١٦-الحي (١) : الذي لا يموت ولم تسبق حياته بالعدم ولم تعقب بالفناء.
١٧-القيوم: القيوم بنفسه القيوم لِغَيْرِهِ، فَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا وَلَا قِوَامَ لَهَا إِلَّا بِهِ وَلَا قوام لها بدون أمره.
وقد جمع الله تَعَالَى بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ (الْحَيِّ الْقَيُّومِ) فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ:
الْأَوَّلُ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ في سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحي القيوم﴾ (٢) .
الثَّانِي: أَوَّلُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿الم *اللَّهُ لا إله إلا هو الحي القوم﴾ (٣) .
الثَّالِثُ: فِي سُورَةِ طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ القيوم﴾ (٤) .
وعن أبي أمامة مرفوعاً: (اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ: سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عمران وطه) (٥) .
стр. 37
١٨-الإرادة: والحديث عن هذه الصفة يتضمن أمرين:
الأول: إثبات صفة الإرادة له تعالى.
والثاني: أنه لا يكون إلا ما يريد، فهو سبحانه منفرد بالإرادة، فلا مشيئة ولا إرادة بعد مشيئته، والمراد بالإرادة هنا الإرادة الكونية القدرية.
فمن أدلة الأول قوله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿نصيب برحمتنا من نشاء﴾ (٣) .... وغير ذلك من الآيات.
ومن أدلة الثاني قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) ، وقوله
стр. 38
﴿وما يذكرون إلا أن يشاء الله﴾ (١) فَلَا مُرَادَ لِأَحَدٍ مَعَهُ وَلَا إِرَادَةَ لِأَحَدٍ إلا بعد إرادته أي الكونية، فالإرادة المثبتة لله تعالى قسمان، كونية لا يمكن أن يحدث خلافها، وشرعية جعل للعبد فيها اختياراً، فهو سبحانه أراد الفسق كوناً وقدراً لم يرده شرعاً، أما الخير فأراده كوناً وشرعاً.
وهنا مسألتان تتعلقان بالكلام عن الإرادة:
١-من انفراده تعالى بالإرادة أن يهدي من يريد ويضل من يريد، ولكنه سبحانه لا يظلم أحداً، فهدايته للعبد وإسعاده فضل ورحمة وإضلاله وإبعاده عدل وحكمة، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْهِدَايَةِ فَيَهْدِيهِ وَمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْإِضْلَالِ فَيُضِلُّهُ وَهُوَ أَحْكَمُ الحاكمين.
٢-قد يقول قائل: إذا كان الله يكره السيئات فلم قدر وجودها؟ وهل يأتي المكروه بمحبوب؟
والجواب:
أولاً: ينبغي للسائل البحث في غير هذا مما يهم فإن الاعتراض على أفعاله تعالى كالاعتراض على أسمائه وصفاته، فهو سبحانه له صفات الكمال وأفعال الكمال وأفعال الكمال لحكمة بالغة ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٢) .
ثانياً: لو لم يقدر الله السيئات لجبر عباده كلهم على الإيمان، ولما كان هناك فريقان أحدهما يستحق الجنة والآخر يستحق النار، ولانتفت حكمة الله من ابتلاء العباد في هذه الحياة، وهو سبحانه لم يرد هذه السيئات شرعاً بل نفر من عنها وإنما شاء وقوعها في الكون مشيئة قدرية يتحقق بها عدل الله تعالى ويكون من ورائها الخير.
стр. 39
وهنا تأتي الإجابة على السؤال الخير، فنقول نعم، قد تأتي السيئة المكروهة التي قدرها الله بالخير، فإنه سبحانه ليس فيما قدره شر أبداً، وإنما الشر الذي أوجده الله هو شر من ناحية إضافته للعبد لا من جهة إضافته لله، فعلى سبيل المثال، قد يترتب على وقوع السيئات من محاب الله ومرضاته ما هو أعلم به فِي حَقِّ فَاعِلِهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالْإِذْعَانِ وَالِاعْتِرَافِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَالْخَوْفِ مِنْ عِقَابِهِ وَرَجَاءِ مَغْفِرَتِهِ وَنَفْيِ الْعَجَبِ الْمُحْبِطِ لِلْحَسَنَاتِ عَنْهُ وَدَوَامِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ وَتَمَحُّضِ الِافْتِقَارِ وَمُلَازَمَةِ الِاسْتِغْفَارِ وغير ذلك من الفرائض المحبوبة للرب ، ولذا جاء في الْحَدِيثِ: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَأَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) (١) ففي فعل هذه الأمور المحبوبة غَايَةُ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ وَسَعَادَتِهِ وَفَلَاحِهِ، وَإِنْ لَمْ يقع من ذَلِكَ فَلِخُبْثِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ صَلَاحِيَتِهَا لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى ومجاورة المولى وحينئذ يأتي الخير الثاني، وهو ما يترتب من فَرَائِضُ اللَّهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ مِنْ وَظَائِفِ الرُّسُلِ ﵈، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ الَّذِي هُوَ ذِرْوَةُ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ الخير الثالث، وهو ما يكره الله به أولياءه من الفتح أو الشهادة وغير ذلك كثير من الخير في كل ما قدره الله تعالى، ولكل ذلك لا ينسب الشر إلى الله تعالى وما كان من شر فَمِنْ جِهَةِ إِضَافَتِهِ إِلَى فِعْلِ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا معصية مذمومة مكروهة للرب غير محبوبة، ونسبة الخير لله وعدم نسبة الشر إليه معروف في كثير من الآيات والأحاديث ومن ذلك على سبيل المثال ما ذكره الله من قول الْجِنِّ ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الأرض أم أراد بهم
стр. 40
ربهم رشدا﴾ (١)
فذكروا الرب عند الرشاد والخير فقالوا: ﴿أم أراد بهم ربهم﴾ أما حينما ذكروا الشر قالوا: ﴿أشر أريد بمن في الأرض﴾ ولم يقولوا: (أشر أراده الله بمن في الأرض) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دعائه في افتتاح صلاة الليل: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) (٢) أي لا يضاف إليه سبحانه لوجه مِنَ الْوُجُوهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ خَالِقَهُ (٣) ،
لِأَنَّهُ ليس شراً من جهة
стр. 41
إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ شَرًّا من جهة إضافته إلى العبد.
١٩، ٢٠ -السمع والبصر: قال تعالى: ﴿إن الله كان سميعاً بصيراً﴾ (١) ،. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (٣)
وقال : ﴿كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون﴾ (٤) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ (٥) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالوا إن الله فقير
стр. 42
ونحن أغنياء﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٢) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ (٣) فسبحان من وسع سمعه الأصوات، وأحاط بصره بجميع المبصرات، سَمْعٌ لا كسمعنا، وبصر لا كبصرنا، بل له الكمال المطلق الذي يليق به تعالى، فعائشة ﵂ -كما في صحيح البخاري - لا تسمع ما تقوله المجادلة وهي في ناحية البيت والله تعالى يسمعها من فوق عرشه من فوق سبع سماوات.
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، ومع ذلك ضلت الجهمية فلم يثبتوا لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا وَلَا صِفَةً مِمَّا سَمَّى مما سمى ووصف به نفسه وَأَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَا يُثْبِتُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البصير، ولا أنه يسمع ويرى بسمع وببصر، فِرَارًا - بِزَعْمِهِمْ - مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْمَخْلُوقِينَ، فَنَزَّهُوهُ عَنْ صفات كماله التي وصف نَفْسَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَشَبَّهُوهُ بِالْأَصْنَامِ التي لا تسمع ,لا تبصر، قال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ ولا يغني عنك شيئاً﴾ (٤) فالجهمية أثبتت حجة لعباد الأصنام وجواباً لإنكار خليل الرحمن وجميع رسله، فَكَانَ لِلْكُفَّارِ أَنْ يَقُولُوا: وَمَعْبُودُكُمْ أَيْضًا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الكافرون والظالمون عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ، بَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ، وَأَطْرَدُوا جَمِيعَ أَسْمَائِهِ هَكَذَا، فَأَثْبَتُوا أَسْمَاءً وَنَفَوْا مَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي: وَقَوْلُهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ الجهمية، مخالف كل منهما الكتاب والسنة والعقول الصحيحة، فهؤلاء المعتزلة جعلوا أسماء الله بلا
стр. 43
دلالة كأسماء المخلوقين، فيسمى فلان كريماً وهو بخيل، ويسمى شجاعاً وأسداً وهو جبان وهكذا.
٢١-العلم: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مبين﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض والله بكل شيء عليم﴾ (٢) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصدور﴾ (٣) فأين يذهب الخلق؟! وأين يستترون بمعايبهم، بل أين يستترون بمشاعرهم وأفكارهم..اللهم اغفر لنا وارحمنا وارزقنا التوبة والإنابة يا عليم يا حكيم.
٢٢-الغني: فهو بذاته سبحانه، مستغن عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه ﴿يا أيها النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغني الحميد﴾ (٤) ﴿والله الغني وأنتم الفقراء﴾ (٥) ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يفقهون﴾ (٦) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المتين﴾ (٧) فهو الرزاق الغني وما سواه مرزوق فقير، وهو سبحانه لا ينتفع من خلقه بشيء ولكنه يريد نفعهم، ولا يضره خلقه بشيء وإنما يضرون أنفسهم، ففي الحديث القدسي في صحيح مسلم: (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، ولن
стр. 44
تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قلب راجل وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صعيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فأعطيت كل واحد مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يلومنَّ إلا نفسه) .
٢٣-الكلام: فالله تعالى لم يزل متكلماً بمشيئته وإرادته بما شاء وكيف شاء بكلام حقيقي - كم سيأتي في الحديث أنه ينادي بصوت - ويسمعه من يشاء من خلقه، فكلامه قول حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، وكلامه تعالى صفة من لوازم ذاته أزلية بأزليته، باقية ببقائه ـ ولا تنفد صفة كان متصفاً بها. فكلماته تعالى لا تنفد، وفيما يلي الأدلة على ما ذكرنا:
١-قال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ (١) .
٢-قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ (٢) .
٣-قال تعالى: ﴿قال يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وبكلامي﴾ (٣)
٤-قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لنفذ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جئنا بمثله مدداً﴾ (٤) .
فالسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق، وصوت القارئ مخلوق ولكن المتلو غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْكِتَابَةُ مَخْلُوقَةٌ وَالْمَكْتُوبُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
أما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلٍ شاعر ... ﴾ (١) فالمراد من إضافة القول إليه ﵊ هو التبليغ، لأن من حق الرسول ﷺ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ، لَا أَنَّ الْقُرْآنَ كلام الرسول، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ (٢) ، ومثل ذلك إضافته إلى جبريل ﵇ في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذي العرش مكين﴾ (٣) فهذه الإضافة كذلك باعتبار تبليغه القرآن لمحمد ﷺ وكل عاقل يفهم ذلك فكيف يكون القرآن قول محمد ﷺ ومرة قول جبريل؟! بل هو قوله تعالى خرج منه، وهو قول جبريل ومحمد ﷺ بعد ذلك باعتبار التبليغ. ولأن القرآن خرج منه تعالى فيستحيل أن يكون مخلوقاً، لأنه محالٌ أن يكون شيء منه تعالى مخلوقاً.... فالقرآن كلام الله؛ وكلام الله صفته تعالى غير مخلوقة (٤) .
* حكم من قال بخلق القرآن:
انعقد إجماع سلف الأمة على تكفير من قال بخلق القرآن، فمن قال بذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل مرتداً بعد إقامة الحجة عليه.
-قال الإمام أحمد: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَهُوَ عِنْدَنَا كَافِرٌ.
-وقال ابن المبارك: من قال: القرآن مخلوق، فهو زنديق.
стр. 47
-وقال سفيان بن عيينة: من قال: القرآن مَخْلُوقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ فهو كافر.
-وسئل وكيع عن ذبائح الجهمية -وذلك أنهم يقولون بخلق القرآن - فقال: لا تؤكل، هم مرتدون.
* أصل القول بخلق القرآن .
-مصدر ذلك لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ (١) ، وأخذ عن هذه الباعة ابن أخته طالوت وعن طالوت بيان بن سمعان وعن بيان الجعد ابن درهم في أيام بني أمية، فطلبه بنو أمية فهرب في الكوفة وسكنها ولقيه هناك الجهم بن صفوان حيث أخذ عنه ذلك ولم يكن له كثير أتباع غيره.
-ولم يشتهر القول بخلق القرآن أيام الجعد حيث أن أمير الكوفة خالد بن عبد الله القسري سرعان ما قتله حيث خطب يوم عيد الأضحى بالكوفة ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزله فذبحه في أصل المنبر، وذلك سنة ١٢٤هـ. روى ذلك البخاري في كتاب خلق أفعال العباد.
-وَأَوَّلُ مَا اشْتَهَرَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فِي آخر عصر التابعين على يد جهم ابن صفوان، وكان ملحداً زنديقاً لا يُثْبِتْ أَنَّ فِي السَّمَاءِ رَبًّا وَلَا يَصِفُ الله بشيء مما وصف به نفسه، وينتهي قول إلى جحود الخالق، ترك الصلاة أربعين يوماً وهو يزعم أنه يرتاد ديناً، ولما ناظره البعض في معبود قال: هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَافْتَتَحَ مَرَّةً سُورَةَ طه فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الآية: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٢) قال: لو وجدت السبيل إلى حكمها لحككتها، ثم افتتح
стр. 48
سُورَةَ الْقَصَصِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ مُوسَى جَمَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ الْمُصْحَفَ ثُمَّ قال: أي شيء هذا ذكره ها هنا فلم يتم ذكره، وذكره ها هنا فلم يتم ذكره ... إلى آخره من هذه الكفريات الدالة على سوء اعتقاده. وذبحه سالم بن أحوذ بأصبهان وقيل بمرو.
-وأخذ هذا المذهب عن الجهم: بشرُ بن أبي كريمة المريسي شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَحَدُ مَنْ أَضَلَّ الْمَأْمُونَ وَجَدَّدَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَبَاهُ كَانَ يهودياً، ومات سنة ١٢٨هـ، وعن بشر أخذه قاضي المحنة أحمد بن أبي دُؤاد وأعلن به وَحَمَلَ السُّلْطَانَ عَلَى امْتِحَانِ النَّاسِ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَكَانَ بِسَبَبِهِ مَا كَانَ عَلَى أَهْلِ الحديث من الفتنة، ومات سنة ٢٤٠هـ.
* اللفظية وحكمهم:
-اللفظية هم الذين يقولون لفظي بالقرآن مخلوق.
أما السؤال الذي يسأله البعض: هل لفظي بالقرآن مخلوق أم لا؟ فهذا السؤال بدعة، ولا يجاب عنه بنفي ولا إثبات لأن اللفظ يتركب من شيئين:
الأول: الْمَلْفُوظُ بِهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وَلَا مَقْدُورًا لَهُ.
وَالثَّانِي: التلفظ وهو فعل العبد وكسبه وسعيه.
-فمن قال لفظي بالقرآن مخلوق جعل كلامه تعالى مخلوقاً لأنه داخل في اللفظ، ومن هنا اشتهر عن السلف كأحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث أن اللفظية جهمية. ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، كان مبتدعاً بدعة من بدع الاتحادية (١) حيث أن تلفظ العبد الذي هو فعله داخل في اللفظ، فهذا
стр. 49
المبتدع خلط المخلوق بالخالق وجعل تلفظ العبد الذي هو فعله غير مخلوق ، وَلَوْ كَانَ الصَّوْتُ هُوَ نَفْسَ الْمَتْلُوِّ الْمُؤَدَّى بِهِ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الِاتِّحَادِ لَكَانَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ الْقُرْآنَ مِنْ أَيِّ تالٍ وَبِأَيِّ صوت كليم الرحمن، فلا مزية لموسى على غيره....
* الواقفة وحكمهم:
الواقفة هم الذين يقولون في القرآن لا نقول هو كلام الله ولا نقول مخلوق.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُحْسِنُ الْكَلَامَ فَهُوَ جَهْمِيٌّ - لأنه في حقيقة الأمر لم يؤمن بأن القرآن منزل ومن كلامه - تعالى ومن كان لا يحسنه بل كان جاهلاً بَسِيطًا فَهُوَ تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ فإن تاب وآمن بأنه كلام الله تعالى غير مخلوق وإلا فهو شر من الجهمية.
* الطوائف المخالفة لأهل السنة في كلام الله تعالى (١) :
١-الاتحادية القائلون بوحدة الوجود: ذهبوا إلى أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُ اللَّهِ حقه وباطله، وحسنة وقبيحة، والسب والفحش والشتم وأضداده كله عين كلام الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً؟
٢-الفلاسفة: ويقولون أن كلامه تعالى فيض فاض منه على نفس زكية شريفة فَأَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ الْفَيْضُ تَصَوُّرَاتٍ وَتَصْدِيقَاتٍ بِحَسَبِ ما قبلته منه، فتتصور الملائكة تخاطبها وتسمع خطابهم، وَهُوَ عِنْدَهُمْ كَلَامُ اللَّهِ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ وإنما ذلك من القوة الخيالية الوهمية. وهذا كلام الفارابي وابن سينا والطوسي وغيرهم وينسبون ذلك إلى أرسطو.
٣-الجهمية: نفاة صفات الرب تعالى، قالوا: إن كلامه مخلوق.
стр. 50
٤-الْكُلَّابِيَّةِ أَتْبَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كلاب: قالوا: إن القرآن معنى قديم لازم بذات ارب كلزوم الحياة والعلم وأنه لا يسمع منه على الحقيقة بل المسموع حروف وأصوات مخلوقة منفصلة عن الرب دالة على ذلك المعنى القديم وهو القرآن وهو غير مخلوق.
٥-مذهب الأشاعرة (وهو مذهب الأشعري (١)
قبل رجوعه لمذهب أهل السنة) : وهؤلاء عندهم أن القرآن معنى قائم بذات الرب، أما الألفاظ فمخلوقه، وذلك الكلام العربي لم يتكلم الله به ولم يسمع منه، أما المعنى فسمع منه حقيقة، وهذا من عجائبهم وافتراضاتهم المستحيلة إذ أنهم يعقلون إدراك الشيء بالحواس على وجوده، فَكُلُّ وُجُودٍ يَصِحُّ تَعَلُّقُ الْإِدْرَاكَاتِ كُلِّهَا بِهِ لذا يجعلون المعنى مسموعاً حقيقة دون أن يكون هنالك كلام ..
وكذلك قولهم في رؤية الله تعالى أن الرؤية هي رؤية لمن ليس في جهة
стр. 51
الرَّائِي وَأَنَّهُ يُرَى حَقِيقَةً وَلَيْسَ مُقَابِلًا لِلرَّائِي (١)
وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ تَصَوُّرَ هَذَا الْمَذْهَبِ كاف: إِنَّ تَصَوُّرَ هَذَا الْمَذْهَبِ كَافٍ فِي الْجَزْمِ ببطلانه وهو لا يتصور المستحيلات الممتنعات.
٦-مذهب الكرامية (أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام) : وهؤلاء أثبتوا لله كلاماً حقيقة متعلقاً بالمشية والقدرة قائماً بِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَهُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مَسْمُوعَةٌ إلا أنهم قالوا: هو حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُتَكَلِّمٌ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ متكلماً تعالى الله عن هذا الباطل.
٧-مَذْهَبُ السَّالِمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الأربعة ومن أهل الحديث: وهؤلاء يقولون: إن كلامه تعالى صفة قديمة بذات الرب تعالى لم يزل ولم يزال، ولا يتعلق بمشيئته وقدرته وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ وَسُوَرٌ وَآيَاتٌ سمعه جبريل ﵇ منه وسمعه موسى ﵇ منه بلا واسطة ويسمعه سبحانه من يشاء، وَمَعَ ذَلِكَ فَحُرُوفُهُ وَكَلِمَاتُهُ لَا يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
بَلْ هِيَ مُقْتَرِنَةٌ الْبَاءُ مَعَ السِّينِ مَعَ الْمِيمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ مَعْدُومَةً فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَلَا تُعْدَمُ بَلْ لَمْ تَزَلْ قَائِمَةً بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ قيام صفة الحياة والسمع والبصر نظراً لما في هذا المذهب المنتشر -حتى بين الفضلاء- من المستحيلات والغرائب التي لا تفهم قال جمهور العقلاء: إن تصوره كافٍ فِي الْجَزْمِ بِبُطْلَانِهِ، وَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْأَدِلَّةُ القطعية شاهدة ببطلان كافٍ فِي الْجَزْمِ بِبُطْلَانِهِ، وَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ شَاهِدَةٌ بِبُطْلَانِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا وَأَنَّهَا مخالفة لصريح العقل والنقل.
* تلخيص عقيدة أهل السنة والجماعة في كلامه تعالى:
عقيدتهم في ذلك أنه لم يزل متكلماً بصوت إذا شاء، فكلامه بمشيئته من لوازم ذاته المقدسة من لوازم ذاته المقدسة، ويُسمَع كلامه منه سبحانه تارة بلا واسطة كما
стр. 52
سمعه جبريل وموسى ﵍، وكما يكلم عباده يوم القيامة وكما يكلم أهل الجنة، ويُسمَع تارة عن الْمُبَلِّغُ عَنْهُ، كَمَا سَمِعَ الْأَنْبِيَاءُ الْوَحْيَ مِنْ جبريل ﵇ تبليغاً عن الحق ﵎، وَكَمَا سَمِعَ الصَّحَابَةُ الْقُرْآنَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ اللَّهِ فَسَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ وَكَذَلِكَ نَسْمَعُ نَحْنُ بِوَاسِطَةِ التَّالِي، فَإِذَا قِيلَ: الْمَسْمُوعُ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ قِيلَ: إِنْ أَرَدْتَ الْمَسْمُوعَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْمَسْمُوعَ مِنَ الْمُبَلِّغِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ: إِنْ سَأَلْتَ عَنِ الصَّوْتِ الَّذِي رُوِيَ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ فهو مخلوق، وإن سألت عن الكلام المروي بذلك الصوت فهو غير مخلوق، فالتلفظ الذي هو فعل العبد مخلوق، والملفوظ به كلام الله منزل غير مخلوق والله تعالى أعلم.
٢٤-النزول:
فمما يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِثْبَاتُهُ وَإِمْرَارُهُ كَمَا جَاءَ صفة النزول للرب تعالى كما أتت به الأحاديث الصحيحة من نزوله تعالى للسماء الدنيا في ثلث الليل الآخر من كل يوم وعشية عرفة (١) . ففي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأستجب لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ له) .
فيجب الإيمان بما في هذه الأخبار من ذكر نزوله تعالى مِنْ غَيْرِ أَنْ نَصِفَ الْكَيْفِيَّةَ لِأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ لَمْ يَصِفْ كَيْفِيَّةَ نزول خالقنا سبحانه إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ، وَاللَّهُ جلا وَعَلَا لَمْ يَتْرُكْ - وَلَا نَبِيُّهُ ﷺ بيان ما بالمسلمين
стр. 53
إليه حاجة مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، فَنَحْنُ قَائِلُونَ مُصَدِّقُونَ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنْ ذِكْرِ النُّزُولِ كَمَا يَشَاءُ رَبُّنَا وَعَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ غير مكلفين القول بصفته أو بصف الكيفية، بل نقف عند النصوص لا نعدوها ولا نقصر عنها، وقد تكلف جماعة فخاضوا في معنى ذلك، وفي الانتقال أو عدمه وفي خلو العرش منه سبحانه نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَذَلِكَ تَكَلُّفٌ مِنْهُمْ وَدُخُولٌ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّكْيِيفِ لَمْ يَأْتِ فِي لَفْظِ النُّصُوصِ وَلَمْ يَسْأَلِ الصَّحَابَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حِينَ حَدَّثَهُمْ بِالنُّزُولِ، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ ونصدق به كما آمنوا وصدقوا، فإن قال مُتَنَطِّعٌ: يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ كَذَا كَيْتَ وَكَيْتَ، قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ لَا تُلْزِمُنَا نَحْنُ فِيمَا تَدَّعِيهِ وَإِنَّمَا تُلْزِمُ قَائِلَ ذَلِكَ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لِمَا قَالَهُ حَقِيقَةً وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، إِذْ لَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يكن ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ فَأَنْتَ مُعْتَرِضٌ عَلَى النَّبِيِّ =ما قَالَهُ حَقِيقَةً وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، إِذْ لَازِمُ الحق حق، وإن لم يكن ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ فَأَنْتَ مُعْتَرِضٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَاذِبٌ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمٌ بين يديه، فخير لك عدم الخوض فيما لا تعلمه، ونحن لا نعلم كيفية صفاته تعالى فلا نستطيع أن نجعل لوازمها في حق البشر لازمة في حقه تعالى.
٢٥-إثبات أنه تعالى يرى في الآخرة الجنة:
-قال تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْكُفَّارِ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ (٢) ، وقال تعالى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (٣) والمراد بالزيادة رؤيته تعالى كما سيأتي في الحديث الصحيح إن شاء الله تعالى.
-وأما الأدلة من السنة، فمنها ما رواه مُسْلِمٍ عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ :
وأما المنقول عن الصحابة في ذلك فمنه أن أبا بكر ﵁ قرأ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١) فَقَالُوا مَا الزِّيَادَةُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ ﵎ (٢) . وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الله ﵎ في جنته.
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كُلُّ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَرَى رَبَّهُ ؟ قال: نعم.
-وأما المنقول عن التابعين فمنه ما نقل عن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي ليلى وعكرمة ومجاهد وقتادة والسدي وكعب وغيرهم رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ .
-وأما طبقة الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة والعلماء فقد نقل عن مالك ابن أنس ﵀ أنه قال: النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْيُنِهِمْ وَسُئِلَ ﵀ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا ناظرة﴾ (٣) أَتَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قال أشهب: إِنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ: تَنْظُرُ مَا عِنْدَهُ قَالَ: بل تنظر إليه نظراً. وقال الأوزاعي ﵀: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْجُبَ اللَّهُ جَهْمًا وَأَصْحَابَهُ عَنْ أَفْضَلِ ثَوَابِهِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ حِينَ يَقُولُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فَجَحَدَ جَهْمٌ وَأَصْحَابُهُ أَفْضَلَ ثَوَابِهِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلِيَاءَهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الجنة فهو جهمي. وقال الشافعي ﵀ وَقَدْ جَاءَتْهُ رُقْعَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ فِيهَا: مَا تَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿كَلَّا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ (٤) ؟ فقال ﵀: لما أن حجب
стр. 56
هَؤُلَاءِ فِي السُّخْطِ كَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ على أن أولياءه يرونه في الرضا. وقال المزني: سمعت الشافعي يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ : فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ ﵎ يوم القيامة.
وسئل أحمد ﵀: أَلَيْسَ رَبُّنَا ﵎ يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ أَلَيْسَ تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ أَحْمَدُ: صَحِيحٌ. وقال ﵀ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وَلَا يَكُونُ حِجَابٌ إِلَّا لِرُؤْيَةٍ، أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ من شاء الله ومن أراد أن يراه والكفار لا يرونه.
*بيان أنه لا تعارض بين ما ثبت في رؤية الله وقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ (١) أو قوله لموسى ﴿لن تراني﴾ (٢) :
لا منافاة بين الرؤية المثبتة وبين هاتين الآيتين، فإن الإدراك غير الرؤية، فالإدراك يعني الإحاطة، أما الله تعالى فلا تحيط به الرؤية كما لا يحيط به العلم ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ (٣) ، وإن كان سبحانه يرى في الجنة. والبعض يجعل قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ بمعنى لا تراه، أي في الدنيا (٤) . أما قوله تعالى لموسى لما قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تراني﴾ فهذا في الدنيا وإلا
стр. 57
لقال إني لا أرى (١)
ولا يمكن حمل الآية على غير ذلك وإلا ضربنا القرآن بعضه بعض، فقد سبق قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا ناظرة﴾ وقوله : ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ وتفسير النبي ﷺ وصحابته لها بالرؤية وقوله تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وهذا بالإضافة إلى الأحاديث الصحيحة التي أثبتت الرؤية بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل.
٢٦-إثبات كل ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ غير ما سبق كما في الأمثلة التالية من الآيات والأحاديث:
١-قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (٢) ، وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذو الجلال والإكرام﴾ (٣) .
٢-قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ (٤) .
٣-قوله تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ (٥) ، وقوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم
стр. 58
ربك فإنك بأعيننا﴾ (١) .
٤-قوله تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ (٣) .
٥-قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المتقين﴾ (٤) ، وقوله: ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ (٥) .
٦-قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة..﴾ (٦) .
٧-قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ (٧) .
٨-قوله تعالى: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾ (٨) .
٩-قوله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء﴾ (٩) ، والذي يبين أن المراد أنه كتبها بيده قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ احْتِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى: (فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى اصطفاك الله بكلامه وخط له التوراة بيده) متفق عليه. وفي إثبات الكتابة أيضاً قوله ﷺ : (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
стр. 59
١٠-قوله ﷺ : (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل) رواه البخاري وأحمد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁.
١١-قَوْلُهُ ﷺ (يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ..) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
١٢-قوله ﷺ : (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِذَا شَاءَ أن يزيغه أزاغه) رواه الشيخان وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂.
١٣-قوله ﷺ : (أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ ما ظهر منها وما بطن ... ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
فكل ما ذكر من الآيات والأحاديث السالفة نثبته ونؤمن به دون تكييف ولا تأويل بل تمر كما جاءت معتقدين معناها ولا نقع في تلك التأويلات الباطلة التي لا يدل عليها دليل وليس للعقل فيها مجال.
١٠-أمثلة لبعض التأويلات المنحرفة التي لجأت إليها الفرق المخالفة لأهل السنة حين تعرضوا لأسماء الله تعالى وصفاته:
١-سبق الرد على زعمهم أن قوله تعالى: ﴿لاتدركه الأبصار﴾ أي لا تراه العيون في الدنيا ولا في الآخرة، وزعمهم أن قوله تعالى لموسى: ﴿لن تراني﴾ هو لنفي الرؤية في الدنيا والآخرة.
٢-كما سبق الرد على تأويلهم ﴿إلى ربها ناظرة﴾ أي إلى ما عنده، وبعضهم أولوه بالانتظار كقوله: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ (١) فيقال لهم: إذا كان كذلك لم يحتج إلى أداة ولكنه عداه بإلى
стр. 60
الَّتِي تُفِيدُ الْمُعَايَنَةَ بِالْبَصَرِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ اللغة، ويضاف إلى ذلك أنه نسب النظر للوجوه التي فيها الأبصار.
٣-كما سبق
تأويلهم الاستواء بالاستيلاء والرد عليه.
٤
- تأويلهم قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ (١) :
قال أحدهم: إن التكليم من موسى ﵇ وَأَنَّ لَفْظَ الْجَلَالِةِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ فِرَارًا مِنْ إِثْبَاتِ الْكَلَامِ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ عُرض ذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرِ بن عياش فقال: مَا قَرَأَ هَذَا إِلَّا كَافِرٌ، قَرَأْتُ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَلَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ يَعْنِي بِرَفْعِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَهُوَ مجمع عليه بين القراء. وَرَوَى ابْنُ كَثِيرٍ (٢) أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: وكيف تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ؟ الْأَعْرَافِ: ١٤٣. يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَا يقبل التحريف ولا التأويل.
٥-تأويلهم نَفْسَهُ تَعَالَى بِالْغَيْرِ وَأَنَّ إِضَافَتَهَا إِلَيْهِ كَإِضَافَةِ ناقة الله وبيت اللَّهِ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ (٣) أي غيره، وقوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ (٤) أي على غيره، وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نفسك﴾ (٥) أي
стр. 61
ولا أعلم ما في غيرك، وقوله تعالى لموسى ﵇: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾ (١) أي واصطنعتك لغيري، وهذا لا يقوله عاقل.
٦-تأويلهم وجهه تعالى بنفسه مع جحودهم لها كما تقدم، وهذا التناقض يكفي عن الرد عليهم، ولجأ بعضهم إلى القول بأن (وجه الله) من باب المجاز كقولك (وجه الكلام) و (وجه الدار) ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ الثَّوْبُ وَالدَّارُ وَالْكَلَامُ مَخْلُوقَاتٍ كُلَّهَا، وَقَدْ شَبَّهْتَمْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ؟ فأين الفكاك والخلاص.
٧
- تأويلهم اليد بالنعمة ، واستشهدوا على ذلك بِقَوْلِ الْعَرَبِ: (لَكَ يَدٌ عِنْدِي) أَيْ نِعْمَةٌ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ (٢) يَعْنِي نِعْمَتَاهُ، فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ إِلَّا نِعْمَتَيْنِ، والله تعالى يقول: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (٣) ويكون قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ أي بنعمتي، فأي فضيلة لآدم ﵇ على غيره على هذا التأويل؟ ولم يقول له الناس في الموقف حين يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله لفصل القضاء: (أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ..) والحديث متفق عليه، وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ بِنِعْمَتِهِ. وماذا يقولون في قوله تعالى: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ (٤) ؟ هل المراد مَطْوِيَّاتٌ بِنِعْمَتِهِ؟ فَهَلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ؟ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بِقُوَّتِهِ، اسْتِشْهَادًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بنيناها بأيد﴾ (٥) أَيْ بِقُوَّةٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ كُلُّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ؟ فَعَلَى هَذَا مَا مَعْنَى قوله عز
النَّحْلِ مَجِيءَ مَلَائِكَتِهِ وَمَجِيءَ أَمْرِهِ (١) ، وَذَكَرَ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ إِتْيَانَهُ وَإِتْيَانَ مَلَائِكَتِهِ وَإِتْيَانَ بَعْضِ آيَاتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَمْرِهِ (٢) .
ثُمَّ يُقَالُ لهم: مَا الَّذِي يَخُصُّ إِتْيَانَ أَمْرِهِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ أليس أمره آتياً في كل وقت، ومتنزلاً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ خَلْقِهِ فِي كل نفس ولحظة؟!! .
١١-نبذة عن بعض الفرق الملحدة في توحيد المعرفة والإثبات:
أ-الجهمية:
ينسبون لجهم بن صفوان، ظهرت بدعته بترمذ وقتله سالم بن أحوز المزني بمرو في آخر أيام بني أمية، وهؤلاء يقولون بخلق القرآن، وغلوا في التعطيل حتى نفوا الأسماء والصفات جميعاً ولا يثبتون لله تعالى ذاتاً ولا اسماً ولا صفة، هكذا يقول غلاتهم وقد كان قدماؤهم يتحاشون عن التصريح بذلك ويتسترون منه لكن كان أئمة الحديث يتفرسون فيهم فقالوا: إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إله يعبد. ولم يصرح بأن الإله الذي في السماء ليس بشيء إلا ابن سينا تِلْمِيذُ الْفَارَابِيِّ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَرِسْطُو الْيُونَانِيِّ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ الطَّبَائِعِيَّةِ (٣) فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْمُلْحِدُ الْكَبِيرُ نَصِيرُ الشرك الطوسي وأشباهه.
стр. 64
ب- الحلولية:
يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعْبُودَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ وينزهونه عن استوائه على العرش وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ!! وَلَمْ يَصُونُوهُ عَنْ أَقْبَحِ الأماكن وأقذرها، ويشبهون حلوله في العالم بحلول السمن في اللبن، وهؤلاء قُدَمَاءُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ تَصَدَّى لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ الحديث كأحمد ابن حنبل وغيره، ولما حار الجهم حين سئل عن ربه قال: هو هذا الهواء في كل مكان. أما غلاة الجهمية بعد ذلك - كما قدمناه - فيقولون: ليس في داخل العالم ولا خارجه وليس على العرش ولا محايثاً ... الخ، أي أنهم يثبتون عدماً ولا يثبتون له ذاتاً، تعالى الله عن باطلهم، أما الجهمية الأوائل فيجعلون له ذاتاً حالة بكل مكان والأولون والآخرون يشتركون في نفي الأسماء والصفات من السمع والبصر والكلام وغير ذلك من الأسماء والصفات.
جـ- الاتحادية:
وهم القائلون بأن الوجود بأسره هو الحق، وأن جميع الأضداد شيء واحد هو معبودهم وهم طائفة ابن عربي، وأصل هذا المذهب انْتَحَلَهُ ابْنُ سَبْعِينَ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرقوطي نسبة إلى بلدة تدعى رقوطة، ولد سنة ٦١٤هـ وَجَاوَرَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِغَارِ حِرَاءَ يَرْتَجِي الوحي بناء على اعتقاده أن النبوة مكتسبة وأنها فيض من العقل الفعال حيث كان مشتغلاً بالفلسفة، لذا فهذا المذهب متولد من مذهب الفلاسفة، وكان إذا رأى الطائفتين حول البيت يقول كأنهم الحمير حوال الْمَدَارِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ طَافُوا بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ طَوَافِهِمْ بِالْبَيْتِ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ وَفِي أمثاله.
د-القدرية:
وهم نفاة القدر وهم قسمان قسم نفي تقدير الخير والشر بالكلية، وجعل العباد هم الخالقين لأفعالهم خيرها وشرها فأين هؤلاء من إثبات مشيئته وإرادته
стр. 65
عز وجل وأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاءه وقدره، وقسم نفوا تقدير الشر دون الخير، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى مَذْهَبِ الْمَجُوسِ الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ أثبتوا خالقين خالقاً للخير وخالقاً للشر، فحبهم الله تعالى.
هـ-الجبرية:
وهؤلاء يجعلون الإنسان مجبوراً على الخير والشر، فهم في الطرف المضاد للقدرية، وهم لا يثبتون الإرادة الشرعية ويجعلون المعاصي طاعات ويقولون: أطعنا مشيئة الله الكونية فينا، والعجب أن هذا المذهب موروث عن الجهم الذي لا يثبت لله فعلاً، ثم يجعل أفعال العبد هي أفعال الله (١) .
стр. 66
بقيت فرق أخرى كالمرجئة والخوارج والشيعة والصوفية وغير ذلك وهذه الفرق سيأتي الحديث عن كثير منها إن شاء الله تعالى في موضعها في الكلام على الإيمان وغيره من أبواب الدين وسيأتي مزيد حديث عن الفرق السابق ذكرها، وإنما المقصد مما ذكرناه هنا - كما قلنا - كان فيما يتعلق بتوحيد المعرفة والإثبات وهناك أيضاً أسماء أخرى لفرق ملحدة في توحيد المعرفة والإثبات لكنها ترجع إلى هذه الفرق الكبيرة. وهذه الطوائف التي ذكرناها مرجعها إلى ثلاث:
-فالحلولية والاتحادية ومن في معناهما مَرْجِعُهُمْ إِلَى الطَّبَائِعِيَّةِ الدَّهْرِيَّةِ.
-وَالْقَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ بِجَمِيعِ فرقهم مرجعهم إلى المجوس الثنوية، حيث نفى القدرية أن يكون الله هو المتصرف في ملكوته، وهذا راجع لمذهب المجوس الثنوية الذين أثبتوا خالقين للخير وخارقاً للشر قبحهم الله.
-وَالْجَبْرِيَّةُ الْغُلَاةُ مَرْجِعُهُمْ إِلَى النَّزْعَةِ الْجَهْمِيَّةِ الْإِبْلِيسِيَّةِ والله أعلم.
٣- اذكر بعض الأدلة على إثبات صفتي السمع والبصر لله وماذا يترتب على نفيهما من الباطل؟
٤- ما المراد بإثبات صفة الكلام لله وما أدلة أهل السنة والجماعة على ذلك؟
٥- ما عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن؟ وما حكم من قال بخلق القرآن؟
٦- بين أصل القول بخلق القرآن؟
٧- عرف كلاً من اللفظية والواقفة، وما حكم كل منهما؟
٨- اذكر نبذة مختصرة عن الطوائف المخالفة لأهل السنة في كلام الله تعالى؟
٩- ما مذهب أهل السنة في نزوله ﵎ وما دليلهم على ذلك؟
١٠- اذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنة وبعض أقوال الصحابة والعلماء في رؤية المؤمنين لله في الآخرة؟
١١- اذكر بعض الآيات والأحاديث التي تتضمن نسبة بعض الصفات لله غير
ما ذكرنا مشيرًا إلى موضع الشاهد منها؟
١٢- اذكر أمثلة للتأويلات المنحرفة التي لجأت إليها الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة حين تعرضوا لأسماء الله تعالى وصفاته. مبينا الرد عليهم؟
١٣- اذكر نبذة مختصرة عن هذه الفرق فيما يتعلق بإلحادها في توحيد المعرفة والإثبات:
الجهمية-الحلولية-الاتحادية-الفلاسفة-المعتزلة-الأشاعرة-القدرية-الجبرية.
***
стр. 70
الفصل الثاني
في
القسم الثاني من أقسام التوحيد: توحيد الطلب والقصد (توحيد الألوهية) وأنه معنى لا إله إلا الله
١-توحيد الإثبات أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد:
إذا تبين لك أن الله تعالى واحد في ربوبيته وآمنت بذلك وجب عليك على الفور أن توحده وتفرده بالعبادة، فَإِنَّ تَوْحِيدَ الْإِثْبَاتِ هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ عَلَى توحيد الطلب والقصد الذي هو توحيد الألوهية، وَبِهِ احْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي غير موضع على وجوب إفراده تعالى بالألوهية لِتَلَازُمِ التَّوْحِيدَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَهًا مُسْتَحِقًّا لِلْعِبَادَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ خَالِقًا رَازِقًا مَالِكًا مُتَصَرِّفًا مُدَبِّرًا لِجَمِيعِ الْأُمُورِ حَيًّا قَيُّومًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَلِيمًا حَكِيمًا مَوْصُوفًا بِكُلِّ كَمَالٍ مُنَزَّهًا لِجَمِيعِ الْأُمُورِ حَيًّا قَيُّومًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَلِيمًا حَكِيمًا مَوْصُوفًا بِكُلِّ كَمَالٍ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، غَنِيًّا عَمَّا سِوَاهُ، مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ ما عداه، فاعلاً مختراً لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَهَذِهِ صِفَاتُ اللَّهِ ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ، وَلَا يَشْرَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ وَلَا تَجُوزُ لِغَيْرِهِ، فَحَيْثُ كَانَ مُتَفَرِّدًا بِالْخَلْقِ وَالْإِنْشَاءِ وَالْبَدْءِ وَالْإِعَادَةِ لَا يَشْرَكُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَجَبَ إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ دُونَ سِوَاهُ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدٌ كما قال تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فراشاً والسماء بناءًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وانتم تعلمون﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يولج الليل
стр. 71
فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) .
٢-الإقرار لله بالربوبية لا يكفي وحده للدخول في دين الإسلام:
وبيان ذلك أن المشركين كانوا مقرين لله بالربوبية وإنما لم يكونوا مسلمين لعدم إقرارهم له وحده بالألوهية بل اتخذوا معه آلهة أخرى صرفوا لها أنواعاً من العبادة.
قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولون الله فأنى يؤفكون﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قل فأنى تسحرون﴾ (٣) .
فالله تعالى في هذه الآيات ينكر على المشركين إعراضهم عن توحيده تعالى بالعبادة مع إقرارهم له بصفات الربوبية، فعبّاد الأوثان يقرون أن الله هو المنفرد بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالضُّرِّ وَالنَّفْعِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ لَيْسَ إِلَيْهِمْ وَلَا إِلَى أَوْثَانِهِمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بَلْ هُوَ الْخَالِقُ وَمَا عَدَاهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ الرَّبُّ وَمَا عَدَاهُ مَرْبُوبٌ غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهُ مِنْ خَلْقِهِ شُرَكَاءَ سَوَّوْهُمْ بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ تَفَرَّدَ بِهَا، وَقَالُوا لِمَنْ قَالَ لَهُمْ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾ (٤) ومع ذلك كانوا يوحدون الله في
стр. 72
الربوبية والإلهية في الشدة. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إذا هم يشركون﴾ (١) وفي حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِيهِ حُصَيْنٍ قَبْلَ إِسْلَامِهِ: (كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ مِنْ إِلَهٍ) ؟ قَالَ: سَبْعَةَ آلِهَةٍ، سِتَّةً فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ ﷺ : (فَمَنْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ) ؟ قَالَ: الذي في السماء) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٢) .
٣- تلازم أنواع التوحيد وفساده بفساد أحدها:
ما ذكرناه من أن عباد الأوثان مقرون لله بالربوبية وَشَاهِدُونَ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَشْرَكُوا بالله في الإلهية حيث عبدوا معه غيره فهذا في الظاهر، وإلا فأنواع التوحيد متلازمة فمن صرف عبادة كالدعاء لوثن من الأوثان وطلب منه أن يختار له ما فيه مصلحته (يسافر أو لا يسافر، يفعل هذا الأمر أو لا يفعله، هل يضره ذلك الشيء أو لا يضره، ... إلى آخره مما كان يفعله المشركون وينتظرون فيه الجواب من الآلهة المدعاة) فمن فعل ذلك فقد نسب للوثن القدرة وعلم الغيب وما لا يقدر عليه إلا الله، وذلك من خصائص الربوبية، لذا فشركهم هذا في العبادة يتضمن شركاً في الربوبية، وهذا الأمر ظاهر كذلك في عبّاد القبور والأضرحة في كل مكان وزمان يطلبون من معبوداتهم
стр. 73
أموراً لا يقدر عليها إلا الله فعبادتهم أو دعاؤهم لهم شرك في العبادة وكونهم يسألونهم أموراً لا يسألها إلا من له القدرة المطلقة وعلم الغيب والسمع الذي وسع الأصوات كلها شرك في الربوبية.
ولما كان الشرك في العبادة ينظوي على الشرك في الربوبية ولابد كان الاتجاه بالعبادة لا ينبغي إلا لله وكان حقاً له تعالى على عباده، لذلك ورد في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: (يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ من لا يشرك به شيئاً ... ) .
٤-مكانة توحيد الألوهية وعلاقته بشهادة أن لا إله إلا الله وبيان معنى هذه الكلمة:
تظهر المكانة الرفيعة والمنزلة العالية لتوحيد الألوهية أو توحيد العبادة في الأمور التالية:
١-أن الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة هي أصل دعوة الرسل جميعهم، فتوحيد الألوهية هو الذي أرسل الله به رسله جميعهم مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ يَدْعُونَ إِلَيْهِ أَوَّلًا قَبْلَ كُلِّ أَمْرٍ فَلَمْ يَدْعُوا إِلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ، فَهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُهُمْ فِي تَحْدِيدِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ افْتَرَقَتْ أَوِ اتَّفَقَتْ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ ﷺ : (نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلاّت (١) ، دِينُنَا واحد) (٢) .
стр. 74
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ اتِّفَاقِ دعوة الرسل في ذلك فقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدون﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (٢) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يعبدون﴾ (٣) ، وقال تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تتفرقوا فيه﴾ (٤) وهؤلاء المذكورون هم أولو العزم من الرسل وبقية الرسل مثلهم في ذلك.
٢-أن الدعوة إلى توحيد الله بالعبادة هي الدعوة التي من أجلها جردت سيوف الجهاد ودار الصراع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فقد كلف الله تعالى الرسول ﷺ وكذا أمته من بعده بقتال من رفض ذلك التوحيد وتولى عنه. قال تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فقاتلوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كل مرصد﴾ (٥) ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهم﴾ (٦) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ (٧) ، وَقَالَ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى
стр. 75
يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ الحديث في الصحيح. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا قَوْلُ الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ (١) لَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَافِيَةً فِي نَعْشِ الْقُلُوبِ وَتَهْيِيجِ النُّفُوسِ وَتَشْوِيقِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى تِلْكَ الْبَيْعَةِ الرَّابِحَةِ الَّتِي لَا خَطَرَ لَهَا وَلَا يُحَاطُ بعظم فضلها.
٣-أن توحيد الألوهية هو معنى ومضمون شهادة أن لا إله إلا الله، لأن معناها لا معبود بحق إلا الله. فالإله هو المألوه أي المعبود الذي يطاع ويتذلل إليه ويتحبب إليه وتتعلق به القلوب رغباً ورهباً (٢) ،
فظهر بهذا أن هذه الشهادة تقتضي توحديه تعالى - اعتقاداً وقولاً وعملاً - بالألوهية، وأم معناها لا معبود بحق إلا الله، وأما تقدير خبر (لا) المحذوف بموجود