← Фатава

Фатава · id 2300

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (7 489 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

_________ العقيدة _________

стр. 2

التوحيد

стр. 3

السائلة أماني عبد الحليم تقول: قرأت في كتاب بأن أهل التوحيد لايخلدون في النار، فمن هم أهل التوحيد ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أهل التوحيد الذين عبدوا الله تعالى وحده، الذين عبدوا الله تعالى وحده أي: قاموا بالعبادة مخلصين بها لله، متبعين فيها لرسول الله ﷺ ، هؤلاء هم أهل التوحيد، ولا يختصون بطائفةٍ دون أخرى، في أي بلادٍ كان الإنسان، ومن أي قبيلةٍ كان، ومن أي جنسٍ كان، إذا قام بعبادة الله وحده، متبعاً في ذلك رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو من أهل الجنة. ***

стр. 4

ما هي أنواع التوحيد وشروط كلمة التوحيد ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أما بالنسبة لسؤال السائل عن كلمة التوحيد: فكلمة التوحيد هي لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله، وهذه تتضمن شيئين مهمين: الشيء الأول: نفي الألوهية الحقة عما سوى الله ، فإنه لا إله إلا الله . والثاني: إثبات الألوهية الحق لله ، وبهذا تم الإخلاص في هذه الكلمة العظيمة التي هي باب الدخول في الإسلام، ولهذا من قال: لا إله إلا الله، فقد عصم دمه وماله. وفي الصحيح أن أسامة بن زيد ﵁ لحق رجلاً مشركاً هرب منه، فلما أحاط به قال الرجل المشرك: لا إله إلا الله. فقتله أسامة بعد أن قال لا إله إلا الله. فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً. يعني: ليعتصم بها من القتل وليست عن إخلاص، فجعل النبي ﷺ يكررها، حتى قال أسامة: (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد) .فهذا أهم شيء في كلمة الإخلاص. ومنها- يعني: من شروط قبولها- أن يكون الإنسان قد قالها عن يقين، أي: قالها متيقناً لا متردداً ولا مقلداً، بل متيقناً أنه لا إله حق إلا الله ﵎، ولها مكملات بعضها على سبيل الوجوب وبعضها على سبيل الاستحباب، معلومة في كتب أهل العلم. ***

стр. 5

يسري حامد يقول: ما أقسام التوحيد مفصلة؟ لأننا في زمن كثرت فيه الشركيات، فنشاهد أناساً يذبحون عند الأضرحة ويطوفون بها ويتقربون إليها ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: سؤال الأخ عن التوحيد وأقسامه سؤال مهم؛ لأن التوحيد هو الذي بعثت به الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم قال الله ﵎: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) . والرسل حكى الله عنهم على وجه التفصيل أنهم كانوا يقولون لأقوامهم: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) . والنبي ﵊ جاء بتحقيق هذا التوحيد تحقيقاً تامّاً يمنع العبد من الإشراك بالله الشرك الصغير والكبير، وقد ذكر أهل العلم ﵏ أن أقسام التوحيد ثلاثة، وذلك بالتتبع والاستقراء، أولها: توحيد الربوبية، والثاني: توحيد الألوهية، والثالث: توحيد الأسماء والصفات، وقد اجتمعت الثلاثة في آية واحدة من كتاب الله في قوله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) فقوله تعالى (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) هذا توحيد الربوبية، وقوله: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) هذا توحيد الألوهية، وقوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) هذا توحيد الأسماء والصفات، أي لا تعلم له سميّاً أي: مساميا يضاهيه ويماثله . أقسام التوحيد ثلاثة: القسم الأول: توحيد الربوبية، وهو إفراد الله في الخلق والملك والتدبير، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر إلا الله، لا أحد يقوم بهذا على وجه الإطلاق والعموم والشمول إلا الله رب العالمين، فهو المتفرد بالخلق، المتفرد بالملك، المتفرد بالتدبير، قال الله : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) . فالآية هذه فيها حصر الخلق والأمر في الله وحده، وذلك بتقديم الخبر (له) على المبتدأ (الخلق) ، وتقديم ماحقه التأخير يفيد الحصر، كما قرر ذلك علماء البلاغة، فالخلق كله له، والأمر كله له ، لا يشركه أحد، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) . وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) . فبين الله أن هؤلا السفهاء الذين يشركون، الذين اتخذهم عبادهم شفعاء عند الله، شركاء مع الله، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض على وجه الاستقلال بها دون الله، ما لهم فيهما من شرك، أي: لا يملكون شركة مع الله ، فليسوا مستقلين في شيء، وليسوا شركاء مع الله في شيء، (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) يعني: ما لله أحد من هؤلاء يساعده ويعينه ، بل هو مستغنٍ عن جميع خلقه، (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وذلك لكمال سلطانه وعظيم ملكه ، لا أحد يشفع عنده يتوسط بشيء لأحد من خير أو دفع ضرر إلا بإذنه ، وفي هذا قطع لجميع ما يتعلق به المشركون الذين يدعون أنهم يعبدون هذه الأصنام، يتخذونها شفعاء عند الله، قال: (وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) ومن المعلوم أن الله لن يأذن لهذه الأصنام أن تشفع، ولا يأذن لأحد أن يشفع لعابد هذه الأصنام، قال الله ﵎: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) . وقال تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) . وحينئذٍ تنقطع كل الآمال التي يتعلق بها هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله غيره، يرجونه نفعاً أو دفع ضرر، فإن ذلك لا ينفعه، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) . إذاً توحيد الربوبية إفراد الله بأمور ثلاثة: بالخلق والملك والتدبير، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر إلا الله. وما يوجد من المخلوق من صنع الأشياء، وما يوجد من المخلوق من الملك، وما يوجد للمخلوق من التدبير، فكله تدبير ناقص، وهم أيضاً غير مستقلين به، بل ذلك من خلق الله ، أما المنفرد بذلك على وجه الاستقلال فهو الله ، فللمخلوق خلق وإيجاد، لكنه ليس كخلق الله، فالله تعالى موجد الأشياء من العدم، والمخلوق لا يستطيع أن يوجد الشيء من العدم، وإنما يستطيع أن يركب شيئاً مع شيء،أو يغير صورة شيء إلى شيء، كما لو غير النجار الخشبة إلى باب، والحداد الصفائح الحديد إلى أبواب وما أشبه ذلك، لكنه لن يخلق هذه المادة، قال الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) . كذلك الإنسان له ملك، قال الله تعالى: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) . وقال الله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَه) . ولكن هذا الملك ملك مقيد محدود ليس بشامل، وليس للإنسان فيه مطلق التصرف، بل هو محدود، فما بيدي من الملك ليس لك، وما بيدك من الملك ليس لي، ثم إنه ملك محدود لا تستطيع أن تتصرف فيه إلا على حسب ما جاءت به الشريعة. وكذلك للإنسان تدبير: يدبر مملوكه، ويدبر زوجته، يدبر أهله، لكنه تدبير ناقص ليس بشامل، ولا للإنسان فيه مطلق الحرية، وبهذا عرفنا أن المنفرد بالخلق والمنفرد بالملك والمنفرد بالتدبير هو الله وحده. هذا قسم من أقسام التوحيد، وهذا التوحيد لم ينكره المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﵌، بل كانوا يقرون به غاية الإقرار، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) . وقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) . وهكذا الآيات الكثيرة كلها تدل على أن المشركين الذين قاتلهم النبي ﵌ واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وذريتهم كانوا يقرون بهذا التوحيد، لكن ذلك لم ينفعهم؛ لأنهم مشركون في توحيد الألوهية، توحيد العبادة الذي هو حق الله الخاص له، وهو: القسم الثاني: توحيد الألوهية، المستفاد من قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) والألوهية مبنية على شيئين، بل العبادة مبنية على شيئين: المحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون الرجاء وفعل الأوامر، طلباً للوصول إلى محبة الله وثوابه، والتعظيم- وهو الأساس الثاني للعبادة- به يترك الإنسان المناهي التي نهى الله عنها؛ لأنه بتعظيمه لله يترك مناهيه ويخاف من عقابه. ثم إن العبادة لها شرطان: الشرط الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لرسول الله ﵌. فللعبادة إذاً ركنان ولها شرطان، أما ركناها فالمحبة والتعظيم وهما الأساس، وأما شرطاها فهما الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﵌، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) . وقوله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) . ودليل المتابعة قوله ﵎: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . وقال النبي ﵌: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . أي: مردود على صاحبه؛ لأنه لم تتحقق فيه المتابعة. وإذا نظرنا إلى حال كثير من المسلمين اليوم وجدنا أنهم ليسوا على توحيد خالص في باب الألوهية والعبودية: فمنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد الأولياء، ومنهم من يطوف بالقبور رجاءً لنفعها ودفعها للضرر، ومنهم من يُؤلِّه الحكام ويجعلهم في منزلة الألوهية، يطيعهم فيما حرم الله فيستحله وفيما أحل الله فيحرمه، وهذا هو اتخاذهم أرباباً، قال الله ﵎: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) . ويروى عن عدي بن حاتم ﵁ أنه قال للنبي ﵌: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم. قال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى. قال النبي ﵌ فتلك عبادتهم) . وهذا القسم من التوحيد هو الذي خالف فيه المشركون رسول الله ﵌ وأنكروا عليه، وقالوا فيه: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) . وسبحان الله أن يكون التوحيد عجاباً، وأن يكون شركه صواباً. فالعجب العجاب الذي لا ينقضي هو أن يشرك هؤلاء بالله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ولا يستجيب لهم إلى يوم القيامة، وقد استباح النبي ﵌ دماء هؤلاء المشركين ونساءهم وذرياتهم وأموالهم وقاتلهم على ذلك أشد المقاتلة، حتى يعبدوا الله أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. أما القسم الثالث فهو توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله بأسمائه وصفاته، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفى الله عن نفسه، والسكوت عما سكت الله عنه ورسوله، إثباتاً بلا تمثيل، ونفياً بلا تعطيل. وهذا هو الذي انقسمت فيه الأمة الإسلامية إلى أقسام متعددة: فمنهم السلف، وهم فقط أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا لله ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات في كتابه أو على لسان رسوله ﵌، إثباتاً بلا تمثيل، ونفوا ما نفى الله عن نفسه نفياً بلا تعطيل، وسكتوا عما سكت الله عنه ورسوله. فمن ذلك أنهم أثبتوا لله كل ما وصف به نفسه، كل صفة أثبتها لنفسه: من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام والعزة والحكمة والرحمة والعجب والضحك، وأثبتوا لله الوجه واليدين والعينين، وأثبتوا لله القدم والساق، وكذلك كل ما وصف الله به نفسه أثبتوه لله لكن بلا تمثيل، يثبتون هذا ويقولون: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصيرِ) . فيقولون: لله يد ولكن ليستا كأيدينا، وجه لكن ليس كوجوهنا، عينان لكن ليست كأعيننا، وهكذا بقية الصفات. ويقولون أيضاً: إن الله استوى على العرش، علا عليه علوّاً يليق بجلاله ، لكن ليس كاستوائنا نحن على السرير أو على الدابة أو على الفلك؛ لا؛ لأن الله تعالى يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصيرِ) . هذا هو مذهب السلف: إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، ونفي ما نفى الله عن نفسه من الأسماء والصفات، والسكوت عما سكت عنه. وبعد ذلك تنازع الناس تنازعاً طويلاً عريضاً لا ينبني على أصل، لا من المعقول ولا من المنقول: فأثبت قوم الأسماء، وأثبتوا من الصفات صفات قليلة، وليس على الوجه الذي يثبته عليه أهل السنة والجماعة، بل يخالفونه في كيفية هذا الإثبات. وأثبت قوم الأسماء، ونفوا الصفات كلها، أو إلا الحياة والعلم والقدرة. ونفى قوم الأسماء والصفات، ونفى قوم الإثبات والنفي، واضطربوا في ذلك اضطراباً كثيراً. لكن من هؤلاء من تصل بدعته إلى حد الكفر المخرج من الملة، ومنهم من دون ذلك، ولكن الحق فيما ذهب إليه السلف، وهم أهل السنة والجماعة: إثبات كل صفة أثبتها الله لنفسه بدون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ونفي كل صفة نفاها الله عن نفسه، والسكوت عما سكت الله عنه، وهذه الطريقة السليمة الثابتة سمعاً وعقلاً وفطرةً. وللناس في هذا كتب ورسائل معلومة، ومن أحسن ما رأيته تقريباً لهذا الأصل العظيم ما كتبه شيخ الإسلام، ابن تيمية ﵀، وكتبه تليمذه ابن القيم، فإنهما كتبا في هذا الباب كتابات عظيمة مفيدة، ما رأيت أحداً كتب مثل كتابتهما، وغالب من يكتب في هذا الباب تجدهم يقلد بعضهم بعضاً، ولهم مقلدون لا يخرجون عن كلامهم ولو تبين الحق، والحقيقة أن الواجب على المرء أن يتبع ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله سلم، وأنه ليس بمعذور إذا خالف ذلك من أجل قول فلان وفلان، قد يخطئ فلان وفلان من المتبوعين خطأً يعذر فيه، لكن التابع الذي تبين له الحق لا يعذر في اتباعه لهؤلاء الذين أخطؤوا. وإنني من هذا المنبر منبر نور على الدرب في إذاعة المملكة العربية السعودية أدعو جميع إخواني الذين درسوا في هذا العلم علم التوحيد علم العقائد، أدعوهم إلى تقوى الله ، وأن يسلكوا ما سلكه النبي ﵌ وأصحابه من الخلفاء الراشدين وغيرهم في هذا الباب العظيم الخطير؛ لأن هذا الباب مبناه على الخبر المحض، ليس للعقول فيه مجال إلا على سبيل الإجمال، فإن العقول تهتدي إجمالاً إلى أن الله موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، ولكن لا تدرك هذا على وجه التفصيل، وإنما يؤخذ ذلك من الكتاب والسنة، وإذا كان هذا هو الواقع، وأن ما يتعلق بصفات الله وأسمائه خبر محض، فإنه يجب علينا أن لا نحيد عن ما جاء به الكتاب والسنة قيد أنملة، ولا سمك شعرة، بل يجب علينا قبول ما جاء به الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. ولقد رأينا أن الذين يحيدون عن هذه السبيل ويتخبطون خبط عشواء في بعض أسماء الله وصفاته، رأينا أنهم يضلون كثيراً، ويؤدي بهم الحال إلى الشرك وإلى الحيرة، كما نقل ذلك عن كثيرٍ من زعمائهم، حتى إن الفخر الرازي وهو من رؤسائهم قال فيما نقل عنه، إما منشداً وإما ناظماً: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وقال: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، وجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) . وأقرأ في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) . ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) . ويقول الآخر: لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وهذا يدل على أن هؤلاء المتكلمين الذين ذهبوا يحكمون على الله تعالى بعقولهم فيما يصفونه به كانوا في حيرة شديدة، وأن من بلغ منهم الغاية في علم الكلام رجع إلى الحق، وهو ما كان عليه سلف هذه الأمة: من إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﵌، ونفي ما نفى الله عنه أو ما نفاه عنه رسوله ﵌، والسكوت عن ما لم يرد به إثبات ولا نفي، وهذا هو الأدب مع الله ورسوله، فعلينا جميعاً أن نتوب إلى الله ، وأن نرجع إلى منهج سلفنا الصالح في هذا الباب العظيم الخطير. ونسأل الله لنا ولإخواننا السلامة والتوفيق لمنهج السلف الصالح، وأن يتوفانا على ما يحبه ويرضاه، إنه جواد كريم. ***

стр. 6

هل الإيمان هو التوحيد ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الإيمان والتوحيد شيئان متغايران وشيئان متفقان، فالتوحيد هو إفراد الله بما يستحقه ويختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ولهذا قال العلماء ﵏: إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وإن هذه الأقسام جاءت في قوله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) . فقوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) يعني توحيد الربوبية، وقوله: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) يعني توحيد الألوهية، وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) يعني توحيد الأسماء والصفات. وهذا التقسيم للإيمان في الواقع؛ لأن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وعلى هذا فالموحد لله مؤمن به، والمؤمن بالله موحد له، لكن قد يحصل خلل في التوحيد أو في الإيمان فينقصان، ولهذا كان القول الراجح أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص في حقيقته وفي آثاره ومقتضياته: فالإنسان يجد من قلبه أحياناً طمأنينة بالغة، كأنما يشاهد الغائب الذي كان يؤمن به، وأحياناً يحصل له شيء من قلة هذا اليقين الكامل، وإذا شيءت أن تعرف أن اليقين يتفاوت فاقرأ قول الله تعالى عن إبراهيم خليله ﵊: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) . كما أنه أيضاً يزيد بآثاره ومقتضياته: فإن الإنسان كلما ازداد عملاً صالحاً ازداد إيمانه، حتى يكون من المؤمنين الخلص. ***

стр. 7

كيف يحقق المسلم التوحيد ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: يحقق التوحيد بإخلاص شهادة أن لا إله إلا الله، أي لا معبود حق إلا الله ، فكل ما عبد من دون الله فهو باطل، قال الله ﵎: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) . ويحقق التوحيد- وهو توحيد الاتباع- بالتزام سنة النبي ﷺ ، ألا يحيد عنها يميناً ولا شمالاً، وألا يتقدمها إقبالاً، ولا يتأخر عنها إدباراً. ***

стр. 8

كيف يحقق المسلم التوحيد ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: يحقق التوحيد بالإخلاص لله ، وأن تكون عبادته لله تعالى وحده لا يرائي فيها ولا يحابي فيها، وإنما يعبد الله مخلصاً له الدين، هذا بالنسبة للعبادة. كذلك أيضاً بالنسبة للربوبية: لا يعتمد إلا على الله، ولا يستعين إلا بالله، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لابن عمه وهو عبد الله بن عباس ﵄: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) . وعليه أن يسأل الله دائماً الثبات على الحق وعلى التوحيد، فإن كثيراً من الناس وإن كان معه أصل التوحيد لكن يكون هناك أشياء منقصة، وأضرب لك مثلاً شائعاً عند الناس يتهاونون به، وهو الاعتماد على الأسباب، فإن من المعلوم أن الله قدر للأشياء أسباباً: فالمرض قدر الله للشفاء منه أسباباً، والجهل قدر الله تعالى للتخلص منه أسباباً، الأولاد قدر الله لهم أسباباً، وهلم جرّاً. فبعض الناس يعتمد على السبب: فتجده إذا مرض يتعلق قلبه تعلقاً كلياً بالمستشفى وأطبائه، ويذهب وكأن الشفاء بأيديهم، وينسى أن الله جعل هؤلاء أسباباً قد تنفع وقد لا تنفع، فإن نفعت فبفضل الله وتقديره، وإن لم تنفع فبعدل الله وتقديره، فلا ينبغي بل لا يجوز أن ينسى الإنسان المتسبب ويتفكر للسبب، نعم نحن لا ننكر أن السبب له تأثير في المسبب، لكن هذا التأثير إنما كان بإذن الله ، كما قال الله ﵎ في السحرة: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) قال (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) . فالمهم أن تحقيق التوحيد هو تعلق القلب بالله ﵎ خوفاً وطمعاً، وتخصيص العبادة له وحده. ***

стр. 9

أهل السنة والجماعة

стр. 10

من هي الطائفة المنصورة؟ وكيف تُعرف ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الطائفة المنصورة هم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية، وهم الذين كانوا على مثل ما عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه عقيدةً وقولاً وفعلاً. ففي العقيدة: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، يؤمنون بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، يؤمنون بأن الله تعالى هو الحق وأن ما يدعى من دونه هو الباطل، يؤمنون بكل ما سمى الله به نفسه أو ما سماه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، يؤمنون كذلك بملائكة الله تعالى على ما جاء في الكتاب والسنة، وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر والقدر خيره وشره، يتعبدون لله تعالى بما شرع، لا يبتدعون في دين الله تعالى ما لم يشرع، يعتقدون أن كل بدعة في دين الله تعالى ضلالة، مخلصون لله تعالى في عباداتهم؛ لأنهم أمروا بذلك: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) . لا يبتدعون في دين الله ما ليس منه، لا في العقيدة ولا في الأعمال القولية أو الفعلية، بل هم مخلصون لله، متبعون لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هؤلاء هم الفرقة الناجية، وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل السنة والجماعة. ***

стр. 11

ما أهمية الجماعة في الإسلام؟ وهل يشترط على المسلم أن ينتمي إلى جماعةٍ معينة ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الجماعة في الإسلام هي الاجتماع على شريعة الله التي قال فيها الرسول ﵊: (لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) . هذه هي الجماعة التي يجب على الإنسان أن ينتمي إليها، أما الجماعة الحزبية التي لا تريد إلا انتصار رأيها، سواء كان بحق أم بباطل، فإنه لا يجوز الانتماء إليها؛ لأن ذلك متضمنٌ البراءة من الجماعة الإسلامية، والولاية للجماعة الحزبية التي فيها التفرق والاختلاف، وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله) . وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) . وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . وقال تعالى لنبيه ﷺ (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) . وهذه الجماعات الإسلامية التي تنتمي إلى الإسلام وهدفها انتصار الإسلام يجب عليها أن لا تتفرق، يجب عليها أن تنحصر في طائفةٍ واحدة، طائفة الجماعة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه، كما أخبر بذلك النبي ﷺ حين قال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) . وهذه الجماعات فرقت الأمة وشتتهم، وألقت بينهم العداوة، حتى صار الواحد منهم ينظر إلى الثاني نظر العدو البعيد، مع أن الكل منهم مسلم ينتمي إلى الإسلام ويريد أن ينتصر الإسلام به، ولكن أنى وقد تفرقوا هذا التفرق، وتمزقوا هذا التمزق؟ فالذي ينبغي أن أوجه إخواني إليه من هذا المنبر منبر نور على الدرب من إذاعة المملكة العربية السعودية أن يجتمعوا على الحق؟ وأن يجتنبوا أوجه الاختلاف بينهم، فيزيلوها بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والحقيقة أن هذا التفرق أصبح فريسته هذا الوعي الذي نشاهده في الشباب الإسلامي، فإن هذا الشباب بتفرق هذه الجماعات صار كل طائفةٍ منهم تنتمي إلى جماعة، صار كل واحدٍ منهم ينتمي إلى جماعة من هذه الجماعات، وتفرقوا وصار بعضهم يسب بعضاً ويطعن في بعض، وهذه ضربةٌ قاسية قاصمةٌ للظهر إلى هذه الصحوة التي بدأت ولله الحمد تظهر آثارها في شباب المسلمين. المهم أنني أنا أنصح بعدم التفرق ولو في ضمن هذه الجماعات، وأرى أن تكون الأمة الإسلامية أمةً واحدة،لا تختلف ولا تتسمى كل واحدةٍ منهم باسم ترى أنها ندٌ للجماعات الأخرى. ***

стр. 12

وجدت في تفسير ابن كثير حديثاً يقول فيه الرسول ﷺ ما معناه: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) . فهل هذا الحديث صحيح؟ وما هي الفرق الضالة من هذه الفرقة الناجية ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح، بكثرة طرقه، وتلقي الأمة له بالقبول، فإن العلماء قبلوه وأثبتوه حتى في بعض كتب العقائد، وقد بين النبي ﵊ أن الفرقة الناجية هي الجماعة الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من عقيدة وقول وعمل، فمن التزم ما كان عليه رسول الله ﷺ من العقائد الصحيحة السليمة والأقوال والأفعال المشروعة فإن ذلك هو الفرقة الناجية، ولا يختص ذلك بزمان ولا بمكان، بل كل من التزم هدي الرسول ﵊ ظاهراً وباطناً فهو من هذه الجماعة الناجية، وهي ناجية في الدنيا من البدع والمخالفات، وناجية في الآخرة من النار. ***

стр. 13

ماالمقصود بالسلف ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: السلف معناه المتقدمون، فكل متقدم على غيره فهو سلف له، ولكن إذا أطلق لفظ السلف فالمراد به القرون الثلاثة المفضلة: الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، هؤلاء هم السلف الصالح، ومن كان بعدهم وسار على منهاجهم فإنه مثلهم على طريقة السلف، وإن كان متأخراً عنهم في الزمن؛ لأن السلفية تطلق على المنهاج الذي سلكه السلف الصالح ﵃، كما قال النبي ﵊: (إن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة،كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة) . وفي لفظ: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) . وبناء على ذلك تكون السلفية هنا مقيدة بالمعنى، فكل من كان على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان فهو سلفي وإن كان في عصرنا، هذا وهو القرن الرابع عشر بعد الهجرة. ***

стр. 14

ما المراد بالتوسط في الدين أو الوسطية ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: التوسط في الدين أو الوسطية أن يكون الإنسان بين الغالي والجافي، وهذا يدخل في الأمور العلمية العقدية، وفي الأمور العملية التعبدية. فمثلاً في الأمور العقدية انقسم الناس فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط طرفٌ، غلا في التنزيه فنفى عن الله ما سمى ووصف به نفسه، وقسمٌ غلا في الإثبات فأثبت لله ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، لكن باعتقاد المماثلة، وقسمٌ وسط أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، لكن بدون اعتقاد المماثلة، بل باعتقاد المخالفة، وأن الله تعالى لا يماثله شيئٌ من مخلوقاته. مثال الأول الذين غلوا في التنزيه الذين يقولون: إن الله تعالى لا يوصف إلا بصفاتٍ معينة حددوها، وادعوا أن العقل دل عليها، وأن ما سواها لا يثبت؛ لأن العقل بزعمهم لم يدل عليها، فمثلاً أثبتوا صفة الإرادة لله وقالوا: إن الله تعالى مريد، لكنهم نفوا صفة الرحمة عنه وقالوا: معنى الرحمة الإحسان أو إرادة الإحسان، وليست وصفاً في الله ، فتجد هؤلاء أخطؤوا حيث نفوا ما وصف الله به نفسه، بل نفوا ما كانت دلالة العقل فيه أظهر من دلالة العقل على ما أثبتوه، فإن إثباتهم للإرادة بالطريق العقلي أنهم قالوا: إن تخصيص المخلوقات بما تختص به مثل: هذه سماء وهذا أرض وهذه بعير وهذه فرس وهذا ذكر وهذه أنثى، هذا التخصيص يدل على إرادة الخالق أنه أراد أن يكون الشيء على هذا فكان. فنقول لهم: إن دلالة نعم الله ودفع نقمه تدل على الرحمة أكثر مما يدل التخصيص على الإرادة، ولكن مع ذلك نفوا الرحمة وأثبتوا الإرادة، بناءً على شبهةٍ عرضت لهم. القسم الثاني الذين غلوا في الإثبات وهم أهل التمثيل، قالوا: نثبت لله الصفات، لكن على وجهٍ مماثل للمخلوق، وهؤلاء ضلوا وغفلوا عن قول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . والقسم الثالث الوسط قالوا: نثبت لله كل ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو فيما صح عن رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، مع اعتقاد عدم المماثلة، وأن ما يثبت للخالق من ذلك مخالفٌ لما يثبت للمخلوق، فإن ما يثبت للخالق أكمل وأعلى، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) . هذا في العقيدة، كذلك أيضاً في الأعمال البدنية: من الناس من يغلو فيزيد ويشدد على نفسه، ومن الناس من يتهاون ويفرط فيضيع شيئاً كثيرا، ً وخير الأمور الوسط. والوسط الضابط فيه: ما جاءت به الشريعة فهو وسط، وما خالف الشريعة فليس بوسط، بل هو مائل إما للإفراط وإما إلى التفريط. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية خمسة أصول، بين فيها ﵀ أن أهل السنة فيها وسطٌ بين طوائف المبتدعة، فيا حبذا لو أن السائل رجع إليها؛ لما فيها من الفائدة. ***

стр. 15

عبد الله بن عبد الرزاق يقول: ما حكم من قال بأن الخوض في مسائل العقيدة والتوحيد والمناقشات العلمية يسبب الفرقة وضياع الجهد والفكر والدعوة؟ وجهونا في ضوء هذا السؤال ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: التعمق في السؤال فيما يتعلق بالعقيدة ليس هو من طريق السلف، بل كانوا يحذرون منه غاية التحذير؛ لأن أمور العقيدة أمورٌ غيبية يجب أن يتلقاها الإنسان بالتسليم، دون الخوض في كيفياتها وحقيقتها، ولهذا لما سأل رجلٌ الإمام مالكاً ﵀ عن قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) : كيف استوى؟ فأطرق مالكٌ ﵀ برأسه حتى علاه الرحض- أي: حتى علاه العرق- ثم رفع رأسه فقال: (يا هذا! الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً) ، ثم أمر به فأخرج من المسجد مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما البحث عن معاني أسماء الله تعالى وصفاته وإثباتها على الوجه اللائق به جل وعلا من غير تكييفٍ ولا تمثيل فهذا حق، وهذا منهج السلف الصالح ﵃، هذه هي القاعدة والجادة فيما يتعلق بالعقيدة، ولكن إذا ابتليت بشخص أرغمك على أن تبحث معه وله اصطلاحات خاصة، فعليك أن تبين الحق، وأن لا تسكت أو تسكته إلا إذا علمنا أنه معاند، فلنا أن نسكته حتى يعرف قدر نفسه. ***

стр. 16

أم عبد الله تقول: ما حكم التنطع في الإسلام؟ وضحوا لنا ذلك من الكتاب والسنة ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: التنطع في الإسلام معناه التشدد في الإسلام والتعمق والتقعر، وحكمه أنه هلاك للمرء؛لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) . ودين الله الحق بين الغالي فيه والجافي عنه، فالتعمق والتنطع وإلزام النفس بما لا يلزمها هذا كله هلاك، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ***

стр. 17

ما السبب في وجود عقيدة صحيحة وعقيدة خاطئة ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا سؤالٌ عجيب! يعني إذاً قل: ما السبب في وجود مؤمنين وكافرين؟ ما السبب في وجود فاسقين ومعتدلين؟ ونقول: السبب في ذلك أن هذه حكمة الله ، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) . وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) . أي: على دينٍ واحد وعقيدة واحدة،ولكن: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) . ولولا هذا الاختلاف لكان خلق الجنة والنار عبثاً؛ لأن النار تحتاج إلى أهل والجنة تحتاج إلى أهل، فلا بد من الاختلاف. لكن ينبغي أن يقول: ما هو الضابط في العقيدة الصحيحة وفي العقيدة الفاسدة؟ وجوابنا على هذا أن نقول: ما كان موافقاًً لما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه فهو عقيدةٌ صحيحة، وما كان مخالفاً لهم فهو عقيدةٌ فاسدة، وكذلك يقال في الأعمال البدنية: ما كان موافقاً لما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه فهو عملٌ صالح، وما لم يكن كذلك فهو عملٌ فاسد، وهذا هو الذي ينبغي أن نسأل عنه، وينبغي أن نبحث: هل نحن في عقيدتنا، هل نحن في أعمالنا موافقون لما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه أم مخالفون؟!! ***

стр. 18

في بعض البلاد الإسلامية يدرس تاريخ الإسلام بطريقة غير صحيحة، مما يؤدي إلى بغض بعض الصحابة رضوان الله عليهم، نرجو التوضيح خاصة عن موقف بعض المعارك ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: ما قاله السائل صحيح، فإن التاريخ في الحقيقة يزوّر ويشوّه حسب ما تكون الدولة، فهو خاضع مع الأسف للدولة بحيث توجهه حيث ما تريد، وخاضع كذلك لبعض الأفكار التي تجترئ على الكذب وتستسيغه في جانب ما تدعو إليه وتهدف إليه، ولذلك نرى في كثير من كتب التاريخ أشياء مشوهة إن كان صدقاً، وكثيراً وكثيراً مزورة مكذوبة، لاسيما فيما جرى بين الصحابة ﵃ مما هم فيه معذورون؛ لأنهم مجتهدون، ومن أصاب منهم له أجران، ومن أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور. فيجب على المرء أن يحذر من مثل هذه الكتب المزورة أو المشوهة بزيادة أو نقص، لاسيما إذا كان يشعر بأن هذا الكتاب مثلاً يسيء إلى الصحابة ﵃ في تشويه حياتهم ومجتمعاتهم؛ لأن القدح في الصحابة ﵃ ليس قدحاً في الصحابة أنفسهم فقط، بل هو قدح فيهم وقدح في رسول الله ﷺ ، وقدح في الشريعة، وقدح في الله ؛ لأنه إذا صار القدح في الصحابة ﵃ كان ذلك قدحاً في الشريعة؛ لأنهم هم وسيلة النقل، هم الذين نقلوها إلينا، فإذا كانوا محل قدح وعيب فكيف نثق بالشريعة التي بين أيدينا وهي جاءت عن طريقهم؟ وإذا كان قدحاً في الصحابة صار قدحاً في النبي ﷺ ؛ لأنهم أصحابه وأحبابه وناصروه على أعدائه، والقدح في الصاحب قدح في المصحوب، وإذا كان القدح في الصحابة صار قدحاً في الله ، فكيف يقال: إن الله تعالى اختار لنبيه -وهو أفضل خلقه- مثل هؤلاء الأصحاب الذين هم محل القدح والسب والعيب؟ إذاً فالقدح في الصحابة قدح في الله وفي رسوله وفي شريعته، والأمر أمر عظيم، وكتب التاريخ قد يكون بعضها متناولاً لهذا الأمر مما يكون دالاً على القدح في الصحابة إما تصريحاً وإما تلميحاً،فليحذر المؤمن من مثل هذه التواريخ التي تضله.والله المستعان. ***

стр. 19

الإيمان والإسلام

стр. 20

ما هي أركان الإيمان؟ وما حكم الإيمان بها ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أركان الإيمان هي ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حين سأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) . ومن لم يؤمن بها جميعاً فهو كافر، يعني: لو آمن ببعض وكفر ببعض فهو كافر؛ لأن الذي يؤمن ببعض الشريعة ويكفر ببعضها فهو كافر بالجميع، والذي يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعضهم كافر بالجميع، كما قال الله تعالى موبخاً بني إسرائيل: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) . وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً) . فبين الله تعالى أن هؤلاء الذين يؤمنون ببعض الرسل دون بعض هم الكافرون حقاً فأركان الإيمان إذاً ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فأما الإيمان بالله فأن يؤمن الإنسان بأن الله تعالى حي عليم قادر، منفرد بالربوبية وبالألوهية وبأسمائه وصفاته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ويؤمن بأنه على كل شيء قدير، وأن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون. والإيمان بالملائكة: أن تؤمن بهذا العالم من الخلق، وهم- أعني: الملائكة- عالم غيبي لا نشاهده إلا إذا أراد الله أن نشاهده لحكمة فهذا يقع، هذا العالم من المخلوقات خلقوا من نور- أعني: الملائكة- وهم مطيعون لله تعالى دائماً، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، نعلم منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل: أما جبريل فهو موكل بالوحي يأتي به من الله إلى من أوحاه الله إليه، وأما اسرافيل فإنه موكل بالنفخ في الصور، وأما ميكائيل فإنه موكل بالقطر والنبات، ومنهم- أي: من الملائكة- من وكلوا بحفظ بني آدم كما قال تعالى عنهم: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) . ومنهم من هو موكل بإحصاء أعمال ابن آدم يكتبها عليه، كما قال الله ﵎ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) . فهم عن أيماننا وعن شمائلنا لكن لا نراهم، وقد يُرى الملك بصورة إنسان مثلاً، كما جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، جلس إلى النبي ﷺ جلسة المتأدب، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها. والملائكة عليهم الصلاة والسلام لا يأكلون ولا يشربون، وهم عدد لا يحصيهم إلا الله كما جاء في الحديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد) . (وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن البيت المعمور أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه) ، وهذا يدل على كثرتهم العظيمة. الإيمان بكتب الله هذا الركن الثالث من أركان الإيمان، كتب الله المنزلة نعرف منها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وخاتمها القرآن الكريم المنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ورسله جمع رسول، وهم الذين أرسلهم الله ﵎ إلى البشر، وهم من بني آدم، يلحقهم من العوارض الجسدية ما يلحق بني آدم، وكم من بني آدم فضلوا بما أعطاهم الله من النبوة والأخلاق والشمائل، نعرف منهم عدداً كبيراً، ومنهم من لم نعلم، لم يقصه الله علينا، لكن يكفينا الإجمال: أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ومن علمناه بعينه آمنا به بعينه. اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي آخراً لأنه لا يوم بعده. قال شيخ الإسلام ﵀: ويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت: كفتنة القبر وعذابه أو نعيمه؛ لأن كل من مات فقد قامت قيامته، انتهى، انتقل إلى اليوم الآخر، ويدخل في ذلك الإيمان بما يكون في ذلك اليوم من حشر العالم كلهم في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وما ذكر في ذلك اليوم من الميزان، وحوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والصراط المنصوب على جهنم، والجنة والنار، وغير ذلك مما جاء به القرآن وصحت به السنة. والقدر خيره وشره، القدر يعني: تقدير الله ، والله ﵎ قدر كل شيء، قال الله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) . ومراتب القدر أربع: الأولى: أن تؤمن بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، فإن الله تعالى عالم بكل شيء كان أم لم يكن، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) . المرتبة الثانية: الكتابة، فإن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، ودليل ذلك: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) . وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) . فما كتب في اللوح المحفوظ فلابد أن يقع، كما جاء في الحديث: (جفت الأقلام وطويت الصحف) . المرتبة الثالثة: أن تؤمن بعموم مشيئة الله ، وأنه ما في الكون من موجود ولا معدوم إلا بمشيئة الله، فهو الذي يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، حتى أفعالنا نحن كائنة بمشيئة الله. المسألة الرابعة: الإيمان بخلق الله، أي بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأن له مقاليد السماوات والأرض، حتى أعمال العباد مخلوقة لله ، قال الله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان: من الآية٢) . وقال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٦) . هذه المراتب الأربع لابد من الإيمان بها، فمن نقص منها مرتبة واحدة لم يتم إيمانه بالقدر. وقوله: (خيره وشره) . إذا قال قائل: إذا كان القدر من الله كيف يكون فيه شر؟ فالجواب: أن الشر ليس في تقدير الله، ولكن فيما قدره الله، أي: في المقدورات، أما قدر الله لها بالشر فإنه لحكمة بالغة، وبهذا الاعتبار يكون خيراً. ***

стр. 21

ما هي العقيدة الإسلامية الصحيحة التي بها يتقبل الله صلوات المصلىن ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: العقيدة الصحيحة للمسلمين التي يتقبل الله بها صلاة المصلىن هي ما أجاب به النبي ﷺ جبريل حين سأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) . هذه هي العقيدة الصحيحة التي يتقبل الله بها من المسلمين، وتتضمن هذه العقيدة تمام القبول والانقياد، وذلك بأن يشهد الإنسان أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وحينئذٍ يكون مسلماً تصح منه الصلاة وسائر العبادات. ***

стр. 22

ما هي العروة الوثقى ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: العروة الوثقى هي الإسلام، وسميت عروة وثقى لأنها توصل إلى الجنة. ***

стр. 23

إذا أخل المسلم بركن واحد من أركان الإيمان الستة فما الحكم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أخل بركن من أركان الإيمان الستة جحداً وتكذيباً فهو كافر، وأما إذا كان عن تأويل- كالذين أنكروا مسائل في باب القدر- فهذا لا يكفر؛ لأنه متأول لكن أحياناً يكون التأويل بعيداً، وأحياناً يكون التأويل قريباً. ***

стр. 24

ما الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان؟ وإذا أقام الشخص الإسلام وترك الباقيات هل نكفره أم لا ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الفرق بين هذه الثلاثة بيّنه النبي ﵊ حين سأله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال له: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) . وسأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) . فسأله عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، هذا هو الفرق. ومن ترك واحداً من ذلك ففيه تفصيل: من ترك الشهادتين فلم يشهد أن لا إله إلا لله ولا أن محمداً رسول الله فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين، ومن أتى بالشهادتين لكن ترك الصلاة فهو كافر على القول الراجح، والأدلة على ذلك كثيرة تمر بنا كثيراً في هذا البرنامج، ومن ترك الزكاة أو الصيام أو الحج فإنه لا يكفر على القول الراجح؛ لقول عبد الله بن شقيق: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) . وأما الإيمان فأركانه ستة، إذا أنكر واحداً منها كفر: لو لم يؤمن بالله فهو كافر، أو بملائكته فهو كافر، أو بكتبه فهو كافر، أو برسله فهو كافر، أو باليوم الآخر فهو كافر، أو بالقدر فهو كافر. وأما الإحسان فهو كمال: إن أتى به الإنسان فلا شك أنه أكمل، يعني: صلى كأنه يرى ربه فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، فالإحسان كمال وفضل، والإيمان ترك واحد من أركانه كفر، والإسلام فيه التفصيل. ***

стр. 25

تقول المستمعة: كيف يعلم الشخص أنه وصل إلى درجة الإيمان؟ لأن عندي إحدى الأخوات تقول بأنها مؤمنة وإيماني قوي، كيف يعلم الإنسان بأن إيمانه قوي؟ وما هي الشروط التي تجعل المؤمن قوي الإيمان؟ وهل يعلم الإنسان إذا كان إيمانه قويّاً أو ضعيفاً؟ أرجو توضيح ذلك مأجورين ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الإيمان أعلى مرتبة من الإسلام، والإنسان يعلم أنه مؤمن بما يكون في قلبه من الإقرار الجازم بما يجب الإيمان به، وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبما يكون لهذا الإيمان من النتائج، وهي الإنابة إلى الله بفعل الطاعات، والتوبة إليه من المعاصي، ومحبة الخير للمؤمنين، ومحبة النصر للإسلام، وغير ذلك من موجبات الإيمان التي تدل دلالة واضحة على أن الإنسان مؤمن. ويمكن هذا، أعني: أن العلم بأن الإنسان مؤمن، بأن يطبق أحواله وأعماله على ما جاءت به السنة مثل: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) . فلينظر: هل هو يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أو يحب أن يستأثر على أخيه ولا يهتم بشأنه، أم ماذا؟ وليطبق ذلك أيضاً على نفسه في المعاملة:هل هو ناصح في معاملته لإخوانه، أو غاشٌّ لهم؟ لأن النبي ﵌ قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) . وثبت عنه ﷺ أنه قال: (من غش فليس منا) . فلننظر إلى هذا، ولننظر أيضاً: هل هو حَسَنُ الجوار بجيرانه، أو على خلاف ذلك؟ لأن حسن الجوار من علامات الإيمان؟ قال النبي ﷺ : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) . وقال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يعرف بها الإنسان ما عنده من الإيمان قوة وضعفاً. فالإنسان العاقل البصير يزن إيمانه بما يقوم به من طاعة الله واجتناب معصيته، ومحبة الخير لنفسه وللمسلمين. وأما قول القائل: أنا مؤمن وإيماني قوي، فهذا إن قاله على سبيل التزكية لنفسه فقد أساء؛ لقول الله تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) . وإن قالها على سبيل التحدث بنعمة الله، وتشجيع غيره على تقوية إيمانه، فلا حرج عليه في ذلك، ولا بأس به. والإنسان يعرف قوة الإيمان- كما ذكرنا آنفاً- بآثاره التي تترتب عليه، ومتى قوي إيمانه صار الإنسان كما أنه يشاهد علم الغيب الذي أخبر الله عنه، بحيث لا يكون عنده أدنى شك فيما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب. ***

стр. 26

ما الفرق بين المسلم والمؤمن ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الإسلام والإيمان يذكران جميعاً ويذكر أحدهما منفرداً عن الآخر. فإذا ذكرا جميعاً اختلف معناهما، وكان الإيمان للأعمال الباطنة والإسلام للأعمال الظاهرة، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ حين جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الإسلام، فقال النبي ﵌: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام) . ثم سأله عن الإيمان فقال النبي ﵌: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) . ففرق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإسلام هي الأعمال الظاهرة التي هي قول اللسان وعمل الجوارح، وجعل الإيمان الأعمال الباطنة التي هي إقرار القلب واعترافه وإيمانه، ولهذا قال الله عن الأعراب: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) . فجعل الله تعالى الإيمان في القلب، وبين في هذه الآية الكريمة أن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام؛ لأن الإسلام يكون من المنافق ومن المؤمن حقاً، وفي هذه الحال نقول: إن الإيمان أعلى مرتبة من الإسلام. أما إذا أفرد أحدهما عن الآخر فإنهما يكونان بمعنى واحد، كقول الإنسان: أنا مؤمن، كقوله: أنا مسلم ولا فرق، ولكن إذا قال: أنا مؤمن، فإنه يجب عليه أن يكون الباعث له على هذه المقالة التحدث بنعم الله ، أو الإخبار المحض المجرد، لا أن يكون الحامل له على ذلك تزكية نفسه وإعجابه بها وافتخاره على غيره، فإن ذلك من الأمور المحرمة. ***

стр. 27

ما الفرق بين المسلم والمؤمن وفقكم الله ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الإسلام والإيمان يتفقان في المعنى إذا افترقا في اللفظ، بمعنى: أنه إذا ذكر أحدهما في مكان دون الآخر فهو يشمل الآخر، وإذا ذكرا جميعاً في سياق واحد صار لكل واحد منهما معنى: فالإسلام إذا ذكر وحده شمل كل الإسلام، من شرائعه ومعتقداته وآدابه وأخلاقه، كما قال الله : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) . وكذلك المسلم إذا ذكر هكذا مطلقاً فإنه يشمل كل من قام بشرائع الإسلام من معتقدات وأعمال وآداب وغيرها، وكذلك الإيمان: فالمؤمن مقابل الكافر، فإذا قيل: إيمان ومؤمن بدون قول الإسلام معه فهو شامل للدين كله، أما إذا قيل: إسلام وإيمان في سياق واحد فإن الإيمان يفسر بأعمال القلوب وعقيدتها، والإسلام يفسر بأعمال الجوارح. ولهذا قال النبي ﷺ في جوابه لجبريل: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) إلى آخر أركان الإسلام. وقال في الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه) إلى آخر أركان الإيمان المعروفة. ويدل على هذا الفرق قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) . وهذا يدل على الفرق بين الإسلام والإيمان: فالإيمان يكون في القلب، ويلزم من وجوده في القلب صلاح الجوارح؛ لقول النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) . بخلاف الإسلام فإنه يكون في الجوارح، وقد يصدر من المؤمن حقاً، وقد يكون من ناقص الإيمان. هذا هو الفرق بينهما، وقد تبين أنه لا يفرق بينهما إلا إذا اجتمعا في سياق واحد، وأما إذا انفرد أحدهما في سياق فإنه يشمل الآخر. ***

стр. 28

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) . يقول: أيهما أولى: الإسلام أم الإيمان ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الإيمان أكمل، ولهذا قال الله تعالى في هذه الآية: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) . يعني: لم يدخل بعدُ الإيمان في قلوبكم، ولكنه قريب من الدخول. ولكن إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، كما في قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) . وإذا ذكر الإيمان وحده فقيل: مؤمن وكافر، فإن الإيمان يشمل الإسلام، أما إذا ذكرا جميعاً- كما في آية الحجرات- فإن الإيمان في القلب، والإسلام في الجوارح، والإيمان أكمل. ***

стр. 29

بعض الناس يقدمون المعونات المادية لبعض المساكين، ويكتفون بذلك ولا يؤدون فرائض الله تعالى كالصلاة والصوم وغيرهما، ويدّعون أنهم يعملون الصالحات، وأنهم خيرٌ عند الله من الذين يؤدون فرائض الله ثم يذنبون،وأنهم سيدخلون الجنة بما قدموا من حسناتٍ ماديةٍ قبل الذين يؤدون الفرائض، وربما حرمت على الذين يؤدون الفرائض ويذنبون وهم لا يحرمون منها؛ لأنهم أيضاً بيض القلوب غير مذنبين،فما الحكم في مثل هؤلاء أينما كانوا ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في هؤلاء أنه إذا كان الواحد منهم يدعي بأنه غير مذنب فإننا نقول: أي ذنبٍ أعظم من ترك الصلاة وشعائر الإسلام؟ وما أنفقوه على الناس من سد الحاجات وإعانة المحتاج وإصلاح الطرق وغيرها، كل هذا لا ينفعهم، كل هذا هباءٌ منثور كما قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) . وقال تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) . فهؤلاء كل أعمالهم- ولو كانت متعدياً نفعها إلى الغير، كلها- لا تنفعهم عند الله ولا تقربهم إليه، وهم إن ماتوا على ترك الصلاة ماتوا كفاراً مخلدين في النار والعياذ بالله. فعليهم أن يتوبوا إلى الله ، وأن يقوموا بما أوجب الله عليهم، ودعواهم أن من قام بشرائع الإسلام ولم ينفق إنفاقهم فإنه يحرم دخول الجنة وتكون الجنة لهم، هذه دعوىكاذبة، بل إن من قام بشرائع الإسلام، وحصل منه بخل في بعض ما أوجب الله عليه بذله، فإنه كغيره من أهل الذنوب والمعاصي تحت المشيئة إن شاء الله تعالى عذبه، وإن شاء غفر له، فهذه التي قالها أولئك القوم دعوى باطلة كاذبة. ***

стр. 30

راشد غانم العبد الغفار الرياض الديرة يقول: كثير من الناس لا يؤدون شرائع الإسلام، وإذا طُلب من أحدهم تأديتها قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا ما طُلب من الرسول تحصيله بالقتال، فإذا قالوا ذلك فقد عصموا منه دماءهم وأموالهم، ولذا يرددون: الإسلام مجرد النطق بكلمة التوحيد ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: هذا الفهم الذي فهمه هذا السائل وغيره خطأ عظيم فادح، حيث يظنون أن الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإنما هذا مفتاح الإسلام للدخول فيه، وأما الإسلام فإنه هذا مع الشرائع الأخرى، ولهذا قال النبي ﵊: (فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) . وقاتلهم أبو بكر ﵁، قاتل من منع الزكاة، ولما راجعه عمر في ذلك قال: الزكاة حق المال، والزكاة من حقوق الإسلام التي لابد منها. وكذلك الصلاة والحج والصيام، لكن من هذه الحقوق ما يكون تركه كفراً، كما في الصلاة التي ثبت عن النبي ﵊ أنها هي التي بين الرجل وبين الكفر والشرك، وأنها هي العهد الذي بيننا وبين الكفار؛ ومن حقوق الإسلام ما لا يكون تركه كفراً بحسب ما تقتضيه النصوص الشرعية. والمهم أن الإسلام ليس مجرد النطق بالشهادتين، وكيف يكون مسلماً من يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهو لا يقوم لله ولا لرسوله ﷺ بالحق الواجب لهما؟ إذا كان يشهد ألا إله إلا الله فلماذا لا يقوم بحقه؟ لماذا لا يعبده؟ إذا كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله لماذا لا يقوم بحقه؟ لماذا لا يتبعه؟ فلابد من عبادة الله، ومن اتباع رسول الله ﷺ ، وإلا مجرد النطق بالشهادتين لا يكفي، المنافقون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكنهم لا يأتون بأركان الإسلام، فلذلك لم يكونوا مؤمنين. ***

стр. 31

عثمان محمد يقول: أحياناً يوسوس لي الشيطان: من خلق هذا؟ إلى أن يقول لي: من خلق الله ؟ وأسهو كثيراً وأحزن وأترك هذا الموضوع. أفيدوني على ما أصرف به هذا الوسواس، وهل الوسواس يؤثر عليّ في حياتي ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الوسواس لا يؤثر عليك، وقد أخبر به النبي ﵊ (أن الشيطان يأتي للإنسان فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ إلى أن يقول: من خلق الله؟) . وأعلمنا رسول الله ﷺ بالدواء الناجع، وهو: أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وننتهي عن هذا، فإذا طرأ عليك هذا الشيء وخطر ببالك فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وانتهِ عنه وأعرض إعراضاً كلياً، وسيزول بإذن الله. ***

стр. 32

مدحت أحمد محمود عمارة يقول: أنا مصري الجنسية وأعيش في ألمانيا، وقد حاول الكثير ممن أعرفه يدينون بالمسيحية، حاولوا استمالتي وترغيبي في دينهم، ولقلة معرفتي بدين الإسلام وعدم توفر القرآن عندي جعلني أحتار وأشك في أي الدينين هو الصحيح؟ وقد قرأت الإنجيل الذي أهدوه إلي ولم أجد فيه شيئاً يقبله العقل السليم ولا المنطق، مما يؤكد لي أنه محرف وأنه غير صحيح، مما قوى إيماني بالله وتمسكي بديني الإسلام، وأخيراً حصلت على نسخةٍ من القرآن الكريم وأخذت أقرأ فيها وفي بعض التفاسير، وزادني ذلك والحمد لله قوة إيمانٍ ويقين بأن دين الإسلام هو الدين الحق، وأخذت بعد ذلك أحاول فيهم هم أن يعتنقوا دين الإسلام. فهل علي إثمٌ في حيرتي الأولى؟ وبماذا تنصحونني أن أفعل نحو هؤلاء؟ كما أرجو إرشادي إلى من أجد عنده الكتب الدينية والقرآن بخطٍ واضح والتفاسير الصحيحة ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي حصل لك أيها الأخ هو من نعمة الله عليك، حيث ثبتك الله في حال الشبهة والتلبيس من هؤلاء، ولا ريب أن ما فتح الله به عليك من معرفة الحق ومعرفة الإنجيل المحرف، لا ريب أن ما فتح الله عليك به خيرٌ ونعمة، ولهذا يسر الله لك حيث كنت تريد الحق، يسر الله لك هذه النسخة من القرآن الكريم، وكذلك ما تقرؤه من التفاسير، وما حصل لك من الحيرة إبان دعوتهم إياك لا يضرك، ما دمت والحمد لله قد ثبت على دين الإسلام، ثم ازددت يقيناً بما حصل لك من هذه النسخة من القرآن الكريم والتفاسير القيمة، فنرجو لك الثبات، ونرجو أن تمضي قدماً في دعوة هؤلاء وغيرهم إلى دين الإسلام، ببيان صحته من الوجهة النقلية ومن الوجهة العقلية، فإنه الدين الحق الذي لا يشك فيه أي عاقلٍ منصف إذا علمه أنه حق، وحينئذٍ فاستمر في دعوتك إليه: (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) . وأما ما ذكرت من إرشادك إلى من يكون عنده تفسير أو كتب دينية: فإننا نرشدك إلى أن تتصل برئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض في المملكة العربية السعودية، وتطلب منها الكتب المناسبة، لعل الله ينفع بها من يطلع عليها. ***

стр. 33

السائل أبو عبد الله يقول: أكثر الناس يحبون المال حباً شديداً، فهل يؤثر ذلك على عقيدتهم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: إن حب المال لا يؤثر على العقيدة ولا على الدين إذا لم يشغل عن واجب أو مستحب، فإن شغل عن واجب كان الاشتغال به حراماً، وإن شغل عن مستحب كان الاشتغال بالمستحب أولى من الاشتغال بالمال، ولابد أن يكون تصرف الإنسان بالمال على وفق الشريعة الإسلامية، فلا يعامل معاملة تشتمل على ظلم أو ربا أو غش، ولا يعامل الناس بدعوى ما ليس له أو بإنكار ما هو عليه. وحب المرء للمال أمر طبيعي، كما قال الله ﵎: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً. فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً. فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً. فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعا. ً إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) . أي: لحب المال، كما قال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) . وإذا كانت محبة الإنسان المال من أجل أن ينميه ليعمل به عملاً صالحاً كان ذلك خيراً، فإنه نِعْمَ المال الصالح عند الرجل الصالح، وكم من أناس أغناهم الله فنفع الله تعالى بأموالهم: في الجهاد في سبيل الله، في نشر العلم، في إعانة الملهوف، إلى غير ذلك. ***

стр. 34

مديحة القاضي تقول في رسالتها: عندما أقرأ القرآن تمر علي آيات الترغيب في الجنة وآيات الترهيب من النار، ولكني في قرارة نفسي أتأثر كثيراً من آيات الترغيب في الجنة، ولكنني قليلة التأثر في الترهيب من النار، فهل في ذلك خلل أو نقص في العقيدة؟ رغم أنني والحمد لله مؤمنة بهما، وأقيم الصلاة في أوقاتها. أفيدوني بارك الله فيكم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس فيه خلل في العقيدة، ما دمت تؤمنين بأن ما أخبر الله به من الثواب والعقاب حق واقع لا محالة، فإن ذلك لا يؤثر في عقيدتك، وبعض الناس قد يكون في قلبه شيء من القسوة فلا يلين عند المواعظ، وبعض الناس ربما يتأثر من المواعظ دون بعض، باعتبار صفاء ذهنه في تلك الساعة، أو باعتبار إلقاء الواعظ، أو باعتبارات أخرى. والحاصل أن الإنسان ما دام مؤمناً بما أخبر الله به من الثواب والعقاب ولا شك عنده في ذلك فإن عقيدته سليمة، فلا يحزن ولا يخف. ***

стр. 35

توحيد الربوبية

стр. 36

حامد عبد الله الجور يقول: ما رأيكم في نشرة الأحوال الجوية، وكل التنبؤات الجوية التي نسمعها يومياً في نشرات الراديو وفقكم الله ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: إن نزول المطر من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) . فمن ادعى علم الغيب فيما ينزل من المطر في المستقبل فإنه كافر؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) . وأما من أخبر بنزول مطر، أو توقع نزول مطر في المستقبل، بناءً على ما تقتضيه الآلات الدقيقة التي تقاس بها أحوال الجو، فيعلم الخبيرون بذلك أن الجو مهيأ لسقوط الأمطار؛ فإن هذا ليس من علم الغيب، بل هو مستند إلى أمر محسوس، والشيء المستند إلى أمر محسوس لا يقال: إنه من علم الغيب، والتنبؤات التي تقال في الإذاعات من هذا الباب وليست من باب علم الغيب، ولذلك هم يستنتجونها بواسطة الآلات الدقيقة التي تضبط حالات الجو، وليسوا مثلاً يخبرونك بأنه سينزل مطر بعد كذا سنة وبمقدار معين؛ لأن هذه الآلات لم تصل بعد إلى حدٍ تدرك به ماذا يكون من حوادث الجو، بل هي محصورة في ساعات معينة، ثم قد تخطئ أحياناً وقد تصيب، أما علم الغيب فهو الذي يستند إلى مجرد العلم فقط بدون وسيلة محسوسة، وهذا لا يعلمه إلا الله . وبهذه المناسبة أود أن أقول: إنه يجب أن يعلم بأن ما جاء في كتاب الله أو فيما صح عن رسوله ﷺ من الأمور الإخبارية فإنه لا يمكن أبداً أن يُكَذِّبها الواقع؛ لأن الواقع أمر يقيني، وما جاء به كتاب الله أو ما صح عن رسوله ﷺ فهو أيضاً أمر يقيني، إذا كانت دلالاته على مدلوله غير محتملة، ولا يمكن التعارض بين يقينيين؛ لأن اليقيني قطعي ولا تعارض بين قطعيين. وعلى هذا فإذا وجدنا آيةً في كتاب الله ظاهرها كذا ولكن الواقع يخالف الظاهر فيما يبدو لنا، فإنه يجب أن نعرف أن هذا الظاهر ليس هو ما أراده الله ؛ لأنه لا يمكن أبداً أن يكون الواقع المحسوس مكذباً للقرآن أبداً، بل إن القرآن نزل من عند الله ، وهو العليم الخبير الصادق فيما يقول، فبعض الناس يظن أن هذه التنبؤات مخالفة لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) . والحقيقة أنها لا تعارضها؛ لأنه كما أشرنا إليه إنما يعارضها لو كانوا يحكمون بهذه الأمور بمجرد العلم، ولكنهم هم يحكمونها بواسطة آلات محسوسة يتبين بها حال الجو، وهل هو مهيأ للأمطار أو ليس بمهيأ. ومثل هذا ما نُقل أخيراً من كونهم يعلمون ما في الأرحام من ذكر أو أنثى، يعرفون أنه ذكر أو أنه أنثى، فإن بعض الناس يظن أنه معارض لقوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) . وفي الحقيقة أنه إذا ثبت ذلك فإنه لا يعارض هذه الآية؛ لأن قوله: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) ما اسم موصول يقتضي العموم، وهو شامل لكل ما يتعلق بهذا الجنين، ومن المعلوم أن أحداً لا يستطيع أن يدعي أنه يعلم أن هذا الجنين سيخرج حياً أو ميتاً، أو أنه إذا خرج حياً سيبقى مدة طويلة أو يموت بعد زمن قصير، أو أن هذا الجنين إذا خرج إلى الدنيا وعاش هل يكون غنياً أو فقيراً، وهل يكون صالحاً أو فاسداً، وهل هو شقي أو سعيد، ثم لا يدعي أحد أن يعلم هل هو ذكر أو أنثى قبل أن يُخلَّق وتتبين ذكورته وأنوثته. فمتعلق العلم بما في الأرحام ليس خاصاً بالذكورة والأنوثة بعد أن يُخلَّق الجنين في بطن أمه؛ لأنه إذا خُلِّق فإنه يمكن أن يعلم به الملك الذي يوكّل بالأرحام يقول: أذكر أو أنثى؟ ويعلم أنه ذكر أو أنثى. فتبين بهذا أن ما ذكر إذا صح أنهم استطاعوا أن يعرفوا كون الجنين ذكراً أم أنثى، فإنه لا يعارض الآية؛ لسعة متعلق علم ما في الأرحام؛ لأنه ليس خاصاً بكونه ذكراً أو أنثى. ***

стр. 37

مجدي عبد الغني محاسب بالعراق محافظة صلاح الدين يقول: إلى فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين نرى في الآونة الأخيرة ما شاع عن حقيقة تحديد نوع المولود ذكر أم أنثى، وبهذا نسأل توصل علماء الطب في أمريكا واليابان إلى ذلك، فهل هذا حرام؟ وما علاقة الآية الكريمة التي يقول الله فيها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال الذي ذكره السائل يحتمل أن يريد بقوله: نوع الذكورة والأنوثة، أي: العلم بأن هذا ذكر أو أنثى. ويحتمل أن يكون مراده تحديد نوع الذكورة والأنوثة، أي: العلم بأن هذا ذكر وأنثى، أن يجعلوا هذه الأنثى ذكراً، أو أن يجعلوا الذكر أنثى. أما الأول- وهو: العلم بأن الجنين ذكر أو أنثى- فهذا كما قاله السائل، قد اشتهر أنهم يعلمون ذلك، وهذا العلم لا ينافي ما جاءت به النصوص من كون الله يعلم ما في الأرحام، فإن الله تعالى يعلم ما في الأرحام بلا شك، ولا ينافي علمه بذلك أن يكون أحدٌ من خلقه يعلمه، فالله يعلم وكذلك غيره يعلم. لكن المعلوم الذي يتعلق بالجنين ينقسم إلى قسمين: قسم محسوس يمكن للخلق أن يعلموا به، كالذكورة والأنوثة، والكبر والصغر، واللون، وما أشبه ذلك، فهذا يكون معلوماً عند الله ، ويكون معلوماً عند من يتوصل إلى علمه بالوسائل الحديثة، ولا منافاة بين الأمرين. وأما المعلوم الثاني للجنين فهو المعلوم الذي ليس بمحسوس يدرك، وهو علم ماذا سيكون مآل هذا الجنين: هل يخرج حياً أو ميتاً؟ وإذا خرج حياً هل يبقى طويلاً في الدنيا أو لا؟ وإذا بقي فهل يكون عمله صالحاً أم سيئا؟ ً وإذا بقي أيضاً فهل يكون رزقه واسعاً أو ضيقاً؟ وما أشبه ذلك من المعلومات الخفية التي ليست بحسية، فهذا النوع من العلوم المتعلقة بالجنين هذا لا يعلمه إلا الله، ولا يستطيع أحد أن يعلمه، ومن ادعى علمه فهو كاذب، ومن صدقه في ذلك فقد كذب قول الله : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه) . أما الاحتمال الثاني ما يحمله سؤال السائل أنهم توصلوا إلى أن يجعلوا الذكر أنثى أو الأنثى ذكراً، فهذا لا يمكن؛ لأن هذا يتعلق بخلق الله ، وهو الذي بيده التذكير والتأنيث، فلا يمكن لأحد من المخلوقين أن يجعل ما قدره الله ذكراً أنثى، ولا يمكن أن يجعل ما قدره الله أنثى ذكراً، يقول الله : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) . وكذلك الآية التي ساقها السائل: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى) . فالذي أقوله الآن: إن هذا أمر غير ممكن، وكما أنهم لا يستطيعون أن يجعلوا الذكر المولود أنثى والأنثى المولودة ذكراً، فكذلك لا يمكنهم أن يجعلوا الجنين الذي قدره الله ذكراً أن يجعلوه أنثى أو العكس، هذا ما أعتقده في هذه المسألة. ***

стр. 38

أبو صالح يقول: هل صحيح أن للأرض حركتين أم لا؟ وهل في ذلك آيات تدل على ذلك أم العكس؟ ثم أفيدوني أين توجد الجنة والنار؟ وهل هناك آيات دالة على ذلك ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: إن البحث في هذا من فضول العلم، وليس من الأمور العقدية التي يجب على الإنسان أن يحققها ويعمل بما تقتضيه الأدلة، ولهذا لم يبين هذا الأمر في القرآن الكريم على وجهٍ صريح لا يحتمل الجدل، فمن الناس من يقول: إن للأرض حركتين: حركة تختلف بها الفصول، وحركة أخرى يختلف بها الليل والنهار، ويقول: إن قول الله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) يدل على ذلك، ووجه الدلالة عنده أن نفي المَيَدان دليلٌ على أصل الحركة، إذ لو لم يكن أصل الحركة موجوداً لكان نفي الميدان لغواً من القول لا فائدة منه، ويقول: إن هذا دالٌ على كمال قدرة الله، أن تكون هذه الأرض- وهي هذا الجرم الكبير- تتحرك بدون أن تميد بالناس وتضطرب، مع أن الله إذا شاء حركها فحصلت الزلازل والخسوفات. ومن العلماء من يقول: الأرض لا تتحرك، بل هي ثابتة؛ لقوله ﵎: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) أي: تضطرب. ولقوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) . ولأن الله تعالى جعل الأرض قراراً يقر الناس عليه، وهذا ينافي أن تكون لها حركة. وأياً كان هذا أو هذا فإن إشغال النفس بمثل ذلك ليس فيه كبير فائدة، فيقال: إن كانت تتحرك وهي في هذا القرار التام فهذا دليلٌ على تمام قدرة الله ، وإن كانت لا تتحرك فالله تعالى هو الذي خلقها وجعلها ساكنةً لا تتحرك، لكن الشيء الذي أرى أنه لا بد منه هو أن نعتقد أن الشمس هي التي تدور على الأرض، وهي التي يكون بها اختلاف الليل والنهار؛ لأن الله تعالى أضاف الطلوع والغروب إلى الشمس، فقال : (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) . فهذه أربعة أفعال أضيفت كلها إلى الشمس: إذا طلعت، وإذا غربت، تزاور، تقرض، كلها أفعال أضيفت إلى الشمس، والأصل أن الفعل لا يضاف إلا إلى فاعله أو من قام به، أي: من قام به هذا الفعل، فلا يقال: مات زيدٌ ويراد مات عمرو، ولا يقال: قام زيدٌ ويراد قام عمرو، فإذا قال الله: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ) فليس المعنى أن الأرض دارت حتى رأينا الشمس؛ لأنه لو كانت الأرض هي التي تدور وطلوع الشمس يختلف باختلاف الدوران ما قيل: إن الشمس طلعت، بل يقال: نحن طلعنا على الشمس، أو: الأرض طلعت على الشمس. وكذلك قال الله ﵎ في قصة سليمان: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ) أي: الشمس (بالْحِجَابِ) ولم يقل: حتى توارى عنها بالحجاب. وقال النبي ﵊ لأبي ذر عند غروب الشمس: (أتدري أين تذهب) ؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنها تذهب فتسجد تحت العرش) . فأضاف الذهاب إلى الشمس. فظاهر القرآن والسنة أن اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الشمس على الأرض، وهذا هو الذي يجب أن نعتقده، ما لم يوجد دليلٌ حسيٌ قاطع يسوغ لنا أن نصرف النصوص عن ظواهرها إلى ما يوافق هذا النص القاطع، وذلك لأن الأصل في أخبار الله ورسوله أن تكون على ظاهرها، حتى يقوم دليل قاطع على صرفها عن ظاهرها؛ لأننا يوم القيامة سنسأل عما تقتضيه هذه النصوص بحسب الظاهر، والواجب علينا أن نعتقد ظاهرها، إلا إذا وجد دليلٌ قاطع يسوغ لنا أن نصرفها عن هذا الظاهر، هذا هو الجواب عن السؤال الأول. وأما قوله: أفيدوني أين توجد الجنة والنار؟ فالجواب عليه أن نقول: الجنة في أعلى عليين، والنار في سجين، وسجين في الأرض السفلى، كما جاء في الحديث: (الميت إذا احتضر يقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى) . وأما الجنة فإنها فوق في أعلى عليين، وقد ثبت عن النبي ﵊ (أن عرش الرب جل وعلا هو سقف جنة الفردوس) . جعلنا الله تعالى من أهلها. ***

стр. 39

يا فضيلة الشيخ تعلمون وفقكم الله أن الملاحدة منذ زمن قديم يبثون شبهاتهم حول الإسلام، ويدعون لأفكارهم الفاسدة، ومن تلك الأفكار أن الكون أوجد نفسه، ثم ما زال يتطور حتى كان كما هو عليه الآن، واستدلوا على هذا بالميكروبات والطفيليات التي تتكون في الأشياء المتعفنة من غير أصل لها، فبماذا نرد على هذه الطائفة لدحض حجتهم الزائفة وشبهاتهم الباطلة؟ جزاكم الله خيراً . فأجاب رحمه الله تعالى: نرد على هؤلاء بما ذكره الله تعالى في سورة الطور: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون َ* أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) . فنسألهم أولاً: هل هم موجودون بعد العدم، أو موجودون في الأزل وإلى الأبد؟ والجواب بلا شك أن يقولوا: نحن موجودون بعد العدم، كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) . فإذا قالوا: نحن موجودون بعد العدم، قلنا: من أوجدكم؟ أوجدكم أبوكم أو أمكم أو وجدتم هكذا بلا موجد؟ سيقولون: لم يوجدنا أبونا ولا أمنا؛ لأن الله تعالى يقول: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُون * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشيءكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ) . إذا قالوا: وجدنا من غير موجد، نقول: هذا مستحيل في العقل؛ لأنه ما من حادث إلا وله محدث، وحينئذٍ يتعين أن يكون حدوثهم بمحدث، وهو الله الواجب الوجود. وكذلك يقال في السماوات والأرض: نقول: من أوجد السماوات والأرض؟ هو الله ، لكن السماوات والأرض كانت ماءً تحت العرش، كما قال الله ﵎: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) . فخلق الله السماوات والأرض من هذا الماء، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) أي: فصلنا ما بينهما (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) . فهذا جواب على هؤلاء الملاحدة، فإن أَبَوا إلا ما كانوا عليه فهم مكابرون، ويحق عليهم قول الله تعالى في آل فرعون: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) . ***

стр. 40

الخير أحمد سوداني مقيم بالعراق يقول في رسالته: عرفنا من القرآن الكريم أن الله (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) . ولكن أريد أن أعرف منكم ما البعد بين كل سماء؟ وهل هناك سمك لكل سماء؟ أفيدونا بذلك مأجورين ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على ذلك أن السماوات كما ذكر السائل سبع، جعلهنّ الله تعالى طباقاً، وجعل بينهن مسافات، ويدل لذلك حديث المعراج الثابت في الصحيحين وغيرهما: (أن جبريل ﵊ جعل يعرج بالنبي ﷺ من سماء إلى سماء، ويستفتح عند دخول كل سماء، حتى انتهى به إلى السماء السابعة، وبلغ ﷺ موضعاً سمع فيه صريف الأقلام، ووصل إلى سدرة المنتهى) . وكذلك الأَرَاضون هي سبع، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) . والمثلية هنا ليست في الصفة؛ لأن ذلك من المعلوم بالضرورة، ولكنها مثلية في العدد، ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين في قول الرسول ﵊: (من اقتطع شبراًَ من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) . وهذا يدل على أن الأرضين متطابقة أيضاً، وأن بعضها تحت بعض.وأما بُعْد ما بين كل سماء والأخرى: فقد ورد في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ : (أن بعد ما بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وأن كثافة كل سماء مسيرة خمسمائة عام) . والعلم عند الله ﵎. ***
следующие страницы →