← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، شَامِلٌ لِهَذَا كُلِّهِ، إِذَا كَانَ هَذَا كُلُّهُ شَأْنَ الْقَلَمِ وَعِظَمَ أَمْرِهِ، وَعَظِيمَ الْمِنَّةِ بِهِ عَلَى الْأُمَّةِ، بَلَى وَعَلَى الْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. وَقَدِ افْتُتِحَتِ الرِّسَالَةُ بِالْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ، فَلِمَاذَا لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أَعْلَنَ عَنْ هَذَا الْفَضْلِ كُلِّهِ لِلْقَلَمِ! لَمْ يَكُنْ هُوَ كَاتِبًا بِهِ، وَلَا مِنْ أَهْلِهِ بَلْ هُوَ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [٦٢ \ ٢] . وَالْجَوَابُ: أَنَّا أَشَرْنَا أَوَّلًا إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ، وَهِيَ أَنَّهُ أَكْمَلُ لِلْمُعْجِزَةِ، حَيْثُ أَصْبَحَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ مُعَلِّمًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [٣ \ ١٦٤] . وَثَانِيًا: لَمْ يَكُنْ هَذَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ مُغْفِلًا شَأْنَ الْقَلَمِ، بَلْ عَنَى بِهِ كُلَّ الْعِنَايَةِ، وَأَوَّلُهَا وَأَعَظُهُمَا أَنَّهُ اتَّخَذَ كُتَّابًا لِلْوَحْيِ يَكْتُبُونَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يَحْفَظُهُ وَيَضْبُطُهُ، وَتَعَهَّدَ اللَّهُ لَهُ بِحِفْظِهِ وَبِضَبْطِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [٨٧ \ ٦ - ٧] ، حَتَّى الَّذِي يَنْسَاهُ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [٢ \ ١٠٦] ، وَوَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِحِفْظِهِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [١٥ \ ٩] . وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ يَأْمُرُ بِكِتَابَةِ هَذَا الْمَحْفُوظِ وَكَانَ لَهُ عِدَّةُ كُتَّابٍ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْعِنَايَةِ بِالْقَلَمِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ مِنَ الْكُتَّابِ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ، وَمَعَهُمْ تَتِمَّةُ سَبْعَةَ عَشَرَ شَخْصًا، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ ﷺ فِي عِنَايَتِهِ بِالْقَلَمِ وَالتَّعْلِيمِ بِهِ عِنْدَ كِتَابَةِ الْوَحْيِ، بَلْ جَعَلَ التَّعْلِيمَ بِهِ أَعَمَّ، كَمَا جَاءَ خَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ الْكِتَابَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ كَاتِبًا مُحْسِنًا» ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّرْتِيبَاتِ الْإِدَارِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «عَلَّمَتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَةَ وَالْقُرْآنَ» . وَقَدْ كَانَتْ دَعْوَتُهُ ﷺ الْمُلُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْكِتَابَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ أُسَارَى بَدْرٍ، حَيْثُ كَانَ يُفَادِي بِالْمَالِ مَنْ يَقْدِرُ

стр. 4132

عَلَى الْفِدَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ، وَكَانَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ كَانَتْ مُفَادَاتُهُ أَنْ يُعَلِّمَ عَشَرَةً مِنَ الْغِلْمَانِ الْكِتَابَةَ، فَكَثُرَتِ الْكِتَابَةُ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ مِمَّنْ تَعَلَّمَ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُ. فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ فِي بَادِئِ أَمْرِهِمْ وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى الْمَالِ وَالسِّلَاحِ، بَلْ وَاسْتِرْقَاقِ الْأُسَارَى، فَيُقَدِّمُونَ تَعْلِيمَ الْغِلْمَانِ الْكِتَابَةَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، لَيَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: شِدَّةُ وَزِيَادَةُ الْعِنَايَةِ بِالتَّعْلِيمِ. وَثَانِيهِمَا: جَوَازُ تَعْلِيمِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالدِّينِ، كَمَا يُوجَدُ الْآنَ مِنَ الْأُمُورِ الصِّنَاعِيَّةِ، فِي الْهَنْدَسَةِ، وَالطِّبِّ، وَالزِّرَاعَةِ، وَالْقِتَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ كَثُرَ الْمُتَعَلِّمُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ عَدَدُ كُتَّابِ الْوَحْيِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ كَانَ انْتِشَارُ الْكِتَابَةِ مَعَ الْإِسْلَامِ، وَجَاءَ النَّصُّ عَلَى الْكِتَابَةِ فِي تَوْثِيقِ الدِّينِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ الْآيَةَ [٢ \ ٢٨٢] ، وَهِيَ أَطْوَلُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى رُسِمَتْ فِيهَا كِتَابَةُ الْعَدْلِ الْحَدِيثَةُ كُلُّهَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُ الْقَلَمِ وَتَعَلُّمُهُ، فَقَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي تَعْلِيمِهِ لِلنِّسَاءِ عَلَى أَنَّهُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِلْمِ، فَهَلْ كُنَّ كَذَلِكَ فِي تَعَلُّمِ الْكِتَابَةِ أَمْ لَا؟ مَبْحَثُ تَعْلِيمِ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ وَقَعَ الْخِلَافُ بِسَبَبِ نَصَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ: الْأَوَّلُ: حَدِيثُ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ، فَقَالَ لِي: أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ؟» رَوَاهُ الْمَجْدُ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعَلُّمِ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ. وَالثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا: «لَا تُنْزِلُوهُنَّ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ يَعْنِي النِّسَاءَ، وَعَلِّمُوهُنَّ الْغَزْلَ وَسُورَةَ النُّورِ» قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ، عَلَى حَدِيثِ الْمُنْتَقَى وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: إِنَّ حَدِيثَ الشِّفَاءِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِهِنَّ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُخْشَى مِنْ تَعْلِيمِهَا الْفَسَادُ، أَعْنِي تَعْلِيمَ الْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ.

стр. 4133

أَمَّا تَعْلِيمُ الْعِلْمِ فَلَيْسَ مَحَلَّ خِلَافٍ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاضِحَةُ الْمَعَالِمِ، إِذَا نَظَرْتَ كَالْآتِي: أَوَّلًا: لَا شَكَّ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ، وَالْعِلْمُ قِسْمَانِ: عِلْمُ سَمَاعٍ وَتَلَقٍّ، وَهَذِهِ سِيرَةُ زَوْجَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَائِشَةُ كَانَتِ الْقُدْوَةَ الْحَسَنَةَ فِي ذَلِكَ فِي فِقْهِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَمِ اسْتَدْرَكَتْ عَلَى الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مَشْهُورٌ وَمَعْلُومٌ. وَالثَّانِي: عِلْمُ تَحْصِيلٍ بِالْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ، وَهَذَا يَدُورُ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ عَدَمِهَا، فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَعْلِيمَهُنَّ مَفْسَدَةٌ مَنَعَهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يُعَلِّمُ امْرَأَةً الْكِتَابَةَ فَقَالَ: لَا تَزِدِ الشَّرَّ شَرًّا. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تَتَعَلَّمُ الْكِتَابَةَ، فَقَالَ: أَفْعَى تُسْقَى سُمًّا، وَأَنْشَدُوا الْآتِيَ: مَا لِلنِّسَاءِ وَلِلْكِتَا ... بِةِ وَالْعِمَالَةِ وَالْخَطَابَهْ هَذَا لَنَا وَلَهُنَّ مِنَّا ... أَنْ يَبِتْنَ عَلَى جَنَابَهْ وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْمَنْفَلُوطِيُّ: يَا قَوْمُ لَمْ تُخْلَقْ بَنَاتُ الْوَرَى ... لِلدَّرْسِ وَالطَّرْسِ وَقَالَ وَقِيلَ لَنَا عُلُومٌ وَلَهَا غَيْرُهَا ... فَعَلِّمُوهَا كَيْفَ نَشْرُ الْغَسِيل وَالثَّوْبُ وَالْإِبْرَةُ فِي كَفِّهَا ... طَرْسٌ عَلَيْهِ كُلُّ خَطٍّ جَمِيل وَهَذَا نَظَرَ إِلَى تَعْلِيمِهِنَّ وَمَوْقِفِهِنَّ مِنْ زَاوِيَةٍ وَاحِدَةٍ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْآخَرُ: كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُول مَعَ أَنَّنَا وَجَدْنَا فِي تَارِيخِ الْمَرْأَةِ نِسْوَةٌ شَارَكْنَ فِي الْقِتَالِ، حَتَّى عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تُسْقِي الْمَاءَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ تُدَاوِي الْجَرْحَى، إِذْ لَا يُؤْخَذُ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى عُمُومِهِ. قَالَ صَاحِبُ التَّرَاتِيبِ الْإِدَارِيَّةِ: أَوْرَدَ الْقَلْقَشَنْدِيُّ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ كُنَّ يَكْتُبْنَ، وَلَمْ يَرَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ أَنْكَرَ عَلَيْهِنَّ. اهـ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ رِوَايَةُ كَرِيمَةَ لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَهِيَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ، فَقَدْ رَأَيْتُ بِنَفْسِي وَأَنَا مُدَرِّسٌ بِالْأَحْسَاءِ نُسْخَةً لِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عِنْدَ آلِ الْمُبَارَكُُِ

стр. 4134

وَعَلَيْهَا تَعْلِيقٌ لِأُخْتِ صَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّرَاتِيبِ الْإِدَارِيَّةِ قَوْلَهُ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الصَّحْرَاءِ الْإِفْرِيقِيَّةِ خُصُوصًا شِنْقِيطَ: شِنْجِطَ، أَيْ شِنْقِيطَ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِمُورِيتَانْيَا، وَتِيتْبِكْتُو، وَقَبِيلَةَ كِنْتِ الْعَجَبِ، حَتَّى جَاءَ أَنَّ الشَّيْخَ الْمُخْتَارَ الْكُنْتِيَّ الشَّهِيرَ، خَتَمَ مُخْتَصَرَ خَلِيلٍ لِلرِّجَالِ، وَخَتَمَتْهُ زَوْجَتُهُ فِي جِهَةٍ أُخْرَى لِلنِّسَاءِ. اهـ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّنَا وَنَحْنُ فِي بَعْثَةِ الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِإِفْرِيقِيَا، سَمِعْنَا وَنَحْنُ فِي مَدِينَةِ أَطَارَ وَهِيَ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ مَدِينَةِ شِنْجِيطَ الْمَذْكُورَةِ، سَمِعْنَا مِنْ كِبَارِ أَهْلِهَا أَنَّهُ كَانَ يُوجَدُ بِهَا سَابِقًا مِائَتَا فَتَاةٍ يَحْفَظْنَ الْمُدَوَّنَةَ كَامِلَةً. وَقَدْ سَمِعْتُ فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ، أَنَّهُ كَانَتْ تُوجَدُ امْرَأَةٌ تُدَرِّسُ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، الْحَدِيثَ، وَالسِّيرَةَ، وَاللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَهِيَ شِنْقِيطِيَّةٌ. وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ النَّظْرَةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ضَوْءِ وَاقِعِ الْحَيَاةِ الْيَوْمَ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، وَقَدْ أَصْبَحَ تَعْلِيمُ الْمَرْأَةِ مِنْ مُتَطَلَّبَاتِ الْحَيَاةِ، وَلَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ تَكْمُنُ فِي مَنْهَجِ تَعْلِيمِهَا، وَكَيْفِيَّةِ تَلَقِّيهَا الْعِلْمَ. فَكَانَ مِنَ اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ مَنْهَجُ تَعْلِيمِهَا قَاصِرًا عَلَى النَّوَاحِي الَّتِي يَحْسُنُ أَنْ تَعْمَلَ فِيهَا كَالتَّعْلِيمِ وَالطِّبِّ وَكَفَى. أَمَّا كَيْفِيَّةُ تَعْلِيمِهَا، فَإِنَّ مُشْكِلَتَهَا إِنَّمَا جَاءَتْ مِنَ الِاخْتِلَاطِ فِي مُدَرَّجَاتِ الْجَامِعَاتِ، وَفُصُولِ الدِّرَاسَةِ فِي الثَّانَوِيَّاتِ فِي فَتْرَةِ الْمُرَاهَقَةِ، وَقِلَّةِ الْمُرَاقَبَةِ، وَفِي هَذَا يَكْمُنُ الْخَطَرُ مِنْهَا وَعَلَيْهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيمِهَا، فَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنَ الْمَنْهَجِ الَّذِي يُحَقِّقُ الْغَايَةَ مِنْهُ، وَيَضْمَنُ السَّلَامَةَ فِيهِ، وَالتَّوْفِيقُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. أَمَّا مَا يُخْشَى عَلَيْهَا مِنَ الِاتِّصَالِ عَنْ طَرِيقِ الْكِتَابَةِ، فَقَدْ وُجِدَ مَا هُوَ أَقْرَبُ وَأَسْرَعُ مِنْهَا لِمَنْ شَاءَتْ وَهُوَ الْهَاتِفُ فِي الْبُيُوتِ، فَإِنَّهُ فِي مُتَنَاوَلِ الْمُتَعَلِّمَةِ وَالْجَاهِلَةِ. وَالْمَدَارُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْحَصَانَةِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالْمَتَانَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْقُوَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ. وَقَدْ أَوْرَدْتُ هَذَا الْمَبْحَثَ اسْتِطْرَادًا لِبَيَانِ وِجْهَةِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، اقْتِبَاسًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4135

مَسْأَلَةٌ بَيَانُ أَوَّلِيَّةِ الْكِتَابَةِ عَامَّةً وَالْعَرَبِيَّةِ خَاصَّةً، وَأَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ عَلَى الْأَرْضِ: جَاءَ فِي الْمَطَالِعِ النَّصْرِيَّةِ لِلْمَطَابِعِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الْأُصُولِ الْخَطِّيَّةِ الْمَطْبُوعِ سَنَةَ ١٣٠٤ هـ مَا نَصُّهُ: وَإِنَّمَا أُصُولُ الْكِتَابَةِ اثْنَيْ عَشَرَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ، وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، كَالدِّمِيرِيِّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَالْحَلَبِيِّ فِي السِّيرَةِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ كِتَابَاتِ الْأُمَمِ مِنْ سُكَّانِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ كِتَابَةً، خَمْسٌ مِنْهَا ذَهَبَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَبَطَلَ اسْتِعْمَالُهَا وَهِيَ: الْحِمْيَرِيَّةُ، وَالْقِبْطِيَّةُ، وَالْبَرْبَرِيَّةُ، وَالْأَنْدَلُسِيَّةُ، وَالْيُونَانِيَّةُ، وَثَلَاثٌ مِنْهَا فُقِدَ مَنْ يَعْرِفُهَا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَمُسْتَعْمَلَةٌ فِي بِلَادِهَا، وَهِيَ السُّرْيَانِيَّةُ وَالْفَارِسِيَّةُ وَالْعِبْرَانِيَّةُ وَالْعَرَبِيَّةُ. اهـ. كَلَامُهُ بِاخْتِصَارٍ وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ: وَالْحِمْيَرِيَّةُ: هِيَ خَطُّ أَهْلِ الْيَمَنِ قَوْمِ هُودٍ وَهُمْ عَادٌ الْأُولَى، وَهِيَ عَادُ إِرَمَ، وَكَانَتْ كِتَابَتُهُمْ تُسَمَّى الْمُسْنَدَ الْحِمْيَرِيَّ، وَكَانَتْ حُرُوفُهَا كُلُّهَا مُنْفَصِلَةً، وَكَانُوا يَمْنَعُونَ الْعَامَّةَ مِنْ تَعَلُّمِهَا فَلَا يَتَعَاطَاهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، حَتَّى جَاءَتْ دَوْلَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ بِجَمِيعِ الْيَمَنِ مَنْ يَكْتُبُ وَيَقْرَأُ. وَقَالَ الْمَقْرِيزِيُّ فِي الْخُطَطِ: الْقَلَمُ الْمُسْنَدُ، هُوَ الْقَلَمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْلَامِ حِمْيَرَ وَمُلُوكِ عَادٍ. اهـ. وَالْمَعْرُوفُ الْآنَ أَنَّ الْحُرُوفَ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي الْكِتَابَةِ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ اللُّغَاتِ الْمَنْطُوقِ بِهَا هِيَ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ، الْخَطُّ الْعَرَبِيُّ بِحُرُوفِ أَلِفٍ بَاءٍ وَبِهَا لُغَاتُ الشَّرْقِ. وَالْحُرُوفُ اللَّاتِينِيَّةُ وَبِهَا لُغَاتُ أُورُوبَّا وَالْحُرُوفُ الصِّينِيَّةُ. أَمَّا اللُّغَاتُ، وَهِيَ فَوْقَ أَلْفَيْ لُغَةٍ «وَالْأَمْهَرِيَّةُ بِحَرْفٍ قَرِيبٍ مِنَ اللَّاتِينِيِّ» . أَمَّا أَوَّلِيَّةُ الْكِتَابَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ النَّصْرِيَّةِ: فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهَا، كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي الْأَوَائِلِ. وَكَذَا فِي الْمُزْهِرِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ، قَالَ: إِنَّهُ يَرَى أَنَّ آدَمَ ﵇ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْقَلَمِ، وَأَنَّ الْكِتَابَاتِ كُلَّهَا مِنْ وَضْعِهِ، كَانَ قَدْ كَتَبَهَا فِي طِينٍ وَطَبَخَهُ، يَعْنِي

стр. 4136

أَحْرَقَهُ وَدَفَنَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَعْدَ الطُّوفَانِ وَجَدَ كُلُّ قَوْمٍ كِتَابًا فَتَعَلَّمُوهُ، وَكَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ كِتَابًا، فَتَعَلَّمُوهُ بِإِلْهَامٍ إِلَهِيٍّ. وَقِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَّ بِالْعَرَبِيِّ إِسْمَاعِيلُ ﵇. اهـ. وَقَدْ أَطَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْمُزْهِرِ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، نَقْلًا عَنِ ابْنِ فَارِسٍ الشِّدْيَاقِيِّ. وَعَنِ الْعَسْكَرِيِّ عَنِ الْأَوَائِلِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ، فَقِيلَ إِسْمَاعِيلُ، وَقِيلَ مِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْأَنْبَارِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: كَتَبْتُ أَبَا جَادٍ وَخَطِّي مُرَامِرُ ... وَسَوَّرْتُ سِرْبَالِي وَلَسْتُ بِكَاتِب وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَهُ أَبْجَدْ، وَهَوَّزْ، وَحُطِّي، وَكَلَمُنْ، وَصَعْفَصْ، وَقَرَشَتْ، وَكَانُوا مُلُوكًا فَسُمِّيَ الْهِجَاءُ بِأَسْمَائِهِمْ. وَذُكِرَ عَنِ الْحَافِظِ أَبِي طَاهِرٍ السَّلَفِيِّ بِسَنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، تَعَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ، وَتَعَلَّمَ أَهْلُ الْحِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَنْبَارِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلْنَا الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَيْنَ تَعَلَّمْتُمُ الْكِتَابَةَ؟ قَالُوا: تَعَلَّمْنَا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ، وَسَأَلْنَا أَهْلَ الْحِيرَةِ: مِنْ أَيْنَ تَعَلَّمْتُمُ الْكِتَابَةَ؟ قَالُوا: مِنْ أَهْلِ الْأَنْبَارِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَالَّذِي نَقُولُهُ: إِنَّ الْخَطَّ تَوْقِيفِيٌّ، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وَقَوْلِهِ: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [٦٨ \ ١] . وَإِذَا كَانَ هَذَا فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، أَنْ يُوقِفَ اللَّهُ آدَمَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مُخْتَرَعًا اخْتَرَعَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَهَذَا شَيْءٌ لَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ إِلَّا مِنْ خَبَرٍ صَحِيحٍ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: قُلْتُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ مِنَ التَّوْقِيفِ، مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ شُقَّةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَوَّلُ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ أَبَا جَادٍ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ إِدْرِيسُ ﵇» . اهـ.ُُ

стр. 4137

وَقَدْ أَطَالَ النُّقُولَ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَقْلٌ صَحِيحٌ يُقْطَعُ بِهِ. وَقَدْ أَوْرَدْنَا هَذِهِ النُّبْذَةَ بِخُصُوصِ كَلَامِ ابْنِ فَارِسٍ، مِنْ أَنَّ تَعْلِيمَ الْكِتَابَةِ أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ السُّيُوطِيُّ مِنْ أَوَّلِ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا يَشْهَدُ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الصُّحُفَ لِمُوسَى مَكْتُوبَةً. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْأَلْوَاحَ لِمُوسَى بِيَدِهِ، وَغَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ» . وَإِذَا كَانَ مُوسَى تَلَقَّى أَلْوَاحًا مَكْتُوبَةً، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ مَعْلُومَةً لَهُ قَبْلَ إِنْزَالِهَا، وَإِلَّا لَمَا عَرَفَهَا. أَمَّا الْمَشْهُورُ فِي الْأَحْرُفِ الَّتِي نَكْتُبُ بِهَا الْآنَ، فَكَمَا قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْمُزْهِرِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ الْمِصْرِيَّةِ مَا نَصُّهُ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ عَنْ عَوَانَةَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِخَطِّنَا هَذَا. وَهُوَ الْجَزْمُ مُرَامِرُ بْنُ مُرَّةَ، وَأَسْلَمُ بْنُ سِدْرَةَ، وَعَامِرُ بْنُ حَدْرَةَ. كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَهُمْ مِنْ عَرَبِ طَيِّئٍ تَعَلَّمُوهُ مِنْ كُتَّابِ الْوَحْيِ لِسَيِّدِنَا هُودٍ ﵇، ثُمَّ عَلَّمُوهُ أَهْلَ الْأَنْبَارِ، وَمِنْهُمُ انْتَشَرَتِ الْكِتَابَةُ فِي الْعِرَاقِ وَالْحِيرَةِ وَغَيْرِهَا، فَتَعَلَّمَهَا بِشْرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخُو أُكَيْدِرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَاحِبِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ بِحَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ فَتَعَلَّمَ حَرْبٌ مِنْهُ، ثُمَّ سَافَرَ مَعَهُ بِشْرٌ إِلَى مَكَّةَ فَتَزَوَّجَ الصَّهْبَاءَ بَنْتَ حَرْبٍ أُخْتَ أَبِي سُفْيَانَ. فَتَعَلَّمَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَبِهَذَا كَثُرَ مَنْ يَكْتُبُ بِمَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ. وَلِذَا قَالَ رَجُلٌ كِنْدِيٌّ مِنْ أَهْلِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، يَمُنُّ عَلَى قُرَيْشٍ بِذَلِكَ: لَا تَجْحَدُوا نَعْمَاءَ بِشْرٍ عَلَيْكُمُ ... فَقَدْ كَانَ مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ أَزْهَرَا أَتَاكُمْ بِخَطِّ الْجَزْمِ حَتَّى حَفِظْتُمُو ... مِنَ الْمَالِ مَا قَدْ كَانَ شَتَّى مُبَعْثَرًا وَأَتْقَنْتُمُو مَا كَانَ بِالْمَالِ مُهْمَلًا ... وَطَمْأَنْتُمُو مَا كَانَ مِنْهُ مُبَقَّرًا فَأَجْرَيْتُمُ الْأَقْلَامَ عَوْدًا وَبَدْأَةً ... وَضَاهَيْتُمْ كُتَّابَ كِسْرَى وَقَيْصَرًا وَأَغْنَيْتُمُ عَنْ مُسْنَدٍ إِلَى حِمْيَرَا ... وَمَا زَبَرَتْ فِي الصُّحْفِ أَقْلَامُ حِمْيَرَا قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَقَلَ عَنِ الْفَرَّاءِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا كَتَبُوا الرِّبَا فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ تَعَلَّمُوا الْخَطَّ مَنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ، وَلُغَتُهُمُ الرِّبَوا، فَعَلَّمُوهُمْ صُورَةَ الْخَطِّ عَلَى لُغَتِهِمْ. اهـ.ُُ

стр. 4138

تَنْبِيهٌ آخَرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، لَا يَمْنَعُ تَعْلِيمَهُ تَعَالَى بِغَيْرِ الْقَلَمِ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵇ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [١٨ \ ٦ ٥] . وَكَمَا فِي حَدِيثِ: «نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا» الْحَدِيثَ. وَكَمَا فِي حَدِيثِ الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ لِمَنْ لَدْغَتْهُ الْعَقْرَبُ فِي قِصَّةِ السَّرِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ ﷺ : «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ قَالَ: شَيْءٌ نَفَثَ فِي رُوعِي» . وَحَدِيثِ عَلِيٍّ لَمَّا سُئِلَ «هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعِلْمٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ مَنْ شَاءَ فِي كِتَابِهِ. وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ» . وَقَوْلِهِ: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [٢ \ ٢٨٢] . نَسْأَلُ اللَّهَ عِلْمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، وَالْعَمَلَ بِمَا نَعْلَمُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى. ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ مُوجِبٌ لِلطُّغْيَانِ عِنْدَ الْإِنْسَانِ، وَلَفْظُ الْإِنْسَانِ هُنَا عَامٌّ، وَلَكِنْ وَجَدْنَا بَعْضَ الْإِنْسَانِ يَسْتَغْنَى وَلَا يَطْغَى، فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، وَمُخَصِّصُهُ إِمَّا مِنْ نَفْسِ الْآيَةِ أَوْ مِنْ خَارِجٍ عَنْهَا، فَفِي نَفْسِ الْآيَةِ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ رَآهُ، أَيْ: إِنْ رَأَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَقَدْ يَكُونُ رَأْيًا وَاهِمًا وَيَكُونُ الْحَقِيقَةُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ يَطْغَى، فَلَا يَكُونُ الِاسْتِغْنَاءُ هُوَ سَبَبُ الطُّغْيَانِ. وَلِذَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ ذَمُّ الْعَائِلِ الْمُتَكَبِّرِ ; لِأَنَّهُ مَعَ فَقْرِهِ يَرَى نَفْسَهُ اسْتَغْنَى، فَهُوَ مَعْنِيٌّ فِي نَفْسِهِ لَا بِسَبَبِ غِنَاهُ. أَمَّا مِنْ خَارِجِ الْآيَةِ، فَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [٧٩ \ ٣٧ - ٣٩] ، فَإِيثَارُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هُوَ مُوجِبُ الطُّغْيَانِ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا الْآيَةَ [١٠٤ \ ٢ - ٤] .

стр. 4139

وَمَفْهُومُهُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْثِرِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَحْسَبْ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ، فَلَنْ يُطْغِيَهُ مَالُهُ وَلَا غِنَاهُ، كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصِ وَالْأَقْرَعِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَوْسَعِ غِنًى فِي الدُّنْيَا فِي نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ، آتَاهُ اللَّهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَمَعَ هَذَا قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ الْآيَةَ [٣٨ \ ٣٢] . وَقِصَّةُ الصَّحَابِيِّ الْمَوْجُودَةُ فِي الْمُوَطَّأِ: لَمَّا شُغِلَ بِبُسْتَانِهِ فِي الصَّلَاةِ، حِينَ رَأَى الطَّائِرَ لَا يَجِدُ فُرْجَةً مِنَ الْأَغْصَانِ، يَنْفُذُ مِنْهُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي فُتِنْتُ بِبُسْتَانِي فِي صَلَاتِي، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَعَرَفْنَا أَنَّ الْغِنَى وَحْدَهُ لَيْسَ مُوجِبًا لِلطُّغْيَانِ، وَلَكِنْ إِذَا صَحِبَهُ إِيثَارُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَقَدْ يَكُونُ طُغْيَانُ النَّفْسِ مِنْ لَوَازِمِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ غِنًى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [١٢ \ ٥٣] . وَأَنَّهُ لَا يَقِي مِنْهُ إِلَّا التَّهْذِيبُ بِالدِّينِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ الْآيَةَ [٤٢ \ ٢٧] . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ فِرْعَوْنَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ حِينَ قَالَ: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [٤٣ \ ٥١] ، وَكَذَلِكَ قَالَ قَارُونُ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [٢٨ \ ٧٨] ، وَقَالَ ثَالِثُ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: «إِنَّمَا وَرِثْتُهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ» بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ، إِلَى آخِرِهِ. فَلَا يَزِيدُهُ غِنَاهُ إِلَّا تَوَاضُعًا وَشُكْرًا لِلنِّعْمَةِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [٢٧ \ ٧٨] ، وَقَدْ نَصَّ فِي نَفْسِ السُّورَةِ أَنَّهُ شَكَرَ اللَّهَ: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [٢٧ \ ١٩] . وَفِي الْعُمُومِ قَوْلُهُ: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٤٦ \ ١٥] . وَقَدْ كَانَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَصْحَابِ الْمَالِ الْوَفِيرِ فَلَمْ يَزِدْهُمْ إِلَّا قُرْبًا لِلَّهِ، كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَمْثَالِهِمْ، وَفِي الْآيَةِ

стр. 4140

رَبْطٌ لَطِيفٌ بِأَوَّلِ السُّورَةِ، إِذَا كَانَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، وَهِيَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى لُطْفِ اللَّهِ وَعِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي رَحِمِ أُمِّهِ، فَإِذَا بِهَا مُضْغَةٌ ثُمَّ عِظَامٌ، ثُمَّ تُكْسَى لَحْمًا، ثُمَّ تُنْشَأُ خَلْقًا آخَرَ، ثُمَّ يَأْتِي إِلَى الدُّنْيَا طِفْلًا رَضِيعًا لَا يَمْلِكُ إِلَّا الْبُكَاءَ، فَيُجْرِي اللَّهُ لَهُ نَهْرَيْنِ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ، ثُمَّ يُنْبِتُ لَهُ الْأَسْنَانَ، وَيَفْتِقُ لَهُ الْأَمْعَاءَ، ثُمَّ يَشِبُّ وَيَصِيرُ غُلَامًا يَافِعًا، فَإِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ أَوِ الْعَافِيَةِ، فَإِذَا هُوَ يَنْسَى كُلَّ مَا تَقَدَّمَ، وَيَنْسَى حَتَّى رَبَّهُ وَيَطْغَى وَيَتَجَاوَزُ حَدَّهُ حَتَّى مَعَ اللَّهِ خَالِقِهِ وَرَازِقِهِ، كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ الْآيَةَ [٣٦ \ ٧٧ - ٧٩] . وَمِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ لُطْفِ التَّعْبِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى، أَيْ أَنَّ الطُّغْيَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ عَنْ وَهْمٍ، تَرَاءَى لَهُ أَنَّهُ اسْتَغْنَى سَوَاءٌ بِمَالِهِ أَوْ بِقُوَّتِهِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ جِبَالًا، لَيْسَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَكَلَ وَلَبِسَ وَأَنْفَقَ. وَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْكُلَ لُقْمَةً وَاحِدَةً إِلَّا بِنِعْمَةِ الْعَافِيَةِ، فَإِذَا مَرِضَ فَمَاذَا يَنْفَعُهُ مَالُهُ، وَإِذَا أَكَلَهَا وَهَلْ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا إِلَّا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ، أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَعْظَمُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ ; لِأَنَّ الْغِنَى مُوجِبٌ لِلطُّغْيَانِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الصَّبْرُ عَلَى الْعَافِيَةِ، أَشَدُّ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْحَاجَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ . قَالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ: أَسْنَدَ الْكَذِبَ إِلَى النَّاصِيَةِ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَسْنَدَهُ إِلَى غَيْرِ النَّاصِيَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [١٦ \ ١٠٥] . وَذَكَرَ الْجَوَابَ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ النَّاصِيَةَ وَأَرَادَ صَاحِبَهَا عَلَى أُسْلُوبٍ لِإِطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِيرَادِ الْكُلِّ، وَذَكَرَ الشَّوَاهِدَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [١١١ \ ١] . وَالَّذِي يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْبَلَاغَةِ: أَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، لَا

стр. 4141

بُدَّ فِي هَذَا الْبَعْضِ مِنْ مَزِيدِ مَزِيَّةٍ لِلْمَعْنَى الْمُسَاقِ فِيهِ الْكَلَامُ. فَمَثَلًا هُنَا ذَمَّ الْكَذِبَ وَأَخَذَ الْكَاذِبَ بِكَذِبِهِ، فَجَاءَ ذِكْرُ النَّاصِيَةِ وَهِيَ مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَّأْسِ ; لِأَنَّهَا أَشَدُّ نَكَارَةً عَلَى صَاحِبِهَا وَنَكَالًا بِهِ، إِذِ الصِّدْقُ يَرْفَعُ الرَّأْسَ وَالْكَذِبُ يُنَكِّسُهُ ذِلَّةً وَخِزْيًا. فَكَانَتْ هِيَ هُنَا أَنْسَبُ مِنَ الْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا، بَيْنَمَا فِي أَبِي لَهَبٍ تَطَاوُلَ بِمَالِهِ، وَالْغَرَضُ مَذَمَّةُ مَالِهِ وَكَسْبِهِ الَّذِي تَطَاوَلَ بِهِ، وَالْيَدُ هِيَ جَارِحَةُ الْكَسْبِ وَآلَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، فَكَانَتِ الْيَدُ أَوْلَى فِيهِ مِنَ النَّاصِيَةِ. وَهَكَذَا كَمَا يَقُولُونَ: بَثَّ الْأَمِيرُ عُيُونَهُ: يُرِيدُونَ جَوَاسِيسَ لَهُ ; لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنَ الْإِنْسَانِ أَهَمُّ مَا فِيهِ لِمُهِمَّتِهِ تِلْكَ. وَلَمْ يَقُولُوا: بَثَّ أَرْجُلَهُ وَلَا رُءُوسًا وَلَا أَيْدٍ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَيْنِ فِي ذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ [٧٩ \ ٨] ، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [٨٩ \ ٢٧] . لِأَنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَصْدَرُ الْخَوْفِ وَالنَّفْسَ هِيَ مَحَطُّ الطُّمَأْنِينَةِ، عَلَى أَنَّ النَّفْسَ جُزْءٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَهَكَذَا، وَمِنْهُ الْآتِي: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [٩٦ \ ١٩] ، أَطْلَقَ السُّجُودَ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّ السُّجُودَ أَخَصُّ صِفَاتِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [٩٦ \ ١٩] . رَبَطَ بَيْنَ السُّجُودِ وَالِاقْتِرَابِ مِنَ اللَّهِ كَمَا قَالَ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [٧٦ \ ٢٦] وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِ أَصْحَابِهِ ﵃: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [٤٨ \ ٢٩] ، فَقَوْلُهُ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، فِي مَعْنَى يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ يُبَيِّنُ قَوْلَهُ: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ قُرْبَةٍ إِلَى اللَّهِ، حَيْثُ وَجَّهَ إِلَيْهَا الرَّسُولُ ﷺ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [٢ \ ٤٥] . وَقَالَ ﷺ : «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» .

стр. 4142

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْقَدْر قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. الضَّمِيرُ فِي أَنْزَلْنَاهُ لِلْقُرْآنِ قَطْعًا. وَحَكَى الْأَلُوسِيُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ، وَقَالَ: مَا يُفِيدُ أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا ضَعِيفًا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَنَّهُ لِجِبْرِيلَ. وَمَا قَالَهُ عَنِ الضَّعْفِ لِهَذَا الْقَوْلِ، يَشْهَدُ لَهُ السِّيَاقُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [٩٧ \ ٤] . وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ الرُّوحُ هُنَا هُوَ جِبْرِيلُ ﵇، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي أَنْزَلْنَا لِغَيْرِهِ، وَجِيءَ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الْقُرْآنِ، وَإِشْعَارًا بِعُلُوِّ قَدْرِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: ذِكْرُ سُورَةِ الْقَدْرِ قَبْلَهَا مُشْعِرَةٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ثُمَّ جَاءَتْ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ، أَيِ الْقُرْآنَ الْمَقْرُوءَ، وَالضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ فِي إِنَّا، وَنَا فِي إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ مُسْتَعْمَلٌ لِلْجَمْعِ وَلِلتَّعْظِيمِ، وَمِثْلُهَا نَحْنُ، وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [١ ٥ \ ٩] ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا هُنَا التَّعْظِيمُ قَطْعًا لِاسْتِحَالَةِ التَّعَدُّدِ أَوْ إِرَادَةِ مَعْنَى الْجَمْعِ. فَقَدْ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [٣٩ \ ٢٣] ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ قَطْعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتِلْكَ الضَّمَائِرِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ يُشْعِرُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَبِالِاخْتِصَاصِ تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ إِنَّا، وَهَذَا الْمَقَامُ مَقَامُ تَعْظِيمٍ وَاخْتِصَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ، وَمِثْلُهُ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [١٠٨ \ ١] ، وَقَوْلُهُ: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا [٧١ \ ١] ، إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ [٥٠ \ ٤٣] ، وَإِنْزَالُ الْقُرْآنِ مِنَّةٌ عُظْمَى.

стр. 4143

وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَعْظِيمِ الْمِنَّةِ وَتَعْظِيمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [٣٨ \ ٢٩] ، فَقَالَ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ بِضَمِيرِ التَّعْظِيمِ، ثُمَّ قَالَ فِي وَصْفِ الْكِتَابِ: مُبَارَكٌ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ ص هَذِهِ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ. وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ جَاءَتِ الضَّمَائِرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصِيَغِ الْجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ وَبِصِيَغِ الْإِفْرَادِ، فَمِنْ صِيَغِ الْجَمْعِ مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ صِيَغِ الْإِفْرَادِ قَوْلُهُ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [٢ \ ٣٠] ، وَقَوْلُهُ: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ [٣٨ \ ٧١] ، وَقَوْلُهُ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [٢ \ ٣٠] . وَيُلَاحَظُ فِي صِيَغِ الْإِفْرَادِ: أَنَّهَا فِي مَوَاضِعِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، كَالْأَوَّلِ فِي مَقَامِ خَلْقِ الْبَشَرِ مِنْ طِينٍ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ. وَالثَّانِي: فِي مَقَامِ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، فَسَوَاءٌ جِيءَ بِضَمِيرٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ أَوِ الْإِفْرَادِ، فَفِيهَا كُلِّهَا تَعْظِيمٌ لِلَّهِ سَوَاءٌ بِنَصِّهَا وَأَصْلِ الْوَضْعِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ فِي السِّيَاقِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْمُنْزَلِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، هَلْ هُوَ الْكُلُّ أَوِ الْبَعْضُ؟ فَقِيلَ: وَهُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ أَوَائِلُ تِلْكَ السُّورَةِ فَقَطْ أَيْ: بِدَايَةُ الْوَحْيِ بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «ثُمَّ تَتَالَى نُزُولُ الْوَحْيِ، بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً» . وَقِيلَ: الْمُنْزَلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، هُوَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَكُلُّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ صَارَ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنَجَّمًا حَسَبَ الْوَقَائِعِ. وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَقَدِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ عِنْدُ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [٢ \ ١٨٥] ، وَحَكَّاهُ الْأَلُوسِيُّ وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ. وَعَنِ ابْنِ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ قَوْلٌ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ،

стр. 4144

وَهُوَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، بِأَنْ يَكُونَ نَزَلَ جُمْلَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبَدْءِ نُزُولِ أَوَّلِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [٩٦ \ ١] ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَقَدْ أُثِيرَ حَوْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جِدَالٌ وَنِقَاشٌ كَلَامِيٌّ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَأَدْخَلُوا فِيهَا الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ نَقَلَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ . وَقَدْ سُئِلَ سَمَاحَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵀ عَنْ ذَلِكَ، وَكُتِبَ جَوَابُهُ وَطُبِعَ، فَكَانَ كَافِيًا. وَقَدْ نَقَلَ فِيهِ كَلَامَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهِ عِنْدَ وَحْيِهِ، وَرَدَّ عَلَى كُلِّ شُبْهَةٍ فِي ذَلِكَ. وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ كَمَا تَقَدَّمَ، بَيْنَ كَوْنِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَنُزُولِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً، وَنُزُولِهِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ مُنَجَّمًا ; لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَإِنَّ اللَّوْحَ فِيهِ كُلُّ مَا هُوَ كَائِنٌ وَمَا سَيَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْقُرْآنُ الَّذِي سَيُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . وَنُزُولُهُ جُمْلَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَهُوَ بِمَثَابَةِ نَقْلِ جُزْءٍ مِمَّا فِي اللَّوْحِ وَهُوَ جُمْلَةُ الْقُرْآنِ، فَأَصْبَحَ الْقُرْآنُ مَوْجُودًا فِي كُلٍّ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَمَوْجُودًا فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَنْزِلُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ مُنَجَّمًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ الْآنَ هُوَ أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، لَمْ يَخْلُ مِنْهُ اللَّوْحُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِإِنْزَالِهِ جُمْلَةً ثُمَّ تَنْزِيلِهِ مُنَجَّمًا بِقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [١٥ \ ٩] ; لِأَنَّ نَزَّلَ بِالتَّضْعِيفِ تَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ كَقَوْلِهِ: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ [٩٧ \ ٤] ، أَيْ: فِي كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ. وَقَدْ جَاءَ أَنْزَلْنَاهُ، فَتَدُلُّ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ تَفْصِيلَ تَنْزِيلِهِ مُفَرَّقًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ: كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.

стр. 4145

وَفِي أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ» . وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقُرْآنُ مَوْجُودًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ حِينَمَا جَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ وَمَا سَيَكُونُ، ثُمَّ جَرَى نَقْلُهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً. وَكُلَّمَا أَرَادَ اللَّهُ إِنْزَالَ شَيْءٍ مِنْهُ تَكَلَّمَ سُبْحَانَهُ بِمَا أَرَادَ أَنْ يُنْزِلَهُ، فَيَسْمَعُهُ جِبْرِيلُ ﵇ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ تِلْكَ الْحَالَاتِ الثَّلَاثِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى صُوَرِ كَيْفِيَّةِ نُزُولِ الْوَحْيِ وَتَلَقِّي الرَّسُولِ ﷺ لِلْوَحْيِ. وَقِيلَ: مَعْنَى أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيْ: أَنْزَلْنَا الْقُرْآنَ فِي شَأْنِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ تَعْظِيمًا لَهَا، فَلَمْ تَكُنْ ظَرْفًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَالْوَاقِعُ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْأُسْلُوبِ مُمْكِنًا إِلَّا أَنَّ مَا بَعْدَهُ يُغْنِي عَنْهُ ; لِأَنَّ إِعْظَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَبَيَانَ مَنْزِلَتِهَا قَدْ نَزَلَ فِيهَا قُرْآنٌ فِعْلًا، وَهُوَ مَا بَعْدَهَا مُبَاشَرَةً فِي قَوْلِهِ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [٩٧ \ ٢ - ٣] ، إِلَى آخَرِ السُّورَةِ. وَعَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَوَّلُ السُّورَةِ فِي شَأْنِ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ وَبَيَانِ ظَرْفِ إِنْزَالِهِ، وَآخِرُ السُّورَةِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَبَيَانِ مَنْزِلَتِهَا. وَقَدْ ذُكِرَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مُبْهَمَةً، وَلَكِنْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَا بَيْنَ الشَّهْرِ الَّتِي هِيَ فِيهِ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [٢ \ ١٨٥] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ بَيَانُ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي فِيهَا يُبْرَمُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، وَلَيْسَتْ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ، بَيَانُ الْحِكْمَةِ مِنْ إِنْزَالِهِ مُفَرَّقًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [٣٨ \ ٢٩] . قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. الْقَدْرُ: الرِّفْعَةُ، وَالْقَدْرُ: بِمَعْنَى الْمِقْدَارِ.

стр. 4146

قَالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي مُذَكِّرَةِ الْإِمْلَاءِ وَوَجْهِ تَسْمِيَتِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَى الْقَدْرِ الشَّرَفُ وَالرِّفْعَةُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ ذُو قَدْرٍ، أَيْ: رِفْعَةٍ وَشَرَفٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَدِّرُ فِيهَا وَقَائِعَ السَّنَةِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا التَّفْسِيرِ الْأَخِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا [٤٤ \ ٣ - ٥] . وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ ذَكَرَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْأَضْوَاءِ. وَالْوَاقِعُ أَنَّ فِي السُّورَةِ مَا يَدُلُّ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْقَدْرُ وَالرِّفْعَةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. فَالتَّسَاؤُلُ بِهَذَا الْأُسْلُوبِ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ: الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [١٠١ \ ١ - ٣] ، وَقَوْلُهُ: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فِيهِ النَّصُّ صَرَاحَةً عَلَى عُلُوِّ قَدْرِهَا وَرِفْعَتِهَا، إِذْ أَنَّهَا تَعْدِلُ فِي الزَّمَنِ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، أَيْ فَوْقَ مُتَوَسِّطِ أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَأَيْضًا كَوْنُهَا اخْتَصَّتْ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ فِيهَا، وَبِتَنَزُّلِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فِيهَا، وَبِكَوْنِهَا سَلَامًا هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، لَفِيهِ الْكِفَايَةُ بِمَا لَمْ تَخْتَصَّ وَتُشَارِكْهَا فِيهِ لَيْلَةٌ مِنْ لَيَالِي السَّنَةِ. وَعَلَيْهِ: فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، لِكَوْنِهَا مَحَلًّا لِتَقْدِيرِ الْأُمُورِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَنَّهَا بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ عَلَا قَدْرُهَا وَعَظُمَ شَأْنُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ كُبْرَى: إِذَا كَانَتْ أَعْمَالُ الْعَبْدِ تَتَضَاعَفُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى تَكُونَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، كَمَا فِي هَذَا النَّصِّ الْكَرِيمِ. فَإِذَا صَادَفَهَا الْعَبْدُ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ يُصَلِّي، وَصَلَاةٌ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، فَكَمْ تَكُونُ النِّعْمَةُ وَعِظَمُ الْمِنَّةِ، مِنَ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ سُبْحَانَهُ، إِنَّهُ لَمِمَّا يُعْلِي الْهِمَّةَ وَيُعَظِّمُ الرَّغْبَةَ. وَقَدِ اقْتَصَرْتُ عَلَى ذِكْرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ دُونَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، مَعَ زِيَادَةِ الْمُضَاعَفَةِ

стр. 4147

فِيهِ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ بِمُضَاعَفَةِ السَّيِّئَةِ فِيهِ. كَذَلِكَ أَيْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كَالْمَعْصِيَةِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ يُحَاسَبُ فِيهِ الْعَبْدُ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ، فَيَكُونُ الْخَطَرُ أَعْظَمَ، وَفِي الْمَدِينَةِ أَسْلَمَ. وَلَعَلَّ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ لَيَالِيَ الْقَدْرِ كُلَّهَا، كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا أَهْلُ السُّنَّةِ كَافَّةً، وَادَّعَتِ الشِّيعَةُ نَسْخَهَا وَرَفْعَهَا كُلِّيَّةً، وَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِصِحَّةِ النُّصُوصِ شِبْهِ الْمُتَوَاتِرَةِ. تَنْبِيهٌ لَمْ يَأْتِ تَحْدِيدٌ لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ أَيِّ رَمَضَانَ تَكُونُ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ وَإِيرَادِ النُّصُوصِ. فَالْأَقْوَالُ مِنْهَا عَلَى أَعَمِّ مَا يَكُونُ، مِنْ أَنَّهَا مِنْ عُمُومِ السَّنَةِ، وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِجَدِيدٍ، وَهُوَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاجْتِهَادَ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا فِي عُمُومِ رَمَضَانَ، وَهَذَا حَسَبُ عُمُومِ نَصِّ الْقُرْآنِ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا فِي آحَادِ الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. فَقِيلَ: فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى التَّعْيِينِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ نُصُوصٌ. وَلَكِنَّ أَشْهَرَهَا وَأَكْثَرَهَا وَأَصَحَّهَا، مَا جَاءَ أَنَّهَا فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِحْدَى

стр. 4148

وَعِشْرِينَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى سَرْدِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ إِلَّا ذَكَرَهَا، وَلَا سِيَّمَا ابْنُ كَثِيرٍ وَالْقُرْطُبِيُّ. تَنْبِيهٌ إِذَا كَانَتْ كُلُّ النُّصُوصِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ صَحِيحَةً، فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ دَائِرَةً بَيْنَهَا، وَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فِي لَيْلَةٍ مِنْهَا وَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا، فَقَدْ تَكُونُ فِي سَنَةٍ هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، بَيْنَمَا فِي سَنَةٍ أُخْرَى لَيْلَةُ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي أُخْرَى لَيْلَةُ ثَلَاثٍ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَهَكَذَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى هَذَا الْوَجْهَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ ﷺ قَدْ أُنْسِيَهَا، لِتَجْتَهِدَ الْأُمَّةُ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ أَوْ فِي الْعَشْرِ كُلِّهَا، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ اعْتِكَافُهُ ﷺ ، الْتِمَاسًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِهَا مَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ، وَيَكْفِي فِيهَا نَصُّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَفِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مَبَاحِثُ عَدِيدَةٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا، مِنْهَا مَا يَذْكُرُ مِنْ أَمَارَاتِهَا. وَمِنْهَا: مُحَاوَلَةُ الْبَعْضِ اسْتِخْرَاجَهَا مِنَ الْقُرْآنِ. وَمِنْهَا: عَلَاقَتُهَا بِحُكْمِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ يُمْكِنُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، لِذَا لَا حَاجَةَ إِلَى إِيرَادِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَمَارَاتِ نَهَارِهَا صَبِيحَتَهَا، حَيْثُ جَاءَ التَّنْوِيهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: «وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ» . فَذَكَرُوا مِنْ عَلَامَاتِ يَوْمِهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ، وَقَالُوا: لِأَنَّ أَنْوَارَ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ صُعُودِهَا، تَتَلَاقَى مَعَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ فَتُحْدِثُ فِيهَا بَيَاضَ الضَّوْءِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيٍّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَمِنْهَا: اعْتِدَالُ هَوَائِهَا وَجَوِّهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صِلَةٌ بِالسُّورَةِ ذَاتِهَا، مَا حَكَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ، أَرَادَ اسْتِخْرَاجَهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي نَفْسِ السُّورَةِ، فَقَالَ: إِنَّ كَلِمَةَ «هِيَ» فِي قَوْلِهِ: سَلَامٌ هِيَ [٩٧ \ ٥] ، تَقَعُ السَّابِعَةَ

стр. 4149

وَالْعِشْرِينَ مِنْ عَدِّ كَلِمَاتِهَا، فَتَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ حُرُوفَ كَلِمَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفًا، فَتَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَلَعَلَّ أَصْوَبَ مَا يُقَالُ: هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا تَتَّصِلُ فِي لَيَالِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا. قِيلَ: الرُّوحُ هُوَ جِبْرِيلُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [٢١ \ ٩١] ، وَيَكُونُ فِيهَا أَيْ فِي جَمَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَقِيلَ: إِنَّ الرُّوحَ نَوْعٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسْتَقِلٌّ، وَيَكُونُ فِيهَا ظَرْفٌ لِلنُّزُولِ أَيْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. الْأَمْرُ يَكُونُ وَاحِدُ الْأُمُورِ وَوَاحِدُ الْأَوَامِرِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ شَامِلٌ لَهُمَا مَعًا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ الْأُمُورِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنَ الْأَوَامِرِ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٣٦ \ ٨٢] . وَيَشْهَدُ لَهُ مَا جَاءَ فِي شَأْنِهَا فِي سُورَةِ الدُّخَانِ: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا [٤ ٤ \ ٤ - ٥] . وَالَّذِي يُفْرَقُ مِنَ الْأَمْرِ، هُوَ أَحَدُ الْأُمُورِ. حَيْثُ يُفْصَلُ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالضُّرِّ وَالنَّفْعِ إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السِّيَاقُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [٤٤ \ ٨] ، فَكُلُّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ يَقْتَضِي أَمْرًا مِنَ الْأَوَامِرِ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي مَعْنَيَيْهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4150

قَوْلُهُ تَعَالَى: سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. قِيلَ: سَلَامٌ هِيَ أَيْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ لَقِيَتْهُ. وَقِيلَ: سَلَامٌ هِيَ أَيْ كُلُّ أَمْرٍ فِيهَا فَهُوَ سَلَامٌ، وَلَا يُصَابُ أَحَدٌ فِيهَا بِسُوءٍ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَالْأَوَّلُ جُزْءٌ مِنَ الثَّانِي ; لِأَنَّ الثَّانِيَ يَجْعَلُهَا ظَرْفًا لِكُلِّ خَيْرٍ، وَيَنْفِي عَنْهَا كُلَّ شَرٍّ، وَمِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ، سَلَامُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. لَطِيفَةٌ كَوْنُ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ هُنَا فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، مُشْعِرٌ بِفَضْلِ اخْتِصَاصِ اللَّيْلِ. وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ إِلَى نَظَائِرِهِ، فَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [١٧ \ ١] ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [١٧ \ ٧٩] ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [٥ ٠ \ ٤٠] ، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [٧٣ \ ٦] . وَقَوْلُهُ: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [٥١ \ ١٧] . وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرِ يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» الْحَدِيثَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّيْلَ أَخَصُّ بِالنَّفَحَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَبِتَجَلِّيَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ، وَذَلِكَ لِخُلُوِّ الْقَلْبِ وَانْقِطَاعِ الشَّوَاغِلِ وَسُكُونِ اللَّيْلِ، وَرَهْبَتُهُ أَقْوَى عَلَى اسْتِحْضَارِ الْقَلْبِ وَصَفَائِهِ.

стр. 4151

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْبَيِّنَة قَالَ الْأَلُوسِيُّ: وَتُسَمَّى سُورَةَ الْقِيَامَةِ، وَسُورَةَ الْبَلَدِ، وَسُورَةَ الْمُنْفَكِّينَ، وَسُورَةَ الْبَرِيَّةِ، وَسُورَةَ لَمْ يَكُنْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. ذَكَرَ هُنَا الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ جَاءَتْ مِنْ، وَجَاءَ بَعْدَهَا أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، مِمَّا يُشْعِرُ بِأَنَّ وَصْفَ الْكُفْرِ يَشْمَلُ كُلًّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، كَمَا يُشْعِرُ مَرَّةً أُخْرَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِوُجُودِ الْعَطْفِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَهَذَا الْمَبْحَثُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَعُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ هُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَالْكُفْرَ يَجْمَعُ الْقِسْمَيْنِ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُخْتَصٌّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَكِنَّ الْخِلَافَ هَلِ الشِّرْكُ يَجْمَعُهُمَا أَيْضًا أَمْ لَا؟ فَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، عُمُومٌ فِي الْكُفْرِ وَخُصُوصٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَخُصُوصٌ فِي الْمُشْرِكِينَ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. وَلَكِنْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الشِّرْكِ يَشْمَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ أَيْضًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [٩ \ ٣٠ - ٣ ١] .

стр. 4152

فَجَعَلَ مَقَالَةَ كُلٍّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِشْرَاكًا. وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَنْعُ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ وَقَالَ: " وَهَلْ أَكْبَرُ إِشْرَاكًا مِنْ قَوْلِهَا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [٢ \ ١١٦] ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْعِ الزَّوَاجِ مِنَ الْكِتَابِيَّاتِ، إِلَّا أَنَّهُ اعْتَبَرَهُنَّ مُشْرِكَاتٍ. وَلِهَذَا الْخِلَافِ وَالِاحْتِمَالِ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مُسَمَّى الشِّرْكِ، هَلْ يَشْمَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّنَا وَجَدْنَا فَرْقًا فِي الشَّرْعِ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُعَامَلَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَحَلَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يُحِلَّهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَحَلَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّاتِ وَلَمْ يُحِلَّهُ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [٢ \ ٢٢١] . وَقَوْلُهُ: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [٦٠ \ ١٠] . وَقَالَ: لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [٦٠ \ ١٠] ، بَيَّنَ مَا فِي حَقِّ الْكِتَابِيَّاتِ قَالَ: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [٥ \ ٥] ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ فِي الْحُكْمِ. وَقَدْ جَمَعَ وَالِدُنَا الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بَيْنَ تِلْكَ النُّصُوصِ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا جَمْعًا مُفَصَّلًا مَفَادُهُ أَنَّ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ أَنْوَاعٌ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُتَّصِفُونَ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ. وَلَعَلَّ فِي نَفْسِ آيَةِ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ يُشَابِهُونَهُمْ فِي مَقَالَتِهِمْ، وَهَذَا الْقَدْرُ اتَّصَفَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ. الثَّانِي: تَذْيِيلُ الْآيَةِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ عَمَّا يُشْرِكُونَ بَيْنَمَا وَصَفَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ فِي سُورَةِ الْبَيِّنَةِ بِالِاسْمِ " وَالْمُشْرِكِينَ ".

стр. 4153

وَمَعْلُومٌ أَنَّ صِيغَةَ الْفِعْلِ تَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ، وَصِيغَةَ الِاسْمِ تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالثُّبُوتِ، فَمُشْرِكُو مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ دَائِمُونَ عَلَى الْإِشْرَاكِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَقَعُ مِنْهُمْ حِينًا وَحِينًا. وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَوَرَّثَ الْجَمِيعَ مِنْ بَعْضٍ، وَمَنَعَ الْآخَرُونَ عَلَى أَسَاسِ الْمُغَايَرَةِ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ بَقِيَ الْمَجُوسُ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُمْ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ لِحَدِيثِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، اخْتُلِفَ فِي «مُنْفَكِّينَ» اخْتِلَافًا كَثِيرًا عِنْدَ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ، حَتَّى قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ عِنْدَ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي كِتَابِ الْبَسِيطِ: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَصْعَبِ مَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ نَظْمًا وَتَفْسِيرًا، وَقَدْ تَخَبَّطَ فِيهَا الْكِبَارُ مِنَ الْعُلَمَاءِ. ثُمَّ إِنَّهُ ﵀ لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الْإِشْكَالِ فِيهَا. وَأَنَا أَقُولُ وَجْهَ الْإِشْكَالِ: أَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، الَّتِي هِيَ الرَّسُولُ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ مُنْفَكُّونَ عَنْ مَاذَا، لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ، إِذِ الْمُرَادُ هُوَ الْكُفْرُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ. فَصَارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، الَّتِي هِيَ الرَّسُولُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُفْرَهُمْ قَدِ ازْدَادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﵇، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَ الْآيَةِ الْأُولَى وَالْآيَةِ الثَّانِيَةِ تَنَاقُضٌ فِي الظَّاهِرِ، هَذَا مُنْتَهَى الْإِشْكَالِ فِيمَا أَظُنُّ. اهـ. حَرْفِيًا. وَقَدْ سُقْتُ كَلَامَهُ لِبَيَانِ مَدَى الْإِشْكَالِ فِي الْآيَتَيْنِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُنْفَكِّينَ بِمَعْنَى تَارِكِينَ: وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ. وَالَّذِي جَاءَ عَنِ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي إِمْلَائِهِ: أَنَّ مُنْفَكِّينَ أَيْ:

стр. 4154

مُرْتَدِعِينَ عَنِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، أَيْ: أَتَتْهُمْ. وَلَكِنْ فِي مُنْفَكِّينَ، وَجْهٌ يَرْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مُنْفَكِّينَ بِمَعْنَى مَتْرُوكِينَ لَا بِمَعْنَى تَارِكِينَ، أَيْ: لَمْ يَكُونُوا جَمِيعًا مَتْرُوكِينَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [٧٥ \ ٣٦] ، وَقَوْلِهِ: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [٢٩ \ ١ - ٢] ، أَيْ: لَنْ يُتْرَكُوا وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ [١١ \ ٥٣] . وَقَدْ حَكَى أَبُو حَيَّانَ قَوْلًا عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلُهُ: وَيَتَّجِهُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بَارِعُ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَنَظَرِهِ لَهُمْ، حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيُتِمُّ عَلَى مَنْ آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا كَانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. فَقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ يَتَّفِقُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُزِيلُ الْإِشْكَالَ الْكَبِيرَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ، كَمَا أَسْلَفْنَا. وَلِابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ نَسُوقُهُ لِشُمُولِهِ، وَهُوَ ضِمْنُ كَلَامِهِ عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجْمُوعِ مُجَلَّدِ ٦١ ص ٥٩٤ قَالَ: وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُنْفَكِّينَ. ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. هَلِ الْمُرَادُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الْكُفْرِ؟ أَوْ هَلْ لَمْ يَكُونُوا مُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى بُعِثَ، فَلَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ حَتَّى بُعِثَ. أَوِ الْمُرَادُ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ حَتَّى يُرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ. وَنَاقَشَ تِلْكَ الْأَقْوَالَ وَرَدَّهَا كُلَّهَا ثُمَّ قَالَ: فَقَوْلُهُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ، أَيْ: لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ بِاخْتِيَارِ أَنْفُسِهِمْ يَفْعَلُونَ مَا يَهْوَوْنَهُ

стр. 4155

لَا حَجْرَ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ الْمُنْفَكَّ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ مَفْكُوكِينَ، بَلْ قَالَ: مُنْفَكِّينَ، وَهَذَا أَحْسَنُ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ وَلَا تُرْسَلُ إِلَيْهِمْ رُسُلٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّيهِمْ وَلَا يَتْرُكُهُمْ، فَهُوَ لَا يَفُكُّهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، لَا يُؤْمَرُ، وَلَا يُنْهَى، أَيْ: أَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَكُونُ؟ هَذَا مَا لَا يَكُونُ الْبَتَّةَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمَرَ وَيُنْهَى. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [٤٣ \ ٣ - ٥] . وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ: لِأَجْلِ إِسْرَافِكُمْ نَتْرُكُ إِنْزَالَ الذِّكْرِ، وَنُعْرِضُ عَنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ. تَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْأَصَحَّ فِي «مُنْفَكِّينَ» مَعْنَى «مَتْرُوكِينَ» وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَيَسْتَقِيمُ السِّيَاقُ، وَيَتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. أَجْمَلَ الْبَيِّنَةَ ثُمَّ فَصَّلَهَا فِيمَا بَعْدَهَا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا. وَفِي هَذَا قِيلَ: إِنَّ الْبَيِّنَةَ هِيَ نَفْسُ الرَّسُولِ فِي شَخْصِهِ، لِمَا كَانُوا يَعْرِفُونَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [٦١ \ ٦] ، وَقَوْلِهِ: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [٢ \ ١٤٦] . فَكَأَنَّ وُجُودَهُ ﷺ بِذَاتِهِ بَيِّنَةٌ لَهُمْ. وَلِذَا جَاءَ فِي الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُمْ عَرَفُوا يَوْمَ مَوْلِدِهِ بِظُهُورِ نَجْمِ نَبِيِّ الْخِتَانِ إِلَى آخَرِ أَخْبَارِهِ ﷺ ، وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ عَنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَبِمَا كَانَ مُتَّصِفًا بِهِ ﷺ ، وَمِنْ جَمِيلِ الصِّفَاتِ كَمَا قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ عِنْدَ بَدْءِ الْوَحْيِ لَهُ وَفَزَعِهِ مِنْهُ: «كَلَّا وَاللَّهِ لَنْ يُخْزِيَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الدَّهْرِ» إِلَى آخِرِهِ. وَقَوْلِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: «وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ لَعِبَ مَعَ الصِّبْيَانِ وَلَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ كِذْبَةً» إِلَخْ. وَقَدْ لَقَّبُوهُ بِالْأَمِينِ.

стр. 4156

وَحَادِثَةُ شَقِّ الصَّدْرِ فِي رِضَاعِهِ، بَلْ وَقِيلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، لَمَّا تَعَرَّضَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرِيدُهُ لِنَفْسِهَا، فَأَبَى. وَلَمَّا تَزَوَّجَ وَدَخَلَ بِآمِنَةَ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: لَا حَاجَةَ لِي بِكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ كُنْتِ تَتَعَرَّضِينَ لِي؟ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ نُورًا فِي وَجْهِكَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي، فَلَمَّا تَزَوَّجْتَ وَضَعْتَهُ فِي آمِنَةَ وَلَمْ أَرَهُ فِيكَ الْآنَ، فَلَا حَاجَةَ لِي فِيكَ. فَكُلُّهَا دَلَائِلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي شَخْصِهِ بَيِّنَةٌ لَهُمْ، ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالرِّسَالَةِ، فَكَانَ رَسُولًا يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، مِنَ الْأَبَاطِيلِ وَالزَّيْغِ وَمَا لَا يَلِيقُ بِالْقُرْآنِ. وَمِمَّا اسْتُدِلَّ بِهِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [٣٣ \ ٤٩] فَعَلَيْهِ يَكُونُ «رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ» بَدَلٌ مِنَ «الْبَيِّنَةِ» مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ الرَّسُولُ مِمَّا يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. فَالتَّشْرِيعُ الَّذِي فِيهَا وَالْإِخْبَارُ الَّذِي أَعْلَنَهُ تَكُونُ الْبَيِّنَةُ. وَعَلَى كُلٍّ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تَصْدُقُ عَلَى الْجَمِيعِ، كَمَا تَصْدُقُ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَلَا رَسُولَ إِلَّا بِرِسَالَةٍ تُتْلَى، وَلَا رِسَالَةَ تُتْلَى إِلَّا بِرَسُولٍ يَتْلُوهَا. وَقَدْ عُرِّفَ لَفْظُ الْبَيِّنَةِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى وُجُودِ عِلْمٍ عَنْهَا مُسْبَقٍ عَلَيْهَا. فَكَأَنَّهُ قِيلَ: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ الْمَوْصُوفَةُ لَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا مَا قَدَّمْنَا فِي أَخْبَارِ عِيسَى ﵇ عَنْهُ، وَآخَرِ سُورَةِ الْفَتْحِ: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ الْآيَةَ [٤٨ \ ٢٩] . قَوْلُهُ تَعَالَى: فِيهَا كُتُبٌ. جَمْعُ كِتَابٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي إِمْلَائِهِ: كُتُبٌ: بِمَعْنَى مَكْتُوبَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قَيِّمَةٌ. يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ. وَحَكَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ الْكُتُبَ بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ، مُسْتَدِلًّا بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [٢ \ ١٨٣] وَقَوْلِهِ: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [٥٨ \ ٢١] .

стр. 4157

وَقِيلَ: الْكُتُبُ الْقَيِّمَةُ: هِيَ الْقُرْآنُ، فَجَعَلَهُ كُتُبًا ; لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَبْوَابٍ مِنَ الْبَيَانِ. وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي كُتُبٍ أَيِ: الْآيَاتُ الْمَكْتُوبَةُ فِي الْمُصْحَفِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ: الْمُرَادُ: الْآيَاتُ وَالْأَحْكَامُ الْمَكْتُوبَةُ فِيهَا، وَهَذِهِ الْمَعَانِي وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَدَلُّ عَلَى تَضَمُّنِ مَعْنَى كُتُبٍ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى كِتَابَةِ أَحْكَامٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَدْلُولَ «كُتُبٌ» عَلَى ظَاهِرِهَا، وَهُوَ تَضَمُّنُ تِلْكَ الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ لِكُتُبٍ سَابِقَةٍ قَيِّمَةٍ، كَمَا يَنُصُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [٨٧ \ ١٦ - ١٧] ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [٨٧ \ ١٩] ، وَكَقَوْلِهِ فِي عُمُومِ الْكُتُبِ الْأُولَى: قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [٤٦ \ ٣٠] ، وَقَوْلِهِ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ [٣ \ ٣ - ٤] . وَلِذَا قَالَ: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [٦ \ ١١٤] ، أَيْ: بِمَا فِيهِ مِنْ كُتُبِهِمُ الْقَيِّمَةِ الْمُتَقَدِّمِ إِنْزَالُهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [٢٤ \ ٣٤] . وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [٢٧ \ ٧٦] . وَقَالَ: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [٦ \ ٩٢] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آيَ الْقُرْآنِ مُتَضَمِّنَةٌ كُتُبًا قَيِّمَةً مِمَّا أُنْزِلَتْ مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ جَاءَ عَمَلِيًّا فِي آيَةِ الرَّحْمَنِ، وَقَوْلُهُ: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَيْ: فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، فَهَذِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْقَيِّمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، كَمَا قَالَ: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [٢ \ ١٧٩] . وَلَعَلَّ هَذَا بَيَّنَ وَجْهَ الْمَعْنَى فِيمَا رَوَاهُ الْمُفَسِّرُونَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ الْبَيِّنَةِ، فَقَالَ: أَوَذُكِرْتُ ثَمَّ؟» .

стр. 4158

وَبَكَى ﵁ ; لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ طُمَأْنِينَةٍ لَهُ عَلَى إِيمَانِهِ بِأَنَّهُ آمَنَ بِكِتَابٍ تَضَمَّنَ الْكُتُبَ الْقَيِّمَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَالَّتِي يَعْرِفُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَنَّ الرَّجْمَ فِي التَّوْرَاةِ لَمَّا غَطَّاهَا الْآتِي بِهَا، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْقِصَّةِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. يُلَاحَظُ أَنَّ السُّورَةَ فِي أَوَّلِهَا عَنِ الْكُفَّارِ عُمُومًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مَعًا، وَهُنَا الْحَدِيثُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَطْ، وَذَلِكَ مِمَّا يَخُصُّهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ دُونَ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كُتَّابٍ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِهِ ﷺ ، وَبِمَا سَيَأْتِي بِهِ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [٢ \ ٨٩] . وَكَقَوْلِهِ صَرَاحَةً: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [٤٢ \ ١٤] ، فَلِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ بَعْدَ مَجِيئِهِ، وَخَصَّهُمْ هُنَا بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. تَنْبِيهٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى «كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» ، أَمْرَانِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: اخْتِصَاصُ أَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا بِعَدَمِ عُمُومِ الْحَدِيثِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ نُصُوصٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا ذَكَرَ الرَّسُولَ يَتْلُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [٦٢ \ ٢] ، فَهَذَا نَفْسُ الْأُسْلُوبِ، وَلَكِنْ قَالَ: «آيَاتِهِ» ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِالْكُتُبِ الْأُخْرَى، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ. وَهَذَا لَا يَسْتَوْجِبُ التَّفَرُّقَ فِي أَمْرِهِ ﷺ . وَلَكِنَّ هُنَا لَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، هَلْ هُوَ فِي كُتُبِهِمُ السَّابِقَةِ، أَمْ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ؟ وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْ كُتُبِهِمْ وَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ،

стр. 4159

فَمِمَّا فِي كُتُبِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ [١٦ \ ٣٦] . وَقَوْلُهُ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [٤٢ \ ١٣] . فَإِقَامَةُ الدِّينِ وَعَدَمُ التَّفْرِقَةِ فِيهِ، هُوَ عَيْنُ عِبَادَةِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وَمِمَّا فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [٢ \ ٤٠ - ٤٣] . فَقَدْ نَصَّ عَلَى كَامِلِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا، أَنَّ الْكُتُبَ الْقَيِّمَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ هِيَ كُتُبُ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، وَأَنَّهُمْ أُمِرُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ مَعَ التَّعْلِيمَاتِ الْمَذْكُورَةِ نَفْسِهَا، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِبَادَةَ اللَّهِ بِإِخْلَاصٍ. وَهَذِهِ الْأَوَامِرُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي كُتُبِهِمْ أَوْ فِي الْقُرْآنِ لَا تَقْتَضِي التَّفَرُّقَ، بَلْ تَسْتَوْجِبُ الِاجْتِمَاعَ وَالْوَحْدَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. الْقَيِّمَةُ: فَيْعِلَةٌ مِنَ الْقَوَامَةِ، وَهِيَ غَايَةُ الِاسْتِقَامَةِ. وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [٩٨ \ ٣] ، أَيْ: مُسْتَقِيمَةٌ بِتَعَالِيمِهَا. وَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أَقْوَمُهَا وَأَعْدَلُهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [١٧ \ ٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا [١٨ \ ١ - ٢] ، فَنَفَى عَنْهُ الْعِوَجَ، وَأَثْبَتَ لَهُ الِاسْتِقَامَةَ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْقَوَامَةِ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَبْلُ، مِنْ أَنَّ الْمُسْتَقِيمَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ انْحِنَاءٌ كَالطَّرِيقِ الْمُعَبَّدِ الْمُسْتَقِيمِ عَنِ الْمُرْتَفَعَاتِ وَالْمُنْخَفَضَاتِ، لَكِنَّهُ يَنْحَرِفُ تَارَةً يَمِينًا وَشِمَالًا

стр. 4160

مَعَ اسْتِقَامَتِهِ، فَهُوَ مَعَ الِاسْتِقَامَةِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الْعِوَجِ. وَلَكِنْ مَا يَنْتَفِي عَنْهُ الْعِوَجُ وَتَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِقَامَةُ، هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَمْتَدُّ فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ بِدُونِ أَيِّ اعْوِجَاجٍ إِلَى أَيِّ الْجَانِبَيْنِ، مَعَ اسْتِقَامَتِهِ فِي سَطْحِهِ. وَهَكَذَا هُوَ الْقُرْآنُ، فَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [٩٨ \ ٥] الْمِلَّةُ الْقَيِّمَةُ، قَيِّمَةٌ فِي ذَاتِهَا، وَقَيِّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا: وَمُهَيْمِنَةٌ عَلَيْهِ، وَكَقَوْلِهِ: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [١٢ \ ٤٠] ، وَقَوْلِهِ: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [٦ \ ١٦١ - ١٦٣] . تَنْبِيهٌ إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدًّا صَرِيحًا عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِدُونِ عِلْمٍ إِلَى دَعْوَةٍ لَا تَخْلُو مِنْ تَشْكِيكٍ، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ لَبْسٍ، وَهِيَ دَعْوَةُ وَحْدَةِ الْأَدْيَانِ، وَمَحَلُّ اللَّبْسِ فِيهَا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ حَقٌّ، وَمِنْهُ بَاطِلٌ. أَمَّا الْحَقُّ فَهُوَ وَحْدَةُ الْأُصُولِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [٩٨ \ ٥] ، وَأَمَّا الْبَاطِلُ فَهُوَ الْإِبْهَامُ، بِأَنَّ هَذَا يَنْجَرُّ عَلَى الْفُرُوعِ مَعَ الْجَزْمِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، بِأَنَّ فُرُوعَ كُلِّ دِينٍ قَدْ لَا تَتَّفِقُ كُلُّهَا مَعَ فُرُوعِ الدِّينِ الْآخَرِ، فَلَمْ تَتَّحِدِ الصَّلَاةُ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَلَا الصِّيَامُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَفْصِيلٍ لِلْفُرُوعِ، وَالسُّنَّةُ تُكْمِلُ تَفْصِيلَ مَا أَجْمَلَ. وَهُنَا النَّصُّ الصَّرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ هُوَ دِينُ الْقَيِّمَةِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَهِيَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَادِلَ وَيُسَاوِيَ مَعَ غَيْرِهِ أَبَدًا مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، بِأَنَّ اللَّهَ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ لَئِنْ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا ﷺ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَيَنْصُرُنَّهُ وَلَيَتَّبِعُنَّهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِذَلِكَ. وَقَدْ أَخْبَرَ الرُّسُلُ أُمَمَهُمْ بِذَلِكَ. فَلَمْ يَبْقَ مَجَالٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَا غَيْرِهِ لِدَعْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ بِعُنْوَانٍ مُجَوَّفٍ وَحْدَةِ الْأَدْيَانِ، بَلِ الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ وَحْدَهُ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [٣ \ ١٩] ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [٣ \ ٨٥]

стр. 4161

وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ. قُرِئَتِ الْبَرِيَّةُ بِالْهَمْزَةِ وَبِالْيَاءِ، فَقَرَأَ بِالْهَمْزِ: نَافِعٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَاخْتُلِفَ فِي أَخْذِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنْ أُخِذَتِ الْبَرِيَّةُ مِنَ الْبَرَاءَةِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ: أَيِ التُّرَابِ. فَأَصْلُهُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ بِقَوْلِهِ مِنْهُ: بَرَاهُ اللَّهُ يَبْرُوهُ بَرْوًا، أَيْ: خَلَقَهُ، وَقِيلَ: الْبَرِيَّةُ مَنْ بَرَيْتُ الْقَلَمَ أَيْ قَدَرْتُهُ. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَسْأَلَتَيْنِ: الْأُولَى مِنْهُمَا: أَنَّ أُولَئِكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا، وَمَبْحَثُ خُلُودِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ وَافِيًا. وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةُ أَصْلُهَا الْبَرِيئَةُ، قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً تَسْهِيلًا، وَأُدْغِمَتِ الْيَاءُ فِي الْبَاءِ، وَالْبَرِيئَةُ الْخَلِيقَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى بَارِئُ النَّسَمِ، هُوَ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ سُبْحَانَهُ. وَمِنَ الْبَرِيَّةِ الدَّوَابُّ وَالطُّيُورُ، وَهُنَا النَّصُّ عَلَى عُمُومِهِ، فَأَفْهَمَ أَنَّ أُولَئِكَ شَرٌّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالدَّوَابِّ. وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ صَرِيحًا فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [٨ \ ٢٢] ، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الْكُفَّارُ فِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [٤٧ \ ٢٣] ، وَقَالَ عَنْهُمْ: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [٤٣ \ ٤٠] ، فَهُمْ لِصَمَمِهِمْ وَعَمَاهُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الدَّوَابَّ لَيْسَتْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ; لِأَنَّهَا تَعْلَمُ وَتُؤْمِنُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ فِي هُدْهُدِ سُلَيْمَانَ، أَنْكَرَ عَلَى بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا سُجُودَهُمْ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَنَصُّ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: «أَنَّهُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا تُصِيخُ بِأُذُنِهَا مِنْ

стр. 4162

فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ خَشْيَةَ السَّاعَةِ» ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ عِنْدَ الْكَافِرِ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ لَمَّا يَجْمَعُ اللَّهُ جَمِيعَ الدَّوَابِّ وَيَقْتَصُّ لِلْعَجْمَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، فَيَقُولُ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَيَتَمَنَّى الْكَافِرُ لَوْ كَانَ مِثْلَهَا فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ، كَمَا قَالَ: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [٧ ٨ \ ٤٠] . وَذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ: أَنَّ الدَّوَابَّ لَمْ تَعْمَلْ خَيْرًا فَتَبْقَى لِتُجَازَى عَلَيْهِ، وَلَمْ تَعْمَلْ شَرًّا لِتُعَاقَبَ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لَا لَهَا وَلَا عَلَيْهَا إِلَّا مَا كَانَ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَعْضِهَا، فَلَمَّا اقْتُصَّ لَهَا مِنْ بَعْضِهَا انْتَهَى أَمْرُهَا، فَكَانَتْ نِهَايَتُهَا عَوْدَتَهَا إِلَى مَنْبَتِهَا وَهُوَ التُّرَابُ. بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ حِسَابَ التَّكَالِيفِ وَعِقَابَ الْمُخَالَفَةِ فَيُعَاقَبُ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ، فَكَانَ شَرَّ الْبَرِيَّةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. الْحُكْمُ هُنَا بِالْعُمُومِ، كَالْحُكْمِ هُنَاكَ، وَلَكِنَّهُ هُنَا بِالْخَيْرِيَّةِ وَالتَّفْضِيلِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ فَلَا إِشْكَالَ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَفْضَلُ الْأَجْنَاسِ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [١٧ \ ٧٠] . وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَالِحَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَلَعَلَّ مِمَّا يُقَوِّي هَذَا الِاسْتِدْلَالَ، هُوَ أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ أَفْضَلُ مِنْ عُمُومِ أَفْرَادِ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ ، وَإِذَا فُضِّلَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْجِنْسِ لَا يُمْنَعُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَلَكِنْ هَلْ بَعْضُ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمُومِ أَوْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْمَلَائِكَةِ؟ هَذَا هُوَ مَحَلَّ الْخِلَافِ. وَلِلْقُرْطُبِيِّ مَبْحَثٌ فِي ذَلِكَ: مَبْنَاهُ عَلَى أَصْلِ الْمَادَّةِ وَوُرُودِ النُّصُوصِ مِنْ جِهَةِ أَصْلِ الْمَادَّةِ إِنْ كَانَتِ الْبَرِيَّةُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْبَرْيِ وَهُوَ التُّرَابُ، فَلَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ تَحْتَ هَذَا التَّفْضِيلِ وَإِلَّا فَتَدْخُلُ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النُّصُوصِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [٢ \ ٣٣] ، قَالَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، الْمَلَائِكَةُ أَوْ بَنُو آدَمَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ قَوْلٌ إِلَى أَنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوْلِيَاءَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.

стр. 4163

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَةَ بِأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. وَقَوْلِهِ: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [٦٦ \ ٦] . وَقَوْلِهِ: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [٦ \ ٥٠] . وَبِمَا فِي الْبُخَارِيِّ يَقُولُ اللَّهُ: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ» وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى خَيْرٌ مِنْ مَلَأِ الْأَرْضِ. وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ بَنِي آدَمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [٩٨ \ ٧] ، بِالْهَمْزِ مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ، وَقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَبِأَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ الْمَلَائِكَةَ، وَلَا يُبَاهِي إِلَّا بِالْأَفْضَلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَلَا طَرِيقَ إِلَى الْقَطْعِ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ خَيْرٌ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ خَبَرُ اللَّهِ، وَخَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ. وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالشِّيعَةِ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ رَدَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ. وَقَدْ سُقْنَا هَذَا الْبَحْثَ لِبَيَانِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا لَفْظُ الْبَرِيَّةِ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ جُزْئِيَّةٌ لَا كُلِّيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ جِنْسَ الْبَشَرِ خِلَافُ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ فِيهِمُ النَّصُّ بِأَنَّهُمْ: عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [٢١ \ ٢٦] ، وَالْبَشَرُ فِيهِمُ النَّصُّ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [١٧ \ ٧٠] ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَالْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ فِي الدَّلَالَةِ. فَفِي الْمَلَائِكَةِ بِالِاسْمِ: مُكْرَمُونَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالثُّبُوتِ، وَفِي بَنِي آدَمَ كَرَّمْنَا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ. وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَالتَّكْرِيمُ ثَابِتٌ وَلَازِمٌ وَدَائِمٌ لِلْمَلَائِكَةِ بِخِلَافِهِ فِي بَنِي آدَمَ إِذْ فِيهِمْ

стр. 4164

وَفِيهِمْ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّفْضِيلَ فِي الْأَعْمَالِ مِنْ حَيْثُ صُدُورِهَا مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِذِ الْمَلَائِكَةُ تَصْدُرُ عَنْهُمْ أَعْمَالُ الْخَيْرِ جِبِلَّةً أَوْ بِدُونِ نَوَازِعِ شَرٍّ، بِخِلَافِ بَنِي آدَمَ، وَإِنَّ أَعْمَالَ الْخَيْرِ تَصْدُرُ عَنْهَا بِمَجْهُودٍ مُزْدَوَجٍ، حَيْثُ رُكِّبَتْ فِيهِمُ النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ وَالْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْجَانِبِ الْحَيَوَانِيِّ. وَازْدِوَاجِيَّةُ الْمَجْهُودِ، هُوَ أَنَّهُ يُنَازِعُ عَوَامِلَ الشَّرِّ حَتَّى يَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَيَبْذُلَ الْجُهْدَ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، فَهُوَ يُجَاهِدُ لِلتَّخْلِيصِ مِنْ نَوَازِعِ الشَّرِّ، ثُمَّ هُوَ يُجَاهِدُ لِلْقِيَامِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَهَذَا مَجْهُودٌ يَقْتَضِي التَّفْضِيلَ عَلَى الْمَجْهُودِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ، لَمَّا ذَكَرَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنْ أَنَّ الْعَامِلَ مِنْهُمْ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ، فَقَالُوا: خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «بَلْ خَمْسِينَ مِنْكُمْ، لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ أَعْوَانًا عَلَى الْخَيْرِ وَهُمْ لَا يَجِدُونَ» . وَحَدِيثُ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ» وَبَيَّنَ ﷺ ، أَنَّ الدِّرْهَمَ سَبَقَ الْأَضْعَافَ الْمُضَاعَفَةَ ; لِأَنَّهُ ثَانِي اثْنَيْنِ فَقَطْ، وَالْمِائَةَ أَلْفٍ جُزْءٌ مِنْ مَجْمُوعٍ كَثِيرٍ. فَالنَّفْسُ الَّتِي تَجُودُ بِنِصْفِ مَا تَمْلِكُ، وَلَا يَتَبَقَّى لَهَا إِلَّا دِرْهَمٌ، خَيْرٌ بِكَثِيرٍ مِمَّنْ تُنْفِقُ جُزْءًا ضَئِيلًا مِمَّا تَمْلِكُ وَيَتَبَقَّى لَهَا الْمَالُ الْكَثِيرُ، فَكَانَتْ عَوَامِلُ التَّصَدُّقِ وَدَوَافِعُهُ مُخْتَلِفَةً مُنَزَّلَةً فِي النَّفْسِ مُتَضَادَّةً ; فَالدِّرْهَمُ فِي ذَاتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ الْأُخْرَى، لَمْ تَتَفَاوَتِ الْمَاهِيَّةُ وَلَا الْجِنْسُ، وَلَكِنْ تَفَاوَتَتِ الدَّوَافِعُ وَالْعَوَامِلُ لِإِنْفَاقِهِ، وَلَعَلَّ الْمُفَاضَلَةَ الْمَقْصُودَةَ تَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَوْلَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا. فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ ; ثَلَاثَةٌ مُجْمَلَةٌ جَاءَ بَيَانُهَا فِي الْقُرْآنِ. وَالرَّابِعَةُ مُفَصَّلَةٌ وَلَهَا شَوَاهِدُ. وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمُجْمَلَةُ فَأَوَّلُهَا قَوْلُهُ: جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، إِذِ الْجَزَاءُ فِي مُقَابِلِ شَيْءٍ يَسْتَوْجِبُهُ، وَعِنْدَ رَبِّهِمْ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَفَضُّلٌ مِنْهُ، وَإِلَّا لَقَالَ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا [٧ ٨ \ ٣١ - ٣٦] ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ كُلَّهُ مِنْ رَبِّهِمْ عَطَاءٌ لَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ.

стр. 4165

الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ قَوْلُهُ: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، فَأَجْمَلَ مَا فِي الْجَنَّاتِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، مَعَ إِجْمَالِ تِلْكَ الْأَنْهَارِ، وَقَدْ فَصَّلَتْ آيَةُ: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [٧٨ \ ١] مَا أُعِدَّ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ حَدَائِقَ وَأَعْنَابٍ وَكَوَاعِبَ وَشَرَابٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، وَعَدَمِ سَمَاعِ اللَّغْوِ إِلَى آخِرِهِ. كَمَا جَاءَ تَفْصِيلُ الْأَنْهَارِ فِي سُورَةِ الْقِتَالِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [٤٧ \ ١٥] ، وَالْخُلُودُ فِي هَذَا النَّعِيمِ هُوَ تَمَامُ النَّعِيمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. يُعْتَبَرُ هَذَا الْإِخْبَارُ مِنْ حَيْثُ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ بَابِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ اللَّيْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى إِلَى قَوْلِهِ وَلَسَوْفَ يَرْضَى [٩٢ \ ١٧ - ٢١] ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الصِّدِيقِ ﵁ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَاءَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا سُورَةِ وَالضُّحَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [٩٣ \ ٥] ، أَيْ: لِلرَّسُولِ ﷺ . وَهُنَا فِي عُمُومٍ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، فَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَاتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﵃، وَقَدْ جَاءَ مَا يُبَيِّنُ سَبَبَ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [٤٨ \ ١] فَكَانَتِ الْمُبَايَعَةُ سَبَبًا لِلرِّضْوَانِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ زَمَنَ هَذَا الرِّضْوَانِ أَهْوَ سَابِقٌ فِي الدُّنْيَا أَمْ حَاصِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ تُبَيِّنُ أَنَّهُ سَابِقٌ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [٩ \ ١٠٠] ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهَا: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ.

стр. 4166

فَهُوَ فِي قُوَّةِ الْوَعْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَكُونُ الْإِخْبَارُ بِالرِّضَى مُسْبَقًا عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ آيَةُ سُورَةِ الْفَتْحِ فِي الْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِذْ فِيهَا: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [٤٨ \ ١٨] ، وَهُوَ إِخْبَارٌ بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَقَدْ سُمِّيَتْ «بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ» . تَنْبِيهٌ فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ الْكَرِيمِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ حَقًّا فِي حَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَعْلَمَ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ غَايَةُ أَمَانِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. أَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْ رِضَى الْعَبْدِ عَنِ اللَّهِ، فَهَلْ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ أَنْ يُسْأَلَ عَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ رَاضِيًا عَنِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَقِّهِ ذَلِكَ قَطْعًا، فَيَكُونُ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ بِلَازِمِ الْفَائِدَةِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ فِي غَايَةٍ مِنَ السَّعَادَةِ وَالرِّضَى فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي رَضُوا وَتَجَاوَزَ رِضَاهُمْ حَدَّ النَّعِيمِ إِلَى الرِّضَى عَنِ الْمُنْعِمِ. كَمَا يُشِيرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ آخِرَ آيَةِ النَّبَأِ: عَطَاءً حِسَابًا [٧٨ \ ٣٦] ، قَالُوا: إِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ حَتَّى يَقُولُوا: حَسْبُنَا حَسْبُنَا، أَيْ: كَافِينَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ. اسْمُ الْإِشَارَةِ مُنْصَبٌّ عَلَى مَجْمُوعِ الْجَزَاءِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَهُنَا يَقُولُ: إِنَّهُ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ، مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ تِلْكَ الْأَعْمَالَ تَصْدُرُ مِنْهُمْ عَنْ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ. رَغْبَةٍ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَرَهْبَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [٥٥ \ ٤٦] ، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى. [٧٩ \ ٤٠ - ٤١] وَالْوَاقِعُ أَنَّ صِفَةَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ أَجْمَعُ صِفَاتِ الْخَيْرِ فِي الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [١٦ \ ٥٠] .

стр. 4167

وَقَدْ عَمَّ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [٦٧ \ ١٢] . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ السِّرُّ الْأَعْظَمُ، وَهُوَ كَوْنُ الْخَشْيَةِ فِي الْغَيْبَةِ عَنِ النَّاسِ، وَهَذَا أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ، وَالْخَشْيَةُ أَشَدُّ الْخَوْفِ.

стр. 4168

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الزَّلْزَلَة قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ الزَّلْزَلَةُ: الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ بِسُرْعَةٍ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ فِقْهُ اللُّغَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: تَكْرَارُ الْحُرُوفِ، أَوْ مَا يُقَالُ تَكْرَارُ الْمَقْطَعِ الْوَاحِدِ، مِثْلُ صَلْصَلَ وَقَلْقَلَ وَزَقْزَقَ، فَهَذَا التَّكْرَارُ يَدُلُّ عَلَى الْحَرَكَةِ. وَالثَّانِي: وَزْنُ فَعَّلَ بِالتَّضْعِيفِ كَغَلَّقَ وَكَسَّرَ وَفَتَّحَ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ تَكْرَارُ الْمَقْطَعِ وَتَضْعِيفُ الْوَزْنِ. وَلِذَا، فَإِنَّ الزِّلْزَالَ أَشَدُّ مَا شَهِدَ الْعَالَمُ مِنْ حَرَكَةٍ، وَقَدْ شُوهِدَتْ حَرَكَاتُ زِلْزَالٍ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ الثَّانِيَةِ، فَدَمَّرَ مُدُنًا وَحَطَّمَ قُصُورًا. وَلِذَا فَقَدَ جَاءَ وَصْفُ هَذَا الزِّلْزَالِ بِكَوْنِهِ شَيْئًا عَظِيمًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [٢٢ \ ١] ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الشِّدَّةِ تَكْرَارُ الْكَلِمَةِ فِي «زُلْزِلَتْ» وَفِي «زِلْزَالَهَا» ، كَمَا تُشْعِرُ بِهِ هَذِهِ الْإِضَافَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ، إِيرَادُ النُّصُوصِ الْمُبَيِّنَةِ لِذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [٦٩ \ ١٤] ، وَقَوْلِهِ: إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [٥٦ \ ٤ - ٥] ، وَقَوْلِهِ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [٧٩ \ ٦ - ٧] ، وَسَاقَ قَوْلَهُ: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا [٩٩ \ ٢] . وَاخْتُلِفَ فِي الْأَثْقَالِ مَا هِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

стр. 4169

فَقِيلَ: مَوْتَاهَا. وَقِيلَ: كُنُوزُهَا، وَقِيلَ: التَّحَدُّثُ بِمَا عَمِلَ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ. وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّ إِخْرَاجَ كُنُوزِهَا سَيَكُونُ قَبْلَ النَّفْخَةِ، وَالتَّحَدُّثُ بِالْأَعْمَالِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِذَاتِهِ، فَلَيْسَ هُوَ الْأَثْقَالُ. وَرَجَّحُوا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [٧٧ \ ٢٥ - ٢٦] . وَقَالُوا: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ثِقَلَانِ عَلَى ظَهْرِهَا، فَهُمَا ثِقَلٌ عَلَيْهَا، وَفِي بَطْنِهَا فَهُمْ ثِقَلٌ فِيهَا، وَلِذَا سُمِّيَا بِالثَّقَلَيْنِ. قَالَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ مَوْتَاهَا. وَشَبِيهٌ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [٤٨ \ ٣ - ٤] ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ إِذَا رَاعَيْنَا صِيغَةَ الْجَمْعِ أَثْقَالَهَا، وَلَمْ يَقُلْ ثِقَلَهَا، وَإِرَادَةُ الْجَمْعِ مَرْوِيَّةٌ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ. وَحَكَى الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ الْقَوْلَيْنِ فِي إِمْلَائِهِ: أَيْ مَوْتَاهَا، وَقِيلَ: كُنُوزُهَا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، لَفْظُ الْإِنْسَانِ هُنَا عَامٌّ وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقُولُ ذَلِكَ هُوَ الْكَافِرُ. أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [٣٦ \ ٥١ - ٥٢] . فَالْكَافِرُ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالْمُؤْمِنُ يَطْمَئِنُّ لِلْوَعْدِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ، مَا جَاءَ فِي آخِرِ السِّيَاقِ قَوْلُهُ: فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ أَيْ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. وَقَوْلُهُ: مَا لَهَا سُؤَالُ اسْتِيضَاحٍ وَذُهُولٍ مِنْ هَوْلِ مَا يُشَاهِدُ. وَقَوْلُهُ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، التَّحْدِيثُ هُنَا صَرِيحٌ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَتَغَيَّرُ أَوْضَاعُ كُلِّ شَيْءٍ وَتَظْهَرُ حَقَائِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَمَا أَنْطَقَ اللَّهُ الْجُلُودَ يُنْطِقُ الْأَرْضَ، فَتُحَدِّثُ بِأَخْبَارِهَا، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [٤١ \ ٢١]

стр. 4170

وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ سُورَةِ الْحَشْرِ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَوْدَعَ فِي الْجَمَادَاتِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِدْرَاكِ وَالنُّطْقِ، وَالْمُرَادُ بِإِخْبَارِهَا أَنَّهَا تُخْبِرُ عَنْ أَعْمَالِ كُلِّ إِنْسَانٍ عَلَيْهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ الْمُؤَذِّنِ «لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ حَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ إِلَّا وَشَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ إِخْبَارَهَا هُوَ مَا أَخْرَجَتْهُ مِنْ أَثْقَالِهَا بِوَحْيِ اللَّهِ لَهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ مَعْنًى جَدِيدًا. وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَبْحَثَانِ أَحَدُهُمَا فِي مَعْنَى مَنْ لِعُمُومِهِ، وَالْآخَرُ فِي صِيغَةِ «يَعْمَلْ» . أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَطْرُوقٌ فِي جَمِيعِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ: مَنْ لِلْعُمُومِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرَى مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ شَيْئًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [٢٥ \ ٢٣] ، وَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، قَدْ لَا يَرَى كُلَّ مَا عَمِلَ مِنْ شَرٍّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [٤ \ ٤٨] . وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِتَوَسُّعٍ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِيرَادِهِ. أَمَّا الْمَبْحَثُ الثَّانِي فَلَمْ أَرَ مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْبَحْثِ، وَهُوَ فِي صِيغَةِ «يَعْمَلْ» ; لِأَنَّهَا صِيغَةُ مُضَارِعٍ، وَهِيَ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ. وَالْمَقَامُ فِي هَذَا السِّيَاقِ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا، وَهُوَ يَوْمُ الْبَعْثِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلْعَمَلِ، وَكَانَ مُقْتَضَى السِّيَاقِ أَنْ يُقَالَ: فَمَنْ عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَلَكِنَّ الصِّيغَةَ هُنَا صِيغَةُ مُضَارِعٍ، وَالْمَقَامَ لَيْسَ مَقَامَ عَمَلٍ، وَلَكِنْ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ «يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ» أَيْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَهُمْ إِنَّمَا يُرَوْا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا مِنْ قَبْلُ، فَتَكُونُ صِيغَةُ الْمُضَارِعِ هُنَا مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ، حَيْثُ كَانَ السِّيَاقُ أَوَّلًا مِنْ أَوَّلِ
следующие страницы →