْرَى. أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ لِلْمُحْصَنِ، فَقَدْ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ، هُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ، وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ الْمُحْصَنَ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ، فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَلَا يُعَارَضُ بِعَدَمِ ذِكْرِ الْجَلْدِ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، وَالْجُهَنِيَّةِ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْيَهُودِيِّيْنِ ; لِأَنَّ مَا صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَلْدُ وَقَعَ لِمَاعِزٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الرُّوَاةُ ; لِأَنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ لَا يَدُلُّ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَتْرُكُهُ لِظُهُورِهِ، وَأَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ جَلْدُ الزَّانِي، قَالُوا: وَالْمُحْصَنُ دَاخِلٌ قَطْعًا فِي عُمُومِ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [٢٤ \ ٢] ، وَهَذَا الْعُمُومُ الْقُرْآنِيُّ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَعَدَمُ ذِكْرِ الْجَلْدِ مَعَ الرَّجْمِ لَا يُعَارِضُ الْأَدِلَّةَ الصَّرِيحَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، قَالُوا: وَعَمَلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا تَخْفَى قُوَّةُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْمُحْصَنَ يُرْجَمُ فَقَطْ وَلَا يُجْلَدُ، فَقَدْ رَجَّحُوا أَدِلَّتَهُمْ بِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، الَّذِي فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ، وَالْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ أَوْلَى، وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ الْمَذْكُورِ ; كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ، هُوَ أَوَّلُ نَصٍّ وَرَدَ فِي حَدِّ الزِّنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [٤ \ ١٥] ، قَالُوا: وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ مَنْسُوخٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ الَّذِي زَنَى بِامْرَأَةِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ أَجِيرًا عِنْدَهُ «: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ» ، وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ ﷺ أَنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَقْسَمَ عَلَى أَنَّهُ قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ «: وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، قَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ «: فَإِنِ اعْتَرَفَتْ» شَرْطٌ، وَقَوْلَهُ «: فَارْجُمْهَا» جَزَاءُ هَذَا الشَّرْطِ، فَدَلَّ الرَّبْطُ بَيْنَ الشَّرْطِ، وَجَزَائِهِ عَلَى أَنَّ جَزَاءَ اعْتِرَافِهَا هُوَ الرَّجْمُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 2423

وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ الصَّرِيحِ عَلَى أَنَّ جَزَاءَ اعْتِرَافِهَا بِالزِّنَا هُوَ رَجْمُهَا فَقَطْ، فَرَبَطَ هَذَا الْجَزَاءَ بِهَذَا الشَّرْطِ أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، لِمَا قَدَّمْنَا. وَهَذَا الدَّلِيلُ أَيْضًا قَوِيٌّ جِدًّا، لِأَنَّ فِيهِ إِقْسَامَهُ ﷺ بِأَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالزِّنَا مِنَ الْمُحْصَنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ، وَلَا يَخْلُو هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ «: فَارْجُمْهَا» ، أَوْ يَكُونُ قَالَ مَعَ ذَلِكَ فَاجْلِدْهَا، وَتَرَكَ الرَّاوِي الْجَلْدَ، فَإِنْ كَانَ قَدِ اقْتَصَرَ عَلَى الرَّجْمِ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْجَلْدِ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ جَزَاءَ الِاعْتِرَافِ الرَّجْمَ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ رَبْطَ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً لَفْظِيَّةً لَا دَلَالَةَ سُكُوتٍ، وَإِنْ كَانَ قَالَ مَعَ الرَّجْمِ: وَاجْلِدْهَا، وَحَذَفَ الرَّاوِي الْجَلْدَ، فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحَذْفِ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ حَذْفَ بَعْضِ جَزَاءِ الشَّرْطِ مُخِلٌّ بِالْمَعْنَى مُوهِمٌ غَيْرَ الْمُرَادِ، وَالْحَذْفُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّاوِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَالرَّاوِي عَدْلٌ فَلَنْ يَفْعَلَهُ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ الْآيَةَ [٦ \ ١٤٥] ، أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ نَصَّيْنِ، مَعَ اخْتِلَافِ زَمَنِهِمَا ; كَمَا هُوَ التَّحْقِيقُ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ، وَإِنْ وَجَهَّهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا ذَكَرْنَا، لَا يَخْفَى سُقُوطُهُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: دَلِيلُ كُلٍّ مِنْهُمَا قَوِيٌّ، وَأَقْرَبُهُمَا عِنْدِي: أَنَّهُ يُرْجَمُ فَقَطْ، وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ لِأُمُورٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْهَا: أَنَّ رِوَايَاتِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّجْمِ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، وَالْجُهَنِيَّةِ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْيَهُودِيِّيْنِ، كُلَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِلَا شَكٍّ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَقَدْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْهَا الْجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ مَعَ تَعَدُّدِ طُرُقِهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ الثَّابِتَ فِي الصَّحِيحِ «: وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، تَصْرِيحٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ جَزَاءَ اعْتِرَافِهَا رَجْمُهَا، وَالَّذِي يُوجَدُ بِالشَّرْطِ هُوَ الْجَزَاءُ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الرَّجْمُ فَقَطْ. وَمِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِنَسْخِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ عَلَى أَدْنَى الِاحْتِمَالَاتِ لَا تَقِلُّ عَنْ شُبْهَةٍ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.

стр. 2424

وَمِنْهَا: أَنَّ الْخَطَأَ فِي تَرْكِ عُقُوبَةٍ لَازِمَةٍ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَأِ فِي عُقُوبَةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُؤَيِّدُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالرَّجْمِ أَعْظَمُ الْعُقُوبَاتِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ عُقُوبَةٌ، فَلَا دَاعِيَ لِلْجَلْدِ مَعَهُ ; لِانْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ فِي الْأَكْبَرِ. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: إِذَا ثَبَتَ الزِّنَا عَلَى الزَّانِي فَظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّهُ بِكْرٌ فَجَلَدَهُ مِائَةً، ثُمَّ ثَبَتَ بَعْدَ جَلْدِهِ أَنَّهُ مُحْصَنٌ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي هَذَا، وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثَنَا (ح) وَثَنَا ابْنُ السَّرْحِ الْمَعْنَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِنَحْوِ ابْنِ وَهْبٍ، لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا زَنَى فَلَمْ يُعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ ثُمَّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَمْ يُعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ فَجُلِدَ، ثُمَّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ، اهـ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا، مَا نَصُّهُ: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ مَا سَكَتَا عَنْهُ، فَهُوَ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ، اهـ مِنْهُ. الْفَرْعُ الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ الْحَامِلَ مِنَ الزِّنَا لَا تُرْجَمُ، حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَتَفْطِمَهُ، أَوْ يُوجَدَ مَنْ يَقُومُ بِرَضَاعِهِ ; لِأَنَّ رَجْمَهَا وَهِيَ حَامِلٌ فِيهِ إِهْلَاكُ جَنِينِهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا وَهُوَ لَا ذَنْبَ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ مِمَّا تَقَدَّمَ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ، هَلْ يُحْفَرُ لَهُ أَوْ لَا يُحْفَرُ لَهُ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُحْفَرُ لَهُ مُطْلَقًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْفَرُ لِمَنْ زَنَى مُطْلَقًا، وَقِيلَ:

стр. 2425

يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ الزِّنَا ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ الْمَرْجُومَ لَا يُحْفَرُ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قِصَّةِ رَجْمِ مَاعِزٍ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ. . . الْحَدِيثَ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَحْفِرُوا لَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ مَا نَصُّهُ: وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا. أَمَّا قَوْلُهُ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ فَهَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا الْحَفْرُ لِلْمَرْجُومِ وَالْمَرْجُومَةِ فَفِيهِ مَذَاهِبُ لِلْعُلَمَاءِ. قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ ﵃ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ: لَا يُحْفَرُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ: يُحْفَرُ لَهُمَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يُحْفَرُ لِمَنْ يُرْجَمُ بِالْبَيِّنَةِ لَا مَنْ يُرْجَمُ بِالْإِقْرَارِ. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: لَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ بِالْإِقْرَارِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهَا: يُسْتَحَبُّ الْحَفْرُ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا. وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ، بَلْ هُوَ إِلَى خِيَرَةِ الْإِمَامِ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ اسْتُحِبَّ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فَلَا، لِيُمْكِنَهَا الْهَرَبُ إِنْ رَجَعَتْ. فَمَنْ قَالَ بِالْحَفْرِ لَهُمَا احْتَجَّ بِأَنَّهُ حُفِرَ لِلْغَامِدِيَّةِ، وَكَذَا لِمَاعِزٍ فِي رِوَايَةٍ، وَيُجِيبُ هَؤُلَاءِ عَنِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي مَاعِزٍ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، أَنَّ الْمُرَادَ حَفِيرَةٌ عَظِيمَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ تَخْصِيصِ الْحَفِيرَةِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يُحْفَرُ فَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ مُنَابِذٌ لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ وَلِرِوَايَةِ الْحَفْرِ لِمَاعِزٍ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَيَحْمِلُ رِوَايَةَ الْحَفْرِ لِمَاعِزٍ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ تَرَكَ الْحَفْرَ حَدِيثُ

стр. 2426

الْيَهُودِيَّيْنِ الْمَذْكُورُ بَعْدَ هَذَا، وَقَوْلُهُ جَعَلَ يَجْنَأُ عَلَيْهَا، وَلَوْ حَفَرَ لَهُمَا لَمْ يَجْنَأْ عَلَيْهَا، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ: فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ حُفْرَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبَيَّنَ حُجَجَهُمْ، وَنَاقَشَهَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي كَلَامِهِ، أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ الْحَفْرِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْحَفْرُ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ الْحَفْرُ لَهُمَا مَعًا فَلَا بَأْسَ، قَالَ صَاحِبُ كَنْزِ الدَّقَائِقِ فِي الْفِقْهِ الْحَنَفِيِّ: وَيُحْفَرُ لَهَا فِي الرَّجْمِ لَا لَهُ، وَقَالَ شَارِحُهُ فِي تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ: وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ الْحَفْرِ لَهُمَا ; لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ اهـ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» فِي الْفِقْهِ الْحَنْبَلِيِّ: وَإِنْ كَانَ الزَّانِي رَجُلًا أُقِيمَ قَائِمًا، وَلَمْ يُوثَقْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُحْفَرْ لَهُ، سَوَاءٌ ثَبَتَ الزِّنَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِ مَاعِزٍ، خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ فَوَاللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ، وَلَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَكِنَّهُ قَامَ لَنَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ; وَلِأَنَّ الْحَفْرَ لَهُ، وَدَفْنُ بَعْضِهِ عُقُوبَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ فِي حَقِّهِ، فَوَجَبَ أَلَّا تَثْبُتَ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا يُحْفَرُ لَهَا أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَذَكَرَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حُفِرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ، وَبُرَيْدَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا إِلَى الثَّنْدُوَةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَلَا حَاجَةَ لِتَمْكِينِهَا مِنَ الْهَرَبِ لِكَوْنِ الْحَدِّ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا بِخِلَافِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ عَلَى حَالٍ، لَوْ أَرَادَتِ الْهَرَبَ تَمَكَّنَتْ مِنْهُ ; لِأَنَّ رُجُوعَهَا عَنْ إِقْرَارِهَا مَقْبُولٌ، وَلَنَا أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحْفِرْ لِلْجُهَنِيَّةِ وَلَا لِمَاعِزٍ، وَلَا لِلْيَهُودِيَّيْنِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، وَلَا يَقُولُونَ بِهِ، فَإِنَّ الَّتِي نُقِلَ عَنْهُ الْحَفْرُ لَهَا ثَبَتَ حَدُّهَا بِإِقْرَارِهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِيهَا، فَلَا يَسُوغُ لَهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ ثِيَابَ الْمَرْأَةِ تُشَدُّ عَلَيْهَا كَيْلَا تَنْكَشِفَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا، اهـ مِنْ «الْمُغْنِي» .

стр. 2427

وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَدِلَّتَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَقْوَى الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ دَلِيلًا بِحَسَبِ صِنَاعَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَعِلْمِ الْحَدِيثِ: أَنَّ الْمَرْجُومَ يُحْفَرُ لَهُ مُطْلَقًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، بِلَفْظِ: فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، اهـ، وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَاعِزًا حُفِرَ لَهُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْحَافِرُ لَهُ، أَيْ بِأَمْرِهِ بِذَلِكَ فَبُرَيْدَةُ مُثْبِتٌ لِلْحَفْرِ، وَأَبُو سَعِيدٍ نَافٍ لَهُ، وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ وَعِلْمِ الْحَدِيثِ: أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَتَعْتَضِدُ رِوَايَةُ بُرَيْدَةَ هَذِهِ بِالْحَفْرِ لِمَاعِزٍ بِرِوَايَتِهِ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِنَفْسِ الْإِسْنَادِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْحَفْرِ لِلْغَامِدِيَّةِ إِلَى صَدْرِهَا، وَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الْحَفْرِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مَعًا، أَمَّا الْأُنْثَى فَلَمْ يَرِدْ مَا يُعَارِضُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ بِالْحَفْرِ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَرِوَايَةُ الْحَفْرِ لَهُ الثَّابِتَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِعَدَمِ الْحَفْرِ ; لِأَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَقَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَالْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ ظَاهِرُ السُّقُوطِ ; لِأَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، فَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ مَعَ ثُبُوتِهِ عَنْهُ ﷺ كَمَا تَرَى، وَبِالرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: أَنَّهُ ﷺ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ، وَزِنَاهَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهَا، لَا بِبَيِّنَةٍ تُعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ نَفَوُا الْحَفْرَ لِمَنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِإِقْرَارِهَا مُخَالِفُونَ لِصَرِيحِ النَّصِّ الصَّحِيحِ بِلَا مُسْتَنَدٍ كَمَا تَرَى، وَالْعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالرَّجْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ كَانَ الزِّنَا ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ، وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ بَدَأَ بِهِ الْإِمَامُ أَوِ الْحَاكِمُ، إِنْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَرْجُمُ النَّاسُ بَعْدَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَاسْتَدَلُّوا لِبَدَاءَةِ الشُّهُودِ، وَبَدَاءَةِ الْإِمَامِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْفِقْهِ الْحَنْبَلِيِّ، وَصَاحِبُ تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ فِي الْفِقْهِ الْحَنَفِيِّ. قَالَ صَاحِبُ «الْمُغْنِي» : وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ:

стр. 2428

الرَّجْمُ رَجْمَانِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ، فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ النَّاسُ ; وَلِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُمْ مِنَ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ، اهـ مِنْهُ. وَحَاصِلُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ: أَثَرٌ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَكَوْنُ مُبَاشَرَتِهِمُ الرَّمْيَ بِالْفِعْلِ أَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ عَقْلِيٌّ لَا نَقْلِيٌّ، اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ «تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ» فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ صَاحِبِ «كَنْزِ الدَّقَائِقِ» : يَبْدَأُ الشُّهُودُ بِهِ فَإِنْ أَبَوْا سَقَطَ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَيَبْدَأُ الْإِمَامُ وَلَوْ مُقِرًّا ثُمَّ النَّاسُ. مَا نَصُّهُ: أَيْ يَبْدَأُ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُشْتَرَطُ بَدَاءَتُهُمُ اعْتِبَارًا بِالْجَلْدِ، وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ حِينَ رَجَمَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ: إِنَّ الرَّجْمَ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ شَهِدَ عَلَى هَذِهِ أَحَدٌ لَكَانَ أَوَّلُ مَنْ يَرْمِي الشَّاهِدَ يَشْهَدُ، ثُمَّ يُتْبِعُ شَهَادَتَهُ حَجَرَهُ وَلَكِنَّهَا أَقَرَّتْ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَاهَا بِحَجَرٍ، قَالَ الرَّاوِي: ثُمَّ رَمَى النَّاسُ وَأَنَا فِيهِمْ، وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ رُبَّمَا يَتَجَاسَرُ عَلَى الشَّهَادَةِ ثُمَّ يَسْتَعْظِمُ الْمُبَاشَرَةَ فَيَأْبَى أَوْ يَرْجِعُ، فَكَانَ فِي بَدَاءَتِهِ احْتِيَالٌ لِلدَّرْءِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يُحْسِنُهُ، فَيَخَافُ أَنْ يَقَعَ مُهْلِكًا أَوْ مُتْلِفًا لِعُضْوٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وَلَا كَذَلِكَ الرَّجْمُ ; لِأَنَّ الْإِتْلَافَ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ. قَالَ ﵀: فَإِنْ أَبَوْا سَقَطَ، أَيْ: إِنْ أَبَى الشُّهُودُ مِنَ الْبَدَاءَةِ سَقَطَ الْحَدُّ لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الرُّجُوعِ، وَكَذَلِكَ إِنِ امْتَنَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، أَوْ جَنَوْا، أَوْ فَسَقُوا، أَوْ قَذَفُوا فَحُدُّوا أَوْ أَحَدُهُمْ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ خَرِسَ، أَوِ ارْتَدَّ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ الطَّارِئَ عَلَى الْحَدِّ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْمَوْجُودِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَكَذَا إِذَا غَابُوا أَوْ بَعْضُهُمْ، أَوْ مَاتُوا أَوْ بَعْضُهُمْ لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُمْ إِذَا امْتَنَعُوا أَوْ مَاتُوا أَوْ غَابُوا، رَجَمَ الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ مَرْضَى لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرْمُوا أَوْ مَقْطُوعِي الْأَيْدِي رُجِمَ بِحَضْرَتِهِمْ بِخِلَافِ مَا إِذَا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. قَالَ ﵀: ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ لِمَا رُوِّينَا مِنْ أَثَرِ عَلِيٍّ ﵁، وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ مَقْتَلَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ مَقْتَلَهُ ; لِأَنَّ بِغَيْرِهِ كِفَايَةً. وَرُوِيَ أَنَّ حَنْظَلَةَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِ أَبِيهِ، وَكَانَ كَافِرًا فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ «: دَعْهُ يَكْفِيكَ غَيْرُكَ» ; وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، فَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.

стр. 2429

قَالَ ﵀: وَيَبْدَأُ الْإِمَامُ، وَلَوْ مُقِرًّا ثُمَّ النَّاسُ، أَيْ: يَبْدَأُ الْإِمَامُ بِالرَّجْمِ إِنْ كَانَ الزَّانِي مُقِرًّا لِمَا رُوِّينَا مِنْ أَثَرِ عَلِيٍّ ﵁ ; وَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَامِدِيَّةِ بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ «: ارْمُوا» ، وَكَانَتْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ «تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ» مَمْزُوجًا بِنَصِّ «كَنْزِ الدَّقَائِقِ» . هَذَا حَاصِلُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِبَدَاءَةِ الشُّهُودِ أَوِ الْإِمَامِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، إِلَى أَنَّهُ لَا تَعْيِينَ لِمَنْ يَبْدَأُ مِنْ شُهُودٍ وَلَا إِمَامٍ، وَلَا غَيْرِهِمْ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ لِهَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَا أَلْزَمَ بِهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ الشَّيْخُ الْمَوَّاقُ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمَالِكِيِّ: وَلَمْ يَعْرِفْ بَدَاءَةَ الْبَيِّنَةِ، وَلَا الْإِمَامِ، مَا نَصُّهُ: قَالَ مَالِكٌ: مُذْ أَقَامَتِ الْأَئِمَّةُ الْحُدُودَ، فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَا أَلْزَمَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ: إِنْ ثَبَتَ الزِّنَا بِبَيِّنَةٍ بَدَأَ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، اهـ مِنْهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبْدَأْ بِرَجْمِ مَاعِزٍ، وَأَنَّهُ قَالَ لِأُنَيْسٍ «: فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، وَلَمْ يَحْضُرْ ﷺ لِيَبْدَأَ بِرَجْمِهَا، وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدًا تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَا أَلْزَمَ بِهِ الْبَيِّنَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَثَرُ عَلِيٍّ أَوْ بَلَغَهُ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِبَدَاءَةِ الشُّهُودِ وَالْإِمَامِ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ رَمَى الْغَامِدِيَّةَ بِحَصَاةٍ كَالْحِمَّصَةِ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ «: ارْمُوا» . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ، فَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ; لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا مُبْهَمًا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ زَكَرِيَّا أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا إِلَى الثَّنْدُوَةِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ سُلَيْمٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ زَادَ: ثُمَّ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ، ثُمَّ قَالَ «: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ» الْحَدِيثَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ الَّذِي فِيهِ زِيَادَةٌ، ثُمَّ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ، هُوَ بِعَيْنِهِ الْإِسْنَادُ الَّذِي فِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهَذَا الشَّيْخُ الَّذِي حَدَّثَ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ هُوَ، فَهُوَ مُبْهَمٌ، وَالْمُبْهَمُ

стр. 2430

مَجْهُولُ الْعَيْنِ وَالْعَدَالَةِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، كَمَا تَرَى. وَقَالَ صَاحِبُ «نَصْبِ الرَّايَةِ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي سُقْنَاهَا آنِفًا: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الرَّجْمِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَكَرِيَّا أَبِي عِمْرَانَ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِتَمَامِهِ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ. قَالَ الْبَزَّارُ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَمَّى هَذَا الشَّيْخَ وَتُرَاجَعُ أَلْفَاظُهُمْ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ جِهَةِ النَّسَائِيِّ، وَلَمْ يُعِلَّهُ بِغَيْرِ الِانْقِطَاعِ، اهـ مِنْهُ، وَأَيُّ عِلَّةِ أَعْظَمُ مِنَ الِانْقِطَاعِ بِإِبْهَامِ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِصَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ. أَمَّا الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، فَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى فِي بَابِ مَنِ اعْتَبَرَ حُضُورَ الْإِمَامِ وَالشُّهُودِ، وَبَدَاءَةَ الْإِمَامِ بِالرَّجْمِ، مَا نَصُّهُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، ثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، ثَنَا عَمَّارٌ هُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ قَدْ فَجَرَتْ فَرَدَّهَا حَتَّى وَلَدَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَ: ائْتُونِي بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ مِنْهَا، فَأَعْطَاهَا وَلَدَهَا ثُمَّ جَلَدَهَا وَرَجَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُعِيَ عَلَيْهَا وَلَدُهَا أَوْ كَانَ اعْتِرَافٌ، فَالْإِمَامُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ، ثُمَّ النَّاسُ، فَإِنْ نَعَاهَا الشُّهُودُ فَالشُّهُودُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ، ثُمَّ الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ. وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أَنْبَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَنْبَأَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَ الْأَجْلَحُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: جِيءَ بِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ إِلَى عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ لَهَا: وَيْلَكِ لَعَلَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَيْكِ وَأَنْتِ نَائِمَةٌ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ لَعَلَّكِ اسْتُكْرِهْتِ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: لَعَلَّ زَوْجَكِ مِنْ عَدُوِّنَا هَذَا أَتَاكِ فَأَنْتِ تَكْرَهِينَ أَنْ تَدُلِّي عَلَيْهِ، يُلَقِّنُهَا لَعَلَّهَا تَقُولُ نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَحُبِسَتْ، فَلَمَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا أَخْرَجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ فَضَرَبَهَا مِائَةً، وَحَفَرَ لَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الرَّحْبَةِ فَأَحَاطَ النَّاسُ بِهَا، وَأَخَذُوا الْحِجَارَةَ، فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا الرَّجْمُ، إِنَّمَا يُصِيبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، صُفُّوا كَصَفِّ الصَّلَاةِ صَفًّا خَلْفَ صَفٍّ ; ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا امْرَأَةٍ جِيءَ بِهَا وَبِهَا حَبَلٌ، يَعْنِي: أَوِ اعْتَرَفَتْ، فَالْإِمَامُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ، ثُمَّ النَّاسُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ جِيءَ بِهَا أَوْ رَجُلٍ زَانٍ فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا

стр. 2431

فَالشُّهُودُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ، ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَرَجَمَ صَفٌّ ثُمَّ صَفٌّ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلُوا بِهَا مَا تَفْعَلُونَ بِمَوْتَاكُمْ. قَالَ الشَّيْخُ ﵀: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ جَلْدَ الثَّيِّبِ صَارَ مَنْسُوخًا، وَأَنَّ الْأَمْرَ صَارَ إِلَى الرَّجْمِ فَقَطْ، اهـ، مِنَ السُّنَنِ الْكُبْرَى بِلَفْظِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْجُومَ يُغْسَلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَتِ النُّصُوصُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُومِ ; كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَقَالَ صَاحِبُ «نَصْبِ الرَّايَةِ» فِي أَثَرِ عَلِيٍّ هَذَا، مَا نَصُّهُ: قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: جِيءَ بِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا، عَنِ الْبَيْهَقِيِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي سُقْنَاهُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ نَصْبِ الرَّايَةِ، حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ لِلْأَثَرِ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَلَمْ يُشِرْ إِلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى الَّتِي سُقْنَاهَا الَّتِي الرَّاوِي فِيهَا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَبُو حَصِينٍ فَاقْتِصَارُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَجْلَحِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَتَرْكُهُ لِلرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَوَّلًا لَا وَجْهَ لَهُ. وَالْأَجْلَحُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، هُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُجَيَّةَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ مُصَغَّرًا، وَيُقَالُ: ابْنُ مُعَاوِيَةَ، يُكَنَّى أَبَا حُجَيَّةَ الْكِنْدِيَّ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ يَحْيَى، قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ» : صَدُوقٌ شِيعِيٌّ، وَقَالَ عَنْهُ فِي «تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ» : قَالَ الْقَطَّانُ: فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَالَ أَيْضًا: مَا كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَجْلَحُ وَمُجَالِدٌ مُتَقَارِبَانِ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَى الْأَجْلَحُ غَيْرَ حَدِيثٍ مُنْكَرٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ: مَا أَقْرَبَ الْأَجْلَحَ مِنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: صَالِحٌ، وَقَالَ مَرَّةً: ثِقَةٌ، وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ لَيْسَ بِذَاكَ، وَكَانَ لَهُ رَأْيُ سُوءٍ، وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ: مُفْتَرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَهُ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ، وَيَرْوِي عَنْهُ الْكُوفِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا مُجَاوِزًا لِلْحَدِّ لَا إِسْنَادًا وَلَا مَتْنًا إِلَّا أَنَّهُ يُعَدُّ فِي شِيعَةِ الْكُوفَةِ، وَهُوَ عِنْدِي مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ صَدُوقٌ. وَقَالَ شَرِيكٌ عَنِ الْأَجْلَحِ: سَمِعْنَا أَنَّهُ مَا يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ قَتْلًا أَوْ فَقِيرًا، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ صَدُوقٌ. قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ مِنْ بَجِيلَةَ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ مَرَّةً: زَكَرِيَّا أَرْفَعُ مِنْهُ بِمِائَةِ دَرَجَةٍ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ضَعِيفًا جِدًّا، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ أَحَادِيثَ

стр. 2432

مُضْطَرِبَةً لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثِقَةٌ، حَدِيثُهُ لَيِّنٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ جَعَلَ أَبَا سُفْيَانَ أَبَا الزُّبَيْرِ، انْتَهَى مِنْهُ. وَقَدْ رَأَيْتُ كَثْرَةَ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَجْلَحِ الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَهُ لِهَذَا الْأَثَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ تَعْتَضِدُ بِرِوَايَةِ أَبِي الْحَصِينِ لَهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبُو حَصِينٍ الْمَذْكُورُ، هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ حَصِينٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ أَخْرَجَ لَهُ الْجَمِيعُ، وَقَالَ فِيهِ فِي «التَّقْرِيبِ» : ثِقَةٌ ثَبْتٌ سُنِّيٌّ وَرُبَّمَا دَلَّسَ، اهـ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَدَاءَةِ الشُّهُودِ وَالْإِمَامِ بِالرَّجْمِ وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ. فَاعْلَمْ: أَنْ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِبَدَاءَةِ الشُّهُودِ أَوِ الْإِمَامِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀: إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ فَعَلَهُ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَثَرُ عَلِيٍّ ﵁ الْمَذْكُورُ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَعَمِلَ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ أَنَّهُ يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي قَدَّمْنَا عَنْ صَاحِبِ «الْمُغْنِي» ، وَصَاحِبِ «تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ» يَقْتَضِي أَنَّ مِثْلَهُ يُقَالُ بِطَرِيقِ الرَّأْيِ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي عَلَّلُوا بِهِ الْقَوْلَ بِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ «نَصْبِ الرَّايَةِ» بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رِوَايَةَ الْبَيْهَقِيِّ لِلْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مَا نَصُّهُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ سَاقَ مَتْنَ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِنَحْوِ مَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁، ثُمَّ سَاقَ الْأَثَرَ بِنَحْوِ مَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَلِيٍّ، ثُمَّ سَاقَ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ بِنَحْوِ مَا قَدَّمْنَا، اهـ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ بِبَدَاءَةِ الْإِمَامِ فِي الْإِقْرَارِ وَبَدَاءَةِ الشُّهُودِ فِي الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْوَقْفِ فَهِيَ فَتْوَى وَفِعْلٌ مِنْ خَلِيفَةٍ رَاشِدٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا اسْتَظْهَرْنَا بَدَاءَةَ الْبَيِّنَةِ وَالْإِمَامِ فِي الرَّجْمِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الْخَامِسُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَرْجُومَ إِذَا هَرَبَ فِي أَثْنَاءِ الرَّجْمِ عِنْدَمَا وَجَدَ أَلَمَ الضَّرْبِ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَ زِنَاهُ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَهُ حَتَّى يُدْرِكُوهُ، فَيَرْجُمُوهُ

стр. 2433

لِوُجُوبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الرَّجْمُ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَ زِنَاهُ ثَابِتًا بِإِقْرَارٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُحْصَنِ: إِذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا فَشَرَعُوا فِي رَجْمِهِ، ثُمَّ هَرَبَ هَلْ يُتْرَكُ أَمْ يُتْبَعُ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا: يُتْرَكُ، وَلَا يُتْبَعُ لِكَيْ يُقَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ تُرِكَ، وَإِنْ أَعَادَ رُجِمَ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ يُتْبَعُ وَيُرْجَمُ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «: أَلَا تَرَكْتُمُوهُ حَتَّى أَنْظُرَ فِي شَأْنِهِ» ؟ وَفِي رِوَايَةٍ «: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُلْزِمْهُمْ ذَنْبَهُ، مَعَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ بَعْدَ هَرَبِهِ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ، وَقَدْ ثَبَتَ إِقْرَارُهُ فَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالرُّجُوعِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُتْبَعُ فِي هَرَبِهِ لَعَلَّهُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ، وَلَمْ نَقُلْ إِنَّهُ سَقَطَ الرَّجْمُ بِمُجَرَّدِ الْهَرَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى مِنْهُ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَنَّهُ إِنْ هَرَبَ فِي أَثْنَاءِ الرَّجْمِ لَا يُتْبَعُ بَلْ يُمْهَلُ حَتَّى يُنْظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَإِنْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ تُرِكَ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى إِقْرَارِهِ رُجِمَ، وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا النَّوَوِيُّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْبِكْرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا زَنَا وَجَبَ جَلْدُهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ كَمَا هُوَ نَصُّ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يُغَرَّبُ سَنَةً مَعَ جَلْدِهِ مِائَةً أَوْ لَا يُغَرَّبُ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْبِكْرَ يُغَرَّبُ سَنَةً مَعَ الْجَلْدِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَبِهِ قَالَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ ﵃، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُغَرَّبُ الرَّجُلُ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَجِبُ التَّغْرِيبُ عَلَى ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجَمَاهِيرُ: يُنْفَى سَنَةً رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجِبُ النَّفْيُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوَزْاعِيُّ: لَا نَفْيَ عَلَى النِّسَاءِ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ:

стр. 2434

أَحَدُهَا: يُغَرَّبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَنَةً لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَبِهَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ، وَابْنُ جَرِيرٍ. وَالثَّانِي: يُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [٤ \ ٢٥] ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَهَذِهِ الْآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: جَوَازُ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِهِ أَوْلَى. وَالثَّالِثُ: لَا يُغَرَّبُ الْمَمْلُوكُ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ ; لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ «: فَلْيَجْلِدْهَا» ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّفْيَ، وَلِأَنَّ نَفْيَهُ يَضُرُّ سَيِّدَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَأَجَابَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْ حَدِيثِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلنَّفْيِ، وَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ النَّفْيِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا، وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى مُوَافَقَتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، اهـ كَلَامُ النَّوَوِيِّ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ النَّفْيِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، فَانْظُرْهُ. وَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ الْأَئِمَّةَ الثَّلَاثَةَ: مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَحْمَدَ، مُتَّفِقُونَ عَلَى تَغْرِيبِ الزَّانِي الْبِكْرِ الْحُرِّ الذَّكَرِ، وَإِنْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي تَغْرِيبِ الْإِنَاثِ وَالْعَبِيدِ، وَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ يَقُولُونَ: بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّغْرِيبُ عَلَى الزَّانِي مُطْلَقًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، فَهَذِهِ تَفَاصِيلُ أَدِلَّتِهِمْ. أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: يُغَرَّبُ الْبِكْرُ الزَّانِي سَنَةً، فَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحِيهِمَا وَبَاقِي الْجَمَاعَةِ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ الَّذِي زَنَى بِامْرَأَةِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ أَجِيرًا عِنْدَهُ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِرِوَايَةِ صَحَابِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ أَنَّهُ أَقْسَمَ لَيَقْضِيَنَّ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَضَاءِ بِكِتَابِ اللَّهِ جَلْدَ ذَلِكَ الزَّانِي الْبِكْرَ مِائَةً وَتَغْرِيبَهُ عَامًا، وَهَذَا أَصَحُّ نَصٍّ وَأَصْرَحُهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَفِيهِ «: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ» ، وَهُوَ أَيْضًا نَصٌّ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى عَدَمِ التَّغْرِيبِ بِأَدِلَّةٍ:

стр. 2435

مِنْهَا: أَنَّ التَّغْرِيبَ سَنَةً زِيَادَةٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَالْمُقَرَّرُ فِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ لَهُ، وَإِذَا كَانَتْ زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ فِي الْآيَةِ تُعْتَبَرُ نَسْخًا لِلْآيَةِ فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْآيَةَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَأَحَادِيثُ التَّغْرِيبِ أَخْبَارُ آحَادٍ، وَالْمُتَوَاتِرُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْسَخُ بِالْآحَادِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا وَهُوَ أَنَّ كُلَّ زِيَادَةٍ عَلَى النَّصِّ، فَهِيَ نَاسِخَةٌ لَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَا تَكُونُ نَاسِخَةً لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، إِلَّا إِنْ كَانَتْ مُثْبِتَةً شَيْئًا قَدْ نَفَاهُ النَّصُّ أَوْ نَافِيَةً شَيْئًا أَثْبَتَهُ النَّصُّ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ زِيَادَةُ شَيْءٍ سَكَتَ عَنْهُ النَّصُّ السَّابِقُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِهِ، وَلَا لِإِثْبَاتِهِ فَالزِّيَادَةُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا هِيَ رَافِعَةٌ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْأُصُولِ بِالْإِبَاحَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ بِعَيْنِهَا اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، حَتَّى يَرِدَ دَلِيلٌ نَاقِلٌ عَنْهُ، وَرَفْعُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِنَّمَا النَّسْخُ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَانَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَبْحَثَ فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [٦ \ ١٤٥] . وَفِي سُورَةِ «الْحَجِّ» فِي مَبْحَثِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ فِي كَلَامِنَا الطَّوِيلِ عَلَى آيَاتِ «الْحَجِّ» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ لَا يُنْسَخُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ ; فَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ «الْأَنْعَامِ» الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، أَنَّهُ غَلَطَ فِيهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ غَلَطًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ جَوَازُ نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ ; إِذَا ثَبَتَ تَأَخُّرُهَا عَنْهُ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، حَتَّى يُرَجَّحَ الْمُتَوَاتِرُ عَلَى الْآحَادِ، لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ مَعَ اخْتِلَافِ زَمَنِ الدَّلِيلَيْنِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقٌّ فِي وَقْتِهِ، فَلَوْ قَالَتْ لَكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُدُولِ: إِنَّ أَخَاكَ الْمُسَافِرَ لَمْ يَصِلْ بَيْتَهُ إِلَى الْآنَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ أَخْبَرَكَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ أَنَّ أَخَاكَ وَصَلَ بَيْتَهُ، فَإِنَّ خَبَرَ هَذَا الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ أَحَقُّ بِالتَّصْدِيقِ مِنْ خَبَرِ جَمَاعَةِ الْعُدُولِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ أَخَاكَ وَقْتَ كَوْنِهِمْ فِي بَيْتِهِ لَمْ يَقْدَمْ، وَبَعْدَ ذَهَابِهِمْ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ قَدِمَ أَخُوكَ فَأَخْبَرَكَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ بِقُدُومِهِ وَهُوَ صَادِقٌ، وَخَبَرُهُ لَمْ يُعَارِضْ خَبَرَ الْجَمَاعَةِ الْآخَرِينَ لِاخْتِلَافِ زَمَنِهِمَا كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ ; فَالْمُتَوَاتِرُ فِي وَقْتِهِ قَطْعِيٌّ، وَلَكِنَّ اسْتِمْرَارَ حُكْمِهِ إِلَى الْأَبَدِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ،

стр. 2436

فَنَسْخُهُ بِالْآحَادِ إِنَّمَا نَفَى اسْتِمْرَارَ حُكْمِهِ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ، كَمَا تَرَى. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى عَدَمِ التَّغْرِيبِ: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ: أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَهُ ﷺ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَمَّاهَا فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ زَنَتْ، فَجَلَدَهُ الْحَدَّ، وَتَرَكَهَا، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أَقَرَّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَكَانَ بِكْرًا فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً، وَسَأَلَهُ ﷺ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذْ كَذَّبَتْهُ، فَلَمْ يَأْتِ بِهَا ; فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ التَّغْرِيبُ وَاجِبًا لَمَا أَخَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَيْضًا: الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» الْحَدِيثَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ التَّغْرِيبَ مَعَ الْجَلْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّغْرِيبَ مَنْسُوخٌ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ لَا يَنْهَضُ لِمُعَارَضَةِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي فِيهَا إِقْسَامُهُ ﷺ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ جَلْدِ الْبِكْرِ، وَنَفْيِهِ سَنَةً قَضَاءٌ مِنْهُ ﷺ بِكِتَابِ اللَّهِ. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْسَمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَهَذَا النَّصُّ الصَّحِيحُ بَالِغٌ مِنَ الصَّرَاحَةِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، مَا لَمْ يَبْلُغْهُ شَيْءٌ آخَرُ يُعَارَضُ بِهِ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْمُبَيِّنُ، وَقَدْ أَقْسَمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَخَطَبَ بِذَلِكَ عُمَرُ ﵁ عَلَى رُءُوسِ الْمَنَابِرِ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، اهـ مِنْهُ. وَذَكَرَ مُرَجِّحَاتٍ أُخْرَى مُتَعَدِّدَةً لِوُجُوبِ التَّغْرِيبِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّغْرِيبِ، وَلَا التَّصْرِيحُ بِعَدَمِهِ، وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ هُوَ قَبْلَ حَدِيثِ الْإِقْسَامِ، بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَعَلَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ الْإِقْسَامُ الْمَذْكُورُ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْإِقْسَامَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ، فَذَلِكَ التَّصْرِيحُ، بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ مَعَ الْإِقْسَامِ عَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ بِمُحْتَمَلٍ ; وَلَوْ تَكَرَّرَتِ الرِّوَايَاتُ بِهِ تَكَرُّرًا كَثِيرًا، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا كَمَا هُوَ الْحَقُّ، فَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَنْ صَحَابِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ هُمَا: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ الَّذِي فِيهِ الْإِقْسَامُ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا قَضَاءٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، لَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي هُوَ دُونَهُ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ. أَمَّا

стр. 2437

كَوْنُهُ فِي السَّنَدِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي الْمَتْنِ فَلِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِنَفْيِ التَّغْرِيبِ، وَالصَّرِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِ الصَّرِيحِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَصَحَّ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ جَمْعُ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ الْأَمَةِ فَلَيْسَ بِوَجِيهٍ لِاخْتِلَافِ الْأَمَةِ وَالْأَحْرَارِ فِي أَحْكَامِ الْحَدِّ، فَهِيَ تُجْلَدُ خَمْسِينَ، وَلَوْ مُحْصَنَةً، وَلَا تُرْجَمُ، وَالْأَحْرَارُ بِخِلَافٍ ذَلِكَ، فَأَحْكَامُ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فِي الْحُدُودِ قَدْ تَخْتَلِفُ. وَقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ «النِّسَاءِ» اخْتِلَافَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي حُكْمِ حَدِّ الزِّنَا مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً، فَعَلَيْهَا الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ عَلَيْهَا نِصْفَهُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [٤ \ ٢٥] ، فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: فَإِذَا أُحْصِنَّ، وَقَوْلَهُ: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، يَظْهَرُ لَكَ مَا ذَكَرْنَا. وَمِمَّا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ الْأَصَحَّ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ هُوَ وُجُوبُ تَغْرِيبِ الْبِكْرِ سَنَةً مَعَ جَلْدِهِ مِائَةً لِصَرَاحَةِ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِالتَّغْرِيبِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ، اخْتَلَفُوا فِي تَغْرِيبِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: تُغَرَّبُ الْمَرْأَةُ سَنَةً لِعُمُومِ أَدِلَّةِ التَّغْرِيبِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا تَغْرِيبَ عَلَى النِّسَاءِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. أَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِتَغْرِيبِ النِّسَاءِ فَهِيَ عُمُومُ أَدِلَّةِ التَّغْرِيبِ، وَظَاهِرُهَا شُمُولُ الْأُنْثَى، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: لَا تَغْرِيبَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ بِنَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ، إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ. وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، قَالُوا: لَا يَجُوزُ سَفَرُهَا دُونَ مَحْرَمٍ، وَلَا يُكَلَّفُ مَحْرَمُهَا بِالسَّفَرِ مَعَهَا ; لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ يُكَلَّفُ السَّفَرُ بِسَبَبِهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ وَفِي تَغْرِيبِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا، وَتَعْرِيضٌ لَهَا لِلْفِتْنَةِ، وَلِذَلِكَ نُهِيَتْ عَنِ السَّفَرِ إِلَّا

стр. 2438

مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، قَالُوا: وَغَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ، أَنَّ عُمُومَ أَحَادِيثِ التَّغْرِيبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ خَصَّصَتْهُ أَحَادِيثُ نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا إِنْ وُجِدَ لَهَا مَحْرَمٌ مُتَبَرِّعٌ بِالسَّفَرِ مَعَهَا إِلَى مَحَلِّ التَّغْرِيبِ مَعَ كَوْنِ مَحَلِّ التَّغْرِيبِ مَحَلَّ مَأْمَنٍ لَا تَخْشَى فِيهِ فِتْنَةً، مَعَ تَبَرُّعِ الْمَحْرَمِ الْمَذْكُورِ بِالرُّجُوعِ مَعَهَا إِلَى مَحَلِّهَا، بَعْدَ انْتِهَاءِ السَّنَةِ، فَإِنَّهَا تُغَرَّبُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِعُمُومِ أَحَادِيثِ التَّغْرِيبِ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا مُتَبَرِّعًا بِالسَّفَرِ مَعَهَا، فَلَا يُجْبَرُ ; لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَلَا تُكَلَّفُ هِيَ السَّفَرَ بِدُونِ مَحْرَمٍ، لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى النَّهْيِ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّالِ عَلَى الْأَمْرِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ دَرْأَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي اسْتَظْهَرْنَا لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَغْرِيبِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ. وَأَظْهَرُ أَقْوَالِهِمْ عِنْدَنَا: أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يُغَرَّبُ، لِأَنَّهُ مَالٌ، وَفِي تَغْرِيبِهِ إِضْرَارٌ بِمَالِكِهِ، وَهُوَ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يُرْجَمُ، وَلَوْ كَانَ مُحْصَنًا ; لِأَنَّ إِهْلَاكَهُ بِالرَّجْمِ إِضْرَارٌ بِمَالِكِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «: إِذَا زَنَتْ أَمَةَ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَغْرِيبًا، وَقَدْ فَهِمَ الْبُخَارِيُّ ﵀ عَدَمَ نَفْيِ الْأَمَةِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَلِذَا قَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ: بَابُ لَا يُثَرَّبُ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَا تُنْفَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا اخْتِلَافَ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْعَبِيدِ هَلْ يَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ نُصُوصِ الشَّرْعِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ، أَوْ لَا يَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ النُّصُوصِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ لِكَثْرَةِ خُرُوجِهِمْ مِنْ عُمُومِ النُّصُوصِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ دُخُولُهُمْ فِي عُمُومِ النُّصُوصِ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُمْ مِنْهُ دَلِيلٌ، وَاعْتَمَدَهُ صَاحِبُ «مَرَاقِي السُّعُودِ» ، بِقَوْلِهِ: وَالْعَبْدُ وَالْمَوْجُودُ وَالَّذِي كَفَرَ ... مَشْمُولَةٌ لَهُ لَدَى ذَوِي النَّظَرِ وَإِخْرَاجُهُمْ هُنَا مِنْ نُصُوصِ التَّغْرِيبِ ; لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِجَلْدِ الْأَمَةِ الزَّانِيَةِ وَبَيْعِهَا، وَلَمْ

стр. 2439

يَذْكُرْ تَغْرِيبَهَا، وَلِأَنَّهُمْ مَالٌ، وَفِي تَغْرِيبِهِمْ إِضْرَارٌ بِالْمَالِكِ، وَفِي الْحَدِيثِ «: لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ. أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّغْرِيبِ مِنْ مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ ; لِأَنَّهُ فِيمَا دُونَهَا لَهُ حُكْمُ الْحَاضِرِ بِالْبَلَدِ الَّذِي زَنَى فِيهِ. وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا عِنْدِي أَنَّ الْمُغَرَّبَ يُسْجَنُ فِي مَحَلِّ تَغْرِيبِهِ ; لِأَنَّ السَّجْنَ عُقُوبَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى التَّغْرِيبِ، فَتَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا زَنَى غُرِّبَ مِنْ مَحَلِّ زِنَاهُ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ غَيْرِ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَصَابَ حَدًّا، وَلَمْ يُعَيِّنْ ذَلِكَ الْحَدَّ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِعَدَمِ التَّعْيِينِ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ «: أَلَيْسَ صَلَّيْتَ مَعَنَا» ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ «: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ» ، أَوْ قَالَ «: حَدَّكَ» ، هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوُهُ: وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ وَلَمْ يُسَمِّهِ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَمَا تَرَى، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي حُكْمِ رُجُوعِ الزَّانِي الْمُقِرِّ بِالزِّنَى أَوْ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ إِتْمَامِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ. أَمَّا الزَّانِي الْمُقِرُّ بِزِنَاهُ إِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَلَوْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ إِقَامَةِ الْحَدِّ مِنْ جَلْدٍ أَوْ رَجْمٍ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ قُدَامَةَ خِلَافَ هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ ضَعِيفَةٌ. وَالظَّاهِرُ لَنَا هُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ بِرُجُوعِهِ عَنْ إِقْرَارِهِ، وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ إِقَامَةِ

стр. 2440

الْحَدِّ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمْ لَمَّا تَبِعُوا مَاعِزًا بَعْدَ هَرَبِهِ «: أَلَا تَرَكْتُمُوهُ؟» ، وَفِي رِوَايَةٍ «: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ؟ فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ رُجُوعِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْحَقُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا رُجُوعُ الْبَيِّنَةِ أَوْ بَعْضُهُمْ فَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ بِخُصُوصِهِ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَاعْلَمْ: أَنَّ لَهُ حَالَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُمْ، أَوْ رُجُوعُ بَعْضِهِمْ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي بِشَهَادَتِهِمْ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُمْ، أَوْ رُجُوعُ بَعْضِهِمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ قَدْ يَكُونُ جَلْدًا، وَقَدْ يَكُونُ رَجْمًا، فَإِذَا رَجَعُوا كُلُّهُمْ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : فَإِنْ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْحَدُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِيَةُ: يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ دُونَ الرَّاجِعِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ قَبْلَ الْحَدِّ فَهُوَ كَالتَّائِبِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَلِأَنَّ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ تَمْكِينًا لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَفِي إِيجَابِ الْحَدِّ زَجْرٌ لَهُ عَنِ الرُّجُوعِ خَوْفًا مِنَ الْحَدِّ، فَتَفُوتُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ، وَتَتَحَقَّقُ الْمَفْسَدَةُ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ نَفْيَ الْحَدِّ عَنْهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ دُونَ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ فِي قَذْفِهِ. وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا سَقَطَ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِرُجُوعِ الرَّاجِعِ، وَمَنْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا فَلَمْ يُحَدَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ، وَلَنَا أَنَّهُ نَقَصَ الْعَدَدُ بِالرُّجُوعِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَلَزِمَهُمُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَقَوْلُهُمْ: وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ يَبْطُلُ بِمَا إِذَا رَجَعُوا كُلُّهُمْ، وَبِالرَّاجِعِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ الْحَدَّ وَجَبَ، ثُمَّ سَقَطَ، وَوَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ بِسُقُوطِهِ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ إِذَا وَجَبَ عَلَى الرَّاجِعِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ فِي رُجُوعِهِ، وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَإِحْيَائِهِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِشْرَافِهِ عَلَى التَّلَفِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، انْتَهَى مِنَ «الْمُغْنِي» . وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُمْ إِنْ رَجَعُوا كُلُّهُمْ حُدُّوا كُلُّهُمْ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ، فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: يُحَدُّونَ كُلُّهُمْ.

стр. 2441

وَالثَّانِي: يُحَدُّ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ دُونَ مَنْ رَجَعَ. وَالثَّالِثُ: عَكْسُهُ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ كَلَامِهِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُمْ إِنْ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ أَوِ الْجَلْدِ بِشَهَادَتِهِمْ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِرُجُوعِ الشُّهُودِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَقَوْلُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْحُكْمَ يُنَفَّذُ عَلَيْهِ، وَلَوْ رَجَعُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ قَبْلَ التَّنْفِيذِ خِلَافَ التَّحْقِيقِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا نُفِّذَ بِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ، أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ بِرُجُوعِهِمْ وَإِنَّمَا يُنْقَضُ بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ ; لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُعَمِّمُوهُ فِي الشَّهَادَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْقَتْلِ لِعِظَمِ شَأْنِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ كَذَّبَتْ أَنْفُسَهَا، فِيمَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِهِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا إِنْ كَانَ رُجُوعُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ تَعَمُّدُهُمُ الْكَذِبَ لَزِمَتْهُمْ دِيَةُ الْمَرْجُومِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: تَلْزَمُ الدِّيَةُ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْقِصَاصِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَلَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا فِي قَتْلِهِ بِشَهَادَةِ زُورٍ، فَقَتْلُهُمْ بِهِ لَهُ وَجْهٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمْ أَوْ رُجُوعُ بَعْضِهِمْ بَعْدَ جَلْدِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالزِّنَى بِشَهَادَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ تَعَمُّدُهُمُ الْكَذِبَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا سُوءًا، وَإِنْ ظَهَرَ تَعَمُّدُهُمُ الْكَذِبَ وَجَبَ تَعْزِيرُهُمْ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ رَادِعًا لَهُمْ وَلِأَمْثَالِهِمْ، لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَعْصِيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: الْأُولَى: تَعَمُّدُهُمْ شَهَادَةَ الزُّورِ. وَالثَّانِيَةُ: إِضْرَارُهُمْ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْجَلْدِ، وَهُوَ أَذًى عَظِيمٌ أَوْقَعُوهُ بِهِ بِشَهَادَةِ زُورٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ. اعْلَمْ: أَنَا قَدَّمَنَا حُكْمَ مَنْ زَنَى بِبَهِيمَةٍ فِي سُورَةِ «الْإِسْرَاءِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [١٧ \ ٣٣] ، وَقَدَّمْنَا حُكْمَ اللِّوَاطِ وَأَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَدِلَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ «هُودٍ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [١١ \ ٨٣] ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ زَنَى مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، يَكْفِي لِجَمِيعِ ذَلِكَ حَدٌّ وَاحِدٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَاتِ «الْحَجِّ» ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ الْأَمَةَ تُجْلَدُ خَمْسِينَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُحْصَنَةً أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ ; لِأَنَّ

стр. 2442

جَلْدُهَا خَمْسِينَ مَعَ الْإِحْصَانِ مَنْصُوصٌ فِي الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَجَلْدُهَا مَعَ عَدَمِ الْإِحْصَانِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا: أَنَّ الْأَمَةَ غَيْرَ الْمُحْصَنَةِ تُجْلَدُ خَمْسِينَ، وَأَلْحَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْعَبْدَ بِالْأَمَةِ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ يُجْلَدُ خَمْسِينَ مُطْلَقًا أُحْصِنَ أَمْ لَا، وَقَدْ تَرَكْنَا الْأَقْوَالَ الْمُخَالِفَةَ لِمَا ذَكَرْنَا لِعَدَمِ اتِّجَاهِهَا عِنْدَنَا مَعَ أَنَّا أَوْضَحْنَاهَا فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ الْآيَةَ [٤ \ ٢٥] ، وَلْنَكْتَفِ بِمَا ذَكَرْنَا هُنَا مِنْ أَحْكَامِ الزِّنَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا. وَعَادَتُنَا أَنَّ الْآيَةَ إِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ أَنَّا نَذْكُرُ عُيُونَ مَسَائِلِ ذَلِكَ الْبَابِ وَالْمُهِمَّ مِنْهُ، وَتَبْيِينَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَنُنَاقِشُهَا، وَلَا نَسْتَقْصِي جَمِيعَ مَا فِي الْبَابِ ; لِأَنَّ اسْتِقْصَاءَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ فُرُوعِ الْمَذَاهِبِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا هَذَا الْكِتَابُ الْمُبَارَكُ أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ قَوْلًا، وَيَكُونُ فِي نَفْسِ الْآيَةِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، ذَكَرْنَا هَذَا فِي تَرْجَمَةِ الْكِتَابِ، وَذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنَ الْكِتَابِ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً لِذَلِكَ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالنِّكَاحِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْوَطْءُ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الزِّنَى، وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ، قَالُوا: فَلَا يَجُوزُ لِعَفِيفٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ زَانِيَةً كَعَكْسِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي هُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ التَّزْوِيجُ لَا الْوَطْءُ فِي نَفْسِ الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ، وَتِلْكَ الْقَرِينَةُ هِيَ ذِكْرُ الْمُشْرِكِ وَالْمُشْرِكَةِ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّ الزَّانِيَ الْمُسْلِمَ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ مُشْرِكَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [٢ \ ٢٢١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [٦٠ \ ١٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [٦٠ \ ١٠] ، وَكَذَلِكَ الزَّانِيَةُ الْمُسْلِمَةُ لَا يَحِلُّ

стр. 2443

لَهَا نِكَاحُ الْمُشْرِكِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [٢ \ ٢٢١] ، فَنِكَاحُ الْمُشْرِكَةِ وَالْمُشْرِكِ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ، وَذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا الْوَطْءُ الَّذِي هُوَ الزِّنَى، لَا عَقْدُ النِّكَاحِ ; لِعَدَمِ مُلَاءَمَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ لِذِكْرِ الْمُشْرِكِ وَالْمُشْرِكَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ نِكَاحَ الزَّانِي لِلْمُشْرِكَةِ، وَالزَّانِيَةِ لِلْمُشْرِكِ مَنْسُوخٌ ظَاهِرُ السُّقُوطِ ; لِأَنَّ سُورَةَ «النُّورِ» مَدَنِيَّةٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أُحِلَّ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ نُسِخَ، وَالنَّسْخُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ، وَنِكَاحِ الْعَفِيفَةِ الزَّانِيَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إِلَى جَوَازِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [٤ \ ٢٤] وَهُوَ شَامِلٌ بِعُمُومِهِ الزَّانِيَةَ وَالْعَفِيفَةَ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ الْآيَةَ [٢٤ \ ٣٢] ، وَهُوَ شَامِلٌ بِعُمُومِهِ الزَّانِيَةَ أَيْضًا وَالْعَفِيفَةَ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ «: غَرِّبْهَا» ، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي؟ قَالَ «: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «بُلُوغِ الْمَرَامِ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنَا: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظٍ قَالَ «: طَلِّقْهَا» ، قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ «: فَأَمْسِكْهَا» ، اهـ، مِنْ «بُلُوغِ الْمَرَامِ» ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ ابْنِ حَجَرٍ بِأَنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ ذِكْرَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ مُرْسَلًا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي. . . الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مُرْسَلًا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ كِلَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ حَمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ عَلَى الْفُجُورِ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا ; وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى تَفْرِيطِهَا فِي الْمَالِ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، انْتَهَى

стр. 2444

مِنْ مَوْضُوعَاتِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَكَثْرَةُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَتَضْعِيفِهِ مَعْرُوفَةٌ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَرَبَ تُكَنِّي بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، عَنْ عَدَمِ الْعِفَّةِ عَنِ الزِّنَى، يَعْنِي بِالْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلَ الرَّجُلِ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، اهـ، وَمَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُ هُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ لَفْظَ: لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ أَظْهَرُ فِي عَدَمِ الِامْتِنَاعِ مِمَّنْ أَرَادَ مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ كَمَا لَا يَخْفَى، فَحَمْلُهُ عَلَى تَفْرِيطِهَا فِي الْمَالِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ اللَّامِسِ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، كَمَا تَرَى. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي ظَهَرَ عَدَمُ عِفَّتِهَا، وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ، وَكَلَامُنَا الْآنَ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ لَا فِي الدَّوَامِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقٌ، كَمَا سَتَرَى إِيضَاحَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ تَزْوِيجِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي أَجَابُوا عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الْآيَةَ [٢٤ \ ٣] مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ هُوَ الْوَطْءُ الَّذِي هُوَ الزِّنَى بِعَيْنِهِ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ تَقْبِيحُ الزِّنَى وَشِدَّةُ التَّنْفِيرِ مِنْهُ ; لِأَنَّ الزَّانِيَ لَا يُطَاوِعُهُ فِي زِنَاهُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْخِسَّةِ لِكَوْنِهَا مُشْرِكَةً لَا تَرَى حُرْمَةَ الزِّنَى أَوْ زَانِيَةً فَاجِرَةً خَبِيثَةً. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْوَطْءِ الَّذِي هُوَ الزِّنَى، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، كَعَكْسِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا إِشْكَالَ فِي ذِكْرِ الْمُشْرِكَةِ وَالْمُشْرِكِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ التَّزْوِيجُ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً الْآيَةَ، مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ الْآيَةَ [٢٤ \ ٣٢] ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى نَسْخِهَا بِهَا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، مَا نَصُّهُ: هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الزَّانِيَ لَا يَطَأُ إِلَّا زَانِيَةً، أَوْ مُشْرِكَةً، أَيْ: لَا يُطَاوِعُهُ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ الزِّنَا إِلَّا زَانِيَةٌ عَاصِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ

стр. 2445

لَا تَرَى حُرْمَةَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ، أَيْ: عَاصٍ بِزِنَاهُ، أَوْ مُشْرِكٌ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِالنِّكَاحِ إِنَّمَا هُوَ الْجِمَاعُ لَا يَزْنِي بِهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَيْضًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالضَّحَّاكِ، وَمَكْحُولٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. فَتَرَاهُ صَدَّرَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ: الْجِمَاعُ، لَا التَّزْوِيجُ، وَذَكَرَ صِحَّتَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهَ أَنْ يُعَلِّمَهُ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ، وَعَزَاهُ لِمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمُفَسِّرِينَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَلَا شَكَّ فِي عِلْمِهِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. فَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهَا هُوَ الْجِمَاعُ لَا الْعَقْدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ عَلَى الْأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ، فَدَعْوَى أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَا يَصِحُّ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَأَنَّهُ قَبِيحٌ، يَرُدُّهُ قَوْلُ الْبَحْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا تَرَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ، أَنَّ النِّكَاحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْوَطْءُ. وَاعْلَمْ أَنَّ إِنْكَارَ الزَّجَّاجِ لِهَذَا الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَعْنِي الْقَوْلَ بِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهَا الْجِمَاعُ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ النِّكَاحَ لَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا بِمَعْنَى التَّزْوِيجِ، مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ فِيهِ النِّكَاحُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [٢ \ ٢٣٠] ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بِأَنَّ مَعْنَى نِكَاحِهَا لَهُ مُجَامَعَتُهُ لَهَا، حَيْثُ قَالَ «: لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» ، وَمُرَادُهُ بِذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ: الْجِمَاعُ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، يُطْلِقُونَ النِّكَاحَ عَلَى الْوَطْءِ. والتحقيق: أن النكاح في لغتهم الوطء. قال الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد

стр. 2446

وَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدُ، اهـ، وَإِنَّمَا سَمَّوْا عَقْدَ التَّزْوِيجِ نِكَاحًا ; لِأَنَّهُ سَبَبُ النِّكَاحِ أَيِ الْوَطْءِ، وَإِطْلَاقُ الْمُسَبَّبِ وَإِرَادَةُ سَبَبِهِ مَعْرُوفٌ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَهُوَ مِمَّا يُسَمِّيهِ الْقَائِلُونَ بِالْمَجَازِ، الْمَجَازُ الْمُرْسَلُ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ فِي مَحَلِّهِ، وَمِنْ إِطْلَاقِ الْعَرَبِ النِّكَاحَ عَلَى الْوَطْءِ، قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: وَذَاتِ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ... حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ لِأَنَّ الْإِنْكَاحَ فِي الْبَيْتِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدَ التَّزْوِيجِ، إِذْ لَا يُعْقَدُ عَلَى الْمَسْبِيَّاتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالسَّبْيِ مَعَ الْكُفْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ أَيْضًا: وَبِنْتُ كَرِيمٍ قَدْ نَكَحْنَا وَلَمْ يَكُنْ ... لَهَا خَاطِبٌ إِلَّا السِّنَانُ وَعَامِلُهْ فَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ فِي هَذَا الْبَيْتِ هُوَ الْوَطْءُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَا الْعَقْدُ ; كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لَهَا خَاطِبٌ إِلَّا السِّنَانُ وَعَامِلُهُ. وَقَوْلُهُ: إِذَا سَقَى اللَّهُ قَوْمًا صَوْبَ غَادِيَةٍ ... فَلَا سَقَى اللَّهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ الْمَطَرَا التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمُ ... وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ نِكَاحَ الْبَقَرِ لَيْسَ مَعْنَاهُ التَّزْوِيجَ. قَالُوا: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ التَّزْوِيجِ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى النِّكَاحِ فِيهَا التَّزْوِيجَ لَوَجَبَ حَدُّ الْمُتَزَوِّجِ بِزَانِيَةٍ ; لَأَنَّهُ زَانٍ، وَالزَّانِي يَجِبُ حَدُّهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ زَانِيَةً لَا يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَى، وَلَوْ كَانَ زَانِيًا لَحُدَّ حَدَّ الزِّنَى، فَافْهَمْ، هَذَا هُوَ حَاصِلُ حُجَجِ مَنْ قَالُوا إِنَّ النِّكَاحَ فِي الْآيَةِ الْوَطْءُ، وَأَنَّ تَزْوِيجَ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، كَعَكْسِهِ. وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الزَّانِي لِعَفِيفَةٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِآيَاتٍ وَأَحَادِيثَ. فَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [٢٤ \ ٣] قَالُوا: الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: التَّزْوِيجُ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى

стр. 2447

تَحْرِيمِهِ فِي قَوْلِهِ: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا: وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ رَاجِعَةٌ إِلَى تَزْوِيجِ الزَّانِي بِغَيْرِ الزَّانِيَةِ، أَوِ الْمُشْرِكَةِ وَهُوَ نَصٌّ قُرْآنِيٌّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِي الْعَفِيفَةَ، كَعَكْسِهِ. وَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [٥ \ ٥] قَالُوا: فَقَوْلُهُ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ أَيْ: أَعِفَّاءَ غَيْرَ زُنَاةٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ مُخَالَفَةِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُسَافِحِ الَّذِي هُوَ الزَّانِي لِمُحْصَنَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَلَا مُحْصَنَةٍ عَفِيفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [٤ \ ٢٥] ، فَقَوْلُهُ: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ أَيْ: عَفَائِفَ غَيْرَ زَانِيَاتٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ مُخَالَفَةِ الْآيَةِ، أَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ مُسَافِحَاتٍ غَيْرَ مُحْصَنَاتٍ، لَمَا جَازَ تَزَوُّجُهُنَّ. وَمِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الْآيَةَ، كُلَّهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي الْوَطْءِ، وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، وَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَا قَالُوا فِي الْآيَةِ، مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ فِيهَا التَّزْوِيجُ، وَأَنَّ الزَّانِيَ لَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا زَانِيَةً مِثْلَهُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «: الزَّانِي الْمَجْلُودُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا مِثْلَهُ» ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ: فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَهْزُولٍ، كَانَتْ تُسَافِحُ، وَتَشْتَرِطُ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ ذَكَرَ لَهُ أَمْرَهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ: وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى لِأَحْمَدَ وَحْدَهُ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ.

стр. 2448

وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الْأُسَارَى بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ، وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ، قَالَ: فَجِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ: وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ «: لَا تَنْكِحْهَا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» فِي كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى، وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنِّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيَّ: وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَسَاقَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرْنَا بِأَسَانِيدِهَا، وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ بِهِ. قَالُوا: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَمْثَالُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فِي قَوْلِهِ: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً أَنَّهُ التَّزْوِيجُ لَا الْوَطْءُ، وَصُورَةُ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ ; كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، قَالُوا: وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّزْوِيجُ، فَتَحْرِيمُ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي مَنْصُوصٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي «زَادِ الْمَعَادِ» مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا نِكَاحُ الزَّانِيَةِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ فِي سُورَةِ «النُّورِ» وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ نَكَحَهَا فَهُوَ إِمَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَهُ سُبْحَانَهُ، وَيَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنِ الْتَزَمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ، وَخَالَفَهُ فَهُوَ زَانٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ، فَقَالَ: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ لِلْآيَةِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ [٢٤ \ ٣٢] مِنْ أَضْعَفِ مَا يُقَالُ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ حَمْلُ النِّكَاحِ عَلَى الزِّنَى. إِذْ يَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ: الزَّانِي لَا يَزْنِي إِلَّا بِزَانِيَةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ، وَالزَّانِيَةُ لَا يَزْنِي بِهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَكَذَلِكَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى امْرَأَةٍ بَغِيٍّ مُشْرِكَةٍ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ لَفْظِهَا وَسِيَاقِهَا، كَيْفَ وَهُوَ سُبْحَانُهُ إِنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ بِشَرْطِ الْإِحْصَانِ، وَهُوَ الْعِفَّةُ، فَقَالَ:

стр. 2449

فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [٤ \ ٢٥] ، فَإِنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، فَإِنَّ الْأَبْضَاعَ فِي الْأَصْلِ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَيُقْتَصَرُ فِي إِبَاحَتِهَا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَمَا عَدَاهُ فَعَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ. وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَا هِيَ حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِمَنْعِ تَزْوِيجِ الزَّانِي الْعَفِيفَةَ كَعَكْسِهِ، وَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَدِلَّتَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي، فَهَذِهِ مُنَاقَشَةُ أَدِلَّتِهِمْ. أَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ: إِنَّ حَمْلَ الزِّنَا فِي الْآيَةِ عَلَى الْوَطْءِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْ مِثْلِهِ كِتَابُ اللَّهِ، فَيَرُدُّهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَبِمَعَانِي الْقُرْآنِ صَحَّ عَنْهُ حَمْلُ الزِّنَى فِي الْآيَةِ عَلَى الْوَطْءِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْ مِثْلِهِ كِتَابُ اللَّهِ لَصَانَهُ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْ مِثْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلزِّنَى فِي الْآيَةِ بِالْوَطْءِ: هُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ، انْتَهَى مِنْهُ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْقُرْطُبِيِّ عَنْهُ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي كَلَامِهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ: فَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ يُقَالُ فِيهِ: نَعَمْ هُوَ مُشْرِكٌ، وَلَكِنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الزَّانِيَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِكَ جَوَازُ ذَلِكَ، وَهُوَ لَيْسَ بِجَائِزٍ فَيَبْقَى إِشْكَالُ ذِكْرِ الْمُشْرِكِ وَالْمُشْرِكَةِ وَارِدًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْآيَةِ التَّزْوِيجُ، كَمَا تَرَى. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي كَلَامِهِ هَذَا: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، فَإِنَّ الْأَبْضَاعَ فِي الْأَصْلِ عَلَى التَّحْرِيمِ فَيُقْتَصَرُ فِي إِبَاحَتِهَا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَمَا عَدَاهُ فَعَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ تَزْوِيجَ الزَّانِيَةِ وَرَدَتْ نُصُوصٌ عَامَّةٌ تَقْتَضِي جَوَازَهُ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [٤ \ ٢٥] وَهُوَ شَامِلٌ بِعُمُومِهِ لِلزَّانِيَةِ وَالْعَفِيفَةِ وَالزَّانِي وَالْعَفِيفِ، وَقَوْلِهِ: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ [٢٤ \ ٣٢] فَهُوَ أَيْضًا شَامِلٌ بِعُمُومِهِ لِجَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ، وَلِذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ آيَةَ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى الْآيَةَ، نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً الْآيَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ سَعِيدٌ مِنْ نَسْخِهَا بِهَا. وَبِمَا ذَكَرْنَا يَتَّضِحُ أَنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِ: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنَ

стр. 2450

الْبَحْثِ مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا ; لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ الْمَذْكُورَةَ لَا يَصِحُّ تَخْصِيصُ عُمُومِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ مَنْطُوقًا كَانَ أَوْ مَفْهُومًا، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّافِعِيِّ بِأَنَّ آيَةَ: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ فَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ ; لِأَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ هُوَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَسْخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ، وَأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ نُزُولُهُ عَنْهُ أَوْ تَأَخَّرَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ آيَةَ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ آيَةِ: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً فَالْقَوْلُ بِنَسْخِهَا لَهَا مَمْنُوعٌ عَلَى الْمُقَرَّرِ فِي أُصُولِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْمُقَرَّرِ فِي أُصُولِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ قَوْلِ سَعِيدٍ، وَالشَّافِعِيِّ بِالنَّسْخِ بِأَنَّهُمَا فَهِمَاهُ مِنْ قَرِينَةٍ فِي الْآيَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الْأَيَامَى الْأَحْرَارَ بِالصَّلَاحِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالصَّلَاحِ فِي أَيَامَى الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وَلِذَا قَالَ بَعْدَ الْآيَةِ: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [٢٤ \ ٣٢] . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَصْعَبِ الْآيَاتِ تَحْقِيقًا; لِأَنَّ حَمْلَ النِّكَاحِ فِيهَا عَلَى التَّزْوِيجِ، لَا يُلَائِمُ ذِكْرَ الْمُشْرِكَةِ وَالْمُشْرِكِ، وَحَمْلَ النِّكَاحِ فِيهَا عَلَى الْوَطْءِ لَا يُلَائِمُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْآيَةِ، فَإِنَّهَا تُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ: التَّزْوِيجُ، وَلَا أَعْلَمُ مَخْرَجًا وَاضِحًا مِنَ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا مَعَ بَعْضِ تَعَسُّفٍ، وَهُوَ أَنَّ أَصَحَّ الْأَقْوَالِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا حَرَّرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي رِسَالَتِهِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ، وَعَزَاهُ لِأَجِلَّاءِ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ جَوَازُ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، أَوْ مَعَانِيهِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: عَدَا اللُّصُوصُ الْبَارِحَةَ عَلَى عَيْنِ زَيْدٍ، وَتَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ عَوَّرُوا عَيْنَهُ الْبَاصِرَةَ وَغَوَّرُوا عَيْنَهُ الْجَارِيَةَ، وَسَرَقُوا عَيْنَهُ الَّتِي هِيَ ذَهَبُهُ أَوْ فِضَّتُهُ. وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ النِّكَاحَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالتَّزْوِيجِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازٌ فِي الْآخَرِ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ سَابِقًا، وَإِذَا جَازَ حَمْلُ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، فَيُحْمَلُ النِّكَاحُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْوَطْءِ، وَعَلَى التَّزْوِيجِ مَعًا، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْمُشْرِكَةِ وَالْمُشْرِكِ عَلَى تَفْسِيرِ النِّكَاحِ بِالْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ، وَهَذَا هُوَ نَوْعُ التَّعَسُّفِ الَّذِي أَشَرْنَا لَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 2451

وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إِبَاحَةِ تَزْوِيجِ الزَّانِيَةِ، وَالْمَانِعُونَ لِذَلِكَ أَقَلُّ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَدِلَّةَ الْجَمِيعِ. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا عَفِيفَةً، ثُمَّ زَنَتْ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ أَنَّ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُفْسَخُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الدَّوَامُ عَلَى نِكَاحِهَا، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ مَنْ مَنَعَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الدَّوَامِ عَلَى نِكَاحِهَا، وَبَيْنَ ابْتِدَائِهِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ هَذَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ «: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ هَذَا: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْمَذْكُورِ: وَحَدِيثُهُ فِي الْخُطْبَةِ صَحِيحٌ، اهـ، وَحَدِيثُهُ فِي الْخُطْبَةِ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ، وَهَذَا التَّذْكِيرُ وَالْوَعْظُ هُوَ الْخُطْبَةُ ; كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا الَّذِي فِيهِ: أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ «: طَلِّقْهَا» ، فَقَالَ: نَفْسِي تَتْبَعُهَا، فَقَالَ «: أَمْسِكْهَا» ، وَبَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي سَنَدِهِ، وَأَنَّهُ فِي الدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ، لَا فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ زَنَتْ زَوْجَتُهُ فُسِخَ نِكَاحُهَا وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ خِلَافُ التَّحْقِيقِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنْ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ مِنَ الزِّنَا قَبْلَ وَضْعِ حَمْلِهَا بَلْ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا، حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ نِكَاحَ الرَّجُلِ امْرَأَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ فِيهِ سَقْيُ الزَّرْعِ بِمَاءِ الْغَيْرِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [٦٥ \ ٤] ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ حَامِلٍ

стр. 2452

حَتَّى يَنْتَهِيَ أَجْلُ عِدَّتِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِأَنَّ الْحَوَامِلَ أَجُلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، فَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ هَذَا الْعُمُومِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ إِنْ تَابَا مِنَ الزِّنَا وَنَدِمَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمَا وَنَوَيَا أَنْ لَا يَعُوَدَا إِلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ نِكَاحَهُمَا جَائِزٌ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا، وَيَجُوزَ نِكَاحُ غَيْرِهِمَا لَهُمَا بَعْدَ التَّوْبَةِ ; لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [٢٥ \ ٦٨ - ٧٠] ، فَقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِينَ يَزْنُونَ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ إِنْ تَابُوا وَآمَنُوا، وَعَمِلُوا عَمَلًا صَالِحًا يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الزِّنَا تُذْهِبُ أَثَرَهُ، فَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَنْ زَنَا بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَقَوْلُهُمْ خِلَافُ التَّحْقِيقِ، وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ عَنِ الصَّحَابَةِ بِجَوَازِ تَزْوِيجِهِ بِمَنْ زَنَى بِهَا إِنْ تَابَا، وَضَرَبَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مَثَلًا بِرَجُلٍ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ بُسْتَانِ رَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرَى الْبُسْتَانَ فَالَّذِي سَرَقَهُ مِنْهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَالَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَلَالٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ مَا نَالَ مِنَ الْمَرْأَةِ حَرَامًا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَمَا نَالَ مِنْهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالتَّزْوِيجِ حَلَالٌ لَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ مَنْ رَدَّ الِاسْتِدْلَالَ بِآيَةِ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ الْآيَةَ [٢٥ \ ٦٨] ، قَائِلًا: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ لَا فِي الْمُسْلِمِينَ، يَرُدُّ قَوْلَهُ: إِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَمَا أَوْضَحْنَا أَدِلَّتَهُ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مِرَارًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُ الزَّانِيَةِ الْعَفِيفُ دَيُّوثًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِيَحْفَظَهَا، وَيَحْرُسَهَا، وَيَمْنَعَهَا مِنَ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي مَنْعًا بَاتًّا بِأَنْ يُرَاقِبَهَا دَائِمًا، وَإِذَا خَرَجَ تَرَكَ الْأَبْوَابَ مُقْفَلَةً دُونَهَا، وَأَوْصَى بِهَا مَنْ يَحْرُسُهَا بَعْدَهُ فَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، مَعَ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنَ الرِّيبَةِ، وَإِنْ جَرَى مِنْهَا شَيْءٌ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ مَعَ اجْتِهَادِهِ فِي صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ بِهِ دَيُّوثًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ كَعَكْسِهِ، وَأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا بِمَنْعِ ذَلِكَ.

стр. 2453

وَالْأَظْهَرُ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا عَفِيفَةً صَيِّنَةً، لِلْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَالْأَحَادِيثِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «: فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَرْمُونَ مَعْنَاهُ: يَقْذِفُونَ الْمُحْصَنَاتِ بِالزِّنَا صَرِيحًا أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُ الزِّنَا كَنَفْيِ نَسَبِ وَلَدِ الْمُحْصَنَةِ عَنْ أَبِيهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ كَانَ مِنْ زِنًى، وَهَذَا الْقَذْفُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ: الْأَوَّلُ: جَلْدُ الْقَاذِفِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. وَالثَّانِي: عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَتِهِ. وَالثَّالِثُ: الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ. فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هُوَ الْقَذْفُ بِصَرِيحِ الزِّنَى، أَوْ بِمَا يَسْتَلْزِمُهُ كَنَفْيِ النَّسَبِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَتَانِ مِنَ الْقُرْآنِ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ: يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْقَذْفِ يَتَوَقَّفُ إِثْبَاتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ إِلَّا الزِّنَى، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللِّوَاطَ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَى أَجْرَى أَحْكَامَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى اللَّائِطِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحْكَامَ اللَّائِطِ مُسْتَوْفَاةً فِي سُورَةِ «هُودٍ» ، كَمَا أَشَرْنَا لَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ. الْقَرِينَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ ذِكْرُ الْمُحْصَنَاتِ بَعْدَ ذِكْرِ الزَّوَانِي، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ فَذِكْرُ الْمُحْصَنَاتِ بَعْدَ ذِكْرِ الزَّوَانِي، يَدُلُّ عَلَى إِحْصَانِهِنَّ، أَيْ: عِفَّتِهِنَّ عَنِ الزِّنَى، وَأَنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَهُنَّ إِنَّمَا يَرْمُونَهُنَّ بِالزِّنَى، وَقَدْ قَدَّمْنَا جَمِيعَ الْمَعَانِي الَّتِي تُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ فِي الْقُرْآنِ، وَمَثَّلْنَا لَهَا كُلِّهَا مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [٤ \ ٢٤] ، فَذَكَرْنَا أَنَّ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي

стр. 2454

تُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ كَوْنُهُنَّ عَفَائِفَ غَيْرَ زَانِيَاتٍ ; كَقَوْلِهِ: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ [٤ \ ٢٤] ، أَيْ: عَفَائِفَ غَيْرَ زَانِيَاتٍ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ أَيِ: الْعَفَائِفَ، وَإِطْلَاقُ الْمُحْصَنَاتِ عَلَى الْعَفَائِفِ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: فَلَا تَأْمَنَنَّ الْحَيَّ قَيْسًا فَإِنَّهُمْ ... بَنُو مُحْصَنَاتٍ لَمْ تُدَنَّسْ حُجُورُهَا وَإِطْلَاقُ الرَّمْيِ عَلَى رَمْيِ الشَّخْصِ لِآخَرَ بِلِسَانِهِ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ أَحْمَرَ الْبَاهِلِيِّ: رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي فَقَوْلُهُ: رَمَانِي بِأَمْرٍ يَعْنِي: أَنَّهُ رَمَاهُ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ، وَفِي شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ أَوْ غَيْرِهِ: وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ مُبَيَّنَةٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ: الْجِهَةُ الْأُولَى: هِيَ الْقَرِينَتَانِ الْقُرْآنِيَّتَانِ الدَّالَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّمْيِ فِي قَوْلِهِ: يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ هُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَى، أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُهُ كَنَفْيِ النَّسَبِ ; كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا. الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ أَنَّ عُمُومَ هَذِهِ الْآيَةِ ظَاهِرٌ فِي شُمُولِهِ لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ إِذَا رَمَاهَا بِالزِّنَى، وَلَكِنَّ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلَا - بَيَّنَ أَنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ إِذَا قَذَفَهَا بِالزِّنَى خَارِجٌ مِنْ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْتِ الشُّهَدَاءُ تَلَاعَنَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ الْآيَةَ [٢٤ \ ٦] . وَمَضْمُونُهَا: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ غَيْرَ نَفْسِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلَى الزِّنَى الَّذِي رَمَاهَا بِهِ، فَإِنَّهُ يَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ يَقُولُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ كَاذِبًا عَلَيْهَا فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ، وَيَرْتَفِعُ عَنْهُ الْجَلْدُ وَعَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْفِسْقُ بِهَذِهِ الشَّهَادَاتِ، وَتَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، تَقُولُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ

стр. 2455

عَلَيَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى ; كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ نَصِّ الْآيَةِ. الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ هَنَا حُكْمَ عُقُوبَةِ مَنْ رَمَى الْمُحْصَنَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا أُعِدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ مَا أُعِدَّ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [٢٤ \ ٢٣ - ٢٥] ، وَقَدْ زَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ كَوْنَهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ غَافِلَاتٍ لِإِيضَاحِ صِفَاتِهِنَّ الْكَرِيمَةَ. وَوَصْفُهُ تَعَالَى لِلْمُحْصَنَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِكَوْنِهِنَّ غَافِلَاتٍ ثَنَاءٌ عَلَيْهِنَّ بِأَنَّهُنَّ سَلِيمَاتُ الصُّدُورِ نَقِيَّاتُ الْقُلُوبِ لَا تَخْطُرُ الرِّيبَةُ فِي قُلُوبِهِنَّ لِحُسْنِ سَرَائِرِهِنَّ، لَيْسَ فِيهِنَّ دَهَاءٌ وَلَا مَكْرٌ ; لِأَنَّهُنَّ لَمْ يُجَرِّبْنَ الْأَمْرَ فَلَا يَفْطُنَّ لِمَا تَفْطُنُ لَهُ الْمُجَرِّبَاتُ ذَوَاتُ الْمَكْرِ وَالدَّهَاءِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ سَلَامَةِ الصُّدُورِ وَصَفَائِهَا مِنَ الرِّيبَةِ مِنْ أَحْسَنِ الثَّنَاءِ، وَتُطْلِقُ الْعَرَبُ عَلَى الْمُتَّصِفَاتِ بِهِ اسْمَ الْبُلْهِ مَدْحًا لَهَا لَا ذَمًّا، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانٍ ﵁: نُفُجُ الْحَقِيبَةِ بُوصُهَا مُتَنَضِّدٌ ... بَلْهَاءُ غَيْرُ وَشِيكَةِ الْأَقْسَامِ وَقَوْلُ الْآخَرِ: وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ مَيَّالَةٍ ... بِلْهَاءَ تُطْلِعُنِي عَلَى أَسْرَارِهَا وَقَوْلُ الْآخَرِ: عَهِدْتُ بِهَا هِنْدًا وَهِنْدٌ غَرِيرَةٌ ... عَنِ الْفُحْشِ بَلْهَاءُ الْعِشَاءِ نَئُومُ رَدَاحُ الضُّحَى مَيَّالَةٌ بَخْتَرِيَّةٌ ... لَهَا مَنْطِقٌ يُصْبِي الْحَلِيمَ رَخِيمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [٢٤ \ ٢٣ - ٢٤] ، مَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَتُوبُوا وَيُصْلِحُوا، فَإِنْ تَابُوا وَأَصْلَحُوا، لَمْ يَنَلْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَعِيدِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا الْآيَةَ. وَعُمُومَاتُ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَنْبِهِ تَوْبَةً نَصُوحًا
следующие страницы →