← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لِجَانِبِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فِيهِمَا. أَمَّا إِذَا كَانَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ، وَأَغْصَانُهَا مُمْتَدَّةً فِي الْحَرَمِ، فَاصْطَادَ طَيْرًا وَاقِعًا عَلَى الْأَغْصَانِ الْمُمْتَدَّةِ فِي الْحَرَمِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهُ مُصْطَادٌ فِي الْحَرَمِ ; لِكَوْنِ الطَّيْرِ فِي هَوَاءِ الْحَرَمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ادَّعَاهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ أَنَّ أَحَادِيثَ تَحْدِيدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ مُضْطَرِبَةٌ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِاللَّابَتَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْحَرَّتَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْجَبَلَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْمَأْزِمَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا بِعَيْرٍ وَثَوْرٍ، غَيْرُ صَحِيحٍ لِظُهُورِ الْجَمْعِ بِكُلِّ وُضُوحٍ ; لِأَنَّ اللَّابَتَيْنِ هُمَا الْحَرَّتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ، وَهُمَا حِجَارَةٌ سُودٌ عَلَى جَوَانِبِ الْمَدِينَةِ، وَالْجَبَلَانِ هُمَا الْمَأَزِمَانِ، وَهُمَا عَيْرٌ وَثَوْرٌ وَالْمَدِينَةُ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ، كَمَا أَنَّهَا أَيْضًا بَيْنَ ثَوْرٍ وَعَيْرٍ، كَمَا يُشَاهِدُهُ مَنْ نَظَرَهَا، وَثَوْرٌ جُبَيْلٌ صَغِيرٌ يَمِيلُ إِلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ. فَمَنِ ادَّعَى مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَدِينَةِ جَبَلٌ يُسَمَّى ثَوْرًا، فَغَلَطٌ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ إِلَى الْيَوْمِ، مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ: فَجَزَاءٌ مِثْلُ الْآيَةَ، بِتَنْوِينِ «جَزَاءٌ» وَرَفْعِ مِثَلُ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ فَجَزَاءٌ مِثْلُ بِالْإِضَافَةِ، فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةٌ، أَيْ جَزَاءٌ هُوَ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، فَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، قَدْ يَتَوَهَّمُ الْجَاهِلُ مِنْ ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَدَمَ وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَكِنَّ نَفْسَ الْآيَةِ فِيهَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا بَلَغَ جَهْدَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ الْمَأَمُورُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [٥ \ ١٠٥] ; لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَمْ يَهْتَدِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا حُذَيْفَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا الْأَلُوسِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَنَقَلَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ. فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، أَيْ: أَمَرْتُمْ فَلَمْ يُسْمَعْ مِنْكُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَدْخُلُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْمُرَادِ بِالِاهْتِدَاءِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا وَلَا يَنْبَغِي

стр. 457

الْعُدُولُ عَنْهُ لِمُنْصِفٍ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرُ مُهْتَدٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ أَنَّهُ فِي خُسْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [١٠٣ \ ١، ٢، ٣] ، فَالْحَقُّ وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبَعْدَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ لَا يَضُرُّ الْآمِرَ ضَلَالُ مَنْ ضَلَّ، وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٨ \ ٢٥] ، وَالْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ النَّاسَ إِنْ لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ الْحَكَمِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا مَرْعُوبًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ، قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبْثُ» . وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللَّهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا، وَهَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ رَأَى النَّاسُ الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا

стр. 458

ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» ، ثُمَّ قَالَ: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [٥ \ ٧٩، ٨٠، ٨١] ، ثُمَّ قَالَ: «كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَّنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ وَوَاكَلُوهُمْ، وَشَارَبُوهُمْ ; فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ; ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى يَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» . وَمَعْنَى تَأْطُرُوهُمْ أَيْ: تَعْطِفُوهُمْ، وَمَعْنَى تَقْصُرُونَهُ: تَحْبِسُونَهُ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَفِيهَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ كَثْرَةُ الْآيَاتِ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [٣ \ ١٠٤] ، وَقَوْلِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [٣ \ ١١٠] . وَقَوْلِهِ: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَقَوْلِهِ: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [١٨ \ ٢٩] ، وَقَوْلِهِ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [١٥ \ ٩٤] ، وَقَوْلِهِ: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [٧ \ ١٦٥] ، وَقَوْلِهِ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٨ \ ٢٥] . وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَاهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِتِلْكَ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَعُمُّ الظَّالِمَ وَغَيْرَهُ هِيَ أَنَّ النَّاسَ

стр. 459

إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ، صَالِحُهُمْ وَطَالِحُهُمْ، وَبِهِ فَسَرَّهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ شَاهِدَةٌ لِذَلِكَ، كَمَا قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْهَا. مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْحَقِّ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَفْعَلُهُ، أَنَّهُ حِمَارٌ مِنْ حُمُرِ جَهَنَّمَ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِيهَا. وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ الْمُعْرِضَ عَنِ التَّذْكِرَةِ حِمَارٌ أَيْضًا، أَمَّا السُّنَّةُ الْمَذْكُورَةُ فَقَوْلُهُ ﷺ : " يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ، فَيَدُورُ بِهَا فِي النَّارِ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ؛ مَا أَصَابَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ ، فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ "، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄. وَمَعْنَى تَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ: تَتَدَلَّى أَمْعَاؤُهُ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءٌ مِنْ أُمَّتِكَ، كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ "، أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَابْنُ حَيَّانَ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَبَلَغْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تَفْتَضِحَ بِثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَافْعَلْ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ٤٤] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [٦١ \ ٣] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ الْآيَةَ

стр. 460

[١١ \ ٨٨] ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ أَيْضًا الشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنَ انْدِلَاقِ الْأَمْعَاءِ فِي النَّارِ، وَقَرْضِ الشِّفَاهِ بِمَقَارِيضِ النَّارِ، لَيْسَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى ارْتِكَابِهِ الْمُنْكَرَ عَالِمًا بِذَلِكَ، يَنْصَحُ النَّاسَ عَنْهُ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْ صَالِحٍ وَلَا طَالِحٍ، وَالْوَعِيدُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ; لِأَنَّهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْخَيْرُ، وَلَقَدْ أَجَادَ مَنْ قَالَ: [الْكَامِلُ] لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ وَقَالَ الْآخَرُ: [الطَّوِيلُ] وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهُوَ مَرِيضُ وَقَالَ الْآخَرُ: [الطَّوِيلُ] فَإِنَّكَ إِذْ مَا تَأْتِ مَا أَنْتَ آمِرٌ ... بِهِ تَلْفَ مَنْ إِيَّاهُ تَأْمُرُ آتِيَا وَأَمَّا الْآيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُعْرِضَ عَنِ التَّذْكِيرِ كَالْحِمَارِ أَيْضًا، فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [٧٤ \ ٤٩، ٥٠، ٥١] ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُذَكِّرِ بِالْكَسْرِ، وَالْمُذَكَّرِ بِالْفَتْحِ أَنْ يَعْمَلَا بِمُقْتَضَى التَّذْكِرَةِ، وَأَنْ يَتَحَفَّظَا مِنْ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا، لِئَلَّا يَكُونَا حِمَارَيْنِ مِنْ حُمُرِ جَهَنَّمَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ، يَعْلَمُ بِهِ أَنَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ مَعْرُوفٌ، وَأَنَّ مَا يَنْهَى عَنْهُ مُنْكَرٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ فَقَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَيَنْهَى عَمَّا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ، وَلَاسِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي عَمَّ فِيهِ الْجَهْلُ وَصَارَ فِيهِ الْحَقُّ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي الْآيَةَ [١٢ \ ١٠٨] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَهِيَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا لَبْسَ فِي الْحَقِّ مَعَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ دَعْوَتُهُ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ، وَحُسْنِ الْأُسْلُوبِ، وَاللَّطَافَةِ مَعَ إِيضَاحِ الْحَقِّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 461

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْآيَةَ [١٦ \ ١٢٥] ، فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَتُهُ إِلَى اللَّهِ بِقَسْوَةٍ وَعُنْفٍ وَخَرْقٍ، فَإِنَّهَا تَضُرُّ أَكْثَرَ مِمَّا تَنْفَعُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْنَدَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِسْنَادًا مُطْلَقًا، إِلَّا لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ، وَالْحِكْمَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاسِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَظِيفَةُ الرُّسُلِ، وَأَتْبَاعِهِمْ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْأَذَى مِنَ النَّاسِ ; لِأَنَّهُمْ مَجْبُولُونَ بِالطَّبْعِ عَلَى مُعَادَاةِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِي أَهْوَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ، وَأَغْرَاضِهِمُ الْبَاطِلَةِ، وَلِذَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ لِوَلَدِهِ، فِيمَا قَصَّ اللَّهُ عَنْهُ: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ الْآيَةَ [٣١ \ ١٧] ، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» ، يَعْنِي قُرَيْشًا، أَخْبَرَهُ وَرَقَةُ: أَنَّ هَذَا الدِّينَ الَّذِي جَاءَ بِهِ لَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا عُودِيَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَا تَرَكَ الْحَقُّ لِعُمَرَ صَدِيقًا» ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْأَمْرِ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ، إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ أَوْ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَى أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْتَلِفِينَ بِأَنَّهُ مُرْتَكِبٌ مُنْكَرًا، فَالْمُصِيبُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ بِإِصَابَتِهِ، وَالْمُخْطِئُ مِنْهُمْ مَعْذُورٌ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَحَلِّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ بِطَرِيقَيْنِ: طَرِيقِ لِينٍ، وَطَرِيقِ قَسْوَةٍ، أَمَّا طَرِيقُ اللِّينِ فَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَإِيضَاحُ الْأَدِلَّةِ فِي أَحْسَنِ أُسْلُوبٍ وَأَلْطَفِهِ، فَإِنْ نَجَحَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ تَنْجَحْ تَعَيَّنَتْ طَرِيقُ الْقَسْوَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَتُقَامَ حُدُودُهُ، وَتُمْتَثَلَ أَوَامِرُهُ، وَتُجْتَنَبَ نَوَاهِيهِ، وَإِلَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ الْآيَةَ [٥٧ \ ٢٥] . فَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَعْمَالِ السَّيْفِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَنْفَعِ الْكُتُبُ تَعَيَّنَتِ الْكَتَائِبُ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ أَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ ; لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، قَالَ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» : [الرَّجَزُ]

стр. 462

وَارْتَكِبِ الْأَخَفَّ مِنْ ضُرَّيْنِ وَخَيِّرَنْ لَدَى اسْتِوَا هَذَيْنِ وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ مَظِنَّةُ النَّفْعِ بِهِ، فَإِنْ جَزَمَ بِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [٨٧ \ ٩] ، وَقَوْلِهِ ﷺ : «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّابِرُ فِيهِنَّ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» ، وَفِي لَفْظٍ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا، أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَغَوِيُّ فِي «مُعْجَمِهِ» ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ وَقَالَ الرَّاوِي: هَذَا الْحَدِيثُ عَنْهُ أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «بَلِ ائْتَمِرْ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الشُّحِّ الْمُطَاعِ، وَالْهَوَى الْمُتَّبَعِ. . . إِلَخْ، مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ نَفْعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ; فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ عُدِمَتْ فَائِدَتُهُ سَقَطَ وُجُوبُهُ. تَنْبِيهٌ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ لَهُ ثَلَاثُ حِكَمٍ: الْأُولَى: إِقَامَةُ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [٤ \ ١٦٥] . الثَّانِيَةُ: خُرُوجُ الْآمِرِ مِنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي صَالِحِي الْقَوْمِ الَّذِينَ اعْتَدَى بَعْضُهُمْ فِي السَّبْتِ: قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ الْآيَةَ [٧ \ ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [٥١ \ ٥٤] ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْعُهْدَةِ، لَكَانَ مَلُومًا. الثَّالِثَةُ: رَجَاءُ النَّفْعِ لِلْمَأْمُورِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

стр. 463

وَقَالَ تَعَالَى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٥١ \ ٥٥] ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْبَحْثَ فِي كِتَابِنَا «دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» فِي سُورَةِ الْأَعْلَى فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [٨٧ \ ٩] ، وَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَأْمُرَ أَهْلَهُ بِالْمَعْرُوفِ كَزَوْجَتِهِ، وَأَوْلَادِهِ، وَنَحْوِهِمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا الْآيَةَ [٦٦ \ ٦] ، وَقَوْلِهِ ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ، الْحَدِيثَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ مَعَ ارْتِكَابِ السُّلْطَانِ مَا لَا يَنْبَغِي ثَلَاثٌ: الْأُولَى: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى نُصْحِهِ وَأَمْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِهِ عَنِ الْمُنْكَرِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ ضَرَرٌ أَكْبَرُ مِنَ الْأَوَّلِ، فَآمِرُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُجَاهِدٌ سَالِمٌ مِنَ الْإِثْمِ وَلَوْ لَمْ يَنْفَعْ نُصْحُهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ نُصْحُهُ لَهُ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ مَعَ اللُّطْفِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَظِنَّةُ الْفَائِدَةِ. الثَّانِيَةُ: أَلَّا يَقْدِرَ عَلَى نُصْحِهِ لِبَطْشِهِ بِمَنْ يَأْمُرُهُ، وَتَأْدِيَةِ نُصْحِهِ لِمُنْكَرٍ أَعْظَمَ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِالْقُلُوبِ، وَكَرَاهَةِ مُنْكَرِهِ، وَالسَّخَطِ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِالْمُنْكَرِ الَّذِي يَعْمَلُهُ السُّلْطَانُ، مُتَابِعًا لَهُ عَلَيْهِ، فَهَذَا شَرِيكُهُ فِي الْإِثْمِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ هُوَ مَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» ، قَالُوا:

стр. 464

يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» . فَقَوْلُهُ ﷺ : «فَمَنْ كَرِهَ» يَعْنِي بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ إِنْكَارًا بِيَدٍ وَلَا لِسَانٍ «فَقَدَ بَرِئَ» مِنَ الْإِثْمِ، وَأَدَّى وَظِيفَتَهُ، «وَمَنْ أَنْكَرَ» بِحَسْبِ طَاقَتِهِ «فَقَدْ سَلِمَ» مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ، «وَمَنْ رَضِيَ» بِهَا «وَتَابَعَ» عَلَيْهَا، فَهُوَ عَاصٍ كَفَاعِلِهَا. وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، صِيغَةُ إِغْرَاءٍ، يَعْنِي: الْزَمُوا حِفْظَهَا، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي «الْخُلَاصَةِ» بِقَوْلِهِ: [الرَّجَزُ] وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ كَاتِمَ الشَّهَادَةِ آثِمٌ، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْإِثْمَ مِنَ الْآثَامِ الْقَلْبِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [٢ \ ٢٨٣] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْشَأَ الْآثَامِ وَالطَّاعَاتِ جَمِيعًا مِنَ الْقَلْبِ ; لِأَنَّهُ إِذَا صَلَحَ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي، مَعْنَاهُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءً بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، كَمَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [٣ \ ٤٩] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الْآيَةَ، لَمْ يَذْكُرْ هُنَا كَيْفِيَّةَ كَفِّهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وَقَوْلِهِ: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [٤ \ ١٥٨] ، وَقَوْلِهِ: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [٣ \ ٥٥] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ الْآيَةَ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُرَادُ بِالْإِيحَاءِ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ الْإِلْهَامُ، وَيَدُلُّ لَهُ وُرُودُ الْإِيحَاءِ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ، كَقَوْلِهِ: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ الْآيَةَ [١٦ \ ٦٨] ، يَعْنِي أَلْهَمَهَا، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ:

стр. 465

وَمِنْهُ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [٢٨ \ ٧] ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ: أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ إِيحَاءً حَقِيقِيًّا بِوَاسِطَةِ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

стр. 466

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَنْعَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَعْدِلُونَ [٦ \ ١] ، وَجْهَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْعُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَعْنَى الِانْحِرَافِ، وَالْمَيْلِ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَفَرُوا، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَمِيلُونَ وَيَنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، وَقِيلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: إِنَّ «الْبَاءَ» بِمَعْنَى «عَنْ» أَيْ: يَعْدِلُونَ عَنْ رَبِّهِمْ، فَلَا يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِ بِطَاعَةٍ، وَلَا إِيمَانٍ. وَالثَّانِي: أَنْ «الْبَاءَ» مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْدِلُونَ، وَمَعْنَى يَعْدِلُونَ يَجْعَلُونَ لَهُ نَظِيرًا فِي الْعِبَادَةِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: عَدَلْتُ فُلَانًا بِفُلَانٍ إِذَا جَعَلْتُهُ لَهُ نَظِيرًا وَعَدِيلًا، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [الْوَافِرُ] أَثَعْلَبَةَ الْفَوَارِسِ أَمْ رِيَاحًا ... عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ وَالْخِشَابَا يَعْنِي أَجَعَلْتَ طُهَيَّةَ وَالْخِشَابَ نُظَرَاءَ وَأَمْثَالًا لِبَنِي ثَعْلَبَةَ وَبَنِي رِيَاحٍ، وَهَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ يَدُلُّ لَهُ الْقُرْآنُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى، عَنِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ عَدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [٢٦ \ ٩٧، ٩٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [٢ \ ١٦٥] ، وَأَشَارَ تَعَالَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ إِلَى أَنَّ الْكُفَّارَ سَاوَوْا بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [١٣ \ ١٦] ، وَقَوْلِهِ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [١٦ \ ١٧] ، وَقَوْلِهِ: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ الْآيَةَ [٣٠ \ ٢٨] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَعِدْلُ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ مِثْلُهُ وَنَظِيرُهُ، قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ: إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَهُوَ عِدْلٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَهُوَ عَدْلٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: [الْوَافِرُ]

стр. 467

عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا بَرَزَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدُورِ عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا اضْطَرَبَ الْعِضَاهُ مِنَ الدَّبُورِ عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... غَدَاةَ بَلَابِلِ الْأَمْرِ الْكَبِيرِ يَعْنِي أَنَّ الْقَتْلَى الَّذِينَ قَتَلَهُمْ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِأَخِيهِ كُلَيْبٍ الَّذِي قَتَلَهُ جَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ الْبَكْرِيِّ لَا يُكَافِئُونَهُ، وَلَا يُعَادِلُونَهُ فِي الشَّرَفِ. وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [٥ \ ٩٥] ; لِأَنَّ الْمُرَادَ نَظِيرُ الْإِطْعَامِ مِنَ الصِّيَامِ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ [٦ \ ٧٠] ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ [٢ \ ١٢٣] ، وَالْعَدْلُ: الْفِدَاءُ، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قِيمَةٌ مُعَادَلَةٌ لِلْفِدَى تُؤْخَذُ بَدَلَهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ الْآيَةَ [٦ \ ٣] ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَهُ مِصْدَاقٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ، أَيْ: وَهُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ بِحَقٍّ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَعَلَى هَذَا فَجُمْلَةُ يَعْلَمُ حَالٌ، أَوْ خَبَرٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُبَيِّنُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [٤٣ \ ٨٤] ، أَيْ: وَهُوَ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِحَقٍّ، وَلَا عِبْرَةَ بِعِبَادَةِ الْكَافِرِينَ غَيْرَهُ ; لِأَنَّهَا وَبَالٌ عَلَيْهِمْ يَخْلُدُونَ بِهَا فِي النَّارِ الْخُلُودَ الْأَبَدِيَّ، وَمَعْبُودَاتُهُمْ لَيْسَتْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [٥٣ \ ٢٣] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [١٠ \ ٦٦] . وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْآيَةِ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [٦ \ ٣] ، يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ، أَيْ: وَهُوَ اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ; وَيُبَيِّنُ هَذَا الْقَوْلَ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [٢٥ \ ٦] . قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ.

стр. 468

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، أَنَّ الْوَقْفَ تَامٌّ عَلَى قَوْلِهِ فِي: السَّمَاوَاتِ، وَقَوْلُهُ: وَفِي الْأَرْضِ يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَهُ، أَيْ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّ أَهْلِ الْأَرْضِ وَجَهْرَهُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَيُبَيِّنُ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا الْآيَةَ [٦ ٧ \ ١٦، ١٧] ، وَقَوْلُهُ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [٢٠ \ ٥] ، مَعَ قَوْلِهِ: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [٥٧ \ ٤] ، وَقَوْلُهُ: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [٧ \ ٧] ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ بِإِيضَاحٍ فِي سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ الْجَهْمِيَّةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَانٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ فِي الْأَرْضِ، ضَلَالٌ مُبِينٌ، وَجَهْلٌ بِاللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَمْكِنَةِ الْمَوْجُودَةِ أَحْقَرُ وَأَصْغَرُ مِنْ أَنْ يَحِلَّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، فَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي يَدِهِ - جَلَّ وَعَلَا - أَصْغَرُ مِنْ حَبَّةِ خَرْدَلٍ فِي يَدِ أَحَدِنَا، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فَلَوْ كَانَتْ حَبَّةُ خَرْدَلٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ حَالٌ فِيهَا، أَوْ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، لَا وَكَلَّا، هِيَ أَصْغَرُ وَأَحْقَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَعْظَمُ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَكُونُ فَوْقَهُ شَيْءٌ: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [٣٤ \ ٣] ، عُلُوًّا كَبِيرًا لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [٢٠ \ ١١٠] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مَكْتُوبًا فِي قِرْطَاسٍ، أَيْ صَحِيفَةٍ، إِجَابَةً لِمَا اقْتَرَحُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ الْآيَةَ [١٧ \ ٩٣] ، فَعَايَنُوا ذَلِكَ الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِيهِمْ، لَعَانَدُوا، وَادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَحَرَهُمْ، وَهَذَا الْعِنَادُ وَاللَّجَاجُ الْعَظِيمُ وَالْمُكَابِرَةُ الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْكُفَّارِ بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ:

стр. 469

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [١٥ \ ١٤، ١٥] . وَقَوْلِهِ: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [٥٢ \ ٤٤] ، وَقَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [٦ \ ١١١] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ الْآيَةَ [١٠ \ ٩ ٦، ٩٧] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [١٠ \ ١٠١] ، وَقَوْلِهِ: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا [٧ \ ١٤٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَذَكَرَ تَعَالَى نَحْوَ هَذَا الْعِنَادِ وَاللَّجَاجِ عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فِي قَوْلِهِ: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [٧ \ ١٣٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَاذَا يُرِيدُونَ بِإِنْزَالِ الْمَلَكِ الْمُقْتَرَحِ، وَلَكِنَّهُ بَيِّنٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِإِنْزَالِ الْمَلَكِ أَنْ يَكُونَ نَذِيرًا آخَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا الْآيَةَ [٢٥ \ ٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، يَعْنِي: أَنَّهُ لَوْ نَزَّلَ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، لَجَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ، مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ وَلَا إِنْظَارٍ، لِأَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِذَلِكَ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [١٥ \ ٨] ، وَقَوْلِهِ: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ الْآيَةَ [٢٥ \ ٢٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ، أَيْ: لَوْ بَعَثْنَا إِلَى الْبَشَرِ رَسُولًا مَلَكِيًّا، لَكَانَ عَلَى هَيْئَةِ الرَّجُلِ ; لِتُمْكِنَهُمْ مُخَاطَبَتُهُ، وَالِانْتِفَاعُ بِالْأَخْذِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ شِدَّةِ النُّورِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَالْتَبَسَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ كَمَا هُمْ يَلْبِسُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي قَبُولِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ. وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، كَمَا أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [١٧ \ ٩٥] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

стр. 470

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ وَأَنَّهُمْ حَاقَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ هُنَا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزَائِهِمْ، وَلَا كَيْفِيَّةَ الْعَذَابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، فِي ذِكْرِ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، وَهُودٍ وَقَوْمِهِ، وَصَالِحٍ وَقَوْمِهِ، وَلُوطٍ وَقَوْمِهِ، وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهُمْ لَهُ: «بَعْدَ أَنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجَّارًا» ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [١١ \ ٣٨] ، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [٤٩ \ ١٤] ، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِهُودٍ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [١١ \ ٥٤] ، وَقَوْلِهِ عَنْهُمْ أَيْضًا: قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ الْآيَةَ [١١ \ ٥٣] ، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي قَوْلِهِ: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ الْآيَةَ [٥١ \ ٤١] ، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِصَالِحٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ: يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [٧ \ ٧٧] ، وَقَوْلُهُمْ: يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا الْآيَةَ [١١ \ ٦٢] ، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [١١ \ ٩٤] ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ الْآيَةَ [٢٧ \ ٥٦] ، وَقَوْلُهُمْ لَهُ أَيْضًا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [٢٦ \ ١٦٧] ، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [١٥ \ ٧٤] ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [١١ \ ٩١] ، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [٢٦ \ ١٨٩] وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، يَعْنِي: أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَرْزُقُ الْخَلَائِقَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ فَلَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى رِزْقٍ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى هَذَا بِقَوْلِهِ:

стр. 471

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [٥١ \ ٥٦، ٥٧، ٥٨] ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَيْنِ مِنَ الْإِطْعَامِ، وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَأَوْضَحَتْهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى، وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَعْمَشُ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ كَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ، مُضَارِعُ طَعِمَ الثُّلَاثِيِّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي، أَيْ أَنَّهُ يَرْزُقُ عِبَادَهُ وَيُطْعِمُهُمْ، وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا لَا يَأْكُلُ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَخْلُوقُ مِنَ الْغَدَاءِ ; لِأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْغَنِيُّ لِذَاتِهِ، الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ، عُلُوًّا كَبِيرًا، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [٣٥ \ ١٥] . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ سَعِيدٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْأَعْمَشِ مُوَافِقَةٌ لِأَحَدِ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الصَّمَدُ [١١٢ \ ٢] ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ، الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْحَوَائِجِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي تَكَامَلَ سُؤْدُدُهُ، وَشَرَفُهُ، وَعَظَمَتُهُ، وَعِلْمُهُ، وَحِكْمَتُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّمَدُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ; وَعَلَيْهِ، فَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّمَدُ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَهُوَ مَحِلُّ الشَّاهِدِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ الْمَعْرُوفِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِطْلَاقُ الصَّمَدِ عَلَى السَّيِّدِ الْعَظِيمِ، وَعَلَى الشَّيْءِ الْمُصْمَتِ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُ الزِّبْرِقَانِ: [الْبَسِيطُ] سِيرُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَاعْتَمِدُوا ... وَلَا رَهِينَةَ إِلَّا سَيِّدٌ صَمَدُ وَقَوْلُ الْآخَرِ: [الْبَسِيطُ] عَلَوْتُهُ بِحُسَامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ... خُذْهَا حُذَيْفُ فَأَنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ وَقَوْلُ الْآخَرِ: [الطَّوِيلُ] أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ ... بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الطَّوِيلُ]

стр. 472

شِهَابُ حُرُوبٍ لَا تَزَالُ جِيَادُهُ ... عَوَابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ الْمُصَمَّدَا فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي هُوَ وَحْدَهُ الْمَلْجَأُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْحَاجَاتِ، وَهُوَ الَّذِي تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ وَتَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، كَأَكْلِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ، عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ الْآيَةَ، يَعْنِي أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلْتُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِ ﷺ وَوُجُودِ أُمَّتِهِ، كَقَوْلِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [٢ \ ١٣١] ، وَقَوْلِهِ عَنْ يُوسُفَ: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [١٢ \ ١٠١] ، وَقَوْلِهِ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [٥ \ ٤٤] ، وَقَوْلِهِ عَنْ لُوطٍ وَأَهْلِهِ: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٥١ \ ٣٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَشَارَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ هُنَا: فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٦ \ ١٧] ، بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ، إِلَى أَنَّ فَضْلَهُ وَعَطَاءَهُ الْجَزِيلَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَدِّهِ، عَمَّنْ أَرَادَهُ لَهُ تَعَالَى، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ الْآيَةَ [١٠ \ ١٠٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ، صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ ﷺ مُنْذِرٌ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْإِنْذَارَ بِهِ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. أَمَّا عُمُومُ إِنْذَارِهِ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [٧ \ ١٥٨] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [٣٤ \ ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [٢٥ \ ١] . وَأَمَّا دُخُولُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ النَّارَ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [١١ \ ١٧] .

стр. 473

وَأَمَّا مِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ فَلَهُ حُكْمُ أَهْلِ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلَا - الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ، يَعْلَمُ الْمَعْدُومَ الَّذِي سَبَقَ فِي الْأَزَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَدَّ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الدُّنْيَا مَرَّةً أُخْرَى لَا يَكُونُ، وَيَعْلَمُ هَذَا الرَّدَّ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [٦ \ ٢٨] ، وَهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي آيَاتٍ أُخَرَ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لَا يَخْرُجُونَ إِلَيْهَا مَعَهُ ﷺ وَاللَّهُ ثَبَّطَهُمْ عَنْهَا لِحِكْمَةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ الْآيَةَ [٩ \ ٤٦] ، وَهُوَ يَعْلَمُ هَذَا الْخُرُوجَ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا الْآيَةَ [٩ \ ٤٧] ، وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [٢٣ \ ٧٥] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الْآيَةَ، صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَهُ ﷺ يَحْزُنُهُ مَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ مِنْ تَكْذِيبِهِ ﷺ وَقَدْ نَهَاهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ الْآيَةَ [٣٥ \ ٨] ، وَقَوْلِهِ: فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [٥ \ ٦٨] ، وَقَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [١٨ \ ٦] ، وَقَوْلِهِ: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [٢٦ \ ٣] ، وَالْبَاخِعُ: هُوَ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ غَيْلَانَ بْنِ عُقْبَةَ: [الطَّوِيلُ] أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ وَقَوْلُهُ: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ، فِي الْآيَتَيْنِ يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [١١ \ ١٢] ، أَيْ لَا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حَزَنًا عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا تَتْرُكْ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ فِي الثَّانِي.

стр. 474

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ الْآيَةَ. قَالَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: الْمُرَادُ بِالْمَوْتَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْكُفَّارُ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ الْآيَةَ [٦ \ ١٢٢] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [٣٥ \ ٢٢] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [٣٥ \ ٢٢] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنَّ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَنْزِيلِ الْآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحَهَا الْكُفَّارُ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَشَارَ لِحِكْمَةِ عَدَمِ إِنْزَالِهَا بِقَوْلِهِ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [٦ \ ٣٧] ، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ حِكْمَةَ عَدَمِ إِنْزَالِهَا: أَنَّهَا لَوْ أُنْزِلَتْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا لَنَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ الْعَاجِلُ، كَمَا وَقَعَ بِقَوْمِ صَالِحٍ لَمَّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ إِخْرَاجَ نَاقَةٍ عُشَرَاءَ، وَبْرَاءَ، جَوْفَاءَ، مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ، فَأَخْرَجَهَا اللَّهُ لَهُمْ مِنْهَا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَعَقَرُوهَا وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا [٧ \ ٧٧] ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِعَذَابِ اسْتِئْصَالٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [١٧ \ ٥٩] ، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ لَا دَاعِيَ إِلَى مَا اقْتَرَحُوا مِنَ الْآيَاتِ ; لِأَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً أَعْظَمَ مِنْ جَمِيعِ الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا وَغَيْرِهَا، وَتِلْكَ الْآيَةُ هِيَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ; وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [٢٩ \ ٥١] ، فَإِنْكَارُهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَيْهِمْ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا الْكِتَابِ عَنِ الْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ وَأَفْخَمُ مِنْ كُلِّ آيَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ آيَةٌ وَاضِحَةٌ، وَمُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ، أَعْجَزَتْ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ تَتَرَدَّدُ فِي آذَانِ الْخَلْقِ غَضَّةً طَرِيَّةً حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - فَإِنَّهَا كُلَّهَا مَضَتْ وَانْقَضَتْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ الْآيَةَ، ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَتَاهُمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ أَتَتْهُمُ السَّاعَةُ أَخْلَصُوا الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ مُخُّ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَنَسُوا مَا كَانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ ; لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَكْشِفُ الْكُرُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا. وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا نَوْعَ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا أَيْضًا إِذَا كَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ هَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى إِخْلَاصِهِمْ، أَوْ يَرْجِعُونَ إِلَى كَفْرِهِمْ

стр. 475

وَشِرْكِهِمْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَذَابَ الدُّنْيَوِيَّ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِخْلَاصِ، هُوَ نُزُولُ الْكُرُوبِ الَّتِي يَخَافُ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ الْهَلَاكَ، كَأَنْ يَهِيجَ الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ وَتَلْتَطِمَ أَمْوَاجُهُ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ سَيَغْرَقُونَ فِيهِ إِنْ لَمْ يُخْلِصُوا الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ الْآيَةَ [١٠ \ ٢٢، ٢٣] ، وَقَوْلِهِ: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [١٧ \ ٦٧] ، وَقَوْلِهِ: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [٢٩ \ ٦٥] ، وَقَوْلِهِ: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [٣١ \ ٣٢] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ إِذَا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْكَرْبَ، رَجَعُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا، وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، وَقَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [٦ \ ٦٤] ، وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ رُجُوعَهُمْ لِلشِّرْكِ، بَعْدَ أَنْ نَجَّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْغَرَقِ، مِنْ شِدَّةِ جَهْلِهِمْ وَعَمَاهُمْ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَهُمْ فِي الْبَرِّ، كَقُدْرَتِهِ عَلَى إِهْلَاكِهِمْ فِي الْبَحْرِ، وَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُمْ فِي الْبَحْرِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيُهْلِكَهُمْ فِيهِ بِالْغَرَقِ، فَجُرْأَتُهُمْ عَلَيْهِ إِذَا وَصَلُوا الْبَرَّ لَا وَجْهَ لَهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [١٧ \ ٦٨، ٦٩] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، نَهَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ طَرْدِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفُقَرَائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَأَمَرَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ، وَأَنْ لَا تَعْدُوَ عَيْنَاهُ عَنْهُمْ إِلَى أَهْلِ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي الدُّنْيَا، وَنَهَاهُ عَنْ إِطَاعَةِ الْكَفَرَةِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ:

стр. 476

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [١٨ \ ٢٨] ، كَمَا أَمَرَهُ هُنَا بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَبِشَارَتِهِمْ بِرَحْمَةِ رَبِّهِمْ جَلَّ وَعَلَا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ الْآيَةَ [٦ \ ٥٤] ، وَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّ طَرْدَ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي طَلَبَهُ كُفَّارُ الْعَرَبِ مِنْ نَبِيِّنَا ﷺ فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، طَلَبَهُ أَيْضًا قَوْمُ نُوحٍ مِنْ نُوحٍ، فَأَبَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ [١١ \ ٢٩] ، وَقَوْلِهِ: وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ الْآيَةَ [١١ \ ٣٠] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [٢٦ \ ١١٤] ، وَهَذَا مِنْ تَشَابُهِ قُلُوبِ الْكُفَّارِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ الْآيَةَ [٢ \ ١١٨] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْحِكْمَةَ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ ضُعَفَاءُ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سَأَلَ هِرَقْلُ مِلْكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ : «أَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ، أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ» . فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَشَارَ إِلَى أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ فِتْنَةَ بَعْضِ النَّاسِ بِبَعْضٍ، فَإِنَّ أَهْلَ الْمَكَانَةِ وَالشَّرَفِ وَالْجَاهِ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ فِي هَذَا الدِّينِ خَيْرٌ لَمَا سَبَقَنَا إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّا أَحَقُّ مِنْهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ كَمَا قَالَ هُنَا: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا الْآيَةَ [٦ \ ٥٣] ، إِنْكَارًا مِنْهُمْ أَنْ يُمُنَّ اللَّهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ دُونَهُمْ، زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْخَيْرِ مِنْهُمْ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ قَوْلَهُمْ هُنَا بِقَوْلِهِ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ الْآيَةَ [٤٦ \ ١١] ، وَقَوْلِهِ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [١٩ \ ٧٣] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنْفُسَهُمْ أَحْسَنَ مَنَازِلَ وَمَتَاعًا مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ اعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ أَوْلَى مِنْهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ ﷺ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُوهُمْ إِلَيْهِ، وَرَدَّ اللَّهُ افْتِرَاءَهُمْ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا

стр. 477

[١٩ \ ٧٤] ، وَقَوْلِهِ: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ [٢٣ \ ٥٥، ٥٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ الْآيَةَ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنْ يُخْبِرَ الْكُفَّارَ، أَنَّ تَعْجِيلَ الْعَذَابِ عَلَيْهِمُ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنْهُ ﷺ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ لِعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الْآيَةَ [٦ \ ٥٨] . وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُمْ مَا حَمَلَهُمْ عَلَى اسْتِعْجَالِ الْعَذَابِ إِلَّا الْكُفْرُ وَالتَّكْذِيبُ، وَأَنَّهُمْ إِنْ عَايَنُوا ذَلِكَ الْعَذَابَ عَلِمُوا أَنَّهُ عَظِيمٌ هَائِلٌ، لَا يَسْتَعْجِلُ بِهِ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُهُمْ، كَقَوْلِهِ: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [١١ \ ٨] ، وَقَوْلِهِ: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا الْآيَةَ [٤٢ \ ٥٤] ، وَقَوْلِهِ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [٢٩ \ ٥٤] ، وَقَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ [١٠ \ ٥٠] . وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ حَدَّدَ لَهُمْ أَجَلًا لَا يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ قَبْلَهُ لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْآيَةَ [٢٩ \ ٥٣] . تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ الْآيَةَ، صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ﷺ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ تَعْجِيلُ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَ الْجِبَالِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، وَهُمَا جَبَلَا مَكَّةَ اللَّذَانِ يَكْتَنِفَانِهَا، فَقَالَ ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرَجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ: هُوَ مَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ،

стр. 478

وَهُوَ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَيْهِ وُقُوعُ الْعَذَابِ الَّذِي يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَهُ فِي وَقْتِ طَلَبِهِمْ، لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْمَلَكُ إِهْلَاكَهُمْ فَاخْتَارَ عَدَمَ إِهْلَاكِهِمْ، وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَنِّتِ الطَّالِبِ تَعْجِيلَ الْعَذَابِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يُعْلِمُهَا إِلَّا هُوَ الْآيَةَ، بَيَّنَ تَعَالَى الْمُرَادَ بِمَفَاتِحِ الْغَيْبِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [٣١ \ ٣٤] ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ الْمُرَادَ بِمَفَاتِحِ الْغَيْبِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمَفَاتِحُ الْخَزَائِنُ، جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْمَخْزَنِ، وَقِيلَ: هِيَ الْمَفَاتِيحُ، جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ الْمِفْتَاحُ، وَتَدُلُّ لَهُ قِرَاءَةُ ابْنِ السُّمَيْقِعِ. «مَفَاتِيحُ» بِيَاءٍ بَعْدَ التَّاءِ جَمْعُ مِفْتَاحٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمْ خَالِقُهُمْ جَلَّ وَعَلَا. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ» ، وَاللَّهُ يَقُولُ: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [٢٧ \ ٦٥] ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يُعْلِنَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [٦ \ ٥٠] . وَلِذَا لَمَّا رُمِيَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِالْإِفْكِ، لَمْ يَعْلَمْ، أَهِيَ بَرِيئَةٌ أَمْ لَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [٢٤ \ ٢٦] . وَقَدْ ذَبَحَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عِجْلَهُ لِلْمَلَائِكَةِ، وَلَا عِلْمَ لَهُ بِأَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ حَتَّى أَخْبَرُوهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [١١ \ ٧٠] ، وَلَمَّا جَاءُوا لُوطًا لَمْ يَعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ، وَلِذَا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [١١ \ ٧٧] ، يَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ قَوْمُهُ فَاحِشَتَهُمُ الْمَعْرُوفَةَ، حَتَّى قَالَ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [١١ \ ٨٠] ، وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُمْ حَتَّى قَالُوا لَهُ: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ الْآيَاتِ [١١ \ ٨١] .

стр. 479

وَيَعْقُوبُ ﵇ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ عَلَى يُوسُفَ، وَهُوَ فِي مِصْرَ لَا يَدْرِي خَبَرَهُ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ خَبَرَ يُوسُفَ. وَسُلَيْمَانُ ﵇ مَعَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَهُ الشَّيَاطِينَ وَالرِّيحَ، مَا كَانَ يَدْرِي عَنْ أَهْلِ مَأْرِبَ قَوْمِ بِلْقِيسَ حَتَّى جَاءَهُ الْهُدْهُدُ، وَقَالَ لَهُ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ الْآيَاتِ [٢٧ \ ٢٢] . وَنُوحٌ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا كَانَ يَدْرِي أَنَّ ابْنَهُ الَّذِي غَرِقَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ الْمَوْعُودِ بِنَجَاتِهِمْ، حَتَّى قَالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ الْآيَةَ [١١ \ ٤٥] ، وَلَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ حَتَّى أَخْبَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [١١ \ ٤٦] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ فِي سُورَةِ هُودٍ: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ الْآيَةَ [٦ \ ٥٠] ، وَالْمَلَائِكَةُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا قَالَ لَهُمْ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [٢ \ ٣١، ٣٢] . فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ أَعْلَمَ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُمُ الرُّسُلُ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ تَعَالَى يُعَلِّمُ رُسُلَهُ مِنْ غَيْبِهِ مَا شَاءَ، كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [٣ \ ١٧٩] ، وَقَوْلِهِ: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ الْآيَةَ [٧٢ \ ٢٦، ٢٧] . تَنْبِيهٌ لَمَّا جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِأَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، كَانَ جَمِيعُ الطُّرُقِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّوَصُّلُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ غَيْرِ الْوَحْيِ مِنَ الضَّلَالِ الْمُبِينِ، وَبَعْضٌ مِنْهَا يَكُونُ كُفْرًا. وَلِذَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَنْعِ الْعِيَافَةِ، وَالْكِهَانَةِ، وَالْعَرَافَةِ، وَالطَّرْقِ، وَالزَّجْرِ، وَالنُّجُومِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْكِهَانَةِ ; لِأَنَّهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ ادِّعَاءِ الِاطِّلَاعِ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ. وَقَدْ سُئِلَ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» .

стр. 480

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ: فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَنْزِلُ الْغَيْثُ غَدًا وَجَزَمَ بِهِ، فَهُوَ كَافِرٌ، أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَمَارَةٍ ادَّعَاهَا أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي الرَّحِمِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ، وَقَالَ: إِنَّ النَّوْءَ يَنْزِلُ بِهِ الْمَاءُ عَادَةً، وَإِنَّهُ سَبَبُ الْمَاءِ عَادَةً، وَإِنَّهُ سَبَبُ الْمَاءِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ، لَمْ يَكْفُرْ، إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِكَلِمَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ ; لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَتَى شَاءَ مَرَّةً بِنَوْءِ كَذَا، وَمَرَّةً دُونَ النَّوْءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ» ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْوَاقِعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ الطَّبِيبِ إِذَا كَانَ الثَّدْيُ الْأَيْمَنُ مُسْوَدَّ الْحَلَمَةِ، فَهُوَ ذَكَرٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّدْيِ الْأَيْسَرِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجِدُ الْجَنْبَ الْأَيْمَنَ أَثْقَلَ فَالْوَلَدُ أُنْثَى، وَادَّعَى ذَلِكَ عَادَةً لَا وَاجِبًا فِي الْخِلْقَةِ لَمْ يَكْفُرْ، وَلَمْ يَفْسُقْ. وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى الْكَسْبَ فِي مُسْتَقْبَلِ الْعُمْرِ فَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ أَخْبَرَ عَنِ الْكَوَائِنِ الْمُجْمَلَةِ، أَوِ الْمُفَصَّلَةِ، فِي أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ فَلَا رِيبَةَ فِي كُفْرِهِ أَيْضًا، فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُؤَدَّبُ وَلَا يُسْجَنُ، أَمَّا عَدَمُ كُفْرِهِ فَلِأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا: إِنَّهُ أَمْرٌ يُدْرَكُ بِالْحِسَابِ وَتَقْدِيرِ الْمَنَازِلِ، حَسْبَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ [٣٦ \ ٣٩] . وَأَمَّا أَدَبُهُمْ، فَلِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الشَّكَّ عَلَى الْعَامَّةِ، إِذْ لَا يَدْرُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَغَيْرِهِ، فَيُشَوِّشُونَ عَقَائِدَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ قَوَاعِدَهُمْ فِي الْيَقِينِ، فَأُدِّبُوا حَتَّى يَسْتُرُوا ذَلِكَ إِذَا عَرَفُوهُ وَلَا يُعْلِنُوا بِهِ. قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا جَاءَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ، وَالْعَرَّافُ: هُوَ الْحَازِي وَالْمُنَجِّمُ الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ، وَهِيَ الْعَرَافَةُ، وَصَاحِبُهَا عَرَّافٌ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ عَلَى الْأُمُورِ بِأَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَاتٍ يَدَّعِي مَعْرِفَتَهَا، وَقَدْ يَعْتَضِدُ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ فِي ذَلِكَ بِالزَّجْرِ، وَالطَّرْقِ، وَالنُّجُومِ، وَأَسْبَابٍ مُعْتَادَةٍ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْفَنُّ هُوَ الْعِيَافَةُ بِالْيَاءِ، وَكُلُّهَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْكِهَانَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. وَالْكِهَانَةُ: ادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي «الْكَافِي» : مِنَ الْمَكَاسِبِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا

стр. 481

الرِّبَا، وَمُهُورُ الْبَغَايَا، وَالسُّحْتُ، وَالرِّشَا، وَأَخَذُ الْأُجْرَةِ عَلَى النِّيَاحَةِ وَالْغِنَاءِ، وَعَلَى الْكِهَانَةِ، وَادِّعَاءِ الْغَيْبِ، وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الزَّمْرِ وَاللَّعِبِ، وَالْبَاطِلُ كُلُّهُ. اهـ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ تَعْرِيفَهُ لِلْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْعَرَّافُ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْمَسْرُوقِ، وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: الْعَرَّافُ: اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ. وَالْمُرَادُ بِالطَّرْقِ: قِيلَ الْخَطُّ الَّذِي يَدَّعِي بِهِ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ، وَقِيلَ إِنَّهُ الضَّرْبُ بِالْحَصَى الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ، وَالزَّجْرُ هُوَ الْعِيَافَةُ، وَهِيَ التَّشَاؤُمُ وَالتَّيَامُنُ بِالطَّيْرِ، وَادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ مِنْ كَيْفِيَّةِ طَيَرَانِهَا، وَمَوَاقِعِهَا، وَأَسْمَائِهَا، وَأَلْوَانِهَا، وَجِهَاتِهَا الَّتِي تَطِيرُ إِلَيْهَا. وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ التَّمِيمِيِّ: [الْبَسِيطُ] وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلْغِرْبَانِ يَزْجُرُهَا ... عَلَى سَلَامَتِهِ لَا بُدَّ مَشْئُومُ وَكَانَ أَشَدَّ الْعَرَبِ عِيَافَةً بَنُو لَهَبٍ، حَتَّى قَالَ فِيهِمُ الشَّاعِرُ: [الطَّوِيلُ] خَبِيرٌ بَنُو لَهَبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيًا ... مَقَالَةَ لَهَبِي إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ نَاظِمِ عَمُودِ النَّسَبِ: [الرَّجَزُ] فِي مَدْلَجِ بْنِ بَكْرٍ الْقِيَافَةُ ... كَمَا لِلَهَبٍ كَانَتِ الْعِيَافَةُ وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: [الطَّوِيلُ] لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى ... وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ وَوَجْهُ تَكْفِيرِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ يَدَّعِي الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ، أَنَّهُ ادَّعَى لِنَفْسِهِ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَكَذَّبَ الْقُرْآنَ الْوَارِدَ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [٢٧ \ ٦٥] ، وَقَوْلِهِ هُنَا: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [٦ \ ٥٩] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ حُلْوَانَ الْكَاهِنِ لَا يَحِلُّ لَهُ، وَلَا يُرَدُّ لِمَنْ أَعْطَاهُ لَهُ، بَلْ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي نَظَائِرَ نَظَمَهَا بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ: [الرَّجَزُ] وَأَيُّ مَالٍ حَرَّمُوا أَنْ يَنْتَفِعْ ... مَوْهُوبُهُ بِهِ وَرَدُّهُ مُنِعْ

стр. 482

حُلْوَانُ كَاهِنٌ وَأُجْرَةُ الْغِنَا ... وَنَائِحٌ وَرِشْوَةٌ مَهْرُ الزِّنَا هَكَذَا قِيلَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِّ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ الْآيَةَ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ النَّوْمَ وَفَاةٌ، وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنَّهُ وَفَاةٌ صُغْرَى، وَأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَمُتْ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ تَعَالَى يُرْسِلُ رُوحَهُ إِلَى بَدَنِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ أَجْلُهُ، وَأَنَّ وَفَاةَ الْمَوْتِ الَّتِي هِيَ الْكُبْرَى قَدْ مَاتَ صَاحِبُهَا، وَلِذَا يُمْسِكُ رُوحَهُ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [٣٩ \ ٤٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً الْآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَاذَا يَحْفَظُونَ، وَبَيَّنَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، فَذَكَرَ أَنَّ مِمَّا يَحْفَظُونَهُ بَدَنَ الْإِنْسَانِ، بِقَوْلِهِ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [١٣ \ ١١] ، وَذَكَرَ أَنَّ مِمَّا يَحْفَظُونَهُ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، بِقَوْلِهِ: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [٨٢ \ ١٠، ١١، ١٢] ، وَقَوْلِهِ: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [٥٠ \ ١٧، ١٨] ، وَقَوْلِهِ: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، نَهَى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ مُجَالَسَةِ الْخَائِضِينَ فِي آيَاتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ خَوْضِهِمْ فِيهَا، الَّتِي هِيَ سَبَبُ مَنْعِ مُجَالَسَتِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مُجَالَسَتِهِمْ هُنَا، وَبَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَبَيَّنَ أَنَّ خَوْضَهُمْ فِيهَا بِالْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ الْآيَةَ [٤ \ ١٤٠] . وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ جَالَسَهُمْ فِي وَقْتِ خَوْضِهِمْ فِيهَا مِثْلُهُمْ فِي الْإِثْمِ، بِقَوْلِهِ: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، وَبَيَّنَ حُكْمَ مَنْ جَالَسَهُمْ نَاسِيًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ بِقَوْلِهِ هُنَا: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [٦ \ ٦٨] ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيَلُّ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي، الْآيَاتِ، قَوْلُهُ: هَذَا رَبِّي [٦ \ ٧٦] ، فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مُحْتَمَلٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ ذَلِكَ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ،

стр. 483

وَمُحْتَمَلٌ، لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَمُرَادُهُ هَذَا رَبِّي فِي زَعْمِكُمُ الْبَاطِلِ، أَوْ أَنَّهُ حَذَفَ أَدَاةَ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ، وَالْقُرْآنُ يُبَيِّنُ بُطْلَانَ الْأَوَّلِ، وَصِحَّةَ الثَّانِي. أَمَّا بُطْلَانُ الْأَوَّلِ: فَاللَّهُ تَعَالَى نَفَى كَوْنَ الشِّرْكِ الْمَاضِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٣ \ ٦٧] ، فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَنَفْيُ الْكَوْنِ الْمَاضِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمَاضِي، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ شِرْكٌ يَوْمًا مَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ جَازِمًا مُوقِنًا بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي، إِلَى آخِرِهِ، «بِالْفَاءِ» عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [٦ \ ٧٥] ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُوقِنًا مُنَاظِرًا وَمُحَاجًّا لَهُمْ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ [٦ \ ٨٠] ، وَقَوْلُهُ: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ الْآيَةَ [٦ \ ٨٣] ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ الْآيَةَ، الْمُرَادُ بِالظُّلْمِ هُنَا الشِّرْكُ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [٣١ \ ١٣] ، وَقَوْلُهُ: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [١٢ \ ٢٥٤] ، وَقَوْلُهُ: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [١٠ \ ١٠٦] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ الْآيَةَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ الْآيَةَ [٦ \ ٨١] ، وَقَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ، وَحَكَمَ لَهُ بِالْأَمْنِ وَالْهِدَايَةِ، فَقَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [٦ \ ٨٢] . وَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا لِجَمِيعِ احْتِجَاجَاتِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ الْآيَةَ [٦ \ ٧٦] ; لِأَنَّ الْأُفُولَ الْوَاقِعَ فِي الْكَوْكَبِ، وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، أَكْبَرُ دَلِيلٍ وَأَوْضَحُ حُجَّةٍ عَلَى انْتِفَاءِ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْهَا، وَقَدِ اسْتَدَلَّ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْأُفُولِ عَلَى انْتِفَاءِ الرُّبُوبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَعَدَمُ إِدْخَالِ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي قَوْلِهِ: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا، غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ شُمُولِ الْحُجَّةِ لِجَمِيعِ احْتِجَاجَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ صَدَّرَ

стр. 484

الْقُرْطُبِيُّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ لَوْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ لَحَبِطَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِمْ. وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّهُ أُوحِيَ هَذَا إِلَى نَبِيِّنَا وَالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ - عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ - وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الْآيَةَ [٣٩ \ ٦٥] ، وَهَذَا شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْوُقُوعِ، كَقَوْلِهِ: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ الْآيَةَ [٤٣ \ ٨١] ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ «إِنْ» شَرْطِيَّةٌ، وَقَوْلِهِ: لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا الْآيَةَ [٢١ \ ١٧] ، وَقَوْلِهِ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا الْآيَةَ [٣٩ \ ٤١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَيْ: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ قَالَ: أُنْزِلَ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [٨ \ ٣١] ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى كَذِبَهُمْ فِي افْتِرَائِهِمْ هَذَا حَيْثُ تَحَدَّى جَمِيعَ الْعَرَبِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [٢ \ ٢٣] ، وَفِي يُونُسَ بِقَوْلِهِ: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [٢ \ ٣٨] ، وَتَحَدَّاهُمْ فِي هُودٍ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فِي قَوْلِهِ: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، وَتَحَدَّاهُمْ بِهِ كُلِّهِ فِي الطُّورِ بِقَوْلِهِ: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ. ثُمَّ صَرَّحَ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعَجْزِ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فِي قَوْلِهِ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [١٧ \ ٨٨] ، فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ دَعْوَاهُمُ الْكَاذِبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ الْآيَةَ، لَمْ يُصَرِّحْ هُنَا بِالشَّيْءِ الَّذِي بَسَطُوا إِلَيْهِ الْأَيْدِيَ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ التَّعْذِيبُ بِقَوْلِهِ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ الْآيَةَ [٦ \ ٩٣] ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [٨ \ ٥٠] ، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ يُرَادُ بِبَسْطِ الْيَدِ التَّنَاوُلُ بِالسُّوءِ كَقَوْلِهِ: وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [٦٠ \ ٢] ، وَقَوْلِهِ: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي الْآيَةَ [٥ \ ٢٨] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ،

стр. 485

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ لَيْسَ مَعَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ، وَصَرَّحَ تَعَالَى بِأَنْ كُلَّ وَاحِدٍ يَأْتِي فَرْدًا فِي قَوْلِهِ: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [١٩ \ ٩٥] ، وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [٦ \ ٩٤] ، أَيْ مُنْفَرِدِينَ لَا مَالَ، وَلَا أَثَاثَ، وَلَا رَقِيقَ، وَلَا خَوَلَ عِنْدَكُمْ، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا، أَيْ: غَيْرَ مَخْتُونِينَ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [٢١ \ ٤] ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ وَاحِدَ الْفُرَادَى فَرْدٌ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: فَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ: [الْبَسِيطُ] مِنْ وَحْشٍ وَجَرَّةٍ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِي الْمُصَيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرَدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا فِي الدُّنْيَا تَضِلُّ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَنْقَطِعُ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا مِنَ الصِّلَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، كَقَوْلِهِ: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [٤٦ \ ٦] ، وَقَوْلِهِ: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [١٩ \ ٨٢] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [٢٩ \ ٢٥] ، وَقَوْلِهِ: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [٢٦ \ ٩٢، ٩٣] ، وَقَوْلِهِ هُنَا: وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [٦ \ ٩٤] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلَ اللَّيَلَ سَكَنًا، أَيْ: مُظْلِمًا سَاجِيًا لِيَسْكُنَ فِيهِ الْخَلْقُ ; فَيَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الْكَدِّ بِالنَّهَارِ، كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [١٠ \ ٦٧] ، وَقَوْلُهُ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [٢٨ \ ٧١، ٧٢، ٧٣] ، وَقَوْلُهُ: لِتَسْكُنُوا فِيهِ يَعْنِي: اللَّيْلَ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يَعْنِي: بِالنَّهَارِ، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ الْآيَةَ [٤١ \ ٣٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، ظَاهِرُ هَذِهِ

стр. 486

الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ حِكْمَةَ خَلْقِ النُّجُومِ هِيَ الِاهْتِدَاءُ بِهَا فَقَطْ، كَقَوْلِهِ: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [١٦ \ ١٦] ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ لَهَا حِكْمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ غَيْرَ الِاهْتِدَاءِ بِهَا؛ وَهُمَا تَزْيِينُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَرَجْمُ الشَّيَاطِينِ بِهَا، كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ الْآيَةَ [٦٧ \ ٥] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [٣٧ \ ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠] ، وَقَوْلِهِ: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [٤١ \ ١٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ الْآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا كَيْفِيَّةَ إِنْشَائِهِمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ كَيْفِيَّتَهُ أَنَّهُ خَلَقَ مِنْ تِلْكَ الْوَاحِدَةِ الَّتِي هِيَ آدَمُ زَوْجُهَا حَوَّاءَ، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [٤ \ ١] ، وَقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا الْآيَةَ [٧ \ ١٨٩] . قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ الْآيَةَ، أَشَارَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ إِلَى أَنَّ نَفْيَ الْإِدْرَاكِ الْمَذْكُورِ هُنَا لَا يَقْتَضِي نَفْيَ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ، كَقَوْلِهِ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [٧٥ \ ٢٢، ٢٣] ، وَقَوْلِهِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [١٠ \ ٢٦] ، وَالْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَقَوْلِهِ: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [٨٣ \ ١٥] ، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ الْآيَةَ، يَعْنِي لِيَزْعُمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا تَعَلَّمَ هَذَا الْقُرْآنَ بِالدَّرْسِ وَالتَّعْلِيمِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا زَعَمَ كُفَّارُ مَكَّةَ أَنَّهُ ﷺ تَعَلَّمَ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ جَبْرٍ وَيَسَارٍ، وَكَانَا غُلَامَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ بِمَكَّةَ، وَقَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ تَعَالَى بُطْلَانَ افْتِرَائِهِمْ هَذَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [١٦ \ ١٠٣] ، وَقَوْلِهِ: فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [٧٤ \ ٢٤، ٢٥، ٢٦] ، وَمَعْنَى يُؤْثَرُ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ غَيْرِهِ فِي زَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ، وَقَوْلِهِ:

стр. 487

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [٢٥ \ ٤، ٥، ٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَفِي قَوْلِهِ: دَرَسْتَ [٦ \ ١٠٥] ، ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ سَبْعِيَّاتٍ: قَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عُمَرَ دَارَسْتَ بِأَلِفٍ بَعْدِ الدَّالِ مَعَ إِسْكَانِ السِّينِ وَفَتْحِ التَّاءِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ بِمَعْنَى: دَارَسْتَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَدَارَسُوكَ حَتَّى حَصَّلْتَ هَذَا الْعِلْمَ. وَقَرَأَهُ بَقِيَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عَامِرٍ: دَرَسْتَ بِإِسْقَاطِ الْأَلِفِ، مَعَ إِسْكَانِ السِّينِ وَفَتْحِ التَّاءِ أَيْضًا، بِمَعْنَى دَرَسْتَ هَذَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعَلَّمْتَهُ مِنْهُمْ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ: دَرَسْتَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهَا تَاءُ التَّأْنِيثِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ [٦ \ ١٠٥] . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ أَنَّ الْمَعْنَى: وَلِئَلَّا يَقُولُوا انْقَطَعَتْ وَانْمَحَتْ، وَلَيْسَ يَأْتِي مُحَمَّدٌ ﷺ بِغَيْرِهَا. اهـ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ، الْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُضْمَرٍ، أَيْ: نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ، وَقِيلَ: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَفْنَاهَا. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَمَعْنَاهُمَا آيِلٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّهُ يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَاضِحًا فِي هَذِهِ الْكِتَابِ، لِيَهْدِيَ بِهِ قَوْمًا، وَيَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلَى آخَرِينَ، كَقَوْلِهِ: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [١٩ \ ٩٧] ، وَقَوْلِهِ: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [٤١ \ ٤٤] ، وَقَوْلِهِ: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [٧٤ \ ٣١] ، كَمَا قَالَ هُنَا: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، فَالْأَشْقِيَاءُ يَقُولُونَ: تَعَلَّمْتَهُ مِنَ الْبَشَرِ بِالدِّرَاسَةِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالسُّعَدَاءُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلَنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الْآيَةَ، ذَكَرَ تَعَالَى فِي

стр. 488

هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، وَبَيَّنَ هُنَا أَنَّ أَعْدَاءَ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ أَعْدَاءَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [٢٥ \ ٣١] ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْرِمِينَ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ١٤] ، وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مُتَمَرِّدٍ شَيْطَانًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أَوْ مِنَ الْإِنْسِ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي الْحَدِيثِ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» ، وَقَوْلُهُ: شَيَاطِينُ، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: عَدُوًّا، أَوْ مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِـ «جَعَلْنَا» ، وَالثَّانِي: «عَدُوًّا» ، أَيْ: جَعَلْنَا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَدُوًّا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ إِطَاعَةَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَرْضِ ضَلَالٌ، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، كَقَوْلِهِ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [١٣ \ ١] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [١٢ \ ١٠٣] ، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [٣٧ \ ٧١] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [٢٦ \ ٨] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْآيَةَ، التَّحْقِيقُ أَنَّهُ فَصَّلَهُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً الْآيَةَ [٦ \ ١٤٥] ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مَا ذَكَّيْتُمْ، وَذَكَرْتُمْ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ؟ ، وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ فَصَّلَ لَكُمُ الْمُحَرَّمَ أَكْلُهُ عَلَيْكُمْ فِي قَوْلِهِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ الْآيَةَ [٦ \ ١٤٥] ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ. وَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ فَصَّلَهُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الْآيَةَ [٥ \ ٣] ، فَهُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [١١٩] ، مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، فَالْحَقُّ هُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا الْآيَةَ، ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ جَعَلَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ الْمُجْرِمِينَ مِنْهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا،

стр. 489

وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُرَادَ بِالْأَكَابِرِ هُنَا، وَلَا كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ، وَبَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: فَبَيَّنَ أَنَّ مُجْرِمِيهَا الْأَكَابِرَ هُمْ أَهْلُ التَّرَفِ، وَالنِّعْمَةِ فِي الدُّنْيَا، بِقَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [٣٤ \ ٣٤] ، وَقَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [٤٣ \ ٢٣] . وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَبَيَّنَ أَنَّ مَكْرَ الْأَكَابِرِ الْمَذْكُورَ: هُوَ أَمْرُهُمْ بِالْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَجَعْلِ الْأَنْدَادِ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا [٣٤ \ ٣٣] ، وَقَوْلِهِ: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ الْآيَةَ [٧١ \ ٢٢، ٢٣] . وَأَظْهَرُ أَوْجُهِ الْإِعْرَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ عِنْدِي اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَكَابِرَ مُضَافٌ إِلَى مُجْرِمِيهَا، وَهُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِجَعَلَ الَّتِي بِمَعْنَى صَيَّرَ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي هُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ، أَعْنِي فِي كُلِّ قَرْيَةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ مُجْرِمِيهَا مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَأَكَابِرَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَيْ: جَعَلْنَا مُجْرِمِيهَا أَكَابِرَهَا، وَالْأَكَابِرُ جَمْعُ الْأَكْبَرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ، يَعْنُونَ أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالرِّسَالَةِ، كَمَا أَتَتِ الرُّسُلَ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا الْآيَةَ [٢٥ \ ٢١] ، وَقَوْلِهِ: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا الْآيَةَ [١٧ \ ٩٢] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ الْآيَةَ. جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ﷺ قَالَ: «نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ، فَيَنْشَرِحُ لَهُ، وَيَنْفَسِحُ» ، قَالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا؟ قَالَ: «الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقَاءِ الْمَوْتِ» ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٣٩ \ ٢٢] .

стр. 490

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ الْآيَةَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِالرُّسُلِ مِنَ الْجِنِّ نُذُرُهُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الرُّسُلِ، فَيُبَلِّغُونَهُ إِلَى قَوْمِهِمْ ; وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ مُنْذِرُونَ لِقَوْمِهِمْ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [٤٦ \ ٢٩] . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: رُسُلٌ مِنْكُمْ [٦ \ ١٣٠] أَيْ: مِنْ مَجْمُوعِكُمُ الصَّادِقِ بِخُصُوصِ الْإِنْسِ ; لِأَنَّهُ لَا رُسُلَ مِنَ الْجِنِّ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ رُبَّمَا أُطْلِقَ فِيهِ الْمَجْمُوعُ مُرَادًا بَعْضُهُ، كَقَوْلِهِ: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [٧١ \ ١٦] ، وَقَوْلِهِ: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا [٩١ \ ١٤] ، مَعَ أَنَّ الْعَاقِرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ [٥٤ \ ٢٩] . وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ وَغَيْرُهُ مِنْ أَجِلَّاءِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [٥٥ \ ٢٢] يُرَادُ بِهِ الْبَحْرُ الْمِلْحُ خَاصَّةً دُونَ الْعَذْبِ غَلَطٌ كَبِيرٌ، لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ مُخَالَفَةً صَرِيحَةً لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْبَحْرَيْنِ الْمِلْحَ وَالْعَذْبَ بِقَوْلِهِ: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [٣٥ \ ١٢] ، ثُمَّ صَرَّحَ بِاسْتِخْرَاجِ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ مِنْهَا جَمِيعًا بِقَوْلِهِ: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا، وَالْحِلْيَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ، فَقَصْرُهُ عَلَى الْمِلْحِ مُنَاقِضٌ لِلْآيَةِ صَرِيحًا، كَمَا تَرَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ، النَّفْيُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مُنْصَبٌّ عَلَى الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُهْلِكُ قَوْمًا فِي حَالِ غَفْلَتِهِمْ، أَيْ عَدَمِ إِنْذَارِهِمْ، بَلْ لَا يُهْلِكُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ - كَمَا بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١٧ \ ١٥] ، وَقَوْلِهِ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [٤ \ ١٦٥] ، وَقَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [٣٥ \ ٢٤] ، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [١٦ \ ٣٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

стр. 491

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا، بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْ تَفَاضُلَ دَرَجَاتِ الْعَامِلِينَ فِي الْآخِرَةِ أَكْبَرُ، وَأَنَّ تَفْضِيلَهَا أَعْظَمُ مِنْ دَرَجَاتِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [١٧ \ ٢١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ الْآيَةَ. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَقِّ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ لَا؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هَذَا الْحَقُّ هُوَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمَالِكٌ، وَنَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ، نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أَنَسٍ وَسَعِيدٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَتَادَةُ، وَطَاوُسٌ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الزَّكَاةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يُعْطِي مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحَصَادِ الْقَبْضَةَ، وَالضِّغْثَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّدْبِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ: هُوَ حَقٌّ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ، أَمَرَ اللَّهُ بِهِ نَدْبًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، وَرَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنْهُ ﷺ قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ الْمَسَاكِينُ فَاطْرَحْ لَهُمْ مِنَ السُّنْبُلِ، وَإِذَا جَذَذْتَ فَأَلْقِ لَهُمْ مِنَ الشَّمَارِيخِ، وَإِذَا دَرَسْتَهُ وَذَرَيْتَهُ فَاطْرَحْ لَهُمْ مِنْهُ، وَإِذَا عَرَفْتَ كَيْلَهُ فَأَخْرِجْ مِنْهُ زَكَاتَهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ غَيْرُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَدَّدٍ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عَطَاءٌ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَعَزَاهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» لِجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَآيَةُ الزَّكَاةِ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِي الْقَوْلِ بِالنَّسْخِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ شَيْئًا وَاجِبًا فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ فَصَّلَ بَيَانَهُ، وَبَيَّنَ مِقْدَارَ الْمُخْرَجِ وَكَمِّيَّتَهُ، قَالُوا: وَكَانَ هَذَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَمُرَادُهُ أَنَّ شَرْعَ الزَّكَاةِ بَيَانٌ لِهَذَا الْحَقِّ لَا نَسْخٌ لَهُ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ الْقَوْلَ بِالنُّسَخِ ابْنُ

стр. 492

عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ الشَّوْكَانِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا وَنَقَلَهُ عَنِ السُّدِّيِّ وَعَطِيَّةَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وَعَطِيَّةَ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ لِلنَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الْحَرْثِ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا بَعْدَ التَّذْرِيَةِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَزَكَاةَ التَّمْرِ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا بَعْدَ الْجِذَاذِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْأَخْذِ يَوْمَ الْحَصَادِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، أَوْ أَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ. وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الزَّكَاةُ، فَقَدْ أُشِيرَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَقَّ الْمَذْكُورَ هُوَ جُزْءُ الْمَالِ الْوَاجِبُ فِي النِّصَابِ فِي آيَاتِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ الْآيَةَ [٢ \ ٢٦٧] ، وَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُحْتَاجُ هُنَا إِلَى بَيَانِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: تَعْيِينُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ. الثَّانِي: تَعْيِينُ الْقَدْرِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهُ. الثَّالِثُ: تَعْيِينُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ وَسَنُبَيِّنُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُفَصَّلَةً. اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا سِوَاهَا مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِهَا مِنْ جَمِيعِ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ. وَقَالَ بِهِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي مُوسَى، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْخُذُ الزَّكَاةَ إِلَّا مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، ذَكَرَهُ وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ. وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالْعُشْرُ فِي التَّمْرِ

стр. 493

وَالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ» ، وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ» . وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَمُعَاذٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَلَّا يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ» ، رَوَاهَا كُلَّهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا سَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِسْنَادُهُ وَاهٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيِّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ» ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا سَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ فِيهِ أَبُو زُرْعَةَ: مُوسَى عَنْ عُمَرَ مُرْسَلٌ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا، وَمَا عَزَاهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَمُعَاذٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْهُمَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مُقْتَاتٍ مُدَّخَرٍ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي ثِمَارِ الْأَشْجَارِ، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ فَقَطْ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الزَّيْتُونِ، إِذَا بَلَغَ حَبُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَكِنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَيُخْرَجُ عُشْرُهُ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَبُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَلَا زَكَاةَ عِنْدَهُ فِي زَيْتِهِ، وَحُكْمُ السِّمْسِمِ، وَبَزْرِ الْفُجْلِ الْأَحْمَرِ، وَالْقُرْطُمِ حُكْمُ الزَّيْتُونِ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ، يُخْرَجُ مِنْ زَيْتِهَا إِنْ بَلَغَ حَبُّهَا النِّصَابَ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا يُضَمُّ زَيْتُ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ عَدَمُ وُجُوبِهَا فِي التِّينِ، وَأَوْجَبَهَا فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمُقْتَضَى أُصُولِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّ مَالِكًا مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ التِّينَ يَيْبَسُ، وَيُقْتَاتُ، وَيُدَّخَرُ، وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَجَعَلَهُ كَالزَّبِيبِ، وَلَمَا عَدَّهُ مَعَ الْفَوَاكِهِ الَّتِي لَا تَيْبَسُ، وَلَا تُدَّخَرُ كَالرُّمَّانِ، وَالْفِرْسِكِ، وَالَّذِي تَجِبُ فِيهِ مِنَ الْحُبُوبِ عِنْدَهُ هُوَ مَا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ، وَذَلِكَ الْحِنْطَةُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ وَالْعَلَسُ، وَالدُّخْنُ، وَالذُّرَةُ، وَالْأَرُزُّ، وَالْعَدَسُ، وَالْجُلُبَّانُ، وَاللُّوبِيَا، وَالْجُلْجُلَانِ، وَالتُّرْمُسُ، وَالْفُولُ، وَالْحِمَّصُ، وَالْبَسِيلَةُ. وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْكِرْسِنَّةَ لَا زَكَاةَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا عَلَفٌ، وَعَنْ أَشْهَبَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَهِيَ مِنَ الْقَطَانِيِّ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ فِي بَابِ الرِّبَا، دُونَ بَابِ الزَّكَاةِ.

стр. 494

وَقِيلَ هِيَ الْبَسِيلَةُ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْقَطَانِيِّ عِنْدَ مَالِكٍ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ، فَلَوْ حَصَدَ وَسْقًا مِنْ فُولٍ، وَوَسْقًا مِنْ حِمَّصٍ، وَآخَرَ مِنْ عَدَسٍ، وَآخَرَ مِنْ جُلُبَّانٍ، وَآخَرَ مَنْ لُوبِيَا، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ، وَكَذَلِكَ يُضَمُّ عِنْدَهُ الْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، كَالصِّنْفِ الْوَاحِدِ، وَتُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْهَا كُلٌّ بِحَسَبِهِ، وَلَا يُضَمُّ عِنْدَهُ تَمْرٌ إِلَى زَبِيبٍ، وَلَا حِنْطَةٌ إِلَى قُطْنِيَّةٍ، وَلَا تَمْرٍ إِلَى حِنْطَةٍ، وَلَا أَيُّ جِنْسٍ إِلَى جِنْسٍ آخَرَ، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ضَمَّهُ لِتَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ عِنْدَهُ، وَالنَّوْعُ الْوَاحِدُ، كَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْحِنْطَةِ يُضَمُّ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ إِلَى بَعْضٍ كَصَيْحَانِيٍّ، وَبَرْنِيٍّ، وَسَمْرَاءَ، وَمَحْمُولَةٍ، وَزَبِيبٍ أَسْوَدَ، وَزَبِيبٍ أَحْمَرَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا زَكَاةَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، كَالرُّمَّانِ - وَالتُّفَّاحِ - وَالْخَوْخِ وَالْإِجَّاصِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَاللَّوْزِ، وَالْجَوْزِ، وَالْجِلَّوْزِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا لَا زَكَاةَ عِنْدَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخُضْرَاوَاتِ، قَالَ فِي «الْمُوَطَّإِ» : السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ، الرُّمَّانُ، وَالْفِرْسِكُ، وَالتِّينُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْفَوَاكِهِ. قَالَ: وَلَا فِي الْقَضْبِ، وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا، وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا وَهُوَ نِصَابٌ. اهـ. وَالْفِرْسِكُ: بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ بَيْنَهَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ كَافٌ - الْخَوْخُ، وَهِيَ لُغَةٌ يَمَانِيَةٌ، وَقِيلَ: نَوْعٌ مِثْلُهُ فِي الْقَدْرِ، وَهُوَ أَجْرَدُ أَمْلَسُ أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ جَيِّدٌ، وَقِيلَ: مَا لَيْسَ يَنْفَلِقُ عَنْ نَوَاةٍ مِنَ الْخَوْخِ. وَإِذَا كَانَ الزَّرْعُ أَوِ الثَّمَرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَقَدْ قَالَ فِيهِ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّإِ» : فِي النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُذَّانِ مِنْهُ ثَمَانِيَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ أَنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمَا فِيهَا، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَا يَجُذُّ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلِلْآخَرِ مَا يَجُذُّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ، وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي جَذَّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا صَدَقَةٌ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ فِي كُلِّ زَرْعٍ مِنَ الْحُبُوبِ كُلِّهَا يُحْصَدُ، أَوِ النَّخْلِ يُجَذُّ، أَوِ الْكَرْمِ يُقْطَفُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَجُذُّ مِنَ التَّمْرِ، أَوْ يَقْطِفُ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، أَوْ يَحْصُدُ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جِذَاذَهُ، أَوْ قِطَافَهُ، أَوْ حَصَادَهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، انْتَهَى مِنْ

стр. 495

«مُوَطَّإِ» مَالِكٍ ﵀. وَإِذَا أَمْسَكَ ذَلِكَ الْحَبَّ أَوِ التَّمْرَ الَّذِي أَخْرَجَ زَكَاتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ بَاعَهُ - فَحُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ فِي «مُوَطَّئِهِ» حَيْثُ قَالَ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا الْحِنْطَةِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْحُبُوبِ كُلِّهَا، ثُمَّ أَمْسَكَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقَتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ بَاعَهُ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ زَكَاةٌ، حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَاعَهُ، إِذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ، وَالْحُبُوبِ، وَالْعُرُوضِ يُفِيدُهَا الرَّجُلُ، ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ، ثُمَّ يَبِيعُهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَاعَهَا، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ ; فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حِينَ يَبِيعُهَا، إِذَا كَانَ حَبَسَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمِ زَكَّى الْمَالَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ، انْتَهَى فِي «الْمُوَطَّإِ» ، وَهَذَا فِي الْمُحْتَكِرِ، أَمَّا الْمُدِيرُ فَإِنَّهُ يُقَوِّمُهَا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ زَكَاتِهِ، كَمَا فِي «الْمُدَوَّنَةِ» عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ. هَذَا هُوَ حَاصِلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ثِمَارِ الْأَشْجَارِ أَيْضًا، إِلَّا فِيمَا كَانَ قُوتًا يُدَّخَرُ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ فَقَطْ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي سِوَاهُمَا مِنَ الثِّمَارِ كَالتِّينِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالرُّمَّانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَقْوَاتِ وَلَا مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُدَّخَرَةِ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي طَلْعِ الْفُحَّالِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْهُ الثِّمَارُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الزَّيْتُونِ، فَقَالَ فِي الْقَدِيمِ، تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَعَلَ فِي الزَّيْتِ الْعُشْرَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: فِي الزَّيْتُونِ الزَّكَاةُ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَا زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُوتٍ فَهُوَ كَالْخُضْرَاوَاتِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَيْضًا فِي الْوَرْسِ، فَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ إِلَى بَنِي خُفَّاشٍ، أَنْ أَدُّوا زَكَاةَ الذُّرَةِ وَالْوَرْسِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ نَبْتٌ لَا يُقْتَاتُ، فَأَشْبَهَ الْخُضْرَاوَاتِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ مَنْ قَالَ: لَا عُشْرَ فِي الْوَرْسِ لَمْ يُوجِبْ فِي الزَّعْفَرَانِ، وَمَنْ قَالَ: يَجِبُ فِي الْوَرْسِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوجِبَ فِي الزَّعْفَرَانِ ; لِأَنَّهُمَا
следующие страницы →