← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِقَوْلِهِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: إِنَّهُ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: " لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ; اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ". قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ، فَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً ; حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. اهـ. وَذَكَرَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ وَتَارِيخِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بَعْضَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ السَّمْهُودِيُّ فِي وَفَاءِ الْوَفَاءِ، قَالَ: وَعَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ بِجِدَارٍ فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي الْجِدَارِ كُوَّةٌ فَأَمَرَتْ بِالْكُوَّةِ فَسُدَّتْ هِيَ أَيْضًا. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ شَبَّةَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ - وَكَانَ عَالِمًا بِأَخْبَارِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ بَيْتِ كِتَابَةٍ وَعِلْمٍ -: لَمْ يَزَلْ بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ ظَاهِرًا، حَتَّى بَنَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ الْخِطَارَ الْمُزَوَّرَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، حِينَ بَنَى الْمَسْجِدَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُزَوَّرًا ; كَرَاهَةَ أَنْ يُشْبِهَ تَرْبِيعَ الْكَعْبَةِ، وَأَنْ يُتَّخَذَ قِبْلَةً يُصَلَّى إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: وَقَدْ سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنَى الْبَيْتَ غَيْرَ بِنَائِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: بَنَى عَلَى بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْدُرٍ فَدُونَ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَجْدُرٍ: جِدَارُ بِنَاءِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَجِدَارُ الْبَيْتِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ بَنَى عَلَيْهِ - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -، وَجِدَارُ الْخِطَارِ الظَّاهِرِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو غَسَّانَ فِيمَا حَكَاهُ الْأَقْشَهْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: نَازَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَلَّا يُجْعَلَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدَّ الْمُنَازَلَةِ، فَأَبَى وَقَالَ: كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا بُدَّ مِنْ إِنْفَاذِهِ. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاجْعَلْ لَهُ جُؤْجُؤًا. أَيْ: وَهُوَ الْمَوْضِعُ لِنَزُورَ خَلْفَ الْحُجْرَةِ. اهـ.

стр. 3887

فَهَذِهِ مُنَازَلَةٌ فِي مَوْضُوعِ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ، وَهَذَا جَوَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَدْ آلَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْخَامِسُ، وَقَدْ أَقَرَّ هَذَا الْوَضْعَ لَمَّا اتُّخِذَتْ تِلْكَ الِاحْتِيَاطَاتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ الْأُولَى، وَمَشْهَدٍ مِنْ أَكَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا لَا يَدَعُ لِأَحَدٍ مَجَالًا لِاعْتِرَاضٍ أَوِ احْتِجَاجٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ، وَقَدْ بُحِثَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بَالَغَ الْمُسْلِمُونَ فِي سَدِّ الذَّرِيعَةِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْلَوْا حِيطَانَ تُرْبَتِهِ، وَسَدُّوا الْمَدْخَلَ إِلَيْهَا، وَجَعَلُوهَا مُحْدِقَةً بِقَبْرِهِ ﷺ ، ثُمَّ خَافُوا أَنْ يُتَّخَذَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قِبْلَةً إِذَا كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْمُصَلِّينَ، فَتُصَوَّرُ الصَّلَاةُ إِلَيْهِ بِصُورَةِ الْعِبَادَةِ، فَبَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيِ الْقَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى زَاوِيَةٍ مُثَلَّثَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ ; حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ اسْتِقْبَالِ قَبْرِهِ. اهـ. مِنْ فَتْحِ الْمَجِيدِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي اتُّخِذَ حِيَالَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ "، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي نُونِيَّتِهِ، كَابْنِ تَيْمِيَّةَ قَالَ: فَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ ... وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَانِ حَتَّى غَدَتْ أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ ... فِي عِزَّةٍ وَحِمَايَةٍ وَصِيَانِ وَقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْمَجِيدِ: وَدَلَّ الْحَدِيثُ أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ عُبِدَ لَكَانَ وَثَنًا. وَلَكِنْ حَمَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ; فَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ. وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْوَثَنَ هُوَ مَا يُبَاشِرُهُ الْعَابِدُ مِنَ الْقُبُورِ وَالتَّوَابِيتِ الَّتِي عَلَيْهَا. اهـ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَقِيقَةٌ دَقِيقٌ مَأْخَذُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهِ لَكَانَ وَثَنًا، وَحَاشَاهُ ﷺ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ وَبَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى يَكُونُ قَبْرُهُ وَثَنًا يُنَافِي التَّوْحِيدَ، وَيَهْدِمُ مَا بَنَاهُ فِي حَيَاتِهِ. وَكَيْفَ يَرْضَى اللَّهُ لِرَسُولِهِ ذَلِكَ حَاشَا وَكَلَّا. هَذَا مُجْمَلُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

стр. 3888

وُجْهَةُ نَظَرٍ. وَهُنَا وُجْهَةُ نَظَرٍ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَقِفْ عَلَى قَوْلٍ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ مُتَقَدِّمٍ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ ; بِأَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَّخَذَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ. كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا أَيْ: أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلًا وَالْمَسْجِدَ ثَانِيًا. أَمَّا قَضِيَّةُ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَهِيَ عَكْسُ ذَلِكَ، إِذِ الْمَسْجِدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَإِدْخَالُ الْحُجْرَةِ ثَانِيًا، فَلَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ تِلْكَ النُّصُوصُ فِي نَظَرِي. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَمْ يَكُنِ الَّذِي أُدْخِلُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْقَبْرَ أَوِ الْقُبُورَ، بَلِ الَّذِي أُدْخِلَ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْحُجْرَةُ، أَيْ: بِمَا فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ فَتْحِ الْمَجِيدِ فِي تَعْرِيفِ الْوَثَنِ: أَنَّهُ مَا سُجِدَ إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ. وَعَلَيْهِ فَمَا مِنْ مُصَلٍّ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ إِلَّا وَيَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ قُبُورٌ وَمَقَابِرُ. وَلَا يُعْتَبَرُ مُصَلِّيًا إِلَى الْقُبُورِ لِبُعْدِهَا وَوُجُودِ الْحَوَاجِزِ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الْبُعْدُ نِسْبِيًّا. فَكَذَلِكَ فِي مَوْضُوعِ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُجْرَةِ، فَإِنَّهَا بَعِيدَةٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَيْضًا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ مُلَخَّصُهُ مِنَ الْمَجْمُوعِ: مُجَلَّدُ ٢٧ ص ٣٢٣ وَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂، وَكَانَتْ هِيَ وَحُجَرُ نِسَائِهِ فِي شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلِيِّهِ، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ. وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنِ انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِنَحْوٍ مِنْ سَنَةٍ مِنْ بَيْعَتِهِ، وُسِّعَ الْمَسْجِدُ، وَأُدْخِلَتْ فِيهِ الْحُجْرَةُ لِلضَّرُورَةِ. فَإِنَّ الْوَلِيدَ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ - عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -: أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ مِنْ مُلَّاكِهَا وَرَثَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُنَّ كُنَّ تُوُفِّينَ كُلُّهُنَّ ﵅، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَهَدَمَهَا وَأَدْخَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَبَقِيَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ عَلَى حَالِهَا. وَكَانَتْ مُغْلَقَةً لَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَا لِصَلَاةٍ عِنْدَهُ، وَلَا لِدُعَاءٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. إِلَى حِينِ كَانَتْ عَائِشَةُ فِي الْحَيَاةِ وَهِيَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ فِي صَفْحَةِ ٣٢٨: وَلَمْ تَكُنْ تُمَكِّنُ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ شَيْئًا مِمَّا نَهَى عَنْهُ

стр. 3889

وَبَعْدَهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً، إِلَى أَنْ أُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدَّ بَابُهَا وَبُنِيَ عَلَيْهَا حَائِطٌ آخَرُ. فَكُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةٌ لَهُ ﷺ ، أَنْ يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا وَقَبْرُهُ وَثَنًا. وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَلَا يَأْتِي إِلَى هُنَاكَ إِلَّا مُسْلِمٌ، وَكُلُّهُمْ مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ ، فَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْتَهَانَ بِالْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ ; بَلْ فَعَلَوْهُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ وَثَنًا يُعْبَدُ. وَلَا يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا، وَلِئَلَّا يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ لِوَضْعِ الْجُدْرَانِ الثَّلَاثَةِ وَجَعْلِ طَرَفِ الْجِدَارِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّمَالِ عَلَى شَكْلِ رَأْسِ مُثَلَّثٍ، وَأَنَّ الْمُشَاهَدَ الْيَوْمَ بَعْدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ، وُجُودُ الشَّبَكِ الْحَدِيدِيِّ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَبْعُدُ عَنْ رَأْسِ الْمُثَلَّثِ إِلَى الشَّمَالِ مَا يَقْرُبُ مِنْ سِتَّةِ أَمْتَارٍ يَتَوَسَّطُهَا، أَيْ: تِلْكَ الْمَسَافَةُ مِحْرَابٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ سَابِقًا، أَيْ: قَبْلَ الشَّبَكِ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ الْمُصَلِّي فِي الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنَ الْحُجْرَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَبَيْنَ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ، وَيَنْفِي أَيَّ عَلَاقَةٍ لِلصَّلَاةِ مِنْ وَرَائِهِ بِالْقُبُورِ الشَّرِيفَةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أُثِيرَ فِيهَا كَلَامٌ فِي مَوْسِمِ حَجِّ سَنَةِ ١٣٩٤ فِي مِنَى وَمِنْ بَعْضِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ نَقُولُ: لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ بِالْفِعْلِ لَكَانَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ إِدْخَالِهَا مَجَالٌ. أَمَّا وَقَدْ أُدْخِلَتْ بِالْفِعْلِ وَفِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِي الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَمَضَى عَلَى إِدْخَالِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَلَا مَجَالَ لِلْقَوْلِ إِذًا. وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَكَتَ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَا وَهُوَ مَوْضُوعُ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَكَوْنِهَا لَمْ تَسْتَوْعِبْ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَهَا بَابٌ وَاحِدٌ، وَمُرْتَفِعٌ عَنِ الْأَرْضِ. وَكَانَ بِاسْتِطَاعَتِهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ بِنَاءَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَصَحِّ، فَتَسْتَوْعِبَ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَكُونَ لَهَا بَابَانِ وَيُسَوِّيَهُمَا بِالْأَرْضِ. وَلَكِنَّهُ ﷺ تَرَكَ ذَلِكَ ; لِاعْتِبَارَاتٍ بَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. أَلَا يَسَعُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَوْضُوعِ الْحُجُرَاتِ الْيَوْمَ مَا وَسِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، وَمَا وَسِعَ السَّلَفَ ﵏ فِي عَيْنِ الْحُجْرَةِ.

стр. 3890

وَمِنْ نَاحِيَةٍ ثَالِثَةٍ: لَوْ أَنَّهُ أُخِذَ بِقَوْلِهِمْ، فَأُخْرِجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَيْ: جُعِلَ الْمَسْجِدُ مِنْ دُونِهَا عَلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: نُعِيدُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَلَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ مَالِكٌ لِلرَّشِيدِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِي خُصُوصِ الْكَعْبَةِ لَمَّا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَعَادَهَا الْحَجَّاجُ، وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ ﵀: لَا تَفْعَلْ ; لِأَنِّي أَخْشَى أَنْ تُصْبِحَ الْكَعْبَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ. فَيُقَالُ: هُنَا أَيْضًا فَتُصْبِحُ الْحُجْرَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ بَيْنَ إِدْخَالٍ وَإِخْرَاجٍ. وَفِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ مَا فِيهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 3891

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا بَيَّنَ تَعَالَى الْمُرَادَ مِنَ الْمِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ قِيَامُهُ بِمَا جَاءَ بَعْدَهُ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ [٧٣ \ ٣] ، أَيْ: مِنْ نِصْفِهِ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى نِصْفِهِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَمَا بَعْدَهَا بَيَانٌ لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ الْآيَةَ [١ ٧ \ ٧٩] . وَفِيهَا بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْقِيَامِ، وَهُوَ بِتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ اخْتُلِفَ فِيهِمَا. الْأُولَى مِنْهُمَا: عَدَدُ رَكَعَاتِ قِيَامِ اللَّيْلِ، أَهْوَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ أَوْ أَكْثَرُ؟ وَقَدْ خُيِّرَ ﷺ بَيْنَ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ لِنَشَاطِهِ وَاسْتِعْدَادِهِ وَارْتِيَاحِهِ. فَلَا يُمْكِنُ التَّعَبُّدُ بِعَدَدٍ لَا يَصِحُّ دُونَهُ وَلَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ، وَاخْتُلِفَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِمَا ارْتَضَاهُ السَّلَفُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً عَامَّةً هِيَ رِسَالَةُ التَّرَاوِيحِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ عَلَى عِشْرِينَ فِي رَمَضَانَ. وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَامَّةً: هَلِ الْأَفْضَلُ كَثْرَةُ الرَّكَعَاتِ لِكَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ ، وَحَيْثُ إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، أَمْ طُولَ الْقِيَامِ لِلْقِرَاءَةِ؟ حَيْثُ إِنَّ لِلْقَارِئِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَهُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [٧٣ \ ٤] ، نَصَّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ تَرْتِيلًا، وَأَكَّدَ بِالْمَصْدَرِ تَأْكِيدًا لِإِرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الرَّمْلِ، وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ؟ قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ» . وَقَدْ بَيَّنَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ تِلَاوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهَا: كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [١ \ ٤] . رَوَاهُ أَحْمَدُ.

стр. 3892

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ: سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ الرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ الرَّحِيمِ. تَنْبِيهٌ. إِنْ لِلْمَدِّ حُدُودًا مَعْلُومَةً فِي التَّجْوِيدِ حَسَبَ تَلَقِّي الْقُرَّاءِ ﵏، فَمَا زَادَ عَنْهَا فَهُوَ تَلَاعُبٌ، وَمَا قَلَّ عَنْهَا فَهُوَ تَقْصِيرٌ فِي حَقِّ التِّلَاوَةِ. وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُتَّخِذِينَ الْقُرْآنَ كَغَيْرِهِ فِي طَرِيقَةِ الْأَدَاءِ مِنْ تَمْطِيطٍ وَتَزَيُّدٍ لَمْ يُرَاعُوا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ تَحْسِينَ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» . وَقَالَ أَبُو مُوسَى ﵁ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي ; لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا. وَهَذَا الْوَصْفُ هُوَ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنْهُ الْغَرَضُ مِنَ التِّلَاوَةِ، وَهُوَ التَّدَبُّرُ وَالتَّأَمُّلُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [٤ \ ٨٢] ، كَمَا أَنَّهُ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي يَتَأَتَّى مَعَهُ الْغَرَضُ مِنْ تَخَشُّعِ الْقَلْبِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [٣٩ \ ٢٣] ، وَلَا تَتَأَثَّرُ بِهِ الْقُلُوبُ وَالْجُلُودُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُرَتَّلًا، فَإِذَا كَانَ هَذَا كَالشِّعْرِ أَوِ الْكَلَامِ الْعَادِيِّ لَمَا فُهِمَ، وَإِذَا كَانَ مُطْرِبًا كَالْأَغَانِي لَمَا أَثَّرَ. فَوَجَبَ التَّرْتِيلُ كَمَا بَيَّنَ ﷺ . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا مَعْلُومٌ أَنَّ الْقَوْلَ هُنَا هُوَ الْقُرْآنُ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [٦٩ \ ٤٠] وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [٢٨ \ ٥ ١] . وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [٨٦ \ ١٣] ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [٤ \ ١٢٢] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَلَكِنَّ وَصْفَهُ بِالثِّقَلِ مَعَ أَنَّ الثِّقَلَ لِلْأَوْزَانِ وَهِيَ الْمَحْسُوسَاتُ. فَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الثِّقَلَ فِي وَزْنِ الثَّوَابِ، وَقِيلَ فِي التَّكَالِيفِ بِهِ، وَقِيلَ مِنْ أَثْنَاءِ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: فَمِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْوَحْيُ أَخَذَتْهُ

стр. 3893

بُرَحَاءُ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ يَحْمَرُّ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرِهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ النَّاقَةُ، وَجَاءَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، فَأَتَاهُ الْوَحْيُ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فَخِذِي تَكَادُ تَنْفَصِلُ مِنِّي، وَمِنْ جَانِبِ تَكَالِيفِهِ فَقَدْ ثَقُلَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَمِنْ جَانِبِ ثَوَابِهِ: فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . وَحَدِيثُ الْبِطَاقَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ وَلَا يُنَافِيهِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الثُّقْلَ قَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [٢ \ ٤٥ - ٤ ٦] ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ ثَقِيلٌ عَلَى الْكُفَّارِ، خَفِيفٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مُحَبَّبٌ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ بِسُورَةٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ تَلَذُّذًا وَارْتِيَاحًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [٥٤ \ ١٧] ، فَهُوَ ثَقِيلٌ فِي وَزْنِهِ ثَقِيلٌ فِي تَكَالِيفِهِ، وَلَكِنْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ وَيُيَسِّرُهُ لِمَنْ هَدَاهُ وَوَفَّقَهُ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا أَيْ: مَا تَنَشَّأَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ أَشَدُّ مُوَاطَأَةً لِلْقَلْبِ، وَأَقْوَمُ قِيلًا فِي التِّلَاوَةِ وَالتَّدَبُّرِ وَالتَّأَمُّلِ، وَبِالتَّالِي بِالتَّأَثُّرِ، فَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى مَا يُقَابِلُ هَذَا الثُّقْلَ فِيمَا سَيُلْقَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ، فَهُوَ بِمَثَابَةِ التَّوْجِيهِ إِلَى مَا يَتَزَوَّدُ بِهِ لِتَحَمُّلِ ثُقْلِ أَعْبَاءِ الدَّعْوَةِ وَالرِّسَالَةِ. وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - قَوْلَهُ: لَا يُثَبِّتُ الْقُرْآنَ فِي الصَّدْرِ، وَلَا يُسَهِّلُ حِفْظَهُ وَيُيَسِّرُ فَهْمَهُ إِلَّا الْقِيَامُ بِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، وَقَدْ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَتْرُكُ وِرْدَهُ مِنَ اللَّيْلِ صَيْفًا أَوْ شِتَاءً، وَقَدْ أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [٢ \ ٤٥] ، فَكَانَ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ. وَهَكَذَا هُنَا فَإِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ كَانَتْ عَوْنًا لَهُ ﷺ عَلَى مَا سَيُلْقَى عَلَيْهِ مِنْ ثُقْلِ الْقَوْلِ. مَسْأَلَةٌ: قِيلَ: إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ; لِقَوْلِهِ

стр. 3894

تَعَالَى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [١٧ \ ٧٩] ، وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ ﷺ وَعَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ، ثُمَّ خَفَّفَ هَذَا كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [٧٣ \ ٢٠] . وَلَكِنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا دَاوَمَ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ شُكْرًا لِلَّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» ، وَبَقِيَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ بِقَدْرِ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُمْ. - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -.

стр. 3895

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ الْإِنْذَارُ إِعْلَامٌ بِتَخْوِيفٍ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْإِعْلَامِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ الْمُنْذِرِ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالْمُنْذَرِ بِهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا. أَمَّا الْمُنْذِرُ فَقَدْ بَيَّنَتْ آيَاتٌ أُخَرُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْكَافِرِينَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [١٩ \ ٩٧] ; تَخْوِيفًا لَهُمْ. وَقَدْ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [٣٦ \ ١١] . وَقَدْ يَكُونُ لِلْجَمِيعِ، أَيْ: لِعَامَّةِ النَّاسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [١٠ \ ٢] . وَأَمَّا الْمُنْذَرُ بِهِ فَهُوَ مَا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ قَدَّرَ الْأَمْرَيْنِ هُنَا ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ: فَأَنْذِرْ عَذَابَ اللَّهِ قَوْمَكَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [٧ \ ٢] فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ قَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنْ كُلٍّ مِنْ لَفْظَتَيِ: الثِّيَابِ، وَفَطَهِّرْ، هَلْ هُمَا دَلَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ طَهَارَةَ الثَّوْبِ مِنَ النَّجَاسَاتِ؟ أَمْ هُمَا عَلَى الْكِنَايَةِ؟ وَالْمُرَادُ بِالثَّوْبِ: الْبَدَنُ، وَالطَّهَارَةُ عَنِ الْمَعْنَوِيَّاتِ مِنْ مَعَاصِيَ وَآثَامٍ وَنَحْوِهَا، أَمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْكِنَايَةِ؟ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:

стр. 3896

الْأَوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَةٍ، وَاسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ غَيْلَانَ: وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ وَقَوْلِ الْآخَرِ: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ ... عِرْضُهُ فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ فَاسْتَعْمَلَ اللَّفْظَيْنِ فِي الْكِنَايَةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [٩٤ \ ٢] . وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ مِنْ كَسْبٍ غَيْرِ طَيِّبٍ، فَاسْتَعْمَلَ الثِّيَابَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالتَّطْهِيرَ فِي الْكِنَايَةِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: أَصْلِحْ عَمَلَكَ، وَعَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، فَاسْتَعْمَلَهُمَا مَعًا فِي الْكِنَايَةِ عَنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَابْنِ زَيْدٍ: عَلَى حَقِيقَتِهِمَا، فَطَهِّرْ ثِيَابَكَ مِنَ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ زَيْدٍ أَظْهَرُ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ قَوْلٌ عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ثِيَابُكَ هِيَ نِسَاؤُكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ [٢ \ ١٨٧] ، فَأْمُرْهُنَّ بِالتَّطَهُّرِ، وَتَخَيَّرْهُنَّ طَاهِرَاتٍ خَيِّرَاتٍ. هَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْهَا، وَالْوَاقِعُ فِي السِّيَاقِ مَا يَشْهَدُ لِاخْتِيَارِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظَيْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا. وَتَرْجِيحُ قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَالْقَرِينَةُ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: طَهَارَةُ الثَّوْبِ، وَالثَّانِي: هَجْرُ الرِّجْزِ. وَمِنْ مَعَانِي الرِّجْزِ: الْمَعَاصِي، فَيَكُونُ حَمْلُ طِهَارَةِ الثَّوْبِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ الرِّجْزُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِمَعْنًى جَدِيدٍ أَوْلَى.

стр. 3897

وَهَذِهِ الْآيَةُ بِقِسْمَيْهَا جَاءَ نَظِيرُهَا بِقِسْمَيْهَا أَصْرَحَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ [٨ \ ١١]-. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -. وَقَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلًا عَلَى الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ النَّاقُورُ: هُوَ الصُّورُ، وَأَصْلُ النَّاقُورِ الصَّوْتُ، وَقَوْلُهُ: يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ. قِيلَ: عَسِيرٌ وَغَيْرُ يَسِيرٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّ غَيْرَ يَسِيرٍ كَانَ يَكْفِي عَنْهَا يَوْمٌ عَسِيرٌ، إِلَّا أَنَّهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ عُسْرَهُ لَا يُرْجَى تَيْسِيرُهُ، كَعُسْرِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ وَعِيدٍ لِلْكَافِرِينَ. وَنَوْعُ بِشَارَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّ الْمَعْنَيَيْنِ مُسْتَقِلَّانِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَوْمٌ عَسِيرٌ، هَذَا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ وَصْفٌ لِهَذَا الْيَوْمِ، وَبَيَانٌ لِلْجَمِيعِ شِدَّةَ هَوْلِهِ، كَمَا جَاءَ فِي وَصْفِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [٢٢ \ ١ - ٢] ، وَمِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [٨٠ \ ٣٤ - ٣٥] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْيَوْمَ الْعَسِيرَ أَنَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [٧٣ \ ١٧ - ١٨] ، بَيْنَمَا يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يَسِيرًا، مَعَ أَنَّهُ عَسِيرٌ فِي ذَاتِهِ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ يُيَسِّرُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى هَذِهِ الصُّورَةَ بِجَانِبِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ «النَّمْلِ» : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ إِلَى قَوْلِهِ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢٧ \ ٨٧ - ٩٠] . \ ٥

стр. 3898

فَالْفَزَعُ مِنْ صَعْقَةِ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَامٌّ لِجَمِيعِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ مَنْ شَاءَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْمُسْتَثْنَيْنَ وَمَنْ يَبْقَى فِي الْفَزَعِ، فَبَيَّنَ الْآمِنِينَ وَهُمْ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ، وَالْآخَرُونَ مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا حَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي مَعْنَى الْفِتْنَةِ هُنَا مَعْنَيَيْنِ: الْأَوَّلُ: التَّحْرِيقُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [٨٥ \ ١٠] . وَالثَّانِي: الِابْتِلَاءُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ مِرَارًا فِي كِتَابِهِ وَدُرُوسِهِ، أَنَّ أَصْلَ الْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ. تَقُولُ: اخْتَبَرْتُ الذَّهَبَ إِذَا أَدْخَلْتَهُ النَّارَ ; لِتَعْرِفَ زَيْفَهُ مِنْ خَالِصِهِ. وَلَكِنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي، وَهُوَ الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا. وَقَوْلِهِ: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ أَيْ: عَدَدَهُمْ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّحْرِيقَ وَالْوَعِيدَ بِالنَّارِ، لَمَا كَانَ مَجَالٌ لِتَسَاؤُلِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرِينَ عَنْ هَذَا الْمَثَلِ، وَلَمَا كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يُجْعَلَ مَثَلًا، وَلَمَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ عَدَدِ جُنُودِ رَبِّكَ بِحَالٍ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عِدَّةُ مَسَائِلَ هَامَّةٍ. الْأُولَى: جَعْلُ الْمَثَلِ الْمَذْكُورِ، أَيْ: جَعْلُ الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ فِتْنَةً لِتَوَجُّهِ السُّؤَالِ أَوْ مُقَابَلَتِهِ بِالْإِذْعَانِ، فَقَدْ تَسَاءَلَ الْمُسْتَبْعِدُونَ وَاسْتَسْلَمَ وَأَذْعَنَ الْمُؤْمِنُونَ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى فِي صَرِيحِ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [٢ \ ٦٢] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى الْغَرَضَ مِنْ ذَلِكَ طِبْقَ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ هُنَا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [٢ \ ٢٦]

стр. 3899

فَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» مُبَيِّنَةٌ تَمَامًا لِآيَةِ «الْمُدَّثِّرِ» . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أَنَّ هَذَا مُطَابِقٌ لِمَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ لِقَوْمِهِمْ عَلَى صِدْقِ مَا يَأْتِي بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَا ادَّعَاهُ لِإِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ حَدِيثًا فِي ذَلِكَ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَلَكِنَّ النَّصَّ يَشْهَدُ لِذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ كُلَّمَا جَاءَهُ أَمْرٌ عَنِ اللَّهِ وَصَدَّقَهُ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ اكْتِفَاءً بِأَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، ازْدَادَ بِهَذَا التَّصْدِيقِ إِيمَانًا وَهِيَ مَسْأَلَةُ ازْدِيَادِ الْإِيمَانِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّصْدِيقِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: بَيَانُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُبَادَرَةُ بِالتَّصْدِيقِ وَالِانْقِيَادِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْحِكْمَةَ أَوِ السِّرَّ أَوِ الْغَرَضَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا رَوَاهُ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَثَارُ نِقَاشِ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، وَهَذَا أَمْرٌ وَاسِعٌ، وَلَكِنَّ الْمُهِمَّ عِنْدَنَا هُنَا وَنَحْنُ فِي عَصْرِ الْمَادِّيَّاتِ، وَتَقَدُّمِ الْمُخْتَرَعَاتِ، وَظُهُورِ كَثِيرٍ مِنْ عَلَامَاتِ الِاسْتِفْهَامِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّا نَوَدُّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ كُلَّ مَا صَحَّ عَنِ الشَّارِعِ الْحَكِيمِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ وَجَبَ التَّسْلِيمُ وَالِانْقِيَادُ إِلَيْهِ، عَلِمْنَا الْحِكْمَةَ أَوْ لَمْ نَعْلَمْ ; لِأَنَّ عِلْمَنَا قَاصِرٌ، وَفَهْمَنَا مَحْدُودٌ، وَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ - سُبْحَانَهُ - لَا يُكَلِّفُ عِبَادَهُ إِلَّا بِمَا فِيهِ الْحِكْمَةُ. وَمُجْمَلُ الْقَوْلِ أَنَّ الْأَحْكَامَ بِالنِّسْبَةِ لِحِكْمَتِهَا قَدْ تَكُونُ مَحْصُورَةً فِي أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: حُكْمٌ تَظْهَرُ حِكْمَتُهُ بِنَصٍّ كَمَا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ، جَاءَ: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [٢٩ \ ٤٥] ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ جَلِيلَةٌ، وَالزَّكَاةُ جَاءَ عَنْهَا أَنَّهَا: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ [٩ \ ١٠٣] . وَفِي الصَّوْمِ جَاءَ فِيهِ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [٢ \ ١٨٣] . وَفِي الْحَجِّ جَاءَ فِيهِ: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [٢٢ \ ٢٨] . فَمَعَ أَنَّهَا عِبَادَاتٌ لِلَّهِ فَقَدْ ظَهَرَتْ حِكْمَتُهَا جَلِيَّةً. وَفِي الْمَمْنُوعَاتِ كَمَا قَالُوا فِي الضَّرُورِيَّاتِ السِّتِّ، حِفْظِ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالدَّمِ،

стр. 3900

وَالْعِرْضِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَالِ لِقِيَامِ الْحَيَاةِ وَوَفْرَةِ الْأَمْنِ، وَصِيَانَةِ الْمُجْتَمَعِ، وَجُعِلَتْ فِيهَا حُدُودٌ لِحِفْظِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقِسْمٌ لَمْ تَظْهَرْ حِكْمَتُهُ بِهَذَا الظُّهُورِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ حِكْمَةٍ: كَالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْوُضُوءِ، وَالتَّيَمُّمِ، وَالْغُسْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقِسْمٌ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ أَوَّلًا، وَلِحِكْمَةٍ ثَانِيًا: كَتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [٢ \ ١٤٣] . وَفِي التَّحَوُّلِ عَنْهَا حِكْمَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [٢ \ ١٥٠] . وَالْمُسْلِمُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ ظَهَرَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ أَوْ لَمْ تَظْهَرْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ وَالِانْقِيَادُ، كَمَا قَالَ عُمَرُ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ لِلْحَجَرِ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. فَقَبَّلَهُ امْتِثَالًا وَاقْتِدَاءً بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ مَا جَاءَ مِنْ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لَهُ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، فَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانٌ وَعَيْنَانِ يَشْهَدُ لِمَنْ قَبَّلَهُ ; لِأَنَّ عُمَرَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ لِيُقَبِّلَهُ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ عَلِيٌّ ﵁. وَقَدْ تَنْكَشِفُ الْأُمُورُ عَنْ حِكْمَةٍ لَا نَعْلَمُهَا كَمَا فِي قِصَّةِ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉، إِذْ خَرَقَ السَّفِينَةَ، وَقَتَلَ الْغُلَامَ، وَأَقَامَ الْجِدَارَ، وَكُلُّهَا أَعْمَالٌ لَمْ يَعْلَمْ لَهَا مُوسَى ﵇ حِكْمَةً، فَلَمَّا أَبْدَاهَا لَهُ الْخَضِرُ عَلِمَ مَدَى حِكْمَتِهَا. وَهَكَذَا نَحْنُ الْيَوْمَ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى هَذَا الْمَوْقِفَ بِقَوْلِهِ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [٣ \ ٧] . وَقَدْ جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا يُلْزِمُ الْبَشَرَ بِالْعَجْزِ وَيَدْفَعُهُمْ إِلَى التَّسْلِيمِ، فِي قَوْلِهِ: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. فَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأُمُورِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَعْلَمُ بِهَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى:

стр. 3901

مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ، وَسَبَبِ دُخُولِهِمُ النَّارَ، وَكَانَ الْجَوَابُ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ يَكُونُوا يُطْعِمُوا الْمِسْكِينَ، وَكَانُوا يَخُوضُونَ مَعَ الْخَائِضِينَ. وَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْكُفْرِ بِتَكْذِيبِهِمْ بِيَوْمِ الدِّينِ وَبَيْنَ الْفُرُوعِ، وَهِيَ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ إِلَى آخِرِهِ، فَهَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ مُطَالَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرْعِ مَعَ أُصُولِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مُنَاقَشَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [٤١ \ ٧] فِي سُورَةِ «فُصِّلَتْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ فِيهِ: أَنَّ الْكُفَّارَ لَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ، كَمَا أَنَّ فِيهَا إِثْبَاتَ الشَّفَاعَةِ لِلشَّافِعِينَ، وَمَفْهُومُ كَوْنِهَا لَا تَنْفَعُ الْكُفَّارَ أَنَّهَا تَنْفَعُ غَيْرَهُمْ. وَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصٌ فِي الشَّفَاعَةِ لِمَنِ ارْتَضَاهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصٌ عَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ، فَمِنْ عَدَمِ الشَّفَاعَةِ لِلْكُفَّارِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [٤٠ \ ١٨] . وَقَوْلُهُ: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [٢٦ \ ٩٩ - ١٠٠] وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [٢١ \ ٢٨] . وَكَذَلِكَ الشَّفِيعُ لَا يَشْفَعُ إِلَّا مَنْ أُذِنَ لَهُ، وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا فِيمَنْ أُذِنُوا فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [٢ \ ٢٥٥] ، وَقَوْلُهُ: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ [٢٠ \ ١٠٩] . وَمَبْحَثُ الشَّفَاعَةِ وَاسِعٌ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْعَقَائِدِ. وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِيهَا: أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ لِلْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا، وَقَدْ ثَبَتَ

стр. 3902

لِلنَّبِيِّ ﷺ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَعِدَّةُ شَفَاعَاتٍ بَعْدَهَا مِنْهَا مَا اخْتُصَّ بِهِ ﷺ كَالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى وَدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَالشَّفَاعَةِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ وَهُوَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَمِنْهَا مَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصُّلَحَاءِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَشْبِيهُ الْمَدْعُوِّينَ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ وَالتَّذْكِرَةِ، بِالْحُمُرِ الْفَارَّةِ مِنَ الصَّيَّادِينَ أَوِ الْأَسَدِ، وَقَدْ شُبِّهَ أَيْضًا الْعَالِمُ غَيْرُ الْمُنْتَفِعِ بِعِلْمِهِ بِالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، فَهُمَا تَشْبِيهَانِ بِالدَّاعِي وَالْمَدْعُوِّ إِذَا لَمْ تَنْفَعْهُ الدَّعْوَةُ، وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ فِي مَبْحَثِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

стр. 3903

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الْقِيَامَةِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: «لَا أُقْسِمُ» مَفْصُولَةً مِنْ أُقْسِمُ سِوَى الْحَسَنِ وَالْأَعْرَجِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَءَانِ ذَلِكَ: «لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ» . بِمَعْنَى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا لَامُ الْقَسَمِ، وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ «لَا» مَفْصُولَةً، «أُقْسِمُ» مُبْتَدَأَةٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ بِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْنَا قِرَاءَتَهُ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا صِلَةٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: «أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وَعَزَاهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ دَخَلَتْ «لَا» تَوْكِيدًا لِلْكَلَامِ. وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ فِي قَوْلِهِ: «لَا أُقْسِمُ» تَوْكِيدٌ لِلْقَسَمِ، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْكُوفَةِ: «لَا» رَدٌّ لِكَلَامٍ قَدْ مَضَى مِنْ كَلَامِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ. ثُمَّ ابْتُدِئَ الْقَسَمُ، فَقِيلَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: كُلُّ يَمِينٍ قَبْلَهَا رَدُّ كَلَامٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ «لَا» قَبْلَهَا ; لِيُفَرِّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ الْيَمِينِ الَّتِي تَكُونُ جَحْدًا وَالْيَمِينِ الَّتِي تُسْتَأْنَفُ، وَيَقُولُ: أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ مُبْتَدِئًا: وَاللَّهِ إِنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، وَإِذَا قُلْتَ: لَا وَاللَّهِ، إِنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، فَكَأَنَّكَ أَكْذَبْتَ قَوْمًا أَنْكَرُوهُ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ قَسَمٌ أَمْ لَا؟ . وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ اللَّامِ، وَهَلْ هِيَ نَافِيَةٌ لِلْقَسَمِ أَمْ مُثْبِتَةٌ؟ وَعَلَى أَنَّهَا مُثَبِتَةٌ فَمَا مُوجِبُهَا؟ هَلْ هِيَ رَدٌّ لِكَلَامٍ سَابِقٍ أَمْ تَأْكِيدٌ لِلْقَسَمِ؟ وَهَلْ وَقَعَ إِقْسَامٌ أَمْ لَا؟ كَمَا ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ.

стр. 3904

وَقَدْ تَنَاوَلَهَا الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي كِتَابِهِ دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ فِي مَوْضِعَيْنِ، الْأَوَّلُ: فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالثَّانِي: فِي سُورَةِ «الْبَلَدِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [٩٠ \ ١] ، فَبَيَّنَ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا - أَيْ «لَا» -: نَافِيَةٌ لِكَلَامٍ قَبْلَهَا ; فَلَا تَتَعَارَضُ مَعَ الْإِقْسَامِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فِعْلًا الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [٨٥ \ ٢] . وَالثَّانِي: أَنَّهَا صِلَةٌ، وَقَالَ: سَيَأْتِي لَهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ، وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، سَاقَ فِيهِ بَحْثًا طَوِيلًا مُهِمًّا جِدًّا نَسُوقُ خُلَاصَتَهُ. وَسَيُطْبَعُ الْكِتَابُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ. خُلَاصَةُ مَا سَاقَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -: قَالَ: الْجَوَابُ عَلَيْهَا مِنْ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ - وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ -: أَنَّ «لَا» هُنَا صِلَةٌ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهَا رُبَّمَا لَفَظَتْ بِلَفْظَةِ «لَا» مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الْكَلَامِ وَتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِي [٢٠ \ ٩٢ - ٩٣] . يَعْنِي أَنْ تَتَّبِعَنِي. وَقَوْلِهِ: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ [٥٧ \ ٢٩] . وَقَوْلِهِ: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [٤ \ ٦٥] . وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَلَا وَأَبِيكِ ابْنَةُ الْعَامِرِيِّ ... لَا يَدَّعِ الْقَوْمُ أَنِّي أَفِرُّ يَعْنِي وَأَبِيكِ، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ لِزِيَادَةِ لَا فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْجَحْدِ، قَوْلَ الشَّاعِرِ: مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ... وَالْأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ يَعْنِي وَعُمَرُ، وَأَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ لِزِيَادَتِهَا قَوْلَ الْعَجَّاجِ: فِي بِئْرٍ لَا حَوْرَ سَرَى وَمَا شَعَرَ ... بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ شَجَرَ وَالْحَوْرُ: الْهَلَكَةُ: يَعْنِي فِي بِئْرِ هَلَكَةٍ، وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ: تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ ... وَكَادَ صَمِيمُ الْقَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «لَا» نَفْيٌ لِكَلَامِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .

стр. 3905

وَقَوْلُهُ: أُقْسِمُ: إِثْبَاتٌ مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ، وَإِنْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ: وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْإِثْبَاتَ الْمُسْتَأْنَفَ بَعْدَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ «أُقْسِمُ» وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا حَرْفُ نَفْيٍ أَيْضًا، وَوَجْهُهُ أَنَّ إِنْشَاءَ الْقَسَمِ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ. فَهُوَ نَفْيٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُعَظَّمُ بِالْقَسَمِ، بَلْ هُوَ فِي نَفْسِهِ عَظِيمٌ أَقْسَمَ بِهِ أَوْ لَا. وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَصَاحِبُ رُوحِ الْمَعَانِي، وَلَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ نَظَرٍ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّامَ لَامُ الِابْتِدَاءِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَتُهَا. وَالْعَرَبُ رُبَّمَا أَشْبَعَتِ الْفَتْحَةَ بِأَلِفٍ، وَالْكَسْرَةَ بِيَاءٍ، وَالضَّمَّةَ بِوَاوٍ. وَمِثَالُهُ فِي الْفَتْحَةِ قَوْلُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ الْحَارِثِ: وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَّا فَالْأَصْلُ: كَأَنْ لَمْ تَرَ، وَلَكِنَّ الْفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. وَقَوْلُ الرَّاجِزِ: إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ... وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ فِي مُعَلَّقَتِهِ: يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ... زَيَّافَةٍ مِثْلِ الْعَتِيقِ الْمُكْدَمِ فَالْأَصْلُ يَنْبَعُ، يَعْنِي الْعَرَقَ، يَنْبَعُ مِنَ الذِّفْرَى: مِنْ نَاقَتِهِ، فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ يَنْبَاعُ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْإِشْبَاعُ مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. ثُمَّ سَاقَ الشَّوَاهِدَ عَلَى الْإِشْبَاعِ بِالضَّمَّةِ وَالْكَسْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَشْهَدُ لِهَذَا الْوَجْهِ قِرَاءَةُ قُنْبُلٍ: «لَأُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ» بِلَامِ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْبَزِّيِّ وَالْحَسَنِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. مُلَخَّصًا. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ ﵀ قَدَّمَ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: صِلَةٌ، وَنَفْيُ الْكَلَامِ قَبْلَهَا، وَتَأْكِيدٌ

стр. 3906

لِلْقَسَمِ، وَلَامُ ابْتِدَاءٍ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقِرَاءَةِ قُنْبُلٍ، أَيْ: «لَأُقْسِمُ» مُتَّصِلَةٌ، أَمَّا كَوْنُهَا لَامَ ابْتِدَاءٍ لِقِرَاءَةِ قُنْبُلٍ وَالْحَسَنِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لَا يَسْتَجِيزُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَتِهَا مَفْصُولَةً: لَا أُقْسِمُ. وَلَعَلَّ أَرْجَحَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ كُلِّهَا أَنَّهَا لِتَوْكِيدِ الْقَسَمِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ هَذَا الْحُسْبَانُ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [٣٦ \ ٧ ٨] . وَجَاءَهُ الْجَوَابُ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [٣٦ \ ٧٩] . قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ كُلُّ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى نَجْعَلُ بَنَانَهُ مُتَسَاوِيَةً مُلْتَحِمَةً كَخُفِّ الْبَعِيرِ، أَيْ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَنَاوَلَ بِهَا شَيْئًا وَلَا يُحْسِنُ بِهَا عَمَلًا. وَهَذَا فِي الْوَاقِعِ لَمْ نَفْهَمْ لَهُ وَجْهًا مَعَ السِّيَاقِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَعَجْزِ الْعَبْدِ. وَلَكِنَّ السِّيَاقَ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ وَاسْتِبْعَادِهِ وَمَجِيءِ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ «يس» ، يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ بَعْدَ مَوْتِ الْعَبْدِ وَتَلَاشِيهِ فِي التُّرَابِ وَتَحَوُّلِ عِظَامِهِ رَمِيمًا، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُ تَمَامًا، كَمَا أَنْشَأَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَمِنْ ضِمْنِ تِلْكَ الْإِعَادَةِ أَنْ يُسَوِّيَ بَنَانَهُ، أَيْ: يَعْدِلُهَا وَيُنَشِّؤُهَا كَمَا كَانَتْ أَوَّلَ مَرَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُرْشِدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [٣٦ \ ٧٩] ، وَمِنَ الْخَلْقِ مَا كَانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذَا الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ الْمُعْتَرِضِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُعِيدُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ تَمَامًا، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْقُدْرَةِ وَأَبْلَغُ فِي الْإِلْزَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ قُرِئَ «بَرِقَ» بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا ; فَبِالْكَسْرِ: فَزِعَ وَدَهِشَ، أَصْلُهُ مِنْ بَرِقَ الرَّجُلُ، إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

стр. 3907

لَوْ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ... لِعَيْنَيْهِ مَيُّ سَافِرًا كَادَ يُبْرَقُ وَقَوْلُ الْأَعْشَى: وَكُنْتُ أَرَى فِي وَجْهِ مَيَّةَ ... لَمْحَةً فَأُبْرَقُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ مَكَانِيَا وَ «بَرَقَ» بِالْفَتْحِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وَهُوَ مِنَ الْبَرِيقِ، أَيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِنْ شِدَّةِ شُخُوصِهِ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ مَا دَامَتِ الْقِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَيْنِ، وَقَدْ يَشْهَدُ لِهَذَا النَّصِّ فِي سُورَةِ «إِبْرَاهِيمَ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [١٤ \ ٤٢ - ٤٣] . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَنْظُرُونَ مِنَ الْفَزَعِ هَكَذَا وَهَكَذَا، لَا يَسْتَقِرُّ لَهُمْ بَصَرٌ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ. وَقَوْلُهُ: يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ، تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَةِ «ص» عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ [٣٨ \ ٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ الْمُرَادُ: «بِمَا قَدَّمَ» هُنَا هُوَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ عَمَلٍ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [٨٩ \ ٢٣ - ٢٤] ، وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا [٣٩ \ ٤٨] مِنْ سُورَةِ «الزُّمَرِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [١٧ \ ١٤] . وَقَوْلُهُ: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [١٨ \ ٤٩] ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ أَيْ: أَنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ آنَذَاكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ [٤٠ \ ٥٢] .

стр. 3908

وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى بَعْضَ مَعَاذِيرِهِمْ تِلْكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [٢٨ \ ٦٣] . وَقَوْلِهِ: فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ [٣٧ \ ٣٢] . وَقَوْلِهِ: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [٢٣ \ ١٠٦ - ١٠٨] . وَقَوْلِهِ: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [٦٧ \ ١٠ - ١١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيكِ لِسَانِهِ ﷺ ، وَبَيَانُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ جَمْعُهُ وَقُرْآنُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى اسْتِيعَابِ مَا يُوحَى إِلَيْهِ، يُحَرِّكُ لِسَانَهُ عِنْدَ الْوَحْيِ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى مَدَى هَذَا النَّهْيِ وَمُدَّةَ هَذِهِ الْعَجَلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [٢٠ \ ١١٤] ، وَفِيهِ الْإِيمَاءُ إِلَى حُسْنِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِصْغَاءُ عِنْدَ الْإِيحَاءِ بِهِ، كَمَا فِي آدَابِ الِاسْتِمَاعِ: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [٧ \ ٢٠٤] . وَقَوْلُهُ: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [٧٥ \ ١٧] ، قَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ جَمْعَهُ وَقِرَاءَتَهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [١٥ \ ٩] . تَنْبِيهٌ. إِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ نَزَلَ مُفَرَّقًا، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَمْعَهُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الْمَوْجُودِ بِرِعَايَةٍ وَعِنَايَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْقِيقًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ الْمَوْجُودَ مِنْ وَسَائِلِ حِفْظِهِ، كَمَا تَعَهَّدَ تَعَالَى بِذَلِكَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 3909

وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ. «وَقُرْآنَهُ» ، أَيْ: تَقْرَؤُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [٥٣ \ ٥] ، مِنْ سُورَةِ «النَّجْمِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ قَدْ نَبَّهَ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي مُقَدِّمَةِ الْأَضْوَاءِ أَنَّهُ مَا مِنْ مُجْمَلٍ إِلَّا وَجَاءَ تَفْصِيلُهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [٤١ \ ٣] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -، بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ «فُصِّلَتْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [٧ \ ١٤٣] . قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ لَمْ يُبَيِّنْ مَا هِيَ الَّتِي بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهَا الرُّوحُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إِلَى قَوْلِهِ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٥٦ \ ٨٣ - ٨٧] ، فَهَذِهِ حَالَاتُ النَّزْعِ، وَالرُّوحُ تَبْلُغُ الْحُلْقُومَ وَتَبْلُغُ التَّرَاقِيَ. وَقَدْ يُتْرَكُ التَّصْرِيحُ لِلْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [٣٨ \ ٣٢] ، أَيِ: الشَّمْسُ، وَهَكَذَا هُنَا فَلِمَعْرِفَتِهَا بِالْقَرَائِنِ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالرُّوحِ أَوِ النَّفْسِ، وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ الْآيَةَ [٦ \ ٩٣] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى رَاقٍ هَذِهِ، فَقِيلَ مِنَ الرُّقْيَةِ أَيْ: قَالَ مَنْ حَوْلَهُ: مَنْ يَرْتَقِيهِ هَلْ مِنْ طَبِيبٍ يَرْقِيهِ؟ أَيْ حَالَةَ اشْتِدَادِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ رَجَاءً لِشِفَائِهِ أَوِ اسْتِبْعَادًا بِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ، وَقِيلَ: مِنَ الرُّقِيِّ أَيْ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: مَنِ الَّذِي سَيَرْقَى بِرُوحِهِ

стр. 3910

أَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ أَمْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ؟ وَلَكِنْ فِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ يَكُونُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُتَرَدَّدِ فِي أَمْرِهِ، وَهَذَا هُنَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَرَدُّدٍ ; لِأَنَّ نِهَايَةَ السِّيَاقِ فِيهِ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [٧٥ \ ٣١، ٣٢] ، إِلَى مَا بَعْدَهُ. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: عَلَى أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ مَنْ يَرْقَى بِرُوحِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ كَرَاهِيَةً مِنْهُمْ أَنْ يَصْعَدُوا بِهَا، وَفِي هَذَا نَظَرٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مَلَائِكَةً لِلْمُشْرِكِينَ وَهُمْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَمَلَائِكَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ. وَلَا يَسْتَكْرِهُ فَرِيقٌ مِنْهُمَا أَنْ يَصْعَدَ بِمَا تَخَصَّصَ لَهُ، بَلْ قَدْ لَا يَسْمَحُ لِلْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ. كَمَا فِي حَدِيثِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، وَأَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، فَحَضَرَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ يَخْتَصِمُونَ أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِرُوحِهِ، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَلَّى قَبْضَ رُوحِهِ، أُولَئِكَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ خَرَجَ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ ; لِوُجُودِ قَرِينَةٍ فِي الْآيَةِ. وَقَدْ وُجِدَتِ الْقَرِينَةُ وَهِيَ مَا فِي آخِرِ الْآيَةِ وَالسِّيَاقِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ تَرَدُّدٍ: فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى الْآيَةَ [٧٥ \ ٣١] . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى رَدٌّ عَلَى زَعْمِ أَنَّهُ خُلِقَ سُدًى وَهَمَلًا، وَأَنَّهُ لَا يُحَاسَبُ وَلَا يُسْأَلُ وَبِالتَّالِي لَا يُبْعَثُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [٢٣ \ ١١٥ - ١١٦] ، أَيْ: تَعَالَى اللَّهُ عَنِ الْعَبَثِ، وَقَدْ سَاقَ الشَّيْخُ الْأَدِلَّةَ الْوَافِيَةَ هُنَاكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى

стр. 3911

بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَجِيءُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ أَوِ التَّقْرِيرِيِّ، بَعْدَ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، وَسَوْقُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ، فِيهِ رَدٌّ عَلَى إِنْكَارٍ ضِمْنِيٍّ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وُجُودَهُ سُدًى، وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ إِلَّا مَنِ اسْتَبْعَدَ الْبَعْثَ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالْبَعْثِ لَآمَنَ بِالْجَزَاءِ وَاعْتَرَفَ بِالسُّؤَالِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا، وَلَنْ يُتْرَكَ سُدًى. وَلَكِنْ لَمَّا أَنْكَرَ الْبَعْثَ ظَنَّ وَحَسِبَ أَنَّهُ يُتْرَكُ سُدًى، فَجَاءَ تَذْكِيرُهُ بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ وَتَطَوُّرِهِ لِيَسْتَخْلِصَ مِنْهُ اعْتِرَافَهُ ; لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ مَنِيِّ يُمْنَى، وَتَطْوِيرِهِ إِلَى عَلَقَةٍ ثُمَّ إِلَى خَلْقٍ سَوِيٍّ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى بَعْثِهِ مَرَّةً أُخْرَى. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - هَذِهِ الْأَطْوَارَ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ، وَأَحَالَ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى [٥٣ \ ٤٥ - ٤٧] فِي سُورَةِ «النَّجْمِ» .

стр. 3912

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الْإِنْسَانِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ «هَلْ» هُنَا بِمَعْنَى قَدْ، أَيْ: أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ تَقْرِيرِيٌّ يَسْتَوْجِبُ الْإِجَابَةَ عَلَيْهِ بِنَعَمْ. وَلَفْظُ الْإِنْسَانِ فِي هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: هُوَ الْإِنْسَانُ الْأَوَّلُ آدَمُ ﵇، أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ. وَقِيلَ: هُوَ عُمُومُ الْإِنْسَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ، أَنَّ آدَمَ ﵇ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، قِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ طِينًا، ثُمَّ صَلْصَالًا، حَتَّى نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ. وَيَكُونُ عَلَى الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، هُوَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعُونَ يَوْمًا عَلَقَةً، ثُمَّ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُضْغَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ شَيْءٌ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، أَيْ ضَعِيفًا، وَكِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ. وَلَفْظُ الْإِنْسَانِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي بَنِي آدَمَ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ أَخْلَاطٍ، وَقَدْ رَجَّحَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ أَنَّ لَفْظَ الْإِنْسَانِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْعَامُّ ; لِيَسْتَقِيمَ الْأُسْلُوبُ بِدُونِ مُغَايَرَةٍ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إِذْ لَا قَرِينَةَ مُمَيِّزَةٌ. وَلَعَلَّ فِي السِّيَاقِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ، وَهِيَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: نَبْتَلِيهِ قَطْعًا لِبَنِي آدَمَ ; لِأَنَّ آدَمَ ﵇ انْتَهَى أَمْرُهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [٢ \ ٣٧] ، وَلَمْ يَبْقَ مَجَالٌ لِابْتِلَائِهِ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِبَنِيهِ. وَاللَّهُ

стр. 3913

تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ فِيهِ بَيَانُ مَبْدَأِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَلَهُ أَطْوَارٌ فِي وُجُودِهِ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ خَلْقًا آخَرَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [١٩ \ ٩] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا الْهِدَايَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْبَيَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [٤١ \ ١٧] . وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ السَّوِيُّ، وَفِيهِ بَيَانُ انْقِسَامِ الْإِنْسَانِ إِلَى قِسْمَيْنِ: شَاكِرٌ مُعْتَرِفٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، مُقَابِلٌ لَهَا بِالشُّكْرِ، أَوْ كَافِرٌ جَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ: إِمَّا شَاكِرًا، يُشِيرُ إِلَى إِنْعَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ، وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى نِعْمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: الْأُولَى: إِيجَادُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْعَدَمِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عُظْمَى لَا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيهَا. وَالثَّانِيَةُ: الْهِدَايَةُ بِالْبَيَانِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَالسَّعَادَةِ، وَهَذِهِ نِعْمَةُ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَلَا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيهَا أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هُنَاكَ ثَلَاثُ نِعَمٍ لَا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيهَا: الْأُولَى: وُجُودُهُ بَعْدَ الْعَدَمِ. الثَّانِيَةُ: نِعْمَةُ الْإِيمَانِ. الثَّالِثَةُ: دُخُولُ الْجَنَّةِ. وَقَالُوا: الْإِيجَادُ مِنَ الْعَدَمِ، تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [٤٢ \ ٤٩ - ٥٠] ، وَمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ عَقِيمًا فَلَنْ

стр. 3914

يُنْجِبَ قَطُّ. وَالثَّانِيَةُ: الْإِنْعَامُ بِالْإِيمَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [٢٨ \ ٥٦] . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ". الْحَدِيثَ. وَكَوْنُ الْمَوْلُودِ يُولَدُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، لَا كَسْبَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَالثَّالِثَةُ: الْإِنْعَامُ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا ; إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ". وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى نِعْمَتَيْنِ صَرَاحَةً، وَهُمَا خَلْقُ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَهِدَايَتُهُ السَّبِيلَ. وَالثَّالِثَةُ: تَأْتِي ضِمْنًا فِي ذِكْرِ النَّتِيجَةِ: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [٧٦ \ ٥] ; لِأَنَّ الْأَبْرَارَ هُمُ الشَّاكِرُونَ بِدَلِيلِ التَّقْسِيمِ: شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [٧٦ \ ٣ - ٥] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ [٧٦ \ ٣] تَقَدَّمَ أَنَّهَا هِدَايَةُ بَيَانٍ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ الْهِدَايَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، وَفِي مُسْتَهَلِّ هَذِهِ السُّورَةِ بَيَانٌ لِمَبْدَأِ الْإِنْسَانِ وَمَوْقِفِهِ مِنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَهِدَايَتِهِمْ، وَنَتَائِجِ أَعْمَالِهِمْ مِنْ شُكْرٍ أَوْ كُفْرٍ. وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مَعَ قِرَاءَةِ سُورَةِ السَّجْدَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: إِنَّ قِرَاءَتَهُمَا مَعًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ; لِمُنَاسَبَةِ خَلْقِ آدَمَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِيَتَذَكَّرَ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْيَوْمِ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - مَبْدَأَ خَلْقِ أَبِيهِ آدَمَ، وَمَبْدَأَ خَلْقِ عُمُومِ الْإِنْسَانِ، وَيَتَذَكَّرُ مَصِيرَهُ وَمُنْتَهَاهُ ; لِيَرَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَهَلْ هُوَ شَاكِرٌ أَوْ كَفُورٌ. اهـ مُلَخَّصًا. وَمَضْمُونُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي قِرَاءَةِ السُّورَتَيْنِ فِي فَجْرِ الْجُمُعَةِ، أَنَّ يَوْمَ

стр. 3915

الْجُمُعَةِ هُوَ يَوْمُ آدَمَ ﵇ فِيهِ خُلِقَ، وَفِيهِ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، وَفِيهِ أُسْكِنَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ. كَمَا قِيلَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ آدَمَ، وَيَوْمُ الْإِثْنَيْنِ يَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَيْ: فِيهِ وُلِدَ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَصَلَ الْمَدِينَةَ فِي الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ تُوُفِّيَ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ إِيجَادِ الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ وَيَوْمَ أَحْدَاثِهِ كُلِّهَا، إِيجَادًا مِنَ الْعَدَمِ، وَإِنْعَامًا عَلَيْهِ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ، وَتَوَاجُدِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَتَلَقِّي التَّوْبَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ; أَيْ: يَوْمَ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ حِسًّا وَمَعْنًى، فَنَاسَبَ أَنْ يُذَكِّرَ الْإِمَامَ بِقِرَاءَتِهِ سُورَةَ " السَّجْدَةِ " فِي فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ; لِمَا فِيهَا مِنْ قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [٣٢ \ ٧ - ٩] . وَفِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [٣٢ \ ١٣] ، مِمَّا يَبُثُّ الْخَوْفَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، إِذْ لَا يُعْلَمُ مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ هُوَ، فَيَجْعَلُهُ أَشَدَّ حِرْصًا عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، وَأَشَدَّ خَوْفًا مِنَ الشَّرِّ. ثُمَّ حَذَّرَ مِنْ نِسْيَانِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [٣٢ \ ١٤] . وَهَكَذَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، يَرْجِعُ الْمُسْلِمُ إِلَى أَصْلِ وُجُودِهِ وَيَسْتَحْضِرُ قِصَّةَ الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِقِصَّتِهِ هُوَ مُنْذُ بَدَأَ خَلْقُهُ: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ، وَيُذَكِّرُهُ بِالْهَدْيِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَيُرَغِّبُهُ فِي شُكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، وَيُحَذِّرُهُ مِنْ جُحُودِهَا وَكُفْرَانِهَا. وَقَدْ بَيَّنَ لَهُ مُنْتَهَاهُ عَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [٧٦ \ ٤ - ٥] . فَإِذَا قَرَعَ سَمْعَهُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ خَلْقِهِ وَيَوْمِ مَبْعَثِهِ، حَيْثُ فِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، فَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ وَيُشَاهِدُ أَوَّلَ وُجُودِهِ وَآخِرَ مَآلِهِ ; فَلَا يُكَذِّبُ بِالْبَعْثِ. وَقَدْ عَلِمَ مَبْدَأَ خَلْقِهِ وَلَا يُقَصِّرُ فِي وَاجِبٍ، وَقَدْ عَلِمَ مُنْتَهَاهُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْحِكْمَةِ كَمَا تَرَى.

стр. 3916

وَمِمَّا يَشْهَدُ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ﵀، اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَاتِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [٢ \ ١٨٥] ، فَجَمِيعُ الشُّهُورِ مِنْ حَيْثُ الْزَمْنُ سَوَاءٌ، وَلَكِنْ بِمُنَاسَبَةِ بَدْءِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وَأَكْرَمَ فِيهِ الْأُمَّةَ كُلَّهَا بَلِ الْعَالَمَ كُلَّهُ، فَتَتَزَيَّنُ فِيهِ الْجَنَّةُ وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَتَتَضَاعَفُ فِيهِ الْأَعْمَالُ. وَكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ مِنْهُ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْبَدْءُ اخْتَصَّهَا تَعَالَى عَنْ بَقِيَّةِ لَيَالِي الشَّهْرِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [٩٧ \ ١] السُّورَةَ بِتَمَامِهَا. مَسْأَلَةٌ. لَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْقَوْلَ فِي اعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَاتِ فِي الْإِسْلَامِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَوَقَعَ فِيهَا الْإِفْرَاطُ وَالتَّفْرِيطُ، وَكَمَا قِيلَ: كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ وَمُنْطَلَقًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، نُقَدِّمُ هَذِهِ النُّبْذَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ بِالتَّأَمُّلِ فِي الشَّرْعِ وَأَحْدَاثِ الْإِسْلَامِ عَامَّةً وَخَاصَّةً، أَيْ فِي عُمُومِ الْأُمَمِ وَخُصُوصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، نَجِدُ الْمُنَاسَبَاتِ قِسْمَيْنِ: مُنَاسَبَةٌ مُعْتَبَرَةٌ عُنِيَ بِهَا الشَّرْعُ لِمَا فِيهَا مِنْ عِظَةٍ وَذِكْرَى تَتَجَدَّدُ مَعَ تَجَدُّدٍ الْأَيَّامِ وَالْأَجْيَالِ، وَتَعُودُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ بِالتَّزَوُّدِ مِنْهَا. وَمُنَاسَبَةٌ لَمْ تُعْتَبَرْ، إِمَّا لِاقْتِصَارِهَا فِي ذَاتِهَا وَعَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الْأَفْرَادِ مُسَايَرَتَهَا. فَمِنَ الْأَوَّلِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْيَوْمِ فِي سُورَةِ «الْجُمُعَةِ» ، وَكَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَقَدْ عُنِيَ بِهَا الْإِسْلَامُ فِي الْحَثِّ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمُنَوَّهِ عَنْهَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَفِي الْحَثِّ عَلَى أَدَائِهَا وَالْحَفَاوَةِ بِهَا مِنَ اغْتِسَالٍ وَطِيبٍ وَتَبْكِيرٍ إِلَيْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الْجُمُعَةِ» . وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا إِفْرَاطٍ، فَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِهَا وَحْدَهُ، دُونَ أَنْ يُسْبَقَ بِصَوْمٍ قَبْلَهُ، أَوْ يُلْحَقَ بِصَوْمٍ بَعْدَهُ، كَمَا نَهَى عَنْ إِفْرَادِ لَيْلَتِهَا بِقِيَامٍ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ مُتَضَافِرَةٌ ثَابِتَةٌ، فَكَانَتْ مُنَاسَبَةً مُعْتَبَرَةً مَعَ اعْتِدَالٍ وَتَوَجُّهٍ إِلَى اللَّهِ، أَيْ بِدُونِ إِفْرَاطٍ أَوْ تَفْرِيطٍ.

стр. 3917

وَمِنْهَا يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ كَمَا أَسْلَفْنَا، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِهِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، فَقَالَ: «هَذَا يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَعَلَيَّ فِيهِ أُنْزِلَ» ، وَكَانَ يَوْمَ وُصُولِهِ الْمَدِينَةَ فِي الْهِجْرَةِ، وَكَانَ يَوْمَ وَفَاتِهِ ﷺ ، فَقَدِ احْتَفَى بِهِ ﷺ لِلْمُسَبَّبَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَكُلُّهَا أَحْدَاثٌ عِظَامٌ وَمُنَاسَبَاتٌ جَلِيلَةٌ. فَيَوْمُ مَوْلِدِهِ ﷺ وَقَعَتْ مَظَاهِرُ كَوْنِيَّةٌ ابْتِدَاءً مِنْ وَاقِعَةِ أَبْرَهَةَ، وَإِهْلَاكِ جَيْشِهِ إِرْهَاصًا بِمَوْلِدِهِ ﷺ ، ثُمَّ ظُهُورُ نَجْمٍ بَنِي الْخِتَانِ، وَحَدَّثَتْ أُمُّهُ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ فِيمَا قِيلَ: أَنَّهَا أُتِيَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ ﷺ ، فَقِيلَ لَهَا: «إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ فَقُولِي: أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ ثُمَّ سَمِّيهِ مُحَمَّدًا» ، وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَّهَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ وَهُوَ غُلَامٌ سَمِعَ يَهُودِيًّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أُطْمَةٍ بِيَثْرِبَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، قَالُوا: وَيْلَكَ! مَا لَكَ؟ ، قَالَ: طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ. وَسَاقَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي خَصَائِصِهِ، وَابْنُ هِشَامٍ فِي سِيرَتِهِ أَخْبَارًا عَدِيدَةً مِمَّا شَهِدَهُ الْعَالَمُ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ ﷺ ، نُوجِزُ مِنْهَا الْآتِي: عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّ أُمَّهُ حَضَرَتْ مَوْلِدَهُ ﷺ ، قَالَتْ: فَمَا شَيْءٌ أَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي الْبَيْتِ إِلَّا نُورٌ، وَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدْنُو حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: لَيَقَعْنَ عَلَيَّ. وَعَنْ أَبِي الْحَكَمِ التَّنُوخِيِّ، قَالَ: كَانَ الْمَوْلُودُ إِذَا وُلِدَ فِي قُرَيْشٍ دَفَعُوهُ إِلَى نِسْوَةٍ إِلَى الصُّبْحِ يَكْفَأْنَ عَلَيْهِ بُرْمَةً، فَأَكْفَأْنَ عَلَيْهِ ﷺ بُرْمَةً، فَانْفَلَقَتْ عَنْهُ، وَوُجِدَ مَفْتُوحَ الْعَيْنَيْنِ، شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَدْ كَانَ لِمَوْلِدِهِ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْكَوْنِيَّةِ مَا لَفَتَ أَنْظَارَ الْعَالَمِ كُلِّهِ. ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ مِنْهَا انْكِفَاءَ الْأَصْنَامِ عَلَى وُجُوهِهَا، وَارْتِجَاسَ إِيوَانِ كِسْرَى، وَسُقُوطَ بَعْضِ شُرَفِهِ، وَخُمُودَ نَارِ فَارِسَ، وَلَمْ تُخْمَدْ قَبْلَهَا، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِرْهَاصٌ بِتَكْسِيرِ الْأَصْنَامِ وَانْتِشَارِ الْإِسْلَامِ، وَدُخُولِ الْفُرْسِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ

стр. 3918

عَلَيْهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ. الْحَفَاوَةُ بِهَذَا الْيَوْمِ. لَا شَكَّ أَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَشْهَدْ حَدَثَيْنِ أَعْظَمَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ: مَوْلِدِ سَيِّدِ الْخَلْقِ، وَبَدْءِ إِنْزَالِ أَفْضَلِ الْكُتُبِ، فَكَانَ ﷺ يَحْتَفِي بِهِ، وَذَلِكَ بِصِيَامِهِ، وَهُوَ الْعَمَلُ الْمَشْرُوعُ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنْ شُعُورِهِ فِيهِ، وَالْعِبَادَةُ الْخَالِصَةُ الَّتِي يَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى بِهَا عَلَى هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ. أَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ احْتِفَالَاتٍ وَمَظَاهِرَ، فَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَا فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَلَا الثَّانِي، وَلَا الثَّالِثِ، وَهِيَ الْقُرُونُ الْمَشْهُودُ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَأَوَّلُ إِحْدَاثِهِ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ. وَقَدِ افْتَرَقَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ يُنْكِرُهُ، وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُهُ ; لِعَدَمِ فِعْلِ السَّلَفِ إِيَّاهُ، وَلَا مَجِيءِ أَثَرٍ فِي ذَلِكَ. وَفَرِيقٌ يَرَاهُ جَائِزًا ; لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَقَدْ يُشَدِّدُ كُلُّ فَرِيقٍ عَلَى الْآخَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. لِابْنِ تَيْمِيَةَ فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ كَلَامٌ وَسَطٌ فِي غَايَةِ الْإِنْصَافِ، نُورِدُ مُوجَزَهُ لِجَزَالَتِهِ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي فَصْلٍ قَدْ عَقَدَهُ لِلْأَعْيَادِ الْمُحْدَثَةِ: فَذَكَرَ أَوَّلَ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَعِيدَ خُمٍّ فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، حَيْثُ خَطَبَ ﷺ ، وَحَثَّ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَبِأَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ أَتَى إِلَى عَمَلِ الْمَوْلِدِ، فَقَالَ: وَكَذَلِكَ مَا يُحْدِثُهُ بَعْضُ النَّاسِ إِمَّا مُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى فِي مِيلَادِ عِيسَى ﵇، وَإِمَّا مَحَبَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَاللَّهُ قَدْ يُثِيبُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمَحَبَّةِ وَالِاجْتِهَادِ لَا عَلَى الْبِدَعِ مِنَ اتِّخَاذِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ عِيدًا، مَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي مَوْلِدِهِ، أَيْ: فِي رَبِيعٍ أَوْ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ ﵃ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لَهُ وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهُ. وَلَوْ كَانَ هَذَا خَيْرًا مَحْضًا أَوْ رَاجِحًا لَكَانَ السَّلَفُ ﵃ أَحَقَّ بِهِ مِنَّا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَعْظِيمًا لَهُ مِنَّا، وَهُمْ عَلَى الْخَيْرِ أَحْرَصُ. وَإِنَّمَا كَمَالُ مَحَبَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ فِي مُتَابَعَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَإِحْيَاءِ سُنَّتِهِ بَاطِنًا

стр. 3919

وَظَاهِرًا، وَنَشْرِ مَا بُعِثَ بِهِ، وَالْجِهَادِ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَلْبِ وَالْيَدِ وَاللِّسَانِ، فَإِنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَاهُمْ حُرَصَاءَ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْبِدَعِ، مَعَ مَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ حُسْنِ الْقَصْدِ وَالِاجْتِهَادِ الَّذِي يُرْجَى لَهُمْ بِهِ الْمَثُوبَةُ تَجِدُونَهُمْ فَاتِرِينَ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ عَمَّا أُمِرُوا بِالنَّشَاطِ فِيهِ. وَإِنَّمَا هُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُحَلِّي الْمُصْحَفَ وَلَا يَقْرَأُ فِيهِ وَلَا يَتَّبِعُهُ. وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ يُزَخْرِفُ الْمَسْجِدَ وَلَا يُصَلِّي فِيهِ، أَوْ يُصَلِّي فِيهِ قَلِيلًا، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ يَتَّخِذُ الْمَسَابِيحَ وَالسَّجَاجِيدَ الْمُزَخْرَفَةِ، وَأَمْثَالَ هَذِهِ الزَّخَارِفِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ وَيَصْحَبُهَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ، وَالِاشْتِغَالِ عَنِ الْمَشْرُوعِ مَا يُفْسِدُ حَالَ صَاحِبِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَشْرُوعِ. وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ بِدْعَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ رَسَمَ طَرِيقَ الْعَمَلِ السَّلِيمِ لِلْفَرْدِ فِي نَفْسِهِ وَالدَّاعِيَةِ مَعَ غَيْرِهِ، فَقَالَ: فَعَلَيْكَ هُنَا بِأَدَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حِرْصُكَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. الثَّانِي: أَنْ تَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى السُّنَّةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ; فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يَعْمَلُ هَذَا وَلَا يَتْرُكُهُ إِلَّا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ، فَلَا تَدْعُو إِلَى تَرْكِ مُنْكَرٍ بِفِعْلِ مَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، أَوْ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ تَرْكُهُ أَضْمَرُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ. وَلَكِنْ إِذَا كَانَ فِي الْبِدْعَةِ نَوْعٌ مِنَ الْخَيْرِ، فَعَوِّضْ عَنْهُ مِنَ الْخَيْرِ الْمَشْرُوعِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، إِذِ النُّفُوسُ لَا تَتْرُكُ شَيْئًا إِلَّا بِشَيْءٍ. وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ خَيْرًا إِلَّا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى خَيْرٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الْفَاعِلِينَ لِهَذِهِ الْبِدَعِ مَعِيبُونَ، قَدْ أَتَوْا مَكْرُوهًا فَالتَّارِكُونَ أَيْضًا لِلسُّنَنِ مَذْمُومُونَ. وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُنْكِرِينَ لِبِدَعِ الْعِبَادَاتِ تَجِدُهُمْ مُقَصِّرِينَ فِي فِعْلِ السُّنَنِ مِنْ ذَلِكَ أَوِ الْأَمْرِ بِهِ. . . وَلَعَلَّ حَالَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ يَكُونُ أَسْوَأَ مِنْ حَالِ مَنْ يَأْتِي بِتِلْكَ الْعَادَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْكَرَاهَةِ، بَلِ الدِّينُ هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَتَعْظِيمُ الْمَوْلِدِ وَاتِّخَاذُهُ مَوْسِمًا قَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ لِحُسْنِ قَصْدِهِ وَتَعْظِيمِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا قَدَّمْتُهُ لَكَ أَنَّهُ يَحْسُنُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ مَا يُسْتَقْبَحُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الْمُسَدِّدِ.

стр. 3920

وَلِهَذَا قِيلَ لِأَحْمَدَ: إِنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ يُنْفِقُ عَلَى مُصْحَفٍ أَلْفَ دِينَارٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَعْهُ، فَهَذَا أَفْضَلُ مَا أُنْفِقَ فِيهِ الذَّهَبُ، أَوْ كَمَا قَالَ، مَعَ أَنَّ مَذْهَبَهُ: أَنَّ زَخْرَفَةَ الْمَصَاحِفِ مَكْرُوهَةٌ، فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، وَإِلَّا اعْتَاضُوا عَنْهُ الْفَسَادَ الَّذِي لَا صَلَاحَ فِيهِ مِثْلَ أَنْ يُنْفِقَهَا فِي كُتُبِ فُجُورٍ، كَكُتُبِ الْأَسْمَارِ وَالْأَصْفَارِ، أَوْ حِكْمَةِ فَارِسَ وَالرُّومِ. وَمَرَاتِبُ الْأَعْمَالِ ثَلَاثٌ: إِحْدَاهَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْمَشْرُوعُ الَّذِي لَا كَرَاهَةَ فِيهِ. وَالثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنْ بَعْضِ وُجُوهِهِ أَوْ أَكْثَرِهَا، إِمَّا لِحُسْنِ الْقَصْدِ، أَوْ لِاشْتِمَالِهِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَشْرُوعِ. وَالثَّالِثَةُ: مَا لَيْسَ فِيهِ صَلَاحٌ أَصْلًا. فَأَمَّا الْأُولَى: فَهِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ أَعْمَالُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي طُرُقِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى عِلْمٍ أَوْ عِبَادَةٍ، وَمِنَ الْعَامَّةِ أَيْضًا، وَهَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِمَّا لَا يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا مَشْرُوعًا وَلَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَمَعَ هَذَا فَالْمُؤْمِنُ يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرُ الْمُنْكَرَ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ لَهُ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ، وَلَا مُخَالَفَةُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا اهـ. لَقَدْ عَالَجَ ﵀ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِحِكْمَةِ الدَّاعِي وَسِيَاسَةِ الدَّعْوَةِ مِمَّا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلْكَلَامِ فِيهَا. وَلَكِنْ قَدْ حَدَثَ بَعْدَهُ ﵀ أُمُورٌ لَمْ تَكُنْ مِنْ قَبْلُ، ابْتُلِيَ بِهَا الْعَالَمُ الْغَرْبِيُّ، وَغَزَا بِهَا الْعَالَمَ الشَّرْقِيَّ، وَلُبِّسَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ تِلْكَ الْمَبَادِئُ الْهَدَّامَةُ وَالْغَزْوُ الْفِكْرِيُّ، وَإِبْرَازُ شَخْصِيَّاتٍ ذَاتِ مَبَادِئَ اقْتِصَادِيَّةٍ أَوْ فَسَلَفِيَّةٍ، ارْتَفَعَ شَأْنُهَا فِي قَوْمِهِمْ، وَنُفِثَتْ سُمُومُهُمْ إِلَى بَنِي جِلْدَتِنَا، وَصَارُوا يُقِيمُونَ لَهُمُ الذِّكْرَيَاتِ، وَيُقَدِّمُونَ عَنْهُمُ الدِّرَاسَاتِ جَهْلًا أَوْ تَضْلِيلًا، فَقَامَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: نَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْلِدَ لَيْسَ سُنَّةً نَبَوِيَّةً، وَلَا طَرِيقًا سَلَفِيًّا، وَلَا عَمَلَ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ مُقَابَلَةَ الْفِكْرَةِ بِالْفِكْرَةِ، وَالذِّكْرَيَاتِ بِالذِّكْرَى، لِنَجْمَعَ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ

стр. 3921

عَلَى سِيرَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ: يُحْدَثُ لِلنَّاسِ مِنَ الْأَحْكَامِ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثَتْ مِنَ الْبِدَعِ إِلَى آخِرِهِ. وَهُنَا لَا يَنْبَغِي الْإِسْرَاعُ فِي الْجَوَابِ، وَلَكِنِ انْطِلَاقًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ الْمُتَقَدِّمِ، يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ إِحْيَاءَ الذِّكْرَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِأَوْسَعِ نِطَاقٍ ; حَيْثُ قَرَنَ ذِكْرَهُ ﷺ مَعَ ذِكْرِهِ تَعَالَى فِي الشَّهَادَتَيْنِ، مَعَ كُلِّ أَذَانٍ عَلَى كُلِّ مَنَارَةٍ مِنْ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَفِي كُلِّ إِقَامَةٍ لِأَدَاءِ صَلَاةٍ، وَفِي كُلِّ تَشَهُّدٍ فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ مِمَّا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِينَ مَرَّةً جَهْرًا وَسِرًّا. جَهْرًا يَمْلَأُ الْأُفُقَ، وَسِرًّا يَمْلَأُ الْقَلْبَ وَالْحِسَّ. ثُمَّ تَأْتِي الذِّكْرَى الْعَمَلِيَّةُ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ: فِي الْمَأْكَلِ بِالْيَمِينِ ; لِأَنَّهُ السُّنَّةُ، وَفِي الْمَلْبَسِ فِي التَّيَامُنِ ; لِأَنَّهُ السُّنَّةُ، وَفِي الْمَضْجَعِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ ; لِأَنَّهُ السُّنَّةُ، وَفِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ وَفِي كُلِّ حَرَكَاتِ الْعَبْدِ وَسَكَنَاتِهِ إِذَا رَاعَى فِيهَا أَنَّهَا السُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ التَّعْبِيرَ عَنِ الْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةُ هِيَ عُنْوَانُ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ، كَمَا قَالَ ﷺ : «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ، وَمَالِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ طَاعَةُ مَنْ تُحِبُّ، وَفِعْلُ مَا يُحِبُّهُ، وَتَرْكُ مَا لَا يَرْضَاهُ أَوْ لَا يُحِبُّهُ، وَمِنْ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَا يُلَابِسُ عَمَلَ الْمَوْلِدِ مِنْ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَاخْتِلَاطٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَأَعْمَالٍ فِي أَشْكَالٍ لَا أَصْلَ لَهَا، يَجِبُ تَرْكُهُ وَتَنْزِيهُ التَّعْبِيرِ عَنْ مَحَبَّتِهِ ﷺ عَمَّا لَا يَرْضَاهُ ﷺ . وَقَدْ كَانَ ﷺ يُكَرِّمُ هَذَا الْيَوْمَ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مُقَابَلَةَ فِكْرَةٍ بِفِكْرَةٍ. فَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ، وَلَا مُوجِبَ لِلرَّبْطِ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا، كَبُعْدِ الْحَقِّ عَنِ الْبَاطِلِ وَالظُّلْمَةِ عَنِ النُّورِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَلَا مُوجِبَ لِلتَّقْيِيدِ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ الْعَامُ كُلُّهُ لِإِقَامَةِ الدِّرَاسَاتِ فِي السِّيرَةِ، وَتَعْرِيفِ الْمُسْلِمِينَ النَّاشِئَةَ مِنْهُمْ وَالْعَوَامَّ وَغَيْرَهُمْ بِمَا تُرِيدُهُ مِنْ دِرَاسَةٍ لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَخِتَامًا ; فَبَدَلًا مِنَ الْمَوْقِفِ السَّلْبِيِّ عِنْدَ التَّشْدِيدِ فِي النَّكِيرِ، أَنْ يَكُونَ عَمَلًا إِيجَابِيًّا فِيهِ حِكْمَةٌ وَتَوْجِيهٌ لِمَا هُوَ أَوْلَى بِحَسَبِ الْمُسْتَطَاعِ، كَمَا قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ. وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمِنَ الْمُنَاسَبَاتِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لِبَدْءِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فِيهَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [٩٧ \ ١]

стр. 3922

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى مِقْدَارَهَا بِقَوْلِهِ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [٩٧ \ ٣] ، وَبَيَّنَ خَوَاصَّهَا بِقَوْلِهِ: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [٩٧ \ ٤ - ٥] . الْحَفَاوَةُ بِهَا. لَقَدْ بَيَّنَ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَفِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» ، وَكَانَ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ كُلَّهَا ; الْتِمَاسًا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَكَانَ يُحْيِيهَا قَائِمًا فِي مُعْتَكَفِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَإِذَا جَاءَ الْعَشْرُ: شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَطَوَى فِرَاشَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» ، فَلَمْ يَكُنْ يَمْرَحُ وَلَا يَلْعَبُ وَلَا حَتَّى نَوْمٌ، بَلِ اجْتِهَادٌ فِي الْعِبَادَةِ. وَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِكَامِلِهِ ; لِكَوْنِهِ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أَيْضًا، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، فَكَانَ تَكْرِيمُهُ بِصَوْمِ نَهَارِهِ وَقِيَامِ لَيْلِهِ، لَا بِالْمَلَاهِي وَاللُّعَبِ وَالْحَفَلَاتِ، كَمَالُهُ بَعْضٌ صَارَ يُعِدُّ النَّاسُ وَسَائِلَ تَرْفِيهٍ خَاصَّةٍ، فَيَعْكِسُ فِيهِ الْقَصْدَ وَيُخَالِفُ الْمَشْرُوعَ. وَمِنَ الْمُنَاسَبَاتِ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، لَقَدْ كَانَ لَهُ تَارِيخٌ قَدِيمٌ وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُعَظِّمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكْسُو فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَلَمَّا قَدِمَ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَ تَصُومُونَهُ؟» ، فَقَالُوا: يَوْمًا نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ، فَصَامَهُ شُكْرًا لِلَّهِ فَصُمْنَاهُ. فَقَالَ ﷺ : «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. إِنَّهَا مُنَاسَبَةٌ عُظْمَى: نَجَاةُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ، نُصْرَةُ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَنَصْرُ جُنْدِ اللَّهِ وَإِهْلَاكُ جُنْدِ الشَّيْطَانِ. وَهَذَا بِحَقٍّ مُنَاسِبَةٌ يَهْتَمُّ لَهَا كُلُّ مُسْلِمٍ. وَلِذَا قَالَ ﷺ : «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ» . وَقَدْ كَانَ صِيَامُهُ فَرْضًا حَتَّى نُسِخَ بِفَرْضِ رَمَضَانَ، وَهَكَذَا مَعَ عِظَمِ مُنَاسَبَتِهِ مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ، كَانَ ابْتِهَاجُ مُوسَى ﵇ بِهِ فِي صِيَامِهِ شُكْرًا لِلَّهِ. وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ السَّلِيمُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْكَرِيمَةُ، لَا مَا يُحْدِثُهُ بَعْضُ الْعَوَامِّ وَالْجُهَّالِ مِنْ مَظَاهِرَ وَأَحْدَاثٍ لَا أَصْلَ لَهَا، ثُمَّ يَأْتِي الْعَمَلُ الْأَعَمُّ وَالْمُنَاسَبَاتُ

стр. 3923

الْمُتَعَدِّدَةُ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ مِنْهَا الْهَرْوَلَةُ فِي الطَّوَافِ، لَقَدْ كَانَتْ عَنْ مُؤَامَرَةِ قُرَيْشٍ فِي عَزْمِهَا عَلَى الْغَدْرِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، فَأَمَرَهُمْ ﷺ أَنْ يُظْهِرُوا النَّشَاطَ فِي الطَّوَافِ، وَذَلِكَ حِينَمَا جَاءَ الشَّيْطَانُ لِقُرَيْشٍ وَقَالَ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، جَاءُوا إِلَيْكُمْ وَقَدْ أَنْهَكَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَلَوْ مِلْتُمْ عَلَيْهِمْ لَاسْتَأْصَلْتُمُوهُمْ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ الْمَوْقِفُ خَطِيرًا جِدًّا وَحَرِجًا ; حَيْثُ لَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا سَبِيلَ لِلِانْسِحَابِ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِتْمَامِ الْعُمْرَةِ. فَكَانَ التَّصَرُّفُ الْحَكِيمُ، أَنْ يَعْكِسُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ نَظَرِيَّتَهُمْ، وَيَأْتُونَهُمْ مِنَ الْبَابِ الَّذِي أَتَوْا مِنْهُ. فَقَالَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «أَرُوهُمُ الْيَوْمَ مِنْكُمْ قُوَّةً» ، فَهَرْوَلُوا فِي الطَّوَافِ، وَأَظْهَرُوا قُوَّةً وَنَشَاطًا مِمَّا أَدْهَشَ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى قَالُوا: وَاللَّهِ مَا هَؤُلَاءِ بِإِنْسٍ إِنَّهُمْ لَكَالْجِنِّ «، وَفَوَّتُوا عَلَيْهِمُ الْفُرْصَةَ بِذَلِكَ، وَسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ. فَهُوَ أَشْبَهُ بِمَوْقِفِ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ، فَنَجَّى اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ غَدْرِ قُرَيْشٍ، فَكَانَ هَذَا الْعَمَلُ مُخَلَّدًا وَمَشْرُوعًا فِي كُلِّ طَوَافِ قُدُومٍ حَتَّى الْيَوْمَ، مَعَ زَوَالِ السَّبَبِ حَيْثُ هَرْوَلَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَتَيْنِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: بَقِيَ هَذَا الْعَمَلُ ; تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلًا، وَتَذَكَّرُوا لِهَذَا الْمَوْقِفِ وَمَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي بَادِئِ الدَّعْوَةِ. وَجَاءَ السَّعْيُ وَالْهَرْوَلَةُ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَجْدِيدِ الْيَقِينِ بِاللَّهِ، حَيْثُ تُرِكَتْ هَاجَرُ، وَهِيَ مِنْ سَادَةِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ وَالَّتِي قَالَتْ لِإِبْرَاهِيمَ: اذْهَبْ فَلَنْ يُضَيِّعَنَا اللَّهُ. تُرِكَتْ حَتَّى سَعَتْ إِلَى نِهَايَةِ الْعَدَدِ، كَمَا يَقُولُ عُلَمَاءُ الْفَرَائِضَ وَهُوَ سَبْعَةٌ. إِذْ كَلُّ عَدَدٍ بَعْدَهُ تَكْرَارٌ لِمُكَرَّرٍ قَبْلَهُ، كَمَا قَالُوا فِي عَدَدِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَحَصَى الْجِمَارِ، وَأَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. إلخ. وَذَلِكَ لِتَصِلَ إِلَى أَقْصَى الْجُهْدِ، وَتَنْقَطِعَ أَطْمَاعُهَا مِنْ غَوْثٍ يَأْتِيهَا مِنَ الْأَرْضِ، فَتَتَّجِهُ بِقُوَّةِ الْيَقِينِ وَشِدَّةِ الضَّرَاعَةِ إِلَى السَّمَاءِ، وَتَتَوَجَّهُ بِكُلِّيَّتِهَا وَإِحْسَاسِهَا بِقَلْبِهَا وَقَالَبِهَا إِلَى اللَّهِ. فَيَأْتِيهَا الْغَوْثُ الْأَعْظَمُ سَقْيًا لَهَا وَلِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهَا. فَكَانَ ذَلِكَ دَرْسًا عَمَلِيًّا ظَلَّ إِحْيَاؤُهُ تَجْدِيدًا لَهُ. وَهَكَذَا النَّحْرُ، وَقِصَّةُ الْفِدَاءِ لِمَا كَانَ فِيهِ دَرْسُ الْأُمَّةِ لِأَفْرَادِهَا وَجَمَاعَتِهَا فِي أُسْرَةٍ

стр. 3924

كَامِلَةٍ. وَالِدٌ وَوَالِدَةٌ، وَوَلَدٌ كَلٌّ يُسَلِّمُ قِيَادَهُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَإِلَى أَقْصَى حَدِّ التَّضْحِيَةِ حِينَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ مَا قَصَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا: يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى [٣٧ \ ١٠٢] . إِنَّهُ حَدَثٌ خَطِيرٌ، وَأَيُّ رَأْيٍ لِلْوَلَدِ فِي ذَبْحِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ التَّمْهِيدُ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَكَانَ مَوْقِفُ الْوَلَدِ لَا يَقِلُّ إِكْبَارًا عَنْ مَوْقِفِ الْوَالِدِ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [٣٧ \ ١٠٢] ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَرْضًا وَقَبُولًا فَحَسْبُ، بَلْ جَاءَ وَقْتُ التَّنْفِيذِ إِلَى نُقْطَةِ الصِّفْرِ كَمَا يُقَالُ. وَالْكُلُّ مَاضٍ فِي سَبِيلِ التَّنْفِيذِ: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [٣٧ \ ١٠٣] ، يَا لَهُ مِنْ مَوْقِفٍ يَعْجَزُ كُلُّ بَيَانٍ عَنْ تَصْوِيرِهِ وَيَئِطُّ كُلُّ قَلَمٍ عَنْ تَفْسِيرِهِ، وَيَثْقُلُ كُلُّ لِسَانٍ عَنْ تَعْبِيرِهِ، شَيْخٌ فِي كِبَرِ سِنِّهِ يَحْمِلُ سِكِّينًا بِيَدِهِ، وَيَتِلُّ وَلَدَهُ وَضَنَاهُ بِالْأُخْرَى، كَيْفَ قَوِيَتْ يَدُهُ عَلَى حَمْلِ السِّكِّينِ، وَقَوِيَتْ عَيْنَاهُ عَلَى رُؤْيَتِهَا فِي يَدِهِ، وَكَيْفَ طَاوَعَتْهُ يَدُهُ الْأُخْرَى عَلَى تَلِّ وَلَدِهِ عَلَى جَبِينِهِ؟ إِنَّهَا قُوَّةُ الْإِيمَانِ وَسُنَّةُ الِالْتِزَامِ، وَهَا هُوَ الْوَلَدُ مَعَ أَبِيهِ طَوْعَ يَدِهِ، يَتَصَبَّرُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَيَسْتَسْلِمُ لِقَضَاءِ اللَّهِ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [٣٧ \ ١٠٢] ، وَالْمَوْقِفُ الْآنَ وَالِدٌ بِيَدِهِ السِّكِّينُ، وَوَلَدٌ مُلْقًى عَلَى الْجَبِينِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا تَوَقُّفُ الْأَنْفَاسِ لِلَحْظَةِ التَّنْفِيذِ، وَلَكِنْ - رَحْمَةُ اللَّهِ - أَوْسَعُ، وَفَرَجُهُ مِنْ عِنْدِهِ أَقْرَبُ: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [٣٧ \ ١٠٤ - ١٠٥] . فَكَانَتْ مُنَاسَبَةً عَظِيمَةً وَفَائِدَتُهَا كَبِيرَةٌ، خَلَّدَهَا الْإِسْلَامُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحِيَّةِ. وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ، إِلَى آخِرِهِ، وَهَكَذَا كُلُّهَا فِي مَنَاسِكَ وَعِبَادَةٍ وَقُرْبَةٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَجَرُّدٍ وَانْقِطَاعٍ، وَدَوَامِ ذِكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى. وَهُنَاكَ أَحْدَاثٌ جِسَامٌ وَمُنَاسَبَاتٌ عِظَامٌ، لَا تِقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ سَابِقَاتِهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا الْإِسْلَامُ أَيَّ ذِكْرَى، كَمَا فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. لَقَدْ كَانَ هَذَا الصُّلْحُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَاسَبَاتِ فِي الْإِسْلَامِ، إِذْ كَانَ فِيهِ انْتِزَاعُ اعْتِرَافِ قُرَيْشٍ بِالْكِيَانِ الْإِسْلَامِيِّ مَائِلًا فِي الصُّلْحِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي وُثِّقَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [٤٨ \ ٢٧] .

стр. 3925

وَنَزَلَتْ سُورَةُ» الْفَتْحِ «فِي عَوْدَتِهِ ﷺ مِنْ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَكَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ كَانَ يَوْمَ الْفُرْقَانِ، فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَنَصَرَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قِلَّتِهِمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَتَحْطِيمِ الْأَصْنَامِ، وَالْقَضَاءِ نِهَائِيًّا عَلَى دَوْلَةِ الشِّرْكِ فِي الْبِلَادِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ لَيْلَةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ وَنُزُولِهِ فِي الْغَارِ، إِذْ كَانَ فِيهَا نَجَاتُهُ ﷺ مِنْ فَتْكِ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ الصَّدِّيقُ وَهُمَا فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْغَارِ، حِينَمَا كَانَ يَسِيرُ أَحْيَانًا أَمَامَ الرَّسُولِ ﷺ وَأَحْيَانًا خَلْفَهُ، فَسَأَلَ ﷺ فَقَالَ: أَتَذَكَّرُ الرَّصَدَ فَأَكُونُ أَمَامَكَ، وَأَتَذَكَّرُ الطَّلَبَ فَأَكُونُ خَلْفَكَ، فَقَالَ ﷺ :» أَتُرِيدُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَكُونُ فِيكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ «. فَقُلْتُ: نَعَمْ ; فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ; فَإِنِّي إِنْ أَهْلِكْ أَهْلِكْ وَحْدِي، وَإِنْ تُصَبْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَبِ الدَّعْوَى مَعَكَ» . وَكَذَلِكَ وُصُولُهُ ﷺ الْمَدِينَةَ بِدَايَةُ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ وَبِنَاءُ كِيَانِ أُمَّةٍ جَدِيدَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلِ الْإِسْلَامُ لِذَلِكَ كُلِّهِ عَمَلًا خَاصًّا بِهِ وَالنَّاسُ فِي إِبَّانِهَا تَأْخُذُهُمْ عَاطِفَةُ الذِّكْرَى، وَيَجُرُّهُمْ حَنِينُ الْمَاضِي وَتَتَرَاءَى لَهُمْ صَفَحَاتُ التَّارِيخِ، فَهَلْ يَقِفُونَ صُمًّا بُكْمًا أَمْ يَنْطِقُونَ بِكَلِمَةِ تَعْبِيرٍ؟ وَشُكْرٍ لِلَّهِ إِنَّهُ إِنْ يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْمُنْكَرِ، وَمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ وَلَا رَسُولَهُ. إِنَّهُ إِنْ يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ، فَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنَ الْمَنْهَجِ الَّذِي رَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُنَاسَبَاتِ مِنْ عِبَادَةٍ فِي: صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهَا بِمَا يُقَالُ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ حَيْثُ كَانَتْ. وَكَانَ عَهْدُ التَّشْرِيعِ وَلَمْ يُشْرَعْ فِي خُصُوصِهَا شَيْءٌ، وَهَلِ الْأَمْرُ فِيهَا كَالْأَمْرِ فِي الْمَوْلِدِ، وَتَكُونُ ضِمْنَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٥١ \ ٥٥] ، وَضِمْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [٥٩ \ ٢] رَأْيٌ بِقِصَصِ الْمَاضِينَ. وَنَحْنُ أَيْضًا نَقُصُّ عَلَى أَجْيَالِنَا بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ، أَهَمَّ أَحْدَاثِ الْإِسْلَامِ لِاسْتِخْلَاصِ الْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا مَا يَتَيَسَّرُ إِيرَادُهُ بِإِيجَازٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. تَنْبِيهٌ. مِمَّا يُعْتَبَرُ ذَا صِلَةٍ بِهَذَا الْمَبْحَثِ فِي الْجُمْلَةِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ عِنْدَ كَلَامِهِ عَلَى
следующие страницы →