Полный текст (4 343 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
وَسُورَةُ الْهُمَزَةِ فِي نَفْسِ الْمَعْنَى تَقْرِيبًا، فِي «الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ» . [١٠٤ \ ٢ - ٣]
فَجَمْعُ الْمَالِ وَتَعْدَادُهُ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، وَحَيَاتُهُ مَحْدُودَةٌ، وَلَيْسَ مُخَلَّدًا فِي الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ وَعَمَلَ الصَّالِحَاتِ مُرْتَبِطٌ بِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ.
وَعَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعَصْرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْعُمُومُ لِشُمُولِهِ الْجَمِيعَ وَلِلْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ، وَهَذَا أَقْوَاهَا.
وَإِمَّا حَيَاةُ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّهُ أَلْزَمُ لَهُ فِي عَمَلِهِ، وَتَكُونُ كُلُّ الْإِطْلَاقَاتِ الْأُخْرَى مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ، وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ.
لَفْظُ الْإِنْسَانِ وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا، فَإِنَّ أَلْ فِيهِ جَعَلَتْهُ لِلْجِنْسِ.
وَقَدْ بَيَّنَهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى.
وَقِيلَ: خَاصٌّ بِالْكَافِرِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِلْعُمُومِ.
وَ «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ» جَوَابُ الْقَسَمِ، وَالْخُسْرُ: قِيلَ: هُوَ الْغَبْنُ، وَقِيلَ: النَّقْصُ، وَقِيلَ: الْعُقُوبَةُ، وَقِيلَ: الْهَلَكَةُ، وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ.
وَأَصْلُ الْخُسْرِ وَالْخُسْرَانِ كَالْكُفْرِ وَالْكُفْرَانِ، النَّقْصُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا نَوْعَ الْخُسْرَانِ فِي أَيِّ شَيْءٍ، بَلْ أَطْلَقَ لِيَعُمَّ، وَجَاءَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، لِيُشْعِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْخُسْرَانِ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
وَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى أَمْرَيْنِ وَهُمَا الْمُسْتَثْنَى وَالسُّورَةُ الَّتِي قَبْلَهَا، لَاتَّضَحَ هَذَا الْعُمُومُ ; لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُسْتَثْنَى يَشْمَلُ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ: عَدَمُ الْإِيمَانِ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَعَدَمُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَهُوَ الْعَمَلُ الْفَاسِدُ، وَعَدَمُ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَهُوَ انْعِدَامُ التَّوَاصِي كُلِّيَّةً أَوِ التَّوَاصِي بِالْبَاطِلِ، وَعَدَمُ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، وَهُوَ إِمَّا انْعِدَامُ التَّوَاصِي كُلِّيَّةً أَوِ الْهَلَعُ وَالْجَزَعُ.
وَالسُّورَةُ الَّتِي قَبْلَهَا تَلَهِّي الْإِنْسَانِ بِالتَّكَاثُرِ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ، بُغْيَةَ الْغِنَى وَالتَّكَثُّرِ فِيهِ، وَضِدُّهُ ضَيَاعُ الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَهُوَ الْخُسْرَانُ.
стр. 4202
فِعْلَيْهِ يَكُونُ الْخُسْرَانُ فِي الدِّينِ مِنْ حَيْثُ الْإِيمَانِ بِسَبَبِ الْكُفْرِ، وَفِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ تَرْكُ الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ يَشْمَلُهُ الْإِيمَانُ فِي الِاصْطِلَاحِ وَالتَّلَهِّي فِي الْبَاطِلِ وَتَرْكُ الْحَقَّ، وَفِي الْهَلَعِ وَالْفَزَعِ.
وَمِنْ ثَمَّ تَرْكُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعَبْدِ وَفَلَاحُهُ وَصَلَاحُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نُجْمِلُهُ فِي الْآتِي:
أَمَّا الْخُسْرَانُ بِالْكُفْرِ. فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى. لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [٣٩ \ ٦٥] .
وَقَوْلِهِ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ، أَيْ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا لِهَذَا اللِّقَاءِ، وَقَصَرُوا أَمْرَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَضَيَّعُوا أَنْفُسَهُمْ، وَحَظَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا الْخُسْرَانُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ، فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [٧ \ ٩] ، لِأَنَّ الْمَوَازِينَ هِيَ مَعَايِيرُ الْأَعْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [٩٩ \ ٧] .
وَمِثْلُهُ: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [٤ \ ١١٩] ، لِأَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [٥٨ \ ١٩] ، أَيْ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَأَمَّا الْخُسْرَانُ بِتَرْكِ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ فَلَيْسَ بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَالْحَقُّ هُوَ الْإِسْلَامُ بِكَامِلِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [٣ \ ٨٥] .
وَأَمَّا الْخُسْرَانُ بِتَرْكِ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ وَالْوُقُوعِ فِي الْهَلَعِ وَالْفَزَعِ، فَكَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [٢٢ \ ١١] .
تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فِي حَقِيقَةِ خُسْرَانِ الْإِنْسَان
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَأْسَ مَالِ الْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ هُوَ عُمُرُهُ ; كُلِّفَ بِإِعْمَالِهِ فِي فَتْرَةِ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا، فَهِيَ لَهُ كَالسُّوقِ. فَإِنْ أَعْمَلَهُ فِي خَيْرٍ رَبِحَ، وَإِنْ أَعْمَلَهُ فِي شَرٍّ خَسِرَ.
стр. 4203
وَيَدُلُّ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الْآيَةَ [٩ \ ١١١] .
وَقَوْلُهُ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ [٦١ \ ١٠ - ١١] .
وَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» .
وَفِي آخِرِهِ «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ رَأْسَ مَالِ الْإِنْسَانِ عُمُرُهُ.
وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الْعُمُرِ جَاءَ قَسِيمَ الرِّسَالَةِ وَالنَّذَارَةِ فِي قَوْلِهِ: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [٣٥ \ ٣٧] .
وَعَلَى هَذَا قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى.
وَهَدَى كُلَّ إِنْسَانٍ النَّجْدَيْنِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَةً فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلَةً فِي النَّارِ.
فَمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا كَانَ مَآلُهُ إِلَى مَنْزِلَةِ الْجَنَّةِ، وَسَلِمَ مِنْ مَنْزِلَةِ النَّارِ، وَمَنْ كَفَرَ كَانَ مَآلُهُ إِلَى مَنْزِلَةِ النَّارِ، وَتَرْكِ مَنْزِلَتِهِ فِي الْجَنَّةِ.
كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْقَبْرِ: «أَوَّلُ مَا يَدْخُلُ فِي قَبْرِهِ إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، وَيُقَالُ لَهُ: ذَاكَ مَقْعَدُكُ مِنَ النَّارِ لَوْ لَمْ تُؤْمِنْ ثُمَّ يُقْفَلُ عَنْهُ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَنْزِلُكَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ، فَيَقُولُ: رَبِّ، أَقِمِ السَّاعَةَ» .
وَإِنْ كَانَ كَافِرًا كَانَ عَلَى الْعَكْسِ تَمَامًا، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، فَيَأْخُذُ كُلٌّ مَنْزِلَتَهُ فِيهَا، وَتَبْقَى مَنَازِلُ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ خَالِيَةً فَيَتَوَارَثُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَتَبْقَى مَنَازِلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّارِ خَالِيَةً، فَتُوَزَّعُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، وَهُنَا يَظْهَرُ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ; لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مَنْزِلَةً فِي الْجَنَّةِ وَذَهَبَ إِلَى مَنْزِلَةٍ فِي النَّارِ، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ خَاسِرٌ، وَإِذَا تَرَكَ مَنْزِلَتَهُ فِي الْجَنَّةِ لِغَيْرِهِ وَأَخَذَ هُوَ بَدَلًا عَنْهَا مَنْزِلَةَ غَيْرِهِ فِي النَّارِ، كَانَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، عِيَاذًا بِاللَّهِ.
أَمَّا فِي غَيْرِ الْكَافِرِ وَفِي عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْخُسْرَانَ فِي التَّفْرِيطِ بِحَيْثُ لَوْ دَخَلَ
стр. 4204
الْجَنَّةَ وَلَمْ يَنَلْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ يُحِسُّ بِالْخُسْرَانِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي فَرَّطَ فِيهِ، وَلَمْ يُنَافِسْ فِعْلَ الْخَيْرِ، لِيَنَالَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ.
فَهَذِهِ السُّورَةُ فِعْلًا دَافِعٌ لِكُلِّ فَرْدٍ إِلَى الْجِدِّ وَالْعَمَلِ الْمُرْبِحِ، وَدَرَجَاتُ الْجَنَّةِ رَفِيعَةٌ، وَمَنَازِلُهَا عَالِيَةٌ مَهْمَا بَذَلَ الْعَبْدُ مِنْ جُهْدٍ، فَإِنَّ أَمَامَهُ مَجَالٌ لِلْكَسْبِ وَالرِّبْحِ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالْفَلَاحَ.
وَقَدْ قَالُوا: لَا يَخْرُجُ إِنْسَانٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا حَزِينًا، فَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَعَلَى إِسَاءَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَلِتَقْصِيرِهِ، وَقَدْ يَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [٤١] .
فَالْخَوْفُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ أَمَامَهُمْ، وَالْحُزْنُ عَلَى الْمَاضِي خَلْفَهُمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَيُبَيِّنُ خَطَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَشَعُرَ بِأَيَّامِهِ الْمَعْدُودَةِ وَسَاعَاتِهِ الْمَحْدُودَةِ، وَأَرَادَ زِيَادَةَ يَوْمٍ فِيهَا، يَتَزَوَّدُ مِنْهَا أَوْ سَاعَةٍ وَجِيزَةٍ يَسْتَدْرِكُ بَعْضًا مِمَّا فَاتَهُ، لَمْ يَسْتَطِعْ لِذَلِكَ سَبِيلًا، فَيَشْعُرُ بِالْأَسَى وَالْحُزْنِ عَلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ الَّتِي ضَاعَتْ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا كَسْبٍ وَلَا فَائِدَةٍ، كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تَكُونَ مُرْبِحَةً لَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا الْإِنْسَانُ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» .
أَيْ: أَنَّهُمَا يَمْضِيَانِ لَا يَسْتَغِلُّهُمَا فِي أَوْجِهِ الْكَسْبِ الْمُكْتَمِلَةِ، فَيُفَوَّتَانِ عَلَيْهِ بِدُونِ عِوَضٍ يُذْكَرُ، ثُمَّ يَنْدَمُ وَلَاتَ حِينَ مَنْدَمٍ.
كَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ:
بَدَّلَتْ بِالْجُمَّةِ رَأْسًا أَزْعَرَا ... وَبِالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدُّرِّ دُرَرَا
كَمَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ إِذْ تَنَصَّرَا
تَنْبِيهٌ
فِي سُورَةِ التَّكَاثُرِ تَقْبِيحُ التَّلَهِّي بِالتَّكَاثُرِ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ الْإِشْعَارُ بِأَنَّ سَبَبَهُ الْجَهْلُ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَمَا أَلْهَاهُمْ ذَلِكَ حَتَّى بَاغَتَهُمُ الْمَوْتُ.
وَهُنَا إِشْعَارٌ أَيْضًا بِأَنَّ سَبَبَ هَذَا الْخُسْرَانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْإِنْسَانُ، هُوَ الْجَهْلُ الَّذِيُُ
стр. 4205
يَجُرُّ إِلَى الْكُفْرِ وَالتَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ، وَيُسَاعِدُ عَلَى هَذَا قَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَطُولُ الْأَمَلِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [٥٧ \ ١٦] .
تَنْبِيهٌ آخَرُ
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، نَصَّ عَلَى الْإِنْسَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ كَالْإِنْسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [٤٦ \ ١٨] .
وَتَقَدَّمَ بَيَانُ تَكْلِيفِ الْجِنِّ بِالدَّعْوَةِ وَاسْتِجَابَتِهِمْ لَهَا وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
هَذَا هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْإِنْسَانِ الْمُتَقَدِّمِ، مِمَّا دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْإِيمَانُ لُغَةً التَّصْدِيقُ وَشَرْعًا الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ بِأَرْكَانِ الْإِيمَانِ السِّتَّةِ، فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ.
" وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ": الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.
وَلِذَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ، وَمَقَالَاتُهُمْ مَعْرُوفَةٌ.
وَالْجُمْهُورُ: أَنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ.
فَالْعَمَلُ دَاخِلٌ فِيهِ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا: أَنَّ الْعَمَلَ شَرْطٌ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا، أَيْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَصْدُقُ بِالِاعْتِقَادِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ شَرْطٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْإِيمَانِ، إِذَا تَمَكَّنَ الْعَبْدُ مِنَ الْعَمَلِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لِكَوْنِ الْإِيمَانِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّ الِاعْتِقَادِ وَالنُّطْقِ، وَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْعَبْدُ مِنَ الْعَمَلِ، قِصَّةُ الصَّحَابِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ عِنْدَ بَدْءِ الْمَعْرَكَةِ، وَقَاتَلَ، وَاسْتَشْهَدَ وَلَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ رَكْعَةً، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِقَادِ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، كَمَا كَانَ يَعْتَقِدُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَلِمَةً يُحَاجُّ لَهُ ﷺ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَوِ اعْتَقَدَ وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَلَمْ يَعْمَلْ كَانَ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ.
стр. 4206
وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُفَصَّلَةً.
وَالصَّالِحَاتُ: جَمْعُ صَالِحَةٍ، وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ وَشُرُوطُ كَوْنِ الْعَمَلِ صَالِحًا بِأَدِلَّتِهِ مِنْ كَوْنِهِ مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللَّهِ، وَعَمَلَهُ صَاحِبُهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ وَكَوْنِهِ صَادِرًا مِنْ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ، إِلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ.
يُعْتَبَرُ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ; لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عَمَلِ الصَّالِحَاتِ.
وَقِيلَ: إِنَّ التَّوَاصِيَ أَنْ يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْحَقِّ.
وَقِيلَ: الْحَقُّ كُلُّ مَا كَانَ ضِدَّ الْبَاطِلِ، فَيَشْمَلُ عَمَلَ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكَ الْمَعَاصِي.
وَاعْتَبَرَ هَذَا أَسَاسًا مِنْ أُسُسِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، بِقَرِينَةِ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، أَيْ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقِيلَ: الْحَقُّ هُوَ الْقُرْآنُ ; لِشُمُولِهِ كُلَّ أَمْرٍ وَكُلَّ نَهْيٍ، وَكُلَّ خَيْرٍ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ الْقُرْآنِ: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [١٧ \ ١٠٥] .
وَقَوْلُهُ: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [٣٩ \ ٢] .
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتُهُ فِي الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْحَقِّ تَشْمَلُ الشَّرِيعَةَ كُلَّهَا، أُصُولَهَا وَفُرُوعَهَا، مَاضِيَهَا وَحَاضِرَهَا، مِنْ ذَلِكَ مَا وَصَّى اللَّهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَعُمُومًا، مِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [٤٢ \ ١٣] .
وَإِقَامَةُ الدِّينِ الْقِيَامُ بِكُلِّيَّتِهِ، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ عَمَلَ الرُّسُلِ لِأُمَمِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَنَفَّذَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [٢ \ ١٣٢] .
وَمِنْ بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ يَعْقُوبُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [٢ \ ١٣٣] .
стр. 4207
فَهَذَا تَوَاصِي الْأُمَمِ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَعُمُومِ الشَّرِيعَةِ، وَكَذَلِكَ بِالْعِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ عِيسَى ﵇: وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي [١٩ \ ٣١ - ٣٢] .
وَكَذَلِكَ الْحَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مَاثِلَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ، لِتَرَابُطِ الْأُسْرَةِ، فَفِي الْوَالِدَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [٣١ \ ١٤ - ١٥] .
وَفِي الْأَبْنَاءِ قَالَ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [٤ \ ١١] .
وَفِي الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ أَوَامِرٌ وَنَوَاهِي، عِبَادَاتٌ وَمُعَامَلَاتٌ، جَاءَتْ آيَاتُ الْوَصَايَا الْعَشْرِ الَّتِي قَالَ عَنْهَا ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمَهُ فَلْيَقْرَأْ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [٦ \ ١٥١ - ١٥٣] .
تِلْكَ الْوَصَايَا الْجَامِعَةُ أَبْوَابَ الْخَيْرِ الْمُوَصِّدَةُ أَبْوَابَ الشَّرِّ وَالْمُذَيَّلَةُ بِهَذَا التَّبْيِينِ وَالتَّعْرِيفِ " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ".
وَلَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَرْبِطَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، لَكَانَتِ النَّتِيجَةُ كَالْآتِي فِي قَوْلِهِ: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، إِحَالَةً عَلَى تِلْكَ الْوَصَايَا، وَهِيَ شَامِلَةٌ جَامِعَةٌ وَمُعَنْوَنٌ لَهَا بِأَنَّهَا صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ.
стр. 4208
فَكَأَنَّ قَوْلَهُ: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، مُسَاوِيًا لِقَوْلِهِ: وَتَوَاصَوْا بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَاسْتَقِيمُوا عَلَيْهِ.
ثُمَّ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [١ \ ٦] ، وَهَذَا صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ فَاتَّبِعُوهُ.
فَكَانَتْ سُورَةُ الْعَصْرِ مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّوَاصِي بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ وَاتِّبَاعِهِ، وَيَأْتِي عَقِبَهَا قَوْلُهُ: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [١٠٣ \ ٣] ، بِمَثَابَةِ التَّثْبِيتِ عَلَى هَذَا الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إِذِ الصَّبْرُ لَازِمٌ عَلَى عَمَلِ الطَّاعَاتِ، كَمَا هُوَ لَازِمٌ لِتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ.
وَتِلْكَ الْوَصَايَا الْعَشْرُ جَمَعَتْ أَمْرًا وَنَهْيًا فِعْلًا وَتَرْكًا، وَكَذَلِكَ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا يَقُولُهُ دُعَاةُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالدَّعْوَةَ إِلَى الْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِهِ، فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَالِبًا مَنْ يَقُومُ بِهِ يَتَعَرَّضُ لِأَذَى النَّاسِ، فَلَزِمَهُمُ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يُوصِيهِ وَجَامِعًا فِي وَصِيَّتِهِ وَصِيَّةَ سُورَةِ الْعَصْرِ إِذْ قَالَ: يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [٣١ \ ١٧] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بَيَانُ قَوَاعِدِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالتَّفْصِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ [٥ \ ١٠٥] ، فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
فَصَارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِحَقٍّ جَامِعَةً لِأُصُولِ الرِّسَالَةِ.
كَمَا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ تَأَمَّلَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ.
قَوْلُهُ: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، جَاءَ الْحَثُّ عَلَى التَّوَاصِي بِالرَّحْمَةِ أَيْضًا مَعَ الصَّبْرِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [٩٠ \ ١٧] .
وَبِهَذِهِ الْوَصَايَا الثَّلَاثِ: بِالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ، وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ وَالتَّوَاصِي بِالْمَرْحَمَةِ، تَكْتَمِلُ مُقَوِّمَاتُ الْمُجْتَمَعِ الْمُتَكَامِلِ قِوَامُهُ الْفَضَائِلُ الْمُثْلَى، وَالْقِيَمُ الْفُضْلَى.
لِأَنَّ بِالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ إِقَامَةَ الْحَقِّ، وَالِاسْتِقَامَةَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
стр. 4209
وَبِالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، يَسْتَطِيعُونَ مُوَاصَلَةَ سَيْرِهِمْ عَلَى هَذَا الصِّرَاطِ، وَيَتَخَطَّوْنَ كُلَّ عَقَبَاتٍ تُوَاجِهُهُمْ.
وَبِالتَّوَاصِي بِالْمَرْحَمَةِ: يَكُونُونَ مُرْتَبِطِينَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، وَتِلْكَ أُعْطِيَاتٌ لَمْ يُعْطِهَا إِلَّا الْقُرْآنُ وَأَعْطَاهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْمُوجَزَةِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
تَنْبِيهٌ
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْخُسْرَانِ، وَفَوْزِهِمْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْإِيمَانِ، أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ أَنْفُسِهِمْ بَلْ تَعَدَّوْا إِلَى غَيْرِهِمْ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى مَا فَازُوا بِهِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ ﷺ : «حِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ» اهـ. مُلَخَّصًا.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى قَوْلِهِ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [٤١ - ٣٥] .
فَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ النَّاسَ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ إِزَاءَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ.
قَوْمٌ آمَنُوا وَقَالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ، وَاسْتَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَقَوْمٌ ارْتَفَعَتْ هِمَّتُهُمْ إِلَى دَعْوَةِ غَيْرِهِمْ وَهُمْ أَحْسَنُ قَوْلًا بِلَا شَكٍّ.
وَقَوْمٌ عَادُوا الدُّعَاةَ وَأَسَاءُوا إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَوْقِفَ الدُّعَاةِ مِنْ أُولَئِكَ الْمُسِيئِينَ فِي غُضُونِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ، أَيْ: إِسَاءَةُ الْمُسِيئِينَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَيُصْبِحُوا أَوْلِيَاءَ لَكَ، وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنِ ارْتَفَعَ إِلَيْهَا وَسَلَكَ مَسْلَكَهَا إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
стр. 4210
تَنْبِيهٌ
كُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ قَوْلَهُ لِلدُّعَاةِ عَدُوَّانِ: أَحَدُهُمَا مِنَ الْإِنْسِ. وَالْآخَرُ مِنَ الشَّيَاطِينِ.
وَقَدْ أَرْشَدَنَا اللَّهُ لِكَيْفِيَّةِ التَّغَلُّبِ عَلَيْهِمَا وَاكْتِفَاءِ شَرِّهِمَا.
أَمَّا عَدَاوَةُ الْإِنْسِ فَبِمُقَابَلَةِ الْإِسَاءَةِ بِالْإِحْسَانِ، فَيُصْبِحُ وَلِيًّا حَمِيمًا.
وَأَمَّا عَدُوُّ الْجِنِّ فَبِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [٤١ \ ٣٦] .
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ.
وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ قَدَّمَ مَبْحَثَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [٥ \ ١٠٥] .
وَذَكَرَ سُورَةَ الْعَصْرِ عِنْدَهَا، وَعَقَدَ مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةً فِي مَنْهَجِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، بِمَا لَا غِنَى عَنْهُ.
стр. 4211
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى كَلِمَةِ «وَيْلٌ» .
فَقِيلَ: هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقِيلَ: هِيَ كَلِمَةُ عَذَابٍ وَهَلَاكٍ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ ذِكْرُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي سُورَةِ الْجَاثِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [٤٥ \ ٧] ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مَصْدَرٌ لَا لَفْظَ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ، وَأَنَّ الْمُسَوِّغَ لِلِابْتِدَاءِ بِهَا مَعَ أَنَّهَا نَكِرَةٌ كَوْنُهَا فِي مَعْرِضِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ.
وَقَدِ اسْتَظْهَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِمَا اسْتَظْهَرَهُ ﵀، مَا جَاءَ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، أَنَّهُمْ قَالُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهَا: قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [٢ ١ \ ١٤] ، فَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَصَائِبِ، وَعِنْدَ التَّقْبِيحِ.
وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: أَصْلُ الْوَيْلِ لَفْظَةُ السُّخْطِ وَالذَّمِ، وَأَصْلُهَا وَيٌّ لِفُلَانٍ، ثُمَّ كَثُرَتْ فِي كَلَامِهِمْ فَوُصِلَتْ بِاللَّامِ، وَيُقَالُ: وَيْحٌ بِالْحَاءِ لِلتَّرَحُّمِ اهـ.
وَمِمَّا يَدُلُّ لِقَوْلِ الرَّازِيِّ أَيْضًا قَوْلُ قَارُونَ: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ [٢٨ \ ٨٢] .
وَمِثْلُهُ لِلتَّعَجُّبِ فِي قَوْلِهِ: قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [١١ \ ٧٢] .
وَقَوْلِهِ: قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي [٥ \ ٣١] .
стр. 4212
فَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْهَلَكَةِ، أَوْ شِدَّةِ التَّعَجُّبِ مِمَّا يُشْبِهُ الْمُسْتَبْعَدَ.
وَالَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ: هُوَ هَذَا الْمَعْنَى، وَسَبَبُ الْخِلَافِ قَدْ يَرْجِعُ لِمَجِيئِهَا تَارَةً مُطْلَقَةً كَقَوْلِهِ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [٧٧ \ ١٥] ، وَهُنَا وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
وَيَجِيءُ مَعَ ذِكْرِ مَا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَقَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [٣٨ \ ٢٧] ، وَقَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [٤٣ \ ٦٥] ، فَذَكَرَ النَّارَ وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [١٩ \ ٣٧] ، فَهِيَ فِي هَذَا كُلِّهِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، مِمَّا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ النَّارِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَمَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِذَاتِهَا دُونَ مَا ذُكِرَ مَعَهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، قِيلَ: هُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْغِيبَةُ.
وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ زِيَادٍ الْأَعْجَمِ:
تُدْلِي بِوُدِّي إِذَا لَاقَيْتَنِي كَذِبًا ... وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الْهَامِزُ الْهُمَزَهْ
وَعَزَا هَذَا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الَّذِي يُصِيبُ النَّاسَ وَيَطْعَنُ فِيهِمْ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ اسْتِعْمَالُ كُلٍّ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ مُفْرَدَةً عَنِ الْأُخْرَى، بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ.
فَفِي الْهُمَزَةِ قَوْلُهُ: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [٦٨ \ ١١] ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ.
وَفِي الْهُمَزَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [٤٩ \ ١١] .
وَقَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [٩ \ ٥٨] ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَقْرَبُ لِلتَّنَقُّصِ وَالْعَيْبِ فِي الْحُضُورِ لَا فِي الْغِيبَةِ، فَتَغَايُرُ الْهَمْزِ فِي الْمَعْنَى، وَفِي الصِّفَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَمْعٌ بَيْنَ الْقَبِيحَيْنِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِكَلِمَةِ «وَيْلٌ» .
وَقَدْ قِيلَ: الْهَمْزُ بِالْيَدِ: وَقِيلَ: بِاللِّسَانِ فِي الْحَضْرَةِ، وَالْهَمْزُ فِي الْغَيْبَةِ.ُُ
стр. 4213
وَقِيلَ: الْهَمْزُ بِالْيَدِ، وَاللَّمْزُ بِاللِّسَانِ، وَالْغَمْزُ بِالْعَيْنِ، وَكُلُّهَا مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٌ تَشْتَرِكُ فِي تَنَقُّصِ الْآخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ
. هَذَا الْوَصْفُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عِلَّةٌ فِيمَا قَبْلَهُ، إِذِ الْمَوْصُولُ هُنَا يَدُلُّ مِنْ كُلٍّ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ الْعَيْبُ فِي جَمَعَ مَالًا بَلْ فِي «عَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ» . وَفِي «عَدَّدَهُ» عِدَّةُ مَعَانٍ:
قِيلَ: عَدَّهُ كُلَّ وَقْتٍ وَآخَرَ، تَحَفُّظًا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: عَدَّدَهُ كَنَزَهُ.
وَقِيلَ: عَدَّدَهُ أَعَدَّهُ لِلْحَاجَةِ.
وَقُرِئَ: «جَمَّعَ وَعَدَّدَ» بِالتَّشْدِيدِ وَبِالتَّخْفِيفِ. وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ شُحًّا وَبُخْلًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ
. هَذَا الْحُسْبَانُ هُوَ الْمَذْمُومُ عَلَيْهِ، وَالْمُنْصَبُّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ ; لِأَنَّهُ كَفَرَ بِالْبَعْثِ. كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْجَنَّةِ فِي الْكَهْفِ: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [١٨ \ ٣٥ - ٣٦] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. كَلَّا: رَدْعٌ وَزَجْرٌ لَهُ عَلَى حُسْبَانِهِ الْبَاطِلِ، وَلَيُنْبَذَنَّ فِي جَوَابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَلَّا.
وَهَذَا يُفَسِّرُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [١٠١ \ ٩] ، أَيْ: يُنْبَذُ نَبْذًا، فَيَهْوِي عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ. عِيَاذًا بِاللَّهِ.
وَالْحُطَمَةُ: فُعَلَةٌ مِنَ الْحَطْمِ، وَهُوَ الْكَسْرُ، ثُمَّ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ.
وَقَدْ فُسِّرَتْ بِمَا بَعْدَهَا نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ [١٠ ٤ \ ٦] ، وَسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأَنَّهَا تُحَطِّمُ كُلَّ مَا أُلْقِيَ فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ.
стр. 4214
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قِيلَ: مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ. بِأَنَّ الْعَمَدَ صَارَتْ وَصْدًا لِلْبَابِ كَالْقُفْلِ، وَالْغَلْقِ لَهُ.
وَقِيلَ: فِي عَمَدٍ: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي عَمَدٍ كَالْقَصَبَةِ، مُجَوَّفَةِ الدَّاخِلِ.
وَقِيلَ: فِي عَمَدٍ: أَيْ تُوضَعُ أَرْجُلُهُمْ فِي الْعَمَدِ عَلَى صُورَةِ الْقَيْدِ فِي الْخَشَبَةِ الْمُمْتَدَّةِ، يُشَدُّ فِيهَا عَدَدٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ فِي أَرْجُلِهِمْ.
وَكُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَمَدَ بِمَعْنَى الْقَصَبَةِ الْمُجَوَّفَةِ تُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [٢٥ \ ١٣] .
فَيَكُونُ أَرْجَحُ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي إِمْلَائِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ.
стр. 4215
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْفِيل
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ.
اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السِّجِّيلِ هُنَا.
فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ السِّجِّينُ، أَبُدِلَتِ النُّونُ لَامًا، وَالسِّجِّينُ النَّارُ.
وَقِيلَ: إِنَّ السِّجِّيلَ مِنَ السِّجِّلِّ، كَأَنَّهُ عَلَمٌ لِلدِّيوَانِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ عَذَابُ الْكُفَّارِ، كَمَا أَنَّ سِجِّينًا لِدِيوَانِ أَعْمَالِهِمْ وَاشْتِقَاقِهِ مِنَ الْإِسْجَالِ وَهُوَ الْإِرْسَالُ، وَمِنْهُ السِّجِّلُّ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءُ مَاءً، وَهِيَ حِجَارَةٌ مُرْسَلَةٌ لِقَوْلِهِ: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ سِجِّينًا، عَنِ الدِّيوَانِ أَعْمَالُهُمْ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [٨ ٣ \ ٧] .
وَقِيلَ: مَعْنَى سِجِّيلٍ سِتْكٌ وَطِينٌ، يَعْنِي بَعْضَ حَجَرٍ وَبَعْضَ طِينٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الشَّدِيدُ.
وَقِيلَ: السِّجِّيلُ اسْمٌ لِسَمَاءِ الدُّنْيَا.
وَتَقَدَّمَ لِلشِّيخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ، تَرْجِيحُ أَنَّهَا مِنْ طِينٍ شَدِيدِ الْقُوَّةِ.
وَهَذَا مَا يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ لِمَا فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ: قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [٥١ \ ٣٢ - ٣٤] فَنَصَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ طِينٍ.
وَالْحِجَارَةُ مِنَ الطِّينِ: هِيَ الْآجُرُّ وَهُوَ الطِّينُ الْمَطْبُوخُ حَتَّى يَتَحَجَّرَ.
وَجَاءَ النَّصُّ الْآخَرُ أَنَّهَا مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُوضٍ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [١١ \ ٨٢]
стр. 4216
وَقِيلَ فِيهَا: كَالْحِمِّصَةِ وَالْعَدَسَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِمْ رَاجِعٌ لِأَصْحَابِ الْفِيلِ، وَقِصَّتُهُمْ طَوِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ.
تَنْبِيهٌ
قَدْ أَوْرَدْنَا نُصُوصَ مَعْنَى سِجِّيلٍ، وَتَرْجِيحَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ: أَنَّهَا حِجَارَةٌ مِنْ طِينٍ شَدِيدِ الْقُوَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا قِيلَ مِنِ اسْتِبْعَادِ ذَلِكَ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ صَرَفَ مَعْنَاهَا إِلَى غَيْرِ الْحِجَارَةِ الْمَحْسُوسَةِ.
أَمَّا مَنِ اسْتَبْعَدَهَا، فَقَدْ حَكَاهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
وَقَالُوا: لَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ فِي الْحِجَارَةِ الَّتِي تَكُونُ مِثْلَ الْعَدَسَةِ مِنَ الثِّقْلِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى أَنْ يَنْفُذَ مِنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ وَيَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهِ، لَجَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ الْجَبَلُ الْعَظِيمُ خَالِيًا عَنِ الثِّقَلِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي وَزْنِ التَّبِنَةِ، وَذَلِكَ يَرْفَعُ الْأَمَانَ عَنِ الْمُشَاهَدَاتِ.
فَإِنَّهُ مَتَى جَازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنَا شُمُوسٌ وَأَقْمَارٌ، وَلَا نَرَاهَا، وَأَنْ يَحْصُلَ الْإِدْرَاكُ فِي عَيْنِ الضَّرِيرِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ بِالْمَشْرِقِ، وَيَرَى قِطْعَةً مِنَ الْأَرْضِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَذْهَبِنَا، إِلَّا أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّهَا لَا تَقَعُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْكِيهِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٠٦ سِتِّمِائَةٍ وَسِتٍّ، فَنَرَى اسْتِبْعَادَهُمْ إِيَّاهَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَحْكِيمِ الْعَقْلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ دَائِمًا فَوْقَ قَانُونِ الْعَقْلِ، بَلْ إِنَّ تَصَوُّرَاتِ الْعَقْلِ نَفْسِهِ مَنْشَؤُهَا مِنْ تَصَوُّرَاتِنَا لِمَا نُشَاهِدُهُ.
وَإِذَا حُدِّثَ الْعَقْلُ بِمَا لَمْ يَشْهَدْهُ أَوْ يَعْلَمْ كُنْهَ وُجُودِهِ لَاسْتَبْعَدَهُ كَمَا هُوَ فِي وَاقِعِنَا الْيَوْمَ، لَوْ حُدِّثَتْ بِهِ الْعُقُولُ سَابِقًا مِنْ نَقْلِ الْحَدِيثِ، وَالصُّورَةِ عَلَى الْأَثِيرِ، وَتَوْجِيهِ الطَّائِرَاتِ وَأَمْثَالِهَا، لَمَا قَوِيَ عَلَى تَصَوُّرِهَا لِأَنَّهَا فَوْقَ نِطَاقِ مَحْسُوسَاتِهِ وَمُشَاهَدَاتِهِ.
وَحَتَّى نَحْنُ لَوْ لَمْ يُسَايِرْهَا مَنْ عَلِمَ بِمَا يَحْمِلُهُ الْأَثِيرُ مِنْ تَيَّارٍ كَهْرَبَائِيٍّ، وَمَا لَهُ مَنْ دَوْرٍ فَعَّالٍ فِي ذَلِكَ لَمَا أَمْكَنَنَا تَصَوُّرُهُ.
ثُمَّ مَنْ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ تِلْكَ الْجِبَالَ سَيَأْتِي يَوْمٌ تَكُونُ فِيهِ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ أَخَفَّ مِنَ التَّبِنَةِ،
стр. 4217
الَّتِي مَثَّلُوا بِهَا، بَلْ سَتَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [٧٨ \ ٢٠] ، فَظَهَرَ بُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي اسْتَبْعَدَهَا لِعَدَمِ إِدْرَاكِ الْعَقْلِ لَهَا.
أَمَّا مَنْ يُؤَوِّلُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَى مَعْنًى آخَرَ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأِ، إِلَّا أَنَّهُ أَثْبَتَ الْأَصْلَ وَفَسَّرَهُ بِمَا يَتَنَاسَبُ وَالْعَقْلَ.
وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدْ عَبْدُهْ وَتِلْمِيذِهِ السَّيِّدِ رَشِيدْ رِضَا، إِذْ فَسَّرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سِجِّيلٍ، بِأَنَّهُ وَبَاءُ الْجَدَرِيِّ.
وَبِالتَّالِي: فَالطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ: هِيَ الْبَعُوضُ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَقَدِ اعْتَذَرَ لَهُ السَّيِّدْ قُطْبْ: بِأَنَّ الدَّافِعَ لِذَلِكَ هُوَ مَا كَانَ شَائِعًا فِي عَصْرِهِ مِنْ مَوْجَاتٍ مُتَضَارِبَةٍ، مَوْجَةِ انْحِرَافٍ فِي التَّفْكِيرِ نَحْوَ الْإِسْلَامِ وَاسْتِغْلَالِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، كَمِثَالٍ عَلَى مَا يُشْبِهُ الْأَبَاطِيلَ فِي تَشْوِيهِ حَقَائِقِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى طُوفَانٌ عِلْمِيٌّ حَدِيثٌ، مِنْ إِنْتَاجِ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ فَبَدَلًا مِنْ أَنْ تُثْبِتَ حَادِثَةً كَهَذِهِ صُرِفَتْ إِلَى مَا يَأْلَفُهُ الْعَقْلُ مِنْ إِيقَاعِ مَيْكُرُوبِ الْجَدَرِيِّ بِجَيْشِ أَبْرَهَةَ حَتَّى أَهْلَكَهُ، لِكَيْ لَا يَتَصَادَمَ فِي إِثْبَاتِ الْحَادِثَةِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِوَاقِعِ الْعَقْلِيَّةِ الْعَلْمَانِيَّةِ الْحَدِيثَةِ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا اعْتَذَرَ بِهِ السَّيِّدْ قُطْبْ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ.
وَلَكِنْ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ الْحِجَارَةَ الَّتِي مِنْ سِجِّيلٍ، جَاءَ النَّصُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ خَاصَّةً بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، بَلْ أُلْقِيَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ، بَعْدَ أَنْ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، فَمَا مَوْقِعُ الْجَدَرِيِّ مِنْهُمْ بَعْدَ إِهْلَاكِهِمْ بِإِفْكِهَا الْمَذْكُورَةِ؟
ثُمَّ جَاءَ أَيْضًا: أَنَّهَا مَنْ طِينٍ، فَأَيْنَ الطِّينُ مِنَ الْجَرَاثِيمِ الْجَدَرِيَّةِ؟
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ: مِنْ أَيْنَ جِيءَ بِمَكْرُوبِ الْجَدَرِيِّ؟ وَأَيْنَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ الطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ؟
وَمَتَى كَانَ مَيْكُرُوبُ الْجَدَرِيِّ أَوْ غَيْرُهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ قُرَشِيٍّ وَحَبَشِيٍّ؟
وَمَتَى كَانَ أَيُّ مَيْكُرُوبٍ يَفْتِكُ بِقَوْمٍ وَبِسُرْعَةٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، مَعَ أَنَّ: فَجَعَلَهُمْ، تُشْعِرُ بِالسُّرْعَةِ فِي إِهْلَاكِهِمْ، وَالْعَصْفِ الْيَابِسِ الَّذِي تَعْصِفُ بِهِ الرِّيحُ لِخِفَّتِهِ.
стр. 4218
وَمَتَى كَانَ وُجُودُ الْجَدَرِيِّ طَفْرَةً وَفُجَاءَةً، إِنَّهُ يَظْهَرُ فِي حَالَاتٍ فَرْدِيَّةٍ، ثُمَّ يَنْتَشِرُ هَذَا مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَإِدْرَاكِ الْعَقْلِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ مَيْكُرُوبِ الْجَدَرِيِّ.
وَلَكِنَّ مُلَابَسَاتِ الْحَادِثَةِ تَمْنَعُ مِنْ تَصَوُّرِ ذَلِكَ عَقْلًا لِعَدَمِ انْتِشَارِهِ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ الْمِنْطَقَةِ، وَلِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِعْلًا بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَلِعَدَمِ أَيْضًا تَصَوُّرِ مَجِيئِهِ فُجَاءَةً، فَدَلَّ الْعَقْلُ نَفْسُهُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ.
ثُمَّ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى إِذَا رَدَدْنَا خَوَارِقَ الْعَادَاتِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْعَقْلِ لَهَا، فَكَيْفَ نُثْبِتُ مَثَلَ حَنِينِ الْجِذْعِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَى فِي كَفِّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؟
وَقَدْ شَاهَدَ الْعَقْلُ الصُّورَةَ، وَهِيَ خُرُوجُ النَّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ لِقَوْمِ صَالِحٍ، بَلْ إِنَّنَا الْآنَ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ نُشَاهِدُ مَا لَا نُدْرِكُ كُنْهَهُ فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ، وَنَسْمَعُ الصَّوْتَ مِنَ الْجَمَادِ مُسَجَّلًا عَلَى شَرِيطٍ بَسِيطٍ جِدًّا.
فَهَلْ يَنْفِي الْبَاقِي؟ بَلْ كَيْفَ أَثْبَتَ النَّصَارَى لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ إِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ. وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى، وَعَمَلَ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَكَيْفَ أَثْبَتَ الْيَهُودُ لِمُوسَى أَمْرَ الْعَصَا وَشَقَّ الْبَحْرِ؟ وَأَيْنَ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟
الْوَاقِعُ أَنَّنَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَعَ كُلِّ قَضِيَّةٍ، يَجِبُ أَنْ نَلْتَزِمَ جَانِبَ الِاعْتِدَالِ، لَا هُوَ جَرْيٌ وَرَاءَ كُلِّ خَبَرٍ، وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا وَلَا هُوَ رَدٌّ لِكُلِّ نَصٍّ وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا قُرْآنِيًّا، بَلْ كَمَا قَالَ السَّيِّدْ قُطْبْ فِي ذَلِكَ:
يَجِبُ أَنْ نَسْتَمِدَّ فِكْرَنَا مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ مَا يُقَرِّرُهُ نَعْتَقِدُهُ وَنَقُولُ بِهِ.
وَقَدْ نَاقَشْنَا هَاتَيْنِ الْفِكْرَتَيْنِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اسْتَبْعَدَتْ ذَلِكَ كُلِّيَّةً، وَالْحَدِيثَةَ الَّتِي أَوَّلَتْهَا.
وَنُضِيفُ شَيْئًا آخَرَ فِي جَانِبِ الْفِكْرَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ لَعَلَّ مِمَّا حَدَا بِأَصْحَابِهَا إِلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَمْ يُرَ الْجَدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مِثْلَ تِلْكَ السَّنَةِ.
وَقِيلَ أَيْضًا: لَمْ يُرَ شَجَرُ الْحَنْظَلِ، إِلَّا فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ.
فَيُقَالُ أَيْضًا: إِنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَبْعِدُ هُنَا أَنْ يَكُونَ إِهْلَاكُ هَذَا الْجَيْشِ الْكَبِيرِ بِتِلْكَ
стр. 4219
الْحِجَارَةِ فِي مَكَانِ مُعَسْكَرِهِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَوُقُوعَ الْجُثَثِ مُصَابَةً بِهَا، لَا يُمْنَعُ أَنْ تَتَعَفَّنَ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا مَكْرُوبَ الْجَدَرِيِّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ آخَرُ
قَالُوا: إِنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْجَيْشِ نَصَارَى وَهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَكِتَابٍ، وَأَهْلُ مَكَّةَ وَثَنِيُّونَ لَا دِينَ لَهُمْ، وَالْكَعْبَةُ مُمْتَلِئَةٌ بِالْأَصْنَامِ، فَكَيْفَ أَهْلَكَ اللَّهُ النَّصَارَى أَصْحَابَ الدِّينِ وَلَمْ يُسَلِّطْهُمْ عَلَى الْوَثَنِيِّينَ؟
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ.
مِنْهَا: أَنَّ الْجَيْشَ ظَالِمٌ بَاغٍ، وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيَمٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَظْلُومُ أَقَلَّ مِنَ الظَّالِمِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ الْحَدِيثُ «فِي نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ، وَاسْتِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا» .
وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَثَنِيَّةَ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَغَزْوَ هَذَا الْجَيْشِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِرْهَاصٌ لِمَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ وُلِدَ فِي هَذَا الْعَامِ نَفْسِهِ.
وَكُلُّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهَا وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْدُو لِي وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي نَشْأَةِ الْبَيْتِ وَإِقَامَتِهِ، إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ رَفَعَ قَوَاعِدَهُ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فِي رِحَابِهِ، وَكَانَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا لِلْعَاكِفِينَ فِيهِ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِنَّمَا الْوَثَنِيَّةُ طَارِئَةٌ عَلَيْهِ وَإِلَى أَمَدٍ قَصِيرٍ مَدَاهُ وَدَنَا مُنْتَهَاهُ لِدِينٍ جَدِيدٍ.
وَالْمَسِيحِيَّةُ بِنَفْسِهَا تَعْلَمُ ذَلِكَ وَتَنُصُّ عَلَيْهِ وَتُبَشِّرُ بِهِ، فَكَانَتْ مُعْتَدِيَةً عَلَى الْحَقَّيْنِ مَعًا، حَقِّ اللَّهِ فِي بَيْتِهِ، وَالَّذِي تَعْلَمُ حُرْمَتَهُ وَمَا لَهُ، وَحَقِّ الْعِبَادِ الَّذِينَ حَوْلَهُ.
وَكَانَتْ لَوْ سُلِّطَتْ عَلَيْهِ بِمَثَابَةِ الْمُنْتَصِرِ عَلَى مَبْدَأٍ صَحِيحٍ مَعَ فَسَادِهَا، مَبْدَأِ صِحَّةِ وَسَلَامَةِ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَوَضْعِهِ، الْبَيْتُ الَّذِي مِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يَكُونَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.
فَكَيْفَ لَا يَأْمَنُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ غَزْوِ الْغُزَاةِ وَطُغْيَانِ الطُّغَاةِ، فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى صِيَانَةً لِمَبْدَأِ وُجُودِهِ، وَحِفَاظًا عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ فِي الْأَرْضِ، وَيَكْفِي نِسْبَتُهُ لِلَّهِ «بَيْتُ اللَّهِ» .
وَقَدْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ إِذْ قَالَ لِأَبْرَهَةَ:
стр. 4220
أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ. وَأَتَى بَابَ الْكَعْبَةِ فَتَعَلَّقَ بِهَا وَقَالَ:
لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْـ ... نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ عَدَدًا يُوَالِكْ
إِنْ يَدْخُلُوا الْبَلَدَ الْحَرَا ... مَ فَأْمُرْ مَا بَدَا لَكْ
وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ:
يَا رَبِّ لَا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا
إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... إِنَّهُمْ لَنْ يَقْهَرُوا قُوَاكَاُُ
стр. 4221
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
اخْتُلِفَ فِي اللَّامِ فِي «لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ» ، هَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَعَلَى أَيِّ مَعْنًى. أَمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا بَعْدَهَا، وَعَلَى أَيِّ مَعْنًى.
فَمَنْ قَالَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، قَالَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ فِي قَوْلِهِ: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [١ ٠٥ \ ٥] .
وَتَكُونُ بِمَعْنَى لِأَجْلِ إِيلَافِ قُرَيْشٍ يَدُومُ لَهُمْ وَيَبْقَى تَعْظِيمُ الْعَرَبِ إِيَّاهُمْ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ، أَوْ بِمَعْنَى إِلَى أَيْ جَعَلْنَا الْعَدُوَّ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، هَزِيمَةً لَهُ وَنُصْرَةً لِقُرَيْشٍ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، إِلَى نِعْمَةِ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
وَمَنْ قَالَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا بَعْدَهَا، قَالَ «لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ» الَّذِي أَلِفُوهُ أَيْ بِمَثَابَةِ التَّقْرِيرِ لَهُ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ، «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ» . أَيْ أَثْبَتَهُ إِلَيْهِمْ وَحَفِظَهُ لَهُمْ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرَدَ جَوَازَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَصْلُ السُّورَتَيْنِ عَنْ بَعْضٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّعَجُّبِ، أَيِ اعْجَبُوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَخْفَشِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِغَيْرِهِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقِرَاءَةِ السُّورَتَيْنِ مَعًا فِي الصَّلَاةِ فِي رَكْعَةٍ قَرَأَ بِهِمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَبِأَنَّ السُّورَتَيْنِ فِي أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مُتَّصِلَتَانِ، وَلَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ الْقَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا، وَلَا يَبْعُدِ اعْتِبَارُ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَارِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
стр. 4222
وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ يُلْزِمُ عَلَيْهِ اتِّصَالَ السُّورَتَيْنِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ ; لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ اتِّصَالَهُمَا فِي الْمَعْنَى، فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ مُتَّصِلَةٌ سُوَرُهُ مَعْنًى.
أَلَّا تَرَى إِلَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِيهَا اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [١ \ ٦] ، فَجَاءَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [٢ \ ٢] ، وَبَعْدَهَا ذَكَرَ أَوْصَافَهُمْ وَقَالَ: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [٢ \ ٥] ، فَأَيُّ ارْتِبَاطٍ أَقْوَى مِنْ هَذَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْهُدَى الَّذِي تَطْلُبُونَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَهُوَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنْ أَرَادَ اتِّصَالًا حَسًا بِعَدَمِ الْبَسْمَلَةِ، فَنَظِيرُهَا سُورَةُ بَرَاءَةٌ مَعَ الْأَنْفَالِ، وَلَكِنْ لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ إِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ بَيْنَهُمَا، اللَّهُمَّ إِلَّا مُصْحَفَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجْهٌ أَرْجَحَ مِنْ وَجْهٍ.
وَلِذَا لَمْ يُرَجِّحْ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، سِوَى ابْنُ جَرِيرٍ ﵀:
وَصِحَّةُ الْوَجْهَيْنِ أَقْوَى وَأَعَمُّ فِي الِامْتِنَانِ وَتَعْدَادِ النِّعَمِ.
وَالْإِيلَافُ: قِيلَ مِنَ التَّأْلِيفِ، إِذْ كَانُوا فِي رِحْلَتَيْهِمْ يَأْلَفُونَ الْمُلُوكَ فِي الشَّامِ وَالْيَمَنِ، أَوْ كَانُوا هُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مُؤَلَّفِينَ وَمُجَمَّعِينَ، وَهُوَ امْتِنَانٌ عَلَيْهِمْ بِهَذَا التَّجَمُّعِ وَالتَّأَلُّفِ، وَلَوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ لَفَرَّقَهُمْ وَشَتَّتَهُمْ، وَأَنْشَدُوا:
أَبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا ... بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْر
وَقِيلَ: مِنَ الْإِلْفِ وَالتَّعَوُّدِ، أَيْ: أَلِفُوا الرِّحْلَتَيْنِ.
فَلِلْإِبْقَاءِ لَهُمْ عَلَى مَا أَلِفُوهُ.
وَقُرَيْشٌ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: عَلَمٌ عَلَى الْقَبِيلَةِ.
وَقِيلَ: أَصْلُهَا مِنَ النَّقْرَشِ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ أَوِ التَّكَسُّبُ وَالْجَمْعُ.
وَقِيلَ: مِنْ دَابَّةِ الْبَحْرِ الْمُسَمَّاةِ بِالْقِرْشِ وَهِيَ أَخْطَرُ حَيَوَانَاتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَوَابِهِ لِمُعَاوِيَةَ.
وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ ... ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَاُُ
стр. 4223
تَأْكُلُ الرَّثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا ... تَتْرُكُ فِيهَا لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشًا
هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ... يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا
وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، هُوَ تَفْسِيرٌ «لِإِيلَافِ» سَوَاءٌ عَلَى مَا كَانُوا يُؤَالِفُونَ بَيْنَ الْمُلُوكِ فِي تِلْكَ الرَّحَلَاتِ، أَوْ مَا كَانُوا يَأْلَفُونَهُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.
الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ: الْبَيْتُ الْحَرَامُ، كَمَا جَاءَ فِي دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
بِمَثَابَةِ التَّعْلِيلِ لِمُوجِبِ أَمْرِهِمْ بِالْعِبَادَةِ ; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ الَّذِي هَيَّأَ لَهُمْ هَاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا سَبَبًا فِي تِلْكَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مِنْ وَاجِبِهِمْ أَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ وَيَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [٢٩ \ ٦٧] وَسَاقَ النُّصُوصَ بِهَذَا الْمَعْنَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
تَنْبِيهٌ
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ، رُبِطَ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَمُوجِبِهَا، كَالرَّبْطِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ.
فَفِيهِ بَيَانٌ لِمُوجِبِ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَحَقِّهِ فِي ذَلِكَ عَلَى عِبَادِهِ جَمِيعًا، وَلَيْسَ خَاصًّا بِقُرَيْشٍ.
وَهَذَا الْحَقُّ قَرَّرَهُ أَوَّلُ لَفْظٍ فِي الْقُرْآنِ، وَأَوَّلُ نِدَاءٍ فِي الْمُصْحَفِ، فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [١ \ ٢] ، كَأَنَّهُ يَقُولُ هُوَ سُبْحَانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، لِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، أَيْ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، وَرَاحِمُهُمْ إِلَى آخِرِهِ.ُُ
стр. 4224
وَالثَّانِي: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [٢ \ ٢١] .
ثُمَّ بَيَّنَ الْمُوجِبَ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [٢ \ ٢١] .
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [٢ \ ٢٢] .
فَهَذِهِ النِّعَمُ تُعَادِلُ الْإِطْعَامَ مِنْ جُوعٍ، وَالْأَمْنَ مِنْ خَوْفٍ، فِي حَقِّ قُرَيْشٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [١٠٨ \ ١ - ٢] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الشُّكْرَ يَزِيدُ النِّعَمَ وَالْكُفْرَ يُذْهِبُهَا، إِلَّا مَا كَانَ اسْتِدْرَاجًا، فَقَالَ فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [١٤ \ ٧] .
وَقَالَ فِي الْكُفْرَانِ وَعَوَاقِبِهِ: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [١٦ \ ١١٢] .
وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ إِنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ، أَنْ يُقَابِلُوا نِعَمَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ، وَأَنْ يَشْكُرُوهَا بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ لِلَّهِ، وَأَنْ يَحْذَرُوا كُفْرَانَ النِّعَمِ.
تَنْبِيهٌ آخَرُ
فِي الْجَمْعِ بَيْنَ إِطْعَامِهِمْ مِنْ جُوعٍ وَأَمْنِهِمْ مِنْ خَوْفٍ، نِعْمَةٌ عُظْمَى لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْعَمُ وَلَا يَسْعَدُ إِلَّا بِتَحْصِيلِ النِّعْمَتَيْنِ هَاتَيْنِ مَعًا، إِذْ لَا عَيْشَ مَعَ الْجُوعِ، وَلَا أَمْنَ مَعَ الْخَوْفِ، وَتَكْمُلُ النِّعْمَةُ بِاجْتِمَاعِهِمَا.
وَلِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ: «مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» .
تَنْبِيهٌ آخَرُ
إِنَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ دَعْوَةَ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَجَابَةٌ ; لِأَنَّ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَعَا لِأَهْلِ الْحَرَمِ بِقَوْلِهِ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [١٤ \ ٣٧] .
стр. 4225
وَقَالَ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ [٢ \ ١٢٩] ، فَأَطْعَمَهُمُ اللَّهُ مِنْ جُوعٍ وَآمَنُهُمْ مِنْ خَوْفٍ، وَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ.
стр. 4226
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْمَاعُون
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ.
الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فِيهِ اسْمُ الْمَوْصُولِ مُبْهَمٌ بَيَّنَهُ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى، أَنَّ الْإِيمَانَ بِيَوْمِ الدِّينِ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى إِطْعَامِ الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [٧٦ \ ٨] .
ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا الدَّافِعَ عَلَى إِطْعَامِهِمْ إِيَّاهُمْ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [٧٦ \ ٩ - ١ ٠] .
وَهُنَا سُؤَالٌ: وَهُوَ لِمَ خَصَّ الْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ عَمَّنْ يَرْتَكِبُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ دَعَّ الْيَتِيمَ، وَهُوَ دَفْعُهُ وَزَجْرُهُ، وَعَدَمَ الْحَضِّ عَلَى إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَبِالتَّالِي عَدَمَ إِطْعَامِهِ هُوَ مِنْ عِنْدِهِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُمَا نَمُوذَجَانِ، وَمِثَالَانِ فَقَطْ.
وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا: مِثَالٌ لِلْفِعْلِ الْقَبِيحِ.
وَالثَّانِي: مِثَالٌ لِلتَّرْكِ الْمَذْمُومِ.
وَلِأَنَّهُمَا عَمَلَانِ إِنْ لَمْ يَكُونَا إِسْلَامِيَّيْنِ فَهُمَا إِنْسَانِيَّانِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى تَوْجِيهٌ لِلْجَوَابِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَخَافُ مِنَ اللَّهِ يَوْمًا عَبُوسًا، وَعَبَّرَ بِالْعَبُوسِ فِي حَقِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِئَلَّا يَعْبَسَ هُوَ فِي وَجْهِ الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ لِضَعْفِهِمَا.
وَمِنْ جَانِبٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ التَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَحْمِلُ عَلَى كُلِّ الْمُوبِقَاتِ، إِلَّا أَنَّهَا
стр. 4227
قَدْ تَجِدُ مَا يَمْنَعُ مِنْهَا، كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالْخَمْرِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآخَرِينَ، وَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ وَالنَّهْبُ.
أَمَّا إِيذَاءُ الْيَتِيمِ وَضَيَاعُ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ، وَلَا يَمْنَعُ إِيذَاءَ هَؤُلَاءِ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ لَدَيْهِمَا الْجَزَاءُ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ أُولَئِكَ مِنْهُمْ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ.
وَجُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى أَلَّا تَبْذُلَ إِلَّا بِعِوَضٍ، وَلَا تَكُفَّ إِلَّا عَنْ خَوْفٍ، فَالْخَوْفُ مَأْمُونٌ مِنْ جَانِبَيِ الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ، وَالْجَزَاءُ غَيْرُ مَأْمُولٍ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَبْقَ دَافِعٌ لِلْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَلَا رَادِعٌ عَنِ الْإِسَاءَةِ لَهُمَا إِلَّا الْإِيمَانُ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالْجَزَاءِ، فَيُحَاسَبُ الْإِنْسَانُ عَلَى مِثْقَالِ الذَّرَّةِ مِنَ الْخَيْرِ.
وَقِيلَ: إِنَّ دَعَّ الْيَتِيمِ: هُوَ طَرْدُهُ عَنْ حَقِّهِ، وَعَدَمَ الْحَضِّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ: عَدَمُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ.
وَلَكِنْ فِي الْآيَةِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا يُطَالَبُ بِهَا الْمُؤْمِنُ، وَالسِّيَاقُ فِيمَنْ يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَلَا زَكَاةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ.
اخْتُلِفَ فِي الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ تَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْوَعِيدُ بِالْوَيْلِ هُنَا.
وَالْجُمْهُورُ: عَلَى أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْهَوْنَ عَنْ أَدَائِهَا، وَيَتَسَاهَلُونَ فِي أَمْرِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: عَنِ الْخُشُوعِ فِيهَا وَتَدَبُّرِ مَعَانِيَهَا.
وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ عَنْ صَلَاتِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ فِي صَلَاتِهِمْ، كَمَا أَنَّ السَّهْوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ أَحَدٌ، حَتَّى أَنَّهُ وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَقَالَ: «إِنِّي لَا أَنْسَى، وَلَكِنِّي أُنَسَّى لِأَسُنَّ» فَكَيْفَ يُنْسِيهِ اللَّهُ لِيَسُنَّ لِلنَّاسِ أَحْكَامَ السَّهْوِ، وَيَقَعُ النَّاسُ فِي السَّهْوِ بِدُونِ عَمْدٍ مِنْهُمْ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»
стр. 4228
وَقَدْ عَقَدَ الْفُقَهَاءُ بَابَ سُجُودِ السَّهْوِ تَصْحِيحًا لِذَلِكَ.
لِذَلِكَ بَقِيَ مَنِ الْمُرَادُ بِـ «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ» .
قِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ.
وَقِيلَ: فِي كُلِّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، أَوْ عَنْ وَقْتِهَا كُلِّهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ عَنْ أَدَائِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي الْجَمَاعَةِ.
وَقِيلَ: فِي الْمُنَافِقِينَ.
وَفِي السُّورَةِ تَفْسِيرٌ صَرِيحٌ لِهَؤُلَاءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [١٠٧ \ ٦ - ٧] .
وَالْمُرَائِي فِي صِلَاتِهِ قَدْ يَكُونُ مُنَافِقًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُنَافِقٍ.
فَالرِّيَاءُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةٍ، وَالنِّفَاقُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَيْ قَدْ يُرَائِي فِي عَمَلٍ مَا، وَيَكُونُ مُؤْمِنًا بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَبِكُلِّ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، وَلَا يُرَائِي فِي عَمَلٍ آخَرَ، بَلْ يَكُونُ مُخْلِصًا فِيهِ كُلَّ الْإِخْلَاصِ.
وَالْمُنَافِقُ دَائِمًا ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِبَاطِنِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ.
وَلَكِنْ جَاءَ النَّصُّ: بِأَنَّ الْمُرَاءَاةَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ.
وَجَاءَ النَّصُّ أَيْضًا. بِأَنَّ مَنْعَ الْمَاعُونِ مِنْ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ إِلَّا الْمُصَلِّينَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ [٧٠ \ ١٩ - ٢٢] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ، بَيَانُ السَّهْوِ عَنْهَا وَإِضَاعَتِهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [١٩ \ ٥٩ - ٦٠] .
وَبَيَّنَ فِي آخِرِ الْمَبْحَثِ تَحْتَ عُنْوَانِ: مَسْأَلَةٌ فِي حُكْمِ تَارِكِي الصَّلَاةِ جَحْدًا أَوْ كَسَلًا. وَزَادَهُ بَيَانًا، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [٧٠ \ ٣٤] فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَآيَةِ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [٧٤ \ ٤٢] .
стр. 4229
وَذَكَرَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
دَعِ الْمَسَاجِدَ لِلْعُبَّادِ تَسْكُنُهَا
عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ، ثُمَّ نَبَّهَ قَائِلًا: إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ عَمَّنْ يَسْهُو عَنْهَا فَكَيْفَ بِمَنْ يَتْرُكُهَا؟ ! اهـ.
وَقَدْ تَسَاءَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ مُوجِبِ اقْتِرَانِ هَذِهِ الْآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَهَا.
وَأَجَابُوا: بِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ دَوَافِعِ عَدَمِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ، وَمِنْ مُوجِبَاتِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَهِيَ مَعَ مَا قَبْلَهَا فِي قُوَّةٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَعَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ.
فَجَمَعَهُمْ مَعَ الْأَوَّلِ، وَنَصَّ عَلَى وَعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وَبَيَّنَ وَصْفًا لَهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ.
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَفِي آيَةِ: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [٢٣ \ ٩] ، الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَادَلَةٌ كَبِيرَةٌ.
إِحْدَاهُمَا: فِي الْمُنَافِقِينَ تَارِكِي الصَّلَاةِ أَوْ مُضَيِّعِيهَا.
وَالْأُخْرَى فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُحَافِظِينَ عَلَيْهَا، أَيْ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْمِقْيَاسُ وَالْحَدُّ الْفَاصِلُ.
وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» .
أَمَّا أَثَرُ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَلَى الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ، فَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ.
وَقَدْ وَجَدْنَا بَعْضَ آثَارِهَا وَهُوَ الْمُرَاءَاةُ فِي الْعَمَلِ، أَيِ ازْدِوَاجُ الشَّخْصِيَّةِ وَالِانْعِزَالُ فِي مَنْعِ الْمَاعُونِ، أَيْ لَا يَمُدُّ يَدَ الْعَوْنِ وَلَوْ بِالْيَسِيرِ لِمُجْتَمَعِهِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي مُهِمَّةِ الصَّلَاةِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ.
فَفِي الْعَاجِلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [٢٩ \ ٤٥] ، وَمِنَ الْفَحْشَاءِ: دَعُّ الْيَتِيمَ وَعَدَمُ إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى.
стр. 4230
وَمِنْهَا: كُلُّ رَذِيلَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَهِيَ إِذَنْ سِيَاجٌ لِلْإِنْسَانِ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ. وَهِيَ عَوْنٌ عَلَى كُلِّ شَدِيدَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [٢ \ ٤٥] فَجَعَلَهَا قَرِينَةَ الصَّبْرِ فِي التَّغَلُّبِ عَلَى الصِّعَابِ، وَهِيَ فِي الْآخِرَةِ نُورٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ الْآيَةَ [٥٧ \ ١٢] ، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» .
وَقَوْلُهُ: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ، قِيلَ: فِي الْمَاعُونِ الزَّكَاةُ لِقِلَّتِهَا، وَالْمَاعُونُ: الْقَلِيلُ، وَالْمَاعُونُ: الْمَالُ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ.
وَقِيلَ: هُوَ مَا يُعِينُ عَلَى أَيِّ عَمَلٍ، وَمِنْهُ الدَّلْوُ وَالْفَأْسُ وَالْإِبْرَةُ وَالْقِدْرُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ السَّهْوُ عَنِ الصَّلَاةِ يَحْمِلُ عَلَى مَنْعِ الْمَاعُونِ، فَإِنَّ مَنْ يَمْنَعُ الْمَاعُونَ وَهُوَ الْآلَةُ أَوِ الْإِنَاءُ يَقْضِي بِهِ الْحَاجَةَ ثُمَّ يُرَدُّ، كَمَا هُوَ بِدُونِ نُقْصَانٍ، فَلِأَنْ يَمْنَعَ الصَّدَقَةَ أَوِ الزَّكَاةَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
وَمِنْ هُنَا: لَمْ يَكُنِ الْمُنَافِقُ لِيُزَكِّيَ مَالَهُ وَلَا يَتَصَدَّقَ عَلَى مُحْتَاجٍ، بَلْ وَلَا يُقْرِضَ آخَرَ قَرْضًا حَسَنًا. وَلِذَا نَجِدُ تَفَشِّي الرِّبَا فِي الْمُنَافِقِينَ أَشَدَّ وَأَكْثَرَ.
وَهُنَا يَأْتِي مَبْحَثَانِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: حُكْمُ الرِّيَاءِ وَمَا حَدَّهُ؟
وَالثَّانِي: حُكْمُ الْعَارِيَةِ.
أَمَّا الرِّيَاءُ: فَقِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا فَيُحْمَدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ تَسْمِيَتُهُ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْخَفِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، فَإِنَّهُ أَخْفَى فِي نُفُوسِكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» .
وَجَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [١٨ \ ١١٠] .
وَبَيَانُ الشِّرْكِ فِيهِ أَنَّهُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِمَّا هُوَ أَصْلًا لِلَّهِ، كَالصَّلَاةِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوِ الْحَجِّ، وَلَكِنَّهُ يُظْهِرُهُ لِقَصْدِ أَنْ يَحْمَدَهُ النَّاسُ عَلَيْهِ.
стр. 4231
فَكَأَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنْهُ مُشَارَكَةٌ مَعَ اللَّهِ، حَيْثُ أَصْبَحَ مِنْ عَمَلِهِ جُزْءٌ لِطَلَبِ الثَّنَاءِ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
أَمَّا حُكْمُ الرِّيَاءِ فِي الْعَمَلِ، فَفِي هَذَا النَّصِّ دَلَالَةٌ عَلَى رَدِّ الْعَمَلِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَرْكِهِ لَهُ.
فَقِيلَ: إِنَّهُ يَكُونُ لَا لَهُ فِيهِ، وَلَا عَلَيْهِ مِنْهُ.
فَقِيلَ: لَا يَخْلُو مِنْ ذَمٍّ، كَمَا حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [٨ \ ٤٧] .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالتَّسْمِيعُ: هُوَ الْعَمَلُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْوَلِيمَةِ «فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ سُمْعَةٌ. وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ بِهِ» .
فَالرِّيَاءُ مَرْجِعُهُ إِلَى الرُّؤْيَةِ، وَالتَّسْمِيعُ مَرْجِعُهُ إِلَى السَّمَاعِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُمْ، وَرَدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ لِمُسَمَّى الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [٤ \ ٤٨] .
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَقَطْ، فَإِنْ رَاءَى فِي الصَّلَاةِ أَحْبَطَهَا وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ رَاءَى فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ لَا يَتَعَدَّى إِحْبَاطَهَا إِلَى صَلَاةِ فَرِيضَةٍ، وَهَكَذَا، قَدْ يَبْدَأُ عَمَلًا خَالِصًا لِلَّهِ، ثُمَّ يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَبَحُ الرِّيَاءِ، فَهَلْ يَسْلَمُ لَهُ عَمَلُهُ أَوْ يُحْبِطُهُ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاءِ؟
فَقَالُوا: إِنْ كَانَ خَاطِرًا وَدَفَعَهُ عَنْهُ فَلَا يَضُرُّهُ، وَإِنِ اسْتَرْسَلَ مَعَهُ. فَقَدْ رَجَّحَ أَحْمَدُ
стр. 4232
وَابْنُ جَرِيرٍ عَدَمَ بُطْلَانِ الْعَمَلِ نَظَرًا لِسَلَامَةِ الْقَصْدِ ابْتِدَاءً.
وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِي سَلَمَةَ كُلُّهُمْ يُقَاتِلُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ لِلدُّنْيَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ نَجْدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: «كُلُّهُمْ إِذَا كَانَ أَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» .
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ: أَنَّ هَذَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يَرْتَبِطُ آخِرُهُ بِأَوَّلِهِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
أَمَّا مَا كَانَ مِثْلَ الْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ. فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ، أَيْ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَكُلَّ جُزْءٍ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَرْتَبِطُ بِمَا قَبْلَهُ.
وَهُنَاكَ مَسْأَلَةٌ: وَهِيَ أَنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ خَالِصًا، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَيُحْسِنُونَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ فَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ. فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرِّيَاءِ فِي شَيْءٍ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ يَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ «عَاجِلُ بُشْرَى الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ مَنْ كَانَ يَعْمَلُ عَمَلًا خَفِيًّا، ثُمَّ حَضَرَ بَعْضُ النَّاسِ فَتَرَكَهُ مِنْ أَجْلِهِمْ خَشْيَةَ الرِّيَاءِ، أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الرِّيَاءِ ; لِأَنَّهُ يَضْعُفُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ يُخْلِصَ النِّيَّةَ لِلَّهِ، وَفِي هَذَا بُعْدٌ وَمَشَقَّةٌ.
أَمَّا مَنْعُ الْمَاعُونِ وَإِعْطَاؤُهُ، وَهُوَ الْعَارِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَإِنَّ مَبْحَثَ الْعَارِيَةِ فِي نَاحِيَتَيْنِ: مَا هِيَ الْعَارِيَةُ، وَالثَّانِي: حُكْمُهَا أَوَاجِبٌ أَمْ مُبَاحٌ، وَحُكْمُ ضَمَانِهَا مَضْمُونَةٌ أَمْ لَا؟
أَمَّا تَعْرِيفُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هِيَ إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِ، مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
وَقَوْلُهُمْ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ: كَالْقِدْرِ وَالْفَأْسِ وَالْإِبْرَةِ وَالْمُنْخِلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا يَكُونُ إِتْلَافُهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ، كَالشَّمْعِ لِلْإِضَاءَةِ، وَالزَّيْتِ لِلدُّهْنِ، وَالْكُحْلِ لِلِاكْتِحَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا تَنْفَدُ عَيْنُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ، فَلَا يَكُونُ عَارِيَةً، وَلَكِنْ يَكُونُ قَرْضًا، وَالْقَرْضُ يَكُونُ مُعَاوَضَتُهُ بِمِثْلِهِ.
أَمَّا حُكْمُ الْعَارِيَةِ. فَقِيلَ: جَائِزٌ.
стр. 4233
وَقِيلَ: بَلْ وَاجِبٌ.
وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ.
وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا، وَدَلِيلُ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِنَصِّ الْآيَةِ: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي حَقِّ الْإِبِلِ لَمَّا ذَكَرَ الزَّكَاةَ «وَأَنَّ حَقَّهَا إِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَمَنْحُهُ لَبَنَهَا يَوْمَ وُرُودِهَا» .
وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ذُكِرَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِعَارِيَةٍ قَطْعًا، مِثْلَ طَرْقِ الْفَحْلِ وَمَنْحِ اللَّبَنِ، مِمَّا يُضْعِفُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ.
وَقَدْ سَاقَ الْمَجْدُ فِي الْمُنْتَقَى بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَلَهُمْ.
أَمَّا الْوَعِيدُ فِي الْآيَةِ فَقَالُوا: هُوَ مُنْصَبٌّ عَلَى الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ: السَّهْوِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَالرِّيَاءِ فِي الْعَمَلِ، وَمَنْعِ الْمَاعُونِ جَمِيعًا، وَمَنِ اتَّصَفَ بِوَاحِدَةٍ فَلَهُ قَدْرُهُ مِنَ الْوَعِيدِ بِحَسَبِهِ.
وَأَقَلُّ مَا يُقَالُ فِيهَا مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [٥ \ ٢] ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ، لَمَّا ذَكَرَ ﷺ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْخَيْلَ، وَقَالَ: «وَلَا يَنْسَى حَقَّ اللَّهِ فِي ظَهْرِهَا» .
ثُمَّ سُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ، فَقَالَ: «لَمْ أَجِدْ إِلَّا الْآيَةَ الشَّاذَّةَ الْفَاذَّةَ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ» [٩٩ \ ٧] .
وَإِعَارَةُ الْمَتَاعِ إِبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ» .
وَنَقَلَ الشَّوْكَانِيُّ عَنِ الْكَشَّافِ قَوْلًا: أَنَّهَا تَكُونُ وَاجِبَةً عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، وَقَبِيحٌ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ مُرُوءَةٌ. اهـ.
وَالضَّرُورَةُ: مِثْلَ الدَّلْوِ إِذَا وَرَدْتَ الْمَاءَ وَلَا دَلْوَ مَعَكَ، وَفِي اضْطِرَارٍ إِلَى الْمَاءِ.
وَقِيَاسُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ شَيْءٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَضَمِنَ الْمَانِعُ.
كَمَا قَالُوا فِي الِامْتِنَاعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ: هَلْ هُوَ فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ؟ مِثْلَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ
стр. 4234
خَيْطٌ، وَاحْتِيجَ إِلَيْهِ فِي خِيَاطَةِ جُرْحِ إِنْسَانٍ، أَوْ قُطْنَةٍ فَمَاتَ، فَهَلْ يُعَدُّ تَرْكُ إِعْطَاءِ الْخَيْطِ مُجَرَّدَ تَرْكٍ لَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ، أَوْ يُعْتَبَرُ فِعْلًا لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْهُ مَوْتُ إِنْسَانٍ. وَمِثْلُهُ مَنْعُ الدَّلْوِ لِيَرْوِيَ أَوْ يَسْقِيَ إِبِلَهُ أَوْ يَشْرَبَ هُوَ؟
وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ التَّرْكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةَ الْفِعْلِ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ.
وَالتَّرْكُ فِعْلٌ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَب
وَهُنَا مَا يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِعْمَالُ الْعَرَبِيُّ الصَّحِيحُ، كَمَا قِيلَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلِّلُ
فَسُمِّي الْقُعُودُ عَنِ الْعَمَلِ عَمَلًا مُضَلِّلًا، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَارِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ شَرْعًا وَمُرُوءَةً وَعُرْفًا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَوَاجِبَةٌ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ، مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّ حَالَاتِ الِاسْتِعَارَةِ أَغْلَبُهَا اضْطِرَارٌ، إِلَّا أَنَّ حَالَاتِ الِاضْطِرَارِ تَتَفَاوَتُ ظُرُوفُهَا.
وَقَدِ امْتَدَحَ اللَّهُ الْأَنْصَارَ بِأَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [٥٩ \ ٩] ، فَالْعَارِيَةُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا وَتُرَدُّ لِصَاحِبِهَا.
وَقَدِ امْتَدَحَ الشَّاعِرُ الْقَوْمَ بِعَدَمِ مَنْعِهِمُ الْمَاعُونَ، بِقَوْلِهِ:
قَوْمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمَّا يَمْنَعُوا ... مَاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُ التَّهْلِيلَا
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ حَمَلَ الْمَاعُونَ هُنَا عَلَى الزَّكَاةِ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الشَّاعِرِ: قَوْمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، يَتَضَمَّنُ إِخْرَاجَهُمُ الزَّكَاةَ ضِمْنَ إِسْلَامِهِمْ، فَيَكُونُ الْبَاقِي امْتِدَادَ حَالِهِمْ فِي خُصُوصِ الْمَاعُونِ.
بَقِيَ مَبْحَثُ ضَمَانِهَا: تَخْتَلِفُ الْأَقْوَالُ فِي ضَمَانِ الْعَارِيَةِ، فَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُهَا أَمَانَةً، وَعَلَيْهِ فَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعَدٍّ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
كَمَا قَالُوا فِي السَّيْفِ: يَسْتَعِيرُهُ فَيَنْكَسِرُ فِي الْقِتَالِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِضَمَانِهَا بِالْحَدِيثِ الْعَامِّ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ، حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» رَوَاهُُُ
стр. 4235
الْمَجْدُ فِي الْمُنْتَقَى، وَقَالَ: رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ.
وَبِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَذْرُعًا قِيلَ ثَلَاثِينَ، وَقِيلَ ثَمَانِينَ، وَقِيلَ مِائَةً. فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ، فَقَالَ: فَضَاعَ بَعْضُهَا، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ، فَقَالَ: أَنَا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ أَرْغَبُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ أَنَّ ضَمَانَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلِفَتْ أَوْ بِمِثْلِهَا، إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا جَاءَ فِي قَصْعَةِ حَفْصَةَ لَمَّا ضَرَبَتْهَا عَائِشَةُ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَانْكَسَرَتْ، وَانْتَثَرَ الطَّعَامُ، فَأَخَذَ ﷺ قَصْعَةَ عَائِشَةَ وَرَدَّهَا إِلَى حَفْصَةَ، وَقَالَ: «قَصْعَةٌ بِقَصْعَةٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» أَيْ أَنَّ الضَّمَانَ إِمَّا بِالْمِثْلِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ بِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَ مُقَوَّمًا.
وَإِذَا كَانَتِ الْعَارِيَةُ مَضْمُونَةً وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ، فَلِلْمُسْتَعِيرِ طَلَبُ رَدِّهَا مَتَى شَاءَ، إِلَّا إِذَا تَعَلَّقَتْ بِهَا مَصْلَحَةُ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَّا بِمَضَرَّةٍ عَلَيْهِ.
قَالُوا: كَمَنْ أَعَارَ سَفِينَةً وَتَوَسَّطَ بِهَا الْمُسْتَعِيرُ عُرْضَ الْبَحْرِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُعِيرُ رَدَّهَا لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ وَسْطَ الْبَحْرِ.
وَقِيلَ: لَهُ طَلَبُهَا، وَتَكُونُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ.
وَكَالَّذِي أَعَارَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ، وَقَبْلَ أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ يَطْلُبُهَا صَاحِبُهَا، وَهَكَذَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
حُكْمُ مَنْ جَحَدَ الْعَارِيَةَ
إِنَّ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَاشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهَا سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ فِي السَّرِقَةِ، لَا فِي جَحْدِ الْمَتَاعِ الْمُسْتَعَارِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ. لِأَنَّ السَّرِقَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّخَفِّي وَمِنْ حِرْزٍ.
وَالِاسْتِعَارَةُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [٤ \ ٥٨] .
وَقَوْلِهِ ﷺ : «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» .
стр. 4236
وَحَدِيثِ «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَهَذَا مُجْمَلُ مَبَاحِثِ الْعَارِيَةِ، وَتَفْصِيلُ فُرُوعِهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَوْجَزْنَا مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْعِ الْمَاعُونِ وَعَدَمِ جَوَازِ مَنْعِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَذْلِهِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَيَانُ مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ يَلْزَمُ كُلَّ بَاحِثٍ، وَهُوَ جَمْعُ أَطْرَافِ النُّصُوصِ، وَعَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [١٠٧ \ ٤] ، وَهِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلَوْ أُخِذَتْ وَحْدَهَا لَكَانَتْ وَعِيدًا لِلْمُصَلِّينَ.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْمَاجِنُ فِي قَوْلِهِ:
دَعِ الْمَسَاجِدَ لِلْعُبَّادِ تَسْكُنُهَا ... وَسِرْ إِلَى خَانَةِ الْخَمَّارِ يَسْقِينَا
مَا قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌ لِلْأُلَى سَكِرُوا ... وَإِنَّمَا قَالَ وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَا
وَلِذَا لَا بُدَّ مِنْ ضَمِيمَةِ مَا بَعْدَهَا لِلتَّفْسِيرِ وَالْبَيَانِ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ هَذَا التَّفْسِيرُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْحَدِيثِ، مَا جَاءَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مَا نَصُّهُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ تَعَطَّلَتْ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ عَمَّرَ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ كُتِبَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ» .
هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي الزَّوَائِدِ، قَالَ عَنْهُ: فِي إِسْنَادِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنَّهُ نَصٌّ فِيمَا تَمَثَّلَ لَهُ لِأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى جَوَابِهِ ﷺ اعْتُبِرَ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، وَمَنْ جَمَعَ طَرَفَيِ الْحَدِيثِ عَرَفَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَا أَخَذَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ: أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلٍ سَمِعَهُ، إِلَّا إِذَا اسْتَشْهَدُوهُ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: اشْهَدْ عَلَيْهِ، أَوْ إِلَّا إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَوَّلِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهِ مَا هُوَ مُرْتَبِطٌ بِآخِرِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُ لِلْآخَرِ: لِي عِنْدَكَ فَرَسٌ، وَلَكَ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَيَسْمَعُ قَوْلَهُ: لَكَ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ،ُُ
стр. 4237
وَلَمْ يَسْمَعْ مَا قَبْلَهَا، فَإِذَا شَهِدَ عَلَى مَا سَمِعَ كَانَ إِضْرَارًا بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ السُّورَةُ تَدُلُّ لِهَذَا الْمَأْخَذِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4238
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْكَوْثَر
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ.
الْكَوْثَرُ فَوْعَلُ مِنَ الْكَثْرَةِ، وَأَعْطَيْنَاكَ قُرِئَ: أَنْطَيْنَاكَ، بِإِبْدَالِ الْعَيْنِ نُونًا، وَلَيْسَتِ النُّونُ مُبْدَلَةً عَنِ الْعَيْنِ، كَإِبْدَالِ الْأَلِفِ مِنَ الْوَاوِ أَوِ الْعَيْنِ فِي الْأَجْوَفِ وَنَحْوِهِ، وَلَكِنَّ كُلَّا مِنْهُمَا أَصْلٌ بِذَاتِهِ، وَقِرَاءَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. قَالَهُ أَبُو حَيَّانَ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْكَوْثَرِ.
فَقِيلَ: عَلَمٌ.
وَقِيلَ: وَصْفٌ.
وَعَلَى الْعَلَمِيَّةِ قَالُوا: إِنَّهُ عَلَمٌ عَلَى نَهْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلَى الْوَصْفِ قَالُوا: الْخَيْرُ الْكَثِيرُ.
وَمِمَّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْعَلَمِيَّةِ، مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ، ذَكَرَهَا ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: «أَتَيْتُ نَهْرًا حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا. فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ» .
وَبِسَنَدِهِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، قَالَتْ: هُوَ نَهْرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، شَاطِئَاهُ عَلَيْهِمَا دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ» .
وَبِسَنَدِهِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَوْثَرِ: هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
قَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا عَنْ أَحْمَدَ ﵀: وَمِنْهَا بِسَنَدِ أَحْمَدَ إِلَى
стр. 4239
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِغْفَاءَةً، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا إِمَّا قَالَ لَهُمْ، وَإِمَّا قَالُوا لَهُ: لِمَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ نَزَلَتْ عَلِيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، حَتَّى خَتَمَهَا، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: نَهَرَ أَعْطَانِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ يَخْتَلِجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» .
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الْكَوْثَرَ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: «عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ» يُشْعِرُ بِأَنَّ مَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ مَوْجُودٌ.
وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْمَعْنَى، بِقَوْلِ الشَّاعِرِ الْكُمَيْتِ:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا ابْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ... وَكَانَ أَبُوكَ ابْنُ الْفَصَائِل
وَالَّذِي تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ أَنَّ الْكَوْثَرَ، هُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، وَأَنَّ الْحَوْضَ أَوِ النَّهَرَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَتَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى إِعْطَاءِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [١٥ \ ٨٧] .
وَفِي الْقَرِيبِ سُورَةُ الضُّحَى وَفِيهَا: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [٩٣ \ ٥] ، أَعْقَبَهَا بِنِعَمٍ جَلِيلَةٍ مِنْ شَرْحِ الصُّدُورِ، وَوَضْعِ الْوِزْرِ، وَرَفْعِ الذِّكْرِ، وَالْيُسْرِ بَعْدَ الْعُسْرِ.
وَبَعْدَهَا فِي سُورَةِ التِّينِ جَعَلَ بَلَدَهُ الْأَمِينَ، وَأَعْطَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ.
وَبَعْدَهَا سُورَةُ «اقْرَأْ» امْتَنَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ.ُُ
стр. 4240
وَبَعْدَهَا سُورَةُ الْقَدْرِ: أَعْطَاهُ لَيْلَةً خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
وَبَعْدَهَا سُورَةُ الْبَيِّنَةِ: جَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، وَمَنَحَهُمْ رِضَاهُ عَنْهُمْ، وَأَرْضَاهُمْ عَنْهُ.
وَبَعْدَهَا سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: حَفِظَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، فَلَمْ يُضَيِّعْ عَلَيْهِمْ مِثْقَالَ الذَّرَّةِ مِنَ الْخَيْرِ.
وَفِي سُورَةِ الْعَادِيَاتِ: أَكْبَرُ عَمَلٍ الْجِهَادُ، فَأَقْسَمَ بِالْعَادِيَاتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ.
وَفِي سُورَةِ التَّكَاثُرِ: تَرْبِيَتُهُمْ عَلَى نِعَمِهِ لِيَشْكُرُوهَا، فَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
وَفِي سُورَةِ الْعَصْرِ: جَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَتَعْمَلُ الصَّالِحَاتِ، وَتَتَوَاصَى بِالْحَقِّ وَتَدْعُو إِلَيْهِ، وَتَتَوَاصَى بِالصَّبْرِ، وَتَصْبِرُ عَلَيْهِ.
وَبَعْدَهَا فِي سُورَةِ قُرَيْشٍ: أَكْرَمَ اللَّهُ قَوْمَهُ، فَآمَنَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ رِحْلَتَيْهِمْ.
وَفِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مُبَاشَرَةً، وَهِيَ سُورَةُ الْمَاعُونِ: يُمْكِنُ عَمَلُ مُقَارَنَةٍ تَامَّةٍ أَوَّلًا.
وَفِي الْجُمْلَةِ، لَئِنْ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ، فَقَدْ أَعْطَيْنَاكَ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ، ثَانِيًا.
وَعَلَى التَّفْصِيلِ فَفِي الْأُولَى: وَصَفَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُكَذِّبِينَ بِدَعِّ الْيَتِيمِ، وَفِي الضُّحَى قَدْ بَيَّنَ لَهُ حَقَّ الْيَتِيمِ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ [٩٣ \ ٩] ، فَكَانَ هُوَ خَيْرُ مُوَكَّلٍ، وَخَيْرُ كَافِلٍ، وَوَصَفَهُمْ هُنَا بِأَنَّهُمْ لَا يَحُضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ.
وَقَدْ أَوْضَحَ لَهُ فِي الضُّحَى، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، فَكَانَ يُؤْثِرُ السَّائِلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَؤُلَاءِ سَاهُونَ عَنْ صَلَاتِهِمْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ.
وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ فَصَلِّ لِرَبِّكَ [١٠٨ \ ٢] ، أَدَاءُ الصَّلَاةِ وَخَالِصَةٌ لِرَبِّهِ، وَإِطْعَامُ الْمِسْكِينِ بِنَحْرِ الْهَدْيِ وَالضَّحِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، يُضَافُ إِلَيْهِ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، كَمَا فِي حَدِيثِ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَحَلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَكُنْ تَحُلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي. وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ لِقَوْمِهِ خَاصَّةً، فَبُعِثْتُ لِلنَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٌ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّ» .
следующие страницы →