Полный текст (434 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بقلبه.
وهذا الاختلاف عنه ليس براجع إلى ليلة المعراج إنما هو راجع إلى رؤيته فِي المنام فِي غير تِلْكَ الليلة رآه بقلبه عَلَى ما نبينه فما بعد، وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي، ﷺ ، لأن النبي، ﷺ ، أثبت رؤيته فِي تِلْكَ الليلة، ولأنه مثبت والمثبت أولى من النافي، ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذَلِكَ إلا عن توقيف إذ لا مجال للقياس فِي ذَلِكَ.
فإن قيل: قوله: رأيت ربي إنما هو بكسر الراء، وهو اسم كان لعثمان، ﵁، رآه، ﷺ ، فِي النوم عَلَى تِلْكَ الصفات، أو يكون المراد التابع من الجن رآه عَلَى تِلْكَ الصفات.
قيل: لفظ الخبر يسقط هَذَا السؤال لأنه قَالَ له: " فيم يختصم الملأ الأعلى " وهذا لا يقوله أحد من البشر، ولأنه قَالَ: " فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي " وليس أحد له هَذَا من المخلوقين
١٠١ - وقد حكى القاضي أَبُو علي، عن أَبِي بكر بن سُلَيْمَان النجاد ﵀ أنه قَالَ: رأى محمدا ربه إحدى عشرة مرة منها بالسنة تسع مرات فِي ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين الله، ، يسأل أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسة وأربعين صلاة فِي تسع مقامات ومرتين بالكتاب.
стр. 72
الفصل الثالث وضع الكف بين كتفيه
وقد روي بألفاظ ففي:
١٠٢ - حديث أَبِي عبيدة بن الجراح: " فوضع يده حتى وجدت " وذكر كلمة نسيها الراوي
١٠٣ - وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رواه أَبُو بكر الخلال، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " أتاني ربي فِي أحسن صورة، فقال: يا مُحَمَّد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي
١٠٤ - وناه أَبُو القسم عبد العزيز بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ فوجدت برد أنامله بين ثديي
١٠٥ - وفي رواية ابن عباس فِي موضع آخر: " فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي ".
وأعلم أنه ليس فِي حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نثبت كفا كما أثبتنا يدين وسمعا وبصرا ووجها، لا عَلَى وجه الجوارح والأبعاض، وليس أثبات تِلْكَ الصفات بأولى من إثبات الكف، لأننا نطلق اسم الوضع بين كتفيه كما أطلقنا خلقه لآدم بيديه فما يتطرق عَلَى
стр. 73
هَذَا يتطرق مثله هناك، ورأيت بعضهم يَقُول غير ممتنع أن تلاقي كف الصفة لكتفي النبي، ﷺ ، لا عَلَى منع ملاقاة الجسم للجسم، لكن عَلَى معنى ملاقاة الجسم لنور الشمس والقمر، قَالَ: وهذا ظاهر ما جاء فِي الحديث: " فوجدت بردها بين كتفي " ولأنه ليس فِي الملاقاة أكثر من مقاربة المحدث من القديم
١٠٦ - وقد جاء الشرع بذلك فروى: " إن الله يدني عبده حتى يضع عليه كتفه "، ولأنه قد قَالَ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قَالَ: يقعده معه عَلَى العرش، ولأن هَذَا غير ممتنع عَلَى أصل من أثبت
стр. 74
أنه عَلَى العرش، لأنه إذا كان بجهة تصح الإشارة إليه فيها ويصح النظر منها وإنما يمتنع عَلَى أصل من نفى كونه بجهة يشار إليه فيها فإن.
قيل: الكف هاهنا بمعنى القدرة كما قَالَ القائل:
هون عليك فإن الأمور … بكف الإله مقاديرها
يعني فِي قدرته تقديرها وتدبيرها، فعلى هَذَا يكون اعتراف النبي، ﷺ ، بالعجز وإقراره بعد وضع الكف إنما هو إقرار بقدرة الله تَعَالَى عَلَى ما فعل به من التعطف واللطف حتى عرف ما لم يعرفه، أو يكون المراد بالكف النعمة والمنة والرحمة، ومنه قوله: لي عند فلان يد بيضاء أي نعمة منه كاملة فيكون إخبارا عن نعمة الله وفضله وإقباله عليه بأن شرح صدره ونور قلبه ما لم يعرفه.
قيل: هَذَا غلط لأنه إن جاز تأويل الكف عَلَى ما قالوه جاز تأويل قول ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى ذَلِكَ، ولأن قدرته ونعمته لا تختص الكفين بل هي عامة فِي جميع مقدوراته، وما قاله الشاعر من أن الأمور بكف الإله مقاديرها، لا يشبه هَذَا لأنه قد فسر ما بكفه وهو تقدير الأمور وذلك لا يختص الكف لأنه صفته، وتدبير الأشياء لا يحصل بالصفات وإنما يحصل بالذات فأما هاهنا فإنما أضاف إلى الكف فعلا، كما أضاف إلى اليد فعلا وهو خلق آدم.
فإن قيل: قوله: " بين كتفي " معناه أوصل إلى قلبه من لطفه ونوره وفوائده، لأن القلب بين الكتفين وهو محل الأنوار العلوم
قيل: هَذَا غلط لأن القلب لا يوصف بوضع الكف فيه وإنما يوصف ذَلِكَ بالكتفين.
فإن قيل: قوله: " فوجدت بردها " يحتمل برد النعمة بمعنى روحها وأثرها من قولهم: عيش بارد إذا كان رغدا فِي رفاهية وسعة.
стр. 75
قيل: هَذَا غلط لما بينا أن الكف ليس معناه النعمة وإذا لم يكن معناه النعمة لم يصح التأويل.
عليه فإن قيل: قوله: " فوجدت برد أنامله " يحتمل آثار إحسانه ونعمه ورحمته فِي صدري فتجلى لي ما بين السماء والأرض، قيل: هَذَا غلط لما بينا من أن إحسانه ونعمه لا يختص القلب والكف والأنامل، ولأنه إن جاز تأويل الأنامل عَلَى ذَلِكَ جاز تأويل اليدين عَلَى النعمتين والوجه عَلَى الذات.
стр. 76
الفصل الرابع جواز إطلاق تسمية الصورة عليه
وقد بينا جواز ذَلِكَ فِي الخبر الذي قبله، وقد بينا أنه لا يمتنع إطلاق ذَلِكَ لا عَلَى وجه الأبعاض والجوارح كما جاز إطلاق نفس وذات.
فإن قيل: ذكر الصورة يرجع إلى النبي، ﷺ ، ويكون المعنى: رأيت ربي وأنا فِي أحسن صورة كما يقوله القائل: رأيت الأمير فِي أحسن صورة وزي.
قيل: هَذَا غلط لأنه لم ينقل أن صفة النبي، ﷺ ، تغيرت فِي تِلْكَ الليلة، ولو كان لنقل كما نقل غيره من المخاطبة ووضع الكف وغير ذَلِكَ وعلى أنه قد روي فِي الخبر ما يمنع من هَذَا بقوله: " رأيت ربي فِي صورة شاب عَلَى وجهه فراش وفي رجليه نعلان " ولو كانت الصفة راجعة إلى النبي، ﷺ ، لقال: عَلَى وجهي وفي رجلي.
فإن قيل: فيحتمل أن تكون الصورة راجعة إلى الله تَعَالَى بمعنى أنه يحسن خلق من يشاء كما يقبح خلق من يشاء لأن أفعل قد تجيء عَلَى معنى يفعل كما وصف نفسه بأنه حكيم والمراد به محكم لما يفعله، قيل: هَذَا غلط لأنه يسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة لأن النبي، ﷺ ، لم يزل مشاهدا لأفعاله فِي خلقه من تحسين وتقبيح، فحمله عَلَى هَذَا يسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة
стр. 77
فإن قيل: فيحتمل أن تكون الصورة راجعة إلى الله تَعَالَى بمعنى الصفة من توفر الرب عليه فِي الأنعام والإقبال عليه، فيكون حسن الصورة يرجع إلى حسن الأفعال به والإكرام.
قيل: هَذَا يسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة، لعلمنا بأنه نعمه عليه كانت ظاهرة بقيام المعجزات فِي المواضع التي تظهر النعم فيها، ولأنه إن صح هَذَا التأويل هاهنا وجب أن يصح مثله فِي قوله: " إنكم ترون ربكم يوم القيامة " عَلَى معنى صفته توفر أنعامه وأفضاله عَلَى أهل الجنة.
فإن قيل: فقد ذكر النقاش فِي شفاء الصدور فِي تفسير قوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ فقال: قَالَ عمرو بن عثمان: رأيت عبد الله بن أَحْمَد بن حنبل فِي المسجد الحرام فِي الحجر تحت الميزاب فقلت له: يا أَبَا عبد الرحمن: أيش كان مذهب الشيخ فِي قول: " رأيت ربي فِي أحسن صورة "، قَالَ: رأيته فِي أحسن مكان.
قالوا: وهذا ينفي الصورة قيل: الرواية الصحيحة عنه ما ذكرنا من إثبات الصورة ا هـ.
стр. 78
الفصل الخامس قول النبي، ﷺ : " لا أدري " لما قيل له: " فيم يختصم الملأ الأعلى "
قيل: فيه وجهان:
أحدهما: أنه يحتمل أنه كان يعلم لكن استعمل حسن الأدب بحضرة من هو أعلم به، حتى لا يدعي ذَلِكَ بحضرة من هو أعلم كما قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وقيل: إنه يحتمل أنه لم يعلم ثم علم بعد ذَلِكَ ما بين المشرق والمغرب بأن زويت له الأرض كما روي فِي الحديث: " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها "
стр. 79
فصل: هل أحيا الله لنبيه الأنبياء فِي ليلة الإسراء أم نشر أرواحهم فِي مثل صورهم
١٠٧ - فذكر أَبُو إسحاق فِي تعاليقه فِي كتاب التفسير فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الآية قَالَ سعيد بن جبير: أحيا الله له الأنبياء حتى سألهم وعلى هَذَا كلام موسى وغيره
١٠٨ - وذكر أَبُو بكر عبد العزيز فِي كتاب التفسير فِي هَذِهِ الآية قولين: أحدهما: سل أهل الكتاب أما كانت الرسل تأتيهم بالتوحيد، أما كانت تأتي بالإخلاص حكاه عن قتادة
стр. 80
والثاني: قول سعيد بن جبير، قَالَ: لقي الرسل ليلة أسري به، ثم، قَالَ: كما قَالَ سعيد بن جبير، وهو أحسن التأويلين إذا كان قد لقيهم، وظاهر كلام أَبِي بكر وأبي إسحاق الأخذ بقول سعيد
وقد قيل: إن أرواحهم نشرت فِي مثل صورهم
١٠٩ - وقد جاء هَذَا فِي حديث المعراج فِي رواية أَبِي حفص بن شاهين وأبي طالب بن العشاري قَالَ فيه: " ثم أتينا بيت المقدس فنشر لي أرواح الأنبياء فصليت معهم " فبين أن النشر كان عَلَى الأرواح، وقد ذكر أَبُو بكر الخلال فِي كتاب السنة هَذِهِ اللفظة.
стр. 81
فصل ثان
١١٠ - يتعلق بليلة الإسراء في قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ هل الكناية فِي التدلي عن الله سُبْحَانَهُ أم عن جبريل؟ فذكر أَبُو بكر فِي كتاب التفسير فِي هَذِهِ الآية قولين: أحدهما: أنه جبريل عن مجاهد والحسن فِي رواية
١١١ - والثاني: أنه الله سُبْحَانَهُ حكاه عن ابن عباس وعطاء وعكرمة والحسن، واختار هَذَا القول، والوجه فيه: أن رؤيته لجبريل قد سبقت مرارا لا تحصى فلا فائدة فِي إثباتها فِي تِلْكَ الليلة، إذ كان المقصود بذلك حصول الفضيلة له وعلو المنزلة، ولأنه قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ والوحي إنما يكون من الله تَعَالَى فقوله: فأوحى كناية عمن تقدم
стр. 82
ذكره وهو المتدلي، فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تَعَالَى، وقد شهد الكتاب والسنة لما قاله أَبُو بكر قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وبقول النبي، ﷺ : " ينزل الله، ﵎، إلى سماء الدنيا ".
حديث آخر فِي هَذَا المعنى
١١٢ - ناه أَبُو مُحَمَّد الحسن بن مُحَمَّد فيما خرجه من أخبار الصفات بإسناده، عن معاذ بن جبل، قَالَ: احتبس علينا رسول الله، ﷺ ، يوما بصلاة الغداة حتى كادت الشمس
أن تطلع فلما خرج صلى بنا الغداة فقال: إني صليت الليلة ما قضي لي ثم وضعت جنبي فِي المسجد فأتاني ربي فِي أحسن صورة، فقال لي: يا مُحَمَّد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فضرب يديه بين ثديي حتى بدا لي ما فِي السموات والأرض
стр. 83
١١٣ - وروى أَبُو القسم عبيد الله بن أَحْمَد الصيرفي فيما خرجه من أخبار الصفات بإسناده، عن معاذ، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " رأيت ربي فِي منامي " وذكر الخبر.
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر يتعلق به فصول: أحدها: جواز إطلاق الصورة عليه، وقد تقدم الكلام فِي ذَلِكَ
стр. 84
الثاني: جواز رؤيته فِي منامه، وهذا غير ممتنع فِي حق النبي، ﷺ ، وفي حق غيره من المؤمنين
١١٤ - وقد نص أَحْمَد عَلَى هَذَا فيما رواه عبد الله، سمعت أَبِي، يَقُول: رأيت رب العزة فِي النوم، فقلت: يا رب ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ قَالَ: فقال: كلامي يا أَحْمَد، قلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ قَالَ: بفهم وبغير فهم.
فأخبر عن نفسه بالرؤية فدل عَلَى جوازه
١١٥ - والوجه فِي جوازه ما روى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " رؤيا الرجل
الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة "
فوجه الدلالة أنه أخبر أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وما كان من النبوة لا يكون إلا حقا، ولا يكون باطلا، فوجب أن تكون رؤية الله حقا
стр. 85
ولأنه إجماع أهل الأعصار وذلك أن عصرا بعد عصر من لدن التابعين ومن
стр. 86
بعدهم يخبر أنه رأى ربه، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه فدل سكوتهم عَلَى جواز ذَلِكَ
١١٦ - من ذَلِكَ رقبة بن مسقلة، قَالَ: رأيت رب العزة فِي المنام فقال: لأكرمن مثوى سُلَيْمَان يعني التيمي
١١٧ - وعن عطاء السليمي أنه رأى ربه فِي المنام فقال: ما هَذَا الخوف الشديد الذي تخافني ألم تعلم أني أرحم الراحمين
١١٨ - وعن حمزة بن حبيب الزيات أنه رأي فِي المنام كأنه عرض عَلَى الله، فقال له: اقرأ القرآن كما علمتك، وذكر القصة بطولها.
ولا يصح حمل ذَلِكَ عَلَى أنهم رأوا بشارة ربهم لأن فِي الأخبار ما يسقط ذَلِكَ وهو قوله: لأكرمن مثوى سُلَيْمَان، وقوله: ما هَذَا الخوف، وقوله: اقرأ.
الثالث: جواز الإتيان عليه، وهذا غير ممتنع إطلاقه إذا لم يوصف بالانتقال، ومثل هَذَا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يجوز إطلاق هَذِهِ الصفة عليه لا عَلَى وجه الانتقال والحدوث، وإن كان حرث ثم يقتضي ذَلِكَ فِي
стр. 87
اللغة، وكذلك قوله: " ينزل الله إلى السماء الدنيا " يجوز إطلاق ذَلِكَ من غير انتقال وشغل مكان.
فإن قيل قوله: " فِي أحسن صورة " معناه بأحسن صورة فتكون الفاء بمعنى الباء ويكون معنى الإتيان فعله وإظهاره له، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ معناه إظهار فعله، وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ معناه بظلل.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أن إظهار فعله وتدبير ملكه عام فِي كل الأزمان والأحوال، فلا فائدة بتخصيصه فِي تِلْكَ الليلة التي أسري به ا هـ.
والثاني: إن جاز تأويله عَلَى إتيان الأفعال والملك جاز عمل قوله: " إنكم
стр. 88
ترون ربكم يوم القيامة " عَلَى رؤية أفعاله وملكه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى خلاف ذَلِكَ
الثالث: أنه وصفه بالصورة ووضع الكف بين كتفيه وهذه الصفة لا تتصف بها الأفعال والملك، فأما قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ فالمراد به أفعاله لأن فِي الآية ما دل عليه، وهو خراب الديار بقوله: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾.
وأما قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ المراد به الذات عَلَى أصولنا، لأن حمله عَلَى الأمر يسقط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأن أمره سابق لإيتانه، ولأنه إن جاز حمله عَلَى هَذَا جاز حمل قوله: " إنكم ترون ربكم يوم القيامة " عَلَى رؤية أمره وملكه
١١٩ - فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس فِي قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قَالَ: يأتيهم بوعده ووعيده قيل له: ولم يقل إنه لا يأتي ذاته فيحتمل أن يكون تأتي ذاته بوعده ووعيده.
وهكذا قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ معناه مجيء ذاته، لأن حمله عَلَى مجيء الأمر والملك يسقط فائدة التخصيص بذلك اليوم لأن أمره سابق، ولأن هَذَا يوجب تأويل " ترون ربكم "، ولأنه ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته لأنا لا
стр. 89
نثبت مجيء انتقال، بل نثبت مجيئا غير معقول كما أثبتنا ذاتا ونفسا ووجها ويدا
١٢٠ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رواية حنبل فِي قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، قَالَ: قدرته، قَالَ أَبُو إسحاق بن شاقلا: هَذَا غلط من حنبل لا شك فيه، وأراد أَبُو إسحاق بذلك أن مذهبه حمل الآية عَلَى ظاهرها فِي مجيء الذات هَذَا ظاهر كلامه والله أعلم
١٢١ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رواية أَبِي طالب: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فمن قَالَ أن الله لا يرى فقد كفر، وظاهر هَذَا أن أَحْمَد أثبت مجيء ذاته، لأنه احتج بذلك عَلَى جواز رؤيته، وإنما يحتج بذلك عَلَى جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيء مضافا إلى الذات
стр. 90
حديث آخر فِي هَذَا المعنى فِي ألفاظه زيادة
١٢٢ - رواه أَبُو بكر الخلال، عن الحسن بن ناضح الخلال، قَالَ: نا الأسود بن عامر شاذان، قَالَ: نا حَمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي، ﷺ : " رأى ربه جل ثناؤه جعدا قططا أمرد فِي حلة حمراء "
стр. 91
١٢٣ - وَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: نا أَبُو عُمَرَ حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ مُدْرَكٍ أَبُو حَفْصٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: نا شَاذَانُ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " رَأَيْتُ رَبِّي، ، فِي حُلَّةٍ خَضْرَاءَ فِي صُورَةِ شَابٍّ عَلَيْهِ تَاجٌ يَلْمَعُ مِنْهُ الْبَصَرُ "
١٢٤ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، فِي الإِجَازَةِ، وَقَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ ، قَالَ: " أَتَانِي رَبِّي، ، اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ح يَعْنِي: فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ "
١٢٥ - وأخرج إلي أَبُو القسم عبيد الله بن أَحْمَد فِي جملة أخبار الصفات، قَالَ: نا أَحْمَد بن مُحَمَّد الرازي، قَالَ: نا حمزة بن القسم، قَالَ: نا أَبُو حفص عمر بن مدرك، قَالَ: نا مُحَمَّد بن الوليد مولى بني هاشم بغدادي، قَالَ: نا شاذان، قَالَ: نا حَمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " رأيت ربي، ، فِي حلة خضراء فِي صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر "
١٢٦ - وَقَالَ أيضا: نا مُحَمَّد بن العباس، قَالَ: نا أَبُو الطيب مُحَمَّد بن القسم الكوفي، قَالَ: نا أَحْمَد بن زهير بن حرب، قَالَ: نا إبراهيم بن مُحَمَّد، عن عروة، قَالَ: نا شاذان، قَالَ: نا حَمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " رأيت ربي، ، جعدا أمرد عليه حلة خضراء "
стр. 92
١٢٧ - وناه أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِي جُمْلَةِ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، نا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَطَّارُ، قَالَ: نا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ الْوَرَّاقُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: نا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " رَأَيْتُ رَبِّي جَعْدًا أَمْرَدَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ خَضْرَاءُ "
١٢٨ - وأنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَجَازَ لَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ لُؤْلُؤٍ، قَالَ: نا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ الضَّحَّاكُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِعَيْنَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ "
١٢٩ - وأنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ خُشَيْشٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، نا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ : " أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ، ، شَابًّا أَمْرَدَ جَعْدًا قَطَطًا فِي حُلَّةٍ خَضْرَاءَ "
١٣٠ - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلالُ فِي سُنَنِهِ، قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، وَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَهُمْ بِهِ فِي مَنْزِلِ عَمِّهِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ، امْرَأَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَذْكُرُ: " أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ فِي صُورَةِ شَابٍّ مُوفَّرٍ، رِجْلاهُ فِي خُضْرٍ، عَلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى وَجْهِهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ "
стр. 93
١٣١ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، فِي الإِجَازَةِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَخِي وَهْبٍ، قَالَ: نا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ، امْرَأَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: " رَأَيْتُ رَبِّي فِي الْمَنَامِ فِي خُضْرٍ مِنَ الْفِرْدَوْسِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى وَجْهِهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ "
١٣٢ - وأنا أَبُو بَكْرِ بْنُ بِشْرَانَ، أنا الدَّارَقُطْنِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلالٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ، امْرَأَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَذْكُرُ: " أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ فِي النَّوْمِ فِي صُورَةِ شَابٍّ ذِي وَفْرَةٍ، قَدَمَاهُ فِي الْخُضْرِ، عَلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى وَجْهِهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ "
١٣٣ - وروى أَبُو عبد الله بن بطة فِي كتاب الإبانة: قَالَ أَحْمَد بن مُحَمَّد الباغندي: قَالَ: نا أَحْمَد بن عبد الجبار العطاردي، قَالَ: نا يونس بن بكير، عن مُحَمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحرث، عن عبد الله بن أَبِي سلمة، عن عبد الله بن عمر، أنه بعث
стр. 94
إلى عبد الله بن عباس يسأله: هل رأى مُحَمَّد ربه، ﵎،؟ فبعث إليه: أن نعم قد رآه، فرد عليه رسوله، فقال: كيف رآه؟ قَالَ: فقال: رآه عَلَى كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة ملك فِي صورة رجل، وملك فِي صورة أسد، وملك فِي صور ثور، وملك فِي صورة نسر، فِي روضة خضراء دونه فراش من ذهب
١٣٤ - وَقَالَ: ونا أَبُو ذر، قَالَ: نا العطاردي، قَالَ: نا يونس بن بكير، عن أَبِي إسحاق، قَالَ: حَدَّثَنِي يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: أنشد رسول الله، ﷺ ، من قول أمية بن أَبِي الصلت:
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال رسول الله، ﷺ : " صدق "
стр. 95
وقد ذكر أَبُو الحسن الدارقطني هَذِهِ الألفاظ فِي كتاب الرؤية من طرق.
اعلم أن الكلام فِي هَذِهِ الأخبار فِي فصلين أحدهما: فِي طرقها، والثاني: فِي ألفاظها أما طرقها فإن كلام أَحْمَد فِي ذَلِكَ مختلف
١٣٥ - فروى المروذي، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الصمد بن يحيى الدهقان، قَالَ: سمعت شاذان يَقُول: أرسلت إلى أَبِي عبد الله أستأذنه فِي أن أحدث بحديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، رأيت ربي فقال: حدث به فقد حدث به العلماء، فقلت: إنهم يقولون ما رواه غير شاذان، قَالَ: بلى قد كتبته عن عفان، عن رجل، عن حَمَّاد بن سلمة.
стр. 96
وهذا من أَحْمَد تصحيح لحديث ابن عباس وتثبيت له
١٣٦ - وذكر أَبُو بكر الأثرم فِي كتاب العلل: سألت أَحْمَد عن حديث عبد الرحمن بن عايش الذي روى عن النبي، ﷺ : " رأيت ربي فِي أحسن صورة " فقال: يضطرب فِي إسناده لأن معمرا روى عن أيوب، عن أَبِي قلابة، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ .
وروى معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أَبِي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ .
ورواه حَمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ .
ورواه يُوسُف بن عطية، عن قتادة، عن أنس، عن النبي، ﷺ .
ورواه عبد الرحمن بن زيد، عن جابر، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عايش، سمعت النبي، ﷺ .
ورواه يزيد بن يزيد بن جابر، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عايش، عن رجل من أصحاب النبي، ﷺ .
ورواه يحيى بن أَبِي كثير، فقال: عن ابن عباس، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، عن النبي، ﷺ .
وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه.
وظاهر هَذَا الكلام من أَحْمَد التوقف فِي طريقه لأجل الاختلاف فيه، ولكن ليس هَذَا الكلام مما يوجب تضعيف الحديث عَلَى طريقة الفقهاء
١٣٧ - ورأيت فِي مسائل مهنا بن يحيى الشامي، قَالَ: سألته يعني أَحْمَد عن حديث رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن سعيد بن أَبِي هلال، أن مروان بن عثمان حدثه، عن أم الطفيل امرأة أَبِي بن كعب، أنها قالت: سمعت النبي، ﷺ : " يذكر أنه رأى ربه فِي المنام فِي صورة شاب موفر رجلاه فِي خضر عليه نعلان من ذهب، عَلَى وجهه فراش من ذهب " فحول وجهه عني وَقَالَ: هَذَا حديث منكر، وَقَالَ: لا نعرف هَذَا رجل مجهول يعني مروان بن عثمان
стр. 97
فظاهر هَذَا التضعيف من أَحْمَد لحديث أم الطفيل
١٣٨ - ورأيته بخط أَبِي بكر الكشي، قَالَ عبد العزيز: سمعت الخلال يَقُول: إنما نروي هَذَا الحديث وإن كان فِي إسناده شيء، تصحيحا لغيره ولأن الجهمية تنكره
١٣٩ - ورأيت بخط ابن حبيب جوابات مسائل لأبي بكر عبد العزيز، قَالَ: حديث أم الطفيل فيه وهاء ونحن قائلون به، وظاهر رواية إبراهيم بن هانئ تدل عَلَى صحته، لأن أَحْمَد قَالَ لأحمد بن عيسى فِي منزل عمه حدثهم به، ولا يجوز أن يأمره أن يحدثهم بحديث يعتقد ضعفه لا سيما فيما يتعلق بالصفات
١٤٠ - وقد صحه أَبُو زرعة الدمشقي فيما سمعناه من أَبِي مُحَمَّد الخلال وأبي طالب بن العشاري وأبي بكر بن بشران، عن علي بن عمر الحافظ، فيما خرجه فِي آخر كتاب الرؤية، قَالَ: نا مُحَمَّد بن إسماعيل الفارسي، قَالَ: نا أَبُو زرعة الدمشقي، قَالَ: نا أَحْمَد بن صالح، قَالَ: نا ابن وهب أخبره، أن مروان بن عثمان أخبره، عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أَبِي بن كعب، أنها سمعت رسول الله، ﷺ : " يذكر أنه رأى ربه، ، فِي النوم فِي صورة شاب ذي وفرة قدماه فِي أخضر عليه نعلان من ذهب، عَلَى وجهه فراش من ذهب ".
قال أَبُو زرعة: كل هَؤُلاءِ لهم أنساب قوية بالمدينة، فأما مروان بن عثمان فهو مروان بن عثمان بن أَبِي سعيد بن المعلي الأنصاري، وأما عمارة فهو ابن عامر بن عمرو بن حزم صاحب رسول الله، ﷺ ، وعمرو بن الحرث وسعيد بن أَبِي هلال فلا يشك فيهما، وحسبك بعبد الله بن وهب محدثا فِي دينه وفضله
стр. 98
وظاهر الكلام من أَبِي زرعة إثباتا لرجال حديث أم الطفيل، وتعريفا لهم وبيانا عن عدالتهم، وهو ظاهر ما عليه أصحابنا لأن أَبَا بكر الخلال ذكر حديث أم الطفيل فِي سننه ولم يتعرض للطعن عليه
١٤١ - وأخرج إلي أَبُو إسحاق البرمكي جزءا فيه حكايات عن أَبِي الحسن بن بشار رواية أبيه أَبِي حفص، عن أبيه أَحْمَد بن إبراهيم، قَالَ: سألت الشيخ يعني أَبَا الحسن بن بشار عن حديث
стр. 99
أم الطفيل وحديث ابن عباس فِي الرؤيا، فقال: صحيح، فعارض رجل، فقال هَذِهِ الأحاديث لا تذكر فِي مثل هَذَا الوقت، فقال له الشيخ: فيدرس الإسلام فسكت.
فقد حكم بصحة الحديث، وقد يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان فِي حال ما سأله مهنا، ثم وقع له معرفة نسبه فيما بعد.
١٤٢ - وَكَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ الأَصْبَهَانِيُّ، بِجُزْءٍ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرُّؤْيَةِ مِنْ طُرُقٍ، وَكَلامُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ
١٤٣ - فَقَالَ: أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ الْهَمَذَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرُهُمَا، قَالُوا: ثنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، ونا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: نا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " رَأَيْتُ رَبِّي فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ، لَهُ وَفْرَةٌ جَعْدٌ قَطَطٌ، فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ ".
١٤٤ - قَالَ: وَأُبْلِغْتُ أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ، قَالَ: حَدِيثُ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي الرُّؤْيَةِ صَحِيحٌ، وَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنِّي رَجَعْتُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ
стр. 100
بَعْدَ مَا حَدَّثْتُ بِهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ بِطُولِهَا
١٤٥ - وأنا مُحَمَّد بن عبيد الله الأنصاري، قَالَ: سمعت أَبَا الحسن عبيد الله بن مُحَمَّد بن معدان، يَقُول: سمعت سُلَيْمَان بن أَحْمَد يَقُول: سمعت ابن صدقة الحافظ، يَقُول: من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق
١٤٦ - وأنا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان، قَالَ: سمعت بندار بن أَبِي إسحاق، يَقُول: سمعت علي بن مُحَمَّد بن إبان، يَقُول: سمعت البرذعي، يَقُول: سمعت أَبَا زرعة الرازي، يَقُول: من أنكر حديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " رأيت ربي، ، " فهو معتزلي
١٤٧ - وسمعت علي بن أَحْمَد بن مهران المديني، قَالَ: حضرت
стр. 101
أَبَا عبد الله بن مهدي وحضر عند جماعة فتذاكروا حديث عكرمة، وأنكره بعضهم، وكنت قد حفظته فحدثت به بطوله، فقام إلي أَبُو عبد الله وقبل رأسي ودعا لي
١٤٨ - ونا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحسن، قَالَ: نا أَحْمَد بن مُحَمَّد الملحمي، قَالَ: سمعت مُحَمَّد بن علي بن جعفر البغدادي، قَالَ: سمعت أَحْمَد بن مُحَمَّد بن هانئ الأثرم، يَقُول: سألت أَبَا عبد الله أَحْمَد بن حنبل عن حديث حَمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ : " رأيت ربي " الحديث، فقال أَحْمَد بن حنبل: هَذَا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة، عن النبي، ﷺ ، فمن شك فِي ذَلِكَ أو فِي شيء منه فهو جهمي لا تقبل شهادته، ولا يسلم عليه، ولا يعاد فِي مرضه
١٤٩ - وأنا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إسحاق، قَالَ: نا مُحَمَّد بن يعقوب، قَالَ: نا أَحْمَد بن مُحَمَّد، قَالَ: نا عبد الله بن أَحْمَد بن حنبل، قَالَ: رأيت أَبِي يصحح هَذِهِ الأحاديث ويذهب إليها وجمعها وحدثناها
١٥٠ - وروى بإسناده عن عبد الوهاب الوراق، قَالَ: سمعت أسود بن سالم يَقُول فِي هَذِهِ الأحاديث التي جاءت فِي الرؤية، قَالَ: نحلف عليها بالطلاق والعتاق أنها حق.
فهذا الكلام فِي طريقها
стр. 102
وأما ألفاظ هَذِهِ الأحاديث فأنها تتضمن إثبات الصورة وإثبات الرؤية، وقد تقدم الكلام فِي ذَلِكَ فيما قبل وتتضمن زيادة ألفاظ فِي الرؤية لا يجب أن يستوحش من إطلاقها، لوجهين:
أحدهما: أن أَحْمَد قَالَ فِي رواية حنبل: لا نزيل عنه صفة من صفات ذاته بشاعة شنعت.
الثاني: أننا لا نطلقها عَلَى وجه الجوارح والأبعاض، وتغير الأحوال، وإنما نطلقها كما نطلق غيرها من الصفات من الذات والنفس والوجه واليدين والعين وغير ذَلِكَ، وليس فِي قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفر إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذَلِكَ تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس فِي إثبات الفراش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع وصفه بالجلوس عَلَى العرش، وكما روي فِي تفسير قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قَالَ: يقعده عَلَى العرش.
وكما روي: " أن الله يدني عبده حتى يضع عليه كنفه " وكما روي فِي قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ وكما روي: " أنه وضع يده بين كتفيه " وكما روي: " دونه حجاب " وغير ذَلِكَ.
وأعلم أنها رأيا منام لأن أم الطفيل قد صرحت بذلك فِي خبرها، وحديث ابن عباس أكثر ألفاظه مطلقة، وقد نقل فِي بعضها صريح بذكر المنام فيما حَدَّثَنَا أَبُو القسم فقال: " أتاني ربي الليلة فِي أحسن صورة " يعني فِي النوم.
فإن قيل: فهذه الأخبار ضعاف لأن مدارها عَلَى عكرمة، وقد قَالَ ابن عمر لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة عَلَى ابن عباس
стр. 103
قيل: هَذَا غلط لأن عكرمة ثقة ثقة، وهو مولى لابن عباس وقد أخرج عنه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وغيرهم من أئمة أصحاب الحديث.
فإن قيل: فهذه الأخبار منام والشيء قد يرى فِي المنام عَلَى خلاف ما هو به، قيل: هَذَا غلط لوجوه: أحدها: أن النبي، ﷺ ، قصد بذلك بيان كرامته من ربه وقرب منزلته منه، فإذا حمل عَلَى خلاف ما أخبر زال المقصود، ولأن ما يخبر به شرع فهو معصوم فيه وصفات الله، ، شرع اعتقادها، وإذا كان معصوما استوى فيه المنام واليقظة لأن رؤية الأنبياء تجري مجرى الوحي، من ذَلِكَ رؤيا إبراهيم، ﵇، ذبح ولده، ومن ذَلِكَ رؤيا يُوسُف، ﵇، فِي المنام الكواكب أنها ساجدة له، ولأن أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله: " رأيت ربي جعدا قططا شابا موفرا " معناه: وأنا جعد قطط أمرد فتكون الصفة راجعة إلى النبي، ﷺ ، كما يقال: رأيت الأمير راكبا يحتمل أن يكون الأمير هو الراكب، ويحتمل أن يكون الرائي راكبا.
قيل: هَذَا غلط لوجوه: أحدها: أنه لم يكن هَذِهِ صفات النبي، ﷺ ، ولو تغيرت صفته فِي تِلْكَ الحال لأخبر بذلك كما أخبر بوضع اليد بين كتفيه، وكما أخبر بقوله: " فيم يختصم الملأ الأعلى " ولأن ألفاظ الخبر تدفع هَذَا، لأن فِي حديث ابن عباس: " عليه تاج يلمع منه البصر " لو كانت الصفة راجعة إلى النبي، ﷺ ، لقال علي تاج، وفي حديث أم الطفيل: " رجلاه فِي خضر عليه نعلان من ذهب عَلَى وجهه فراش من ذهب " ولو كانت الصفة عائدة عَلَى النبي، ﷺ ، لقال: عَلَى وجهي وعلى فراش وعلى نعلان وعلى أن قائلا لو قَالَ: رأيت الأمير جعدا قططا لم تنصرف هَذِهِ الصفة إلا إلى الأمير دون الرائي كذلك هاهنا
فإن قيل: يحتمل أن تكون هَذِهِ المناظرة التي وصفها فِي الخبر ترجع إلى ما رأي فِي الجنة من هَذِهِ الخلق وما زينت به، وأنه كان رائيا لربه فِي جميع ذَلِكَ لم يقطعه نظره إليها عنه ولم يشغله عنه.
قيل: هَذَا غلط لأنه لو قَالَ: رأيت الخليفة فِي صورة شاب عَلَى وجه فراش وفي رجليه لم يعقل من ذَلِكَ داره، وإنما يرجع ذَلِكَ إلى ذاته.
стр. 104
فإن قيل: هَذِهِ الصفات لا تليق بصفات الله سُبْحَانَهُ لأنها من صفات المخلوقين المحدثين قيل: هَذَا غلط، لأن مثل هَذَا موجود فِي إثبات الوجه واليدين والعين فإنها من صفات المخلوقين المحدثين وقد جاز وصفه بها.
فإن قيل: إنما أثبتنا ذَلِكَ لأنها وردت من طريق مقطوع عليه وهو القرآن، وهذه أخبار آحاد وخبر الواحد إنما يقبل فيما طريقة العمل، فأما فيما طريقة الاعتقاد والقطع فلا، لأنه لا يمكن القطع بمثلها
قيل: هَذَا غلط، لأنها وإن كانت أخبار آحاد فقد تلقتها الأمة بالقبول، منهم من حملها عَلَى ظاهرها وهم أصحاب الحديث، ومنهم من تأولها وتأويله لها قبول لها، وإذا تلقيت بالقبول اقتضت العلم من طريق الاستدلال، لأن تلقيهم لها يدل عَلَى صحتها.
وجواب آخر: وهو أنه لو لم يجب قبولها لم يجب التشاغل بتأويلها كسائر الأخبار الباطلة، ولما تشاغلوا بالتأويل عَلَى مقتضى اللغة علمنا صحتها.
فإن قيل: إنما تأولناها لئلا يخلو نقلها من فائدة، وأن لا يكون ورودها كلا ورود.
قيل: لو لم يجب قبولها لم يلزم طلب الفائدة لها ولم بضر إطراحها كسائر الأخبار الباطلة.
١٥١ - وقد روي عن ابن عباس كلام يؤكد صحة حديثه ذكره أَبُو بكر بن أَبِي داود فِي كتاب السنة من جملة كتاب السنن بإسناده، عن عكرمة، قَالَ: سئل ابن عباس:
стр. 105
هل رأى مُحَمَّد ربه؟ قَالَ: نعم، قَالَ: كيف رآه؟ قَالَ: فِي صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ، كان قدميه فِي خضرة، فقلت أنا لابن عباس: أليس هو من يَقُول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ قَالَ: لا أم لك، ذَلِكَ نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء.
وهذا يدل من كلامه عَلَى إثبات الحديث وحمله عَلَى ظاهره وتأويل الآية
١٥٢ - فأما الفراش فقال أَبُو بكر عبد العزيز: نا أَحْمَد، قَالَ: سألت ثعلب عن قوله: " فراش من ذهب "، قَالَ: الفراش ما تطاير من كل شيء رقيق فهو فراش.
فهذا حد الفراش فِي الشاهد، فأما الفراش المذكور فِي الخبر فلا نعقل معناه كغيره من الصفات
стр. 106
حديث آخر فِي الصورة
١٥٣ - رواه أَحْمَد فِي المسند عن عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ الناس: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال النبي، ﷺ : " هل تضارون فِي الشمس ليس دونها سحاب؟ " قَالُوا: لا يا رسول الله، فقال: " هل تضارون فِي القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " فقالوا: لا يا رسول الله، قَالَ: " فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا قيتبعه، فيتبع من كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هَذِهِ الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله، ، فِي غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هَذَا مكاننا حتى يأتينا ربنا، ، فإذا جاءنا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فِي الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ".
أعلم أن هَذَا الخبر يدل عَلَى إثبات الصورة وعلى الإتيان، وقد تقدم ذَلِكَ فِي الأخبار التي قبله، وبينا أنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور، كإطلاق نفس وذات لا كالنفوس والذوات، وإتيان لا عن انتقال وشغل مكان، كما جاز إطلاق الاستواء عَلَى العرش لا عن انتقال من حال إلى حال، وكما جاز رؤيته لا فِي مكان وإن لم يكن ذَلِكَ معلوما فِي الشاهد.
فإن قيل: معنى الإتيان ها هنا ظهور فعله كقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾
стр. 107
قيل: هَذَا غلط لما بينا فساده فِي الخبر الذي قبله، وبينا أن ظهور فعله عام فِي كل الأزمان والأحوال فلا فائدة لتخصيصه فِي ذَلِكَ اليوم.
والثاني: إن جاز تأويل الإتيان عَلَى الأفعال جاز تأويل قوله: " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعاله وملكه وذلك لا يصح وبينا أن قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ عَلَى ظاهره، وأن المراد به الذات وأجبنا عن قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ عَلَى أن المراد به أفعاله لأن فِي الآية ما دل عليه من خراب الديار.
فإن قيل: فقوله: " فِي صورته " معناه بصورته، فتكون هاهنا بمعنى الباء، وقد روي عن ابن عباس فِي قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ بظلل، ولقوله الحركة بالمتحرك والحركة فِي المتحرك فتحصل تقديره يأتيهم بالصورة التي يعرفونها فِي الدنيا من التدبير والملك، لأن معرفتهم له فِي الدنيا كانت بالدلالات المنصوبة وآياته.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أن قولهم أنت ربنا فيتبعونه، وهذا لا يتصور فِي أفعاله وملكه، لأنه لا يوصف بالربوبية ولا يصح اتباعه.
الثاني: أنه إن جاز تأويله عَلَى ما يظهر من أفعاله وملكه جاز تأويل قوله: " إنكم ترون ربكم " عَلَى رؤية تعطفه بكم ورحمته لكم، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى خلاف ذَلِكَ.
الثالث: أنهم سألوه هل نرى ربنا، قَالَ: " ثم يجمع الله الناس ثم يأتيهم فيقولون: أنت ربنا " فاقتضى ذَلِكَ إتيانا يرونه فيه لأن النبي، ﷺ ، أثبت لهم رؤية ووصف لهم كيفية الرؤية
стр. 108
فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله: " يأتيهم الله " معناه يأتيهم خلق من خلقه من الملائكة يتصور لهم ويخاطبهم بأمر الله وأضاف ذَلِكَ إليه، كما يقال: ضرب الأمير اللص معناه أمر بضربه، يدل عَلَى ذَلِكَ قولهم: " نعوذ بالله منك " ولو كان هو
الإله لقالوا: نعوذ بك.
قيل: هَذَا غلط لقوله: " فيأتيهم الله " ولأن القوم سألوه هل نرى ربنا؟ قَالَ: " نعم يجمع الله الناس ثم يأتيهم فيقولون: أنت ربنا " فاقتضى ذَلِكَ إتيانا يرونه منه.
وأما قولهم: " نعوذ بالله منك " فلا يمتنع مثل هَذَا، كما روي أنه كان فِي دعاء النبي، ﷺ : " أعوذ بك منك " ولا يمتنع أن يذكر الاسم الظاهر فِي موضع الكناية كما قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ وتقديره نحشر المتقين إلينا.
فإن قيل: فقد حكي عن أَبِي عاصم النبيل أنه كان يَقُول: ذَلِكَ تغير يقع فِي عيون الرائين كنحو ما يتخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به فيتوهم الشيء عَلَى الحقيقة.
قيل: هَذَا غلط لأن فِي الخبر أنه قَالَ: " فيأتيهم الله فِي غير الصورة التي يعرفونها فيقولون: نعوذ بالله منك، ثم يأتيهم فِي الصورة التي يعرفونها فيقولون: أنت ربنا ويتبعونه " وهذا الفرق بين الصورتين لا يكون عن تغير يقع فِي العين وإنما يكون عن تميز صحيح.
فإن قيل: لا بد من حمل الخبر عَلَى نوع مما ذكرنا لاستحالة أن يكون الله سُبْحَانَهُ عَلَى صور كثيرة يجهلونه مرة ويعرفونه أخرى، أو يكون ممن يحل الصور فتنتقل الصور به لاستحالة أن يكون حالا أو محلا للصور أو مصور، فلم يبق إلا
стр. 109
أن يكون تغير الصور راجعا إلى الملك والفعل، أو تكون الصورة بمعنى الصفة كما يَقُول القائل: عرفني صورة هَذَا الأمر أي صفته فيحصل تقدير ما يظهر لهم من بطشه وشدة بأسه يوم القيامة وقد عرفوه حليما غفارا كريما، فيظهر لهم منها قولا: " أنا ربكم " فيقولون عند ذَلِكَ: " نعوذ بالله منك مستعيذين بالله، هَذَا مكاننا حتى يأتينا " بمعنى حتى يظهر رحمته وكرمه، فيأتيهم بعد ذَلِكَ فِي الصورة التي يعرفونها من العفو والمغفرة.
قيل: هَذَا غلط لأنه لا يجب حمله عَلَى شيء مما ذكروه لأنا نطلق صفة الأتيان لا عن انتقال، ونطلق الصورة لا عَلَى وجه التشبيه، كما أطلقنا تسمية نفس وذات ووجه ويد.
أما تغير الصورة فليس بتغير، لأنه لا يمتنع أن يكون جميع ذَلِكَ صفات له يحجبهم عن النظر إلى شيء منها فِي حال، ويريهم إياها فِي حال أخرى، كما جاز أن يريهم ذاته فِي حال ويمنعهم ذَلِكَ فِي حالة أخرى، وإذا كان كذلك لم يجز منه ما قالوه من تغير الصور عليه.
وأما حمله عَلَى الملك والفعل فقد أفسدناه من الوجوه التي تقدمت، وكذلك حمل الصورة عَلَى الصفة لا يصح لما ذكرنا وهو أن فِي الخبر " فيأتيهم فيتبعونه " وهذا لا يصح فِي الملك.
والثاني: أنه لو جاز تأويله عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله: " ترون ربكم ".
والثالث: أن النبي، ﷺ ، تكلم بهذا فِي جواب سؤالهم عن رؤية الله فِي الآخرة اهـ.
стр. 110
إثبات صفة الساق لربنا سُبْحَانَهُ
حديث آخر فِي هَذَا المعنى
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، فَقَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأَجْدَعِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، قَالَ: " يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ " وَذَكَرَ الْخَبَرَ إِلَى أَنْ قَالَ: " وَيَنْزِلُ اللَّهُ، ﵎، فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الْكُرْسِيِّ " إِلَى أَنْ قَالَ: " فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الرَّبُّ، ﵎، فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: مَا لَكُمْ لا تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: لَنَا إِلَهٌ مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ، فَيَقُولُ: وَهَلْ تَعْرِفُونَهُ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلامَةً، إِذَا رَأَيْنَاهَا عَرَفْنَاهُ، قَالَ: فَيَقُولُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: يُكْشَفُ عَنْ سَاقِهِ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقِهِ، قَالَ: فَيَخِرُّ مَنْ كَانَ بِظَهْرِهِ طَبَقٌ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَأَنَّهَا صَيَاصِي الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ" وَذَكَرَ الْخَبَرَ بِطُولِهِ
следующие страницы →