← Фатава

Фатава · id 2300

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (7 489 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بارك الله فيكم المستمعة من المدينة المنورة أم عبد الله تقول: فضيلة الشيخ بعض الناس يقومون بوضع البخور في بيوتٍ قديمة، يدعون أنهم يبخرونها للملائكة، ويضعون قطعاً من القماش ويبخرونها. فما حكم الشرع في نظركم في ذلك مأجورين ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أقول: إن هؤلاء جماعة من الخرافيين السفهاء في عقولهم، الضالين في عملهم؛ لأن الملائكة لا يمكن أن تكون أماكنها الأماكن الخربة، الأماكن الخربة يمكن أن تكون مأوى الجن أو الشياطين، أما الملائكة فإن مأواها في الأرض هي بيوت الله ، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيمن أكل بصلاً أو ثوماً قال: (فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) ، فالطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. وأضل من ذلك أن يبخروا هذه الأماكن، وكذلك يجعلون قطعاً من القماش ويبخرونها، وكل هذا ضلال في الدين وسفه في العقل. والواجب على من علم بذلك أن ينكر على من فعلها، ويبين له أن هذا خطأ عظيم، وأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أجل وأكرم عند الله من أن يجعل مأواهم هذه البيوت الخربة. ***

стр. 142

يقول السائل: هل هناك أدلة تدل على أفضلية الملائكة على الصالحين من بني البشر ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة- وهي: المفاضلة بين الملائكة وبين الصالحين من البشر- محل خلاف بين أهل العلم، وكل منهم أدلى بدلوه فيما يحتج به من النصوص، ولكن القول الراجح أن يقال: إن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة باعتبار النهاية، فإن الله يؤدي لهم من الثواب ما لا يحصل مثله للملائكة فيما نعلم، بل إن الملائكة في مقرهم- أي: في مقر الصالحين، وهو الجنة- يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. أما باعتبار البداية فإن الملائكة أفضل؛ لأنهم خلقوا من نور، وجبلوا على طاعة الله والقوة عليها، كما قال الله تعالى في الملائكة ملائكة النار: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) . وقال : (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) هذا هو القول الفصل في هذه المسألة. وبعد فإن الخوض فيها، وطلب المفاضلة بين صالح البشر والملائكة، من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به. والله المستعان. ***

стр. 143

الجن والشياطين

стр. 144

جزاكم الله خيراً عبد المجيد محمد له هذا السؤال يقول: ما الفرق بين الجن والشياطين؟ وهل هم من فصيلة واحدة ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الشياطين يكونون من الجن والإنس، كما قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) . بل يكون الشيطان من غير العقلاء، كما قال النبي ﷺ : (الكلب الأسود شيطان) . وأما الجن فإنه من ذرية إبليس، كما قال الله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) . ***

стр. 145

هذه رسالة وردتنا من أحد السادة المستمعين يقول: أخوكم في الله ريكان غيلان الضامن من الجمهورية العراقية يقول: نحن نعرف أن إبليس هو أبو الشياطين، فكيف تتكاثر الشياطين وكيف تتناقص ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: لا شك أن إبليس هو أبو الجن؛ لقوله تعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) . وقوله عن إبليس وهو يخاطب رب العزة : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) . وقوله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُو) . فهذه الأمور أدلتها واضحة أن الشيطان له ذرية، وأن الجن ذريته، ولكن كيف يكون ذلك؟ هذا ما لا علم لنا به، وهو من الأمور التي لا يضر الجهل بها، ولا ينفع العلم بها. والله أعلم. ***

стр. 146

السائل أنور محمد إبراهيم من العراق محافظة ذي قار يقول: كيف هي حقيقة حياة الجن؟ وهل بينهم تزاوج شرعي؟ وهل هم يعيشون ويموتون مثلنا نحن الإنس؟ وهل لهم تأثير على الإنس ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: حقيقة حياة الجن الله أعلم بها، ولكننا نعلم أن الجن أجسام لها حقيقة، وأنهم خلقوا من النار، وأنهم يأكلون ويشربون ويتزاوجون أيضاً، ولهم ذرية، كما قال الله تعالى في الشيطان: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) . وأنهم مكلفون بالعبادات، فقد أرسل إليهم النبي ﵊، وحضروا واستمعوا القرآن، كما قال الله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً) . وكما قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) إلى آخر الآيات. وثبت عن النبي ﵊ أنه قال للجن الذين وفدوا إليه وسألوه الزاد، قال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً) . وهم- يعني: الجن- يشاركون الإنسان إذا أكل ولم يذكر اسم الله على أكله، ولهذا كانت التسمية على الأكل واجبة، وكذلك على الشرب، كما أمر بذلك النبي ﷺ وعليه. فإن الجن حقيقة واقعة، وإنكارهم تكذيب للقرآن، وكفر بالله ، وهم يؤمَرون وينهون، ويدخل كافرهم النار، كما قال الله تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنَ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) . ومؤمنهم يدخل الجنة أيضاً لقوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) . والخطاب للجن والإنس، ولقوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا) . إلى غير ذلك من الآيات والنصوص الدالة على أنهم مكلفون، يدخلون الجنة إذا آمنوا، ويدخلون النار إذا لم يؤمنوا. فضيلة الشيخ: تأثيرهم على الإنس. فأجاب رحمه الله تعالى: أما تأثيرهم على الإنس فإنه واقع أيضاً، فإنهم يؤثرون على الإنس: إما أن يدخلوا في جسد الإنسان فيصرع ويتألم، وإما أن يؤثروا عليه بالإيحاش والترويع وما أشبه ذلك. فضيلة الشيخ: كيف العلاج من تأثيرهم؟ فأجاب رحمه الله تعالى: العلاج من تأثيرهم بالأوراد الشرعية، مثل: قراءة آية الكرسي، فإن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح. ***

стр. 147

بارك الله فيكم، المستمعة هناء محمد تقول: سمعت بأنه يوجد جن صالحون وجن شياطين، هل يظهرون للإنسان؟ وكيف نتجنب ظهورهم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الجن كالإنس فيهم الصالحون، فيهم المسلمون، فيهم الكافرون، فيهم الأولياء الذين آمنوا بالله وكانوا يتقون. ذكر الله ﵎ في سورة الجن عن الجن أنهم قالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) . وقالوا أيضاً: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) . وفيهم- أي: في الجن- من يحب الصالحين من الإنس، وربما يخاطبهم وينتفع بهم بالنصيحة والتعليم، وفيهم- أي: في الجن- فساق وكفار يحبون الفاسقين والكافرين ويبغضون المؤمنين وأهل الاستقامة، وفي الجن من يحب العدوان على الإنس والأذية، وهم في الأصل عالم غيبي لا يظهرون للإنس، لكن ربما يظهرون أحياناً ويراهم الإنس وربما يتشكلون بأشكال مؤذية مزعجة لأجل أن يروعوا الإنس، ولكن الإنسان إذا تحصن بالأوراد الثابتة عن رسول الله ﷺ كفاه الله شرهم، ومن ذلك قراءة آية الكرسي، وهي قوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) . فإن هذه الآية العظيمة من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، ولكن لابد أن يكون القارئ مؤمناً بها، مؤمناً بأثرها، مؤمناً بأن الله تعالى يحفظه بها من كل شيطان، أما من قرأها وهو غافل، أو من قرأها مجرباً غير موقن بأثرها فإنه لا ينتفع بها. ***

стр. 148

هل الجن قد أسلموا برسالة محمد ﷺ ، وآمنوا بالرسل من قبل؟ وأيضاً هل مفروض عليهم الحج؟ وإن كان كذلك فأين يحجون ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على ذلك أن الجن مكلفون بلا شك، مكلفون بطاعة الله ، وأن منهم المسلم والكافر، ومنهم الصالح ومنهم دون ذلك، كما ذكر الله تعالى في سورة الجن عنهم حيث قالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً) . وقالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) . وقد صرف الله نفراً من الجن إلى رسول الله ﷺ ، فاستمعوا القرآن وآمنوا به، وذهبوا دعاة إلى قومهم، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) . وهذا يدل على أن الجن كانوا يؤمنون بالرسل السابقين، وأنهم يعلمون كتبهم؛ لقولهم: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) . وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أكرم الوفد، وفد الجن الذين وفدوا إليه بأن قال لهم: (لكم كل عظم يذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة فهي علف لدوابكم) .ولهذا (نهى النبي ﷺ عن الاستجمار بالعظام، وعن الاستجمار بالروث، وقال: إن العظام زاد إخوانكم من الجن) . فضيلة الشيخ: يقول: هل مفروض عليهم الحج؟ وإن كان كذلك فأين يحجون؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أنهم مكلفون بما يكلف به الإنس من العبادات، ولاسيما أصولها كالأركان الخمسة، وحجهم يكون كحج الإنس زمناً ومكاناً، وإن كانوا قد يختلفون عن الإنس في جنس العبادات التي لا تناسب حالهم، فتكون مختلفة عن التكليف الذي يكلف به الإنس. ***

стр. 149

بارك الله فيكم هذه الرسالة من السائلة الزهراء ع. م. ن. من البيضاء من الجماهيرية العربية الليبية تقول: هل للجن تأثيرٌ حقيقة على الإنسان؟ كما نسمع من تسلط بعض ذكور الجن على إناث الإنس، وتسلط بعض إناث الجن على رجال من الإنس؟ وكيف التخلص من هذا إن كان هذا وارداً؟ وبأي الطرق يمكن معالجة من به مثل هذه الحالة، دون الرجوع إلى وسائل محرمة ومخالفة للتوحيد ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لاشك أن الجن لهم تأثير على الإنس، بالأذية التي قد تصل إلى القتل، وربما يؤذونه برمي الحجارة، وربما يؤذونه بالإيحاش، أي: يروعونه، إلى غير ذلك من الأشياء التي ثبتت بها السنة ودل عليها الواقع. وقد ثبت أن الرسول ﵊ أذن لبعض أصحابه أن يذهب إلى أهله في إحدى الغزوات- وأظنها غزوة الخندق- وكان شاباً حديث عهد بعرس، فلما وصل إلى بيته وإذا امرأته على الباب، فأنكر عليها ذلك فقالت له: ادخل، فدخل فإذا حية ملتوية على الفراش، فكان معه رمح فوخزها بالرمح حتى ماتت، وفي الحال وفي الزمن أو في اللحظة التي ماتت فيها الحية مات الرجل، فلا يدرى أيهما أسبق موتاً: الحية أم الرجل؟ فلما بلغ ذلك النبي ﷺ (نهى عن قتل الجان التي تكون في البيوت، إلا الأبتر وذا الطفيتين) . وهذا دليل على أن الجن قد يعتدون على الإنس، وأنهم يؤذونهم. كما أن الواقع شاهد بذلك، فإنه قد تواترت الأخبار واستفاضت الأخبار بأن الإنسان قد يأتي إلى خربة فينال الحجارة، وهو لا يرى أحداً من الإنس في الخربة، وقد يسمع أصواتاً، وقد يسمع حفيفاً كحفيف الأشجار، وما أشبه ذلك مما يستوحش به ويتأذى به. وكذلك أيضاً قد يدخل الجني إلى جسد الآدمي: إما لعشق، أو لقصد الإيذاء، أو لسبب آخر من الأسباب. ويشير إلى هذا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) . وفي هذا النوع قد يتحدث الجني من باطن نفس الإنسي ويخاطب من يقرأ عليه آيات من القرآن، وربما يأخذ القارئ عليه عهداً ألا يعود، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي استفاضت بها الأخبار وانتشرت بين الناس. وعلى هذا فإن الوقاية المانعة من شره- من شر الجن- أن يستعيذ الإنسان، أو أن يقرأ الإنسان ما جاءت به السنة مما يتحصن به منهم، مثل: آية الكرسي، فإنها آية إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح. ***

стр. 150

يقول السائل: من المعلوم أن من الجن من هم صالحون، كما يثبت ذلك ويؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) . فهل يجوز الاستعانة بهم في الأشياء التي هي فوق طاقة الإنسان وقدرته؟ أم أن ذلك يؤثر على عقيدة المسلم وتوحيده ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن الجن كما ذكر السائل وعلى ما استدل به من أن فيهم الصالح وفيهم دون ذلك، كما في الآية الكريمة التي ذكرها السائل، وفيهم أيضاً المسلم والكافر، كما قال تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) . ومن المعلوم أن الصالح منهم لا يرضى بالفسق ولا يعين عليه، وكذلك المسلم لا يرضى بالكفر ولا يعين عليه، ولهذا قال الله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) . فكافرهم يدخل النار، كما تفيده هذه الآية والآية التي في سورة الجن: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) . ومؤمنهم يدخل الجنة على القول الراجح من أقوال أهل العلم؛ لقوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) . فأخبر أن لمن خاف مقام ربه جنتين، وخاطب بذلك الجن والإنس في قوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) . وقد سمى النبي ﵊ المؤمنين منهم إخوة لنا، حين نهى عن الاستنجاء بالعظام وقال: (إنها طعام إخوانكم أو زاد إخوانكم) يعني: من الجن. وأما الاستعانة بهم: فإني أحيل السائل على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي جمع ابن القاسم صفحة ثلاثمائة وسبع مجلد أحد عشر، وما ذكره ﵀ في كتابه النبوات صفحة مائتين وستين إلى مائتين وسبع وستين، ففيه كفاية. ***

стр. 151

أسمع دائماً من الناس أن الجن يتصورون في صورة طيور وقطط وأغنام، وأنا أنكر ذلك ولم أصدق به؛ لأن الجن مخلوق مثلنا، ولن يستطيع تغيير الخلق إلا الله . فهل هذا صحيح أم لا ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرته أمرٌ مشهور بين الناس أن الجن قد يتشكلون بشكل شيء مشاهد ومرئي، وربما يشهد له الحديث الثابت في الصحيح أن رجلاً شاباً من الأنصار كان حديث عهدٍ بعرس، فجاء ذات يومٍ أو ليلة فوجد أهله على الباب، فسألهم: ما هو السبب؟ فذكرت له ما في الفراش، فذهب إلى فراشه فوجد فيه حيةً، فأخذ رمحاً فطعنها فماتت هذه الحية، ثم مات الرجل فوراً، فلا يدرى أيهما أسرع موتاً: الرجل أم الحية؟ ثم إن النبي ﷺ نهى عن قتل الحيات التي تكون في البيوت، إلا الأبتر وذا الطفيتين. وهذا يدل على أن هذا كان جناً، وأنه وقد تصور بصورة الحية، والحكايات في ذلك كثيرةٌ ومشهورة، ولكن هذا الحديث الصحيح قد يشهد لصحتها. وكما أنه يتصور الملائكة عليهم الصلاة والسلام بأشكالٍ ليست على هيئتهم التي خلقوا عليها، فإن جبريل ﷺ كان يأتي إلى النبي ﷺ أحياناً بصورة دحية الكلبي، وجاء إليه مرة بصورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحدٌ من الصحابة، وجلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه جلسة المتأدب، ثم سأل النبي ﷺ الأسئلة المشهورة في الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأشراطها، ثم قال النبي ﷺ : (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) . ومن المعلوم أن قدرتهم على التشكل بهذا الشكل إنما هي من الله ، فهو الذي أقدرهم على ذلك، فلا يبعد أن يكون الجن هكذا يستطيعون أن يتصوروا أو يتشكلوا للناس بأشكالٍ متعددة، هذا الذي ظهر لي في هذه المسألة. ***

стр. 152

الإيمان بالكتب

стр. 153

التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة هل هي منسوخة بالقرآن؟ وما هو الدليل من القرآن إن وجد؟ والسنة المطهرة؟ وما حكم قراءتها بالنسبة للعالم للاطلاع ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الكتب السابقة منسوخة بالقرآن الكريم؛ لقول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) . فكلمة: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) تقتضي أن القرآن الكريم حاكم على جميع الكتب السابقة، وأن السلطة له، فهو ناسخ لجميع ما سبقه من الكتب. وأما قراءة الكتب السابقة: فإن كان للاهتداء بها والاسترشاد فهو حرام ولا يجوز؛ لأن ذلك طعن في القرآن والسنة، حيث يعتقد هذا المسترشد أنها- أي: الكتب السابقة- أكمل مما في القرآن والسنة، وإن كان للاطلاع عليها ليعرف ما فيها من حق فيرد به على من خالفوا الإسلام فهذا لا بأس به، وقد يكون واجباً؛ لأن معرفة الداء هي التي يمكن بها تشخيص المرض ومحاولة شفائه، أما من ليس عالماً ولا يريد أن يطلع ليرد فهذا لا يطالعها. إذاً فأقسام الناس فيها ثلاثة: من طالعها للاسترشاد بها فهذا حرام ولا يجوز؛ لأنه طعن في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ومن طالعها ليعرف ما فيها من حق فيرد به على من تمسكوا بها وتركوا الإسلام فهذا جائز، بل قد يكون واجباً، ومن طالعها لمجرد المطالعة فقط، لا ليهتدي بها ولا ليرد بها، فهذا جائز، لكن الأولى التباعد عن ذلك؛ لئلا يخادعه الشيطان بها. ***

стр. 154

تقول السائلة: ماحكم قراءة الكتب السماوية مع علمنا بتحريفها ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أنه ليس هناك كتابٌ سماوي يتعبد لله بقراءته، وليس هناك كتابٌ سماوي يتعبد الإنسان لله تعالى بما شرع فيه، إلا كتاباً واحداً وهو القرآن، ولا يحل لأحد أن يطالع في كتب الإنجيل ولا في كتب التوراة، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى مع عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة من التوراة، فغضب وقال: (أفي شكٍ أنت يا ابن الخطاب) ؟ والحديث وإن كان في صحته نظر لكن صحيح أنه لا اهتداء إلا بالقرآن. ثم هذه الكتب التي بأيدي النصارى الآن أو بأيدي اليهود هل هي المنزلة من السماء؟ إنهم قد حرفوا وبدلوا وغيروا، فلا يوثق أن ما في أيديهم هي الكتب التي نزلها الله ، ثم إن جميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن، فلا حاجة لها إطلاقاً. نعم لو فرض أن هناك طالب علم ذا غيرةٍ في دينه وبصيرةٍ في علمه طالع كتب اليهود والنصارى من أجل أن يرد عليهم منها فهذا لا بأس أن يطالعها لهذه المصلحة، وأما عامة الناس فلا، وأرى من الواجب على كل من رأى من هذه الكتب شيئاً أن يحرقه، النصارى عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة صاروا يبثون في الناس الآن ما يدعونه إنجيلاً على شكل المصحف تماماً، مشكل على وجهٍ صحيح، وفيه فواصل كفواصل السور، والذي لا يعرف المصحف- كرجلٍ مسلم ولكنه لا يقرأ- إذا رأى هذا ظن أنه القرآن، كل هذا من خبثهم ودسهم على الإسلام، فإذا رأيت أخي المسلم مثل هذا فبادر بإحراقه يكن لك أجر؛ لأن هذا من باب الدفاع عن الإسلام. ***

стр. 155

عثمان محمد علي سوداني يقول في رسالته: عثرت على بعض الكتب المسيحية، فهل يصح إحراقها أم يجب عليّ أن أدفعها للمسيحيين لأنها تخصهم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: كأن السائل يريد أنه وجد نسخاً من الإنجيل، وأشكل عليه: هل يحرقها، أو يدفعها للنصارى الذين يدعون أنهم متبعون لعيسى بن مريم ﵊؟ والذي أرى أنه يجب عليه إحراقها، وأنه لا يحل له أن يعطيها النصارى. ***

стр. 156

هذه الرسالة وردتنا من الأخ صلاح ساري أبو الخير من جمهورية مصر العربية من دقهلية يقول في رسالته: ما هو الحكم في الذي يقرأ بالإنجيل؟ فهل هو حلال أم حرام، مع العلم أنه يتلو القرآن ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: تلاوة غير القرآن الكريم من الكتب السابقة تقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون التالي عالماً بالشريعة، ويتلوها ليقيم الحجة على معتنقيها بصدق ما جاء به الإسلام، فالتلاوة هنا وسيلة إلى أمر محمود فتكون محمودة. والقسم الثاني: أن تكون التلاوة من عامي لا يعرف الشريعة، ويقصد الاهتداء بهذه الكتب، فهذه حرام عليه، أي: هذه التلاوة حرام عليه؛ لأنه لا يجوز أن يسترشد بالكتب السابقة وعنده هذا القرآن الكريم الذي كان مصدقاً لما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليها، ولا يجوز الاهتداء بغير ما جاء به النبي ﷺ ، هذا هو خلاصة الجواب في مسألة مطالعة كتب غير المسلمين. ***

стр. 157

هذه يا شيخ رسالة وردت من محمد العيسى الحمود الجارياوي يقول في رسالته: إنني قرأت في كتاب وهو كتاب مسيحي، وفيه مكتوب أن المسيح ابن الله تعالى، وأنا أعرف أنه خطأ وكفر بالله، هل يلحقني ذنب في هذه القراءة؟ أرشدوني جزاكم الله خيراً، رغم أن الكتاب فيه عدة أخطاء وكفر بالله ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكتاب الذي قرأت للمسيحي لم تبين أنه الإنجيل أو غيره، وعلى كل حال فإن الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل قراءتها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقرأها للاسترشاد بها والاستفادة منها، فهذا لا يجوز، وذلك لأن في القرآن والسنة ما يغني عنها. ثانياً: أن يقرأها ليعرف ما فيها من حق فيلزم به متبعيها، ويبين خطأهم في مخالفة ما جاء به محمد ﷺ ، فهذا لا بأس به، بل هو مطلوب إما وجوباً وإما استحباباً. الثالث: أن يقرأها لمجرد المطالعة فقط ليعرف ما عندهم، وليس يريد أن يسترشد بها أو يهتدي بها عن القرآن والسنة، ولا أن يرد على متبعيها باطلهم، فالأولى هنا أن لا يفعل؛ لأنه يخشى أن يتأثر بها ويجعلها مصدراً لرشاده وهدايته. ***

стр. 158

حنان وسامية من بابلة الأردن المستمعتان تسألان: نحن نعلم بأن القرآن الكريم نزل مفرقاً، وورد بالقرآن أنه نزل في ليلة القدر، هل معنى ذلك بأنه نزل في كل سنة من ليلة القدر؟ نرجو بهذا إفادة يا فضيلة الشيخ ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: إنه لا يخفى علينا جميعاً أن القرآن كلام الله ؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) أي: حتى يسمع القرآن. وليس المعنى أن هذا المستجير يسمع كلام الله نفسه من الله، بل إنما يسمع القرآن الذي هو كلام الله ، وأن هذا القرآن نزل من عند الله تعالى، كما قال الله تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) . وكما قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) فالقرآن نزل من عند الله ، ونزوله كان مفرقاً، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) . وقال تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) . ولنزوله مفرقاً فوائد كثيرة، ذكرها أهل العلم في التفسير في أصول التفسير. فأما قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) . فقد اختلف المفسرون فيها، فقال بعضهم: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) أي: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، فيكون القرآن أول ما نزل في ليلة القدر، ثم نزل متتابعاً حسب ما تقتضيه حكمة الله . وقال بعض العلماء: إنه نزل إلى بيت العزة جميعاً في ليلة القدر، ثم نزل إلى النبي ﷺ مفرقاً بعد ذلك. لكن الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن قوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) يقتضي إنزاله إلى منتهى إنزاله، وهو قلب النبي ﷺ ، ومعلوم أنه لم ينزل على قلب النبي ﷺ جميعاً في ليلة واحدة، بل نزل مفرقاً، فيكون المعنى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) أي: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، ثم صار ينزل مفرقاً حسب ما تقتضيه حكمة الله ﵎. ***

стр. 159

بارك الله فيكم السائلة أع ن تقول: هل نزول القرآن باللغة العربية يجعل الأعجميين لديهم عذر أو حجة لأن القرآن ليس بلغتهم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: ليس للأعجميين حجة أو عذر لكون القرآن ليس بلغتهم، بل عليهم أن يتعلموا لغة القرآن؛ لأنه إذا توقف فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تعلم العربية كان تعلم العربية واجباً، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا كان من أئمة اللغة العربية قوم من العجم من فارس وغيرها، وصاروا أئمة في العربية لأنهم عرفوا قدر تعلم اللغة العربية، فتعلموها فصاروا أئمة فيها. وأما تعصب بعض الناس للغتهم، وعدم تحولهم إلى اللغة العربية مع قدرتهم على ذلك، فهذا من حمية الجاهلية، والقرآن ولله الحمد الآن انتشر بين العالم، وترجم معناه إلى لغات متعددة، لغات عالمية حية، ولغات في مناطق معينة، فلا حجة لأحد اليوم في قوله: إن لساني ليس عربيّاً فلا أفهم القرآن. ***

стр. 160

جزاكم الله خيراً هذه السائلة دعاء م. ع من جمهورية مصر العربية البحيرة تقول في هذا السؤال: قرأت في كتاب بأن أهل السنة والجماعة قالوا بأن من قال: إن القرآن محدث فهو كافر، وإن القرآن ليس مخلوقاً. فما معنى أن القرآن ليس محدثاً وليس مخلوقاً ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أما من قال: إن القرآن مخلوق، فهو مبتدع ضال؛ لأن القرآن كلام الله ، وكلام الله من صفاته، وصفات الخالق غير مخلوقة، وقد أنكر أئمة أهل السنة على من قال ذلك- أي: على من قال: إن القرآن مخلوق- إنكاراً شديداً، وحصلت بذلك الفتنة المشهورة التي جرت في زمن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀، حتى إن بعضهم- أي: بعض الأئمة- أطلق الكفر على من قال: إن القرآن مخلوق، ولا شك أن من قال: إن القرآن مخلوق، فقد أبطل الأمر والنهي؛ لأنه إذا كان مخلوقاً فمعناه أنه شيء خلق على هذه الصورة المعينة، فهو كالنقوش في الجدران والورق وشبهها لا يفيد شيئاً، إذ ليس أمراً ولا نهياً ولا خبراً ولا استخباراً. وأما من قال: إن القرآن محدث، فليس بمبتدع وليس بضال، بل قد قال الله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) . نعم لو كان المخاطب لا يفهم من كلمة محدث إلا أنه مخلوق فهنا لا نخاطبه بذلك، ولا نقول: إنه محدث، خشية أن يتوهم ما ليس بجائز. فضيلة الشيخ: لماذا اعتبرت الفرق الضالة بأن القرآن مخلوق وأنه محدث؟ وما هو الغرض من ذلك؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أولاً: كما سمعت كلمة محدث لا بأس بها، ما لم نكن نخاطب من يفهم منها الخلق، وأن "محدث" في إزاء مخلوق. وأما المخلوق فإنهم إنما ذهبوا هذا المذهب لشبهات كانت عليهم، مثل قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . ومثل قوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) وما أشبه ذلك، فظنوا أن هذا هو الحق، لكنهم بُيِّنَ لهم هذا، وبُيِّنَ لهم الغلط، إلا أنهم أصروا وعاندوا، وصاروا يدعون إلى بدعتهم هذه، وهي بدعة ضلالة. ***

стр. 161

ناصر دوارة من الجمهورية العربية السورية يقول: ما الفرق بين النبي والرسول ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: المشهور عند أهل العلم أن الفرق بينهما: أن النبي أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، هذا هو الفرق عند جمهور أهل العلم. وقيل: إن الفرق أن النبي لم يأت بشرع جديد، وإنما يكون مبلغاً بشرع من قبله، أي: إنه يحكم بشريعة من قبله بدون وحي جديد يوحى به إليه، كما في قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) . يحكم بها النبيون الذين أسلموا، وهم يحكمون بما في التوراة. فأما إذا أتى بشرع فحينئذٍ- ولو كان تكميلاً لشرع من قبله- يكون رسولاً، ولا يرد على هذا التعريف إلا آدم، فإن آدم كان نبياً وليس برسول؛ لأن أول رسول نوح، وآدم نبي أوحي اليه بشرع، فعمل به، فأخذت به ذريته الذين كانوا في عهده. ***

стр. 162

فضيلة الشيخ ما الفرق بين الأنبياء والرسل؟ وهل توجد كتب غير الكتب الأربعة التي نزلت أو أنزلت على الأنبياء؟ وما هي الصحف التي أنزلت على إبراهيم؟ نرجو منكم الإجابة . فأجاب رحمه الله تعالى: جميع من ذكروا في القرآن من النبيين رسل، حتى وإن ذكروا بوصف النبوة؛ لقول الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) . وقوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) إلى أن قال: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) . فكل نبيٌ ذكر في القرآن فإنه رسول، لكن ذكر العلماء ﵏ أن النبي هو الذي أوحى الله إليه بالشرع ولم يلزمه بتبليغه، وإنما أوحى الله إليه بالشرع لأجل أن يتعبد به، فيحيي شريعةً قبله أو يجدد شريعةً إذا لم يكن مسبوقاً بشريعةٍ من قبل. فمن الأول قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) . ومن الثاني- وهو: أن يكون الوحي الذي أوحي إلى النبي نبوة بلا رسالة- آدم ﵊، فإنه كان نبياً ولم يكن رسولاً، ومع ذلك فهو لم يجدد شريعةً قبله، وإنما تعبد لله تعالى بما أوحى إليه من الشرع، فتبعه على ذلك أولاده، فلما كثر الناس واختلفوا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، وأول رسولٍ بعثه الله هو نوح ﵊، ومعه كتابٌ بلا شك، وآخر الرسل والأنبياء محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل رسول معه كتاب، ولكننا لا نعلم من الكتب السابقة إلا التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى، وقد اختلف العلماء في صحف موسى هل هي التوراة أم غيرها؟ والله أعلم. هذا هو جواب السؤال. ***

стр. 163

الإيمان بالرسل

стр. 164

السائل ب م حجازي الخبر المملكة العربية السعودية يقول: أرجو أن تبينوا لنا مشكورين حقيقة الأمر في مسألة عصمة الرسول الكريم ﷺ ، حيث يلتبس الأمر على كثير من الناس في هذا الشأن، كثيراً ما نسمع ما يمكن أن يفهم منه أن الرسول ﷺ كان معصوماً من الخطأ، كما يفهم من عموم قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) . ولكن نرى في بعض ما ورد عنه ﷺ أنه كان يصيب ويخطئ في بعض الأمور، كالسهو في الصلاة مثلاً. فما حقيقة أمر العصمة للرسول ﷺ ؟ وما هي الجوانب التي عصم منها من الخطأ تحديداً والجوانب التي لم يعصم من الخطأ مشكورين ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: فإني أسأل هذا السائل: هل يؤمن بأن محمداً رسول الله على كل حال؟ هو يؤمن بهذا لا شك إن شاء الله، إذا كان يؤمن بمحمد رسول الله ﷺ أنه رسول الله فكفى، وما وقع منه فإنه لا ينافي الرسالة، فالسهو وقع منه في الصلاة، ولكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) .وعدم العلم وقع منه ﵊، فقد (صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلاه، وفي أثناء الصلاة خلع النعلين، فخلع المسلمون نعالهم، فلما سلم سألهم: لماذا؟ قالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقال: إن جبريل أتاني وأخبرني أن فيهما قذراً فخلعتهما) . فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى في نعليه ولم يعلم أن فيهما قذراً، وهذا أيضاً من طبيعة البشر أن الإنسان جاهل, هذا الأصل في الإنسان، كما قال الله : (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) . نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد يجتهد في أفعاله ولا يكون اجتهاده مصيباً، لكنه حين فعله للشيء الذي صدر منه عن اجتهاد هو مصيب، كما في قول الله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى. كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) . فهذا وقع اجتهاداً من النبي ﷺ أن ينصرف إلى هؤلاء الكبراء الذين جاؤوا إليه من قريش، يرجو إسلامهم وينتفع بإسلامهم قومهم والمسلمون جميعاً. ومثل قول الله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) . فاجتهد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعفا عنهم؛ لمحبته ﷺ للعفو، وأخذ الناس بظواهرهم، وهو حين عفا عنهم مصيب، لكن بين الله له أن الحكمة هي الانتظار، وهذا لا يخدش بالرسالة, النسيان من طبيعة الإنسان، وعدم العلم هو أصل الإنسان أنه لا يعلم حين وقع من الرسول ﷺ مثل هذا فإنه والله لا يخدش بالرسالة وأما قوله تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) فالمعنى: أنه ﷺ لا ينطق نطقاً صادراً عن هوى، وإنما نطقه إما عن وحي من الله وإما عن اجتهاد، فليس كغيره ممن ينطق عن الهوى ويتكلم بما يهوى، سواء كان الحق أو غير الحق. وإني أنصح هذا السائل وغيره ألا يتعمقوا في مثل هذه الأمور فيلقي الشيطان في قلوبهم شرّاً، فالإنسان غير آمن من الشيطان، أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة وهو معتكف قام يقلب صفية ﵂، حين جلست عنده ساعة من الليل في معتكفه، فقام يقلبها ﵊ أي: يمشي معها- فأبصر به رجلان من الأنصار فأسرعا, أسرعا خوفاً وخجلاً من النبي ﷺ وحياء، فقال: (علىرسلكما إنها صفية) . فقالا: سبحان الله! قال: (نعم، إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً- أو قال: شراً-) . فانظر إلى هذا: خاف أن يلقي الشيطان في قلوبهما ما لا يليق بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهما من الصحابة، فالبحث في هذه الأمور والتعمق فيها قد يكون خطراً على الإنسان وهو لا يشعر، وأنا أشكر السائل حيث سأل ليتبين له الأمر، لكني أقول: إن الأولى بالإنسان أن يدع البحث في هذه الأمور، وأن يقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أبعد الناس أن يقول عن هوى أو أن يحكم بالهوى، بل هو الصادق الأمين ﵊. ثم إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من كل ما يخل بالإخلاص لله ، فلم يقع منهم الشرك، معصومون عن كل ما يخل بالمروءة والخلق، فلم يقع منهم ما ينافي ذلك، وأما بعض الذنوب فيقع منهم، لكن من خصائصهم أنهم معصومون من الاستمرار فيها وعدم التوبة، وإذا تاب الإنسان من الذنب فكمن لا ذنب له، بل قد تكون حاله بعد التوبة من الذنب أكمل من حاله قبل أن يفعل الذنب. وبهذه المناسبة أود أن أبين أن ما ذكر في الإسرائيليات عن داود ﵊ في قصة الخصمين اللذين اختصما عنده وقال أحدهما: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) . في بعض الإسرائيليات أن داود ﵊ كان له أحد الجنود، وكان عند هذا الجندي امرأة أعجبت داود وأرادها، فطلب من هذا الجندي أن يذهب للجهاد لعله يقتل فيأخذ زوجته، هذه قصة كذب ولا يجوز لأحد أن ينقلها إلا إذا بين أنها كذب، ولا يجوز اعتقادها في نبي من أنبياء الله، هذه لا تليق ولا من عامي من الناس فكيف بنبي؟ ولا أستبعد أن هذه من دسائس اليهود التي دسوها على المسلمين ليفسدوا بذلك دينهم. والقضية هي أن هذا الرجل مع خصمه عنده نعجة واحدة، أي: أنثى من الضأن، وكان أخوه- أي: خصمه- عنده تسع وتسعون، فقال له: أنت ليس عندك إلا واحدة لا تغني شيئاً، وأنا عندي تسع وتسعون، باقٍ واحدة وتكتمل المائة، والإنسان ينظر إلى تكميل العدد، فطلب منه هذه الواحدة، وجعل يورد عليه الحجج حتى غلبه في الحجج، فاختصما إلى داود. فإذا قال قائل: ما تقول في قوله تعالى: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) ؟ فالجواب سهل: داود ﵇ جعله الله خليفة في الأرض يحكم بين الناس، وكونه يدخل محرابه- أي: متعبده- ثم يغلق الباب خلاف لما كلف به، وهو مجتهد في ذلك لا شك، ثم إنه حكم على الخصم قبل أن يسمع حجة الآخر المحكوم عليه، فلما قال الخصم: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ) الخ. فحكم قبل أن يسمع حجة الخصم، ولعله من أجل أن يسرع التفرغ للعبادة، فلما جاءت هذه القصة وأخذ بقول الخصم وكان قد أغلق الباب ظن داود ﵊ أن الله تعالى أرسل هذين الخصمين اختباراً له (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ) . فإن قال قائل: ما تقولون في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهند حين شكت زوجها أبا سفيان أنه رجل شحيح لا يعطيها وولدها ما يكفيهم، فقال: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فحكم لها؟ فالجواب: أن حكم النبي ﷺ فتيا وليست قضاء بين خصمين؛ لأن خصمها لم يحضر، فهو أفتاها على صورة القضية بدون محاكمة ومخاصمة. ***

стр. 165

هذا السائل يا فضيلة الشيخ من السودان يقول: يا فضيلة الشيخ نعلم أن الرسل معصومون من الخطأ، هل هم معصومون من الخطأ في التشريع فقط، أم في كل الأمور ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يتكلمون بوحي الله ، وهم معصومون من كل خطأ يخل بصدقهم وأمانتهم، وهذا هو محل الثقة فيهم. وأما ما نتج عن اجتهادٍ منهم فإنهم قد يخطئون فيه، فإن نوحاً ﵊ سأل ربه أن ينجي ابنه، فقال الله له: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) . ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرم ما أحل الله له اجتهاداً منه، فقال الله له: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَات أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) . وعفا عن قومٍ استأذنوه في الجهاد فقال الله له: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) . لكنهم معصومون من الإقرار على الخطأ، يعني لو حصل منهم خطأ في اجتهادٍ اجتهدوه فإن الله تعالى لا بد أن يعصمهم من الاستمرار فيه، بخلاف غيرهم فإنهم لا يعصمون من ذلك. ***

стр. 166

يوجد في مدينة الكوفة مسجد يقال: إن جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام قد زاروا هذا المسجد، ولكل نبي فيه محراب ودعاء مكتوب على المحراب، والناس يزورون هذا المسجد بكثرة ويتنقلون بين محاريبه، ويدعون عند كل محراب بما كتب عليه من الدعاء بعدد الركعات التي يريد الزائر أن يصلىها. فهل هذا صحيح؟ وهل زيارة هذا المسجد لهذا الغرض جائزة أم لا ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا باطل قطعاً، فإن سيد الأنبياء والمرسلين محمداً ﷺ لم يزره بلا ريب، وكذلك الأنبياء قبله لا يمكن أن يكونوا قد زاروه؛ لأنه لو قصد بالأنبياء الأنبياء الذين لم يرسلوا فإنهم أربعة وعشرون ألفاً، وإن قصد الرسل فهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً، وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا قد زاروا هذا المسجد، وإنما هذا من التزوير الذي يقصد به أكل المال بالباطل وصد الناس عن سبيل الله. والذهاب إلى هذا المسجد بهذه النية محرم ولا يجوز، والواجب على المسلمين أن يتحققوا في هذه الأمور، وأن ينصحوا من مارس القيام بتعظيمها واحترامها، وليس هناك مساجد تشد الرحال إليها إلا ثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى. وماعدا ذلك من المشاهد أو المساجد فإنه لا يجوز أن تشد إليها الرحال مطلقاً في أي حال من الأحوال، ثم إن غالب هذه الأمور تكون كذباً مزوّرة، والمؤمن العاقل يعرف أن هذا من التزوير بأول نظرة. فضيلة الشيخ: لكن ما حكم الصلاة فيه؟ فأجاب رحمه الله تعالى: قلت في الجواب: إنه لا يجوز قصده للصلاة فيه، وإنه حرام وأما الصلاة فيه كبقعة، مثل: أن يمر به الإنسان مروراً عابراً فيصلى فيه، فإنه لا بأس به. فضيلة الشيخ: يعني: دون أن يعتقد فيه شيئاً؟ فأجاب رحمه الله تعالى: دون أن يعتقد ما ذكره السائل؛ لعموم قول النبي ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) . إلا أن يخشى أن يفتتن أحد بصلاته فيه، فإنه يتجنبه ويتقدم عنه، ويصلى في مكان آخر. ***

стр. 167

يقول السائل محمد عمر أحمد من السودان: قيل: إن سيدنا محمداً ﷺ جاءه ملك وفتح صدره وملأه نوراً، فما مدى صحة هذا الكلام ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكلام صحيح، فإن الرسول ﵊ حين عرج به جاءه جبريل فشق ما بين نحره إلى أسفل بطنه، واستخرج قلبه فملأه حكمة وإيماناً وليس نوراً، ولكن ملأه حكمة وإيماناً، والإيمان والحكمة من النور المعنوي. ***

стр. 168

السائلة أم أسامة من مصر أسوان تقول: سمعت من بعض الإخوة يقول بأن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلق من نور، وأن آدم خلق من نور محمد، فهل هذا القول صحيح ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا القول من أبطل الباطل، وهو كذب مخالف لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) .ولقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) . والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بني آدم، وهو سيد ولد آدم، وهو مخلوق من نطفة أبيه, وأبوه مخلوق من نطفة جده، وهكذا إلى أن يصل الخلق إلى آدم الذي خلقه الله من سلالة من طين. والعجب أن هؤلاء الذين يأتون بهذه الأكاذيب تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعضهم عنده تهاون في دينه، واتباعه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعلهم يجهلون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الغلو فيه وحذر منه. وإن نصيحتي لهؤلاء أن يتلقوا معتقدهم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يعلموا أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر مثلنا، كما أمره الله أن يقول ذلك ويعلنه على الملأ: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) . فقد تميز صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالوحي، وبما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق، وبأنه أتقى الناس لله وأعبد الناس لله، لكنه بشر، وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلم أنه بشر مثلنا ينسى كما ننسى فقال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) . انظر التواضع العظيم: أخبر أنه بشر ينسى، ومع ذلك قال: (إذا نسيت فذكروني) . ولن ينقص ذلك من قدره شيئاً، بل هو أكمل الخلق إيماناً وتقوى وزهداً وخلقاً ﵊، ومن أراد أن يحشر تحت لوائه يوم القيامة فليكن تحت لواء سنته في الدنيا، ولا يتعدَّ حدود الله ولا يقصر عنها، فلا غلو ولا تحريف، هذا الواجب علينا. ولقد قال الله ﵎ لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (قلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) . فمن كان صادقاً في دعوى المحبة لله أو المحبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبذلك يقيم بينة على صدق دعواه، وأما أن يدعي أنه متبع للرسول محب للرسول، وهو يقول في الرسول ما ليس حقيقة، ويبتدع في دينه ما لم يشرع، فإن البينة تخالف دعواه. ***

стр. 169

يوجد في القرآن الكريم سورة سميت بسورة لقمان، فمن هو هذا الشخص الذي يدعى لقمان؟ وهل أوتي النبوة ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: سميت سورة لقمان لأنه ذكر فيها قصة لقمان وعظته لابنه، وتلك الوصايا التي ذكرها له، والسورة تسمى باسم ما ذكر فيها أحياناً، كما يقال: سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة الإسراء، وما أشبه ذلك. فضيلة الشيخ: أيضاً يقول: من هذا الشخص الذي يدعى لقمان؟ وهل أوتي النبوة أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه ليس بنبي، وأن الله تعالى آتاه الحكمة وهي موافقة الصواب مع العلم، وقولنا: مع العلم، للتبيان وإلا فلا صواب إلا بعلم، والصواب أنه ليس من الأنبياء، وإنما هو رجل آتاه الله الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. ***

стр. 170

أحسن الله إليكم هل الخضر ﵇ حي إلى يومنا هذا ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أما كونه حيّاً فلا، ليس بحي؛ لأنه لو كان حيّاً لوجب عليه أن يؤمن بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن يجاهد معه، ولم يكن شيء من ذلك، فالخضر كغيره من البشر مات في وقته فيما يظهر لنا، وكذلك ليس الخضر بنبي، وإنما هو رجل آتاه الله تعالى علماً لا يعلمه موسى ﵊؛ لأن موسى ﵊ قال: إنه لا أحد في الأرض أعلم منه، فأراه الله هذه الآية: أن موسى ﵊ وإن كان لديه علم كثير من شريعة الله فإنه قد يفوته شيء من المعلومات الأخرى. ***

стр. 171

يزعم بعض الناس من المسلمين أن نبي الله الخضر ﵇ لا يزال حياً يطوف على الأرض، وأنه إذا مر على إنسان وطلب منه الإحسان فقدمه له، إن كان ذلك الإنسان فقيراً صار غنيا، ً ويأتي إلى الناس بهيئة المجانين كي لا يعرفوه، وصار كثير من الناس يقدمون الإحسان لكل من يأتيهم بمثل تلك الهيئة، ظناً منهم أن يكون هو الخضر ﵇، فهل هذا الزعم الأسطوري وارد في الحديث الشريف؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام على هذا السؤال من وجهين: أولاً: قول السائل: إن نبي الله الخضر، وجزمه بأنه نبي: هذا محل خلاف بين أهل العلم، هل كان الخضر نبياً، أو كان ولياً أعطاه الله من الكرامات ما علم به مآل ما جرى بينه وبين موسى ﵊؟ والراجح أنه ليس بنبي، وأنه ولي من أولياء الله؛ لأدلة ليس هذا موضع بسطها. الوجه الثاني: من حيث بقاء هذا الرجل- أعني: الخضر- إلى الآن: فإن هذا لا يصح إطلاقاً؛ لأنه لو كان الخضر حياً لكان يجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويؤمن به ويتبعه لو كان حياً، على فرض أن يكون حياً لكان قد مات أيضاً؛ لأن النبي ﷺ حدث أصحابه في آخر حياته أنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها ذلك اليوم أحد، فلو فرض أن الخضر قد بقي إلى الرسول ﵊ لكان لا يمكن أن يبقى بعد مائة السنة التي أخبر عنها رسول الله ﷺ , وعليه فإن الخضر لا وجود له وليس بموجود. ثم إن هذا الزعم الباطل الذي يقتضي السخرية والاستهزاء به، حيث يقول: إنه يأتي إلى الناس بصورة المجنون لئلا يعرف، وإن من أتاه شيئاً وأهدى إليه شيئاً فإنه يصبح غنياً، فإن هذا باطل من أبطل الباطل. أيضاً والمهم أنه يجب على المؤمن أن يعتقد بأن الخضر ليس بموجود؛ للدليلين اللذين أشرنا إليهما فيما سبق: أنه لو كان موجوداً لم يسعه إلا أن يأتي للنبي ﵊ ويؤمن به ويتبعه، وأنه لو كان موجوداً لكان يموت قبل أن تأتي مائة السنة التي أخبر عنها رسول الله ﷺ . ***

стр. 172

أحسن الله إليكم يقول السائل: هل هناك خصائص اختصها الله للرسول ﷺ ، ولم تكن لغيره من أفراد أمته ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الخصائص التي اختص بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليست لأمته كثيرة جدّاً، وقد ذكر العلماء ﵏ أعني بهم: الفقهاء، ذكروا- في كتاب النكاح خصائص كثيرة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن أحب أن يرجع إليها فليفعل. ومن ذلك ما ذكره الله تعالى في القرآن حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) إلى قوله: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) . فهنا بين الله أن النكاح بالهبة لا يحل إلا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما أن هذه الأمة خصها الله تعالى بخصائص لم تكن لغيرها من الأمم، كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي) وذكر تمام الحديث. فالحاصل أن الله يختص من شاء من عباده بأحكام شرعية وغيرها مما لا يكون لغيره. ***

стр. 173

محمد جميل حسين مصطفى من الجمهورية العراقية يسأل عن الصلاة على الأنبياء يقول: هل يجوز الصلاة على الأنبياء الآخرين غير محمد ﷺ ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب: نعم تجوز الصلاة على الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، بل تجوز الصلاة أيضاً على غير الأنبياء من المؤمنين: إن كانت تبعاً فبالنص والإجماع، كما في قوله ﷺ حين سئل: كيف نصلى عليك؟ قال: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمدٍِ، كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) . وآل النبي ﷺ في هذه الجملة هم المتبعون لشريعته من قرابته وغيرهم، هذا هو القول الراجح، وإن كان أول وأولى من يدخل في هذه- أي: في آل محمد- هم المؤمنون من قرابة النبي ﷺ ، لكن مع ذلك هي شاملة لكل من تبعه وآمن به؛ لأنه من آله وشيعته. والصلاة على غير الأنبياء تبعاً جائزة بالنص والإجماع، لكن الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً لا تبعاً هذه موضع خلاف بين أهل العلم هل تجوز أو لا؟ فالصحيح جوازها، أنه يجوزأن يقال لشخص مؤمن: صلى الله عليه، وقد قال الله ﵎ للنبي ﷺ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عليهم) فكان النبي ﷺ يصلى على من أتى إليه بزكاته وقال: (اللهم صلِّ على آل أبي أوفى، حينما جاؤوا إليه بصدقاتهم) . إلا إذا اتخذت شعاراً لشخص معين كلما ذكر قيل: صلى الله عليه، فهذا لا يجوز لغير الأنبياء، مثل: لو كنا كلما ذكرنا أبا بكر قلنا: صلى الله عليه، أو كلما ذكرنا عمر قلنا: صلى الله عليه، أو كلما ذكرنا عثمان قلنا: صلى الله عليه، أو كلما ذكرنا علياً قلنا: صلى الله عليه، فهذا لا يجوز أن نتخذ شعاراً لشخص معين. ***

стр. 174

كنت في سنوات بعيدة مضت أظن أن الصلاة على الرسول الكريم ﷺ هي ركعات، وقد صلىت عدداً من الركعات ظنّاً مني أن هذه هي الصلاة عليه، وبدون شك لم أقصد أن أشرك بالله في العبادة- والعياذ بالله من الشرك، لا إله إلا الله فما رأيكم جزاكم الله خيراً ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أنبه أنه يجب على الإنسان ألا يعمل عملاً يتقرب به إلى الله ويتعبد به لله حتى يكون على علم بأن هذا من شريعة الله؛ ليعبد الله تعالى على بصيرة، دليل ذلك قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) . فهذا الذي فهم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها الركوع والسجود له قد فهم فهماً مخطئاً باطلاً، لكن لكونه مستنداً على أصل يظنه صحيحاً أرجو أن الله تعالى لا يؤاخذه بما فعل، وعليه أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه مما قصر فيه من طلب العلم، ومادام علم الآن أن هذا ليس المقصود بالأمر بالصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه تبين له أن معنى الصلاة عليه أن تقول: اللهم صل على محمد أو ما يؤدي هذا المعنى، فأرجو الله أن يتجاوز عنه وأن يغفر له. ***

стр. 175

السائل حمودة يقول: فضيلة الشيخ منذ سنوات فهمت عن جهلٍ مني بأن الصلاة على النبي ﷺ هي مثل الصلاة العادية: ركوع وسجود وخلاف ذلك، وصلىت عدة ركعات ظناً مني بأن الله أمرنا بذلك، فهل علي إثمٌ في ذلك ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لا إثم عليك في ذلك لأنك جاهل، ولكن الواجب على المرء أن يسأل أهل العلم إذا كان لا يعلم؛ لقول الله ﵎: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) . فعملك الذي كنت عملته سابقاً عملٌ مردودٌ باطل؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . لكنك مثابٌ إن شاء الله على نيتك، وقد يكون هناك تقصيرٌ منك بعدم سؤال أهل العلم عن كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ***

стр. 176

المستمع الذي رمز لاسمه بـ: أ. ح. الأردن يقول في رسالته: هل محمد ﷺ أفضل الخلق قاطبة، أم أفضل البشر فقط؟ وما الدليل على ذلك ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب الذي أعلمه من ذلك أنه ﷺ سيد ولد آدم كما ثبت ذلك عنه، وأما أنه أفضل الخلق على الإطلاق فلا يحضرني الآن دليل في ذلك، لكن بعض أهل العلم صرح بأنه أفضل الخلق على الإطلاق، كما في قول صاحب الأرجوزة: وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا فمل عن الشقاق والمهم أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله تعالى إلى الثقلين الإنس والجن هادياً ومبشراً ونذيراً، فعلينا أن نؤمن به تصديقاً لأخباره، وامتثالاً لأوامره، واجتناباً لنواهيه، هذا هو الذي ينفع الإنسان في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده. ***

стр. 177

أحسن الله إليكم يا شيخ وبارك فيكم هذا سائل سوداني يقول: فضيلة الشيخ يقولون بأن الرسول مخلوق من نور، هل هذا كلام صحيح ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكلام باطل، فإن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بني آدم، وسلسلة آبائه وأجداده معلومة، وهو نفسه ﵊ قد صرح بما أمر الله به، فقد قال الله تعالى له: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) . وقال ﷺ هو عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) . فقد خلق ﵊ من طين، كما هو شأن بني آدم كلهم، والذين خلقوا من نور هم الملائكة، فإن المخلوقات ثلاثة أقسام: قسم خلقوا من نار وهو إبليس وذريته، وقسم خلقوا من النور وهم الملائكة، وقسم خلقوا من طين وهم آدم وبنوه، وليس هناك قسم رابع، فهذا الحديث أو الأثر أو القولة المشهورة أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلق من نور كذب لا أصل له. ***

стр. 178

جزاكم الله خيراً يا فضيلة الشيخ، هناك أناس غلوا في الرسول وتجاوزوا الحد في محبته، وهناك أناس فرطوا وتساهلوا في محبته، كيف نوجه مثل هؤلاء ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: كلهم أخطؤوا: الذين فرطوا والذين أفرطوا، والخطر عظيم على الجميع. أما الذين غلوا فيخشى عليهم من الإشراك به، ولهذا ادعى بعضهم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الغيب، وأنه يشفي المريض، وأنه يزيل الكربات، فصاروا يدعونه، فالتحقوا بذلك بالمشركين وهم لا يشعرون. وأما الطرف الثاني فيخشى عليهم من التهاون في الشريعة شيئاً فشيئاً حتى يقضى عليها، ولهذا المحب له حقيقة هو المتبع لسنته بدون غلو ولا تفريط. ***

стр. 179

يقول: كيف تحقق محبة الرسول ﷺ ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: تحقق محبة الرسول ومحبة الله باتباع الرسول ﷺ ، فكل من كان أتبع لرسول الله كان أحرى بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله، يقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) . وعلامة محبة الرسول أن يتحرى الإنسان سنته فيتبعها، ولا يزيد في ذلك ولا ينقص. وعلى هذا فالذين يبتدعون بدعاً تتعلق بالنبي ﷺ ، يدَّعون أن ذلك من محبته وتعظيمه، هم في الحقيقة لم يحبوه ولم يعظموه، وذلك لأن حقيقة المحبة والتعظيم أن تتبع آثاره، وأن لا تزيد في شرعه ولا تنقص منه، وأما من أراد أن يحدث في شرع الله ما ليس منه فإن محبته لله ورسوله قاصرة بلا شك؛ لأن كمال الأدب والتعظيم أن لا تتقدم بين يدي الله ورسوله، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) . ***

стр. 180

يقولون: إن الرسول ﷺ وهو في قبره يسمع ويرد، وضحوا لنا كيف يكون ذلك في حياته؟ والذين يقولون هذا الكلام يستندون للآية الكريمة: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) . وإذا كان الشهداء أحياء فكيف لا يكون الرسول ﷺ ؟ هذا في قولهم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: أما كونه ﷺ يسمع ويرد فليس به غرابة، فقد روى أبو داود في سننه: (أنه ما من رجل يسلِّم على رجل في قبره وهو يعرفه في الدنيا، إلا رد الله عليه روحه فرد ﵇ . فلا غرابة أن النبي ﷺ إذا سلم عليه المسلم يرد الله عليه روحه فيرد السلام. وأما كونه حيّاً في قبره: فالشهداء أحياء عند الله، والله ﵎ لم يقل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء في قبورهم، بل قال: بل أحياء عند ربهم يرزقون. ولا شك أن النبي ﷺ دفن وصلى عليه صلاة الجنازة وخلفه من خلفه من أصحابه، وليسوا يقدمون له الأكل والشرب، وهم يعلمون أنه مات، كما قال الله ﵎: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) . وكما قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) . وهذا أمر معلوم بالضرورة من الدين، ولا يماري فيه أحد، وحياة الشهداء عند الله ليست كحياة الدنيا، أي: ليست حياة يحتاج فيها الإنسان إلى أكل وشرب أو هواء ويعبد ويدعو، هي حياة برزخية ,الله تعالى أعلم بكيفيتها. وعلى هذا فلا يحل لأحد أن يقف على قبر النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله اشفع لي، يا رسول الله استغفر لي؛ لأن هذا غير ممكن، فالنبي ﷺ لا يمكن أن يستغفر لأحد بعد موته، ولا يمكن أن يشفع لأحد إلا بإذن الله، وإذا أردت أن تسأل سؤالاً صحيحاً فقل: اللهم ارزقني شفاعة نبيك، اللهم شفعه فيَّ، وما أشبه ذلك. ***
следующие страницы →