← Акыда

Акыда · id 22921

إبطال التأويلات - ط إيلاف

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (434 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، الْمُتَفَرِّدِ بِالْعِزِّ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، الْعَالِمِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَعْلُومَاتِ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْمَوْجُودَاتِ، الْمُبْتَدِئِ بِالنِّعَمِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، الْمُتَكَفِّلِ لِلْبَرِيَّةِ بِأَرْزَاقِهَا، أَحْمَدُهُ حَمْدًا يُرْضِيهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى حَبْسِ خَوَاطِرِ النَّفْسِ عَنْ هَوَاهَا، وَمَنْعِ بَوَادِرِهَا مِنَ السَّطْوَةِ عَلَى مُرَادِهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكِونَ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّنِي وَقَفْتُ عَلَى حَاجَتِكُمْ إِلَى شَرْحِ كِتَابٍ نَذْكُرُ فِيهِ مَا اشْتُهِرَ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فِي الصِّفَاتِ، وَصَحَّ سَنَدُهُ مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ فِيهِ ما يوهم ظواهرها التشبيه، وَأَذْكُرُ الإِسْنَادَ فِي بَعْضِهَا وَأَعْتَمِدُ عَلَى الْمَتْنِ فِيمَا اشْتُهِرَ مِنْهَا طَلَبًا لِلاخْتِصَارِ وَسَأَلْتُمْ أَنْ أَتَأَمَّلَ مُصَنَّفَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ

стр. 2

الَّذِي سَمَّاهُ كِتَابَ تَأْوِيلِ الأَخْبَارِ جَمَعَ فِيهِ هَذِهِ الأَخْبَارَ وَتَأَوَّلَهَا، فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ وَبَيَّنَّا مَا ذَهَبَ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِهِ، وَأَوْهَمَ خِلافَ الْحَقِّ فِي تَخْرِيجِهِ، وَلَوْلا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمِيثَاقِ عَلَى تَرْكِ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، لَقَدْ كَانَ التَّشَاغُلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى. ١ - لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا بِإِسْنَادِهِ فِيمَا وَقَعَ إِلَيَّ فِي جَوَابَاتِ مَسَائِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ قَوْمًا سَأَلُوا النَّبِيَّ، ﷺ ، عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الرَّبِّ، ﵎، فَلَعَنَهُمْ. ٢ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكْفَرَ بِاللَّهِ جَهْرَةً " وَذَلِكَ عِنْدَ كَلامِهِمْ فِي رَبِّهِمْ وَفِي تَرْكِ التَّشَاغُلِ بِذَلِكَ كِتْمَانٌ لِلْعِلْمِ

стр. 3

لا يُنَافِي بَيْنَ نَافِي لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَهُمُ الْقَدَرِيَّةِ وَبَيْنَ مُثْبِتٍ لِبَعْضِهَا وَنَافٍ لِبَعْضِهَا، وَنَهَى النَّبِيُّ، ﷺ ، عَنِ الْكَلامِ فِي ذَلِكَ، مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا يُنَافِي مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَجَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ وَصَفُوهُ سُبْحَانَهُ بِالْجَوْهَرِ، وَالْمُجَسَّمَةِ الَّذِينَ وَصَفُوهُ بِالْجِسْمِ، وَالْمُشَبَّهَةِ الَّذِينَ شَبَّهُوا صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ. ٣ - وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ التَّشْبِيهَ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: الْمُشَبَّهَةُ تَقُولُ: بَصَرٌ كَبَصَرِي، وَيَدٌ كَيَدِي، وَقَدَمٌ كَقَدَمِي، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. ٤ - وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُف بْنِ مُوسَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١٢). وَلا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ذَمِّ مُثْبِتِي الصِّفَاتِ لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَقَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَوَصَفَهُ رَسُولُهُ بِالأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ، وَأَثْبَتَ ذَلِكَ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ، عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ. وَأَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ رَدُّ هَذِهِ الأَخْبَارِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلا التَّشَاغُلُ بِتَأْوِيلِهَا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الأَشْعَرِيَّةُ وَالْوَاجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنَّهَا صِفَاتٌ لِلَّهِ تَعَالَى لا تُشْبِهُ سَائِرَ الْمَوْصُوفِينَ بِهَا مِنَ الْخَلْقِ، وَلا نَعْتَقِدُ التَّشْبِيهَ فِيهَا، لَكِنْ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ شَيْخِنَا وَإِمَامِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ

стр. 4

أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الأَخْبَارِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ، فَحَمَلُوهَا عَلَى ظَاهِرِهَا فِي أَنَّهَا صِفَاتٌ لِلَّهِ تَعَالَى لا تُشْبِهُ سَائِرَ الْمَوْصُوفِينَ ٥ - فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِسَالَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ، وَبِالأَحَادِيثِ فِيهِ، وَمِثْلِ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ كُلِّهَا، وَإِنْ ثَبَتَ عَنِ الأَسْمَاعِ وَاسْتَوْحَشَ مِنْهَا الْمُسْتَمِعُ. ٦ - وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: وَلا نُزِيلُ عَنْهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ لِشَنَاعَاتٍ شُنِّعَتْ. ٧ - وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ.

стр. 5

٨ - وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: " قَلْبُ الْعَبْدِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ "، " وَخَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ "، وَكُلَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ مِثْلَ هَذَا قُلْنَا بِهِ ٩ - وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي تُرْوَى: " إِنَّ اللَّهَ، ﵎، يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا " وَاللَّهُ يُرَى " وَأَنَّهُ يَضَعُ قَدَمَهُ " وَمَا أَشْبَهُ بِذَلِكَ، نُؤْمِنُ بِهَا وَنُصَدِّقُ بِهَا وَلا كَيْفَ وَلا مَعْنَى وَلا نَرُدُّ شَيْئًا مِنْهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ، ﷺ ، حَقٌّ إِذَا كَانَتْ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ ١٠ - وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يَضْحَكُ اللَّهُ، وَلا نَعْلَمُ كَيْفَ ذَلِكَ إِلا بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَقَالَ: الْمُشَبَّهَةُ تَقُولُ: بَصَرٌ كَبَصَرِي، وَيَدٌ كَيَدِي، وَقَدَمٌ كَقَدَمِي، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الأَخْبَارِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلا تَأْوِيلٍ ١١ - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: أنا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، بِأَصْبَهَانَ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ النُّهَاوَنْدِيُّ، نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ

стр. 6

يَعْقُوبَ الْفَارِسِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: وَقَدْ رَأَيْتُ لأَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالْخِلافِ أَسْمَاءً شُنْعَةً قَبِيحَةً يُسَمُّونَ بِهَا أَهْلَ السُّنَّةِ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ عَيْبَهُمْ وَالطَّعْنَ عَلَيْهِمْ، وَالْوَقِيعَةَ فِيهِمْ، وَالإِزْرَاءَ بِهِمْ عِنْدَ السُّفَهَاءِ وَالْجُهَّالِ، أَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُشَبِّهَةَ، وَكَذَبَ الْجَهْمِيَّةُ أَعْدَاءُ اللَّهِ بَلْ هُمْ أَوْلَى بِالتَّشْبِيهِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ. ١٢ - قَالَ: وأنا سُفْيَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الآدَمِيُّ، نا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: امْتَحَنَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَوْمَ مَرَّةً مَرَّةً وَامْتَحَنَنِي مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْتُ: كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَأَقَامَنِي فَأَجْلَسَنِي فِي نَاحِيَةٍ ثُمَّ سَأَلَنِي ثُمَّ رَدَّنِي ثَانِيَةً فَسَأَلَنِي، فَقُلْتُ: الْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَأَخَذَنِي فِي التَّشْبِيهِ، فَقُلْتُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فَقَالَ لِي: وَمَا السَّمِيعُ الْبَصِيرُ؟ فَقُلْتُ: هَكَذَا قَالَ: السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ١٣ - وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي أَخْبَارِ الصِّفَاتِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: شَهِدْتُ زَكَرِيَّا بْنَ عَدِيٍّ سَأَلَ وَكِيعًا، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَذِهِ الأَحَادِيثُ يَعْنِي مِثْلَ: " الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَنَحْوُ هَذَا؟ فَقَالَ وَكِيعٌ: أَدْرَكْنَا إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَسُفْيَانَ، وَمِسْعَرًا يُحَدِّثُونَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَلا يُفَسِّرُونَ شَيْئًا.

стр. 7

١٤ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ : " إِن اللَّهَ يَضَعُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ "، وَحَدِيثِ " إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ "، وَحَدِيثِ " إِنَّ اللَّهَ يَعْجَبُ وَيَضْحَكُ " فَقَالَ سُفْيَانُ: هِيَ كَمَا جَاءَتْ نقربها وَنُحَدِّثُ بِلا كَيْفَ. ١٥ - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: سُئِلَ مَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ الأَحَادِيثِ، فَقَالا: أَمِرَّهَا عَلَى مَا جَاءَتْ. ١٦ - وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَأَلْتُ الأَوْزَاعِيَّ، وَمَالِكًا، وَسُفْيَانَ، وَلَيْثًا عَنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الصِّفَةُ، فَقَالُوا: أَمِرُّوهَا بِلا كَيْفَ.

стр. 8

١٧ - وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، فِيمَا خَرَّجَهُ مِنْ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، قَالَ: ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ يَعْنِي: الدَّارَقُطْنِيَّ، وَرَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ الصِّفَاتِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلامٍ، وَذَكَرَ الْبَابَ الَّذِي يُرْوَى فِي الرُّؤْيَةِ وَالْكُرْسِيِّ، وَمَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ، وَضَحِكِ رَبِّنَا، وَأَيْنَ كَانَ رَبُّنَا، وَيَضَعُ الرَّبُّ قَدَمَهُ فِيهَا، وَأَشْبَاهُ هَذَا، فَقَالَ: هَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، حَمَلَهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَهِيَ عِنْدَنَا حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنْ إِذَا قِيلَ كَيْفَ وَضَعَ قَدَمَهُ وَكَيْفَ ضَحِكَ؟ قُلْنَا: لا نُفَسِّرُ هَذَا وَلا سَمِعْنَا أَحَدًا يُفَسِّرُهَا ١٨ - وَقَالَ زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ لِوَكِيعٍ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَذِهِ الأَحَادِيثُ يَعْنِي: مِثْلَ: " الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ "، وَنَحْوُ هَذَا؟ فَقَالَ وَكِيعٌ: أَدْرَكْنَا إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَسُفْيَانَ، وَمِسْعَرًا يُحَدِّثُونَ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ وَلا يُفَسِّرُونَ ١٩ - وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ الطَّبَرِيِّ فِي كِتَابِ التَّبْصِيرِ فِي مَعَالِمِ

стр. 9

الدِّينِ بَعْدَ أَوْرَاقٍ مِنْ أَوَّلِهِ الْقَوْلَ فِيمَا أُدْرِكَ عَمَلُهُ مِنْ صَفَحَاتِ الصَّانِعِ، خَبَرًا لا اسْتِدْلالا، وَذَكَرَ كَلامًا إِلَى أَنْ قَالَ: وَذَلِكَ نَحْوَ إِخْبَارِ اللَّهِ، تَعَالَى ذِكْرُهُ، أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. وَأَنَّ لَهُ يَمِينًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ وَأَنَّ لَهُ قَدَمًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ : " حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ فِيهَا قَدَمَهُ يَعْنِي: جَهَنَّمَ "، وَأَنَّهُ يَضْحَكُ إِلَى عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ ، لِلَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: " إِنَّهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ يَضْحَكُ إِلَيْهِ "، وَأَنَّهُ يَهْبِطُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ : " إِذَا ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ "، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ ، ذَلِكَ، وَأَنَّ لَهُ إِصْبَعًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ : " مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ " بِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الَّتِي وُصِفَتْ وَنَظَائِرَهَا مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهَا رَسُولُهُ مِمَّا لا يُدْرَكُ حَقِيقَةُ عِلْمِهِ بِالْفِكْرِ وَالرُّؤْيَةِ وَلا نُكَفِّرُ بِالْجَهْلِ بِهَا أَحَدًا إِلا بَعْدَ انْتِهَائِهَا إِلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَوْرَاقٍ: فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَيْفَ كُتِبَ؟ وَكَيْفَ تُلِيَ؟ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ قُرِئَ؟ فِي السَّمَاءِ وُجِدَ أَمْ فِي الأَرْضِ حُفِظَ؟ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَانَ مَكْتُوبًا أَوْ فِي أَلْوَاحِ صِبْيَانِ الْكَتَاتِيبِ مَرْسُومًا؟ فِي حَجَرٍ نُقِشَ أَوْ فِي وَرَقٍ خُطَّ أَوْ بِاللِّسَانِ لُفِظَ؟ فَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ أَوِ ادَّعَى أَنَّ قُرْآنًا فِي الأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ سِوَى الْقُرْآنِ الَّذِي نَتْلُوهُ بِأَلْسِنَتِنَا أَوْ نَكْتُبُه فِي مَصَاحِفِنَا، أَوِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ أَوْ أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ وَقَالَهُ بِلِسَانِهِ فَهُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ، حَلالُ الدَّمِ وَبَرِئَ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ.

стр. 10

ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَمَنْ رَدَّ عَلَيْنَا أَوْ حَكَى عَنَّا أَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا وَادَّعَى أَنَّا قُلْنَا غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَهِ وَغَضَبِهِ وَلَعْنَةُ اللاعِنِينَ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلا قَبَلَ اللَّهُ لَهُ صَرْفًا وَلا عَدْلا، وَهَتَكَ سِتْرَهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ يَوْم لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ. فَهَذَا كَلامُ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ ٢٠ - وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ الْخُتُّلِيُّ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، وَالْبَصْرِيِّ، وَاسْمُهُ سَهْلُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ خَرَّجَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ، وَجَمَعَهَا مِنَ الْبَصْرِيِّينَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ إِخْوَانِهِ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، لَقَدْ سَبَقْتَ إِخْوَانَكَ بِجَمْعِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ فِي الْوَصْفِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ، يَقُولُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا دَعَتْنِي نَفْسِي إِلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ إِلا أَنِّي رَأَيْتُ الْعِلْمَ يَخْرُجُ رَأَيْتُ الْعِلْمَ يَخْرُجُ رَأَيْتُ الْعِلْمَ يَخْرُجُ، يَقُولُهَا ثَلاثًا وَهُوَ يَنْفُضُ كَفَّهُ، فَأَحْبَبْتُ إِحْيَاءَهُ وَبَثَّهُ فِي الْعَامَّةِ لِئَلا يَطْمَعَ فِي خُرُوجِهِ أَهْلُ الأَهْوَاءِ ٢١ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: وَذَكَرَ الأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا الإِثْبَاتُ فِي الصِّفَةِ وَالرُّؤْيَةِ، ثُمَّ قَالَ لَنَا: بِخُرَاسَانَ جَهْمِيَّةٌ، إِذَا أَنْكَرُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: هَكَذَا سَمِعْنَا مَشْيَخَتَنَا يَقُولُونَ ٢٢ - وَأَخْرَجَ إِلَيَّ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ مَقَالَةً فِي أَخْبَارِ الصِّفَاتِ،

стр. 11

فَرَوَى بِإِسْنَادِهِ قَالَ: ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَبَّارُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ، قَالَ لإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُوَيْهِ: مَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تُحَدِّثُ بِهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ يَصْعَدُ وَيَتَحَرَّكُ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ وَيَصْعَدَ وَلا يَتَحَرَّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلِمَ تُنْكِرُ؟ ٢٣ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ: كَيْف يَنْزِلُ؟ فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ صَعِدَ؟.

стр. 12

٢٤ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيِّ، قَالَ: قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهِمُّي: أَنَا كَافِرٌ بِرَبٍّ يَنْزِلُ، فَقُلْ لَهُ: أَنَا مُؤْمِنٌ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ٢٥ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا شَرِيكٌ بِوَاسِطَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا يُنْكِرُونَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ: الصِّفَاتِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَقَالَ شَرِيكٌ: إِنَّمَا جَاءَنَا بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ مَنْ جَاءَنَا بِالسُّنَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا اللَّهَ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ ٢٦ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، يَقُولُ: إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ مَنْ يَدْفَعُ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، وَوُلاةُ الأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا، وَسَنَّ الأَخْذَ بِهَا اتِّبَاعًا لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالا لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةً عَلَى دِينِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَيْسَ لأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ تَفْسِيرُهَا، وَلا النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُورٌ، وَمَنْ تَرَكَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.

стр. 13

٢٧ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ الْجَهْمِيَّةُ يَنْفُونَ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَيَقُولُونَ: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِشَيْءٍ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: قَدْ هَلَكَ قَوْمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَعْنِي: مِنْ وَجْهِ التَّعْظِيمِ، قَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُنَزِّلَ كِتَابًا أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثُمَّ قَالَ: فَهَلْ هَلَكَتِ الْمَجُوسُ إِلا مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ، قَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نَعْبُدَهُ، وَلَكِنْ نَعْبُدُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْنَا فَعَبَدُوا الشَّمْسَ وَسَجَدُوا لَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هَذَا الْكَلامُ أَوْ نَحْوُهُ ٢٨ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ الْفَارِسِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ، يَقُولُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفَ ٢٩ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُنْكِرُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى الدِّينِ ٣٠ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، فَقَالَ: تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفَ ٣١ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ: أَحْلِفُ عَلَيْهَا بِالطَّلاقِ وَالْمَشْيِ أَنَّهَا حَقٌّ.

стр. 14

٣٢ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، أَنَّهُ سَأَلَ وَكِيعًا: يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ فِي الصِّفَاتِ وَالرُّؤْيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ وَكِيعٌ: أَدْرَكْنَا إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَسُفْيَانَ، وَمِسْعَرًا يُحَدِّثُونَ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ وَلا يُفَسِّرُونَ شَيْئًا مِنْهَا ٣٣ - وَقَالَ وَكِيعٌ: سَلِّمْ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الَّتِي فِي الصِّفَاتِ كَمَا جَاءَتْ وَلا تَقُلْ كَيْفَ كَذَا وَلا مِثْلَ كَذَا مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْجِبَالُ عَلَى إِصْبَعٍ "، " وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ "، وَنَحْوُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ نُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفَ ٣٤ - وَبِإِسْنَادِهِ قِيلَ لابْنِ عُيَيْنَةَ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى فِي الصِّفَاتِ، فَقَالَ: حَقٌّ عَلَى مَا سَمِعْنَاهَا مِمَّنْ نَثِقُ بِهِ وَنَرْضَاهُ نُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفَ ٣٥ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَأَنَا فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَجَعَلْتُ أَلُحُّ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ يَأْبَى، فَقُلْتُ: لا بُدَّ أَنْ أَسْأَلَكَ، إِذَا لَمْ أَسْأَلْكَ فَمَنْ أَسْأَلُ؟ فَقَالَ: هَاتِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ: " إِنَّ اللَّهَ يَحْمِلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ "، وَحَدِيثُ: " إِنَّ قَلْبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ "، وَحَدِيثُ: " إِنَّ اللَّهَ يَعْجَبُ وَيَغْضَبُ وَيَضْحَكُ " وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: هِيَ كَمَا جَاءَتْ نُؤْمِنُ بِهَا وَنُحَدِّثُ بِهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفَ وَلا تَوَقُّفٍ ٣٦ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ الْهُذَلِيِّ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَتَكَلَّمُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يَسْمَعُ وَلا يَعْجَبُ وَلا يَضْحَكُ وَلا يَغْضَبُ، وَذَكَرَ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ

стр. 15

فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ، وَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ عَلَى بِئْرٍ وَاقِفٍ فَأَلْقُوهُ فِيهَا ٣٧ - وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: مَنْ كَذَّبَ بِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ ٣٨ - وَبَإِسْنَادِهِ قَالَ: قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: مَثَلُ الْجَهْمِيَّةِ مَثَلُ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: فِي دَارِكَ نَخْلَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَلَهَا خُوصٌ؟ قَالَ: لا، قِيلَ: فَلَهَا سَعَفٌ؟ قَالَ: لا، قِيلَ: فَلَهَا كَرَبٌ؟ قَالَ: لا، قِيلَ: فَلَهَا جِذْعٌ؟ قَالَ: لا، قِيلَ: فَلَهَا أَصْلٌ؟ قَالَ: لا، قِيلَ: فَلا نَخْلَةَ فِي دَارِكَ. هَؤُلاءِ الْجَهْمِيَّةُ قِيلَ لَهُمْ: لَكُمْ رَبٌّ يَتَكَلَّمُ؟ قَالُوا: لا، قِيلَ: فَلَهُ يَدٌ؟ قَالُوا: لا، قِيلَ: فَلَهُ قَدَمٌ؟ قَالُوا: لا، قِيلَ: لَهُ إِصْبَعٌ؟ قَالُوا: لا، قِيلَ: فَيَرْضَى وَيَغْضَبُ؟ قَالُوا: لا، قِيلَ: فَلا رَبَّ لَكُمْ. وَإِذَا تُتُبِّعَ كَلامُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا وُجِدَ فِيهِ مَا يَطُولُ شَرْحُهُ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْسِيرِ. فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: وَمِنَ السُّنَّةِ اللازِمَةِ الَّتِي مَنْ تَرَكَ مِنْهَا خَصْلَةً لَمْ يقلها وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا: الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالأَحَادِيثِ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ وَيُبَلِّغُهُ عَقْلَهُ فَقَدْ كُفِيَ ذَلِكَ وَأُحْكِمَ لَهُ فَعَلَيْهِ الإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ. ٣٩ - قَالُوا: فَقَوْلُ أَحْمَدَ: وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيرَ الْحَدِيثَ وَيُبَلِّغُهُ عَقْلَهُ فَقَدْ كُفِيَ ذَلِكَ وَأُحْكِمَ لَهُ مَعْنَاهُ قَدْ كَفَاهُ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَأَحْكَمُوا لَهُ عِلْمَهُ، فَدَلَّ عَلَى التَّفْسِيرِ ٤٠ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾

стр. 16

الْمُرَادُ بِهِ الشِّدَّةُ، وَهَذِهِ تَأْوِيلٌ مِنْهُمْ

стр. 17

٤١ - وَرُوِيَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: " يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا "، فَقَالَ: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. فَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ، يَظْهَرُ مِنْهُ بِقُدْرَتِهِ. قِيلَ: أَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ قَدْ كَفَى ذَلِكَ مَعْنَاهُ: قَدْ كُفِيَ طَلَبُ التَّأْوِيلِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: وَأُحْكِمَ لَهُ مَعْنَاهُ: أُحْكِمَتْ لَهُ الْكِفَايَةُ فِي تَرْكِ الْبَحْثِ وَطَلَبِ التَّأْوِيلِ، وَيُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا مَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَعَلَيْهِ الإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ، وَالإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ لا يَكُونُ مَعَ التَّأْوِيلِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ السَّاقِ فَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَحَمَلَ السَّاقَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ ابْنِ

стр. 18

عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ حَدَّ السَّاقِ فِي اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، فَحَكَى قَوْلَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، لا أَنَّهُ قَصَدَ حِدَّةً فِي الشَّرْعِ. وَأَمَّا قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ أَنَّ النُّزُولَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وَعَلَى أَنَّا قَدْ حَكَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ خِلافَ ذَلِكَ

стр. 19

فَصْلٌ فِي الدَّلالَةِ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ الاشْتِغَالُ بِتَأْوِيلِهَا وَتَفْسِيرِهَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ آيَ الْكِتَابِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مُحْكَمٌ تَأْوِيلُهُ تَنْزِيلُهُ يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِظَاهِرِهِ وَقِسْمٌ هُوَ مُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَلا يُوقَفُ عَلَى مَعْنَاهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فَالْوَاوُ هَهُنَا لِلاسْتِئْنَافِ وَلَيْسَتْ عَاطِفَةً. كَذَلِكَ أَخْبَارُ الرَّسُولِ، ﷺ ، جَارِيَةٌ هَذَا الْمَجْرَى وَمُنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا التَّنْزِيلِ مِنْهَا الْبَيِّنُ الْمُسْتَقِلُّ فِي بَيَانِهِ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهَا مَا لا يُوقَفُ عَلَى مَعْنَاهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ. فَإِنْ قِيلَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لا مُتَشَابِهَ فِي الْقُرْآنِ إِلا وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَالْوَاوُ هَهُنَا لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا اللَّهَ﴾ وَقَدْ ذَكَر هَذَا ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِ الْمُشْكِلِ فَسَقَطَ هَذَا الدَّلِيلُ.

стр. 20

قِيلَ: هَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ ٤٢ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الإِلْحَادِ: قَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ يَعْنِي: ابْنَ قُتَيْبَةَ، جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، مِنْهُمْ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قَالَ: وَكَانَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ يَقُولانِ: الرَّاسِخُونَ مستأنفون وَاللَّهُ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، يَقُولُ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا

стр. 21

اللَّهُ﴾، وَالابْتِدَاءُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾

стр. 22

٤٣ - وَيُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السُّنَنِ بِإِسْنَادِهِ،

стр. 23

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلالٌ وَحَرَامٌ لا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهَالَةِ بِهِ، وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ، وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ، وَمُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ، مَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ كَاذِبٌ". وَلأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وَمَعْنَاهُ: صَدَّقْنَا بِهِ لأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَلَمْ يَقُلْ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ عَلِمْنَا بِهِ، فَلَمْ يَقْتَضِ الْعَطْفُ الْمُشَارَكَةَ فِي الْعِلْمِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَا يَعْلَمُ مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ إِلا زَيْدٌ وَعُمَرُ، يَقُولُ: آمَنَّا بِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لَهُ، وَلا يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهُ فِي الْعِلْمِ، وَلأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْوَاوُ عَاطِفَةً فِي الْمُشَارَكَةِ فِي الْعِلْمِ احْتَاجَ الْكَلامُ إِلَى إِضْمَارِ وَاوٍ أُخْرَى، فَتَقْدِيرُهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ وَالإِضْمَارِ تَرْكُ حَقِيقَةٍ. ٤٤ - وَقَدْ ذَكَر أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْبُسْتِيُّ هَذَا

стр. 24

السُّؤَالَ فِي كِتَابِ الْغُنْيَةِ عَنِ الْكَلامِ فَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقُرْآنِ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَلا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ. قَالَ: وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَقْفَ التَّامَّ فِي هَذِهِ الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ وَمَا بَعْدَهُ اسْتِئْنَافُ كَلامٍ آخَرَ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ، وَقَالَ: وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَحْدَهُ أَنَّهُ نَسَقَ الرَّاسِخِينَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ. وَأَجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ، فَقَالَ: لا يَجُوزُ أَنْ يَنْفِيَ اللَّهُ، ، شَيْئًا عَنِ الْخَلْقِ وَيُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكٌ، أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ كَذَلِكَ هَهُنَا. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الإِيمَانُ بِمَا لا نُحِيطُ عِلْمًا بِحَقِيقَتِهِ، وَنَصِفُهُ بِشَيْءٍ لا دَرَكَ لَهُ فِي عُقُولِنَا؟ قِيلَ: قَدْ أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَبِالنَّارِ وَأَلِيمِ عَذَابِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّا لا نُحِيطُ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنَّمَا كُلِّفْنَا الإِيمَانَ بِهَا جُمْلَةً. أَلا تَرَى أَنَّا لا نَعْرِفُ أَسْمَاءَ عِدَّةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلا نُحِيطُ بِصِفَاتِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيمَا أُمْرِنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ، ﷺ ، فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ: " يَقُولُ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ " إِلَى هَاهُنَا كَلامُ أَبِي سُلَيْمَانَ.

стр. 25

٤٥ - وَقَدْ أَجَابَ قَوْمٌ آخَرُونَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَجْوِبَةٍ أُخَرَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْوَاوُ عَاطِفَةً وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُتَشَابِهٌ وَكَانَ جَمِيعُهُ مُحْكَمًا، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ فِيهِ مُحْكَمًا وَفِيهِ مُتَشَابِهًا، وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَاجَ إِلَى بَيَانٍ. وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْوَاوُ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ لَكَانَ تَقْدِيرِ الْكَلامِ: اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَلا يَجُوزُ إِضَافَةُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى اللَّهِ. وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَاطِفَةً عَلَى اسْمِ اللَّهِ لَحَصَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ مُبْتَدَأً، وَلا يَصِحُّ الابْتِدَاءُ بِهِ لأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِتَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ، وَإِذَا كَانَتِ الْوَاوُ لِلاسْتِئْنَافِ حَصَلَ الْمُبْتَدَأُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فَيَكُونُ كَلامًا مُفِيدًا لأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِمَا قَبْلَهُ. وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ مَنْ وُكِّلَ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى عَالِمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وَلَوْ شَرِكُوهُ فِي عِلْمِهِ لَكَانَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ

стр. 26

بِالْغَيْبِ﴾ وَلَوْ كَانُوا يَشْرَكُونَهُ سُبْحَانَهُ فِي عِلْمِ جَمِيعِ الأَشْيَاءِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْبٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ لأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٌ صِحَّةُ الإِيمَانِ بِمَا لا نَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ كَإِيمَانِهِ بِالْمَلائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ نَعْلَمْ تَأْوِيلَهُ لَمْ يُفِدِ الْخِطَابَ فَائِدَةً، كَمَا إِذَا خَاطَبَ الْعَرَبِيُّ بِالزِّنْجِيَّةِ قِيلَ: فِيهِ فَائِدَةٌ وَهُوَ اخْتِبَارُ الْعِبَادِ لِيُؤْمِنَ بِهِ الْمُؤْمِنُ فَيَسْعَدَ، وَيَكْفُرَ بِهِ الْكَافِرُ فَيَشْقَى لأَنَّ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قَرَأَ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَنْ يُصَدِّقَ رَبَّهُ وَلا يَعْتَرِضَ فِيهِ بِسُؤَالٍ وَإِنْكَارٍ فَيَعْظُمَ ثَوَابُهُ ٤٦ - وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُفَسَّرًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَا آمَنَ مُؤْمِنٌ أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وَلَئِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا لا يُفِيدُ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَمْرَنَا بِالإِيمَانِ بِمَلائِكَتِه وَرُسُلِهِ وَنَعِيمِ الْجَنَّةِ لا يُفِيدُ لأَنَّا لا نَعْلَمُهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجَدْنَا أَحَدًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَقَفَ عَلَى تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ بَلْ مَضَوْا فِي تَفْسِيرِهِ كُلِّهِ حَتَّى فَسَّرُوا الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِثْلَ: الم وحم وص وق.

стр. 27

قِيلَ: هَذَا وَهْمٌ عَلَى السَّلَفِ لأَنَّ الأَجِلاءَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْمِ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ فَلا يُجِيبُونَ عَنْهَا، وَيَقُولُونَ: مَا نَعْرِفُ تَأْوِيلَهَا مِنْهُمْ : أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ٤٧ - أما أَبُو بكر ذكر الأب عنده فقيل له: هو الرعي، واختلفوا فيه، فقال: لا تختلفوا أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت فِي كتاب الله بما لا أعلم ٤٨ - وَقَالَ حميد، عن أنس: تلى عمر عَلَى المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هَذِهِ الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع عَلَى نفسه فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هَذَا لهو التكلف.

стр. 28

٤٩ - وعن ابن أَبِي مليكة قَالَ: دخلت عَلَى ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان، فقال له عبد الله: يا أَبَا العباس ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي يوم هَذَا؟ فقال ابن عباس: من أنت؟ فانتسب له فلما عرفه قَالَ: مرحبا بك، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي يوم هَذَا؟ قَالَ: أنا سألتك يا ابن العباس لتخبرني؟ قَالَ: أيام سماها الله، ، هو أعلم بها كيف تكون، أكره أن أقول فِي كتاب الله، ، بما لا أعلم والذي فسره بعض المفسرين مما توقف ابن عباس فإنه لم يذكر مراد الله فيها بل قَالَ: يظهر لي فيها كذا، ويسنح كذا والله هو العالم بالتأويل فإن قيل: فقد قَالَ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل كما قَالَ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ولم تدمر السموات والأرض، وَقَالَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولم تؤت مثل فرج الرجل ولحيته.

стр. 29

فإن قيل: إذا لم يدخل الراسخون مع الله فِي العلم لم يكن لهم فضل عَلَى من لم يرسخ فِي العلم، لأن كل المسلمين يقولون آمنا به. قيل: فضل الراسخين عَلَى غيرهم أنهم يعرفون الأحكام المحكمات مالا يعرفه غيرهم، وقد قيل: إن فضيلتهم تحصل بإيمانهم بالغيب عَلَى من لم يؤمن به، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وهذا يدل عَلَى أن هناك من لم يؤمن به فكانت فضيلتهم بالإيمان به. فإن قيل: فنسلم لكم فِي القرآن مالا يعلم تأويله غير الله، لكن فائدته التلاوة التي هي طاعة وهي مندوب إليها يثاب عَلَى فعلها، فأما الأخبار فمتى لم يعرف معناها بلغة العرب عريت عن فائدة، لأنها لا تفيد عملا ولا تثبت علما ولا ثواب فِي فعلها. قيل: لا تعرى عن فائدة لما بينا فيما قبل وهو اختبار العباد ليؤمن به المؤمن فيسعد، ويكفر به الكافر فيشقى، لأن سبيل المؤمن أن يصدق بما جاء به الرسول ٥٠ - ودليل آخر ما روى أَبُو هُرَيْرَةَ وعبد الله بن عمرو، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " يحمل هَذَا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " فوجه الدلالة أنه منع التأويل فِي ذَلِكَ.

стр. 30

فإن قيل: إنما منع تأويل الجاهلين ولسنا جهالا بالتأويل. قيل: بل الجهالة حاصلة بالتأويل بدليل ما تقدم من قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾. دليل آخر عَلَى إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها عَلَى ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبهة، بل قد روي عنهم ما دل عَلَى إبطاله. ٥١ - فروى أَبُو بكر الخلال بإسناده عن أم سلمة أنها قالت فِي قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالت: كيف غير معقول، والاستواء غير مجهول والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. فقد صرحت بالقول بالاستواء غير معقول وهذا يمنع تأويله عَلَى العلو وعلى الاستيلاء.

стр. 31

٥٢ - وروى سعيد الجريري، عن سيف السدوسي، عن عبد الله بن سلام قَالَ: إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم، ﷺ ، فأقعد بين يدي الله، ، عَلَى كرسيه، قَالَ: فقلت: يا أَبَا مسعود إذا كان عَلَى كرسيه أليس هو معه؟ قَالَ: ويلكم هَذَا أقر حديث فِي الدنيا لعيني. وفي لفظ آخر قَالُوا للجريري: إذا كان عَلَى الكرسي هو معه؟ قَالَ: نعم، ويلكم هو معه، هو معه. فقد صرح بالأخذ بالحديث عَلَى ظاهره وأنكر عَلَى من يرد. ٥٣ - وكذلك حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قَالَ: قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَالَ: " وضع إبهامه عَلَى قريب من طرف أنملة خنصره فساخ الجبل "، قَالَ حميد لثابت: تقول هَذَا فدفع ثابت يده فضرب بها صدر حميد، وَقَالَ: يقوله رسول الله، ﷺ ، ويقوله أنس وأنا أكتمه وفي لفظ آخر، قَالَ: فضرب صدره ضربة شديدة، وَقَالَ: من أنت يا حميد

стр. 32

وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ ، تقول أنت ما تريد ٥٤ - وروى أن قتادة بن النعمان دخل عَلَى أَبِي سعيد يعوده فوجده مستلقيا رافعا رجله اليمنى عَلَى اليسرى، فقرص النعمان رجل أَبِي سعيد قرصة شديدة، فقال أَبُو سعيد: سبحان الله يا ابن أخي أوجعتني قَالَ: ذاك أردت إن رسول الله، ﷺ ، قَالَ: " إن الله لما قضى خلقه استلقى ثم رفع إحدى رجليه عَلَى الأخرى، ثم قَالَ: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هَذَا "، فقال أَبُو سعيد: لا جرم والله لا أفعله. فإن قيل: أليس قد أنكر بعضهم عَلَى أَبِي مسعود وعلى الجريري وعلى ثابت فقد حصل خلاف بينهم. قيل: لما أمسكوا عن الجريري وعن أَبِي مسعود دل عَلَى أنهم أجابوا إلى ذَلِكَ.

стр. 33

٥٥ - دليل آخر عَلَى إبطال التأويل: أن أَبَا الحسن الأشعري وأصحابه مثل أَبِي بكر بن الباقلاني، وأبي بكر بن فورك وأبي علي بن شاذان قد أثبتوا صفاتا لم يعقلوا معناها ولم يحملوها عَلَى مقتضى اللغة كالوجه واليدين والعين، ولم يحملوا الوجه عَلَى جملة الذات، واليدين عَلَى النعمتين، ولا العين عَلَى المرأى بل أثبتوها صفات ذات، لورود الشرع بها، وقد صرحوا بهذا فِي كتبهم ورأيت بعضهم يأبى ذَلِكَ ويتأول هَذِهِ الصفات، وهذا القائل يتشاغل بالكلام معه فِي هَذِهِ الصفات، فإذا ثبت الكلام فيها بنينا الأخبار عَلَى ذَلِكَ ٥٦ - دليل آخر عَلَى إبطال التأويل، وذلك أن من حمل اللفظ عَلَى ظاهره حمله عَلَى حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفاته.

стр. 34

فإن قيل خبر الواحد إنما فيما طريقة العمل وأما فيما طريقة الاعتقاد والقطع فلا قيل: هَذِهِ وإن كانت أخبار آحاد فإن الأمة قد تلقتها بالقبول، منهم من حملها عَلَى ظاهرها وهم أصحاب الحديث، ومنهم من تأولها وتأويلها قبول لها فإن قيل: فهل تكفرون من ردها أو تأولها؟ ٥٧ - قيل: قد قَالَ أَحْمَد فِي رواية أَبِي طالب: من قَالَ إن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه ٥٨ - وَقَالَ فِي رواية المروزي وقد سأله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحاك فقال: مثل الزرع وهذا كلام الجهمية ٥٩ - وَقَالَ فِي رواية الأثرم: وقد سأل أَحْمَد حدث محدث وأنا عنده بحديث: " يضع الرحمن قدمه فيها " وعنده غلام فأقبل عَلَى الغلام فقال: إن لهذا تفسيرا، فقال أَبُو عبد الله: أنظر إليه كما تقول الجهمية سواء. فقد أطلق القول بأنه جهمي، وقد كفرهم ببعض أقوالهم ولم يكفرهم ببعض.

стр. 35

٦٠ - فقال فِي رواية المروزي: وقد سأله عن القدري فلم يكفره إذا أقر بالعلم ٦١ - وَقَالَ فِي رواية حنبل: من قَالَ بالقدر وعظم المعاصي فهو أقرب مثل الحسن.

стр. 36

ذكر الأخبار ٦٢ - مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ الْخَيَّاطُ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْمَوْصِلِيُّ السَّكُونِيُّ، قَالَ: نا أَبُو مُزَاحِمٍ مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْمُقْرِئُ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: نا ابْنُ عَجْلانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، وَلا يَقُلْ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " ٦٣ - وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْمَوْصِلِيُّ السَّكُونِيُّ، قَالَ: نا أَبُو مُزَاحِمٍ مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: نا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " لا

стр. 37

تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ". وذكره الدارقطني فِي جملة أخبار الصفات ٦٤ - وحدثنا أَبُو مُحَمَّد الحسن بن مُحَمَّد فيما خرجه من أخبار الصفات، عن ابن شاهين، قَالَ: حَدَّثَنَا زيد بن مُحَمَّد الكوفي قاله، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن منصور المدني، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إسحاق المسيبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سهل سعد بن سعيد بن أَبِي سعيد المقبري، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أن رسول الله، ﷺ ، قَالَ: " إذا ضرب أحدكم مملوكه فليتق وجهه فإن الله إنما خلق آدم عَلَى صورة نفسه " ٦٥ - وروى أَبُو حفص بن شاهين فِي سننه بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رسول الله، ﷺ : " إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه، فإن الله خلق وجه آدم عَلَى صورته

стр. 38

٦٦ - وروى عبد الرحمن بن منده فِي كتاب الإسلام بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أن النبي، ﷺ ، قَالَ: " إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم عَلَى صورته وجهه من الطين ". أعلم أن هَذَا حديث صحيح ٦٧ - قَالَ أَحْمَد فِي رواية ابن منصور: " لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم عَلَى صورته " وإذا ثبت صحته فغير ممتنع الأخذ بظاهره من غير تفسير ولا تأويل. وقد نص عليه أَحْمَد فِي رواية يعقوب بن بختان: " خلق آدم عَلَى

стр. 39

صورته " لا نفسره كما جاء الحديث فقدم صرح بالقول بالأخذ بظاهره والكلام فيه فِي فصلين. أحدهما: جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سُبْحَانَهُ وقد ذكره ابن قتيبة فِي مختلف الحديث، فقال: الذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، إنما وقع الألف لمجيئها فِي القرآن، ووقعت الوحشة من هَذِهِ لأنها لمن تأت فِي القرآن ونحن نؤمن بالجميع هَذَا كلام ابن قتيبة.

стр. 40

الفصل الثاني: فِي إطلاق القول بأنه خلق آدم عَلَى صورته وأن الهاء راجعة عَلَى الرحمن ٦٨ - وقد روى أَبُو عبد الله بن منده بإسناده، عن إسحاق بن راهويه، قَالَ: قد صح عن رسول الله، ﷺ ، أنه قَالَ: " إن آدم خلق عَلَى صورة الرحمن " وإنما علينا أن ننطق به. والوجه فيه أنه ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والنفوس. يبين صحة هَذَا أن الصورة ليست فِي حقيقة اللغة عبارة عن التخاطيط وإنما هي عبارة عن حقيقة الشيء، ولهذا يَقُول عرفني صورة هَذَا الأمر
следующие страницы →