Полный текст (4 343 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
لِطَبِيعَةِ الْمَكَانِ، وَكَمَا فَعَلَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَرَصَّهُمْ، وَسَوَّاهُمْ بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ أَيْضًا لِطَبِيعَةِ الْمَكَانِ.
وَهَكَذَا، فَلَابُدَّ فِي كُلِّ وَقْعَةٍ مِنْ مُرَاعَاةِ مَوْقِعِهَا، بَلْ وَظُرُوفِ السِّلَاحِ وَالْمُقَاتِلَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْجُمَّانِ فِي تَشْبِيهَاتِ الْقُرْآنِ أَجْزَاءَ الْجَيْشِ وَتَقْسِيمَاتِهِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ مِنْ قَلْبٍ وَمَيْمَنَةٍ وَمَيْسَرَةٍ وَأَجْنِحَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَكُونُ وَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ الِارْتِبَاطَ الْمَعْنَوِيَّ وَالشُّعُورَ بِالْمَسْئُولِيَّةِ، وَالْإِحْسَاسَ بِالْوَاجِبِ كَمَا فَعَلَ الْحَبَّابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ حِينَ نَظَرَ إِلَى مَنْزِلِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَوْقِعِ فَلَمْ يَرُقْهُ، وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَجَابَهُ فَأَبْدَى خُطَّةً جَدِيدَةً فَأَخَذَ بِهَا ﷺ وَغَيَّرَ الْمَوْقِعَ مِنْ مَكَانِ الْمَعْرَكَةِ.
وَثَانِيًا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [٨ \ ٤٥ - ٤٦] .
فَذَكَرَ تَعَالَى مِنْ عَوَامِلِ النَّصْرِ: الثَّبَاتَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَذِكْرَ اللَّهِ وَالطَّاعَةَ، وَالِامْتِثَالَ، وَالْحِفَاظَ عَلَيْهَا بِعَدَمِ التَّنَازُعِ وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْحَمْلَةِ وَالْمُجَالَدَةَ، فَتَكُونُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنَى الْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ فِي قُوَّتِهِ وَحِمَايَتِهِ وَثَبَاتِهِ، وَقَدْ عَابَ تَعَالَى عَلَى الْيَهُودِ تَشَتُّتَ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ الْقِتَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [٥٩ \ ١٤] ، وَامْتَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَالِهِمْ بِوَحْدَتِهِمْ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ.
وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَةُ بِهَذَا التَّشْبِيهِ لِلتَّعَاوُنِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» .
فَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ وَجْهِ الشَّبَهِ فِي الْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ هُنَا، وَقَدْ أُثِرَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَوْلُهُ لِأَصْحَابِهِ: الْزَمُوا الطَّاعَةَ؛ فَإِنَّهَا حِصْنُ الْمُحَارِبِ.
وَعَنْ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ: أَقِلُّوا الْخِلَافَ عَلَى أُمَرَائِكُمْ، وَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لَأَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِلَى الِالْتِزَامِ بِهَذَا التَّوْجِيهِ الْقُرْآنِيِّ الْكَرِيمِ، إِزَاءَ قَضِيَّتِهِمِ الْعَامَّةِ مَعَ عَدُوِّهِمِ الْمُشْتَرِكِ، وَلَا سِيَّمَا، وَقَدْ مَرَّ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ بِعِدَّةِ تَجَارِبَ فِي تَارِيخِهِمُ الطَّوِيلِ وَكَانَ لَهُمْ مِنْهَا أَوْضَحُ الْعِبَرِ، وَلَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْهَجِ الْقُرْآنِيِّ أَكْبَرُ مُوجِبٍ لِاسْتِرْجَاعِ حُقُوقِهِمْ وَالْحِفَاظِ عَلَى كِيَانِهِمْ، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ الْعَمَلُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 3642
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
قَوْلُ مُوسَى ﵇: لِمَ تُؤْذُونَنِي؟ لَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَ هَذَا الْإِيذَاءِ وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا الْإِجْمَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [٣٣ \ ٦٩] .
وَأَحَالَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَسَاقَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يَرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْئًا اسْتِحْيَاءً مِنْهُ فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَتَسَتَّرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ فِي جِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى ثِيَابِهِ؛ لِيَأْخُذَهَا، وَأَنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثُوبِي حَجَرُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَبَرَّأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ» . . . . إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عِنْدَهَا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ إِيذَاؤُهُمْ إِيَّاهُ إِيذَاءً شَخْصِيًّا بِادِّعَاءِ الْعَيْبِ فِيهِ خِلْقَةً، وَهَذَا وَإِنْ صَحَّ فِي آيَةِ الْأَحْزَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [٣٣ \ ٦٩] ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي آيَةِ «الصَّفِّ» هَذِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَهُمْ: وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [٦١ \ ٥] مِمَّا يُثِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِيذَاءَ فِي جَانِبِ الرِّسَالَةِ لَا فِي جَانِبِهِ الشَّخْصِيِّ، وَيُرَشِّحُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهُ مُبَاشَرَةً: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [٦١ \ ٥] .
أَيْ: فَلَمَّا زَاغُوا بِمَا آذَوْا بِهِ مُوسَى، فَيَكُونُ إِيذَاءَ قَوْمِهِ لَهُ هُنَا إِيذَاءَ زَيْغٍ وَضَلَالٍ، وَقَدْ آذَوْهُ كَثِيرًا فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَنْهُمْ: وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [٢ \ ٥٥] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٢ \ ٩٣] .
فَهَا هُمْ يُؤْخَذُ الْمِيثَاقُ عَلَيْهِمْ وَيُرْفَعُ فَوْقَهُمُ الطُّورُ، وَيُقَالُ لَهُمْ: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا
стр. 3643
فَكُلُّهُ يُسَاوِي قَوْلَهُ: وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، لِأَنَّ قَدْ هُنَا لِلتَّحْقِيقِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُؤْذُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَيُؤْذُونَهُ بِأَنْ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ وَعِبَادَتَهُ بِكُفْرِهِمْ، وَلِذَا قَالَ لَهُمْ: بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ جُمِعَ إِيذَاءُ الْكُفَّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ مَعَ إِيذَاءِ قَوْمِ مُوسَى لِمُوسَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ الْآيَةَ [٤ \ ١٥٣] .
وَمِنْ مَجْمُوعِ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْإِيذَاءَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُنَا هُوَ فِي خُصُوصِ الرِّسَالَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُمْ آذَوْهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْإِيذَاءِ فِي شَخْصِهِ، وَفِي مَا جَاءَ بِهِ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا فِي آيَةِ «الْأَحْزَابِ» وَعَاقَبَهُمْ عَلَى إِيذَائِهِ فِيمَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِمْ بِزَيْغِ قُلُوبِهِمْ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، تَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ «الرُّومِ» ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ الْآيَةَ [٣٠ \ ١٠] .
وَقَالَ: إِنَّ الْكُفْرَ وَالتَّكْذِيبَ قَدْ يُؤَدِّي شُؤْمُهُ إِلَى شَقَاءِ صَاحِبِهِ، وَسَاقَ هَذِهِ الْآيَةَ: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
وَقَوْلَهُ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [٢ \ ١٠] .
وَأَحَالَ عَلَى سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» عَلَى قَوْلِهِ: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [٦ \ ٢٥] .
وَعَلَى سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» عَلَى قَوْلِهِ: فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ [٧ \ ١٠١] .
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى الْعَامِّ بِقِيَاسِ الْعَكْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [٤٧ \ ١٧] ، وَأَمْثَالُهَا.
وَمِمَّا يَلْفِتُ النَّظَرَ هُنَا إِسْنَادُ الزَّيْغِ لِلْقُلُوبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.
стр. 3644
وَأَنَّ الْهِدَايَةَ أَيْضًا لِلْقَلْبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [٦ ٤ \ ١١] .
وَلِذَا حَرَصَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [٣ \ ٨] فَتَضَّمَنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
ذَكَرَ مُوسَى وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ الْبُشْرَى بِالنَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ عِيسَى فَذَكَرَهَا مَعَهُ، مِمَّا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ إِلَّا عِيسَى ﵇ وَلَكِنْ لَفْظُ عِيسَى مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَقَدْ بَشَّرَتْ بِهِ ﷺ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مُوسَى ﵇ وَمِمَّا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مُوسَى مُبَشِّرًا بِهِ قَوْلُ عِيسَى ﵇ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، وَالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هِيَ التَّوْرَاةُ أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى.
وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا التَّعْرِيفُ بِهِ ﷺ وَبِالَّذِينَ مَعَهُ فِي التَّوْرَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [٤٨ \ ٢٩] .
كَمَا جَاءَ وَصْفُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ فِي نَفْسِ السِّيَاقِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [٤٨ \ ٢٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَجَاءَ النَّصُّ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [٣ \ ٨١] .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ لَئِنْ بُعِثَ وَهُوَ حَيٌّ لَيَتْبَعَنَّهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَتْبَعُنَّهُ وَيَنْصُرُنَّهُ. اهـ.
وَجَاءَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ لَمَّا سَمِعَ مِنْ جَعْفَرَ عَنْهُ ﷺ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَّهُ الَّذِي نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَمَا قَالَهُ أَيْضًا:
стр. 3645
وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَحْمِلُ نَعْلَيْهِ وَأُوَضِّئُهُ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ سَاقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَعَزَاهُ إِلَى أَحْمَدَ ﵀.
وَكَذَلِكَ دَعْوَةُ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [٢ \ ١٢٩] .
وَلِذَا قَالَ ﷺ : «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ» .
وَقَدْ خُصَّ عِيسَى بِالنَّصِّ عَلَى الْبُشْرَى بِهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهُوَ نَاقِلٌ تِلْكَ الْبُشْرَى لِقَوْمِهِ عَمَّا قَبْلَهُ.
كَمَا قَالَ: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَمَنْ قَبْلَهُ نَاقِلٌ عَمَّنْ قَبْلَهُ، وَهَكَذَا حَتَّى صَرَّحَ بِهَا عِيسَى ﵇، وَأَدَّاهَا إِلَى قَوْمِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: اسْمُهُ أَحْمَدُ، جَاءَ النَّصُّ أَنَّهُ ﷺ لَهُ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ، وَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ : «أَنَا لِي أَسْمَاءٌ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ» .
وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فَقَدْ ذُكِرَ ﷺ بِاسْمِهِ أَحْمَدَ هُنَا، وَبِاسْمِهِ مُحَمَّدٍ فِي سُورَةِ «مُحَمَّدٍ» ﷺ .
كَمَا ذُكِرَ ﷺ بِصِفَاتٍ عَدِيدَةٍ أَجْمَعِهَا مَا يُعَدُّ تَرْجَمَةً ذَاتِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [٩ \ ١٢٨] .
وَسَيَأْتِي الْمَزِيدُ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [٦٨ \ ٤] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [٤٢ \ ١٦] فِي سُورَةِ «الشُّورَى» وَقَوْلِهِ: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ [٢١ \ ١٨] فِي سُورَةِ «الْأَنْبِيَاءِ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.
стр. 3646
فُسِّرَتِ التِّجَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٦١ \ ١١] .
التِّجَارَةُ: هِيَ التَّصَرُّفُ فِي رَأْسِ الْمَالِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ [٢ \ ٢٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا [٩ \ ٢٤] .
وَالتِّجَارَةُ هُنَا فُسِّرَتْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبِذْلِ الْمَالِ وَالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَا هِيَ الْمُعَارَضَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي تِلْكَ التِّجَارَةِ الْهَامَّةِ، بَيَّنَهَا تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [٩ \ ١١١] ، فَهُنَا مُبَايَعَةٌ، وَهُنَا بُشْرَى وَهُنَا فَوْزٌ عَظِيمٌ.
وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [٦١ \ ١٢ - ١٣] .
وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ هَذِهِ الصَّفْقَةُ الرَّابِحَةُ فَهُوَ لَا مَحَالَةَ خَاسِرٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [٢ \ ١٦] .
حَقِيقَةُ هَذِهِ التِّجَارَةِ أَنَّ رَأْسَ مَالِ الْإِنْسَانِ حَيَاتُهُ وَمُنْتَهَاهُ مَمَاتُهُ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» وَالْعَرَبُ تَعْرِفُ هَذَا الْبَيْعَ فِي الْمُبَادَلَةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أَجْهَلُ فِيكُمُ ... فَإِنِّي شَرَيْتُ الْحِلْمَ بَعْدَكِ بِالْجَهْلِ
وَقَوْلِ الْآخَرِ:
بَدَّلْتُ بِالْجُمَّةِ رَأْسًا أَزْعَرَا ... وَبِالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا كَمَا
اشْبَرَى الْمُسْلِمُ إِذْ تَنَصَّرَا
فَأَطْلَقَ الشِّرَاءَ عَلَى الِاسْتِبْدَالِ.
تَنْبِيهٌ
стр. 3647
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَقْدِيمُ الْجِهَادِ بِالْمَالِ عَلَى الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ.
وَفِي آيَةِ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدَّمَ النَّفْسَ عَنِ الْمَالِ فَقَالَ: اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ سِرٌّ لَطِيفٌ.
أَمَّا فِي آيَةِ «الصَّفِّ» فَإِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ لِمَعْنَى التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَحَقِيقَةُ الْجِهَادِ بَذْلُ الْجُهْدِ وَالطَّاقَةِ، وَالْمَالُ هُوَ عَصَبُ الْحَرْبِ وَهُوَ مَدَدُ الْجَيْشِ، وَهُوَ أَهَمُّ مِنَ الْجِهَادِ بِالسِّلَاحِ، فَبِالْمَالِ يُشْتَرَى السِّلَاحُ، وَقَدْ تُسْتَأْجُرُ الرِّجَالُ كَمَا فِي الْجُيُوشِ الْحَدِيثَةِ مِنَ الْفِرَقِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَبِالْمَالِ يُجَهَّزُ الْجَيْشُ، وَلِذَا لَمَّا جَاءَ الْإِذْنُ بِالْجِهَادِ أَعْذَرَ اللَّهُ الْمَرْضَى وَالضُّعَفَاءَ، وَأَعْذَرَ مَعَهُمُ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَجْهِيزَ أَنْفُسِهِمْ، وَأَعْذَرَ مَعَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ إِذْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ مَا يُجَهِّزُهُمْ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى، إِلَى قَوْلِهِ: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [٩ \ ٩١ - ٩٢] .
وَكَذَلِكَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، قَدْ يُجَاهِدُ بِالْمَالِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ بِالسِّلَاحِ كَالنِّسَاءِ وَالضُّعَفَاءِ، كَمَا قَالَ ﷺ : «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا» .
أَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِبْدَالِ وَالْعَرْضِ وَالطَّلَبِ أَوْ مَا يُسَمَّى بِالْمُسَاوَمَةِ، فَقَدَّمَ النَّفْسَ؛ لِأَنَّهَا أَعَزُّ مَا يَمْلِكُ الْحَيُّ، وَجَعَلَ فِي مُقَابِلِهَا الْجَنَّةَ وَهِيَ أَعَزُّ مَا يُوهَبُ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ:
أُثَامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّهَا ... وَلَيْسَ لَهَا فِي الْخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنُ
بِهَا تُمْلَكُ الْأُخْرَى فَإِنْ أَنَا بِعْتُهَا ... بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَذَاكَ هُوَ الْغَبَنُ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنِيَا أُصِيبُهَا ... لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنُ
فَالتِّجَارَةُ هُنَا مُعَامَلَةٌ مَعَ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَجِهَادًا بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَالْعَمَلِ
стр. 3648
الصَّالِحِ، كَمَا قِيلَ أَيْضًا:
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ مُجْتَهِدًا ... فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ فِي الْعَمَلِ
وَفِي آيَةِ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى تَقْدِيمُ بُشْرَى خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ بِالنَّصْرِ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهِيَ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: فَيَقْتُلُونَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ فَيَقْتُلُونَ عَدُوَّهُمْ، وَيُقْتَلُونَ [٩ \ ١١١] بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، لِأَنَّ التَّقْدِيمَ هُنَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَيُصِيبُونَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ مِنْهُمْ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ فِي مَوْقِفِ الْقُوَّةِ وَالنَّصْرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ الْآيَةَ
فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا إِشْعَارُ الْمُسْلِمِينَ بِالنَّصْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [٦١ \ ١٤] ، وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا هَلْ كَانُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا كَانَ الْحَوَارِيُّونَ أَنْصَارَ اللَّهِ أَمْ لَا؟
وَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بِالْفِعْلِ أَنْصَارُ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [٥٩ \ ٨] .
وَكَذَلِكَ الْأَنْصَارُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ [٩ \ ١٠٠] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [٤٨ \ ٢٩] فَأَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ هُوَ مَعْنَى يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ لَهُمْ بِالتَّآزُرِ وَالتَّعَاوُنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [٤٨ \ ٢٩] فَسَمَّاهُمْ أَنْصَارًا، وَبَيَّنَ نُصْرَتَهُمْ سَوَاءٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 3649
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ.
بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مَعْنَى الْأُمِّيِّينَ فِي مُذَكِّرَةِ الدِّرَاسَةِ بِقَوْلِهِ: الْأُمِّيِّينَ أَيْ: الْعَرَبِ، وَالْأُمِّيُّ: هُوَ الَّذِي لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، وَكَذَلِكَ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ. اهـ.
وَسُمِّي أُمِّيًّا نِسْبَةً إِلَى أُمِّهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ لَمْ يَعْرِفِ الْقِرَاءَةَ، وَلَا الْكِتَابَةَ وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمِّيِّينَ هُمُ الْعَرَبُ بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رَسُولًا مِنْهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [١٤ \ ٣٧] ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [٢ \ ١٢٩] .
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -: وَهَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَجَابَ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِيهِمُ اهـ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَقْرَأُ وَلَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» ، وَهَذَا حُكْمٌ عَلَى الْمَجْمُوعِ لَا عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ فِي الْعَرَبِ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ مِثْلَ كَتَبَةِ الْوَحْيِ، عُمَرَ وَعَلِيًّا وَغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَسُولًا مِنْهُمْ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ [٧ \ ١٥٧] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْمَكْتُوبَ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ﵇ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [٦١ \ ٦] .
وَكَوْنُهُ ﷺ أُمِّيًّا بِمَعْنَى لَا يَكْتُبُ، بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
стр. 3650
[٤ ٩ \ ٤٨] .
وَبَيَّنَ تَعَالَى الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِهِ ﷺ أُمِّيًّا مَعَ أَنَّهُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ كَمَا كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ ﷺ : أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ [٢٥ \ ٥] فَقَالَ: إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [٢٩ \ ٤٨] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي الْمُذَكِّرَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا: هَذَا عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فِي الْأُمِّيِّينَ، أَيْ: بَعْثِ هَذَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأُمِّيِّينَ، وَفِي آخَرِينَ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: عُطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: يُعَلِّمُهُمْ، أَيْ يُعَلِّمُهُمْ وَيُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنْهُمْ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَآخَرِينَ كُلُّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [٦ \ ١٩] .
وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَآخَرِينَ، نَزَلَتْ فِي فَارِسَ قَوْمِ سَلْمَانَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. اهـ.
وَسَبَقَ أَنَّ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [٥٩ \ ١٠] .
وَلَكِنْ سَبَقَنَا كَلَامُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - حِينَ عَثَرْنَا عَلَيْهِ لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَالِاسْتِئْنَاسِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
اخْتُلِفَ فِي مَرْجِعِ اسْمِ الْإِشَارَةِ هُنَا وَفِي الْمُرَادِ بِالْمُتَفَضِّلِ بِهِ عَلَيْهِمْ، أَهُمُ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِبَعْثَةِ نَبِيٍّ مِنْهُمْ فِيهِمْ؟ أَمْ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمِّيُّ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِبَعْثَتِهِ مُعَلِّمًا هَادِيًا؟ أَمْ هُمُ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا زَمَنَ الْبِعْثَةِ وَوَصَلَتْهُمْ دَعْوَتُهَا، وَأَدْرَكُوا فَضْلَهَا؟
وَقَدِ اكْتَفَى الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَيْنَا - فِي مُذَكِّرَةِ الدِّرَاسَةِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَيْ: الْمَذْكُورُ مِنْ بَعْثِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ فِي الْأُمِّيِّينَ، فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، وَمِنْ عِظَمِ فَضْلِهِ تَفَضُّلُهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ. اهـ.
стр. 3651
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -، يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي مِنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى الْأُمِّيِّينَ بِبِعْثَةِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ فِيهَا، وَتَفَضُّلُ اللَّهِ عَلَى النَّبِيِّ بِبَعْثَتِهِ فِيهِمْ مِمَّا لَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ التَّنَوُّعِيِّ أَوْ هِيَ مِنَ الْمُتَلَازِمَاتِ فَلَا مَانِعَ مِنْ إِدَارَةِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ فَضْلَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ شَمِلَ الْجَمِيعَ.
وَقَدْ نَصَّ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [٣ \ ١٦٤] وَهَذَا عَيْنُ مَا فِي سُورَةِ «الْجُمُعَةِ» سَوَاءٌ، لِأَنَّ الِامْتِنَانَ هُوَ التَّفَضُّلُ.
وَنَصَّ عَلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [٤ \ ١١٣] .
وَنَصَّ عَلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [٥ \ ٥٤] .
فَقَوْلُهُ: فَسَوْفَ يَأْتِي، وَيُسَاوِي: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [٦٢ \ ٣] ، فَهُوَ خِلَافُ تَنَوُّعٍ، وَفَضْلُ اللَّهِ شَامِلٌ لِلْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي إِمْلَائِهِ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْيَهُودِ، وَهُوَ أَنَّهُ شَبَّهَهُمْ بِحِمَارٍ، وَشَبَّهَ التَّوْرَاةَ الَّتِي كُلِّفُوا الْعَمَلَ بِمَا فِيهَا بِأَسْفَارٍ أَيْ: كُتُبٍ جَامِعَةٍ لِلْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَشَبَّهَ تَكْلِيفَهُمْ بِالتَّوْرَاةِ بِحَمْلِ ذَلِكَ الْحِمَارِ لِتِلْكَ الْأَسْفَارِ، فَكَمَا أَنَّ الْحِمَارَ لَا يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ الَّتِي فِي تِلْكَ الْكُتُبِ الْمَحْمُولَةِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَكَذَلِكَ الْيَهُودُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِظْهَارِ صِفَاتِهِ لِلنَّاسِ فَخَانُوا، وَحَرَّفُوا وَبَدَّلُوا فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا فِي كِتَابِهِمْ مِنَ الْعُلُومِ اهـ.
فَأَشَارَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - إِلَى أَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا مِنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 3652
هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٢ \ ١٤ ٦] فَقَدْ جَحَدُوا رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ عِلْمُهُمْ بِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَشَدُّ مَا يَنْبَغِي الْحَذَرُ مِنْهَا، وَخَاصَّةً لِطُلَّابِ الْعِلْمِ وَحَمَلَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ [٦٢ \ ٥] أَيْ: تَشْبِيهُهُمْ فِي هَذَا الْمَثَلِ بِهَذَا الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ.
وَقَدْ سَبَقَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْأَضْوَاءِ، مِنْهَا فِي الْجُزْءِ الثَّانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ الْآيَةَ [٧ \ ١٧٦] .
وَمِنْهَا فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ الْآيَةَ [١٤ \ ١٨] .
وَمِنْهَا فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ [١٨ \ ٥٤] فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.
وَالَّذِي يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ هُوَ أَنْ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ يَجْعَلُهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْمُفْرِدِ، وَأَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ فِيهِ مُفْرَدٌ وَهُوَ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِالْمَحْمُولِ، كَالْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ:
كَالْعِيسِ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَا ... وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ
وَالَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ مُرَكَّبٌ مِنْ مَجْمُوعِ كَوْنِ الْمَحْمُولِ كُتُبًا نَافِعَةً، وَالْحَامِلِ حِمَارًا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِهَا بِخِلَافِ مَا فِي الْبَيْتِ، لِأَنَّ الْعِيسَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَفِعَ بِالْمَاءِ لَوْ حَصَلَتْ عَلَيْهِ، وَالْحِمَارُ لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَسْفَارِ وَلَوْ نُشِرَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ نَقْلِ النُّبُوَّةِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلِّيَّةً أَنَّهُمْ وَصَلُوا إِلَى حَدِّ الْإِلْبَاسِ مِنِ انْتِفَاعِهِمْ بِأَمَانَةِ التَّبْلِيغِ وَالْعَمَلِ، فَنَقَلَهَا اللَّهُ إِلَى قَوْمٍ أَحَقَّ بِهَا وَبِالْقِيَامِ بِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي إِمْلَائِهِ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِينَ هَادُوا هُمُ الْيَهُودُ.
стр. 3653
وَمَعْنَى هَادُوا أَيْ: رَجَعُوا بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [٧ \ ١٥٦] ، وَكَانَ رُجُوعُهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ: حَيْثُ سَلَّمُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقَتْلِ تَوْبَةً وَإِنَابَةً إِلَى اللَّهِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [٢ \ ٥٤] .
وَقَوْلُهُ: إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي: إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي زَعْمِكُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ، وَأَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ دُونَ غَيْرِكُمْ مِنَ النَّاسِ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ: لِأَنَّ وَلِيَّ اللَّهِ حَقًّا يَتَمَنَّى لِقَاءَهُ، وَالْإِسْرَاعَ إِلَى مَا أَعَدَّ لَهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ. اهـ.
وَفِي قَوْلِهِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ زَعْمِهِمِ الْمُجْمَلِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ مَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ وَعَنِ النَّصَارَى مَعَهُمْ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [٥ \ ١٨] .
وَقَدْ رَدَّ زَعْمَهُمْ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ إِنْ زَعَمْتُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٢ \ ٩٤] .
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -: وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالتَّمَنِّي الْمُبَاهَلَةُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ إِظْهَارُ كَذِبِ الْيَهُودِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: إِنْ زَعَمْتُمْ مَعَ قَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُمْ شَرْطَانِ يَتَرَتَّبُ الْأَخْذُ مِنْهُمَا عَلَى الْأَوَّلِ أَيْ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، إِنْ زَعَمْتُمْ، إِنْ صَدَقْتُمْ فِي زَعْمِكُمْ، وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تَذْعَرُوا تَجِدُوا ... مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانَهَا كَرَمُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.
стр. 3654
نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أَبَدًا، وَأَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ لِيُبَيِّنَ مَا هُوَ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمُ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي إِمْلَائِهِ: لَا يَتَمَنَّوْنَهُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى الْحَيَاةِ كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى قَوْلُهُ: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [٢ \ ٩٦] فَشِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلَى الْحَيَاةِ؛ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا مَاتُوا دَخَلُوا النَّارَ، وَلَوْ تَمَنَّوْا لَمَاتُوا مِنْ حِينِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَالْمُسَبِّبٌ انْتِفَاءُ تَمَنِّيهِمْ وَمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي. اهـ.
وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مِنَ الْأَسْبَابِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ، قَدْ بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [٣ \ ١٨١] .
فَالْبَاءُ هُنَا سَبَبِيَّةٌ أَيْضًا أَيْ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَلِهَذَا كُلِّهِ لَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَيُوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ، فَقَدْ أَيْقَنُوا الْهَلَاكَ وَيَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [٦٠ \ ١٣] ، وَلِهَذَا كُلِّهِ لَمْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ.
أَيْ: إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ بِعَدَمِ تَمَنِّيهِ فَلَنْ يَجْعَلَكُمْ تَنْجُونَ مِنْهُ وَهُوَ مُلَاقِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، وَمُلَاقِيكُمْ بِمَعْنَى مُدْرِكُكُمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [٤ \ ٧٨] .
وَقَوْلِهِ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [٣ \ ١٨٥] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
стр. 3655
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهَذَا السِّيَاقُ يُشْبِهُ فِي مَدْلُولِهِ وَصُورَتِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [٢٢ \ ٢٧] مَعَ قَوْلِهِ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [٢ \ ١ ٩ ٨] .
فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نِدَاءٌ، وَأَذَانُ الْحَجِّ صَلَاةٌ وَسَعْيٌ وَإِتْيَانٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ، ثُمَّ انْتِشَارٌ وَإِفَاضَةٌ مِمَّا يَرْبُطُ الْجُمُعَةَ بِالْحَجِّ فِي الشَّكْلِ وَإِنِ اخْتَلَفَ الْحَجْمُ، وَفِي الْكَيْفِ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ التَّفَاصِيلُ، وَفِي الْمَبَاحِثِ وَالْأَحْكَامِ كَثْرَةٌ وَتَنْوِيعٌ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ، مِمَّا يَجْعَلُ مَبَاحِثَ الْجُمُعَةِ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ مَبَاحِثِ الْحَجِّ، وَتَتَطَلَّبُ عِنَايَةً بِهَا كَالْعِنَايَةِ بِهِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - أَنَّهُ كَانَ عَازِمًا عَلَى بَسْطِ الْكَلَامِ فِيهَا كَعَادَتِهِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - وَلَكِنَّ إِرَادَتَهُ نَافِذَةٌ، وَقُدْرَتَهُ غَالِيَةٌ. وَإِنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَسْتَشْعِرُ مَدَى مَبَاحِثِ الشَّيْخِ وَبَسْطِهِ وَتَحْقِيقِهِ لِلْمَسَائِلِ لِيُحْجِمَ وَيَتْرُكَ الدُّخُولَ فِيهَا تَقَاصُرًا دُونَهَا وَلَا سِيَّمَا وَأَنَّ رَبْطَ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْمُبَيَّنِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حَيَّانَ فِي مَضْمُونِ قَوْلِهِ فِي نِهَايَةِ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ إِيجَازِ الْكَلَامِ عَنْ أَحْكَامِهَا، قَالَ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ مَلَأَ الْمُفَسِّرُونَ كَثِيرًا مِنْ أَوْرَاقِهِمْ بِأَحْكَامٍ وَخِلَافٍ فِي مَسَائِلِ الْجُمُعَةِ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ. اهـ.
فَهُوَ يُشِيرُ بِأَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ الَّتِي نَاقَشَهَا الْمُفَسِّرُونَ فِي مَبَاحِثِ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنَّ الدَّارِسَ لِمَنْهَجِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - فِي الْأَضْوَاءِ، وَالْمُتَذَوِّقَ لِأُسْلُوبِهِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى اللَّفْظِ فَقَطْ، أَيْ: دَلَالَةِ النَّصِّ التَّطَابُقِيِّ وَتَأَمُّلِ أَنْوَاعِ الدَّلَالَاتِ مِنْ تَضَمُّنٍ وَالْتِزَامٍ وَإِيمَاءٍ وَتَنْبِيهٍ، فَإِنَّهُ يَجِدُ لِأَكْثَرَ أَوْ كُلِّ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وَالْمُحَدِّثُونَ، وَالْفُقَهَاءُ مِنَ الْمَبَاحِثِ أُصُولًا مِنْ أُصُولِ تِلْكَ الدَّلَالَاتِ.
وَإِنِّي أَسْتَلْهِمُ اللَّهَ تَعَالَى الرُّشْدَ وَأَسْتَمِدُّ، الْعَوْنَ وَالتَّوْفِيقَ لِبَيَانِ كُلِّ مَا يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ وُفِّقْتُ فَبِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ وَخِدْمَةٍ لِكِتَابِهِ، وَإِلَّا فَإِنَّهَا مُحَاوَلَةٌ تُغْتَفَرُ بِجَانِبِ الْقُصُورِ الْعِلْمِيِّ وَتَحْسِينُ الْقَصْدِ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ.
стр. 3656
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي مُذَكِّرَةِ الدِّرَاسَةِ مَا نَصُّهُ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَيْ: قَامَ الْمُنَادِي بِهَا، وَهُوَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْ: مِنْ صَلَاةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْ: صَلَاةِ الْجُمُعَةِ اهـ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ نَفْسُهَا دُونَ بَقِيَّةِ صَلَوَاتِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَجِيءُ «مِنَ» الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ ثُمَّ تَبَيَّنَ هَذَا الْبَعْضُ بِالْأَمْرِ، بِتَرْكِ الْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ، لِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا لِوُجُودِ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً لَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَصَلَّوْهَا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ هُوَ الْأَذَانُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا [٥ \ ٥٨] .
وَمِنَ السُّنَةِ قَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» .
وَقِيلَ: النِّدَاءُ لُغَةً هُوَ النِّدَاءُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ لِحَدِيثِ: «فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا» .
وَقَدْ عَرَّفَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - الْأَذَانَ لُغَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [٢٢ \ ٢٧] ، فَقَالَ: الْأَذَانُ لُغَةً: الْإِعْلَامُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [٩ \ ٣] ، وَقَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
آَذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
وَالْأَذَانُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، شِعَارًا لِلْمُسْلِمِينَ وَنِدَاءً لِلصَّلَاةِ.
بَدْءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ:
اخْتُلِفَ فِي بَدْءِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بُدِئَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَجَاءَتْ نُصُوصٌ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ: أَنَّهُ شُرِعَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ بِمَكَّةَ.
مِنْهَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عِنْدَ الْبَزَّارِ: أَنَّهُ شُرِعَ مَعَ الصَّلَاةِ.
стр. 3657
وَمِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ شُرِعَ بِمَكَّةَ عَنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
أَمَّا مَشْرُوعِيَّتُهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَفِي الْمَدِينَةِ فَفِيهَا نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ بَدْأَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ.
مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ: " كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ "، وَفِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ ﵀: أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يَضْرِبُ بِهِمَا؛ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ، فَأُرِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ خَشَبَتَيْنِ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ لَنَحْوٌ مِمَّا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا تُؤَذِّنُونَ لِلصَّلَاةِ؟ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَذَانِ ".
وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى عَنْ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ وَعِنْدَ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى، وَصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهَا قَالُوا: " انْصِبْ رَايَةً فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ أَذَّنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَيْ: أَعْلَمَهُ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ فَذُكِرَ لَهُ الْقِنْعُ، وَهُوَ الشَّبُّورُ لِلْيَهُودِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَقَالَ هَذَا مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ ".
وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ " أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ".
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ؛ لِيَضْرِبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَوَاتِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ".
ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا أَقَمْتَ لِلصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ
стр. 3658
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: " إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ " فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ:
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مَا رَأَى، فَقَالَ ﷺ : " فَلِلَّهِ الْحَمْدُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، فَقَالَ: " إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَرَانِي الْأَذَانَ ".
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَفِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
وَهُنَا سُؤَالٌ حَوْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَيْفَ يُتْرَكُ أَمْرُ الْأَذَانِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْأَهَمِّيَّةِ مِنَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ أَمْرَ مَشْرُوعِيَّتِهِ رُؤْيَا يَرَاهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَطَعَنَ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " قُمْ يَا بِلَالُ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ " وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: سَنَدُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ صَحِيحٌ، وَقَدْ نَاقَشَهُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀، وَذَكَرَ تَصْحِيحَهُ وَمَنْ صَحَّحَهُ وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ بِإِرَادَةِ اتِّخَاذِ خَشَبَتَيْنِ، فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ خَشَبَتَيْنِ الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِثْبَاتُ التَّشَاوُرِ فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ حِينَ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ أَلْفَاظَ النِّدَاءِ فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إِمَّا أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُنَادِي بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، ثُمَّ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ الْأَذَانَ فَعَلَّمَهُ بِلَالًا.
وَقَدْ يَشْهَدُ لِهَذَا الْوَجْهِ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَقَدْ أَعْجَبَنِي أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةً، حَتَّى لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبُثَّ رِجَالًا فِي الدُّورِ يُنَادُونَ النَّاسَ بِحِينِ الصَّلَاةِ، وَحَتَّى هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ
стр. 3659
رِجَالًا يَقُومُونَ عَلَى الْآطَامِ يُنَادُونَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَقَسُوا أَوْ كَادُوا أَنْ يَنْقُسُوا "، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمَّا رَجَعْتُ لِمَا رَأَيْتُ مِنِ اهْتِمَامِكَ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ فَقَامَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ لَقُلْتُ إِنِّي كُنْتُ يَقْظَانَ غَيْرَ نَائِمٍ. فَقَالَ ﷺ : " لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَمُرْ بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى وَلَكِنِّي لَمَّا سُبِقْتُ اسْتَحْيَيْتُ ". لِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا.
فَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ هَمَّ أَنْ يَبُثَّ رِجَالًا فِي الدُّورِ، وَعَلَى الْآطَامِ يُنَادُونَ لِلصَّلَاةِ، فَيَكُونُ نِدَاءُ بِلَالٍ أَوَّلًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ دُونَ تَعْيِينِ أَلْفَاظٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نِدَاءُ بِلَالٍ الْوَارِدُ فِي الصَّحِيحِ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ، الْوَارِدَةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ رَأَى مَا رَآهُ وَأَمَرَهُ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ بِلَالًا فَنَادَى بِهِ، وَلَا تَعَارُضَ فِي ذَلِكَ كَمَا تَرَى.
وَمِنْهَا أَيْضًا: أَنَّ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ لِلْأَذَانِ لَا تَجْعَلُهُ مَشْرُوعًا لَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
وَهَذَا النَّظْمُ لِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْقِسْمِ فَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنِ الْوَسَاوِسِ، وَالْهَوَاجِسِ لِمَا فِيهَا مِنْ إِعْلَانِ الْعَقِيدَةِ وَإِرْغَامِ الشَّيْطَانِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَدْبَرَ " إِلَخْ.
ثُمَّ إِنَّهُ ﷺ لَمَّا سَمِعَهَا أَقَرَّهَا وَقَالَ: " إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ "، أَوْ لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ حَقًّا، فَكَانَتْ سُنَّةَ تَقْرِيرٍ كَمَا يُقَرِّرُ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضِ الْأَفْعَالِ.
ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْلِيمُهُ ﷺ لِأَبِي مَحْذُورَةَ فَصَارَ سُنَّةً ثَابِتَةً، وَكَانَ يُتَوَجَّهُ السُّؤَالُ لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ ﷺ وَعَمِلُوا بِهِ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا، وَلَكِنْ وَقَدْ بَلَغَهُ وَأَقَرَّهُ فَلَا سُؤَالَ إِذًا.
وَمِنْهَا: أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ جَاءَهُ بِهِ، وَلَمَّا أَخْبَرَهُ عُمَرُ قَالَ لَهُ: " سَبَقَكَ بِذَلِكَ الْوَحْيُ " ذُكِرَ فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ بَسْطُ الْكَلَامِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالرُّؤْيَا ذَكَرَهُمَا الْمُعَلِّقُ عَلَى بَذْلِ الْمَجْهُودِ.
وَمِنْهَا مَا قِيلَ: تَرْكُ مَجِيءِ بَيَانِ وَتَعْلِيمِ الْأَذَانِ إِلَى أَنْ رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَوَاهُ عُمَرُ ﵄ لِأَمْرَيْنِ، ذَكَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْلِنًا مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ مَجِيئُهُ عَنْ طَرِيقِهِمَا أَوْلَى
стр. 3660
وَأَكْرَمُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ مِنْ طَرِيقِهِ هُوَ حَتَّى لَا يَكُونَ عِنَايَةَ مَنْ يَدْعُوهُمْ لِإِطْرَائِهِ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُتَوَجَّهًا إِلَّا أَنَّ فِيهِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَوْ جَاءَهُمْ بِأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ لَمَا كَانَ مَوْضِعَ تَسَاؤُلٍ.
مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ يَكُونُ أَصْلُ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ سُنَّةً ثَابِتَةً، إِمَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ هَمَّ أَنْ يَبْعَثَ رِجَالًا فِي الْبُيُوتِ يُنَادُوهُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَقَرَّ مَا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ فَيَكُونُ أَصْلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ مِنْهُ ﷺ ، وَالتَّقْرِيرُ مِنْهُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الَّتِي رَآهَا عَبْدُ اللَّهِ.
فَضْلُ الْأَذَانِ وَآدَابُ الْمُؤَذِّنِ
لَا شَكَّ أَنَّ الْأَذَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَشْهَدُ لَهُ مَا سَمِعَ صَوْتَهُ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ. إِلَخْ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ ﷺ : «أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْتُ.
وَقَالَ ﷺ : «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنٌ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَذَانِ، فَقِيلَ: مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْوَقْتِ، وَقِيلَ: مُؤْتَمَنٌ عَلَى عَوْرَاتِ الْبُيُوتِ عِنْدَ الْأَذَانِ، فَقَدْ حَثَّ ﷺ الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى الْوُضُوءِ لَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ: «لَا يُنَادِي لِلصَّلَاةِ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ» وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ لَا يُبْطِلُهُ اتِّفَاقًا.
وَلَمَّا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَتْ لَهُ آدَابٌ فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِينَ:
مِنْهَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، كَمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» ، وَعَلَيْهِ حَذَّرَ ﷺ مِنْ تَوَلِّي الْفَسَقَةِ الْأَذَانَ كَمَا فِي حَدِيثِ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» الْمُتَقَدِّمِ. فَإِنَّ فِيهِ زِيَادَةً عِنْدَ الْبَزَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ تَرَكْتَنَا نَتَنَافَسُ فِي الْأَذَانِ بَعْدَكَ فَقَالَ: «إِنَّهُ يَكُونُ بَعْدِي أَوْ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ سِفْلَتُهُمْ مُؤَذِّنُوهُمْ» .
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّغَنِّي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ إِلَى أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَكِنِّي أُبْغِضُكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ تَتَغَنَّى فِي أَذَانِكَ.
وَفِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ: وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ صَبِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ، أَيْ ظَاهِرِ الْفِسْقِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَا يُحَاكِي فِي أَذَانِهِ الْفَسَقَةَ.
стр. 3661
وَمِنْهَا: أَلَّا يَلْحَنَ فِيهِ لَحْنًا بَيِّنًا، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيُكْرَهُ اللَّحْنُ فِي الْأَذَانِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَيَّرَ الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ وَنَصَبَ لَامَ رَسُولٍ. أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا.
وَلَا يَمُدُّ لَفْظَةَ أَكْبَرَ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِيهَا أَلِفًا فَيَصِيرُ جَمْعُ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ، وَلَا يُسْقِطُ الْهَاءَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَلَا الْحَاءَ مِنَ الْفَلَاحِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ» الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ أَلْثَغَ لَا تَتَفَاحَشُ جَازَ أَذَانُهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ: أَسْهَدُ بِجَعْلِ الشِّينِ سِينًا، نَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَلَكِنْ لَا أَصْلَ لِهَذَا الْأَثَرِ مَعَ شُهْرَتِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، كَمَا فِي كَشْفِ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ.
وَمِنْ هَذَا يَنْبَغِي تَعَهُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ اللَّحْنِ وَالتَّلْحِينِ وَكَذَلِكَ الْفِسْقُ، وَصِفَةُ الْمُؤَذِّنِينَ وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مَهْبِطِ الْوَحْيِ وَمَصْدَرِ التَّأَسِّي، وَمَوْفِدِ الْقَادِمِينَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ لِيَأْخُذُوا آدَابَ الْأَذَانِ وَالْمُؤَذِّنِينَ عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ.
أَلْفَاظُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالرَّاجِحُ مِنْهَا مَعَ بَيَانِ التَّثْوِيبِ وَالتَّرْجِيعِ
مَدَارُ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَمَا عَدَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا كَحَدِيثِ بِلَالٍ وَغَيْرِهِ ﵃.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْجُودٌ فِي السُّنَنِ أَيْ فِيمَا عَدَا الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ مِنْ حَيْثُ الْزَمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَبْحَثِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ وَأَنَّهُ كَانَ ابْتِدَاءً فِي الْمَدِينَةِ أَوَّلَ مَقْدِمِهِ ﷺ إِلَيْهَا.
وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ مَوْجُودٌ فِي السُّنَنِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قِصَّةَ سَبَبِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَحَدِيثَ: أُمِرِ بِلَالٌ أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَعَلَيْهِ سَنُقَدِّمُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِتَقَدُّمِهِ فِي الزَّمَنِ، وَأَلْفَاظُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ
стр. 3662
الْمَشْرُوعِيَّةِ، هِيَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَمَجْمُوعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَةَ كَلِمَةً أَيْ جُمْلَةً، فَفِيهِ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ وَتَثْنِيَةُ بَاقِيهِ، وَإِفْرَادُ آخِرِهِ، وَفِيهِ الْإِقَامَةُ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ فِي كَلِمَةٍ وَإِفْرَادِ بَاقِيهَا إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ، وَلَفْظُهَا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَذَكَرَ لَهُ عِدَّةَ طُرُقٍ، وَمِنْهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ.
حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ كَمَا فِي السُّنَنِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي نَفَرٍ فَلَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُقْدِمًا مِنْ حُنَيْنٍ، وَأَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ ﷺ ، فَظَلَّ أَبُو مَحْذُورَةَ فِي نَفَرِهِ يَحْكُونَهُ اسْتِهْزَاءً بِهِ، فَسَمِعَهُمْ ﷺ فَأَحْضَرَهُمْ فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟ فَأَشَارُوا إِلَى أَبِي مَحْذُورَةَ، فَحَبَسَهُ وَأَرْسَلَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ فَعَلَّمَهُ» .
أَمَّا أَلْفَاظُهُ: فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ، وَالْبَاقِي كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مَعَ زِيَادَةِ ذِكْرِ التَّرْجِيعِ، وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِمٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ وَبِلَفْظِ التَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ:
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ نَفْسِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي قِصَّةِ الْإِغَارَةِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَى الْفِطْرَةِ» ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ» . . . الْحَدِيثَ.
стр. 3663
وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» الْحَدِيثَ، فَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ مُسْلِمٍ لِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ عَنِ الْإِقَامَةِ إِلَّا حَدِيثَ أَنَسٍ، أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ، وَعِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ جَاءَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ، كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَبِالتَّرْجِيعِ وَالتَّثْوِيبِ فِي الْفَجْرِ، وَفِيهَا أَنَّ التَّرْجِيعَ يَكُونُ أَوَّلًا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ.
ثُمَّ يُرَجِّعُ وَيَمُدُّ بِهِمَا - أَيْ بِالشَّهَادَتَيْنِ - صَوْتَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، أَمَّا الْإِقَامَةُ فَجَاءَتْ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ رِوَايَتَانِ: الْأُولَى قَالَ: وَعَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ الْإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
الثَّانِيَةُ: مِثْلُ الْأَذَانِ تَمَامًا بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وَبِدُونِ تَرْجِيعٍ، وَتَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ أَيِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَالْأُولَى كَالْأَذَانِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالثَّانِيَةُ كَرِوَايَةِ الْأَذَانِ عِنْدَ غَيْرِهِ بِدُونِ تَرْجِيعٍ وَلَا تَثْوِيبٍ، وَإِضَافَةِ لَفْظِ الْإِقَامَةِ مَرَّتَيْنِ.
هَذَا مَجْمُوعُ مَا جَاءَ فِي أُصُولِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ مِنْ حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي مَحْذُورَةَ.
وَبِالنَّظَرِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ نَجِدُهُ لَمْ تَخْتَلِفْ أَلْفَاظُهُ لَا فِي الْأَذَانِ وَلَا فِي الْإِقَامَةِ، وَهُوَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ وَبِدُونِ تَثْوِيبٍ وَلَا تَرْجِيعٍ، وَبِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فَجَاءَ بِعِدَّةِ صُوَرٍ فِي الْأَذَانِ وَفِي الْإِقَامَةِ.
أَمَّا الْأَذَانُ فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِتَرْبِيعِهِ، وَعِنْدَ الْجَمِيعِ إِثْبَاتُ
стр. 3664
التَّرْجِيعِ فِي الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَنَّ الْأُولَى مُنْخَفِضَةٌ، وَالثَّانِيَةَ مُرْتَفِعَةٌ، كَبَقِيَّةِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَجَاءَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَجَاءَتْ مِثْلَ الْأَذَانِ تَمَامًا عِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ سِوَى التَّرْجِيعِ وَالتَّثْوِيبِ مَعَ تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ، فَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ كَالْآتِي:
فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ ثَلَاثُ نِقَاطٍ:
أَوَّلًا: ذِكْرُ التَّرْجِيعِ.
ثَانِيًا: التَّثْوِيبُ.
ثَالِثًا: عَدَدُ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ.
أَمَّا التَّرْجِيعُ فَيَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَأَمَّا التَّثْوِيبُ فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ، وَكَانَ أَيْضًا مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ قَطْعًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ لِلصُّبْحِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَائِمٌ فَصَرَخَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، أَيْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «اجْعَلْ ذَلِكَ فِي أَذَانِكَ» فَاخْتُصَّتْ بِالْفَجْرِ.
وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي الْمُغْنِي عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَاهُ أَنْ يُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ فَخَرَجَ فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَخْرَجَتْنِي الْبِدْعَةُ، فَلَزِمَ بِهَذَا كُلِّهِ الْأَخْذُ بِهَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ خَاصَّةً.
أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لِأَبِي مَحْذُورَةَ مَرَّتَيْنِ فِي كَلِمَةٍ فَاخْتَلَفَ مَعَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَعِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى سَنَدِ مُسْلِمٍ فَهُوَ أَصَحُّ سَنَدًا، وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ، تَجِدُ فِيهِ زِيَادَةً صَحِيحَةً، وَهِيَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالتَّثْوِيبِ وَالتَّرْجِيعِ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفِقَةَ مَعَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْتَلِفَةِ مَعَهَا.
أَمَّا الْإِقَامَةُ: فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ تَخْتَلِفْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّهَا فِي حَدِيثِ أَبِي
стр. 3665
مَحْذُورَةَ قَدْ جَاءَتْ مُتَعَدِّدَةً وَلَمْ تَتَّفِقْ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِهَا مَعَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، حَيْثُ إِنَّ فِيهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ فِي جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ، وَمِنْهَا كَالْأَذَانِ مَعَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ مَرَّتَيْنِ، وَسَنَدُ الْجَمِيعِ سَوَاءٌ.
فَهَلْ نَأْخُذُ فِي الْإِقَامَةِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ أَمْ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ؟ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةُ بكُلٌّ مِنْهُمَا فِي السَّنَدِ سَوَاءٌ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ زِيَادَةٌ وَهِيَ تَشْبِيهُهَا بِالْأَذَانِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ قَاصِرًا عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الْعَمَلُ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الْإِقَامَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ وَفِيهِ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنْ وَجَدْنَا حَدِيثَ بِلَالٍ فِي الصَّحِيحِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَهُوَ أَمْرُ بِلَالٍ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ بِالْإِقَامَةِ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَبِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مَحْذُورَةَ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
فَمِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ: نَشْفَعُ الْأَذَانَ، وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي الْمُرَادِ بِالشَّفْعِ مِنْ حَيْثُ التَّكْبِيرِ ; لِأَنَّ الشَّفْعَ يَصْدُقُ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعٍ، وَعِنْدَ فِي الْأَذَانِ إِمَّا مَرَّتَانِ وَإِمَّا أَرْبَعٌ، وَكِلَاهُمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَى الشَّفْعِ، وَلَكِنْ إِذَا اعْتَبَرْنَا أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، كَانَ تَحَقُّقُ الشَّفْعِ بِجُمْلَتَيْنِ، فَيَأْتِي أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَلِمَةً وُجِدَ الشَّفْعُ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَلِمَتَيْنِ، وَلِهَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ.
وَلَكِنَّ الْأَذَانَ لَمْ تُعَدَّ عِبَارَاتُهُ بِالْكَلِمَاتِ الْمُفْرَدَةِ بَلْ بِالْجُمَلِ ; لِأَنَّنَا نَعُدُّ قَوْلَنَا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَهِيَ فِي الْوَاقِعِ جُمْلَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى عِدَّةِ كَلِمَاتٍ مُفْرَدَةٍ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُنَا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَلِمَةٌ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّفْعُ بِتَكْرَارِهَا، فَيَأْتِي أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ: وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ رِوَايَةِ الْحَدِيثَيْنِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ تَمَامًا.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ جَاءَ فِي نُسْخَةِ الْفَاسِيِّ لِمُسْلِمٍ بِأَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ. اهـ.
وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ.
стр. 3666
أَمَّا الْإِقَامَةُ فَحَدِيثُ بِلَالٍ نَصٌّ فِي إِيثَارِ الْإِقَامَةِ إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ وَهُوَ عَيْنُ نَصِّ الْإِقَامَةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَيْنُ النَّصِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً إِلَّا الْإِقَامَةَ، أَيْ: فَهِيَ مَرَّتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا الْعَرْضِ وَبِهَذِهِ الْمُنَاقَشَةِ يَكُونُ الرَّاجِحُ هُوَ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، مَعَ أَخْذِ التَّرْجِيعِ وَالتَّثْوِيبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ لِلْأَذَانِ.
ثُمَّ نَسُوقُ مَا أَخَذَ بِهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَعَ بَيَانِ النَّتِيجَةِ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْجَمِيعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبِدَايَةِ مَا نَصُّهُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَذَانِ عَلَى أَرْبَعِ صِفَاتٍ مَشْهُورَةٍ:
إِحْدَاهُمَا: تَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ وَتَرْبِيعُ الشَّهَادَتَيْنِ وَبَاقِيهِ مُثَنًّى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ التَّرْجِيعَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنَ الْأَذَانِ.
وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: أَذَانُ الْمَكِّيِّينَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَالشَّهَادَتَيْنِ، وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ.
وَالصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: أَذَانُ الْكُوفِيِّينَ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: أَذَانُ الْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَتَثْلِيثُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، يَبْدَأُ بِأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ يُعِيدُ كَذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً أَعْنِي الْأَرْبَعَ كَلِمَاتٍ تَبَعًا ثُمَّ يُعِيدُهُنَّ ثَالِثَةً، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ الْأَرْبَعِ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَاخْتِلَافُ اتِّصَالِ الْعَمَلِ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَدَنِيِّينَ يَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِالْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ، وَالْمَكِّيُّونَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَجُّونَ بِالْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آثَارٌ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ. اهـ.
стр. 3667
ثُمَّ سَاقَ نُصُوصَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا سَابِقًا، وَلَمْ يُورِدْ نَصًّا لِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ الَّذِي فِيهِ التَّثْلِيثُ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ وُجِدَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مُجَلَّدَ (١) ص (٥٦٤) وَجَاءَ مَرْوِيًّا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي الْمُصَنَّفِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ فِي الْإِقَامَةِ: أَمَّا صِفَتُهَا فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهَا، وَبِإِفْرَادِ بَاقِيهَا إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَرَّتَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَهِيَ مَثْنَى مَثْنَى، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَقَدْ خَيَّرَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ فِيهَا اهـ.
تِلْكَ هِيَ خُلَاصَةُ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَقَدْ أَجْمَلَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي زَادِ الْمَعَادِ تَحْتَ عُنْوَانِ: فَصْلُ مُؤَذِّنِيهِ ﷺ قَالَ مَا نَصُّهُ:
وَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ يُرَجِّعُ الْأَذَانَ وَيُثَنِّي الْإِقَامَةَ وَبِلَالٌ لَا يُرَجِّعُ وَيُفْرِدُ الْإِقَامَةَ، فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ مَكَّةَ بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَإِقَامَةِ بِلَالٍ، وَيَعْنِي بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ عَلَى رِوَايَةِ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَأَخَذَ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَتِهِ، أَيْ: بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ وَبِدُونِ تَرْجِيعٍ، وَبِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ إِلَى لَفْظِ الْإِقَامَةِ، قَالَ: وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِعَادَةَ التَّكْبِيرِ وَتَثْنِيَةَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُهَا اهـ.
وَمُرَادُهُ بِمُخَالَفَةِ مَالِكٍ هُنَا لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَّفِقٌ مَعَ بَعْضِ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ. أَمَّا فِي عَدَمِ إِعَادَةِ التَّكْبِيرِ، فَعَلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَدَمِ تَكْرِيرِهِ لِلَفْظِ الْإِقَامَةِ، فَعَلَى بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ بِلَالٍ أَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ أَيْ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ، وَبِهَذَا مَرَّةً أُخْرَى يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ، وَأَنَّهَا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ التَّنَوُّعِ وَكُلٌّ ذَهَبَ إِلَى مَا هُوَ صَحِيحٌ وَرَاجِحٌ عِنْدَهُ، وَلَا تَعَارُضَ مُطْلَقًا إِلَّا قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ بِالتَّثْلِيثِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَلِمَةَ فَصْلٍ فِي ذَلِكَ، فِي الْمَجْمُوعِ ج ٢٢ ص ٦٦ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَصُّهُ: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ تَسْوِيغُ كُلِّ مَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَكْرَهُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، إِذْ تَنَوُّعُ صِفَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَتَنَوُّعِ صِفَةِ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّشَهُّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْرَهَ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ. اهـ.
стр. 3668
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مِمَّا لَا يَنْبَغِي الْخِلَافُ فِيهِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يُعَنَّفُ فِيهِ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ.
وَهَذَا كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِهِ، وَكَالْخِلَافِ فِي أَنْوَاعِ التَّشَهُّدَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَنْوَاعِ النُّسُكِ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
تَنْبِيهٌ
قَدْ جَاءَ فِي التَّثْوِيبِ بَعْضُ الْآثَارِ عَنْ عُمَرَ وَبَعْضِ الْأُمَرَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، كَمَا فِي قِصَّةِ بِلَالٍ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَوْ غَيْرِهِ يَكُونُ تَكْرَارًا لَمَّا سَبَقَ أَنْ جَاءَ عَنْ بِلَالٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ فِيهَا هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ أَوْ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَكُونُ الْإِمَامُ نَائِمًا فِيهَا؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ وَفِي الْأَذَانِ لَا عِنْدَ بَابِ الْأَمِيرِ أَوِ الْإِمَامِ، وَتَقَدَّمَ أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَنْ ثَوَّبَ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِدْعَةً وَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ.
كَيْفِيَّةُ أَدَاءِ الْأَذَانِ
يُؤَدَّى الْأَذَانُ بِتَرَسُّلٍ وَتَمَهُّلٍ ; لِأَنَّهُ إِعْلَانٌ لِلْبَعِيدِ، وَالْإِقَامَةُ حَدْرًا ; لِأَنَّهَا لِلْحَاضِرِ الْقَرِيبِ، أَمَّا النُّطْقُ بِالْأَذَانِ فَيَكُونُ جَزْمًا غَيْرَ مُعْرَبٍ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أَنَّهُ حَالُ تَرَسُّلِهِ وَدَرْجِهِ أَيْ: فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، لَا يَصِلُ الْكَلَامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بَلْ جَزْمًا. وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ، قَالَ: وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى إِجْمَاعِهِمْ.
حُكْمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْأَذَانِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؟ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؟ اهـ.
فَتَرَاهُ يَدُورُ حُكْمُهُ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ، اخْتِلَافُهُمْ فِي وِجْهَةِ النَّظَرِ فِي الْغَرَضِ مِنَ الْأَذَانِ هَلْ هُوَ مِنْ حَقِّ الْوَقْتِ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِهِ أَوْ مِنْ حَقِّ الصَّلَاةِ، كَذِكْرٍ مِنْ أَذْكَارِهَا أَوْ هُوَ شِعَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُمَيِّزُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ؟
وَسَنُجْمِلُ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ ﵏ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَأْخَذِ كُلٍّ مِنْهُمْ ثُمَّ بَيَانِ الرَّاجِحِ
стр. 3669
إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَوَّلًا: اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ الْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْحَضَرِ وَفِي السَّفَرِ، أَيْ: أَنَّهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْ: لِلْجَمَاعَةِ أَوْ لِلْجُمُعَةِ خَاصَّةً، وَالدَّلِيلُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُسِئِ صَلَاتَهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ مَعَهَا الْوُضُوءَ، وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُعَلِّمْهُ أَمْرَ الْأَذَانِ وَلَا الْإِقَامَةِ.
ثَانِيًا: مَالِكٌ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَرْضًا وَلَا سُنَّةً.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ، فَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَمَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ. وَفِي مَتْنِ خَلِيلٍ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِجَمَاعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَهَا فِي فَرْضٍ وَقْتِيٍّ، وَلَوْ جُمُعَةٍ أَيْ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ أَصْلًا. وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ عَنْهُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ مَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إِلَّا فِي الصُّبْحِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَذَانُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ لَهُ النَّاسُ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَكَذَلِكَ أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ، صَلَّوْا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ. قَالَ سُفْيَانُ: كَفَتْهُمْ إِقَامَةُ الْمِصْرِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِقَامَةُ الْمِصْرِ تَكْفِي، رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِلِينٍ.
ثَالِثًا: وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: قَالَ الْخِرَقِيُّ: هُوَ سُنَّةٌ أَيْ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ قَالَ كَقَوْلِ مَالِكٍ.
رَابِعًا: عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ، قَالَ لَهُمَا ﷺ : «إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَحَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ.
هَذَا مُوجَزُ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ ﵏ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَدِلَّتِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَحُكْمُهُ كَمَا رَأَيْتَ دَائِرٌ بَيْنَ السُّنَّةِ عُمُومًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ.
стр. 3670
وَالسُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ أَوْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ رَأَيْتُ النُّصُوصَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَلَكِنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ فِي حُكْمِ الْأَذَانِ هُوَ تَرَدُّدُ النَّظَرِ فِيهِ هَلْ هُوَ فِي حَقِّ الْوَقْتِ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، أَوْ هُوَ حَقُّ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا، أَوْ هُوَ شِعَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ؟
فَعَلَى أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْوَقْتِ، فَأَذَانٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ وَيَكْفِي عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا يُؤَذِّنُ مَنْ فَاتَهُ أَوَّلُ الْوَقْتِ، وَلَا مَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَتْ فِيهِ الْفَرِيضَةُ أَوَّلًا وَلَا لِلْفَوَائِتِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ حَقِّ الصَّلَاةِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وَعَلَى أَنَّهُ لِلْوَقْتِ لِلْإِعْلَامِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ قِصَّةِ تَعْرِيسِهِمْ آخِرَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يُوقِظْهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَأَمْرُهُ ﷺ بِالِانْتِقَالِ عَنْ ذَلِكَ الْوَادِي ثُمَّ نُزُولُهُمْ وَالْأَمْرُ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ لِلْوَقْتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ.
وَعَلَى أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ فَلَهُ جِهَتَانِ:
الْأُولَى: إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَلَا يَطْلُبُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً.
فَإِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا لَا يَطْلُبُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي كَوْنِهِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَقْصِدُ إِعْلَامَهُ.
وَلِحَدِيثِ الْمُسِئِ صَلَاتَهُ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَقَدْ يَدُلُّ لِذَلِكَ ظَاهِرُ نُصُوصِ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ: الطَّهَارَةُ، وَالْوَقْتُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ.
فَفِي الطَّهَارَةِ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ [٥ \ ٦] .
وَفِي الْوَقْتِ قَالَ تَعَالَى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ الْآيَةَ [١١ \ ١١٤] وَنَحْوَهَا.
وَفِي الْعَوْرَةِ قَالَ تَعَالَى: يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الْآيَةَ [٧ \ ٣١] .
стр. 3671
وَفِي الْقِبْلَةِ قَالَ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [٢ \ ١٤٤] .
وَأَمَّا فِي الْأَذَانِ فَقَالَ تَعَالَى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا [٥ \ ٥٨] .
وَقَالَ فِي سُورَةِ «الْجُمُعَةِ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [٦٢ \ ٩] وَكِلَاهُمَا حِكَايَةُ وَاقِعٍ، وَلَيْسَ فِيهِمَا صِيغَةُ أَمْرٍ كَغَيْرِ الْأَذَانِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الْحُوَيْرِثِ فَهُوَ فِي خُصُوصِ جَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ نَصُّ الْحَدِيثِ.
وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيهِ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ، هَلْ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمْ أَمْ عَلَى النَّدْبِ؟ وَإِذَا كَانَ بِالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْفَرْدِ، فَلَيْسَ هُوَ إِذًا بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَيُجْعَلُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى النَّدْبِ.
وَعَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ لَهُ: «أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالنَّسَائِيُّ.
وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ فِيهِ قَوْلُهُ ﵁: فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ لِمَنْ يُؤَذِّنُ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْأَجْرِ.
أَمَّا كَوْنُهُ شِعَارًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَسَاجِدِ فِي الْحَضَرِ، فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا، كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي حَقِّ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ إِنْ تَرَكُوهُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ لِدَلِيلِ الْإِغَارَةِ فِي الصُّبْحِ أَوِ التَّرْكِ بِسَبَبِ سَمَاعِهِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ فِي السَّفَرِ بِالْإِمَامِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْهِ
стр. 3672
لِفِعْلِهِ ﷺ فِي كُلِّ أَسْفَارِهِ فِي غَزَوَاتِهِ وَفِي حَجِّهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ لَا شَكَّ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا.
وَلِابْنِ تَيْمِيَةَ تَقْسِيمٌ نَحْوُ هَذَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ: وَلِلْأَذَانِ عِدَّةُ جَوَانِبَ تَبَعٌ لِذَلِكَ مِنْهَا فِي حَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلْأُولَى مِنْهُمَا، وَالِاكْتِفَاءِ بِالْإِقَامَةِ لِلثَّانِيَةِ، كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا أَذَانَ عَلَى النِّسَاءِ أَيْ لَا وُجُوبَ، وَإِنْ أَرَدْنَ الْفَضِيلَةَ أَتَيْنَ بِهِ سِرًّا، وَقَدْ عَقَدَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بَابًا قَالَ فِيهِ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَسَاقَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، قَالَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، ثُمَّ سَاقَ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَلَا جُمُعَةٌ وَلَا اغْتِسَالُ جُمُعَةٍ، وَلَا تَقَدَّمُهُنَّ امْرَأَةٌ، وَلَكِنْ تَقُومُ فِي وَسَطِهِنَّ» هَكَذَا رَوَاهُ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَيْلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ: وَرُوِّينَاهُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، وَرَفْعُهُ ضَعِيفٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ.
تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلِبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ
أَوَّلًا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُمُعَةِ، صُوَرُ التَّعَدُّدِ لَهَا فِيهِ صُورَتَانِ، صُورَةُ تَعَدُّدِ الْأَذَانِ أَيْ قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ، وَصُورَةُ تَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ بَعْدَ الْوَقْتِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَمَّا تَعَدُّدُ الْأَذَانِ فَقَدْ بَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ قَالَ: بَابُ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَسَاقَ حَدِيثَ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄.
فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ فَفِيهِ الْأَذَانُ أَوَّلًا لِلْوَقْتِ كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَفِيهِ أَذَانٌ قَبْلَ الْوَقْتِ زَادَهُ عُثْمَانُ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ، وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ هُمَا الْأَذَانُ لِلْوَقْتِ، وَالْإِقَامَةُ الْمَوْجُودَانِ مِنْ قَبْلُ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الشَّرْحِ تَنْبِيهًا قَالَ فِيهِ: وَرُدَّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْخَبَرَ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ هُوَ الَّذِي زَادَ الْأَذَانَ.
стр. 3673
فَفِي تَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ زِيَادَةَ الرَّاوِي، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ مُؤَذِّنَيْهِ أَنْ يُؤَذِّنَا لِلنَّاسِ الْجُمُعَةَ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ النَّاسُ، وَأَمَرَ أَنْ يُؤَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: نَحْنُ ابْتَدَعْنَاهُ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ اهـ.
ثُمَّ نَاقَشَ ابْنُ حَجَرٍ هَذَا الْأَثَرَ وَقَالَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ لَهُ مَا يُقَوِّيهِ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَعِنْدَ دُخُولِهِ، سَوَاءٌ مِنْ عُمَرَ أَوْ مِنْ عُثْمَانَ أَوْ مِنْهُمَا مَعًا، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا.
أَمَّا مَكَانُ هَذَا الْأَذَانِ وَزَمَانُهُ، فَإِنَّ الْمَكَانَ قَدْ جَاءَ النَّصُّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ.
وَقَدْ كَثُرَ الْكَلَامُ فِي تَحْدِيدِ الزَّوْرَاءِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهَا مَكَانٌ بِالسُّوقِ، وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ الْغَرَضِ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِتَنْبِيهِ أَهْلِ السُّوقِ بِوَقْتِ الْجُمُعَةِ لِلسَّعْيِ إِلَيْهَا.
أَمَّا الزَّوْرَاءُ بِعَيْنِهَا فَقَالَ عُلَمَاءُ تَارِيخِ الْمَدِينَةِ: إِنَّهُ اسْمٌ لِلسُّوقِ نَفْسِهَا، وَقِيلَ: مَكَانٌ مِنْهَا مُرْتَفِعٌ كَانَ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، وَعِنْدَ قَبْرِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، وَعِنْدَ سُوقِ الْعَبَاءَةِ.
وَالشَّيْءُ الثَّابِتُ الَّذِي لَمْ يَقْبَلِ التَّغَيُّرَ، هُوَ قَبْرُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، لَكِنْ يَقُولُونَ عِنْدَهُ، وَلَيْسَ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ بَدَا لِي أَنَّ الزَّوْرَاءَ هُوَ مَكَانُ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُوجَدُ الْآنَ بِالسُّوقِ فِي مُقَابَلَةِ الْبَابِ الْمِصْرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِمَسْجِدِ فَاطِمَةَ، وَيَبْدُو لِي أَنَّ الزَّوْرَاءَ حُرِّفَتْ إِلَى الزَّهْرَاءِ، وَالزَّهْرَاءُ عِنْدَ النَّاسِ يُسَاوِي فَاطِمَةَ لِكَثْرَةِ قَوْلِهِمْ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ ﵂ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْجِدٌ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَلَا صِحَّةَ لِنِسْبَةِ هَذَا الْمَسْجِدِ إِلَيْهَا، بَلْ وَلَا مَا نُسِبَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃ مِنْ مَسَاجِدَ فِي جَوَانِبِ مَسْجِدِ الْمُصَلَّى الْمَعْرُوفِ الْآنَ بِمَسْجِدِ الْغَمَامَةِ، وَإِنَّمَا صِحَّةُ مَا نُسِبَ إِلَيْهِمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - هُوَ أَنَّ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ كَانَتْ مَوَاقِفَهُمْ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ، وَلِهَذَا تَرَاهَا كُلَّهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمُتَوَاجِدَةِ فِيهِ.
فَأَوَّلُهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَقَدْ أَخَّرَ مَوْقِفَهُ عَنْ مَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الْعِيدَ تَأَدُّبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَ مِنْ بَعْدِهِ، وَاخْتَلَفَتْ أَمَاكِنُ مُصَلَّاهُمْ فَأُقِيمَتْ تِلْكَ الْمَسَاجِدُ فِي أَمَاكِنِ قِيَامِهِمْ.
стр. 3674
أَمَّا مَا يُنْسَبُ إِلَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ فَلَا مُنَاسَبَةَ لَهُ وَلَا صِحَّةَ لَهُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى إِحْدَى الْفُضْلَيَاتِ مِنْ نِسَاءِ الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّهَا قَدْ جَدَّدَتْهُ وَلَمْ تُؤَسِّسْهُ ; لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ أَيْضًا لِتَبَرُّعِهَا بِإِنْشَاءِ مَسْجِدٍ بِهَذَا الْقُرْبِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَبِمُنَاسَبَةِ الْعَمَلِ بِالْقَضَاءِ فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ صَكُّ شَرْطِ وَقْفٍ لِلْأَشْرَافِ الشَّرَاقِمَةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَفِي بَعْضِ تَحْدِيدِ أَعْيَانِهِ يَقُولُ: الْوَاقِعُ فِي طَرِيقِ الزَّوْرَاءِ، وَيَحُدُّهُ جَنُوبًا وَقْفُ الْحَلَبِيِّ، وَوَقْفُ الْحَلَبِيِّ مَوْجُودٌ حَتَّى الْآنَ مَعْرُوفٌ يَقَعُ عَنِ الْمَسْجِدِ الْمَوْجُودِ بِالْفِعْلِ فِي الْجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ إِلَّا السُّورُ وَالشَّارِعُ فَقَطْ، وَتَارِيخُ هَذَا الصَّكِّ قَبْلَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ تَارِيخِ كِتَابَةِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ أَيْ قَبْلَ عَامِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَبِهَذَا تَرَجَّحَ عِنْدَي أَنَّ مَوْضِعَ أَذَانِ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَأَنَّهُ الْمُتَوَسِّطُ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، وَتُقَدَّرُ مَسَافَتُهُ عَنِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِحَوَالَيْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِتْرًا تَقْرِيبًا.
وَقَدْ كَانَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَنَارَةِ، وَهَكَذَا الْأَذَانُ لِلْوَقْتِ زَمَنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ، أَمَّا هَذَا الْأَذَانُ فَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنَ الزَّوْرَاءِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ، وَذَلِكَ زَمَنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْمَنَارَةِ.
أَمَّا زَمَانُهُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَحْدِيدٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، كَمْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي؟ وَهَلْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ؟
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ رِوَايَةً عَنِ الطَّبَرَانِيِّ مَا نَصُّهُ: فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى دَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ، فَكَانَ يُؤَذَّنُ عَلَيْهَا، فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ الْأَوَّلُ، فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَأَذَّنَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ ; لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ حَضَرَتْ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، فَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا، وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ، فَتَرَاهُ يُرَجِّحُ كَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَعِنْدَ خُرُوجِ عُثْمَانَ أَيْ مِنْ بَيْتِهِ وَكَانَ يَسْكُنُ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَتَمَشَّى مَعَ الْغَرَضِ مِنْ إِيجَادِ هَذَا الْأَذَانِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ
стр. 3675
النَّاسُ جَعَلَهُ فِي السُّوقِ لِإِعْلَامِهِمْ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْوَقْتِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ مِنْهُ، وَكَيْفَ يُعَدُّ ثَالِثًا، إِنَّهُ يَكُونُ مِنْ تَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ لَا مَنْ تَعَدُّدِ الْأَذَانِ.
ثُمَّ إِنَّ مَسْكَنَ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ بِجِوَارِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَحَلُّهُ مَعْرُوفٌ حَتَّى الْآنَ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِرِبَاطِ عُثْمَانَ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ هَذَا الْأَذَانَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَ الزَّوْرَاءِ وَمَكَانِ سُكْنَاهُ.
ثُمَّ إِنَّ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَذَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ هُوَ الْأَذَانُ الَّذِي بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بَعْدَهُ، فَالْأَذَانُ الثَّالِثُ كَالْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ لِلصُّبْحِ، وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ، كَالْأَوَّلِ لِلصُّبْحِ لِيَتَحَقَّقَ الْغَرَضُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي زَمَنِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي وَمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْغَرَضُ مِنْ رُجُوعِ أَهْلِ السُّوقِ وَتَهَيُّئِهِمْ لِلْجُمُعَةِ وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْبِلَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ زَمَنٍ بَيْنَهُمَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ أَهْلُ السُّوقِ مِنَ الْحُضُورِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَإِدْرَاكِ الْخُطْبَةِ.
وَلَوْ أَخَذْنَا بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ مَا وَقَعَ لِعُثْمَانَ نَفْسِهِ زَمَنَ عُمَرَ ﵁ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعُمَرُ يَخْطُبُ فَعَاتَبَهُ عَلَى التَّأْخِيرِ، ثُمَّ أَحْدَثَ عُثْمَانُ هَذَا الْأَذَانَ فِي عَهْدِهِ لَوَجَدْنَا قَرِينَةَ تَقْدِيمِهِ عَنِ الْوَقْتِ لِئَلَّا يَقَعُ غَيْرُهُ فِيمَا يَقَعُ هُوَ فِيهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي نَصُّ ابْنِ الْحَاجِّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ.
وَهَذَا آخِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَعَدُّدِ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنْ نِدَاءَاتٍ أُخْرَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي بَعْضِ الْأَمْصَارِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَا اسْتُحْدِثَ فِي الْأَذَانِ وَابْتُدِعَ فِيهِ، مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
فَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ زَمَنَ عُمَرَ ﵁، وَفِيهِ مَا نَصُّهُ: «فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ مُؤَذِّنُونَ، وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ حِينَ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَى أَنْ يَفْرَغُوا مِنَ الْأَذَانِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ أَيْ كَانَ أَذَانُهُمْ كُلِّهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ.
стр. 3676
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ أَذَانًا آخَرَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا وُجُودُ تَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَكَانُوا زَمَنَ عُمَرَ ثَلَاثَةً وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُتَفَرِّقِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا ضِمْنَ كَلَامِهِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ تَحْتَ عُنْوَانِ «الْمُؤَذِّنُ الْوَاحِدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رِوَايَةً عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ وَجَلَسَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ الثَّالِثُ قَامَ فَخَطَبَ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّهُ دَعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ طَرِيقٍ مُتَّصِلَةٍ يَثْبُتُ مِثْلُهَا.
ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَفِي تَعْلِيقٍ لِسَمَاحَةِ رَئِيسِ الْجَامِعَةِ فِي الْحَاشِيَةِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي مَخْطُوطَةِ الرِّيَاضِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ: وَسَوَاءٌ كَانَ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ أَوِ الْمُزَنِيِّ فَإِنَّ عَزْوَهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ وَابْنُ حَجَرٍ لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى وُجُودِ هَذَا الْأَثَرِ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَالنِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَكُونُ الْمُؤَذِّنُونَ يَسْتَفْتِحُونَ الْأَذَانَ فَوْقَ الْمَنَارَةِ جُمْلَةً حِينِ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ; لِيَسْمَعَ النَّاسُ، فَيَأْتُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ الْإِمَامُ بِهِمْ، فَهَذَا أَيْضًا نَصُّ الشَّافِعِيِّ يَنْقُلُهُ النَّوَوِيُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ جُمْلَةً، وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ، قَبْلَ وَبَعْدَ الْوَقْتِ مَنْ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَفِي تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ الْمَرْضِيِّينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إِجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ فِي وَفْرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَمَا ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْوَقْتِ مَنْ فِعْلِ الْخُلَفَاءِ أَيْضًا وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ مَعَ أَثَرٍ فِيهِ نِقَاشٌ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَذَانِ لِبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَكَالْآتِي:
أَوَّلًا: تَعَدُّدُ الْأَذَانِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «إِنْ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَطْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُتَعَدِّدَةِ الَّتِي مِنْهَا: «يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ
стр. 3677
ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَيْ إِنَّ أَذَانَ بِلَالٍ قَبْلَ الْفَجْرِ يُحِلُّ الطَّعَامَ وَأَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ حِينَ يَحْرُمُ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَكُنِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الزَّمَنِ، فَفِي بَعْضِ الرِوَايَاتِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْجَمَاعَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ﷺ :» لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ: يُنَادِي بِلَيْلٍ ; لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ «.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: يُرِيدُ الْقَائِمَ الْمُتَهَجِّدَ إِلَى رَاحَتِهِ ; لِيَقُومَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ نَشِيطًا أَوْ يَتَسَحَّرُ، إِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الصِّيَامِ، وَيُوقِظَ النَّائِمَ ; لِيَتَأَهَّبَ لِلصَّلَاةِ بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، فَالْأَوَّلُ يُشْعِرُ بِتَوَالِيهِمَا مَعَ فَرْقٍ يَسِيرٍ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَكِلَاهُمَا صَحِيحُ السَّنَدِ.
وَقَدْ فَسَّرَ هَذَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ بِقَوْلِهِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ: إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَيَتَرَبَّصُ بَعْدَ أَذَانِهِ لِلدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ يَرْقُبُ الْفَجْرَ، فَإِذَا قَارَبَ طُلُوعُهُ نَزَلَ فَأَخْبَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فَيَتَأَهَّبُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ يَرْقَى وَيَشْرَعُ فِي الْأَذَانِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ :» لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى فَلَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ، وَهَذَا الْأَذَانُ الْأَوَّلُ لِلْفَجْرِ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مَا عَدَا الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَحَمَلَ أَذَانَ بِلَالٍ عَلَى النِّدَاءِ بِغَيْرِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَعِنْدَ الْأَحْنَافِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَمَّا أَذَّنَ بِلَالٌ قَبْلَ الْوَقْتِ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيَقُولَ: إِلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ، وَهَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لِلْأَحْنَافِ، مَا نَصُّهُ: وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: لِتَوَارُثِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ، فَيَكُونُ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 3678
- رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَدْ وَافَقَ الْجُمْهُورَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَقَدْ جَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ.
وَجَاءَ نَصُّ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ فِي السُّدُسِ الْأَخِيرِ، قَالَ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ: غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْوَقْتِ إِلَّا الصُّبْحَ فَبِسُدُسِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَعْنَى مَا نَصُّهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِلَى قَوْلِهِ:
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا. اهـ.
تَنْبِيهٌ
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِذَا كَانَ مُؤَذِّنَانِ يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، فَلَا بَأْسَ أَيْ: لِيَعْرِفَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا مِنَ الثَّانِي وَيَلْتَزِمَا بِذَلِكَ ; لِيَعْلَمَ النَّاسُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ كَمَا كَانَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
أَمَّا تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ لِبَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ فَكَالْآتِي:
أَوَّلًا: فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ هُوَ حَدِيثُ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ فِي صَلَاحِ الْفَجْرِ، ثُمَّ قَاسُوا عَلَيْهِ لِلْحَاجَةِ بَقِيَّةَ الصَّلَوَاتِ، كَمَا اسْتَأْنَسُوا لِزِيَادَةِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي الْجُمُعَةِ لِلْجَمَاعَةِ لِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثَانِيًا: نَسُوقُ مُوجَزَ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: بَابُ اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ، وَسَاقَ كَلَامَهُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ.
ثُمَّ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ، يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ عِنْدَ طُلُوعِهِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مُؤَذِّنَيْنِ اتَّخَذَ ثَلَاثَةً، وَأَرْبَعَةً فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
стр. 3679
وَقَدِ اتَّخَذَ عُثْمَانُ ﵁ أَرْبَعَةً لِلْحَاجَةِ عِنْدَ كَثْرَةِ النَّاسِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا تَرَتَّبَ لِلْأَذَانِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، فَالْمُسْتَحَبُّ أَلَّا يُؤَذِّنُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ إِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِيهِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ إِلَى تَشْوِيشٍ، فَإِنْ أَدَّى إِلَى ذَلِكَ لَمْ يُؤَذِّنْ إِلَّا وَاحِدٌ، اهـ.
فَهَذَا نَصُّ النَّوَوِيِّ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِهِ أَيْ: الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ سَاقَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى نَصِّ الْمَتْنِ إِذْ قَالَ الْمَاتِنُ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ لِلْجَمَاعَةِ اثْنَيْنِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى الزِّيَادَةِ جَعَلَهُمْ أَرْبَعَةً ; لِأَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ أَرْبَعَةٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الشَّرْحِ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إِلَى أَرْبَعَةٍ، ثُمَّ نَاقَشَ الْمَسْأَلَةَ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ فِي الْعَدَدِ ثُمَّ قَالَ: الْعِبْرَةُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَكَمَا زَادَ عُثْمَانُ إِلَى أَرْبَعَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ جَازَ لِغَيْرِهِ الزِّيَادَةُ.
وَذُكِرَ عَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي إِلَى ثَمَانِيَةٍ، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ، وَسَاقَ فِيهِ مَا نَصُّهُ:
فَإِنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ أَذَّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَالْمَسْجِدُ كَبِيرٌ أَذَّنُوا فِي أَقْطَارِهِ كُلُّ وَاحِدٍ فِي قُطْرٍ ; لِيَسْمَعَ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَذَّنُوا مَعًا وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَهْوِيشٍ.
قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ: وَيَقِفُونَ جَمِيعًا عَلَيْهِ كَلِمَةً كَلِمَةً فَإِنْ أَدَّى إِلَى تَهْوِيشٍ أَذَّنَ وَاحِدٌ. إِلَخْ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ، وَسَاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيمًا وَرَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» .
قَالَ فِي الْفَتْحِ أَثْنَاءَ الشَّرْحِ: وَعَلَى هَذَا فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فِي السَّفَرِ لِأَنَّ
стр. 3680
الْحَضَرَ أَيْضًا لَا يُؤَذِّنُ فِيهِ إِلَّا وَاحِدٌ، وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى تَعَدُّدِهِمْ لِتَبَاعُدِ أَقْطَارِ الْبَلَدِ أَذَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي جِهَةٍ وَلَا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ التَّأْذِينَ جَمِيعًا بَنُو أُمَيَّةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَأُحِبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ، وَلَا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مِنْهُ، مُؤَذِّنٌ، يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الشَّارِحُ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَوْجُودٌ فِي الْأُمِّ، وَلَكِنْ بِلَفْظِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي كُلِّ مَنَارَةٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ فَيُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. اهـ.
وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ لِبَيَانِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، مِنْ أَنَّ التَّعَدُّدَ جَائِزٌ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ جَاءَ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثُ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَيْضًا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي مَسْجِدٍ يُؤَذِّنَانِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْقَوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرَسِ وَالْمَرْكِبِ ثَلَاثَةُ مُؤَذِّنِينَ وَأَرْبَعَةٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَّخَذَ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ وَخَمْسَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ فِيمَا اتَّسَعَ وَقْتُهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ، كَالصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ، أَنْ يُؤَذِّنَ خَمْسَةٌ إِلَى عَشَرَةٍ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَفِي الْعَصْرِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى خَمْسَةٍ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْمَغْرِبِ إِلَّا وَاحِدٌ.
فَهَذَا نَصُّ مَالِكٍ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي جَوَازِ تَعَدُّدِ الْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ، يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.
وَفِي مَتْنِ خَلِيلٍ مَا نَصُّهُ: وَتَعَدُّدُهُ وَتَرْتِيبُهُمْ إِلَّا الْمَغْرِبَ، وَجَمْعُهُمْ كُلٌّ عَلَى أَذَانٍ.
وَذَكَرَ الشَّارِحُ الْخُرَشِيُّ: مِنْ خَمْسَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ، وَفِي الْعَصْرِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى خَمْسَةٍ، وَفِي الْمَغْرِبِ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ. إِلَخْ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: فَصْلٌ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ لِحَدِيثِ
следующие страницы →