← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وَجَعَلَ قَوْلَهُ «أَنْ يَشَاءَ» فِي مَعْنَى إِنْ شَاءَ ; وَهُوَ مِمَّا حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إِلَّا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ; أَيْ مُتَلَّبِسًا بِقَوْلِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِائَةٍ سِنِينَ) : يُقْرَأُ بِتَنْوِينِ مِائَةٍ. وَ «سِنِينَ» عَلَى هَذَا: بَدَلٌ مِنْ ثَلَاثٍ. وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنْ مِائَةٍ ; لِأَنَّ مِائَةً فِي مَعْنَى مِئَاتٍ. وَيُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ ; وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ ; لِأَنَّ مِائَةً تُضَافُ إِلَى الْمُفْرَدِ، وَلَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْأَصْلِ ; إِذِ الْأَصْلُ إِضَافَةُ الْعَدَدِ إِلَى الْجَمْعِ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ عَلَامَةَ الْجَمْعِ هَنَا جَبْرٌ لِمَا دَخَلَ السَّنَةَ مِنَ الْحَذْفِ ; فَكَأَنَّهَا تَتِمَّةُ الْوَاحِدِ. (تِسْعًا) : مَفْعُولُ «ازْدَادُوا» وَزَادَ مُتَعَدٍّ إِلَى اثْنَيْنِ، فَإِذَا بُنِيَ عَلَى افْتَعَلَ تَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ. (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَوْضِعُهَا رَفْعٌ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: أَبْصَرَ اللَّهُ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَهَكَذَا فِي فِعْلِ التَّعَجُّبِ الَّذِي هُوَ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَاعِلُ مُضْمَرٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: أَوْقِعْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ إِبْصَارًا بِأَمْرِ الْكَهْفِ، فَهُوَ أَمْرُ حَقِيقَةٍ. (وَلَا يُشْرِكُ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ. وَبِالتَّاءِ عَلَى النَّهْيِ ; أَيْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ. قَالَ تَعَالَى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)) .

стр. 842

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاصْبِرْ) : هُوَ مُتَعَدٍّ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ: احْبِسْ، وَ «بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ» : قَدْ ذُكِرُوا فِي الْأَنْعَامِ. (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْعَيْنَيْنِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: تُعَدِّ عَيْنَيْكَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ ; أَيْ لَا تَصْرِفْهَا. (أَغْفَلْنَا) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِسْكَانِ اللَّامِ، وَ «قَلْبَهُ» بِالنَّصْبِ ; أَيْ أَغْفَلْنَاهُ عُقُوبَةً لَهُ، أَوْ وَجَدْنَاهُ غَافِلًا. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ اللَّامِ، «وَقَلْبُهُ» بِالرَّفْعِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: وَجَدَنَا قَلْبُهُ مُعْرِضِينَ عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَهْمَلَ أَمْرَنَا عَنْ تَذَكُّرِنَا. قَالَ تَعَالَى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَشْوِي الْوُجُوهَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَاءٍ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمُهْلِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «الْكَافِ» أَوْ فِي الْجَارِّ. وَ (سَاءَتْ) : أَيْ سَاءَتِ النَّارُ. (مُرْتَفَقًا) : أَيْ مُتَّكَأً، أَوْ مَعْنَاهُ: الْمَنْزِلُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) : فِي خَبَرِ إِنَّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: «أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ» وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضٌ مُسَدَّدٌ. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا مِنْهُمْ، فَحَذَفَ الْعَائِدَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (مَنْ أَحْسَنَ) : عَامٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 843

الصَّالِحَاتِ، وَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ ضَمِيرٍ كَمَا أَغْنَى دُخُولُ زَيْدٍ تَحْتَ الرَّجُلِ فِي بَابِ نِعْمَ عَنْ ضَمِيرٍ - يَعُودُ عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ قَدْ جُعِلَ خَبَرُ «إِنَّ» الْجُمْلَةَ الَّتِي فِيهَا إِنَّ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ أَسَاوِرَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ» زَائِدَةً عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ) [الْإِنْسَانِ: ٢١] . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ زَائِدَةٍ ; أَيْ شَيْئًا مِنْ أَسَاوِرَ ; فَتَكُونُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَوْ لِلتَّبْعِيضِ. وَ (مِنْ ذَهَبٍ) : «مِنْ» فِيهِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَوْ لِلتَّبْعِيضِ ; وَمَوْضِعُهَا جَرٌّ نَعْتًا لِأَسَاوِرَ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِيُحَلَّوْنَ. وَأَسَاوِرُ: جَمْعُ أَسْوِرَةٍ، وَأَسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوَارٍ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ أُسْوَارٍ. (مُتَّكِئِينَ) : حَالٌ إِمَّا مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَحْتِهِمْ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُحَلَّوْنَ، أَوْ يَلْبَسُونَ. وَالسُّنْدُسُ: جَمْعُ سُنْدُسَةٍ. وَإِسْتَبْرَقٌ: جَمْعُ إِسْتَبْرَقَةٍ، وَقِيلَ: هُمَا جِنْسَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلًا رَجُلَيْنِ) : التَّقْدِيرُ: مَثَلًا مِثْلَ رَجُلَيْنِ. وَ (جَعَلْنَا) : تَفْسِيرُ الْمَثَلِ، فَلَا مَوْضِعَ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ نَصْبًا نَعْتًا لِرَجُلَيْنِ ; كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلَيْنِ جُعِلَ لِأَحَدِهِمَا جَنَّةٌ. (

стр. 844

كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (آتَتْ) خَبَرُهُ، وَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ كِلْتَا. وَ (فَجَّرْنَا) : بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّشْدِيدِ وَ (خِلَالَهُمَا) : ظَرْفٌ. وَالثُّمُرُ - بِضَمَّتَيْنِ: جَمْعُ ثِمَارٍ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ، مِثْلَ كِتَابٍ وَكُتُبٍ. وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الْمِيمِ تَخْفِيفًا. وَيُقْرَأُ (ثَمَرٌ) : جَمْعُ ثَمَرَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ) : إِنَّمَا أَفْرَدَ وَلَمْ يَقُلْ: جَنَّتَيْهِ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِلْكُهُ ; فَصَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ. وَقِيلَ: اكْتِفَاءً بِالْوَاحِدَةِ عَنِ الثِّنْتَيْنِ ; كَمَا يُكْتَفَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْهُذَلِيِّ: وَالْعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَهَا ... سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهِيَ عُورٌ تَدْمَعُ قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَيْرًا مِنْهَا) : يُقْرَأُ عَلَى الْإِفْرَادِ، وَالضَّمِيرُ لِجَنَّتِهِ. وَعَلَى التَّثْنِيَةِ، وَالضَّمِيرُ لِلْجَنَّتَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَكِنَّا) : الْأَصْلُ: لَكِنْ أَنَا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى النُّونِ، وَقِيلَ: حُذِفَتْ حَذْفًا، وَأُدْغِمَتِ النُّونُ فِي النُّونِ. وَالْجَيِّدُ حَذْفُ الْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ

стр. 845

وَإِثْبَاتُهَا فِي الْوَقْفِ ; لِأَنَّ أَنَا كَذَلِكَ، وَالْأَلِفُ فِيهِ زَائِدَةٌ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ. وَيُقْرَأُ بِإِثْبَاتِهَا فِي الْحَالَيْنِ. وَ «أَنَا» مُبْتَدَأٌ، وَ «هُوَ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ «اللَّهُ» : مُبْتَدَأٌ ثَالِثٌ ; وَ «رَبِّي» الْخَبَرُ، وَالْيَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَكِنَّ الْمُشَدَّدَةَ الْعَامِلَةَ نَصْبًا ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بَعْدَهَا هُوَ، لِأَنَّهُ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ اللَّهِ بَدَلًا مِنْ هُوَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا شَاءَ اللَّهُ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَهِيَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيِ الْأَمْرُ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَالثَّانِي: هِيَ شَرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «يَشَاءُ» وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ. (إِلَّا بِاللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِهِ. (أَنَا) : فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ فَاصِلَةٌ بَيْنَ الْمَفْعُولَيْنِ. وَالثَّانِي: هُوَ تَوْكِيدٌ لِلْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ، فَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ. وَيُقْرَأُ: (أَقَلُّ) - بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ «أَنَا» مُبْتَدَأً، وَأَقَلُّ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي. قَالَ تَعَالَى: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حُسْبَانًا) : هُوَ جَمْعُ حُسْبَانَةٍ. وَ (غَوْرًا) : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ ; أَيْ غَائِرًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ذَا غَوْرٍ.

стр. 846

قَالَ تَعَالَى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَيُقْرَأُ «تَقَلَّبُ» أَيْ تَتَقَلَّبُ كَفَّاهُ بِالرَّفْعِ. (عَلَى مَا أَنْفَقَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيُقَلِّبُ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ مُتَحَسِّرًا عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ; أَيْ فِي عِمَارَتِهَا. وَ (يَقُولُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يُقَلِّبُ» وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى يُقَلِّبُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ، وَهُمَا ظَاهِرَانِ. (يَنْصُرُونَهُ) : مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْفِئَةَ نَاسٌ، وَلَوْ كَانَ «تَنْصُرُهُ» لَكَانَ عَلَى اللَّفْظِ. قَالَ تَعَالَى ﴿هُنَالك الْولَايَة لله الْحق هُوَ خير ثَوابًا وَخير عقبا﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُنَالِكَ) : فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي «لِلَّهِ» ، وَ «الْوَلَايَةُ» مُبْتَدَأٌ، وَ «لِلَّهِ» الْخَبَرُ. وَالثَّانِي: «هُنَالِكَ» خَبَرُ الْوَلَايَةِ، وَ «الْوَلَايَةُ» مَرْفُوعَةٌ بِهِ، وَ «لِلَّهِ» يَتَعَلَّقُ بِالظَّرْفِ، أَوْ بِالْعَامِلِ فِي الظَّرْفِ، أَوْ بِالْوَلَايَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْوَلَايَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَ (الْوَلَايَةُ) : بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: لُغَتَانِ. وَقِيلَ: الْكَسْرُ فِي الْإِمَارَةِ، وَالْفَتْحُ فِي النُّصْرَةِ. وَ (الْحَقُّ) بِالرَّفْعِ: صِفَةُ الْوَلَايَةِ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هِيَ الْحَقُّ، أَوْ هُوَ الْحَقُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «هُوَ خَيْرٌ» خَبَرُهُ. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ تَعَالَى.

стр. 847

قَالَ تَعَالَى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) : يَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ «اضْرِبْ» بِمَعْنَى اذْكُرْ، فَيَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ» خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ كَمَاءٍ. وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَكُونُ «كَمَاءٍ» مَفْعُولًا ثَانِيًا. (فَاخْتَلَطَ بِهِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي يُونُسَ. (تَذْرُوهُ) : هُوَ مِنْ ذَرَتِ الرِّيحُ تَذْرُوهُ ذَرْوًا ; أَيْ فَرَّقَتْ. وَيُقَالُ: ذَرَتْ تَذْرِي، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ. وَيُقَالُ: أَذْرَتْ تُذْرِي، كَقَوْلِكَ: أَذْرَيْتُهُ عَنْ فَرَسِهِ ; إِذَا أَلْقَيْتَهُ عَنْهَا، وَقُرِئَ بِهِ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) : أَيْ وَاذْكُرْ يَوْمَ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «عِنْدِ رَبِّكَ» أَيِ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَخَيْرٌ يَوْمَ نُسَيِّرُ. وَفِي «نُسَيِّرُ» قِرَاءَاتٌ كُلُّهَا ظَاهِرَةٌ. (وَتَرَى) : الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ: لِكُلِّ إِنْسَانٍ. وَ (بَارِزَةً) : حَالٌ. (وَحَشَرْنَاهُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَ «قَدْ» مُرَادَةٌ ; أَيْ وَقَدْ حَشَرْنَاهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (صَفًّا) : حَالٌ بِمَعْنَى مُصْطَفِّينَ ; أَيْ مَصْفُوفِينَ. وَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ لَهُمْ: «لَقَدْ جِئْتُمُونَا» أَوْ مَفْعُولًا لَهُمْ ; فَيَكُونُ حَالًا أَيْضًا. وَ (بَلْ) : هَاهُنَا لِلْخُرُوجِ مِنْ قِصَّةٍ إِلَى قِصَّةٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)) .

стр. 848

قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يُغَادِرُ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا) : أَيْ وَاذْكُرْ. (إِلَّا إِبْلِيسَ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَقِيلَ: مِنَ الْجِنْسِ. وَ (كَانَ مِنَ الْجِنِّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُرَادَةٌ. (فَفَسَقَ) : إِنَّمَا أَدْخَلَ الْفَاءَ لِأَنَّ الْمَعْنَى إِلَّا إِبْلِيسَ امْتَنَعَ فَفَسَقَ. (بِئْسَ) : اسْمُهَا مُضْمَرٌ فِيهَا. وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ ; أَيْ بِئْسَ الْبَدَلُ هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ. وَ (لِلظَّالِمِينَ) : حَالٌ مِنْ «بَدَلًا» وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِبِئْسَ. قَالَ تَعَالَى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ) : أَيْ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ. وَيُقْرَأُ (أَشْهَدْنَاهُمْ) . (عَضُدًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الضَّادِ، وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا مَعَ سُكُونِ الضَّادِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي تَخْفِيفٌ، وَفِي الثَّالِثِ نَقْلٌ. وَلَمْ يُجْمَعْ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ ; إِذْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْمُضِلِّينَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْزِلُوا فِي الِاعْتِضَادِ بِهِمْ مَنْزِلَةَ الْوَاحِدِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَقُولُ) : أَيْ وَاذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ. وَيُقْرَأُ بِالنُّونِ وَالْيَاءِ. وَ (بَيْنَهُمْ) : ظَرْفٌ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ ; أَيْ وَصَيَّرْنَا وَصْلَهُمْ إِهْلَاكًا لَهُمْ. وَ (الْمَوْبِقُ) : مَكَانٌ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَصْدَرًا ; يُقَالُ: وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا وَمَوْبِقًا، وَوَبَقَ يَوْبَقُ وَبْقًا.

стр. 849

قَالَ تَعَالَى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَصْرِفًا) : أَيِ انْصِرَافًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا ; أَيْ لَمْ يَجِدُوا مَكَانًا يُنْصَرَفُ إِلَيْهِ عَنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) : أَيْ ضَرَبْنَا لَهُمْ مَثَلًا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الْأَمْثَالِ ; وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَوْ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً. (أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ شَيْئًا هُنَا فِي مَعْنَى مُجَادِلٍ ; لِأَنَّ أَفْعَلَ يُضَافُ إِلَى مَا هُوَ بَعْضٌ لَهُ، وَتَمْيِيزُهُ بِجَدَلًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرُ مُجَادِلًا، وَهَذَا مِنْ وَضْعِ الْعَامِّ مَوْضِعَ الْخَاصِّ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: وَكَانَ جِدَالُ الْإِنْسَانِ أَكْثَرَ شَيْءٍ، ثُمَّ مَيَّزَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يُؤْمِنُوا) : مَفْعُولُ مَنَعَ، وَ «أَنْ تَأْتِيَهُمْ» فَاعِلُهُ ; وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيْ إِلَّا طَلَبَ أَوِ انْتِظَارَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا أُنْذِرُوا) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَ «هُزُوًا» : مَفْعُولٌ ثَانٍ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» مَصْدَرِيَّةً.

стр. 850

قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَفْقَهُوهُ) : أَيْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَفْقَهُوهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ) : مُضَارِعٌ مَحْكِيٌّ بِهِ الْحَالُ ; وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْمَاضِي. وَالْمَوْعِدُ هُنَا يَصْلُحُ لِلْمَكَانِ وَالْمَصْدَرِ. وَ «الْمَوْئِلُ» : مَفْعِلٌ، مِنْ وَأَلَ يَئِلُ إِذَا لَجَأَ، وَيَصْلُحُ لَهُمَا أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتِلْكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «أَهْلَكْنَاهُمْ» الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «تِلْكَ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ. وَ (لِمَهْلِكِهِمْ) : مَفْعِلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِهْلَاكِ، مِثْلَ الْمُدْخَلِ. وَالثَّانِي: هُوَ مَفْعُولٌ ; أَيْ لِمَنْ أُهْلِكَ، أَوْ لِمَا أُهْلِكَ مِنْهَا. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهِمَا ; وَهُوَ مَصْدَرُ هَلَكَ يَهْلِكُ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْضًا ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَمَانًا ; وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَى الْمَفْعُولِ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: هَلَكْتُهُ أُهْلِكُهُ، وَالْمَوْعِدُ زَمَانٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)) .

стр. 851

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ) : أَيْ وَاذْكُرْ. (لَا أَبْرَحُ) : فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ النَّاقِصَةُ، وَفِي اسْمِهَا وَخَبَرِهَا وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: خَبَرُهَا مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَا أَبْرَحُ أَسِيرُ. وَالثَّانِي: الْخَبَرُ «حَتَّى أَبْلَغَ» وَالتَّقْدِيرُ: لَا أَبْرَحُ سَيْرِي ; ثُمَّ حَذَفَ الِاسْمَ، وَجَعَلَ ضَمِيرَ الْمُتَكَلِّمِ عِوَضًا مِنْهُ، فَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: هِيَ التَّامَّةُ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَا أُفَارِقُ السَّيْرَ حَتَّى أَبْلُغَ كَقَوْلِكَ: لَا أَبْرَحُ الْمَكَانَ ; أَيْ لَا أُفَارِقُهُ. (أَوْ أَمْضِيَ) : فِي «أَوْ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ ; أَيْ أَسِيرُ حَتَّى يَقَعَ إِمَّا بُلُوغُ الْمَجْمَعِ، أَوْ مُضِيُّ الْحُقُبِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ ; أَيْ إِلَّا أَنْ أَمْضِيَ زَمَانًا أَتَيَقَّنُ مَعَهُ فَوَاتَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَالْمَجْمَعُ: ظَرْفٌ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ حَمْلًا عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْمَطْلِعِ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَبِيلَهُ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْحُوتِ. وَ (فِي الْبَحْرِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِاتَّخَذَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ السَّبِيلِ، أَوْ مِنْ «سَرَبًا» . قَالَ تَعَالَى: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ أَذْكُرَهُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ فِي أَنْسَانِيهِ ; أَيْ مَا أَنْسَانِي ذِكْرَهُ، وَكَسْرُ الْهَاءِ وَضَمُّهَا جَائِزَانِ. وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.

стр. 852

(عَجَبًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِاتَّخَذَ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ ; أَيْ قَالَ مُوسَى: عَجَبًا ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِاتَّخَذَ: «فِي الْبَحْرِ» . قَالَ تَعَالَى: (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَبْغِي) : الْجَيِّدُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، وَقَدْ قُرِئَ بِحَذْفِهَا عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْفَوَاصِلِ ; وَسَهَّلَ ذَلِكَ أَنَّ الْيَاءَ لَا تُضَمُّ هَاهُنَا. (قَصَصًا) : مَصْدَرُ «فَارْتَدَّا» عَلَى الْمَعْنَى. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ يَقُصَّانِ قَصَصًا. وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ مُقْتَصِّينَ، وَ «عِلْمًا» : مَفْعُولٌ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مَصْدَرًا لَكَانَ تَعْلِيمًا. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ أَتَّبِعُكَ بِإِذْلَالِي، وَالْكَافُ صَاحِبُ الْحَالِ. وَ (رَشَدًا) : مَفْعُولُ تُعَلِّمَنِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ «عُلِّمْتَ» لِأَنَّهُ لَا عَائِدَ إِذَنْ عَلَى الَّذِي ; وَلَيْسَ بِحَالٍ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ يَبْعُدُ. وَالرُّشْدُ وَالرَّشَدُ لُغَتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. قَالَ تَعَالَى: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خُبْرًا) : مَصْدَرٌ ; لِأَنَّ تُحِيطُ بِمَعْنَى تُخْبِرُ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)) .

стр. 853

قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَسْأَلْنِي) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ. وَبِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَنُونُ الْوِقَايَةِ مَحْذُوفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النُّونُ الْخَفِيفَةُ دَخَلَتْ عَلَى نُونِ الْوِقَايَةِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا، وَبِالْيَاءِ وَتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عُسْرًا) هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتُرْهِقْ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا تُولِنِي أَوْ تُغْشِنِي. قَالَ تَعَالَى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِغَيْرِ نَفْسٍ) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِقَتَلْتَ ; أَيْ قَتَلْتَهُ بِلَا سَبَبٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ ; أَيْ قَتْلًا بِغَيْرِ نَفْسٍ. وَأَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ قَتَلْتَهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. وَالنُّكْرُ وَالنُّكُرُ لُغَتَانِ قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَ (شَيْئًا) : مَفْعُولٌ ; أَيْ أَتَيْتَ شَيْئًا مُنْكَرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ; أَيْ مَجِيئًا مُنْكَرًا. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)) .

стр. 854

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ لَدُنِّي) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَالِاسْمُ لَدُنْ، وَالنُّونُ الثَّانِيَةُ وِقَايَةٌ. وَبِتَخْفِيفِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ نُونَ الْوِقَايَةِ، كَمَا قَالُوا: قَدْنِي وَقَدِي. وَالثَّانِي أَصْلُهُ لَدُ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهَا، وَالنُّونُ لِلْوِقَايَةِ. وَ (عُذْرًا) : مَفْعُولٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: بَلَغْتَ الْغَرَضَ. قَالَ تَعَالَى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) : هُوَ جَوَابُ إِذَا، وَأَعَادَ ذِكْرَ الْأَهْلِ تَوْكِيدًا. (أَنْ يَنْقَضَّ) : بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ; وَهُوَ مِنَ السُّقُوطِ، شُبِّهَ بِانْقِضَاضِ الطَّائِرِ. وَيَقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مِنَ النَّقْضِ. وَيُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَالتَّشْدِيدِ مِثْلَ يَحْمَارُّ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ بِغَيْرِ تَشْدِيدٍ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: انْقَاضَ الْبِنَاءُ ; إِذَا تَهَدَّمَ ; وَهُوَ يَنْفَعِلُ. وَيُقْرَأُ بِالضَّادِ مُشَدَّدَةً مِنْ قَوْلِكَ: انْقَاضَّتِ السِّنُّ، إِذَا انْكَسَرَتْ. . (لَاتَّخَذْتَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْخَاءِ مُخَفَّفَةً، وَهُوَ مِنْ تَخِذَ يَتَّخِذُ، إِذَا عَمِلَ شَيْئًا. وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ افْتَعَلَ مِنْ تَخِذَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنَ الْأَخْذِ وَأَصْلُهُ ايْتَخَذَ، فَأُبْدِلَتِ الْيَاءُ تَاءً وَأُدْغِمَتْ، وَأَصْلُ الْيَاءِ الْهَمْزَةُ.

стр. 855

قَالَ تَعَالَى: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِرَاقُ بَيْنِي) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْإِضَافَةِ ; أَيْ تَفْرِيقُ وَصْلِنَا. وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ، وَ «بَيْنَ» مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ. قَالَ تَعَالَى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَصْبًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَصْدَرٌ أُخِذَ مِنْ مَعْنَاهُ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَأما الْغُلَام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمنين فَخَشِينَا أَن يرهقهما طغيانا وَكفرا﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُؤْمِنَيْنِ) : خَبَرُ كَانَ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِالْأَلِفِ، عَلَى أَنَّ فِي كَانَ ضَمِيرَ الْغُلَامِ أَوِ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا خَبَرُهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (زَكَاةً) : تَمْيِيزٌ، وَالْعَامِلُ «خَيْرًا مِنْهُ» . وَ (رُحْمًا) : كَذَلِكَ. وَالتَّسْكِينُ وَالضَّمُّ لُغَتَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَوْضِعُ الْحَالِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُ ذِكْرًا) : أَيْ مِنْ أَخْبَارِهِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.

стр. 856

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَكَّنَّا لَهُ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَمْرَهُ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَتْبَعَ) : يُرْوَى بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ، وَ «سَبَبًا» : مَفْعُولُهُ. وَيُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى اثْنَيْنِ ; أَيْ أَتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا. قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٧٨٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَمِئَةٍ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَهُوَ مِنْ: حَمِئَتِ الْبِئْرُ تَحْمَأُ إِذَا صَارَتْ فِيهَا حَمْأَةٌ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ ; وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ. وَيُقْرَأُ بِالْأَلِفِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنَ الْمَهْمُوزِ أَيْضًا ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَمِيَ الْمَاءُ إِذَا اشْتَدَّ حَرُّهُ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (نَارًا حَامِيَةً) [الْغَاشِيَةِ: ٤] . (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) : «أَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ إِمَّا الْعَذَابُ وَاقِعٌ مِنْكَ بِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ ; أَيْ إِمَّا هُوَ أَنْ تُعَذِّبَ. أَوْ إِمَّا الْخَبَرُ أَنْ تُعَذِّبَ. وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ إِمَّا تُوقِعُ أَنْ تُعَذِّبَ، أَوْ تَفْعَلَ. (حَسَنًا) : أَيْ أَمْرًا ذَا حُسْنٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَزَاءً الْحُسْنَى) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، أَوْ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَهُ جَزَاءُ الْخَصْلَةِ الْحُسْنَى.

стр. 857

وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَالْحُسْنَى بَدَلٌ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ ; أَيْ فَلَهُ الْحُسْنَى جَزَاءً ; فَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ مَجْزِيًّا بِهَا. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ يُجْزَى بِهَا جَزَاءً. وَقِيلَ: تَمْيِيزٌ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ; وَهُوَ مِثْلَ الْمَنُونِ إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ التَّنْوِينَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. (مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) : أَيْ شَيْئًا ذَا يُسْرٍ. قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَطْلِعَ الشَّمْسِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ مَكَانَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : «بَيْنَ» هَاهُنَا: مَفْعُولٌ بِهِ. وَالسَّدُّ - بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ سَدَّ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَسْدُودِ. وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْمَسْدُودِ. وَقِيلَ: الْمَضْمُومُ مَا كَانَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ; وَالْمَفْتُوحُ مَا كَانَ مِنْ صَنْعَةِ الْآدَمِيِّ. وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ; وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.

стр. 858

قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : هُمَا اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ لَمْ يَنْصَرِفَا لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعَرُّفِ ; وَيَجُوزُ هَمْزُهُمَا وَتَرْكُ هَمْزِهِمَا. وَقِيلَ: هُمَا عَرَبِيَّانِ، فَيَأْجُوجُ يَفْعُولُ مِثْلَ يَرْبُوعٍ، وَمَأْجُوجُ مَفْعُولٌ مِثْلَ مَعْقُولٍ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَجَّ الظَّلِيمُ أَسْرَعَ، أَوْ مِنْ أَجَّتِ النَّارُ إِذَا الْتَهَبَتْ، وَلَمْ يَنْصَرِفَا لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّأْنِيثِ. وَالْخَرْجُ: يُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، مَصْدَرُ خَرَجَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَجْرُ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى مُخْرَجٍ. وَالْخَرَاجُ - بِالْأَلِفِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَجْرِ أَيْضًا. وَقِيلَ: هُوَ الْمَالُ الْمَضْرُوبُ عَلَى الْأَرْضِ أَوِ الرِّقَابِ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَبِالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَصْلِ. وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «خَيْرٌ» : خَبَرُهُ. (بِقُوَّةٍ) : أَيْ بِرِجَالٍ ذِي - أَوْ ذَوِي - قُوَّةٍ، أَوْ بِمُتَقَوًّى بِهِ. وَالرَّدْمُ بِمَعْنَى الْمَرْدُومِ بِهِ، أَوِ الرَّادِمِ. (آتُونِي) : يُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ ; أَيْ أَعْطُونِي. وَبِوَصْلِهَا ; أَيْ جِئُونِي. وَالتَّقْدِيرُ: بِزُبَرِ الْحَدِيدِ. أَوْ هُوَ بِمَعْنَى أَحْضِرُوا ; لِأَنَّ جَاءَ وَحَضَرَ مُتَقَارِبَانِ

стр. 859

وَ (الصَّدَفَيْنِ) : يُقْرَأُ بِضَمَّتَيْنِ، وَبِضَمِّ الْأَوَّلِ وَإِسْكَانِ الثَّانِي، وَبِفَتْحَتَيْنِ، وَبِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَإِسْكَانِ الثَّانِي، وَبِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَضَمِّ الثَّانِي ; وَكُلُّهَا لُغَاتٌ، وَالصَّدَفُ: جَانِبُ الْجَبَلِ. (قِطْرًا) : مَفْعُولُ «آتُونِي» ، وَمَفْعُولُ «أُفْرِغْ» مَحْذُوفٌ ; أَيْ أُفْرِغْهُ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ مَفْعُولُ «أُفْرِغْ» ، وَمَفْعُولُ الْأَوَّلِ مَحْذُوفٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا اسْطَاعُوا) : يُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ، أَيِ اسْتَطَاعُوا، وَحَذَفَ التَّاءَ تَخْفِيفًا. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنِينَ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (دَكَّاءَ) ، وَدَكًّا: قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَانَتْ) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِلْكَافِرِينَ، أَوْ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ رَفْعٍ بِإِضْمَارِ هُمْ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَحَسِبَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ السِّينِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ. (أَنْ يَتَّخِذُوا) : سَدَّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ.

стр. 860

وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ السِّينِ وَرَفْعِ الْبَاءِ عَلَى الِابْتِدَاءِ ; وَالْخَبَرُ أَنْ يَتَّخِذُوا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ) : يُقْرَأُ بِالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْإِدْغَامِ لِقُرْبِ مَخْرَجِ الْحَرْفَيْنِ. (أَعْمَالًا) : تَمْيِيزٌ، وَجَازَ جَمْعُهُ لِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ وَالْيَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَيُقْرَأُ «يُقَوِّمُ» وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ ; أَيْ فَلَا يُقَوِّمُ عَمَلَهُمْ، أَوْ سَعْيَهُمْ، أَوْ صَنِيعَهُمْ. وَ (وَزْنًا) : تَمْيِيزٌ، أَوْ حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ، وَمَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «ذَلِكَ» مُبْتَدَأً، وَ «جَزَاؤُهُمْ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ «جَهَنَّمُ» خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْأَوَّلِ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ جَزَاؤُهُمْ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «ذَلِكَ» مُبْتَدَأً، وَ «جَزَاؤُهُمْ» بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَ «جَهَنَّمُ» الْخَبَرَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ بَدَلًا مِنْ جَزَاءٍ، أَوْ خَبَرَ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ جَهَنَّمُ. وَ (بِمَا كَفَرُوا) : خَبَرُ «ذَلِكَ» ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِجَزَاؤُهُمِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِجَهَنَّمَ. وَ (اتَّخَذُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى كَفَرُوا، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)) .

стр. 861

قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُزُلًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ جَنَّاتٍ. وَ «لَهُمْ» الْخَبَرُ. وَأَنْ يَكُونَ «نُزُلًا» خَبَرَ كَانَ. وَ «لَهُمْ» يَتَعَلَّقُ بِكَانَ، أَوْ بِالْخَبَرِ، أَوْ عَلَى التَّبْيِينِ. قَالَ تَعَالَى: (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَبْغُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «خَالِدِينَ» . وَالْحِوَلُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّحَوُّلِ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَدَدًا) : هُوَ تَمْيِيزٌ، وَمِدَادًا - بِالْأَلِفِ - مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ) : أَنَّ هَاهُنَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ «مَا» الْكَافَّةِ عَلَيْهَا. وَ (بِعِبَادَةِ رَبِّهِ) : أَيْ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا ; أَيْ بِسَبَبِ عِبَادَةِ رَبِّهِ ; وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 862

سُورَةُ مَرْيَمَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (كهيعص (١)) . قَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ مِنْ ثَمَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (عص) : يُقْرَأُ بِإِخْفَاءِ النُّونِ عِنْدَ الصَّادِ لِمُقَارَبَتِهَا إِيَّاهَا وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْفَهْمِ. وَيُقْرَأُ بِإِظْهَارِهَا ; لِأَنَّ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ يُقْصَدُ تَمْيِيزُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ إِيذَانًا بِأَنَّهَا مُقَطَّعَةٌ ; وَلِذَلِكَ وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا وَقْفَةً يَسِيرَةً، وَإِظْهَارُ النُّونِ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) : فِي ارْتِفَاعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هَذَا ذِكْرٌ. وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكَ ذِكْرٌ. وَالثَّالِثُ: هُوَ خَبَرُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ، وَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ هُوَ الْمُبْتَدَأُ فِي الْمَعْنَى ; وَلَيْسَ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ، وَلَا فِي ذِكْرِ الرَّحْمَةِ مَعْنَاهَا. وَ (ذِكْرُ) : مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا إِنْ ذَكَرَ رَبُّكَ رَحْمَةَ عَبْدِهِ. وَقِيلَ: هُوَ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ عَلَى الِاتِّسَاعِ. وَالْمَعْنَى: هَذَا إِنْ ذَكَرْتَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ; فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْتَصِبُ عَبْدَهُ بِرَحْمَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي بِذِكْرٍ. وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ: «ذَكَرَ» عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَ «رَحْمَةَ» مَفْعُولٌ، وَ «عَبْدُهُ» فَاعِلٌ. وَ (زَكَرِيَّا) : بَدَلٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مِنْ «عَبْدَهُ» .

стр. 863

وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ، وَ «رَحْمَةَ» وَ «عَبْدَهُ» بِالنَّصْبِ ; أَيْ هَذَا الْقُرْآنُ ذَكَّرَ النَّبِيَّ ﵊، أَوِ الْأُمَّةَ. وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لِلْرَحْمَةِ، أَوْ لِذِكْرٍ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَيْبًا) : نَصْبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى «اشْتَعَلَ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ شَابَ. وَ (بِدُعَائِكَ) : مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ بِدُعَائِي إِيَّاكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خِفْتُ الْمَوَالِيَ) : فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيْ عَدَمَ الْمَوَالِي، أَوْ جَوْرَ الْمَوَالِي. وَيُقْرَأُ خَفَّتْ - بِالتَّشْدِيدِ وَسُكُونِ التَّاءِ - وَالْمَوَالِي فَاعِلٌ ; أَيْ نَقَصَ عَدَدُهُمْ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَدِّ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي «وَرَائِي» . وَيُقْرَأُ بِالْقَصْرِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ مِنْ قَصْرِ الْمَمْدُودِ. قَالَ تَعَالَى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَرِثُنِي) : يُقْرَأُ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا عَلَى الْجَوَابِ ; أَيْ إِنْ يَهَبْ يَرِثْ، وَبِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الصِّفَةِ لِوَلِيٍّ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْأُولَى ; لِأَنَّهُ سَأَلَ وَلِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ، وَالْجَزْمُ لَا يَحْصُلُ بِهَذَا الْمَعْنَى.

стр. 864

وَقُرِئَ شَاذًّا: يَرِثُنِي وَارِثٌ، عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ. وَ (رَضِيًّا) : أَيْ مَرْضِيًّا. وَقِيلَ: رَاضِيًا ; وَلَامُ الْكَلِمَةِ وَاوٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَ (سَمِيًّا) : فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُسَامِيًا، وَلَامُ الْكَلِمَةِ وَاوٌ، مِنْ سَمَا يَسْمُو. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِتِيًّا) : أَصْلُهُ عُتُوٌّ عَلَى فُعُولٍ، مِثْلَ قُعُودٍ وَجُلُوسٍ، إِلَّا أَنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا تَوَالِيَ الضَّمَّتَيْنِ وَالْوَاوَيْنِ، فَكَسَرُوا التَّاءَ، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ الَّتِي هِيَ لَامُ يَاءٍ لِسَبْقِ الْأُولَى بِالسُّكُونِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ الْعَيْنَ إِتْبَاعًا. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرٌ عَلَى فَعِيلٍ، وَكَذَلِكَ بُكِيٌّ وَصِلِيٌّ ; وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِبَلَغْتُ ; أَيْ بَلَغْتُ الْعِتِيَّ مِنَ الْكِبَرِ ; أَيْ مِنْ أَجْلِ الْكِبَرِ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ عِتِيٍّ، وَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِبَلَغْتُ. وَقِيلَ: «مِنْ» زَائِدَةٌ، وَ «عِتِيًّا» مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أَوْ تَمْيِيزٌ، أَوْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ كَذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ أَفْعَلُ مِثْلَ مَا طَلَبْتَ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَطْلُوبِهِ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَوِيًّا) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «تُكَلِّمَ» .

стр. 865

قَالَ تَعَالَى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ سَبِّحُوا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ. وَ (بِقُوَّةٍ) : مَفْعُولٌ، أَوْ حَالٌ. (وَحَنَانًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى «الْحُكْمَ» أَيْ وَهَبْنَا لَهُ تَحَنُّنًا. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ. وَ (بَرًّا) أَيْ وَجَعَلْنَاهُ بَرًّا. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى خَبَرِ كَانَ. قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذِ انْتَبَذَتْ) : فِي «إِذْ» أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّهَا ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرْ خَبَرَ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ وَبَيِّنْ إِذِ انْتَبَذَتْ ; فَهُوَ عَلَى كَلَامٍ آخَرَ، كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) [النِّسَاءِ: ١٧١] وَهُوَ فِي الظَّرْفِ أَقْوَى، وَإِنْ كَانَ مَفْعُولًا بِهِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَرْيَمَ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ ; لِأَنَّ الْأَحْيَانَ تَشْتَمِلُ عَلَى الْجُثَثِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ; وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَالًا مِنَ الْجُثَّةِ، وَلَا خَبَرًا عَنْهَا، وَلَا وَصْفًا لَهَا، لَمْ يَكُنْ بَدَلًا مِنْهَا. وَقِيلَ: «إِذْ» بِمَعْنَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ ; كَقَوْلِكَ: لَا أُكْرِمُكَ إِذْ لَمْ تُكْرِمْنِي ; أَيْ لِأَنَّكَ لَمْ تُكْرِمْنِي ; فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ ; أَيْ وَاذْكُرْ مَرْيَمَ انْتِبَاذَهَا. وَ (مَكَانًا) : ظَرْفٌ. وَقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى: إِذْ أَتَتْ مَكَانًا. (بَشَرًا سَوِيًّا) : حَالٌ.

стр. 866

قَالَ تَعَالَى: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِأَهَبَ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَاعِلَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ لِأَهَبَ لَكِ. وَالثَّانِي: الْفَاعِلُ جِبْرِيلُ ﵇، وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ. وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْلَهَا الْهَمْزَةُ قُلِبَتْ يَاءً لِلْكَسْرِ قَبْلَهَا تَخْفِيفًا. وَالثَّانِي: لِيَهَبَ اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا () ٢٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغِيًّا) : لَامُ الْكَلِمَةِ يَاءٌ، يُقَالُ: بَغَتْ تَبْغِي، وَفِي وَزْنِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ فَعُولٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ وَكُسِرَتِ الْغَيْنُ إِتْبَاعًا، وَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقْ تَاءُ التَّأْنِيثِ، كَمَا لَمْ تُلْحَقْ فِي امْرَأَةٍ صَبُورٍ، وَشَكُورٍ. وَالثَّانِي: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَلَمْ تُلْحَقِ التَّاءُ أَيْضًا لِلْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ: لَمْ تُلْحَقْ لِأَنَّهُ عَلَى النَّسَبِ، مِثْلَ طَالِقٍ وَحَائِضٍ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكِ) : أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: قَالَ رَبُّكِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَ «هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ» : مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) : أَيْ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ خَلَقْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: نَهَبُهُ لَكِ وَلِنَجْعَلَهُ. وَ (كَانَ أَمْرًا) : أَيْ وَكَانَ خَلْقُهُ أَمْرًا. قَالَ تَعَالَى: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)) .

стр. 867

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَانْتَبَذَتْ بِهِ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ ; أَيْ فَانْتَبَذَتْ وَهُوَ مَعَهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ) : الْأَصْلُ جَاءَهَا، ثُمَّ عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ إِلَى مَفْعُولٍ ثَانٍ، وَاسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى أَلْجَأَهَا. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى فَاعِلِهَا، وَهُوَ مِنَ الْمُفَاجَأَةِ، وَتَرَكَ الْهَمْزَةَ الْأَخِيرَةَ تَخْفِيفًا. وَالْمَخَاضُ - بِالْفَتْحِ: وَجَعُ الْوِلَادَةِ. وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ: الْفَتْحُ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ مِثْلَ السَّلَامِ وَالْعَطَاءِ، وَالْكَسْرُ مَصْدَرٌ مِثْلَ الْقِتَالِ، وَجَاءَ عَلَى فِعَالٍ: الطِّرَاقُ وَالْعِقَابُ. قَوْلُهُ تَعَالَى : (يَالَيْتَنِي ) : قَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ. (نَسِيَا) : بِالْكَسْرِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَنْسِيِّ. وَبِالْفَتْحِ ; أَيْ شَيْئًا حَقِيرًا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْأَوَّلِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ ; وَهُوَ مِنْ نَسَأْتُ اللَّبَنَ، إِذَا خَلَطْتَ بِهِ مَاءً كَثِيرًا ; وَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْضًا. وَ (مَنْسِيًّا) - بِالْفَتْحِ ; وَالْكَسْرُ عَلَى الْإِتْبَاعِ شَاذٌّ مِثْلَ الْمِعِيرَةِ.

стр. 868

قَالَ تَعَالَى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلًّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ تَحْتِهَا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ فَاعِلُ نَادَى، وَالْمُرَادُ بِهِ عِيسَى ﷺ ; أَيْ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ دُونِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇، وَهُوَ تَحْتَهَا فِي الْمَكَانِ، كَمَا تَقُولُ: دَارِي دَارُكَ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ عِيسَى، أَوْ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَالْجَارُّ عَلَى هَذَا حَالٌ أَوْ ظَرْفٌ. وَ (أَنْ لَا) : مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى أَيْ. قَالَ تَعَالَى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ ; أَيْ أَمِيلِي إِلَيْكِ. وَقِيلَ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: هُزِّي الثَّمَرَةَ بِالْجِذْعِ ; أَيِ انْفُضِي. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَهُزِّي إِلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا كَائِنًا بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ; فَالْبَاءُ عَلَى هَذَا حَالٌ. (تُسَاقِطْ) : يُقْرَأُ عَلَى تِسْعَةِ أَوْجُهٍ ; بِالتَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ، وَالْأَصْلُ تَتَسَاقَطُ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ. وَالثَّالِثُ بِالْيَاءِ وَالتَّشْدِيدِ، وَالْأَصْلُ يَتَسَاقَطُ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي السِّينِ. وَالرَّابِعُ بِالتَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى حَذْفِ الثَّانِيَةِ، وَالْفَاعِلُ - عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ - النَّخْلَةُ. وَقِيلَ: الثَّمَرَةُ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا. وَالْخَامِسُ بِالتَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ وَضَمِّ الْقَافِ. وَالسَّادِسُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالْيَاءِ، وَالْفَاعِلُ الْجِذْعُ أَوِ الثَّمَرُ.

стр. 869

وَالسَّابِعُ «تُسَاقِطْ» بِتَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَبِالْأَلِفِ وَكَسْرِ الْقَافِ. وَالثَّامِنُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالْيَاءِ. وَالتَّاسِعُ «تُسْقِطْ» بِتَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَكَسْرِ الْقَافِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ يُقْرَأُ كَذَلِكَ بِالْيَاءِ. وَ (رُطَبًا) : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ حَالٌ مُوَطِّئَةٌ، وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي الْفِعْلِ. وَالثَّانِي: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ لِتُسَاقِطْ. وَالثَّالِثُ: هُوَ مَفْعُولُ هُزِّي. وَالرَّابِعُ: هُوَ تَمْيِيزٌ. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ يَتَبَيَّنُ بِالنَّظَرِ فِي الْقِرَاءَاتِ، فَيُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ. وَ (جَنِيًّا) : بِمَعْنَى مَجْنِيٍّ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; أَيْ طَرِيًّا. قَالَ تَعَالَى: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَرِّي) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالْمَاضِي مِنْهُ: قَرِرْتِ يَا عَيْنُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْكَسْرُ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَهِيَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ، وَالْمَاضِي قَرَرْتِ يَا عَيْنُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَ (عَيْنًا) : تَمْيِيزٌ. وَ (تَرَيِنَّ) : أَصْلُهُ تَرْأَيِينَ مِثْلَ تَرْغَبِينَ ; فَالْهَمْزَةُ عَيْنُ الْفِعْلِ، وَالْيَاءُ لَامُهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ هُنَا مِنْ أَجْلِ نُونِ التَّوْكِيدِ مِثْلَ لَتَضْرِبَنَّ، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى الرَّاءِ، وَحُذِفَتِ اللَّامُ لِلْبِنَاءِ كَمَا تُحْذَفُ فِي الْجَزْمِ، وَبَقِيَتْ يَاءُ الضَّمِيرِ، وَحُرِّكَتْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا، فَوَزْنُهُ: تَفَيِنَّ، وَهَمْزَةُ هَذَا الْفِعْلِ تُحْذَفُ فِي الْمُضَارِعِ أَبَدًا.

стр. 870

وَيُقْرَأُ تَرَيْنَ - بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ - عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجْزَمْ بِإِمَّا، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَ (مِنَ الْبَشَرِ) : حَالٌ مِنْ «أَحَدًا» ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَتَتْ بِهِ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ ; وَكَذَلِكَ «تَحْمِلُهُ» وَصَاحِبُ الْحَالِ مَرْيَمُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ «تَحْمِلُهُ» حَالًا مِنْ ضَمِيرِ عِيسَى ﵇. وَ (جِئْتِ) أَيْ فَعَلْتِ، فَيَكُونُ «شَيْئًا» مَفْعُولًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ; أَيْ مَجِيئًا عَظِيمًا. قَالَ تَعَالَى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ) : كَانَ زَائِدَةٌ ; أَيْ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ. وَ (صَبِيًّا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَالضَّمِيرُ الْمُنْفَصِلُ الْمُقَدَّرُ كَانَ مُتَّصِلًا بِكَانَ. وَقِيلَ: كَانَ الزَّائِدَةُ لَا يَسْتَتِرُ فِيهَا ضَمِيرٌ ; فَعَلَى هَذَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ هُوَ ; بَلْ يَكُونُ الظَّرْفُ صِلَةَ مَنْ. وَقِيلَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً ; بَلْ هِيَ كَقَوْلِهِ: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) . وَقَدْ ذُكِرَ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى صَارَ وَقِيلَ: هِيَ التَّامَّةُ، وَ «مَنْ» بِمَعْنَى الَّذِي. وَقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ، وَجَوَابُهَا كَيْفَ. قَالَ تَعَالَى: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبَرًّا) : مَعْطُوفٌ عَلَى «مُبَارَكًا» وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى (الصَّلَاةِ) .

стр. 871

وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ; أَيْ وَأَلْزَمَنِي بِرًّا، أَوْ جَعَلْتَنِي ذَا بِرٍّ ; فَحَذَفَ الْمُضَافَ، أَوْ وَصَفَهُ بِالْمَصْدَرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّلَامُ) : إِنَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ; لِأَنَّ الَّتِي فِي قِصَّةِ يَحْيَى ﵇ نَكِرَةٌ ; فَكَانَ الْمُرَادُ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [الْمُزَّمِّلِ: ١٦، ١٥] . وَقِيلَ: النَّكِرَةُ وَالْمَعْرِفَةُ فِي مِثْلِ هَذَا سَوَاءٌ. وَ (يَوْمَ وُلِدْتُ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ «عَلَيَّ» وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ السَّلَامُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْخَبَرِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «عِيسَى» خَبَرُهُ. وَ «ابْنُ مَرْيَمَ» نَعْتٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ. وَ (قَوْلَ الْحَقِّ) : كَذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَقِيلَ: عِيسَى ﵇ بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَ «قَوْلَ الْحَقِّ» الْخَبَرُ. وَيُقْرَأُ (قَوْلَ الْحَقِّ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَوْ أَقُولُ قَوْلَ الْحَقِّ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ عِيسَى. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَعْنِي قَوْلَ الْحَقِّ. وَيُقْرَأُ «قَالَ الْحَقَّ» ، وَالْقَالُ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، مِثْلَ الْقِيلِ، وَحُكِيَ: قُولَ الْحَقِّ - بِضَمِّ الْقَافِ مِثْلَ الرُّوحِ ; وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ.

стр. 872

قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنَّ اللَّهَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ; وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالصَّلَاةِ ; أَيْ وَأَوْصَانِي بِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي. وَالثَّانِي: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: لِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ; أَيْ لِوَحْدَانِيَّتِهِ أَطِيعُوهُ. وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. قَالَ تَعَالَى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) : لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ. وَ «بِهِمْ» : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; كَقَوْلِكَ: أَحْسِنْ بِزَيْدٍ ; أَيْ حَسُنَ زَيْدٌ. وَحُكِيَ عَنِ الزَّجَّاجِ أَنَّهُ أَمْرٌ حَقِيقَةً، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَصْبٌ، وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ ; فَهُوَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ ; كَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ أَوْقِعْ بِهِ سَمْعًا أَوْ مَدْحًا. وَ (الْيَوْمَ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) : «إِذْ» : بَدَلٌ مِنْ يَوْمٍ، أَوْ ظَرْفٌ لِلْحَسْرَةِ ; وَهُوَ مَصْدَرٌ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَقَدْ عَمِلَ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ) : فِي «إِذْ» وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ مِثْلَ (إِذِ انْتَبَذَتْ) [مَرْيَمِ: ١٦] فِي أَوْجُهِهَا، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) : [مَرْيَمِ: ٤١] . وَالثَّانِي: أَنَّ «إِذْ» ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ صِدِّيقًا نَبِيًّا، أَوْ مَعْنَاهُ.

стр. 873

قَالَ تَعَالَى: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَرَاغِبٌ أَنْتَ) : مُبْتَدَأٌ، وَأَنْتَ: فَاعِلٌ، وَأَغْنَى عَنِ الْخَبَرِ ; وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِاعْتِمَادِهَا عَلَى الْهَمْزَةِ. وَ (مَلِيًّا) : ظَرْفٌ ; أَيْ دَهْرًا طَوِيلًا. وَقِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُلًّا جَعَلْنَا) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِجَعَلْنَا. قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَجِيًّا) : هُوَ حَالٌ. وَ (هَارُونَ) بَدَلٌ وَ (نَبِيًّا) حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَكَانًا عَلِيًّا) : ظَرْفٌ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) : هُوَ بَدَلٌ مِنَ «النَّبِيِّينَ» ، بِإِعَادَةِ الْجَارِّ. وَ (سُجَّدًا) : حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّهُمْ غَيْرُ سُجُودٍ فِي حَالِ خُرُورِهِمْ. وَ (بُكِيًّا) : قَدْ ذُكِرَ. وَ (غَيًّا) : أَصْلُهُ غَوَى، فَأُدْغِمَتِ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ.

стр. 874

قَالَ تَعَالَى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ) : مَنْ كَسَرَ التَّاءَ أَبْدَلَهُ مِنَ «الْجَنَّةِ» فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا، وَمَنْ رَفَعَ فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (إِنَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ; فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي كَانَ ضَمِيرٌ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرٌ. وَ «وَعْدُهُ» : بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ. وَ (مَأْتِيًّا) : عَلَى بَابِهِ ; لِأَنَّ مَا تَأْتِيهِ فَهُوَ يَأْتِيكَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْوَعْدِ الْجَنَّةُ ; أَيْ كَانَ مَوْعِدُهُ مَأْتِيًّا. وَقِيلَ: مَفْعُولٌ هُنَا بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي سُبْحَانَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ) ; أَيْ: وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ. قَالَ تَعَالَى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأُ الْخَبَرِ «فَاعْبُدُوهُ» عَلَى رَأْيِ الْأَخْفَشِ فِي جَوَازِ زِيَادَةِ الْفَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَإِذَا) : الْعَامِلُ فِيهَا فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ; أَيْ أَأُبْعَثُ إِذَا ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا «أُخْرَجُ» لِأَنَّ مَا بَعْدَ اللَّامِ وَسَوْفَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا مِثْلَ إِنَّ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)) .

стр. 875

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَذَّكَّرُ) : بِالتَّشْدِيدِ ; أَيْ يَتَذَكَّرُ، وَبِالتَّخْفِيفِ مِنْهُ أَيْضًا، أَوْ مِنَ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ. (جِثِيًّا) : قَدْ ذُكِرَ فِي عِتِيًّا وَبُكِيًّا. وَأَصْلُهُ جُثُوٌّ، مَصْدَرًا كَانَ أَوْ جَمْعًا. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ) : يُقْرَأُ بِالنُّصْبِ شَاذًّا، وَالْعَامِلُ فِيهِ: لَنَنْزِعَنَّ وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي. وَيُقْرَأُ بِالضَّمِّ. وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا ضَمَّةُ بِنَاءٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ ; وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي وَإِنَّمَا بُنِيَتْ هَاهُنَا ; لِأَنَّ أَصْلَهَا الْبِنَاءُ ; لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي. وَ «أَيْ» مِنَ الْمَوْصُولَاتِ إِلَّا أَنَّهَا أُعْرِبَتْ حَمْلًا عَلَى كُلٍّ أَوْ بَعْضٍ، فَإِذَا وُصِلَتْ بِجُمْلَةٍ تَامَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى الْإِعْرَابِ، وَإِذَا حُذِفَ الْعَائِدُ عَلَيْهَا بُنِيَتْ لِمُخَالَفَتِهَا بَقِيَّةَ الْمَوْصُولَاتِ، فَرَجَعَتْ إِلَى حَقِّهَا مِنَ الْبِنَاءِ بِخُرُوجِهَا عَنْ نَظَائِرِهَا، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ بِنَنْزِعُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هِيَ ضَمَّةُ الْإِعْرَابِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ وَأَشَدُّ خَبَرُهُ ; وَهُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ. وَالتَّقْدِيرُ: لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ الْفَرِيقَ الَّذِي يُقَالُ أَيُّهُمْ، فَهُوَ عَلَى هَذَا اسْتِفْهَامٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ. وَالثَّانِي: كَذَلِكَ فِي كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا وَاسْتِفْهَامًا، إِلَّا أَنَّ مَوْضِعَ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِنَنْزِعَنَّ، وَهُوَ فِعْلٌ مُعَلَّقٌ عَنِ الْعَمَلِ، وَمَعْنَاهُ التَّمْيِيزُ ; فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْعِلْمِ الَّذِي يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أَيُّهُمْ فِي الدَّارِ، وَهُوَ قَوْلُ يُونُسَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَأَيُّ اسْتِفْهَامٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ: أَيْ لَنَنْزِعَنَّ كُلَّ شِيعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَخْفَشِ وَالْكِسَائِيِّ، وَهُمَا يُجِيزَانِ زِيَادَةَ «مِنْ» فِي الْوَاجِبِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ «أَيُّهُمْ» مَرْفُوعٌ بِشِيعَةٍ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَشَيَّعَ، وَالتَّقْدِيرُ: لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ فَرِيقٍ يَشَيَّعُ أَيُّهُمْ، وَهُوَ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ.

стр. 876

وَالْخَامِسُ: أَنَّ «نَنْزِعُ» عُلِّقَتْ عَنِ الْعَمَلِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: لَنَنْزِعَنَّهُمْ تَشَيَّعُوا أَوْ لَمْ يَتَشَيَّعُوا، أَوْ إِنْ تَشَيَّعُوا، وَمِثْلُهُ: لَأَضْرِبَنَّ أَيُّهُمْ غَضِبَ ; أَيْ إِنْ غَضِبُوا أَوْ لَمْ يَغْضَبُوا، وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى عَنِ الْفَرَّاءِ، وَهُوَ أَبْعَدُهَا عَنِ الصَّوَابِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ) : أَيْ وَمَا أَحَدٌ مِنْكُمْ. فَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَمَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ وَارِدُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَقَامًا) : يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ. وَالثَّانِي: هُوَ مَصْدَرُ الْإِقَامَةِ. وَبِالضَّمِّ، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَامُ النَّدِيِّ وَاوٌ ; يُقَالُ: نَدَوْتُهُمْ ; أَيْ أَتَيْتُ نَادِيَهُمْ، وَجَلَسْتُ فِي النَّادِي، وَمَصْدَرُهُ النَّدْوُ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَمْ) : مَنْصُوبٌ بِـ «أَهْلَكْنَا» وَ «هُمْ أَحْسَنُ» : صِفَةٌ لِكَمْ.

стр. 877

وَ (رئيا) : يُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الرَّاءِ، وَهُوَ مِنَ الرُّؤْيَةِ ; أَيْ أَحْسَنُ مَنْظَرًا. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَلَبَ الْهَمْزَةَ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا ثُمَّ أَدْغَمَ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنَ الرِّيِّ، ضِدَّ الْعَطَشِ ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ حُسْنَ الْبَشْرَةِ. وَيُقْرَأُ رِيئًا - بِهَمْزَةٍ بَعْدَ يَاءٍ سَاكِنَةٍ، وَهُوَ مَقْلُوبٌ ; يُقَالُ: فِي رَأَى أَرَى. وَيُقْرَأُ بِيَاءٍ خَفِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ ; وَوَجْهُهَا أَنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى الْيَاءِ وَحَذَفَهَا. وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ وَالتَّشْدِيدِ ; أَيْ أَحْسَنُ زِينَةً، وَأَصْلُهُ مِنْ زَوَّى يُزَوِّي; لِأَنَّ الْمُتَزَيِّنَ يَجْمَعُ مَا يُحَسِّنُهُ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ كَانَ) : هِيَ شَرْطِيَّةٌ، وَالْأَمْرُ جَوَابُهَا، وَالْأَمْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَرِ ; أَيْ فَلْيَمْدُدْ لَهُ، وَالْأَمْرُ أَبْلَغُ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ اللُّزُومِ. وَ (حَتَّى) : تَحْكِي مَا بَعْدَهَا هَاهُنَا، وَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ. (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ) : كِلَاهُمَا بَدَلٌ مِمَّا يُوعَدُونَ. (فَسَيَعْلَمُونَ) : جَوَابُ إِذَا. (وَيَزِيدُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنَى فَلْيَمْدُدْ ; أَيْ فَيَمُدُّ وَيَزِيدُ. (مَنْ هُوَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَ «هُوَ شَرٌّ» : صِلَتُهَا. وَمَوْضِعُ «مَنْ» نَصْبٌ بِيَعْلَمُونَ. وَالثَّانِي: هِيَ اسْتِفْهَامٌ، وَهُوَ فَصْلٌ وَلَيْسَ مُبْتَدَأً.

стр. 878

قَالَ تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَلَدًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ وَهُوَ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: يَكُونُ جَمْعًا أَيْضًا. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ ; وَهُوَ جَمْعُ وَلَدٍ، مِثْلَ أَسَدٍ وَأُسْدٍ. وَقِيلَ: يَكُونُ وَاحِدًا أَيْضًا. وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ أُخْرَى. قَالَ تَعَالَى: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَطَّلَعَ) : الْهَمْزَةُ هَمْزَةُ اسْتِفْهَامٍ ; لِأَنَّهَا مُقَابِلَةٌ لِأَمْ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ مَحْذُوفَةٌ لِقِيَامِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ مَقَامَهَا. وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ، وَحَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ أَمْ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَلَّا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْكَافِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهِيَ حَرْفٌ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ عَنْ قَوْلٍ مُنْكَرٍ يَتَقَدَّمُهَا. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى حَقًّا. وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ مَصْدَرُ كَلَّ ; أَيْ أَعْيَا ; أَيْ كَلُّوا فِي دَعْوَاهُمْ وَانْقَطَعُوا. وَالثَّانِي: هِيَ بِمَعْنَى الثِّقَلِ ; أَيْ حَمَلُوا كَلًّا. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْكَافِ وَالتَّنْوِينِ ; وَهُوَ حَالٌ ; أَيْ سَيَكْفُرُونَ جَمِيعًا ; وَفِيهِ بُعْدٌ. (بِعِبَادَتِهِمْ) : الْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ ; أَيْ سَيَكْفُرُ الْمُشْرِكُونَ بِعِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ. وَقِيلَ: هُوَ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ سَيَكْفُرُ الْمُشْرِكُونَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: سَيَكْفُرُ الشَّيَاطِينُ بِعِبَادَةِ الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ. وَ (ضِدًّا) : وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ جَمِيعَهُمْ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِضْلَالِ.

стр. 879

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْهَاءِ ; وَهُوَ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ ; أَيْ نَرِثُ قَوْلَهُ. وَالثَّانِي: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ ; أَيْ نَرِثُ مِنْهُ قَوْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ نَحْشُرُ) : الْعَامِلُ فِيهِ «لَا يَمْلِكُونَ» وَقِيلَ: «نَعُدُّ لَهُمْ» . وَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وَ (وَفْدًا) : جَمْعُ وَافِدٍ، مِثْلَ رَاكِبٍ وَرَكْبٍ، وَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ. وَالْوِرْدُ: اسْمٌ لِجَمْعِ وَارِدٍ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى وَارِدٍ، وَالْوِرْدُ الْعِطَاشُ. وَقِيلَ: هُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ وِرَادٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ. (لَا يَمْلِكُونَ) : حَالٌ وَ (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي «يَمْلِكُونَ» لِلْمُتَّقِينَ وَالْمُجْرِمِينَ. وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَمْلِكُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَيْئًا إِدًّا) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ ; وَهُوَ الْعَظِيمُ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ أَدَّ يَؤُدُّ، إِذَا جَاءَكَ بِدَاهِيَةٍ ; أَيْ شَيْئًا ذَا أَدٍّ، وَجَعَلَهُ نَفْسَ الدَّاهِيَةِ عَلَى التَّعْظِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)) .

стр. 880

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَتَفَطَّرْنَ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَهُوَ مُطَاوِعُ فَطَرَ بِالتَّخْفِيفِ. وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ مُطَاوِعُ فَطَّرَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ هُنَا أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى. وَ (هَدًّا) : مَصْدَرٌ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ تَخِرُّ بِمَعْنَى تُهَدُّ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. وَالثَّانِي: فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى تَقْدِيرِ اللَّامِ. وَالثَّالِثُ: فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; أَيِ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ دُعَاؤُهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ) : نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ; وَ «فِي السَّمَاوَاتِ» : صِفَتُهَا، وَ «إِلَّا آتِي» خَبَرٌ «كُلُّ» وَوَحَّدَ «آتِي» حَمْلًا عَلَى لَفْظِ كُلٍّ، وَقَدْ جُمِعَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَاهَا، وَمِنَ الْإِفْرَادِ: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ) [مَرْيَمِ: ٩٥] . قَالَ تَعَالَى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِلِسَانِكَ) : قِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى. وَقِيلَ: هِيَ عَلَى أَصْلِهَا ; أَيْ أَنْزَلْنَاهُ بِلُغَتِكَ، فَيَكُونُ حَالًا.
следующие страницы →