← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

صحيح أن الأولياء لا يزالون في هذه الأمة لكنه يزعم أنه هو خاتم الأولياء! وبناءً على ما تقدم من زعمه: أن الولي أفضل من النبي؛ فخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء! ما أعظمها من فرية! وما أجرأ هذا الملحد على الأقوال الباطلة المناقضة للشرع والعقل! يزعم أن للأولياء خاتمًا، وليس للأولياء خاتم معين يقال: فلان هو خاتم الأولياء كما نقول: خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ ، لكن خاتم الأولياء هو آخر من يخلقه الله من أوليائه، لكنه ليس معروفًا على وجه التعيين. ويزعم أنه تابع في الشرع الظاهر للنبي ﷺ وغير تابع له في العلم الباطن؛ فإنه بزعمه يأخذ من المعدن الذي يأخذه منه المَلَك! وهل هناك معدن يأخذ منه؟! فإن عنده الوجود كله شيء واحد وعين واحدة، فوجود كل موجود هو عين رب الوجود سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والملحدون علوًّا كبيرًا. وذكر الشارح ابن أبي العز: «وقال ابن عربي في فصوصه: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة فكان هو ﷺ موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية فيرى ما مثله النبي ﷺ ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين! ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكمل الحائط! والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي

стр. 457

ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه المَلَك الذي يُوحى إليه إلى الرسول ﷺ قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه، فقد حصل لك العلم النافع! فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسول المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟! تلك أمانيهم، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟» (١). فلهذا يقول الطحاوي ﵀: «ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌّ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء». والنبي والولي والرسول بين هذه المراتب الثلاث عموم وخصوص، فكلُّ رسولٍ نبيٌّ، وكلُّ نبيٍّ وليٌّ، فالرسل هم أفضل الأنبياء، وهم جميعًا أفضل الأولياء، وليس كل ولي نبيًّا، والله تعالى قد قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس]، فهذا هو تعريف الولي: كل مؤمن تقي؛ فهو ولي - وأما تعريف النبي والرسول فقد تقدم (٢) -، وهذا وصف ينطبق على الأنبياء بما فيهم الرسل، وينطبق على الصديقين والشهداء والصالحين، وهذه الآية لا نقول: إنها في خصوص الولي الذي ليس بنبي، لا؛ بل هي عامة، ﴿أَلَا

стр. 458

إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢﴾ [يونس]، وأولى الناس بهذا الوصف هم النبيون والمرسلون. فالنبوة والرسالة تستلزم الولاية، ومطلق الولاية لا يستلزم النبوة والرسالة؛ لأنه ليس كل من يكون وليًّا لله يكون نبيًّا، فإذا قلنا: الولي: كل مؤمن تقي؛ فإن ذلك يعم الأنبياء والمرسلين وغيرهم، لكن إذا قلنا: الرسول والنبي والولي؛ فإنا نريد بالولي: كل مؤمن تقي سوى النبيين والمرسلين. إذًا؛ فالولي في عبارة الطحاوي: «ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء» من غير الأنبياء. وتقدم (١) أن أولياء الله طبقتان: مقتصدون وسابقون، أو نقول: مقربون وأصحاب يمين، كما ذكر الله ذلك في مواضع من القرآن: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة]، وهكذا في أول السورة، وفي سورة «الإنسان»: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان]، وهكذا في سورة «المطففين» ذكر الله هذا التصنيف للأولياء: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ - إلى قوله -: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين] (٢). * * *

стр. 459

منهج أهل السنة في كرامات الأولياء وقوله: «ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم». أي: أن أهل السنة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة والأخبار من كرامات الأولياء، وما صح عن الثقات في ذلك من رواياتهم. والكرامات: يراد بها الأمر الخارق للعادة، والله تعالى يكرم أولياءه بأنواع الكرامات، ومن ذلك خوارق العادات، فيجري الله على يد من شاء من أوليائه بعض الأمور الخارقة للسنن الكونية والعادة التي أجراها الله في هذا الوجود؛ فإن هذا الوجود يجري على السنن، وهذا بالنسبة لكرامات الأولياء، وكذلك بالنسبة لمعجزات الأنبياء حسب الاصطلاح المشهور. ومعنى المعجزة في اللغة يعم كل خارق سواء كان على يد نبيٍّ أو على يد وليٍّ، فكل خارق؛ فهو معجز لمن لم يجره الله على يده، مما لا يدخل في قدرة العبد بحكم العادة. ولكن خوارق الأنبياء وهي دلائل على نبوتهم ورسالاتهم اسمها الشرعي: البينات والآيات والبراهين، كما ذكر الله ذلك في كتابه في مواضع: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويقول تعالى في شأن موسى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢].

стр. 460

ولكن في اصطلاح المتكلمين خوارق الأنبياء يسمونها معجزات، حتى إن المعتزلة يقولون: إن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة، فقصروا ما تثبت به النبوة على المعجزة، وهي الأمر الخارق للعادات، ونتج عن قولهم ذلك - مع بطلانه وتقدم تفنيده (١) - نفي كرامات الأولياء، فقالوا: لا يجوز خرق العادة إلا لنبي؛ لأنه لو خرقت العادة لغير نبي لالتبس على الناس أمر النبي بالولي، فلا يحصل التمييز. وأجيب عن هذه الشبهة: بأن الولي الذي تحصل على يديه الكرامة، وهي: الأمر الخارق للعادات لا يدعي النبوة إذ لو ادعى النبوة لم يكن وليا، ولم يكن ما جرى على يده كرامة؛ بل هو مَخْرَقة وفتنة. فلهذا كان من المسائل التي ينبه عليها أنها من مذهب أهل السنة: إثبات كرامات الأولياء، والمقصود: إثبات جنس الكرامات؛ لأنه ليس كل ما يذكر يكون ثابتًا، ويجب التسليم به. فما يُروى ويُذكر من كرامات الأولياء منها ما هو ثابت في القرآن أو في السنة أو في أخبار صحيحة، ومنه ما يروى ولم تتحقق صحته ولا كذبه؛ فهذا لا يلزم التصديق به، كما لا يجوز نفيه بغير حجة. ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما في قصة مريم وولادتها لعيسى ﵇؛ فإن ولادتها لعيسى بلا أب خارقٌ للعادات. ومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما جاء في قصة أصحاب الكهف حيث بقوا في كهفهم مدة طويلة، قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ

стр. 461

ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ٢٥﴾ [الكهف]، بقوا في كهفهم يقلبهم ربهم: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨]، وعاشوا هذه المدة الطويلة، بلا طعام ولا شراب، وبعد ذلك يستيقظون ويتحدثون ولم يشعروا بما جرى لهم، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]. وجِماع صفات الكمال: الغنى والعلم والقدرة، ويستشهد لهذا بأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ ألا يدعي شيئًا منها إلا ما أعطاه الله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهكذا قال نوح لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١]. فأول الرسل وآخرهم تبرؤوا من دعوى هذه الأمور إلا ما أعطاهم الله منها، والمقصود من ذكر هذا المعنى: بيان أن خوارق العادات مدارها على هذه الثلاث: إما أن ترجع إلى القدرة والتأثير، أو العلم، أو الغنى. وتسمى الخوارق العلمية المتعلقة بالعلم: الخوارق الكشفية؛ لأن خرق العادة بعِلْمِ أمرٍ مستورٍ هو كشف لغائب. وهذه المعاني ترجع إلى كل الخوارق سواء كانت على يد أنبياء أو أولياء، فمثلًا: عصا موسى ترجع إلى القدرة والتأثير، وكذلك فلق البحر يرجع للقدرة والتأثير.

стр. 462

ما ذكر الله عن أصحاب الكهف يرجع إلى الغنى؛ لأن الله أغناهم عن الطعام والشراب تلك المدة الطويلة، وكلما يخبر به الأنبياء من أمور غائبة هو من الخوارق العلمية، وهكذا دلائل نبوة محمد ﷺ راجعة إلى هذه، فقد أخبر ﷺ بأمور مستقبلة غائبة لا تزال تظهر بين حين وآخر، فهي من أعلام نبوته ﷺ . وذكر شيخ الإسلام: أن «عدم الخوارق علمًا وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله؛ بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه» (١)، لذا لا يستدل بعدم حصول كرامة على عدم الولاية، كما لا يستدل بحصول خارق على الولاية؛ بل ضابطها: الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس]. فإن الخوارق قد تجري في الظاهر على يدي الكهان والسحرة، وهي: مخاريق، وأكاذيب، ولهذا جاء عن بعض السلف أنه قال: «لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء؛ فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة» (٢).

стр. 463

فلا تغترَّ بمن حصل له شيء من ذلك حتى تعرض حاله وعمله على الكتاب والسنة؛ فإن الشياطين قد تحمل أولياءها حتى يظن أنه يسير في الماء أو يطير في الهوى، وإنما حمله الشيطان ووضع له ما يسير عليه في الماء. والكرامة قد تكون لحاجة العبد، فيخرق الله العادة لحاجته، وقد تكون لإقامة الحجة، وكل كرامة وخارق للعادة على يدي ولي؛ فإنه دليل على نبوة مَنْ هذا الولي تابع لشريعته. ومن خوارق العادات التي جرت على يد بعض الأنبياء - وتسمى: المعجزات - ما جرى لخليل الله إبراهيم ﵇ عندما ألقي في النار فصارت عليه بردًا وسلامًا، حين قال الله لها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء]، فهل استحالت النار وصارت روضة بحيث لو دخلها غيره لم تضره؟ لا؛ بل هي على إبراهيم ﵇ فقط. وهذا دليل على نبوته ﷺ ، فخرق العادة لإبراهيم هو للحاجة والحجة، للحاجة؛ لأنه ألقي فيها، فهو محتاج إلى أن ينجيه الله من النار، فنجاه الله منها، ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤]، وللحجة؛ لأن هذا دليل على صدق نبوته حيث نجاه الله من النار. وقد يدعي بعض الدجاجلة أنه يدخل النار ولا تحرقه! وحدث هذا في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية فتحداهم في مناظرة كبيرة بحضور الأمراء والعلماء والعامة وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى

стр. 464

مغربها: أي شيء فعلوه في النار؛ فأنا أصنع مثل ما تصنعون! ومَن احترق فهو مغلوب، وربما قلت: فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك؛ فقلت: لأن لهم حيلًا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق»؛ فبهتوا ولم يفعلوا، فقال الناس: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف]» (١). ولعل هذا القدر مما يتعلق بالكرامات يكفي، وتقدم أنه: إنما يجب الإيمان بجنس الكرامات، ويجب الإيمان بما صح؛ مما جاء في القرآن أو جاء في السنة أو في أخبار صحيحة. وقد نقل الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع (٢) كلامًا كثيرًا، وكلامه قد غَرَفَه من بحر شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه شرح غالب العقيدة الطحاوية بكلام الإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وشيء من كلام غيرهما ﵏ جميعًا -. * * *

стр. 465

أشراط الساعة الكبرى وقوله: «ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها». أشراط الساعة: علاماتها، قال : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، أي: جاءت علاماتها، ومجيء أشراطها مؤذن باقترابها، والله تعالى قد نبه إلى قرب الساعة في مواضع من القرآن: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب]، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]. وأشراط الساعة كثيرة، أولها: مبعث محمد ﷺ ، فإنه خاتم النبيين، وخَتْمُ النبوة مؤذن باقتراب نهاية الدنيا، وقد أخبر النبي ﷺ بأمور كثيرة مما يكون بعده، وأهل العلم يعدون كل ما أخبر به ﷺ مما يكون بعده من أشراط الساعة. ومن ذلك ما جاء في حديث جبريل ﵇ حيث قال للنبي ﷺ : «أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل! قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أنْ تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاءَ الشاءِ يتطاولون في البنيان» (١).

стр. 466

فهذه بعض العلامات، وعلامات الساعة وأشراطها كثيرة، جاءت في عدد من الأحاديث من ذلك، حديث عوف بن مالك ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «اعدد ستًّا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مَوْتان يأخذ فيكم كَقُعَاصِ الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» (١). وقوله ﷺ : «كقعاص الغنم» هو مرض يهلك الدواب، والمراد: موت عام يهلك به خلق كثير، و «بني الأصفر» أي: الروم. وهذه العلامات منها ما وقع؛ كموته ﷺ ، وفتح بيت المقدس، واستفاضة المال، ومنها ما لم يقع. وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : «إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا» (٢). وفي حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟»، قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات»؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع

стр. 467

الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك: نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم (١). وهذه يسميها العلماء علامات الساعة الكبرى؛ لأن هذه الأحداث تكون قرب قيام الساعة، وقرب الساعة الذي ذكره الله ليس مقدرًا بزمن، ولا يمكن لأحد أن يتخيل قدره، فقد يخطر ببال الناس في حياة النبي ﷺ أو بعده: إن الساعة بعد مائة أو مائتين أو ثلاثمائة سنة، ولكن مضى الآن أربعة عشر قرنًا من الزمن، ولا ندري ماذا بقي؛ فإن موعد قيام الساعة من الخمس التي استأثر الله بعلمها، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ونص الإمام الطحاوي على أربع من هذه العلامات العشر: الدجال، ونزول المسيح، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وهذه العلامات منها ما ذكر في القرآن نصًّا أو إشارة، فأما خروج الدابة، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِئَايَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل]. وأما طلوع الشمس من مغربها فقد أشير إليها في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].

стр. 468

وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» (١). فهذا الحديث تفسير للبعض الذي في الآية وهو: طلوع الشمس من مغربها. وهكذا نزول المسيح فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» (٢). ونزول عيسى ﵇ أشير إليه في القرآن، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] (٣)، وقُرئ: ﴿وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ (٤). أما الدجال فلم يأت له ذكر في القرآن، وإنما تواترت بالإخبار عنه سنة الرسول ﷺ (٥).

стр. 469

منها أنَّ النبي ﷺ أنذر أمته المسيح الدجال فقال ﷺ : «ما بعث الله من نبيٍّ إلا أنذر قومه الأعور الكذاب، إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» (١). ومنها الدعاء الذي أرشدنا ﷺ لقوله في كل صلاة فقال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» (٢). والإمام الطحاوي نص على هذه الأربعة؛ لأنها أمور عظيمة ومشتملة على خرق العادة. وبين نزول المسيح وخروج الدجال تناسب؛ لأنهما حدثان في زمن متقارب، والمسيحُ ابن مريم مسيحُ الهدى يقتلُ المسيحَ الدجال مسيحَ الضلالة. المقصود: أن أهل السنة يؤمنون بهذه الأمور الخارقة للعادة، فطلوع الشمس من مغربها أمر خارق للعادة، فمنذ خلق الله الشمس وأجراها وهي تأتي من المشرق وتذهب للمغرب، وفي طلوعها من المغرب خرق لهذه العادة، وهكذا خروج دابة الأرض التي تكلم الناس حدث عظيم وهو خارق للعادة، وخروج الدجال بما معه من خوارق حقيقية يجريها الله على يده فتنة وابتلاءً، ولهذا كانت فتنته أعظم فتنة، فقد صح أن النبي ﷺ قال عن الدجال إنه: «يأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون

стр. 470

به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت»، وأنه «يمر بالخَرِبة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها»، وأنه «يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَض، ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك» (١). هذه كلها أحداث عظيمة، وأهل السنة يؤمنون بذلك كله تصديقًا لخبر الصادق المَصْدُوق ﷺ ، أما الذين يُحكِّمون عقولهم؛ فإنهم يستبعدون ذلك كله؛ فإما أن يكذبوا به، أو يتأولوه بأنواع التأويل، وليس هذا من أهل الضلال بغريب. والعلم بأن هذا من أشراط الساعة ينبني على العلم بما جاء عن النبي ﷺ ، والعلم بالواقع، فقد يكون الإنسان قد عرف أن من أشراط الساعة كذا وكذا، ولكنه لم يعلم بوقوعه، فكم من أشراط الساعة وعلاماتها وأحداث الزمان مما حدث وكثير من الناس غافل عنه؟! فأشراط الساعة منها ما حدث وانقضى، ومنها ما سيحدث، ومنها ما حدث ويتكرر، ومنها العلامات الكبرى المذكورة في حديث حذيفة بن أسيد الذي تقدم (٢). * * *

стр. 471

وجوب الحذر من تصديق الكهان والعرافين ونحوهم من المخالفين وقوله: «ولا نصدق (كاهنًا)، ولا (عرافًا)، ولا من يدعي شيئًا يخالف (الكتاب) و (السنة) و (إجماع الأمة)». أي: نحن أهل السنة المتبعون لمنهج السلف الصالح لا نصدق (كاهنًا) ولا (عرافًا) طاعة لله ورسوله؛ فإن الكهان والعرافين والمنجمين من أكذب الكذابين، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء]. وجاء في السنة التحذير من تصديق الكاهن والعراف، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (١). وعن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عَرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٢). والعراف والكاهن معناهما متقارب، ومن العلماء من يفرق بين الكاهن والعراف، فيقول: «العراف: هو الذي يدعي معرفة الأمور

стр. 472

بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق … ومعرفة مكان الضالة» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعراف قد قيل: إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق، ولو قيل: إنه في اللغة اسم لبعض هذه الأنواع؛ فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي» (٢). إذًا؛ العراف أعم من الكاهن، فالكاهن عراف، والمنجم عراف، والرمال الذي يضرب بالحصى ويخط بالأرض عراف؛ لأن عراف صيغة مبالغة من المعرفة، فيكون عطف العراف على الكاهن في كلام الطحاوي من عطف العام على الخاص. فهؤلاء الكذابون لا يجوز سؤالهم مطلقًا؛ فإن سؤالهم ينبئ عن الاعتراف بهم، ويجر إلى تصديقهم، وكيف يسألون وهم يدَّعون العلم بمغيبات، والله تعالى قد تفرد بعلم الغيب كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. فالكهانُ والمنجمون والرمَّالون من المفسدين في الأرض، ومن أشرار الخلق الذين يضلون الناس بما يدَّعون، فيجب على ولاة الأمر أن يمنعوهم من إظهار منكرهم، وأن يضربوا على أيديهم؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فلا يجوز إقرارهم، ويجب على المسلمين أن يحذروا من سؤالهم.

стр. 473

والمنجم هو الذي ينظر في النجوم ويستدل باجتماعها وافتراقها وبما يحدث عند طلوعها ويستدل بذلك على ما يحدث في الأرض؛ فمنهم من يفعل ذلك دجلًا، ومنهم من يعتقد أن للنجوم تأثيرًا فيما يحدث في الأرض من خير وشر، وما يحصل للأفراد من أحوال، فيضلون الناس ويوهمونهم، بما عندهم من قواعد ومصطلحات: أنَّ من يولد في النجم الفلاني يحصل له كذا، من السعْد أوالنحس! وهذا تخرُّص وكذب؛ فالنجوم جعلها الله لثلاثة أشياء، كما قال قتادة ﵀: «خلق الله هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به» (١). والتنجيم ضرب من السحر، كما في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «من اقتبسَ عِلمًا من النجومِ اقتبس شُعْبة من السحر زادَ ما زاد» (٢). وأما الكاهن فهو الذي تخبره الشياطين بالأخبار، سواءً من أخبار الأرض التي يطلعون عليها، أو مما يسترقون من السمع، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحجر].

стр. 474

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ] فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهابُ قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سُمِعَت من السماء» (١). والمقصود: أن مما يجب على المسلمين الحذر من تصديق هؤلاء ومن إقرارهم على ما يدعونه؛ بل يجب الإنكار عليهم، ومنعهم وكف شرهم، ومنع ذهاب الناس إليهم، وقد كثروا في هذا العصر، لكنهم إنما يكثرون في المواضع التي يغلب فيها الجهل وضعف الدين، فإذا غلب الجهل على الناس وضعف دينهم كثرت الشرور، وراج الباطل على الناس كما هو الواقع. أما إذا ظهر العلم الشرعي وقوي سلطان الحق؛ اختفت هذه الشرور؛ لأن العلم يكشفها ويفضحها، وسلطان الحق يقمعها.

стр. 475

وقوله: «ولا من يدعي شيئًا يخالف (الكتاب) و (السنة) و (إجماع الأمة)». أي: ونحن أهل السنة لا نصدق من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ بل كل من ادعى من يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يجب الرد والإنكار عليه، وهذا يتناول ما يدعيه المتصوفة من الأحوال والقدرة والكشوف والدعاوى العريضة، كدعوى بعضهم أنه يسعه التدين بغير هدي رسول الله ﷺ ! والإيمان بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ يستلزم رد كل ما خالف ذلك، فلهذا قال الطحاوي: «ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا، ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة». * * *

стр. 476

من منهج أهل السنة لزوم الجماعة والحذر من الفرقة وقوله: «ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفُرقة زيغًا وعذابًا». من منهج أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، والحذر من التفرق في الدين؛ لأن الله تعالى أمر عباده بالاجتماع، ونهاهم عن الافتراق، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة]. لهذا قال الطحاوي: «ونرى الجماعة حقًّا وصوابًّا»، الجماعة؛ الاجتماع على الحق، نراه حقًّا وصوابًا، ونرى أن الفُرقةَ شر وعذاب وزيغ عن الصراط؛ فإن الناس إذا تفرقوا تنافروا، وتعادَوا، وساءت أحوالهم الدينية والدنيوية، وبغى بعضهم على بعض، وكما دل القرآن على ذلك، دلت سنة النبي ﷺ ، فقد استفاضت الأحاديث في لزوم الجماعة، والتحذير من الفُرقة، ولكن قد أخبر النبي ﷺ بأن هذه الأمة ستفترق، فالفرقة واقعة؛ وإخباره بوقوع الشيء لا يدل على أنه صواب؛ بل هو ﷺ يخبر به إخبار المحذِّر، ولهذا قال ﷺ : «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، قيل: من هي يا

стр. 477

رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي»، وفي لفظ: «وهي الجماعة» (١). فنبه النبي ﷺ إلى أن سائر الفِرق متعرضة للعذاب، وأن الناجي فرقةٌ واحدة، ولهذا عُرف أهل السنة ب «الفِرقة الناجية» أخذا من هذا الحديث. فيجب على أهل السنة أن يحذروا من مشابهة أهل البدع الذين خالفوا الكتاب، وتفرقوا في دينهم، وابتدعوا ما لم يشرع الله من البدع الاعتقادية أو العملية. فالخير في الاجتماع على الحق، والشر في التفرق في الدين؛ لأن التفرق اتباع للهوى، ولهذا يعرف أهل البدع بأهل الأهواء؛ لأن كل فرقة متبعة لهواها الذي أصَّله شيوخها ومتبوعوها، فكل فرقة لها إمام تقلِّدُه دينَها. وذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «أن الاختلاف الواقع بين الناس نوعان: اختلاف تنوع، و اختلاف تضاد؛ فاختلاف التنوع في الحقيقة ليس من الاختلاف، ولهذا اسمه تنوع. ولكن المختلفين اختلاف تنوع إنما يُؤتَوْن من بغي بعضهم على بعض، والواجب في المختلفين اختلاف التنوع، أن يُقِرَّ بعضهم بعضًا؛ كالاختلاف في القراءات، وأنواع الأذان، والاستفتاحات والتشهدات، وما أشبه ذلك؛ لأنهم مصيبون جميعًا.

стр. 478

وأما اختلاف التضاد، فقد يكون الصواب في أحد الجانبين، وقد يكونون جميعًا على الباطل، كاختلاف ملل الكفر، وأهل البدع، فكلهم مخطئ، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة]، فالمختلفون اختلاف تضاد قد يكونون مذمومين كلهم، كاختلاف أهل الباطل في باطلهم، وقد يكون أحد المختلفين محمودًا والآخر مذمومًا، كالاختلاف بين المخطئ والمصيب، كما قال : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فالاختلاف بين المؤمنين والكفار اختلاف تضاد، والحق والصواب في جانب المؤمنين. وأما اختلاف التضاد الذي يكون بين علماء الأمة؛ فالحق أن المصيب من المجتهدين واحد، لكن المخطئ مأجور على اجتهاده كما في الحديث المشهور عن النبي ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر» (١)، فكلهم محمود؛ المصيب منهم والمخطئ؛ لأنهم مجتهدون، طالبون للحق، محمودون على اجتهادهم، ولكنَّ الله تعالى يوفق من شاء للصواب، كما ذكر الله عن النبيين داود وسليمان ﵉ فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء]، فشهد لهما جميعًا، بالحكم والعلم» (٢).

стр. 479

وسطية دين الإسلام وقوله: «ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس». حقيقة دين الإسلام: عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته ، وهذه الحقيقة يدين بها أهل السماوات من ملائكة الله، وهي: دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فدين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هو الإسلام، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أي: الدين المرضيُّ، المعتبر في حكمه هو الإسلام، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وهذه ليست خاصة بما جاء به محمد ﷺ ؛ بل هذا عام في الأولين والآخرين؛ من ابتغى غير دين الإسلام فلن يقبل منه. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون]. وقوله ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (١).

стр. 480

فنوح ﵇ جاء بالإسلام؛ لأنه جاء يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر الله عنه أنه قال لقومه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦]، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح]، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس]، وهكذا من جاء بعده من الرسل، كإبراهيم ويعقوب، قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة]، ويوسف ﵇ قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]، وموسى ﵇ قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس]، والسحرة لما آمنوا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف]، وهكذا الحواريون أتباع المسيح ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة]. فالإسلام دين الله، لكن يجب أن يُعلم أنه بعد أن بعث الله محمدًا ﷺ صار الإسلام هو ما جاء به، وكل من لم يؤمن بشريعة محمد ﷺ ويلتزم بمتابعته؛ فليس على الإسلام مهما تدين، حتى ولو لم يشرك. فاليهود، والنصارى وإن انتسبوا إلى الأنبياء، وإلى التوراة، والإنجيل، فليسوا بمسلمين؛ لأنهم جمعوا بين أنواع من الكفر والشرك؛ وانضاف إلى ذلك كفرهم برسالة محمد ﷺ ؛ فالنصارى يقوم دينهم الباطل على الشرك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة].

стр. 481

واليهود كفروا بما ارتكبوا من العظائم؛ كتحريف كتب الله، والتلاعب بدينه، وقتل الأنبياء، وقد ذكر الله بعض قبائحهم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء] الآيات. ولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (١). ومن يقول: إن اليهود والنصارى على دين صحيح؛ فإنه كافر؛ لأن ذلك يناقض ما وصفهم الله به، وأخبر عنهم، وهذه قضية ينبغي التنبه لها؛ لأنه قد اشتهر في هذا العصر الدعوة إلى وحدة الأديان، واعتقاد أن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم على دين صحيح! ودين الإسلام توسط واعتدال، بين الغلو والتقصير. والغلو: مجاوزة الحد. والتقصير: هو نقص فيما يجب القيام به. فهذان مدخلان للشيطان على الإنسان، فالشيطان؛ إما أن يحمل الإنسان على الغلو في الدين؛ فيقع في التجاوز؛ فيبتدع في الدين ما لم يأذن به الله. أو يحمله على التقصير بترك واجب، أو فعل محرم. والواجب الوقوف عند حدود الله، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: بالتجاوز وهو الغلو.

стр. 482

وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهي: المحرمات؛ فقربانها تقصير، وقد يجتمع في الشخص الغلو والإفراط في جانب والتفريط والتقصير في جانب آخر؛ فيجمع بين الغلو والتقصير. وهذا كثير في الأفراد والطوائف، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، فتحريم الحلال من الابتداع والتنطع والغلو في الدين، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة]، وهذا تقصير. وقد أنكر النبي ﷺ على الذين أرادوا أن يتبتلوا، وأن ينقطعوا للعبادة حين سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش! فحمد الله وأثنى عليه، فقال: «ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). والغلو يجري في مسائل الدين كلها: الاعتقادية والعملية. وقوله: «بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس»، عطفُ هذه المتقابلات من قبيل عطف الخاص على العام؛ فإن التشبيه والتعطيل يندرجان في الغلو والتقصير؛

стр. 483

فالتشبيه غلو في إثبات الصفات، فالمشبهة يقول أحدهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي! فيشبه الله بخلقه، ويشبه صفاته بصفات خلقه. ويقابل التشبيه التعطيل، والتعطيل نفي الصفات، ونفيها تقصير فيما يجب إثباته لله تعالى؛ فإنه تعالى أوجب على عباده الإيمان بما أخبر به عن نفسه من أسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن]. والتشبيه والتعطيل كلاهما يتضمن الغلو والتقصير؛ فالتشبيه غلو في الإثبات وتقصير في التنزيه، والتعطيل غلو في التنزيه وتقصير في الإثبات، فالمعطلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الرب تعالى، زاعمين أنهم قالوا ذلك تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقات، فجمعوا بين التعطيل والتشبيه وبين الإفراط والتفريط. وأهل السنة وسط في باب أسماء الله وصفاته بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، ومذهبهم هو دين الإسلام في هذا الباب. وقوله: «وبين الجبر والقدر». الجبر هو مذهب الجهمية، ومن وافقهم، وحقيقته: أن العبد - عندهم - مجبور على أفعاله، وأنه يتصرف بغير مشيئة ولا اختيار ولا قدرة؛ كحركة الريش في مهب الريح، وحركة المرتعش، وحركة الأشجار. ويقابله القول بالقدر، وهو مذهب المعتزلة القدرية، ويسمون: القدرية، كما أن الجبرية يقال لهم: قدرية أيضًا، لكن هذا الاسم أشهر

стр. 484

في القدرية النفاة الذين ينفون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه؛ فيُخرجون أفعال العباد عن أن تكون مخلوقة لله وواقعة بمشيئته وقدرته. والجبرية يسلبون العبد فاعليته وقدرته ومشيئته، والقدرية النفاة يقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعله بمحض قدرته ومشيئته، ولا أثر ولا تأثير لمشيئة الله في أفعالهم. فالجبرية غلوا في إثبات القدر وإثبات فاعلية الله، وقصروا في إثبات فعل العبد وفاعليته واختياره، حيث سلبوا العبد قدرته ومشيئته واختياره وفاعليته. والقدرية غلوا في إثبات فاعلية العبد حتى قالوا: إنه هو الذي يخلق فعله بمحض مشيئته وقدرته، وقصروا في إثبات ربوبيته تعالى، حيث نفوا تعلق مشيئة الله وقدرته وخلقه بأفعال العباد، فأخرجوا كل أفعال العباد من أقوال وحركات سواء كانت محمودة أو مذمومة عن مشيئة الله وخلقه وقدرته وملكه! وقد تقدم ذكر بعض شبهات هذين المذهبين ومناقشتهما والرد عليهما. وهذه الكلمات جاءت أخيرًا في كلام الطحاوي كالتلخيص لبعض ما تقدم (١). والقول بالجبر مغالطة وإنكار، وهنا بهذه المناسبة يسأل بعض الناس ويقول: هل الإنسان مخير أو مسير؟ فنقول: لا يصح إطلاق إحدى الكلمتين؛ لأن كلا منهما يحتمل حقًّا وباطلًا؛ فإن أردت أن الإنسان مخير، أي: له اختيار ومشيئة؛ فيقوم ويقعد ويتكلم بمشيئة، فهذا حق.

стр. 485

وإن أردت أنه مخير، أي: أن له مشيئة وقدرة لا ترتبط بمشيئة الله، فهذا باطل، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، أو أراد أن له الحرية المطلقة في أفعاله؛ فهو مخير بين الفعل والترك، كما يفهمه بعض الغالطين من قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، فإن هذا ليس تخييرًا؛ بل هذا أسلوب تهديد ووعيد شديد، ولذا قال تعالى بعدها: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. وهكذا قول القائل هل العبد مسير؟ نقول: إذا كنت تريد أنه مسير، أي: أنه لا اختيار له ولا مشيئة فهذا باطل، وهذا هو الجبر. وإن أردت أنه مسير، أي: أن أفعاله تسير على وفق قدر الله ومشيئته، وأنه ميسر لما خلق له، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «اعملوا فكل ميسر» (١). فهذا حق. والخلاصة: أن الكلمتين لم تردا في النصوص ولا يصح إطلاقهما نفيًا ولا إثباتًا لما فيهما من احتمال الحق والباطل (٢). وقوله: «وبين الأمن والإياس». دين الإسلام وسط في باب الوعد والوعيد، بين الأمن والإياس، والله قد وصف عباده وأولياءه بالخوف والرجاء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ

стр. 486

مَحْذُورًا ٥٧﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة]، فالوسطية ما دلت عليه هذه الآيات، فلا أمن ولا إياس، والأمن واليأس من كبائر الذنوب، قال : ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر]، وقال : ﴿إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف]، وقال : ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف]. فالأمن هو سبيل المرجئة الغلاة، والإياس سبيل الوعيدية الذين يُقَنِّطُون مرتكب الكبيرة من دخول الجنة، فيقولون: يجب إنفاذ الوعيد، ولا يجوز أن يغفر الله لأهل الكبائر؛ بل لا بد أن يعذبهم، وإذا دخلوا النار فلن يخرجوا منها، وهذا يتضمن تيئيس الموحدين من أهل الكبائر. فدين الله «بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس» وهو صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، أما سائر الطرق والسبل؛ فإنها منحرفة إلى الطرف، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام]. ومذهب أهل السنة والجماعة وسط في كل مسائل الدين. * * *

стр. 487

براءة أهل السنة من المذاهب المبتدعة وقوله: «فهذا ديننا واعتقادنا، ظاهرًا وباطنًا، ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيَّنَّاه. ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل: المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم، من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق». ختم الطحاوي بهذه الكلمات ما أثبته من مسائل اعتقاد أهل السنة والجماعة، وقوله: «فهذا» إشارة إلى كل ما ذكره من المسائل المتعلقة بأصول الإيمان، من مسائل التوحيد والرسالة، والمسائل المتعلقة بالقرآن وبالإيمان وبالصحابة وغير ذلك. فهذا ديننا واعتقادنا الذي ندين لله به، ونخضع لله به، ونعبد الله به، كما قال في الأول: «نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له» إلخ. وقوله: «ظاهرًا وباطنًا». أي: نقر به بألسنتنا، ونصدقه بأفعالنا، ونعتقده بقلوبنا، وإنما ينفع الإيمان والدين إذا تطابق الظاهر والباطن، فدين الإسلام يتعلق بالباطن:

стр. 488

اعتقادًا وعملًا؛ فالاعتقاد: التصديق واليقين. والعمل: الخوف والرجاء والتوكل والحب والبغض. ويتعلق بالجوارح؛ باللسانِ إقرارًا، وبالجوارحِ فعلًا للمأمورات، وتركًا للمنهيات، مما يُصَدِّق ما يقوله العبد بلسانه، ولهذا قال: «هذا ديننا واعتقادنا، ظاهرًا وباطنًا». وقوله: «ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيَّنَّاه». أي: ونحن نبرأ إلى الله ونعادي وننابذ ونباعد كل من خالف ما تقدم ذِكره وتقريره؛ لأنه مستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويعني: البراءة من طوائف المبتدعين الذين خالفوا الكتاب والسنة، وقد أوضح ذلك ببيان البراءة من المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، فهؤلاء هم الذين يعنيهم بقوله: «ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيَّنَّاه»، لأنها مذاهب مبتدعة رديئة مفتراة، ومخالفة لما جاء في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ . وقوله: «ونسأل الله أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به». وهذا ختم للكلام بالدعاء بالثبات على الإسلام، وهو أمر مهم، فنسأل الله أن يثبتنا على الإسلام والإيمان والاعتقاد الحق، والعبد فقير إلى تثبيت ربه وهدايته وعصمته حتى يلقاه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]، ومن دعاء الأنبياء والصالحين: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾

стр. 489

[الأعراف]، ومن دعائه ﷺ : «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (١). فالدعاء بالثبات على الإسلام حتى الممات من أنفع وأهم وأحوج ما يكون للعبد. وقوله: «ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية». الاستقامة على الصراط إنما تكون بعصمة الله وهدايته، ولذا أمرنا أن نقول في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٢)، فالعبد فقير إلى أن يعصمه ربه من هذه الضلالات، يقول ابن القيم - لما ذكر مذاهب المبتدعين -: لَو شَاءَ رَبُّكَ كُنْتَ أيضًا مِثلَهُم … فَالقَلبُ بَينَ أصابِعِ الرَّحمَنِ (٣) فمن عافاه الله مما عليه أهل الضلال؛ كالمشركين والرافضة والجهمية والصوفية والقدرية؛ فليعلم أن ذلك بتوفيق من الله لا بحوله ولا بقوته، وعلى المسلم أن يلهج دائمًا بسؤال العصمة والوقاية من طرائق المضلين من أصحاب الأهواء والمناهج المنحرفة عن هدى الله؛ فإن هذه المذاهب الردية متناقضة مختلفة ومضطربة وأهلها متبعون لأهوائهم ومتفرقون، كل حزب بما لديهم فرحون.

стр. 490

وقوله: «مثل: المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم». هذه أسماء أبرز الطوائف المنحرفة في مسائل الاعتقاد؛ فالجهمية وإمامهم جهم بن صفوان، قد جمعوا بين ثلاث بدع كبرى: التعطيل في باب الأسماء والصفات، والجبر في باب أفعال العباد والقدر، والإرجاء في باب الإيمان (١). والمعتزلة على النقيض من الجهمية في باب القدر، وباب الإيمان، وهم قريبون منهم في باب الأسماء والصفات؛ فالمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون ما تدل عليه من الصفات، ولهم أصول خمسة: ١ - التوحيد، ويقصدون به: نفي الصفات، فعندهم إثبات الصفات تشبيه وتجسيم وشرك، ونفي الصفات هو التوحيد. ٢ - العدل، ويُدخلون فيه نفي القدر؛ لأن عندهم أن الله تعالى لو شاء أفعال العباد، وكانت ذنوبهم بمشيئته كان تعذيبه لهم ظلمًا! فلهذا لم يجدوا مخرجًا إلا بنفي تعلق مشيئة الله بها، فمذهبهم يتضمن أنه يكون في ملكه تعالى ما لا يشاء، فجميع ما يجري من حركات العباد وأفعالهم وتصرفاتهم وكلامهم كل ذلك بغير مشيئته، فعندهم أن الله تعالى لا يقدر على أن يجعل المؤمن كافرًا أو الكافر مؤمنًا، أو المطيع عاصيًا أو العاصي مطيعًا؛ بل ولا يقدر أن يجعل القائم قاعدًا والقاعد قائمًا، والمتكلم ساكتًا والساكت متكلمًا؛ لأن هذه الأفعال لا تتعلق بها مشيئته ولا قدرته ولا خلقه.

стр. 491

٣ - المنزلة بين المنزلتين، وهي: أن مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق، فليس بمؤمن ولا كافر، لكنه في الآخرة مع الكافرين. ٤ - إنفاذ الوعيد، ويعنون به: أنه يجب على الله إنفاذ وتحقيق ما توعد به العاصين، فلا يجوز عندهم أن يعفو عن من مات مُصرًّا على شيء من الذنوب. ٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُدخلون فيه الخروج على الأئمة الظلمة، بحجة إنكار المنكر (١). وقد جاءت الشريعة بالنهي عن ذلك لما يفضي إليه من الفساد العريض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم على قاعدة: «ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما». فإنكار المنكر إذا كان يفضي إلى زيادة المنكر، أو إلى منكر أعظم كان الإنكار منكرًا. وقوله: «من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق».

стр. 492

هذه هي الحقيقة، فهؤلاء قد خالفوا جماعة المسلمين، التي هي الفرقة الناجية، «وحالفوا الضلالة» أي: لزموا الضلالة، واتبعوا أهواءهم، فهم أصحاب الأهواء؛ لأنهم حكموا عقولهم وقدموها على المنقول. فأهل السنة منهم ومن بدعهم يتبرؤون، ويرون أنهم قد ضلوا وحادوا عن الصراط المستقيم بهذه المذاهب الباطلة. نسأله أن يعافينا من المحدثات واتباع الأهواء، ونسأله تعالى أن يعصمنا منها، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وقد أوجب الله على عباده هذا الدعاء في كل ركعة من الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (١)، وإن كان المراد بالمغضوب عليهم والضالين في الأصل اليهود والنصارى، فهذه الفرق منها ما يكون مشابهًا للمغضوب عليهم، ومنها من هو مشابه للضالين، كما قال بعض السلف: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (٢). هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 493

مراجع التحقيق - آداب الشافعي ومناقبه: ابن أبي حاتم، ت: عبد الغني عبد الخالق، مكتبة الخانجي، ط: الثالثة. - الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير: للجوزجاني، ت: د. عبد الرحمن الفريوائي، دار الصميعي، ط: الثالثة. - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية: لابن بطة (الرد على الجهمية)، ت: د. يوسف الوابل، دار الراية، ط: الثانية. - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية: لابن بطة (القدر)، ت: د. عثمان عبد الله الأثيوبي، دار الراية، ط: الثانية. - إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر: الدمياطي، ت: أنس مهرة، دار الكتب العلمية، ط: الأولى. - إثبات عذاب القبر: للبيهقي، ت: د. شرف القضاة، دار الفرقان، ط: الثالثة. - الأثر المشهور عن الإمام مالك في صفة الاستواء: د. عبد الرزاق العباد، ضمن الجامع للبحوث والرسائل، دار كنوز أشبيليا، ط: الأولى. - اجتماع الجيوش الإسلامية: ابن القيم، ت: د. عواد المعتق، مكتبة الرشد، ط: الثالثة.

стр. 494

- الأحاديث المختارة: الضياء المقدسي، ت: د. عبد الملك بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، ط: الأولى. - أحكام القرآن: الشافعي، جمع البيهقي، ت: قاسم الشماعي الرفاعي، دار القلم، ط: الأولى. - إحياء علوم الدين: الغزالي، ت: سيد إبراهيم، دار الحديث، ط: الأولى. - الأدب المفرد: البخاري: ت: كمال الحوت، عالم الكتب، ط: الثانية. - الأذكار: النووي، ت: عبد القادر الأرناؤوط، دار الهدي، ط: الثالثة. - الإرشاد في معرفة علماء الحديث: الخليلي، ت: محمد سعيد بن عمر إدريس، مكتبة الرشد، ط: الأولى. - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: الألباني، المكتب الإسلامي، ط: الثانية. - الاستقامة: لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، دار الفضيلة، ط: الأولى. - الأسماء والصفات: للبيهقي، ت: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، ط: الأولى. - الإصابة في معرفة الصحابة: ابن حجر، ت: عادل أحمد وعلي معوض، دار الكتب العلمية، ط: الأولى. - أصول السنة: ابن أبي زمنين، ت: عبد الله البخاري، مكتبة الغرباء الأثرية.

стр. 495

- أصول الفقه: ابن مفلح: ت: د. فهد السدحان، مكتبة العبيكان، ط: الأولى. - أضواء البيان: محمد الأمين الشنقيطي، دار عالم الفوائد، ط: الأولى. - الاعتقاد: البيهقي: ت: أحمد أبو العينين، دار الفضيلة، ط: الأولى. - إعلام الموقعين: ابن القيم: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر. - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: ابن القيم، ت: محمد الفقي، دار الكتب العلمية، ١٤٠٢ هـ. - اقتضاء الصراط المستقيم: ابن تيمية، ت: د. ناصر العقل، وزارة الشؤون الإسلامية، السعودية، ط: السابعة. - الإقناع لطالب الانتفاع: الحجاوي، ت: د. عبد المحسن التركي، بالتعاون مع دار هجر. - إنباء الغمر بأبناء العمر: ابن حجر، إشراف: د. محمد عبد المعيد خان، دائرة المعارف العثمانية، تصوير دار الكتب العلمية، ط: الثانية. - الأنساب: السمعاني، ت: عبد الرحمن المعلمي وجماعة، دائرة المعارف العثمانية، تصوير: دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر. - أهوال القبور: ابن رجب، دار الهجرة، ط: الثانية. - إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين: ابن تيمية، ضمن مجموع الفتاوى، المجلد ١٩، ت: ابن قاسم، دار عالم الكتب، ١٤١٢ هـ. - الإيمان: العدني، ت: حمد الحربي، الدار السلفية في الكويت.
следующие страницы →