← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

مُطْلَقِ الْحَسَنِ، فَإِذَا سَمِعُوا مَثَلًا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٢٢ \ ٧٧] قَدَّمُوا فِعْلَ الْخَيْرِ الْوَاجِبَ، عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ الْمَنْدُوبِ، وَقَدَّمُوا هَذَا الْأَخِيرَ، عَلَى مُطْلَقِ الْحَسَنِ الَّذِي هُوَ الْجَائِزُ، وَلِذَا كَانَ الْجَزَاءُ بِخُصُوصِ الْأَحْسَنِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، لَا عَلَى مُطْلَقِ الْحَسَنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١٦ \ ٩٧] وَقَالَ تَعَالَى وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [٣٩ \ ٣٥] كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١٦ \ ٩٧] ، وَبَيَّنَّا هُنَاكَ دَلَالَةَ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمَرَاقِي: مَا رَبُّنَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَسَنُ وَغَيْرُهُ الْقَبِيحُ وَالْمُسْتَهْجَنُ وَمِنْ أَمْثِلَةِ التَّرْغِيبِ فِي الْأَخْذِ بِالْأَحْسَنِ وَأَفْضَلِيَّتِهِ مَعَ جَوَازِ الْأَخْذِ بِالْحَسَنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [١٦ \ ١٢٦] فَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ لِلْجَوَازِ، وَاللَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِحَسَنٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِانْتِقَامَ حَسَنٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أَنَّ الْعَفْوَ وَالصَّبْرَ، خَيْرٌ مِنْهُ وَأَحْسَنُ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي إِبَاحَةِ الِانْتِقَامِ: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [٤٢ \ ٤٣] ، مَعَ أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الصَّبْرَ وَالْغُفْرَانَ خَيْرٌ مِنْهُ، فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [٤٢ \ ٤٣] ، وَكَقَوْلِهِ فِي جَوَازِ الِانْتِقَامِ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [٤ \ ١٤٨] مَعَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْعَفْوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِهِ جَلَّ وَعَلَا مَعَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [٤ \ ١٤٩] . وَكَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا مُثْنِيًا عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ، فَأَبْدَى صَدَقَتَهُ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [٢ \ ٢٧١] ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ إِخْفَاءَهَا وَإِيتَاءَهَا الْفُقَرَاءَ، خَيْرٌ مِنْ إِبْدَائِهَا الَّذِي مَدَحَهُ بِالْفِعْلِ الْجَامِدِ، الَّذِي هُوَ لِإِنْشَاءِ الْمَدْحِ الَّذِي هُوَ نَعِمَّ، فِي قَوْلِهِ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [٢ \ ٢٧١] .

стр. 2942

وَكَقَوْلِهِ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ اللَّازِمِ، لِلزَّوْجَةِ بِالطَّلَاقِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [٢ \ ٢٣٧] وَلَا شَكَّ أَنَّ أَخْذَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النِّصْفَ حَسَنٌ، لِأَنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ مَعَ أَنَّهُ رَغَّبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَنْ يَعْفُوَ لِلْآخَرِ عَنْ نِصْفِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [٢ \ ٢٣٧] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [٤٢ \ ٤٠] ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى الْأَحْسَنِ بِقَوْلِهِ: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [٤٢ \ ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [٥ \ ٤٥] ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى الْأَحْسَنِ، فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [٥ \ ٤٥] . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَقْوَالًا غَيْرَ الَّذِي اخْتَرْنَا. مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي مَعْنَى فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ قَالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالْحَسَنِ، وَيَنْكَفُّ عَنِ الْقَبِيحِ، فَلَا يَتَحَدَّثُ بِهِ» . وَقِيلَ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ، فَيَتَّبِعُونَ الْقُرْآنَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِأَحْسَنِ الْقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَبَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا يَقُولُ: إِنِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قَبْلَ بَعْثِ الرَّسُولِ ﷺ ، كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ. أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ، فَقَوْلُهُ: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لَكِنَّ فِيهَا حَذْفًا، وَحَذْفُ مَا دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهِ وَاضِحٌ، لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، تُخَلِّصُهُ أَنْتَ مِنْهُ، وَالِاسْتِفْهَامُ مُضَمَّنٌ مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ لَا تُخَّلِصُ أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَحَدًا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ، وَهَذَا الْمَحْذُوفُ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا قَوْلِي الْمُفَسِّرِينَ فِي أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَدَاةِ عَطْفٍ كَالْفَاءِ وَالْوَاوِ

стр. 2943

وَثُمَّ كَقَوْلِهِ هُنَا: أَفَمَنْ حَقَّ وَقَوْلَهُ: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ. أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْكَلَامَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ شَرْطِيَّةٌ، كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَصْلُ الْكَلَامِ: أَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، فَأَنْتِ تُنْقِذُهُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، دَخَلَ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الْإِنْكَارِ، وَالْفَاءُ فَاءُ الْجَزَاءِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الْفَاءُ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا لِلْعَطْفِ عَلَى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ، تَقْدِيرُهُ: أَأَنْتَ مَالِكُ أَمْرِهِمْ، فَمِنْ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ فَأَنْتَ تُنْقِذُهُ، وَالْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْأُولَى كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ وَالِاسْتِبْعَادِ، وَوَضْعِ مَنْ فِي النَّارِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ كُلَّ الظُّهُورِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ يس فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ الْآيَةَ [٣٦ \ ٧] ، وَبَيَّنَّا دَلَالَةَ الْآيَاتِ عَلَى الْمُرَادِ بِكَلِمَةِ الْعَذَابِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ. مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ وَعْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالْغُرَفِ الْمَبْنِيَّةِ، ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ سَبَأٍ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [٣٤ \ ٣٧] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ الْآيَةَ [٩ \ ٧٢] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّفِّ: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [٦١ \ ١٢] ، لِأَنَّ الْمَسَاكِنَ الطَّيِّبَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي التَّوْبَةِ وَالصَّفِّ صَادِقَةٌ بِالْغُرَفِ الْمَذْكُورَةِ فِي الزُّمَرِ وَسَبَأٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْ هَذَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا الْآيَةَ [٢٥ \ ٧٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ. الْيَنَابِيعُ: جَمْعُ يَنْبُوعٍ، وَهُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ. وَقَوْلُهُ: فَسَلَكَهُ أَيْ أَدْخَلَهُ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ هُودٍ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الْآيَةَ [١١ \ ٤٠] .

стр. 2944

وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ سُورَةِ الزُّمَرِ، قَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا الْآيَةَ [٣٤ \ ٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَا يُمَاثِلُهُ مِنَ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ الرُّومِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [٣٠ \ ٢٢] وَأَحَلْنَا عَلَيْهِ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا الْآيَةَ [٣٥ \ ٢٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ. قَوْلُهُ: ثُمَّ يَهِيجُ أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ نَضَارَةِ ذَلِكَ الزَّرْعِ وَخُضْرَتِهِ يَيْبَسُ، وَيَتِمُّ جَفَافُهُ وَيَثُورُ مِنْ مَنَابِتِهِ فَتَرَاهُ أَيُّهَا النَّاظِرُ مُصْفَرًّا يَابِسًا، قَدْ زَالَتْ خُضْرَتُهُ وَنَضَارَتُهُ. ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا أَيْ فُتَاتًا، مُتَكَسِّرًا، هَشِيمًا، تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، إِنَّ فِي ذَلِكَ الْمَذْكُورِ مِنْ حَالَاتِ ذَلِكَ الزَّرْعِ، الْمُخْتَلِفِ الْأَلْوَانِ، لَذِكْرَى أَيْ عِبْرَةً وَمَوْعِظَةً وَتَذْكِيرًا لِأُولِي الْأَلْبَابِ، أَيْ لِأَصْحَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ مِنْ شَوَائِبِ الِاخْتِلَالِ، فَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا مَصِيرَ هَذَا الزَّرْعِ عَلَى سَبِيلِ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّذْكِيرِ، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَنَّ مَا وَعَظَ بِهِ خَلْقَهُ هُنَا مِنْ حَالَاتِ هَذَا الزَّرْعِ شَبِيهٌ أَيْضًا بِالدُّنْيَا. فَوَعَظَ بِهِ فِي مَوْضِعٍ وَشَبَّهَ بِهِ حَالَةَ الدُّنْيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا [٢٥٧ \ ٢٠] . وَيُبَيِّنُ فِي سُورَةِ الرُّومِ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ اصْفِرَارِهِ الْمَذْكُورِ إِرْسَالُ الرِّيحِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ [٣٠ \ ٥١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ. قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [٦ \ ١٢٥] .

стр. 2945

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ الْآيَةَ [١٦ \ ٣٧] ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْضِعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا الْآيَةَ [١٨ \ ١ - ٢] . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قُرْآنًا انْتُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَهِيَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالْحَالُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ عَرَبِيًّا، وَقُرْآنًا تَوْطِئَةٌ لَهُ وَقِيلَ انْتُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: عَرَبِيًّا، أَيْ: لِأَنَّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [١٦ \ ١٠٣] . وَقَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [٤٣ \ ٣] . وَقَالَ فِي أَوَّلِ الزُّخْرُفِ: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [٤٣ \ ٣] . وَقَالَ فِي طه وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [٢٠ \ ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى فِي فُصِّلَتْ: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [٤١ \ ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى فِي الشُّعَرَاءِ: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [٢٦ \ ١٩٢ - ١٩٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا الْآيَةَ [٤٢ \ ٧] . وَقَالَ تَعَالَى فِي الرَّعْدِ: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ [١٣ \ ٣٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَعِظَمِهَا، دَلَالَةً لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا مُكَابِرٌ.

стр. 2946

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ. أَوْضَحَ جَلَّ وَعَلَا أَنَّ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الَّذِينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [٢٩ \ ٣٣ - ٣٤] . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ «الَّذِي» تَأْتِي بِمَعْنَى الَّذِينَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آيَةِ الزُّمَرِ هَذِهِ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [٢ \ ١٧] أَيِ: الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [٢ \ ١٧] وَقَوْلِهِ فِيهَا أَيْضًا: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ [٢ \ ٢٦٤] أَيْ: كَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّوْبَةِ: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا [٩ \ ٦٩] عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الَّذِي مَوْصُولَةٌ لَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ أَشْهَبَ بْنِ رُمَيْلَةَ: وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ وَقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الْفَرْخِ الْعِجْلِيِّ: فَبِتُّ أُسَاقِي الْقَوْمَ إِخْوَتِي الَّذِي ... غَوَايَتُهُمْ غَيٌّ وَرُشْدُهُمْ رُشْدُ وَقَوْلُ الرَّاجِزِ: يَا رَبَّ عَبْسٍ لَا تُبَارِكْ فِي أَحَدْ ... فِي قَائِمٍ مِنْهَا وَلَا فِيمَنْ قَعَدْ إِلَّا الَّذِي قَامُوا بِأَطْرَافِ الْمَسَدْ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ الْآيَةَ [١٦ \ ٣١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ، فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [٣٩ \ ١٧ - ١٨] وَفِي سُورَةِ

стр. 2947

النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١٦ \ ٩٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [٨ \ ٦٤] وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِكَافٍ عَبْدَهُ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، بِإِفْرَادِ الْعَبْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ، النَّبِيُّ ﷺ . كَقَوْلِهِ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [٢ \ ١٣٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ الْآيَةَ [٨ \ ٦٤] . وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ عِبَادَهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتَحِ الْبَاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَشْمَلُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعَهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ الْكُفَّارَ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، يُخَوِّفُونَ النَّبِيَّ ﷺ ، بِالْأَوْثَانِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ: إِنَّهَا سَتَضُرُّهُ وَتَخْبِلُهُ، وَهَذِهِ عَادَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، يُخَوِّفُونَ الرُّسُلَ بِالْأَوْثَانِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا سَتَضُرُّهُمْ وَتَصِلُ إِلَيْهِمْ بِالسُّوءِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، لَا يَخَافُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَلَا سِيَّمَا الْأَوْثَانُ، الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا خَوَّفُوهُ بِهَا: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ الْآيَةَ [٦ \ ٨١] . وَقَالَ عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ وَمَا ذَكَرَهُ لَهُ قَوْمُهُ مِنْ ذَلِكَ: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [١١ \ ٥٤ - ٥٦] . وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، مُخَاطِبًا نَبِيَّنَا ﷺ ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَخْوِيفَهُمْ لَهُ بِأَصْنَامِهِمْ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [٣٩ \ ٣٨] .

стр. 2948

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَامِ مَنْ أَشْنَعِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا، الَّذِينَ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٣ \ ١٧٥] . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ حُذِفَ فِيهِ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ. مَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّ الْمَعْبُودَاتِ مِنْ دُونِهِ، لَا تَقْدِرُ أَنْ تَكْشِفَ ضُرًّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ أَحَدًا، أَوْ تُمْسِكَ رَحْمَةً أَرَادَ بِهَا أَحَدًا، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [١٩ \ ٤٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [٢٦ \ ٧٢ - ٧٤] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [٣٥ \ ٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْآيَةَ [١٠ \ ١٠٧] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [٣٤ \ ٣٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

стр. 2949

ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمُ الْكُفَّارُ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ الَّذِي عَايَنُوهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَصَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّهُ لَا فِدَاءَ الْبَتَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [٣ \ ٩١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [٥ \ ٣٦ - ٣٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [٥٧ \ ١٥] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [٦ \ ٧٠] . وَقَوْلِهِ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ أَيْ: وَإِنْ تَفْتَدِ كُلَّ فِدَاءِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ الْآيَةَ [٢ \ ٤٨] . وَقَوْلِهِ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ الْآيَةَ [٢ \ ١٢٣] ، وَالْعَدْلُ الْفِدَاءُ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [١٣ \ ١٨] . وَقَدْ قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْ هَذَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ الْآيَةَ [٣ \ ٩١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا. قَوْلُهُ: وَبَدَا لَهُمْ أَيْ: ظَهَرَ لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا، أَيْ: جَزَاءُ سَيِّئَاتِهِمُ الَّتِي اكْتَسَبُوهَا فِي الدُّنْيَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْلَقَ السَّيِّئَاتِ هُنَا مُرَادًا بِهَا جَزَاؤُهَا. وَنَظِيرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [٤٢ \ ٤٠] . وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَيْضًا إِطْلَاقُ الْعِقَابِ، عَلَى جَزَاءِ الْعِقَابِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ الْآيَةَ [٢٢ \ ٦٠] .

стр. 2950

وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ أَنَّهُمْ يَبْدُو لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَقِيقَةَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ فِي الدُّنْيَا جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ [١٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [٧٥ \ ١٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [٨٢ \ ٥] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا الْآيَةَ [١٨ \ ٤٩] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [١٧ \ ١٣ - ١٤] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ الْآيَةَ [١٠ \ ١٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [٣٩ \ ١٧ - ١٨] وَقَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١٦ \ ٩٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ مِنْ جِهَاتٍ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [٧ \ ٥٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا يُمَاثِلُهُ مِنَ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الْآيَةَ [٣ \ ١٠٦] .

стр. 2951

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ. تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، مَعَ بَيَانِ جُمْلَةً مِنْ آثَارِ الْكِبْرِ السَّيِّئَةِ، فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [٧ \ ١٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [٦ \ ٨٨] . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ الْآيَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلْقَيْدِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الْآيَةَ [٥ \ ٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ يس، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [٣٦ \ ٥١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ. قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [١٨ \ ٤٩] وَفِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [١٧ \ ١٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالشُّهَدَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْحَفَظَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُحْصُونَ أَعْمَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [٥٠ \ ٢١] . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الشُّهَدَاءُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.

стр. 2952

وَقِيلَ: الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ عِنْدِي، أَنَّ الشُّهَدَاءَ هُمُ الرُّسُلُ مِنَ الْبَشَرِ، الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى الْأُمَمِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي بَيْنَ الْأُمَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ رَسُولُهَا، كَمَا صَرَّحَ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي سُورَةِ يُونُسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [١٠ \ ٤٧] فَصَرَّحَ جَلَّ وَعَلَا بِأَنَّهُ يَسْأَلُ الرُّسُلَ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [٥ \ ١٠٩] وَقَالَ تَعَالَى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [٧ \ ٦] وَقَدْ يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [٤ \ ٤١] لِأَنَّ كَوْنَهُ ﷺ هُوَ الشَّهِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أُمَّتُهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ هُوَ رَسُولُهَا. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الشَّهِيدَ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ مِنْ أَنْفُسِ الْأُمَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [١٦ \ ٨٩] وَالرُّسُلُ مِنْ أَنْفُسِ الْأُمَمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [٩ \ ١٢٨] . وَقَالَ تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ [٣ \ ١٦٤] . وَالْمُسَوِّغُ لِلْإِيجَازِ بِحَذْفِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ [٣٩ \ ٦٩] هُوَ أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا نِزَاعَ فِيهِ، أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَجِيءِ بِهِمْ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا. وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرُ الْكِسَائِيِّ وَهِشَامٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَجِيءَ بِكَسْرِ الْجِيمِ كَسْرَةٍ خَالِصَةٍ. وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيِّ وَهِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ بِإِشْمَامِ الْكَسْرَةِ الضَّمِّ. وَإِنَّمَا كَانَ الْإِشْمَامُ هُنَا جَائِزًا، وَالْكَسْرُ جَائِزًا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فِي الْآيَةِ الْبَتَّةَ، لَبْسٌ بَيْنَ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، وَالْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا: وَجِيءَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَلَا يَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ لِلْفَاعِلِ بِوَجْهٍ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ فِيهِ الْكَسْرُ الْخَالِصُ وَإِشْمَامُ الْكَسْرَةِ الضَّمَّ كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَاكْسِرْ أَوْ أَشْمِمْ فَا ثُلَاثِيٍّ أُعِلْ ... عَيْنًا وَضُمَّ حَاءَ كَبُوعَ فَاحْتُمِلْ

стр. 2953

أَمَّا إِذَا أَسْنَدَ ذَلِكَ الْفِعْلَ إِلَى ضَمِيرِ الرَّفْعِ الْمُتَّصِلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى اللَّبْسِ، فَيُشْتَبَهُ الْمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، بِالْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ اجْتِنَابُ الشَّكْلِ الَّذِي يُوجِبُ اللَّبْسَ، وَالْإِتْيَانَ بِمَا يُزِيلُ اللَّبْسَ مِنْ شَكْلٍ أَوْ إِشْمَامٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ، وَقَدْ أَنْشَدَهُ صَاحِبُ اللِّسَانِ: وَإِنِّي عَلَى الْمَوْلَى وَإِنْ قَلَّ نَفْعُهُ ... دُفُوعٌ إِذَا مَا ضُمْتُ غَيْرُ صَبُورِ فَقَوْلُهُ: ضُمْتُ أَصْلُهُ ضِيمْتُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَيَجِبُ الْإِشْمَامُ أَوِ الضَّمُّ ; لِأَنَّ الْكَسْرَ الْخَالِصَ يَجْعَلُهُ مُحِتَمِلًا لِلْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ كَبِعْتُ وَسِرْتُ. وَقَوْلُ جَرِيرٍ يَرْثِي الْمَرَّارَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ: وَأَقُولُ مِنْ جَزَعٍ وَقَدْ فُتْنَا بِهِ ... وَدُمُوعُ عَيْنِي فِي الرِّدَاءِ غِزَارُ لِلدَّافِنِينَ أَخَا الْمَكَارِمِ وَالنَّدَا ... لِلَّهِ مَا ضُمِنَتْ بِكَ الْأَحْجَارُ أَصْلُهُ فُوتْنَا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَيَجِبُ الْكَسْرُ أَوِ الْإِشْمَامُ ; لِأَنَّ الضَّمَّ الْخَالِصَ يَجْعَلُهُ مُحْتَمِلًا لِلْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، كَقُلْنَا وَقُمْنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا. الزُّمَرُ: الْأَفْوَاجُ الْمُتَفَرِّقَةُ، وَاحِدُهُ زُمْرَةٌ، وَقَدْ عَبَّرَ تَعَالَى عَنْهَا هُنَا بِالزُّمَرِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا فِي الْمُلْكِ بِالْأَفْوَاجِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ الْآيَةَ [٦٧ \ ٨] ، وَعَبَّرَ عَنْهَا فِي الْأَعْرَافِ بِالْأُمَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ الْآيَةَ [٧ \ ٣٨] . وَقَالَ فِي فُصِّلَتْ: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [٤١ \ ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ [٣٨ \ ٥٩] . وَمِنْ إِطْلَاقِ الزُّمَرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ:

стр. 2954

وَتَرَى النَّاسَ إِلَى مَنْزِلِهِ ... زُمَرًا تَنْتَابُهُ بَعْدَ زُمَرْ وَقَوْلُ الرَّاجِزِ: إِنَّ الْعُفَاةَ بِالسُّيُوبِ قَدْ غَمَرَ ... حَتَّى احْزَأَلَّتْ زُمَرًا بَعْدَ زَمَرْ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا. لَمْ يُبَيِّنْ جَلَّ وَعَلَا هُنَا عَدَدَ أَبْوَابِهَا الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ، فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [١٦ \ ٤٣ - ٤٤] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ: (فُتِّحَتْ) بِالتَّاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١٧ \ ١٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١٦ \ ٣٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا وَعَايَنُوا مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ، حَمِدُوا رَبَّهُمْ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَنَوَّهُوا بِصِدْقِ وَعْدِهِ لَهُمْ، وَذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٧ \ ٤٣] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا الْآيَةَ [٧ \ ٤٤] .

стр. 2955

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [٣٥ \ ٣٣ - ٣٤] .

стр. 2956

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ غَافِرٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ. جَمَعَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَيْنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ; لِأَنَّ مَطَامِعَ الْعُقَلَاءِ مَحْصُورَةٌ فِي أَمْرَيْنِ، هُمَا جَلْبُ النَّفْعِ وَدَفْعُ الضُّرِّ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [١٥ \ ٤ ٩ - ٥٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الْآيَةَ [٧ \ ١٥٦] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْأَنْعَامِ: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. [٦ \ ١٦٥] وَقَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [٧ \ ١٦٧] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ لَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ، أَيْ لَا يُخَاصِمُ فِيهَا مُحَاوِلًا رَدَّهَا، وَإِبْطَالَ مَا جَاءَ فِيهَا إِلَّا الْكُفَّارُ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الْغَرَضَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى الْجِدَالِ فِيهَا مَعَ بَعْضِ صِفَاتِهِمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [١٨ \ ٥٦] وَأَوْضَحَ ذَلِكَ الْغَرَضَ، فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، فِي قَوْلِهِ: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [٤٠ \ ٥] . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ أَنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ مِنْهُمْ، أَتْبَاعٌ يَتَّبِعُونَ رُؤَسَاءَهُمُ الْمُضِلِّينَ، مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [٢٢ \ ٣ - ٤] .

стр. 2957

وَأَنَّ مِنْهُمْ قَادَةً هُمْ رُؤَسَاؤُهُمُ الْمَتْبُوعُونَ وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ [٢٢ \ ٨ - ٩] . وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ جِدَالِ الْكُفَّارِ، جِدَالَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَآمَنُوا بِهِ وَبِرَسُولِهِ، لِيَرُدُّوهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَ بُطْلَانَ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ، وَتَوَعَّدَهُمْ بِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وَعَذَابِهِ الشَّدِيدِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [٤٢ \ ١٦] . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ. نَهَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا نَبِيَّهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، لِيَشْرَعَ لِأُمَّتِهِ عَنْ أَنْ يَغُرَّهُ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي بِلَادِ اللَّهِ، بِالتِّجَارَاتِ وَالْأَرْبَاحِ، وَالْعَافِيَةِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَفِيضُ عَلَيْهَا الْأَمْوَالُ مِنْ أَرْبَاحِ التِّجَارَاتِ، وَغَيْرِهَا مِنْ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ [١٠٦ \ ٢] أَيْ: إِلَى الْيَمَنِ وَالشَّامِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، يُكَذِّبُونَ نَبِيَّ اللَّهِ وَيُعَادُونَهُ. وَالْمَعْنَى: لَا تَغْتَرَّ بِإِنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تَقَلُّبِهِمْ فِي بِلَادِهِ فِي إِنْعَامٍ وَعَافِيَةٍ ; فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَسْتَدْرِجُهُمْ بِذَلِكَ الْإِنْعَامِ، فَيُمَتِّعُهُمْ بِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ يُهْلِكُهُمْ فَيَجْعَلُ مَصِيرَهُمْ إِلَى النَّارِ. وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [٣ \ ١٩٦ - ١٩٧] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [٣١ \ ٢٣ - ٢٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [٢ \ ٢٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [١٠ \ ٦٩ - ٧٠] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَا يَغْرُرْكَ، سَبَبِيَّةٌ أَيْ: لَا يُمْكِنُ تَقَلُّبُهُمْ فِي بِلَادِ اللَّهِ. مُتَنَعِّمِينَ

стр. 2958

بِالْأَمْوَالِ وَالْأَرْزَاقِ، سَبَبًا لِاغْتِرَارِكَ بِهِمْ، فَتَظُنُّ بِهِمْ ظَنًّا حَسَنًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ التَّنَعُّمَ، تَنَعُّمُ اسْتِدْرَاجٍ، وَهُوَ زَائِلٌ عَنْ قَرِيبٍ، وَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ الدَّائِمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (كَلِمَاتُ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ (كَلِمَةُ رَبِّكَ) بِالْإِفْرَادِ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى الْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَاتِ فِيمَا يُمَاثِلُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي سُورَةِ يس فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [٣٦ \ ٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ. لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا الْآيَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِوَعْدِهِمْ بِالْجَنَّاتِ، هُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ. وَلَكِنَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَوْضَحَ وَعْدَهُ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ الْآيَةَ [٢٢ \ ٢٣ - ١٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ. التَّحْقِيقُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمَاتَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، الْإِمَاتَةُ الْأُولَى، الَّتِي هِيَ كَوْنُهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ نُطَفًا وَعَلَقًا وَمُضَغًا، قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ، فَهَلْ قَبِلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ لَا حَيَاةَ لَهُمْ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ اسْمَ الْمَوْتِ. وَالْإِمَاتَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ إِمَاتَتُهُمْ وَصَيْرُورَتُهُمْ إِلَى قُبُورِهِمْ عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا. وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْيَاءَتَيْنِ: الْإِحْيَاءَةَ الْأُولَى فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَالْإِحْيَاءَةُ الثَّانِيَةُ، الَّتِي هِيَ الْبَعْثُ مِنَ الْقُبُورِ إِلَى الْحِسَابِ، وَالْجَزَاءِ وَالْخُلُودِ الْأَبَدِيِّ، الَّذِي لَا مَوْتَ فِيهِ، إِمَّا فِي الْجَنَّةِ وَإِمَّا فِي النَّارِ.

стр. 2959

وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْآيَةِ هُوَ التَّحْقِيقُ، أَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِهِ وَاضِحًا فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [٢ \ ٢٨] وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ الْمُسَوِّغَ الَّذِي سَوَّغَ إِطْلَاقَ اسْمِ الْمَوْتِ عَلَى الْعَلَقَةِ، وَالْمُضْغَةِ مَثَلًا، فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ، أَنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، الَّذِي هُوَ نَفْسُ الْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ، لَهُ أَطْوَارٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [٣٩ \ ٦] ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، تَكُونُ فِيهِ الْحَيَاةُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَطْوَارِ، وَفِي بَعْضِهَا لَا حَيَاةَ لَهُ، صَحَّ إِطْلَاقُ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، تَرْتَفِعُ عَنْهُ الْحَيَاةُ تَارَةً وَتَكُونُ فِيهِ أُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُسَوِّغًا غَيْرَ هَذَا، فَانْظُرْهُ إِنْ شِئْتَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ. قَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالذَّنْبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَنْفَعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [٦٧ \ ١١] وَقَالَ تَعَالَى رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [٣٢ \ ١٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [٧ \ ٥٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا. قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ الْآيَةَ [٣٧ \ ٣٤ - ٣٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [١٨ \ ٢٦] .

стр. 2960

قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الَّذِي يُرِي خَلْقَهُ آيَاتِهِ، أَيِ: الْكَوْنِيَّةَ الْقَدَرِيَّةَ ; لِيَجْعَلَهَا عَلَامَاتٍ لَهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ، وَمِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ الْآيَةَ [٤١ \ ٣٧] . وَمِنْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ، وَمَا فِيهِمَا وَالنُّجُومُ، وَالرِّيَاحُ وَالسَّحَابُ، وَالْبِحَارُ وَالْأَنْهَارُ، وَالْعُيُونُ وَالْجِبَالُ وَالْأَشْجَارُ وَآثَارُ قَوْمٍ هَلَكُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَى قَوْلِهِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [٢ \ ١٦٤] . وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [٤٥ \ ٣ - ٥] ، وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [١٠ \ ٦] . وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَةِ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ، مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُرِي خَلْقَهُ آيَاتِهِ، بَيَّنَهُ وَزَادَهُ إِيضَاحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُرِيهِمْ آيَاتِهِ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ الْبَيَانِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [٤١ \ ٥٣] . وَالْآفَاقُ جَمْعَ أُفُقٍ وَهُوَ النَّاحِيَةُ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَدْ بَيَّنَ مِنْ غَرَائِبِ صُنْعِهِ وَعَجَائِبِهِ فِي نُوَاحِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنَّهُ هُوَ الرَّبُّ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ. كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ، وَالدَّوَابِّ وَالْبِحَارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ آيَاتِهِ الَّتِي يُرِيهِمْ وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا شَيْئًا مِنْهَا تَسْخِيرُهُ لَهُمُ الْأَنْعَامَ لِيَرْكَبُوهَا وَيَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا، وَيَنْتَفِعُوا بِأَلْبَانِهَا، وَزُبْدِهَا وَسَمْنِهَا، وَأَقِطِهَا وَيَلْبَسُوا مِنْ جُلُودِهَا، وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [٤٠ \ ٧٩ - ٨١] .

стр. 2961

وَبَيَّنَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ مِنْ آيَاتِهِ الَّتِي يُرِيهَا بَعْضَ خَلْقِهِ مُعْجِزَاتِ رُسُلِهِ ; لِأَنَّ الْمُعْجِزَاتِ آيَاتٌ أَيْ: دَلَالَاتٌ وَعَلَامَاتٌ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي فِرْعَوْنَ: وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى [٢٠ \ ٥٦] وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ آيَاتِهِ الَّتِي يُرِيهَا خَلْقَهُ عُقُوبَتَهُ الْمُكَذِّبِينَ رُسُلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إِهْلَاكِهِ قَوْمَ لُوطٍ: وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [٢٩ \ ٣٥] . وَقَالَ فِي عُقُوبَتِهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ بِالطُّوفَانِ وَالْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ. . . إِلَخْ: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ الْآيَةَ [٧ \ ١٣٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا. أَطْلَقَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الرِّزْقَ وَأَرَادَ الْمَطَرَ ; لِأَنَّ الْمَطَرَ سَبَبُ الرِّزْقِ، وَإِطْلَاقُ الْمُسَبِّبِ وَإِرَادَةُ سَبَبِهِ لِشِدَّةِ الْمُلَابَسَةِ بَيْنَهُمَا، أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ الَّذِي هُوَ إِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبِّبِ كَقَوْلِهِ: أَكَلْتُ دَمًا إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضُرَّةٍ ... بَعِيدَةَ مُهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةَ النَّشْرِ فَأَطْلَقَ الدَّمَ وَأَرَادَ الدِّيَةَ ; لِأَنَّهُ سَبَبُهَا. وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ: مَنْعَ جَوَازِ الْمَجَازِ، فِي الْمَنْزِلِ لِلتَّعَبُّدِ وَالْإِعْجَازِ، أَنَّ أَمْثَالَ هَذَا أَسَالِيبُ عَرَبِيَّةٌ، نَطَقَتْ بِهَا الْعَرَبُ فِي لُغَتِهَا، وَنَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَأَنَّ مَا يَقُولُهُ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ مِنْ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يُسَمُّونَهُ الْمَجَازَ الْمُرْسَلَ الَّذِي يَعُدُّونَ مِنْ عَلَاقَاتِهِ السَّبَبِيَّةَ وَالْمُسَبِّبِيَّةَ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. وَإِطْلَاقُ الرِّزْقِ فِي آيَةِ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ عَلَى الْمَطَرِ جَاءَ مِثْلُهُ، فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ: وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الْآيَةَ ٥] فَأَوْضَحَ بِقَوْلِهِ: فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا أَنَّ مُرَادَهُ بِالرِّزْقِ الْمَطَرُ ; لِأَنَّ الْمَطَرَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَقَدْ أَوْضَحَ جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَطَرُ رِزْقًا ; لِأَنَّ الْمَطَرَ سَبَبُ الرِّزْقِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ٢٢] ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ فَأَخْرَجَ بِهِ سَبَبِيَّةٌ كَمَا تَرَى.

стр. 2962

وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ الْآيَةَ [١٤ \ ٣٢] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ [٥٠ \ ٩ - ١١] . وَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّ الرِّزْقَ الْمَذْكُورَ شَامِلٌ لِمَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ، وَمَا تَأْكُلُهُ الْأَنْعَامُ ; لِأَنَّ مَا تَأْكُلُهُ الْأَنْعَامُ، يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ لِلنَّاسِ الِانْتِفَاعُ بِلُحُومِهَا، وَجُلُودِهَا وَأَلْبَانِهَا، وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ [٣٢ \ ٢٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ الْآيَةَ [١٦ \ ١٠ - ١١] . فَقَوْلُهُ: فِيهِ تُسِيمُونَ، أَيْ: تَتْرُكُونَ أَنْعَامَكُمْ سَائِمَةً فِيهِ، تَأْكُلُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَكَلَّفُوا لَهَا مَئُونَةَ الْعَلَفِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ، فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ الْآيَةَ [٢٠ \ ٥٣ - ٥٤] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [٧٩ \ ٣١ - ٣٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ النَّاسَ مَا يَتَذَكَّرُ مِنْهُمْ، أَيْ: مَا يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ أَيْ: مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ. وَالْإِنَابَةُ: الرُّجُوعُ عَنِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، إِلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُنِيبُونَ، الْمُتَذَكِّرُونَ، الْمُتَّعِظُونَ، هُمْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ مِنْ شَوَائِبِ الِاخْتِلَالِ، الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [٣ \ ٧] وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [١٤ \ ٥٢]

стр. 2963

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْآيَاتِ، عَلَى أَنَّ غَيْرَ أُولِي الْأَلْبَابِ الْمُتَذَكِّرِينَ الْمَذْكُورِينَ آنِفًا، لَا يَتَذَكَّرُ وَلَا يَتَّعِظُ بِالْآيَاتِ، بَلْ يُعْرِضُ عَنْهَا أَشَدَّ الْإِعْرَاضِ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْمَعْنَى مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [١٢ \ ١٠٥] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [٥٤ \ ٢] وَقَوْلِهِ: وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ [٣٧ \ ١٤] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [١٠ \ ١٠١] وَقَوْلِهِ: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [٣٦ \ ٤٦] فِي الْأَنْعَامِ وَيس إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى نَحْوِهِ مِنَ الْآيَاتِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الزُّمَرِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [٣٩ \ ٢ - ٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [١٦ \ ٢] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ جَاءَ مِثْلُهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ فِي بُرُوزِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [١٤ \ ٤٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا الْآيَةَ [١٤ \ ٢١] . وَكَقَوْلِهِ فِي كَوْنِهِمْ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [٦٩ \ ١٨] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [١٠٠ \ ١١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [٣ \ ٥] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ الْآيَةَ [١١ \ ٥] ،

стр. 2964

وَذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ، فِي أَوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [٣٤ \ ٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ. الْإِنْذَارُ، وَالْإِعْلَامُ الْمُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ خَاصَّةً، فَكُلُّ إِنْذَارٍ إِعْلَامٌ، وَلَيْسَ كُلُّ إِعْلَامٍ إِنْذَارًا. وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى الْإِنْذَارِ وَأَنْوَاعَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ الْآيَةَ [٧ \ ٢] . وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا: يَوْمَ الْآزِفَةِ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْإِنْذَارِ لَا ظَرْفَ لَهُ ; لِأَنَّ الْإِنْذَارَ وَالتَّخْوِيفَ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاقِعٌ فِي دَارِ الدُّنْيَا. وَالْآزِفَةُ الْقِيَامَةُ. أَيْ: أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِمَعْنَى خَوِّفْهُمْ إِيَّاهُ وَهَدِّدْهُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعِظَامِ لِيَسْتَعِدُّوا لِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْقِيَامَةِ بِـ الْآزِفَةِ لِأَجْلِ أُزُوفِهَا أَيْ: قُرْبِهَا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَزِفَ التَّرَحُّلُ بِكَسْرِ الزَّايِ، يَأْزَفُ بِفَتْحِهَا، أَزَفًا بِفَتْحَتَيْنِ، عَلَى الْقِيَاسِ، وَأُزُوفًا فَهُوَ آزِفٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ، فِي الْمَصْدَرِ الْأَخِيرِ، وَالْوَصْفُ بِمَعْنَى قَرُبَ وَقْتُهُ وَحَانَ وُقُوعُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ: أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ وَيُرْوَى أَفِدَ التَّرَحُّلُ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَالْمَعْنَى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَرِيبُ مَجِيؤُهَا وَوُقُوعُهَا. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنِ اقْتِرَابِ قِيَامِ السَّاعَةِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [٥٣ \ ٥٧ - ٥٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ الْآيَةَ [٥٤ \ ١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ الْآيَةَ [٢١ \ ١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَحْزَابِ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [٣٣ \ ٦٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الشُّورَى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [٤٢ \ ١٧] .

стр. 2965

وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [١٦ \ ١] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ الظَّاهِرُ فِيهِ أَنَّ إِذْ بَدَلٌ مِنْ يَوْمٍ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَفْعُولِ بِهِ لَا الْمَفْعُولِ فِيهِ، كَمَا بَيَّنَّا آنِفًا. وَالْقُلُوبُ: جَمْعُ قَلْبٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ. وَلَدَى: ظَرْفٌ بِمَعْنَى عِنْدَ. وَالْحَنَاجِرُ: جَمْعُ حَنْجَرَةٍ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. وَمَعْنَى كَوْنِ الْقُلُوبِ لَدَى الْحَنَاجِرِ، فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِيهِ لِعُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ ; مِنْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ يَوْمَئِذٍ تَرْتَفِعُ مِنْ أَمَاكِنِهَا فِي الصُّدُورِ، حَتَّى تَلْتَصِقَ بِالْحُلُوقِ، فَتَكُونُ لَدَى الْحَنَاجِرِ، فَلَا هِيَ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلَا هِيَ تَرْجِعُ إِلَى أَمَاكِنِهَا فِي الصُّدُورِ فَيَتَنَفَّسُوا. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ الْقُلُوبِ لَدَى الْحَنَاجِرِ، بَيَانُ شِدَّةِ الْهَوْلِ، وَفَظَاعَةِ الْأَمْرِ، وَعَلَيْهِ فَالْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [٣٣ \ ١٠ - ١١] وَهُوَ زِلْزَالُ خَوْفٍ وَفَزَعٍ لَا زِلْزَالُ حَرَكَةِ الْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: كَاظِمِينَ مَعْنَاهُ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وَغَمًّا وَحُزْنًا. وَالْكَظْمُ: تَرَدُّدُ الْخَوْفِ وَالْغَيْظِ وَالْحُزْنِ فِي الْقَلْبِ حَتَّى يَمْتَلِئَ مِنْهُ، وَيَضِيقَ بِهِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: كَظَمْتُ السِّقَاءَ إِذَا مَلَأْتُهُ مَاءً، وَشَدَدْتُهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ كَاظِمِينَ، أَيْ سَاكِتِينَ، لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالْغَمَّ الَّذِي مَلَأَ قُلُوبَهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْكَلَامِ، فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَمِنْ إِطْلَاقِ الْكَظْمِ عَلَى السُّكُوتِ

стр. 2966

قَوْلُ الْعَجَّاجِ: وَرُبَّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وَيَرْجِعُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: كَاظِمِينَ أَيْ: لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ اللَّهُ، وَقَالَ الصَّوَابَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [٧٨ \ ٣٨] . وَقَوْلُهُ: كَاظِمِينَ حَالٌ مِنْ أَصْحَابِ الْقُلُوبِ عَلَى الْمَعْنَى. وَالتَّقْدِيرُ: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ، أَيْ: إِذْ قُلُوبُهُمْ لَدَى حَنَاجِرِهِمْ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ كَاظِمِينَ، أَيْ: مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وَغَمًّا وَحُزْنًا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ نَفْسِ الْقُلُوبِ ; لِأَنَّهَا وُصِفَتْ بِالْكَظْمِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ أَصْحَابِهَا. وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [١٢ \ ٤] فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، عَلَى الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ صِفَةَ الْعُقَلَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، وَالْمُسَوِّغُ لِذَلِكَ وَصْفُهُ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِصِفَةِ الْعُقَلَاءِ الَّتِي هِيَ السُّجُودُ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [٢٦ \ ٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [٤١ \ ١١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَأَحَلْنَا عَلَيْهِ مِرَارًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَا يُمَاثِلُهُ مِنَ الْآيَاتِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ وَفِي غَيْرِهَا وَأَحَلْنَا عَلَيْهِ أَيْضًا مِرَارًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِآيَاتِهِ وَحُجَجِهِ الْوَاضِحَةِ كَالْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ

стр. 2967

فَكَذَّبُوهُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ سَاحِرٌ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى، فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا [٧ \ ١٣٢] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [٢٠ \ ٧١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [٢٦ \ ٣٤] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، عَاذَ بِرَبِّهِ، أَيِ: اعْتَصَمَ بِهِ، وَتَمْنَّعُ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، أَيْ: مُتَّصِفٍ بِالْكِبْرِ، لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، أَيْ لَا يُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ. وَسَبَبُ عِيَاذِ مُوسَى بِرَبِّهِ الْمَذْكُورِ، أَنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ لِقَوْمِهِ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [٤٠ \ ٢٦] . فَعِيَاذُ مُوسَى الْمَذْكُورُ بِاللَّهِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَارَةُ أَعَمَّ مِنْ خُصُوصِ فِرْعَوْنَ، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُتَكَبِّرٌ، لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْكَلَامِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ. وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَةِ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ، مِنْ عِيَاذِ مُوسَى بِاللَّهِ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ كَفِرْعَوْنَ وَعُتَاةِ قَوْمِهِ، ذَكَرَ نَحْوَهُ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مُوسَى مُخَاطِبًا فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ الْآيَةَ [٤٤ \ ٢٠] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنْ رَجُلًا مُؤْمِنًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَيْ: يُخْفِي عَنْهُمْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، أَنْكَرَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِرَادَتَهُمْ قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ

стр. 2968

وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حِينَ قَالَ فِرْعَوْنُ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ الْآيَةَ [٤٠ \ ٢٦] . مَعَ أَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ، يَسْتَحِقُّ بِهِ الْقَتْلَ، إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. وَقَدْ بَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّنْكِيلَ بِهِمْ، وَإِخْرَاجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَيَقُولُونَ: رَبُّنَا اللَّهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ، الَّذِينَ حَرَّقُوا الْمُؤْمِنِينَ: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [٨٥ \ ٤ - ٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [٢٢ \ ٣٩ - ٤٠] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَنِ الَّذِينَ كَانُوا سَحَرَةً لِفِرْعَوْنَ، وَصَارُوا مِنْ خِيَارِ الْمُؤْمِنِينَ، لَمَّا هَدَّدَهُمْ فِرْعَوْنُ قَائِلًا: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [٧ \ ١٢٤] أَنَّهُمْ أَجَابُوهُ، بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ، فِي قَوْلِهِ: قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا [٧ \ ١٢٥ - ١٢٦] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ جَمَاعَةِ فِرْعَوْنَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: «مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» . فَدَعْوَى أَنَّهُ إِسْرَائِيلِيٌّ وَأَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقِدِيمًا وَتَأْخِيرًا. وَأَنَّ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَكْتُمُ) ، أَيْ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَيْ يُخْفِي إِيمَانَهُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ خِلَافَ التَّحْقِيقِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِمُوسَى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ [٢٨ \ ٢٠] وَقِيلَ غَيْرُهُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَقِيلَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ، وَقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعَانُ، وَقِيلَ: اسْمُهُ حِزْقِيلُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ فِي إِعْرَابِ الْمَصْدَرِ الْمُنْسَبِكِ مَنْ أَنْ وَصِلَتِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ.

стр. 2969

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِفَنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ؟ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ. الظَّاهِرُ أَنَّ أَرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عِلْمِيَّةٌ عِرْفَانِيَّةٌ، تَتَعَدَّى لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهْمَهْ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُعَلِّمُكُمْ وَأُعَرِّفُكُمْ مِنْ حَقِيقَةِ مُوسَى وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ، خَوْفَ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، وَيُظْهِرَ الْفَسَادَ فِي أَرْضِكُمْ، إِلَّا مَا أَرَى، أَيْ: أَعْلَمُ وَأَعْرِفُ أَنَّهُ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ فَمَا أُخْفِي عَنْكُمْ خِلَافَ مَا أُظْهِرُهُ لَكُمْ، وَمَا أَهْدِيكُمْ بِهَذَا إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ، أَيْ: طَرِيقَ السَّدَادِ وَالصَّوَابِ. وَهَذَانَ الْأَمْرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، قَدْ بَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَاذِبٌ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُهُ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى فَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى كَذِبَهُ فِيهِ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَوْضَحَ فِيهَا أَنَّهُ يَعْلَمُ وَيَتَيَقَّنُ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَهُ بِهَا مُوسَى حَقٌّ، وَأَنَّهَا مَا أَنْزَلَهَا إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ جَحَدَهَا هُوَ وَمَنِ اسْتَيْقَنَهَا مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ لِيَسْتَخِفُّوا بِهَا عُقُولَ الْجَهَلَةِ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [٢٧ \ ١٢ - ١٤] .

стр. 2970

فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [١٧ \ ١٠٢] فَقَوْلُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُؤَكِدًا إِخْبَارَهُ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ عَالِمٌ بِذَلِكَ بِالْقَسَمِ، وَقَدْ دَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى. وَكَانَ غَرَضُ فِرْعَوْنَ بِهَذَا الْكَذِبِ التَّدْلِيسَ وَالتَّمْوِيهَ ; لِيَظُنَّ جَهَلَةُ قَوْمِهِ أَنَّ مَعَهُ الْحَقَّ، كَمَا أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [٤٣ \ ٥٤] . وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ فَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى كَذِبَهُ فِيهِ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [١١ \ ٩٧] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [٢٠ \ ٧٩] . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى أَيْ: مَا أُشِيرُ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِمَا أَرَى لِنَفْسِي، مِنْ قَتْلِ مُوسَى. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَنْ أَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تُضَاعَفُ وَلَا تُجْزَى إِلَّا بِمِثْلِهَا، بَيَّنَهَا وَبَيَّنَ الْآيَاتِ الْأُخْرَى الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ السَّيِّئَاتِ رُبَّمَا ضُوعِفَتْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نَبِيِّنَا ﷺ : إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [١٧ \ ٧٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نِسَائِهِ ﵅: يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [٣٣] إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْهُ مُوَضَّحًا فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢٧ \ ٩٠] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ

стр. 2971

قَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَبَيَّنَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَأَوْضَحْنَا الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةَ لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ مُؤْمِنٌ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً الْآيَةَ [١٦ \ ٩٧] . وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [١٨ \ ٢ - ٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ. الظَّاهِرُ أَنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَدْعُونَنِي تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ; لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالْإِشْرَاكِ بِهِ دَعْوَةٌ إِلَى النَّارِ. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ مُسْتَوْجِبٌ لِدُخُولِ النَّارِ، بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [٥ \ ٧٢] ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْ ذَلِكَ، فِي سُورَةِ الْحَجِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ الْآيَةَ [٢٢ \ ٣١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. التَّحْقِيقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ كَلَامِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِمُوسَى فِيهِ دَخْلٌ. وَقَوْلُهُ: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ، يَعْنِي أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْلَمُونَ صِحَّةَ مَا كَانَ يَقُولُ لَهُمْ، وَيَذْكُرُونَ نَصِيحَتَهُ، فَيَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ تَنْكَشِفُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقَائِقُ مَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا - كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [٦ \ ٦٦ - ٦٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [٣٨ \ ٨٨] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [٧٨ \ ٤ - ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [١٠٢ \ ٣ - ٤] .

стр. 2972

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٥٠ \ ٢٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [٤٠ \ ٤٤ - ٤٥] دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ الصَّادِقَ عَلَى اللَّهِ، وَتَفْوِيضَ الْأُمُورِ إِلَيْهِ سَبَبٌ لِلْحِفْظِ وَالْوِقَايَةِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِمْ: سَهَا فَسَجَدَ، أَيْ: سَجَدَ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، وَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أَيْ: لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ كَوْنِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ سَبَبًا لِلْحِفْظِ، وَالْوِقَايَةِ مِنَ السُّوءِ، جَاءَ مُبِيَّنًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [٦٥ \ ٣] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [٣ \ ١٧٣ - ١٧٤] . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ، فِي أَوَّلِ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [١٧ \ ٢] . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي قَوْلِهِ: سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [٤٠ \ ٤٥] مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَكْرِهِمْ، أَيْ: أَضْرَارَ مَكْرِهِمْ وَشَدَائِدَهُ، وَالْمَكْرُ: الْكَيْدُ. فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ أَرَادُوا أَنْ يَمْكُرُوا بِهَذَا الْمُؤْمِنِ الْكَرِيمِ وَأَنَّ اللَّهَ وَقَاهُ، أَيْ حَفِظَهُ وَنَجَّاهُ، مِنْ أَضْرَارِ مَكْرِهِمْ وَشَدَائِدِهِ بِسَبَبِ تَوَكُّلِهِ عَلَى اللَّهِ، وَتَفْوِيضِهِ أَمْرَهُ إِلَيْهِ. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ مَعَ مُوسَى وَقَوْمِهِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: صَعِدَ جَبَلًا فَأَعْجَزَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَنَجَّاهُ مِنْهُمْ، وَكُلُّ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنَّ اللَّهَ وَقَاهُ سَيِّئَاتِ مَكْرِهِمْ، أَيْ حَفِظَهُ وَنَجَّاهُ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَمْكُرُوا بِهَذَا الْمُؤْمِنِ وَقَاهُ اللَّهُ مَكْرَهُمْ، وَرَدَّ الْعَاقِبَةَ السَّيِّئَةَ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ سُوءَ مَكْرِهِمْ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ الْمُؤْمِنُ الْمَذْكُورُ نَاجِيًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ هَالِكِينَ

стр. 2973

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْبَرْزَخِ. فَقَالَ فِي هَلَاكِهِمْ فِي الدُّنْيَا: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ فِي مَصِيرِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [٤٠ \ ٤٦] . وَقَالَ فِي عَذَابِهِمْ فِي الْآخِرَةِ: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [٤٠ \ ٤٦] . وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ حَيْقِ الْمَكْرِ السَّيِّئِ بِالْمَاكِرِ أَوْضَحَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [٣٥ \ ٤٣] . وَالْعَرَبُ تَقُولُ حَاقَ بِهِ الْمَكْرُوهُ يَحِيقُ بِهِ حَيْقًا وَحُيُوقًا، إِذَا نَزَلَ بِهِ وَأَحَاطَ بِهِ، وَلَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى إِحَاطَةِ الْمَكْرُوهِ خَاصَّةً. يُقَالُ: حَاقَ بِهِ السُّوءُ وَالْمَكْرُوهُ، وَلَا يُقَالُ: حَاقَ بِهِ الْخَيْرُ، فَمَادَّةُ الْحَيْقِ مِنَ الْأَجْوَفِ الَّذِي هُوَ يَائِيُّ الْعَيْنِ، وَالْوَصْفُ مِنْهُ حَائِقٌ عَلَى الْقِيَاسِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَأَوْطَأَ جُرْدَ الْخَيْلِ عُقْرَ دِيَارِهِمْ ... وَحَاقَ بِهِمْ مِنْ بَأْسِ ضَبَّةَ حَائِقُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ وَزْنَ السَّيِّئَةِ بِالْمِيزَانِ الصَّرْفِيِّ فَيْعَلَةٌ مِنَ السُّوءِ، فَأُدْغِمَتْ يَاءُ الْفَيْعَلَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْوَاوِ، الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ، بَعْدَ إِبْدَالِ الْوَاوِ يَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا ... وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءُ الْوَاوِ فَلَيِّنْ مُدْغِمَا ... وَشَذَّ مُعْطِي غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ أَصْلُهُ يَتَفَاعَلُونَ مِنَ الْحُجَّةِ أَيْ: يَخْتَصِمُونَ، وَيَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [٣٨ \ ٦٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 2974

وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا [٣٤ \ ٣١ - ٣٣] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [٧ \ ٣٨ - ٣٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا [٢ \ ١٦٦ - ١٦٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ [١٤ \ ٢١ - ٢٢] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ أَهْلَ النَّارِ طَلَبُوا مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ مِنْ شِدَّةِ عَذَابِ النَّارِ. وَقَدْ بَيَّنَ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ أَنَّهُمْ نَادَوْا مَالِكًا خَاصَّةً مِنْ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ: لِيُمِيتَهُمْ فَيَسْتَرِيحُوا بِالْمَوْتِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. وَقَدْ أَوْضَحَ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ، أَنَّهُمْ لَا يُحَابُونَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ; فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، الَّذِي سَأَلُوا تَخْفِيفَهُ، فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمُ الْمَوْتُ الَّذِي سَأَلُوهُ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي عَدَمِ تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ فِي

стр. 2975

هَذِهِ الْآيَةِ: أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [٤٠ \ ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [٣٥ \ ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [٧٨] وَقَالَ تَعَالَى: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [٤٣ \ ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [٢٥ \ ٦٥] وَقَالَ تَعَالَى: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [٢٥ \ ٧٧] وَقَالَ تَعَالَى: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [٣ \ ٨٨] . وَقَالَ تَعَالَى: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [٥ \ ٣٧] . وَقَالَ تَعَالَى فِي عَدَمِ مَوْتِهِمْ فِي النَّارِ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [٣٥ \ ٣٦] . وَقَالَ تَعَالَى: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [١٤ \ ١٧] . وَقَالَ تَعَالَى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [٤ \ ٥٦] . وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا [٢٠ \ ٧٤] . وَقَالَ تَعَالَى: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا [٨٧ \ ١١ - ١٣] وَلِمَا قَالُوا: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [٤٣ \ ٧٧] أَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [٤٣ \ ٧٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ. قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ مَعَ الْآيَاتِ الَّتِي بِمَعْنَاهُ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١٧ \ ١٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ الْآيَةَ [٣ \ ١٤] ، وَذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّافَّاتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [٣٧ \ ١٧١ - ١٧٢] وَسَتَأْتِي لَهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ.

стр. 2976

اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، وَصِيغَةُ الْجَمْعِ فِي آتَيْنَا وَأَوْرَثْنَا لِلتَّعْظِيمِ. وَالْمُرَادُ بِالْهُدَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْرَاةُ مِنَ الْهُدَى فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ: وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوَرَاةُ، وَقَوْلُهُ: هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ: لِأَجْلِ الْهُدَى وَالتَّذْكِيرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُدًى حَالٌ، وَوُرُودُ الْمَصْدَرِ الْمُنْكَّرِ حَالًا مَعْرُوفٌ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ حَالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَـ بَغْتَةً زِيدٌ طَلَعْ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُدًى بَدَلٌ مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَأَنْزَلَ فِيهَا الْهُدَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [١٧ \ ٢] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْآيَةَ [٣٢ \ ٢٣] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ [٥ \ ٤٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [٢٨ \ ٤٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [٦ \ ١٥٤] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ الْآيَةَ [٧ \ ١٤٥] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ. قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [٧ \ ١٣] ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ بَعْضَ النَّتَائِجِ السَّيِّئَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْكِبَرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ.

стр. 2977

قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ الْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى الْبَعْثِ، وَأَوْضَحْنَا كُلَّ الْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى الْبَعْثِ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَسُورَةِ النَّحْلِ، وَأَحَلْنَا عَلَى مَوَاضِعِ ذَلِكَ مِرَارًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ هُودٍ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ الْآيَةَ [١١ \ ٢٤] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَ مَعْنَاهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ ص فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [٣٨ \ ٢٨] . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [٢٥ \ ١١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ: اعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ مِنْ عِبَادَتِكُمْ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أَيِ: اسْأَلُونِي أُعْطِكُمْ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ; لِأَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ مِنْ أَنْوَاعِ عِبَادَتِهِ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى، وَبَيَّنَّا وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [٢ \ ١٨٦] مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ

стр. 2978

فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [٢٥ \ ٤٧] وَفِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [١٧ \ ١٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ الْآيَةَ [٢٢ \ ٥] ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [١٦ \ ٤٠] . وَبَيَّنَّا أَوْجُهَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ: فَيَكُونُ هُنَاكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ. لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا جَلَّ وَعَلَا عَدَدَ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [١٥ \ ٤٣ - ٤٤] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ. مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَصَّ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَنْبَاءَ بَعْضِ

стр. 2979

الرُّسُلِ ; أَيْ: كَنُوحٍ وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمُوسَى، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْهِ أَنْبَاءَ رُسُلٍ آخَرِينَ، بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [٤ \ ١٦٤] ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الْآيَةَ [١٤ \ ٩] . وَفِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [٢٥ \ ٣٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ. قَوْلُهُ هُنَا: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ أَيْ قَامَتِ الْقِيَامَةُ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [١٦ \ ١] أَيْ: فَإِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ حَيْفٌ وَلَا جَوْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ الْآيَةَ [٣٩ \ ٦٩] . وَقَالَ تَعَالَى: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [٣٩ \ ٧٥] . وَالْحُقُّ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ: هُوَ الْمُرَادُ بِالْقِسْطِ الْمَذْكُورِ فِي سُورَةِ يُونُسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [١٠ \ ٤٧] . وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّهُ إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ، أَوْضَحَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ الْجَاثِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [٤٥ \ ٢٧] . وَالْمُبْطِلُ هُوَ: مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْبَاطِلِ. وَخُسْرَانُ الْمُبْطِلِينَ الْمَذْكُورُ هُنَا قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [١٠ \ ٤٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ

стр. 2980

قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لَفْظَةَ جَعَلَ تَأْتِي فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ ; ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ: الْأَوَّلُ: إِتْيَانُ جَعَلَ بِمَعْنَى اعْتَقَدَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [٤٣ \ ١٩] أَيِ: اعْتَقَدُوهُمْ إِنَاثًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ تَنْصِبُ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ. الثَّانِي: جَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، كَقَوْلِهِ: حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [٢١ \ ١٥] وَهَذِهِ تَنْصِبُ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ أَيْضًا. الثَّالِثُ: جَعَلَ بِمَعْنَى خَلَقَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [٦ \ ١] أَيْ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَخَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْهُ قَوْلَهُ هُنَا: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ أَيْ: خَلَقَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ [١٦ \ ٥] ، وَقَوْلُهُ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا الْآيَةَ [٣٦ \ ٧١] . الرَّابِعُ: وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ جَعَلَ بِمَعْنَى شَرَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهَضَ الشَّارِبِ السَّكِرِ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، مِنَ الِامْتِنَانِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ، الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَا بِسَبَبِ خَلْقِهِ لَهُمُ الْأَنْعَامَ وَهِيَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [٣ \ ١٤] بَيَّنَهُ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [١٦ \ ٥ - ٧] . وَالدِّفْءُ مَا يَتَدَفَّئُونَ بِهِ فِي الثِّيَابِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَصْوَافِهَا. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [١٦ \ ٨٠] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
следующие страницы →