← История

История · id 22991

الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية

محمد نغش

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

وبالرغم من استماتة الأعداء في القتال وتكاثرهم , واتخاذهم الأسوار المنيعة والأبرجة المنيفة , والودية العميقة , والأماكن الوعرة الحصينة , فقد نفذ السلطان برجاله إليهم , وأحاط بهم , فأخذوا يراسلونه بقصد مراوضته حتى تصلهم النجدة , ولكنه كشف حيلتهم , وأنزل الهزيمة الساحقة بهم , إذ أخذت المنجنيقات تضرب في جوانب السور , كما انطلقت سهامها تتخلل شرفاته كما يتخلل السواك ثنايا الفم , وكان المنجنيق في أثناء ذلك كله يعلو في السماء حينا , وينخفض إلى الأرض حينا كأنه النسر , واستطاع المنجنيق كذلك أن يشق فتحات الأبراج التي تتخلل السوار جميعها من الناس , كما خلا ميدان القتال نفسه من الجند , أما النقابون فقد استطاعوا أن يكشفوا النقاب عن هذه الحرب الزبون , يدكوا هذه الحصون حنى عادت سيرتها الأولى من الطوب والحجارة , ثم عاد المنجنيق إلى تلك الصخور التي أمامه بمعوله طحنا , وما زال يضربها ضربا حتى لم يعد لها أثر. وسمعت الصخرة الشريف لتلك الصخور أنينها واستغاثتها وحنينها , فرقت لها , وعجبت لخرابها , وعاد النقابون ففتحوا أبوابا أخرى في السور أيأست العدو من النجاة , وصاح الكاتب عندها: واحسرتاه ١.

стр. 37

رسائل بشأن حصنى الكرك والشوبك في عهد الملك عبد العزيز ... الرَّسَائِلُ الحَرْبِيِّة في عصر الدّوْلة الأيوبيَّة للدكتور محمد نغش أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة رسائل بشأن حصني الكرك والشوبك في عهد الملك العزيز: وكما كتب القاضي الفاضل عن الكرك والشوبك في عهد السلطان صلاح الدين فكذلك نراه يكتب في عهد الملك العزيز ثلاث رسائل الأولى عن الكرك والثانية عن الشوبك والثالثة يرسلها عن طريق أحد العاملين في الديوان. فأما الأولى فيستهلها بدعاء طويل يستغرق نصف الرسالة تقريباً، ثم يزف إليه بشرى دنو النصر وينتقل بعدها إلى الغرض من الرسالة وهو وصف المعركة الحربية. فالمنجنيقات تهدم الأبراج المشيدة، وتدمر الأسوار الغليظة التي يشبهها بالسكارى في انهيارها، فقد أعطتها المنجنيقات بكفها الخمر التي فيها هلاكها، فلم تبق الحجارة الطائرة من هذه المنجنيقات حجارة قائمة في هذا الحصن، فقد انهدمت قواعده وأركانه. ثم يصف السبب الذي من أجله فتح الحصن فيقول: ولولا الخندق الذي ...هو واد من الأودية واسع عميق لما تعذر الزحف إليهم والهجوم عليهم، ونرجو من الله الكريم تسهيل هذا الحصن العظيم، فتحه إنه جواد كريم ١. وأما رسالة الشوبك فالظاهر أنها قد تلت رسالة الكرك، إذ أنها تعد مكملة لها، ولذا لم تستهل بالدعاء كسالفتها، واستفتحت هكذا: " قد صدرت هذه المكاتبة إلى الحضرة دالة على ما نحن فيه من نعم الله تعالى مغتبطون وإنا بحمد الله مستظهرون وبنصره مستبشرون ولآلائه حامدون ولأعدائه مجاهدون، فأعمالنا لله بنيات خالصة وعزائمنا في سبيله مقدمه غير ناكصة " ٢. ثم يعود ثانية إلى وصف الحصن الذي يحاصرونه فقد هدموه وقتلوا الكثير ممن فيه إلا أنه يبقى أمامهم عملية ردم الخندق الذي كانوا يلجأون إليه وتسويته بالأرض حتى يمكن الأخذ من العدو بالمخنق.

стр. 38

ويختتم الرسالة بتصوير نهائي للموقف من القتال، فيقول: "فإن أبطأ العدو عن النجدة فالنصر سريع، والحصن ومن فيه صريع، والقلوب وارفة بحصول النجح، وقد علم كل منا أن متجره قد فاز بالربح، فما يسمع منا بحمد الله ملل ولا ضجر، ولا تسفر هذه النوبة إلا عن نجح وظفر١. يبدأ القاضي الفاضل رسالته الثالثة بمقدمة قصيرة، وهى:"أدام الله أيام المجلس، ولازالت مناقبه لزهر السماء مخجلة، ومكارمه في درجات المحامد متوغلة، وفواضله على أوليائه مفضلة، وسطواته بأعدائه منكلة "٢. ثم يصف عمل المجانيق في الحصن في أسلوب من الجناس هكذا:"هدمت وهدت، وشدخت وسدت، ورضخت ورضت، وقوضت وأفضت، وقدحت وفدحت، ومحقت ومحت "٣. ويضيف وصفا تفصيلياً لما أصاب الأعداء في أثناء تهدم الحصن، إذ يقول:"قد جمعت الحجارة في الإسقاط بين رؤوس الأبراج، ورؤوس الأعلاج، فرمت الشرار في الواقفين عليها لحمايتها، وأرت الفرنج باهتدائها إلى إرادتها غاية غوايتها، فما أخرج أحد منهم رأساً إلا دخل في عينه نصل، وما هجر قراب الإسلام سيف إلا وله مع رقاب الكفر عند قطعها وصل، وما على الحجر في الإسراف والتبذير حجر، والكل ليله من نقع الحوافر من سناء الأسنة فجر، ولقد أخذنا من القوم بالمخنق، وشرعنا في طم الخندق٤. والنصر أشهر من نار على علم ... والحرب أقوم من ساق على قدم والقلعة سماء تمطر بحجارتها، وترمى شياطينها رجوم قوارير٥ النفط بشرارها٦. لم ترد الرسائل السالفة في المصادر التاريخية التي بين أيدينا، ولذا لم نستطع تحديد تاريخ حدوثها، كما أن القاضي الفاضل لم يشر إلى تواريخها كما يفعل في بعض رسائله من هذا النوع.

стр. 39

ونلاحظ أن مقدمات الرسائل تختلف من حيث الطول والقصر طبقاً للمناسبة التي ترد فيها، فالقاضي الفاضل يطيل الدعاء في رسالته الأولى بينما لا يذكره في الثانية، وفي الثالثة يأتي به كلمات مقتضبة. والرسائل الثلاث تكمل بعضها حتى تكاد تكون رسالة واحدة ذات هدف واحد، وتتسم رسائل التهنئة في عهد الملك العزيز بقوة العبارة، واستخدام المحسنات البديعية، وعلى قمتها الجناس والاستعارة والسجع، كما أن الألفاظ منتقاة، فيها جزالة وفخامة تناسب موقف النصر وجو المعارك الحربية، وهى لا تختلف عن الرسائل التي كتبت للتهنئة في عهد السلطان صلاح الدين، فالكاتب واحد والأسلوب لم يتغير.

стр. 40

كتاب المعظم توران شاه إلى جمال الدين يغمور نائب الشام بعد هزيمة الفرنج لدى المنصور سنة ٦٨٤ هـ: ١٢٥١ م: جاء في هذا الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ١ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٢. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ, بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٣. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ٤. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٥. نبشر المجلس السامي الجمالي، بل نبشر الإسلام كافة، بما من الله به على المسلمين، من الظفر بعدو الدين، فإنه كان قد استفحل أمره، واستحكم شره، ويئس العباد من البلاد، والأهل والأولاد، فنودوا: ﴿لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٦. ولما كان يوم الأربعاء مستهل السنة المباركة، تم الله على الإسلام بركتها، فتحنا الخزائن وبذلنا الأموال، وفرقنا السلاح، وجمعنا العربان والمطوعة، واجتمع خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى، فجاءوا من كل فج عميق، ومن كل مكان بعيد سحيق. ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح على ما وقع عليه الإتفاق بينهم وبين الملك العادل أبى بكرة، فأبينا، ولما كان في الليل تركوا خيامهم وأثقالهم وأموالهم، وقصدوا دمياط

стр. 41

هاربين، فسرنا في آثارهم طالبين، ومازال السيف يعمل فيهم عامة الليل، ويدخل فيهم الخزي والعار. فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفاً، غير من ألقى نفسه في اللجج. وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج، والتجأ الفرنسيس إلى المنية، وطلب الأمان فأمناه، وأخذناه، وأكرمناه، وتسلمنا دمياط بعونه وقوته وجلاله وعظمته١. هذا الكتاب هو آخر كتب التهنئة التي بين أيدينا عن العصر الأيوبي، والظاهر أنه كتب بقلم الملك المعظم، ولم يلتزم فيه السجع ولا المحسنات البديعية، ولكنه اقتبس من القرآن الكريم في افتتاح كتابه، حيث ذكر خمس آيات متتاليات، وكذلك ذكر آية سادسة في ثنايا كتابه، وتمتاز هذه الرسالة بأنها تسرد الوقائع في أسلوب تاريخي، الغرض الأول منه هو إثبات الحقائق في سهولة ويسر.

стр. 42

كتب الإستغاثة: كتب السلطان صلاح الدين إلى الخليفة الموحدي بالمغرب: أرسل السلطان صلاح الدين إلى المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، الخليفة الموحدي بالمغرب، ثلاث رسائل المقصود منها جميعها، استنجاد صلاح الدين بجيوش الخليفة في الحرب ضد الصليبيين، وفي أثناء قتاله معهم حول عكا. اثنتان من هذه الرسائل بقلم القاضي الفاضل، الأولى منها سنة ست وثمانين وخمسمائةْ (١١٩١ م) ، ثم أرسل الرسالة الثالثة في نفس السنة، ولكن هذه المرة لم تكن برأي القاضي الفاضل مما جعله يحرر رسالة إلى السلطان صلاح الدين بشأنها، ويبين ما لا يرتضيه فيها. ويعقب هذه الرسائل رسالة بقلم القاضي الفاضل، مرسلة من السلطان صلاح الدين إلى شمس الدولة بن منقذ، سفيره إلى الخليفة الموحدي بالمغرب ينهى إليه أخبار القتال حول عكا.

стр. 43

الرسالة الأولى: يبدأ القاضي الفاضل الرسالة بالدعاء للخليفة الموحدي، وينعته بسيدنا أمير المؤمنين، وسيد العالمين، وقسيم الدنيا والدين. ثم يبين السلطان صلاح الدين غرضه منها، وهو أن يشترك الخليفة الموحدي معه في الجهاد، ويفتخر بأمجاده في تطهير الأرضين المصرية واليمنية من الضلالة وكذلك تطهيره بيت المقدس من الصليبيين الذين كانوا يحتلونه، ويدنسون أرضه. فهناك غلب الشرك، وأنقلب صاغراً، واستجاش كافر من أهله كافراً، واستغضب أنفاره النافرة، واستصرخ نصرانيته المتناصرة١. فهم يجودون بأنفسهم وأولادهم، ويمدون الحملة الصليبية بأموالهم، كل خرج متطوعاً، وأهطع مسرعاً، وأتى متبرعاً، ودعا نفسه قبل أن يستدعى، وسعى إلى حتفها قبل أن يستسعى، حتى ظننا أن في البحر طريقاً يبساً، وحتى تيقنا أن ما وراء البحر قد خلا وعسا٢. وهنا يهجم عليهم جيش السلطان صلاح الدين ويفتك بهم، ويضطرهم إلى اللجوء إلى الخنادق، وإلى نصب الستائر، ولكنه كل ما قتل منهم مائة، وصلت النجدة بألف. ثم يصف السلطان صلاح الدين خوفه من تكاثر الإمدادات لهم من البلاد الغربية، فيقول: " لا يؤمن على ثغور المسلمين أن يتطرق العدو إليهم وإليها، ويفرغ لها ويتسلط عليها والله من ورائهم محيط. وإذا قسمت القوة على تلقى القادم وتوقى المقيم، فربما أضر بالإسلام انقسامها، وثلمه والعياذ بالله انثلامها "٣. وهو يمجد قوة المغرب البحرية، فمن ذلك قوله: "فلو بزقت فيهم بازقة غربية لأغرقهم طوفانها، ولو طلعت عليهم جارية بحرية، لنعقت فيهم بالشتات غربانها "٤. وفي نهاية هذه الرسالة يمجد السلطان صلاح الدين الخليفة المغربي، ويستثير العاطفة الدينية فيه، ويعقد مقارنة بين أسطول المسلمين وأسطول الصليبيين، وهو يخشى أن ينتصر الكفر على الإسلام، ويدعو الله أن ينصر المسلمين بما يمدهم الخليفة المغربي من أسطوله البحري، ومدده العسكري.

стр. 44

الرسالة الثانية: يكرر القول فيها عن أمجاده السالفة الذكر، ولكن ببعض الإسهاب من أول وصوله إلى مصر، وإقامة الجمعة وعقد الجماعة فيها، وغزواته في مصر، التي كانت مقدمة لملك الشام الإسلامي باجتماع الكلمة عليه، ومقدمة لملك الشام الفرنجي بانقياد المسلمين له، واتفاق الملوك المجاورين على طاعته، وكذلك تفصيل غزواته ضد الفرنج وكسرهم الكسرة الكبرى في بيت المقدس، إلى غير ذلك من أخذ الثغور، وافتتاح البلاد، وإثخان القتل فيهم والأسر لهم. ثم يصف خروج النجدات الصليبية في كثرتها وقوتها ومنعتها، وغناها ومسارعتها ومبادرتها، وأنه لا يمضي يوم إلا مع قوة تتجدد، وميرة تصل، وأموال واسعة تخرج، ومعونات كثيرة تحمل. ويشير إلى أنهم حفروا خندقاً حول معسكرهم من البحر إلى البحر، وأداروا حولهم ومن وراء الخندق سوراً مستوراً بالستائر، ورتبوا على أبواب هذا السور جماعات مزودة بأدوات الحصار التي أخرجوها من مراكبهم١. وأنهم اغتنموا أوقاتاً لم تكن العساكر فيها مجموعة وارتادوا ساعات لم تكن الأُهُبُ فيها مأخوذة٢، فقد انتقل معظم الجيش الصلاحي إلى الخروبة في ٣ رمضان سنة ٥٨٥ هـ= ١٥ أكتوبر ١١٨٩م بقصد إعادة ترتيب الجيش وتنظيمه وتقويته، أو لحلول رمضان شهر الصيام، أو لمجيء الشتاء بأمطاره وبرده! أو لغيبة الملك العادل بعساكره المصرية، أو للحمى التي أصابت السلطان صلاح الدين٣ ثم يحكي للخليفة الموحدي أن أمر العدو قد تطاول، وأن خطبه قد تمادى لوصول النجدات المستمرة إليه، ومنها الحملة التي وفد على رأسها ملك الألمان في حشود كبيرة وأموال كثيرة. وبعدها يبين له حاجته إليه في تطويق العدو والقضاء عليه فيقول:"إن هذا العدو لو أرسل الله عليه أسطولاً قوياً مستعداً يقطع بحره، ويمنع ملكه لأخذنا العدو إما بالجوع والحصر، أو برز فأخذناه بيد الله تعالى التي بها النصر"٤. والسلطان صلاح الدين يطلب منه المساعدة إما بالرجال أو بالمال إذا تعذرت المساعدة بالأسطول فيقول: " وإن كانت دون الأسطول موانع: إما من قلة عدة، أو من شغل هناك

стр. 45

بمهمة، أو بمباشرة عدو، ماتحصن منه العورة أو قد لاحت منه الفرصة، فالمعونة ما طريقها واحدة، ولا سبيلها مسدودة، ولا أنواعها، محصورة تكون تارة بالرجال وتارة بالمال١. ويلي ذلك تمجيد للخليفة الموحدي ويستثير فيه حمية الإسلام، ويعقد مقارنة بين الكفار في حربهم لنصرة الكفر، والمسلمين في حربهم لنصرة الإسلام، وأن أهل الجنة أولى بقتال أهل النار، وأنه يطلب نجدة مغربية بحرية، لما للمغاربة في البحر من قوة ضاربة. وتختلف الرسالة الثانية عن الأولى في أن السلطان صلاح الدين يريد أن يزيل أسباب التوتر في العلاقات بين المغاربة والدولة الصلاحية، وهو يوصى رسوله بأن يشرح للخليفة الموحدي براعه الدولة الصلاحية مما نسب إليها، وقد سبق الإشارة إليه في الكلام عن الوصايا.

стр. 46

الرسالة الثالثة: جاء فيها بعد التحية التي زاد فيها السلطان صلاح الدين وأفاض، تحديد ما فتحه من بلاد الشام، كما حدد الباقي منها في يد الصليبيين وهى: ثغر طرابلس، وصور، ومدينة أنطاكية، وهو يرجو الله أن يفك أسرها. ثم يشير إلى النجدات التي لبت صرخة الصليبيين في الشام، فأخرت فتح بقية البلاد التي في أيديهم، ويذكر مجيء ملك الألمان إليهم في البر والبحر بأعداد مهولة. ويقول:" إن عدة الأعداء مائة ألف أو يزيدون، وأنه حاربهم بأصدق عزيمة، حتى أصبحوا لا يستطيعون قتال الثغر، لأنهم محصورون أشد الحصر، غير أنهم خندقوا أو سوروا ". وخرج ملك الألمان قاصداً الشام، فبعث إليه صلاح الدين من يلقاه، ويضطره إلى تغيير مساره، سالكاً مسلكاً وعراً، فأدركه الموت غرقاً، وبقي له ولد هو الآن المقدم والمؤخر، وقائد الجمع المكسر، فيعود إلى عكا في البحر تهيباً أن يسلك البر. وقبل أن ينهى صلاح الدين رسالته يقول: "كان المتوقع من تلك الدولة العالمية، والعزمة الفادية، مع القدرة الوافية، والهمة المهدية الهادية، أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين فيملأها عليهم جواري كالأعلام، ومدنا في اللجج سوائر كأنها الليالي مقلعة بالأيام، تطلع علينا معشر الإسلام آمالاً، وتطبع على الكفار آجالاً ".

стр. 47

وكان سفير السلطان صلاح الدين، أو الممثل الشخصي له على حد قولنا الآن إلى ملك المغرب، هو الأمير أبو العزم عبد الرحمن بن منقذ، وقد ورددت في الرسالة كلمة تشيد بمكانته، وعلو منزلته، مما سبق الإشارة إليه في الوصايا، وصحبت هذه الرسالة هدية، وفصلت محتوياتها١. وتختم هذه الرسالة بخاتمة طويلة لم نعهد مثلها فيما قبل سواء في المكاتبات المرسلة إلى الخليفة العباسي أو الخليفة المغربي، ونصها: "والسلام الصادر عن القلب السليم، والود الصميم والعهد الكريم، على حضرة الكرم العلية، وشدة السيادة الجلية، سلام مودة ما وفد الغرب قبلها مثلها، ورسالة ما خطرت إلى أن نفذت وراءها المحبة رسلها، وليصل السلام ورحمة الله وبركاته، ورضوانه وتحياته، إن شاء الله تعالى٢.

стр. 48

رسالة إلى سفير السلطان صلاح الدين في المغرب: أرسل القاضي الفاضل عن السلطان صلاح الدين إلى شمس الدين ابن منقذ في المغرب ينهى إليه أخبار القتال حول عكا. فيخبره أن عدة من قتل على عكا من الفرنج تجاوز الخمسين ألفاً، وأن ملكي فرنسا وإنجلترا وملوكا آخرين أسرعوا لنجدة الصليبيين في قوة هائلة، فيها سفن الواحدة كأنها مدينة وفيها الخيول والخيالة. ويصور له ثبات المقاتلين المسلمين أمام هذه الجيوش الكبيرة فيقول:" فما وهنَّا لما أصابنا في سبيل الله وما ضعفنا، ولا رجعنا وراءنا ولا انصرفنا، بل نحن بمكاننا ننتظر أن يبرزوا فنبارزهم، ويخرجوا فنناجزهم، وينشروا فنطويهم، وينبثوا فنزويهم، وأقمنا على طرفهم، وخيمنا على مخنقهم، وأخذنا بأطراف خندقهم "٣ ولكنه يريد منه أن يبلغ المغاربة أن الجيوش العربية في المشرق العربي في حاجة إلى نجدتهم، حتى يقفوا في مواجهة هذه الدول المجتمعة على حربهم، الراغبة في الاستيلاء على بلادهم. ثم يقول في نهاية رسالته: "والأمير يبلغ ما بلغه من خطب الإسلام وخطوبه، ويقوم في البلاغ يوم الجمعة مقام خطيبه"٤.

стр. 49

وهذه العبارة تدل على أن الدولة الأيوبية كانت تتبع أسلوب الإذاعة لقضاياها ليس في داخل البلاد فحسب، بل على المستوى الخارجي، وذلك بغرض الحصول على تأييد مادي ومعنوي من الشعوب الأخرى، وعلى الصعيد الشعبي في خطبة يوم الجمعة.

стр. 50

رسالة إلى الخليفة العباسي بشأن ملك الألمان: يبدأ القاضي الفاضل الرسالة بالدعاء كعادته، وهو دعاء قصير، جاء في نهايته: "ولا زالت رايته السوداء بيضاء الخبر، محمرة المخبر في العداة، مسودة الأثر"١ والراية السوداء كما نعرف كانت شعار الخلافة العباسية، وهو هنا يطابق بين هذه الكلمة وكلمة بيضاء، ويكنى في العبارة التالية عن الإنتصار على الأعداء وينتقل إلى وصف كتاب الخليفة فيشبهه بالقرآن الكريم، وأن السلطان يتقبله بالخشوع، ويتلوه على أعوانه مسترهفاً به لعزائمهم. مستجزلاً به لمغانمهم، فهو بمثابة النور لهم يهديهم يوم نزال عدوهم، ويشبه تأثيره بثلاث جمل مترادفة تؤدي معنى واحداً، فأثر الكتاب فيهم، كالإقتداح في الزند، وكالإنبجاس من الصلد، وكالإستدلال من الغمد٢ ويعود إلى التشبيه ثانية فيقول: "وكأنما أعطوا كتاباً من الدهر بالأمان، أو سمعوا منادياً ينادي للإيمان"٣. ثم يتبع ذلك بعدة استعارات وكنايات مترادفة يبين فيها مكانة أتباع السلطان في الجهاد في سبيل الله ورسوله وخليفته العباسي وفي آخر هذا الوصف يقول: "وإذا رموا فأصابوا قالوا: ولكن الله رمى"٤. محللاً بذلك لآية من القرآن الكريم. ثم هو يشكو للخليفة على لسان السلطان صلاح الدين من طول المدة والكلف الثقيلة التي يتكبدونها في قتالهم الشرس المرير، ويكنى عن ذلك بهذه العبارات:" فالبرك قد أفضوه، والسلاح قد أخفوه، والدرهم قد أفنوه"٥. ويستنجد بالخليفة فيقول: " والخادم يناشد الله المناشدة النبوية في الصيحة البدرية، اللهم إن تهلك هذه العصابة، ويخلص الدعاء، ويرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة"٦.

стр. 51

ونرى القاضي الفاضل يحل حديثاً نبوياً، ليزيد عبارته حسناً في الأداء، وجمالاً في تأدية المطلوب، بعقد مقارنة لطيفة بين دعاء النبي ﷺ ، ودعاء السلطان صلاح الدين. ثم يصف الكاتب موقف المسلمين تجاه هذا الحشد الجامع فيقول:"هذا والساحل قد تماسك، وما تهالك، وتجلد، وما تبلد، وشجعته مواعد النجدة الخارجية، وأسلته عن مصارع العدة الدارجة، فكيف به إذا خرج داعية الألمان، وملوك الصلبان، وجموع ما وراء البحر، وحشود أجناس الكفرة. وقد حرم باباهم- لعنة الله عليهم وعليه- كل مباح، واستخرج منهم كل مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبس وألبسهم الحداد، وحكم عليهم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة، ويعيدوا القمامة أو ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ ١. ويستمر القاضي الفاضل في استخدام الكناية عن ثبات أتباعه، ثم يعرج على وصف خروج ملك الألمان وملوك الصلبان ومن تبعهم، وجمعهم الأموال الجمة في مظاهرة صليبية ذات صبغة دينية، وهنا يقتبس القاضي الفاضل آية من القرآن الكريم ينهي بها هذه الفقرة، وهى تدل على حسن الاختيار. ويعقب بالدعاء على ملك الألمان بأن يخذله الله، وأن ينصر المسلمين وما النصر إلا من عند الله، وأن لا يكشف عجزهم أمام عدوهم اللعين. وإزاء هذا الموقف يعود القاضي الفاضل ثانية ليسهب فيه، فهذه الحملة الصليبية جاءت طامعة في حشود كثيرة، مما يستفرغ عزائم المسلمين، ويستنفذ خزائنهم، وأن من واجب الخليفة بصفته الدينية أن يحفظ على الأمة الإسلامية قبلتها، وأن ينزل بالصليب الهزيمة وأنه لولا اتخاذ الخليفة الكلام على محمل التجريح لأفاض القاضي الفاضل فقال: "ما يبكي العيون، وينكي القلوب، وتنشق له المرائر، وتشق له الجيوب"٢. وهو يشير بذلك إلى الحالة السيئة التي آل إليها الأمر، والتي تستوجب إثارة النزعة الدينية لدى الخليفة العباسي. ثم يصف موقف السلطان صلاح الدين البطولي هو وأخيه وأولاده، وأنه يفوض أمره إلى الله، ثم يعود إلى طلب النجدة من الخليفة، فيقول:"إن لم يشتك الدين إلى ناصره والحق إلى من قام بأوله والى اليوم الآخر يقوم بآخره، فإلى من يشتكى البث، وعند من

стр. 52

يتفرج بالنفث؟. ومنفعة الغوث قبل العطب، والنجاة قبل أن يصل الحزام (الطبيين) والبلاغ يقبل أن يصل السيل الزبي "١. وفي نهاية هذه الفقرة يستخدم القاضي الفاضل مثلين معروفين لتوضيح كلامه. وقبل أن يختم رسالته يخبر السلطان الخليفة أنه كان يود أن يأتي له، ولكنه خاف أن يقول عنه عدو الله: أنه فر، ولذا يريد من الخليفة أن يعده قد حضر بنفسه، وكأنه قد وقف بباب الخليفة ضارعاً، وناجي بالقول صادعاً. والسلطان صلاح الدين على الرغم من عض الزمان له، لا يزال قائماً حتى ينصر أو يعذر، وأنه لا يصل العدو إلى حرم ذرية أحمد ﷺ ، ومن ذرية أيوب وأحد يذكر. ويختم القاضي الفاضل رسالته بالدعاء للخليفة هكذا:"أنجز الله. لأمير المؤمنين مواعد نصره: وتم مساعدة دهره: وأصفى موارد إحسانه وأرسى قواعد سلطانه! وحفظه وحفظ به. فهو خير حافظاً، ونصره ونصر على يديه. فهو أقوى ناصراً. إن شاء الله "٢.

стр. 53

مكاتبات من القاضي الفاضل إلى الملك العادل بدمشق في الجهاد في سبيل الله: في سنة ٥٩٣ هـ: ١١٩٧ م أرسل القاضي الفاضل رسالة إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج، ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، وحفظ حوزة الإسلام، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب: "هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه، فتلك نعم الله عليه، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إليه، وسواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف، فما أسعد تلك الوقفات، وما أعود بالطمأنينة تلك الرجعات". وكتب أيضاً في تلك السنة:" أدام الله ذلك الاسم تاجاً على مفارق المنابر والطروس، وحياة للدنيا وما فيها من الأجساد والنفوس، وعرف الملوك من الأمر الذي اقتضته المشاهدة، وجرت به المعاقبة في سرور". ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه، ومن قلم من الإصبع ظفراً فقد جلب بنعله نفعاً، ودفع عنه ضرراً، وتجشم المكروه ليس بضائر، إذا كان ما جلبه سبباً إلى المحمود وآخر سنوه أول كل غزوة، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها وتجشم الكلف وعملها، فهو إذا

стр. 54

صرف وجهه أوجه واحد، وهو وجه الله، صرف الوجوه إليه كلها ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ ٢. صدرت المكاتبتان المذكورتان في عهد الملك العزيز بن السلطان صلاح الدين، وهو يستنجد بالملك العادل الذي تولى حكم الشام سنة ٥٩٢ هـ: ١١٩٦ م، والقاضي الفاضل يذكره بالثواب العظيم في الدنيا والآخرة، فالجهاد هو مهور الحور في دار القرار، وفي الدنيا نتيجته محمودة وخيره عميم، فالمجاهد إذا قصد وجه الله الواحد، فوجوه البرية تتجه إليه بأسرها. ويختم كتابه الثاني بآية من القرآن الكريم تناسب ما ورد في المكاتبتين " بل إن هذه الآية وحدها، فيها إشارة إلى كل ما جاء في الرسالتين. إندونيسيا في أرقام * يبلغ عدد سكانها: ١٣٩ مليون، منهم ٩٠%مسلمون ٦%نصارى ٤%هنادكة وبوذيون ووثنيون. * مساحتها: ٧٣٥.٠٠٠ ميلاً مربعاً، وعدد جزرها: ١٣.٥٧٧ جزيرة منها ٦٠٠٠جزيرة عامرة بالسكان. * دخلها الإسلام في القرن الأول الهجري على يد التجار.. * عاشت في ظل الإسلام حوالي عشرة قرون، ثم خضعت للاستعمار الهولندي (٣٥٠) عاماً وتحررت منه عام ١٩٤٥م * عاصمتها جاكرتا، وأهم جزرها سومطرة، جاوه، كاليمنتان، ولاويسي، ايريان، ونظام الحكم فيها جمهوري. * في جاكرتا ١٣٥٤مسجداً بالإضافة إلى ٤٠٠٠مصلى عدا ٢٨٩٨مجلساً تعليمياً و٢٠٠مكتبة إسلامية. * يبلغ عدد المساجد في اندونيسيا ٩٢٠٠٧ مسجداً و٣١٢٥٦٥ مصلى. * فيها ١٠٠٦٩ كنيسة ٢٧٤٢٤مبشراً بالإضافة إلى مئات المدارس والمؤسسات التبشيرية.