Полный текст (7 489 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
هل يجازى صاحب البدعة الجاهل على حسن نيته ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجازى على حسن نيته، ولكن إن تبينت له السنة وجب عليه اتباعها. والدليل على أنه يجازى على حسن نيته قصة الرجلين اللذين بعثهما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحضرت الصلاة فلم يجدا الماء، فتيمما وصلىا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأحدهما توضأ وأعاد الصلاة والثاني لم يتوضأ ولم يعد الصلاة. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبراه قال للذي لم يعد: أصبت السنة، وقال للآخر: لك الأجر مرتين. فحكم للآخر بالأجر على فعل الأول والثاني مع أنه خلاف السنة، والله ﵎ يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) يعني العدل، فيعطى الإنسان على حسب نيته وعمله، فإذا كان جاهلاً وفعل شيئاً يعتقده عبادة وليس بعبادة أثيب على نيته، لكن إذا بانت له السنة يجب عليه اتباعها.
***
стр. 457
عبد الصمد عبد الرحيم يقول: هل تطبيق البدعة يعاقب أم يثاب عليها مطبقها؟ وخاصة الصلاة والسلام على النبي بعد الأذان ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البدعة قال فيها رسول الله ﷺ : (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) . وإذا كان كذلك فإن البدعة سواء كانت ابتدائية أم استمرارية يأثم من تلبس بها؛ لأنه كما قال الرسول ﵊: (في النار) ، أعني: أن الضلالة هذه تكون سبباً للتعذيب في النار، وإذا كان الرسول ﵊ حذر أمته من البدع فمعنى ذلك أنها مفسدة محضة؛ لأن الرسول ﷺ عمم ولم يخص، قال: (كل بدعة ضلالة) . ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية؛ لأن معناها أو مقتضاها أن الشريعة لم تتم، وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم، وعليه فنقول: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والواجب الحذر من البدع كلها، وأن لا يتعبد الإنسان إلا بما شرعه رسول الله ﷺ ليكون إمامه حقيقة، أي: ليكون الرسول ﷺ إمامه حقيقة؛ لأن من سلك سبيل بدعة فقد جعل المبتدع إماماً له في هذه البدعة دون رسول الله ﷺ .
***
стр. 458
من الأردن إربد هذا السائل يقول: فضيلة الشيخ حفظكم الله أطلب منكم أيها الشيخ أن تضربوا لنا أمثلة من واقع الحياة المعيشة على البدع والتي قد لا نتوقع أن تكون بدعة، مع التوضيح ما هي البدعة؟ وما أضرارها على الأمة الإسلامية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أن هذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه تفصيلاً؛ لأن الإنسان ليس محيطاً بكل شيء، لكن سأعطي السائل قاعدة: كل من تعبد لله بشيء عقيدة بالقلب أو نطقاً باللسان أو عملاً بالجوارح فإننا نقول له: إنك مبتدع حتى تأتي لنا بدليل على أن هذا مشروع. هذه القاعدة خذها معك أيها السائل: كل إنسان يتعبد لله بشيء عقيدة بقلبه أو نطقاً بلسانه أو عملاً بجوارحه ويقول: هذه شريعة، نقول: أنت مبتدع حتى تأتينا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو أقوال الصحابة أو إجماع الأمة على أن هذا مشروع؛ لأن الأصل في الدين هو الشرع، والأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على أنها مشروعة. ولهذا أعطانا إمامنا وأسوتنا رسول الله ﷺ قاعدة في هذا، قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) . وأعطانا قاعدة أخرى فقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، أي: مردود على صاحبه لأنه بدعة. فإذا قال لك قائل: من صلى على النبي ﷺ في اليوم والليلة ألف صلاة كتب له كذا وكذا. قلنا: هات الدليل وإلا فأنت مبتدع. من قرأ قل هو الله أحد ألف مرة كتب له كذا وكذا. نقول: هات الدليل وإلا فأنت مبتدع. فإذا قال: الصلاة على الرسول مشروعة كل وقت. قلنا: صدقت، لكن لماذا تقيدها بألف، أين الدليل لك؟ وإذا قال: قل هو الله أحد ثلث القرآن قراءتها مشروعة. قلنا: صدقت، لكن من حددها بألف؟ وهلم جرّاً. هذه القاعدة والحمد لله مريحة وواضحة بينة. وما نجده في بعض الكتب التي تنشر أو في الملفات التي تنشر أو ما ينشر في بعض الأحيان في أوراق من ذكر أشياء لا حقيقة لها، مثل: من ترك الصلاة عوقب بخمس عشرة خصلة، فهذا كذب موضوع على الرسول ﵊. ثم بقصة الفتاة التي كانت مريضة وترددت على كل المستشفيات، ورأت في المنام زينب وحصل ما حصل منها، هذه أيضاً كذب. أشياء كثيرة يروجها الجهال أو الضُّلال الذين يريدون أن يضلوا الناس، ولذلك أحذر إخواني أن يتلقوا كل منشور وكل مكتوب بالقبول، حتى يعرضوه على أهل العلم؛ لأن الدعاة إلى الضلال كثيرون الآن، إما لقصد الإفساد والإضلال وإما لحسن نية، فليحذر الإنسان من مثل هذا حتى يعرضه على أهل العلم. والخلاصة: أن القاعدة في البدعة أنها: كل ما يتعبد به الإنسان وليس بمشروع من عقيدة أو قول أو عمل، ولهذا باستطاعتك أن تقول لشخص يصلى ركعتين: تعال، من قال لك: إن هذا مشروع؟ هات الدليل. فإذا أتى بالدليل فعلى العين والرأس، وإذا لم يأت بالدليل قلنا: هذا مردود عليك. لو قال مثلاً: كلما برق البرق صلىت ركعتين. من قال لك هذا؟ قال: الركعتان سنة في كل وقت. قلنا: نعم الركعتان سنة في كل وقت إلا في أوقات النهي، لكن من قال لك: عند البرق يسن أن يصلى ركعتين؟ أو: عند نزول المطر يسن أن يصلى ركعتين مثلاً؟ ولهذا يدعي بعض الناس- الذين فتنوا بالاحتفال بما يزعمون أنه اليوم الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يدعون- أنهم لم يفعلوا شيئاً، إنما اجتمعوا يذكرون سيرة النبي ﷺ ، تلك السيرة العطرة المحببة للنفوس التي تزيد الإنسان إيماناً ومحبة للرسول ﷺ ، ويقولون: هذا شيء مشروع. نقول: نعم، كل شيء يحبب الرسول إلى الناس أمر مشروع، ومحبة الرسول ﷺ فريضة، ويجب أن تقدم محبته على محبة النفس وعلى الولد والوالد، لكن من قال: إنه يشرع في هذه الليلة- التي لم يثبت أنها ليلة الميلاد- من قال: إنه يشرع فيها الاجتماع والصلاة على الرسول ﷺ وذكر سيرته؟ والأمر لم يقتصر على هذا: صاروا يأتون بالقصائد والمدائح النبوية التي كان الرسول ﵊ يحذر منها، وفيها من الغلو ما ينافي العبودية، كان بعضهم يردد قول البوصيري يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: يا أكرم الخلق- وصدق أنه أكرم الخلق- لكن يقول: ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم. إذا حدث الحادث العام المدلهم الذي يشمل الناس كلهم ما لي من ألوذ به إلا أنت يا رسول الله. أعوذ بالله! نسي الله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره الله أن يقول: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) . بل: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ) . يعني: بل أمره أن يقول: إني لن يجيرني من الله أحد لو أراد بي شيئاً، فكيف يكون الرسول ﷺ هو الملاذ عند حلول الحادث العمم؟ ويقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
من جوده الدنيا وضرتها وليست كل جوده، من جوده، سبحان الله! ومن علومك علم اللوح والقلم، وليست كل علومك، عندك ما هو أبلغ من ذلك. هل رسول الله ﷺ يرضى أن يوصف بهذا؟ لا والذي فطر الخلق ما يرضى بهذا، بل لما قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا. قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان) . فالمهم أن العبادات المطلقة إذا قيدت بشيء معين زماناً أو مكاناً أو عدداً أو هيئة صارت بدعة من هذا الوجه، فيجب اجتنابها وإن كانت في أصلها مشروعة. فانتبه أيها الأخ السائل، ولينتبه كل من يسمع كلامنا هذا لهذه النقطة التي يموه بها أهل البدع والحوادث، فيقولون: هذا شيء مشروع، هذا شيء لا نهي فيه، فيقال: إن النبي ﷺ قال: (كل بدعة ضلالة) .
***
стр. 459
المستمع محمد محمد حسن سوداني مقيم بالباحة يقول: لقد سمعت كثيراً أن الذكر الجماعي بدعة ولا يجوز، ولكن حسب علمي المتواضع اطلعت على بعض الأحاديث التي تفيد أنه لا حرج في ذلك، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم بما معناه: أنه ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. وأعتقد أن السيوطي أشار لهذا الحديث في كتابه الحاوي للفتاوي، وبناء عليه قال بجواز الذكر الجماعي. ثم الحديث الآخر والذي معناه أن الرسول ﷺ خرج على جماعة من أصحابه فقال لهم: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. فلم ينكر عليهم ذلك. وواضح بأن الذكر هنا مطلق، علماً بأن كل ذلك يتعارض ويتناقض مع ما جاء في آخر سورة الأعراف من قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) . نرجو أن توضحوا لنا الصواب في هذا الموضوع وفقكم الله .
فأجاب رحمه الله تعالى: الصواب في هذا الموضوع أن الحديث الذي أشار إليه السائل بل الحديثين في الذين يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وكذلك في القوم الذين يذكرون الله: أن هذا مطلق، فيحمل على المقيد المتعارف في عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولم يكن من المتعارف بينهم أنهم يذكرون الله تعالى بلفظ جماعي، أو يقرؤون القرآن بلفظ جماعي. وفي قوله: ويتدارسونه بينهم يدل على أن هذه المدارسة تكون بالتناوب: إما أن يقرأ واحد فإذا أتم قراءته قرأ الثاني ما قرأ الأول وهكذا، وإما أن يكون كل واحد منهم يقرأ جزءاً ثم يقرأ الآخر مما وقف عليه، الأول هذا هو ظاهر الحديث. وأما الحديث الآخر الذي فيه أنهم يذكرون الله تعالى فإنا نقول: هذا مطلق، فيحمل على ما كان متعارفاً عليه في عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولم يكن متعارفاً بينهم أن يجتمعوا وأن يذكروا بذكر واحد جماعة. ويدلك على هذا أن الصحابة رضوان الله عنهم مع النبي ﷺ في الحج كان منهم المكبر ومنهم المهلل ومنهم الملبي، فكل إنسان يذكر الله تعالى بنفسه. وأما قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) فهذا مراد به الذكر الخاص للمرء، وهو أيضاً مخصوص بما دلت عليه السنة من الجهر به، فإنه قد ثبت عن النبي ﵊ من حديث ابن عباس ﵄ أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ ، ولهذا يشرع الجهر بالذكر بعد الصلاة المكتوبة؛ لأن هذا هو المعروف في عهد النبي ﷺ . وأما قول بعض أهل العلم: إن الإسرار به أفضل، وإجابتهم عن حديث ابن عباس بأن ذلك للتعليم فإن فيه نظراً، وذلك لأن التعليم يحصل بدون هذا، فإن الرسول ﵊ قد علم فقراء المهاجرين ماذا يقولونه دبر الصلاة، قال ﵊: (تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) . ثم إن التعليم يحصل بالمرة الواحدة، لا بأن يحافظ عليه النبي ﵊ في كل صلاة، أو يحافظون عليه في عهد الرسول ﵊ في كل صلاة. ثم نقول: سلمنا أنه للتعليم، فهو في التعليم في أصل الذكر وفي صفته، بمعنى: أن الرسول يعلمهم ما هو الذكر الذي يقال في أدبار الصلوات، وما كيفية تلاوة هذا الذكر والإتيان به أنه يكون جهراً، وهذا هو القول الذي يؤيده حديث ابن عباس المذكور، وهو في صحيح البخاري.
***
стр. 460
سائلة تقول: قرأت في كتاب المأثورات شيئاً لم أجده في بقية كتب الأدعية، وما قرأته يعرف بورد الرابطة، وهو: أن يتلو الإنسان قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) إلى قوله: (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . ثم يتلو بعد ذلك الدعاء: (اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي) . ثم يستحضر صورة من يعرف من إخوان في ذهنه، ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرف منهم، ثم يدعو لهم مثل هذا الدعاء: اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فألف اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير. كما ذكر ورداً آخر يسمى بورد الدعاء يقول فيه: أستغفر الله مئة مرة، ثم الدعاء للدعوة والإخوان والنفس بعد ذلك بما تيسر من الدعاء بعد صلاة الفجر والمغرب والعشاء وقبل النوم، وألا يقطع الورد لأمر دنيوي إلا لضرورة. وقد قرأت كثيراً في كتب الأحاديث ورياض الصالحين ولم أجد ما يدل على صحة هذا المذكور. فأرجو أن تنبهونا على مدى صحته وعن حكم الالتزام به والمداومة عليه ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر كما ذكرت السائلة في أن هذه الأدعية أدعية لا أصل لها في سنة الرسول ﷺ ، وليست بصحيحة، ولا يجوز لأحد أن يلتزم بها، بل ولا أن يفعلها تعبداً لله؛ لأنها بدعة، وقد قال النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة) . والذي ظهر لي من حال هذه المرأة السائلة أنها تطالع كثيراً من الكتب، ولا سيما كتب الأذكار والأوراد. الذي أنصحها به أن تتحرز كثيراً؛ لأنه كتب في الأذكار البدعية والأدعية البدعية شيء كثير، ومن المؤسف أنها تروج كثيراً في المسلمين، ورواجها قد يكون أكثر من رواج الأدعية والأذكار الصحيحة. فأنصحها وأنصح جميع إخواني المسلمين من بالتثبت في هذه الأمور، حتى لا يعبدوا الله تعالى على جهل وضلال وبدع، وفي الكتب الصحيحة التي ألفها من يوثق بعلمهم وأمانتهم ودينهم، في الكتب الصحيحة ما يغني عن ذلك، فالرجوع إليها هو الواجب، وطرح مثل هذه الكتب التي أشارت إليها السائلة وغيرها مما يشتمل على أذكار وأدعية بدعية، طرحها والتحذير منها هو الواجب على المسلمين، حتى لا تفشو فيهم البدع وتكثر فيهم الضلالات. واللهَ أسألُ أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، إنه جواد كريم.
***
стр. 461
أحسن الله إليكم هذا السائل من السودان يقول: عندنا جماعة وفي الجامع الذي نصلى فيه عندما يصلون يأمرهم إمام المسجد بأن يقولوا جميعاً: يا لطيف مائة وتسعاً وعشرين مرة ويرددون ذلك، فهل يجب علينا أن نردد ذلك؟ أم نترك هذا الإمام وهذا المسجد ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً أنا أوجه نصيحتي إلى هذا الإمام أن يتقي الله في نفسه وفي إخوانه المسلمين، فمن أين أتى بهذه البدعة؟ هل كان الرسول ﵊ يفعلها؟ أم كان أبو بكر أم عمر أم عثمان أم علي أم ابن مسعود أم غيرهم هل كانوا يأمرون الناس أن يقولوا هذا؟ فليتق الله تعالى في نفسه، وليعلم أنه مؤاخذ على ذلك ومعاقب عليه، وأنه بذلك ضال، وأمره الناس بذلك يكون به مضلاًّ، فهو ضال مضل، وعليه أن يتوب إلى الله قبل أن يفجأه الموت. أما أهل المسجد فإنهم ينصحونه، فإن اهتدى فهذا المطلوب، وإلا فليزيلوه بكل ما يستطيعون، ومعنى قولي: بكل ما يستطيعون أن يذهبوا إلى الجهات المسؤولة التي بيدها عزل الأئمة ونصبهم، ويطلبوا منها أن يعزلوه عن هذا المنصب العظيم منصب الإمامة، فإن لم يتمكنوا من ذلك فلا يصلون معه؛ لأن هذا مبتدع مصر على بدعته.
***
стр. 462
السائلة ع. ع. ف. من السودان تقول: ورد عن الرسول ﷺ أنه وجد حلقة علم وحلقة ذكر فجلس في حلقة العلم. فهل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فكيف كان يذكر أولئك الذين كانوا في حلقة الذكر؟ أو ماذا يقولون؟ والرسول ﷺ لم يمنعهم، ولكنه فضل حلقة العلم، وهل يعتبر هذا دليلاً على أن حلق الذكر الجماعي بدعة، مع أن الرسول ﷺ في هذا الحديث إن كان صحيحاً لم ينههم عن ذلك وإنما اجتنبهم ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا أعلم صحته، ولا أظنه يصح عن النبي ﷺ . ولكن الاجتماع على العلم لاشك أنه من أفضل الأعمال؛ لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن الدين إنما قام بالعلم والبيان والقتال لمن نابذه وعارضه ولم يخضع لأحكامه. وأما الذكر فإن الاجتماع أيضاً على الذكر لا بأس به، ولكنه ليس الاجتماع الذي يفعله بعض الصوفية: يجتمعون جميعاً ويذكرون الله تعالى بصوت واحد أو ما أشبه ذلك، إنما لو يجتمعون على قراءة القرآن أو ما أشبه هذا، مثل أن يقرأ أحد والآخرون ينصتون له، ثم يديرون القراءة بينهم، فهذا ليس فيه بأس ولا حرج فيه.
***
стр. 463
ما حكم الغلو في محبة الرسول الكريم ﷺ ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الغلو في محبة الرسول ﷺ بمعنى: أن يتجاوز الإنسان الحدود ويقول: إن ذلك من محبة الرسول- محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الغلو فيه. ثم إن الذي يغلو في الرسول ﵊ ويرفعه فوق منزلته التي أنزله الله مدعياً أنه يحبه قد كذب نفسه؛ لأن المحب يأخذ بنصائح حبيبه ويتبع حبيبه ولا يخالف حبيبه، والغالي في الرسول ﵊ مخالف للرسول ﷺ ، فكيف يدعي حب الرسول؟ وهو يعصي الرسول ولهذا نقول: من كان للرسول أشد اتباعاً فهو أصدق محبة، ومن خالف الرسول ﵊ فقد نقص من محبته الرسول بقدر ما خالف فيه الرسول. ولا تغتر بهؤلاء الغلاة الذين يغلون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وينتحلون أحاديث لا زمام لها، بل هي مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنها موضوعة مكذوبة، لا تغتر بهؤلاء، وقل لهم كما قال الله : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) . وأما إنشاد القصائد الحزينة وهز الرؤوس عندها، والتصفيق والخفة بزعم أن هذا من تعظيم الرسول ﵊ فكل هذا مخالف للرسول ﵊، مخالف لهديه. فإن كنت صادقاً في محبته صلوات الله وسلامه عليه فعليك باتباعه، لا تتقاصر عنه ولا تتجاوزه، فكل خير في الاتباع، وكل شر في الابتداع. وإذا أردت أن تزن عملك بميزان قسط فانظر إلى الصحابة ﵃ الذين هم أقرب إلى الحق من غيرهم، وأقرب إلى رسول الله ﷺ من غيرهم، حيث عايشوه وناصروه وشرفهم الله تعالى بصحبته، هل عملوا هذا العمل؟ إذا كانوا عملوه فهم على حق، وإذا لم يعملوه فهو باطل؛ لأنه لا يمكن لخلف الأمة أن يكونوا خيراً من سلف الأمة، وكيف يمكن ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ؟ وإياك وما أحدث في دين الله من البدع التي مضمونها الغلو في رسول الله ﷺ ، ثم استحضر قول الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) . فرضا الله عن الأتباع لا يكون إلا إذا اتبعوا بإحسان والاتباع بإحسان، هو ألا يقصر الإنسان عن هديهم ولا يتجاوز هديهم.
***
стр. 464
المستمع ع. م. جمهورية مصر العربية يقول: فضيلة الشيخ هل ذكر الرسول ﷺ بشكلٍ جماعي في أيامٍ محددة جائز؟ أرجو منكم التوجيه مأجورين .
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال ينبني على ما سنذكره الآن إن شاء الله تعالى في هذا الموضوع، فنقول: إن العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه مبنيةٌ على أصلىن: الأصل الأول: الإخلاص لله ، بأن يقصد الإنسان بتعبده لله التقرب إلى الله تعالى والوصول إلى باب كرامته، لا يقصد بذلك مالاً ولا جاهاً ولا رئاسةً ولا غير ذلك من أمور الدنيا، بل لا يقصد إلا التقرب إلى الله والوصول إلى دار كرامته، ودليل هذا من الكتاب والسنة قال الله ﵎: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) . وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) . وقال الله ﵎: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) . والآيات في هذا كثيرة. وأما السنة ففيها أحاديث، منها: حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . فإن فقد الإخلاص من العبادة بأن شاركها الرياء، وهو: أن يعمل العمل الصالح لله لكن يظهره للناس ليمدحوه على ذلك، فإن العبادة تكون باطلةً مردودة؛ لأن الإنسان أشرك فيها مع الله حيث راءى الناس بها، ومع كونها باطلة مردودة فهو آثم بذلك مشركٌ بالله، إلا أن هذا الشرك شركٌ أصغر ليس مخرجاً من الملة، والشرك وإن كان أصغر فإن الله تعالى لا يغفره؛ لعموم قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . وقال بعض العلماء: إن الشرك الأصغر داخلٌ تحت المشيئة، لكن الذي يظهر القول الأول، وأنه لا يغفر لكن صاحبه لا يخلد في النار؛ لأنه شركٌ أصغر. إذاً لا بد في كل عبادة من الإخلاص لله تعالى فيها، فمن أشرك مع الله فيها غيره فإنه يأثم بذلك وتبطل عبادته. الأصل الثاني الذي تنبني عليه العبادات: اتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويدل لهذا الأصل قوله ﵎: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) . وقول الله ﵎: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) . وقول الله ﵎: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . ولا يمكن أن تتم المتابعة والموافقة للرسول ﵊ إلا إذا وافقت العبادة أو وافق العمل الشرع في أمورٍ ستة: الأول: السبب، يعني: أن يكون سبب هذه العبادة ثابتاً بالشرع. والثاني: الجنس، بأن يكون جنس هذه العبادة ثابتاً بالشرع. والثالث: القدر، بأن يأتي الإنسان بالعبادة على القدر الذي جاءت به الشريعة. والرابع: الكيفية، بأن يأتي الإنسان بالعبادة على الوجه الذي جاءت به الشريعة. والخامس: الزمان، بأن يأتي الإنسان بالعبادة في الزمن الذي حدده الشرع لها. والسادس: المكان، بأن يأتي الإنسان بالعبادة في المكان الذي حدده الشارع لها. فإذا اختل واحدٌ من هذه الأمور الستة لم تتحقق المتابعة، وصار هذا من البدع. فأما الأول وهو السبب: فإنه لا بد أن يكون السبب الذي بنينا عليه هذه العبادة ثابتاً بالشرع، فإن لم يكن ثابتاً بالشرع فإن ما بني على ما ليس بثابتٍ شرعاً فإنه ليس بمشروع، ومن ذلك ما يحدثه الناس في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، حيث يحدثون احتفالاً زعماً منهم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عرج به في هذه الليلة ليلة سبعٍ وعشرين، وهذا لا أصل له في التاريخ، وأيضاً لا أصل له في الشرع، فإن الذي يظهر من التاريخ أن الإسراء والمعراج كان في ربيعٍ الأول، وأما من الشرع فلا أصل له أيضاً، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفاءه الراشدين والصحابة أجمعين لم يرد عنهم أنهم كانوا يحتفلون في الليلة التي عرج فيها برسول الله ﷺ ، ومعلومٌ أن الشرع لا يأتي إلا من طريقهم. قال النبي ﵊: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) . فمن أحدث احتفالاً ليلة السابع والعشرين من شهر رجب لهذه المناسبة فإنه بناها على سببٍ لم يثبت شرعاً، بل ولم يثبت تاريخياً كما ذكرنا. الأمر الثاني: أن تكون العبادة موافقة للشرع في الجنس، فإن أتى بعبادة من غير الجنس الذي وردت به الشريعة فإن عبادته مردودة عليه ولا تقبل منه، مثال ذلك: أن يضحي الإنسان بالخيل، بأن يذبح فرساً يوم عيد الأضحى يتقرب به إلى الله ، كما يتقرب بذبح البقرة، فإن هذه العبادة لا تقبل منه ولا تكون أضحية؛ لأنها من غير الجنس الذي وردت به الشريعة، فإن الأضاحي إنما تكون من بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم. الثالث: أن تكون العبادة موافقة للشرع في قدرها، فإن لم تكن موافقة للشرع في قدرها بأن نقصت أو زادت فإنها لا تقبل، وبهذا لو صلى الإنسان صلاة الظهر خمس ركعات لم تقبل منه؛ لأنه زاد على القدر الذي جاءت به الشريعة، ولو أنه صلاها ثلاث ركعات لم تقبل منه أيضاً؛ لأنه نقص عن القدر الذي جاءت به الشريعة. الرابع: أن تكون موافقة للشرع في كيفيتها، بأن يأتي بها على الكيفية التي أتت بها الشريعة، فلو صلى الإنسان أربع ركعات لكنه كان يأتي بالسجود قبل الركوع فإن الصلاة لا تقبل منه؛ لأنه أتى بها على كيفيةٍ لم ترد بها الشريعة، فكانت مردودة عليه لعدم تحقق الاتباع في حقه. الخامس: أن تكون موافقةً للشرع في زمانها، فإن لم تكن موافقة الشرع في زمانها فإنها لا تقبل، فلو صام في شهر رجب بدلاً عن رمضان فإن ذلك لا يقبل منه ولا يجزئه عن رمضان، وذلك لأن رمضان خص الصيام فيه دون غيره من الشهور، فمن أتى به في زمن آخر لم يكن أتى بهذه العبادة في الوقت الذي حدده الشرع. وكذلك لو صلى الظهر قبل زوال الشمس فإنها لا تقبل منه؛ لأنه أتى بها في غير الزمن الذي حدده الشارع لها. السادس: أن تكون موافقة للشرع في مكانها، فلو أن الإنسان اعتكف في بيته في العشر الأواخر من رمضان بدلاً من أن يعتكف في المساجد فإن هذا الاعتكاف لا يصح منه؛ لأنه في غير المكان الذي حدده الشارع للاعتكاف. وليعلم أن مخالفة الشريعة في هذه الأمور الستة أو في واحدٍ منها يترتب عليه أمران: الأمر الأول: الإثم إذا كان عامداً، والأمر الثاني: البطلان. فإن كان جاهلاً فإنه يسقط عنه الإثم، ولكن العبادة تبقى باطلة، فإن كانت مما يقضى إذا بطل وجب عليه قضاؤها، وإن كانت مما لا يقضى سقطت عنه. بناءً على ذلك نقول في إجابة هذا السؤال: إن ذكر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غير الأوقات التي ورد فيها ذكره ليس بمشروع، فلو أن الإنسان أراد أن يأتي بقول: أشهد أن محمداً رسول الله التي تقال في الأذان وفي غير الأذان أيضاً، أتى بها في الضحى بناءً على أنه يريد بها الأذان فإنه لا يقبل منه ذلك؛ لأن الأذان له وقتٌ معين، وهو: ما إذا دخل وقت الصلاة وأراد أن يصلى. أما إن ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه من أجلِّ العبادات، والصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أفضل الأعمال، ومن صلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، فالإكثار من الصلاة عليه بلا عدد وبدون زمنٍ معين وبدون مكانٍ معين هذا خيرٌ من أن يجعل الإنسان لهذه الصلاة وقتاً معيناً وعدداً معيناً وصفةً معينة؛ لأن كل شيء يسنه الإنسان لنفسه ولو كان أصله مشروعاً يكون من البدع ويكون من البدع، في كيفيته أو زمانه أو مكانه حسب ما فصلنا آنفاً. والإنسان إذا استغنى بالسنة عن غيرها كفت وحصل بها الخير الكثير، وإن كان الإنسان قد يتقال السنة بعض الأحيان ويقول: أنا أريد أن أعمل أكثر من ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنكر على الذين تقالوا سنته وهديه وأرادوا أن يزيدوا على ذلك، حيث اجتمع نفرٌ فقال بعضهم لبعض- حين سألوا عن عمل النبي ﷺ في السر، أي: فيما ما لا يبدو للناس، فكأنهم تقالوا هذا العمل وقالوا-: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعني: ونحن لم يحصل لنا ذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأنكر عليهم وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني) . فاتباع السنة خير حتى وإن كان الإنسان يظن أنه عملٌ قليل، فإن ما وافق السنة وإن كان أقل فهو خيرٌ مما لم يوافق السنة وإن كان أكثر. ولهذا لو أن الإنسان أراد أن يطيل ركعتي الفجر- أي: سنة الفجر، أراد أن يطيلها- وقال: أنا أحب أن أزداد من قراءة القرآن، أحب أن أزداد من التسبيح، أحب أن أزداد من الدعاء، فأحب أن أطيل ركعتي الفجر. فإننا نقول له: هذا ليس بصحيح، ومنهجك هذا غير صحيح؛ لأن السنة في سنة الفجر التخفيف، كما كان النبي ﵊ يخففها، حتى تقول عائشة: حتى إني أقول: أَقَرَأَ بأم القرآن؟ فلو كان عندنا رجلان أحدهما صلى سنة الفجر على وجهٍ خفيف لكنه محافظ على الطمأنينة، والثاني صلاها على وجهٍ أطول قلنا: إن الأول أفضل من الثاني من أجل موافقة السنة. ثم إنه يبين ذلك أيضاً أن الرسول ﵊ أرسل رجلين في حاجة فلم يجدا الماء، فتيمما فصلىا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأحدهما توضأ وأعاد الصلاة، والآخر لم يعد الصلاة. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للذي لم يعد الصلاة قال له: أصبت السنة، وقال للآخر: لك الأجر مرتين. فصوب الأول ولم يصوب الثاني ولكنه جعل له الأجر مرتين؛ لأنه فعل ما يعتقده عبادة متأولاً، ظاناً أن هذا هو الذي يجب عليه، فأثيب على هذا الاجتهاد وإن كانت السنة في خلافه. كذلك أيضاً اجتماع الناس على الذكر جماعياً بأن يقولوا بصوتٍ واحد: الله أكبر، أو: الحمد لله، أو: لا إله إلا الله، أو: اللهم صلِّ على محمد أو ما أشبه ذلك، هذا لا نعلم له أصلاً في سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل كان الصحابة يذكرون الله تعالى ويثنون عليه كلٌ على نفسه، وهاهم في حجة الوداع مع النبي ﵊ منهم المهل ومنهم المكبر، ولا أحدٌ يتبع أحداً في ذلك ولم يجتمعوا على التلبية، وإنما كان كل إنسانٍ يلبي لنفسه، فهذا هو المشروع. أما ما وردت به السنة من الاجتماع على الدعاء أو على الذكر فهذا يتبع فيه السنة، فالاجتماع على دعاء القنوت في الوتر في صلاة التراويح وما أشبه ذلك فهذا يتبع فيه السنة.
***
стр. 465
هذه الرسالة وردتنا من إسحاق محمد نور حامد الحاج من جمهورية السودان يقول فيها: يستدل بعض الناس بالحديث الذي يقول فيه الرسول ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) إلى آخره، وكذلك بأن حسان بن ثابت كان يمدح الرسول ﷺ ، فيستدلون بهذا على جواز المدح. نرجو أن تفتونا في ذلك وفقكم الله .
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح الرسول ﷺ بما مدحه الله به من الصفات الكاملة والآداب العالية والأخلاق المثلى هذا أمر مشروع، وأما مدحه ﷺ بما يصل إلى الغلو فإنه أمر محرم، وذلك لأن رسول الله ﷺ نهى عن الغلو، فلا يجوز للمرء أن يمدح الرسول ﷺ بأمر يصل إلى الغلو، بحيث يجعله شريكاً مع الله ﵎ في الخلق والتدبير والقدرة وما أشبه ذلك، وقد قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشيءت. فقال ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده) . ولكن هذا المدح الذي ذكرنا أنه جائز لا يمكن أن يجعل حدثاً في دين الله، بحيث يكون مقيداً بوقت أو مكان، يتكرر كلما ما تكرر ذلك الوقت وكلما جاء الإنسان إلى ذلك المكان، وذلك أن تقييد العبادات المطلقة بزمن أو مكان معين هو من البدع؛ لأن العبادات يجب أن تكون مفعولة على حسب ما جاءت عليه من هيئة وزمن ومكان، فالعبادات المطلقة لا يجوز للمرء أن يحددها بزمن أو مكان أو حال مادامت جاءت مطلقة؛ لأن هذا هو كمال التعبد. وأما استدلال بعض المبتدعين في هذه الأمور بقول الرسول ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فإن الرسول ﵊ قيد ذلك بقوله: (من سن في الإسلام) ، وما كان من البدع فليس من الإسلام في شيء؛ لقول الرسول ﷺ : (كل بدعة ضلالة) . وهذا عام لكل ما ابتدع في دين الله فإنه ضلال، وما كان ضلالاً فلا يمكن أن يكون ديناً وإسلاماً. فإذا قال قائل: إن قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) أي كل بدعة سيئة ضلالة؟ قلنا: هذا مردود؛ لأن السيئة سيئة سواء كانت بدعة أو غير بدعة، فالزنى مثلاً ضلالة وهو ليس ببدعة؛ لورود الشريعة به وبيان حكمه. ولو قلنا: إن معنى الحديث: كل بدعة سيئة لم يكن لوصف البدعة فائدة إطلاقاً؛ أو لم يكن لذكر البدعة فائدة إطلاقاً، لأن السيئة سيئة سواء ابتدع أم لم يبتدع، ولكن الرسول ﵊ يقول: (كل بدعة ضلالة) ، فكل من ابتدع في دين الله ما ليس منه فإنه ضال بهذه البدعة. هذا حاصل الجواب.
***
стр. 466
ما حكم مدح الرسول ﷺ في ذكرى مولده؟ وهل في زمن النبي ﷺ كان الصحابة يمدحونه؟ وهل نؤجر في مدحه أو نؤثم في تركه؟ نرجو منكم التوجيه جزاكم الله خيراً .
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووصفه بصفاته الحميدة والأخلاق الفاضلة أمر مطلوب مشروع، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ من أفضل الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله ، ومن صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ولكن اتخاذ ذلك في ليلة معينة أو يوم معين بلا دليل من الشرع يعتبر بدعة؛ لأن الثناء على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبادة إذا لم يصل إلى حد الغلو، والعبادة لابد أن يكون فيها إذن من الشرع، وما علمنا أن الشرع خص يوماً أو ليلة معينة ليمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا يوم الجمعة، فإنه ﷺ قال: (أكثروا فيه من الصلاة علي، فإن صلاتكم معروضة) .والاحتفال بليلة مولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصح لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية الشرعية: أما من الناحية التاريخية فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولد في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول أو في ليلته، وقد حقق بعض الفلكيين العصريين أنه ولد في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول. وأما من الناحية الشرعية فلو كان في الاحتفال بمولده أجر وثواب لكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول من يفعل ذلك؛ لأنه لن يفوت فرصة فيها أجر وثواب إلا قام بها صلوات الله وسلامه عليه، أو لأرشد أمته إلى ذلك بقوله، وعلى فرض أن الأمر لم يكن في عهده فلم يكن في عهد الخلفاء الراشدين- أعني: الاحتفال بمولده- ولا فيمن بعدهم. وأول ما حدث في القرن الرابع الهجري، أحدثه بعض ولاة إربل فتبعه الناس على ذلك، لكن لم يتبعه أحد ممن ينتمي إلى السلف الصالح فيما نعلم، وحينئذ نقول: إما أن يكون هذا الاحتفال قربة يتقرب بها إلى الله، أو بدعة لا تزيد العبد إلا ضلالة. فإن قلنا بالأول- بأنه قربة يتقرب بها إلى الله- فأين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها؟ وأين الخلفاء الراشدون؟ وأين الصحابة؟ فإما أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم جهلها ولم يعلم شرع الله فيها، وإما أن يقال: إنه علمها ولكنه كتمها. وكلا الأمرين خطر عظيم، سواء قلنا: إنه جهلها ولم يعلم، أو قلنا: إنه علمها ولكن كتم. وكيف تكون من شريعة الله وقد قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) ؟ أين الكمال إذا كانت مشروعة ولم تذكر في حياة الرسول ﵊؟ وإذا قلنا: إن الرسول ﷺ علمها ولكن كتمها عن الناس، فما أعظمها من فادحة؛ لأنه يكون الرسول ﵊ توفي ولم يبلغ شيئاً مما أنزل الله عليه من الحق. ولهذا لو تأمل الإنسان هذه البدعة وغيرها من البدع لوجد أن البدعة أمرها عظيم وخطرها جسيم، وأنه لولا حسن النية من بعض محدثيها لكان شأنهم شأناً خطيراً جداً. لذلك ننصح إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يَدَعوا هذه البدعة، وأن يكتفوا بما شرع الله تعالى من تعظيم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما ادعاه محدثوها من أنها إحياء لذكرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنقول: إنه إحياء حذر منه النبي ﵊ حيث قال: (إياكم ومحدثات الأمور) . ثم نقول أيضاً: في الشريعة الإسلامية غنى عن هذا الإحياء، فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُذكر في الأذان، ويذكر في الصلاة، ففي الأذان: أشهد أن محمداً رسول الله، وفي الصلاة في التشهد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، بل نقول: إن من كان حيّاً فإن لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكرى في كل عبادة يقوم بها؛ لأن من شرط العبادة الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل عابد فلابد أن يخلص لله ولابد أن يستشعر حين فعل العبادة أنه متبع لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه ذكرى، وفي هذه الذكريات العظيمة في هذه العبادات العظيمة غنى عن هذه الذكرى التي أحدثها من أحدثها. ثم إنه يقع في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة ما يخل بالعقيدة، ففي بعض الاحتفالات بهذا المولد تلقى القصائد التي فيها الغلو برسول الله صلى الله وسلم، الغلو الذي يوصله إلى درجة الربوبية أو أعظم، تلقى في هذه الاحتفالات القصائد مثل البردة للبوصيري التي فيها يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به إن لم تكن آخذاً يوم الميعاد يدي فإن من جودك الدنيا وضرتها
سواك عند حلول الحادث العمم عفواً وإلا فقل يا زلة القدم ومن علومك علم اللوح والقلم
هذه أبيات في البردة قد تكون على هذا الترتيب أو في بعضها تقديم وتأخير، لكن الكلام على المضمون لا على الشكل، كالذي يقول للرسول ﵊ مخاطباً له: إن من جودك الدنيا وضرتها، وضرة الدنيا هي الآخرة، ومن علومك علم اللوح والقلم، قد ألحقه- أي: ألحق النبي ﷺ بمقام الربوبية ولم يبق لله شيئاً، إذا كان من جود الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدنيا وضرتها فما الذي بقي لله؟ ثم نقول: هذا من أكبر الكذب أن تكون من جوده الدنيا وضرتها، لماذا؟ لأن الرسول خُلق في آخر الدنيا كيف تكون الدنيا من جوده؟ ثم إننا نسمع أنه يحصل في هذا الاحتفال من الاختلاط بين الرجال والنساء وبين الكبار والمراهقين والمردان، ويحصل في هذا شر كبير. ثم إنه يظهر في هذا الاحتفال من شعائر الأعياد كالفرح والسرور وتقديم الحلوى وما أشبه ذلك ما يجعله ابتداعاً في دين الله؛ لأن الأعياد الشرعية هي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع الجمعة. ثم إنه يحصل في هذا الاحتفال بذل أموال كثيرة في غير فائدة بل في مضرة، وكل هذا يوجب للإنسان الناصح لنفسه أن يبتعد عنه. فهذه نصيحة من أخ مخلص لإخوانه، نسأل الله أن يجعل لها آذاناً صاغية وقلوباً واعية.
***
стр. 467
السؤال: ما هو رأي الدين في هذه الأشياء والدليل من الكتاب والسنة؟ -القصائد التي تمدح الرسول ﷺ وتمجده، وإلقائها في المناسبات الدينية وذلك بإحياء الليالي بها ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا التعبير- وهو: ما رأي الدين؟ أو: ما هو رأي الإسلام؟ أو ما أشبه ذلك- لا أحب أن يعرض في سؤال، أولا: ً كلمة رأي الدين، الدين في الحقيقة ليس رأياً، والدين ليس فكراً، إنما الدين عقيدة وشريعة من الله لا مجال للرأي فيه ولا مجال للفكر فيه، ولهذا نحن ننتقد هؤلاء الذين يقولون: هذا فكر إسلامي وما أشبه ذلك، الإسلام ليس فكراً وليس رأياً من الأفكار والآراء، إنما هو شريعة من لدن حكيم خبير . نعم لنا أن نقول: إن المفكر مسلم وما أشبه ذلك؛ لأن الرجل له فكر ويفكر كما أمر الله تعالى بالتفكير في خلق السماوات والأرض، لكن كوننا نعبر عن الدين بأنه فكر أو بأنه رأي وما أشبه ذلك هذا خطأ. هذا من جهة، من جهة أخرى لا أحب أن يوجه لشخص قابل للخطأ والصواب يوجه إليه سؤال عما هو حكم الإسلام ويقال: ما حكم الإسلام في كذا؟ وهو موجه إلى فرد يخطىء ويصيب؛ لأن الفرد إذا أجاب وكان خطأًلم يكن ذلك حكم الإسلام. فالذي ينبغي أن يقال مثلاً: ما هو الحكم؟ أو ما رأيك في كذا؟ وما أشبه ذلك، ثم يجيب على حسب ما يراه، معتمداً في ذلك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . بالنسبة للقصائد التي يمدح فيها الرسول رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي- مستحق لكل مدحٍ وتعظيمٍ يليق به على أنه نبي مرسل من الله ، وهو خاتم النبيين وآخر المرسلين وسيد الخلق أجمعين، فهو مستحق لكل ما يقال من وصف يليق به ﷺ ، سواء قيل ذلك نظماً أم نثراً. ولكن القصائد التي تخرجه عما ينبغي أن يكون له من الغلو المفرط الزائد الذي نعلم أنه هو ﵊ يكرهه ولا يرضاه، كما نهى عن ذلك، فإننا نرى أنه لا يجوز لإنسان أن يتلوها أو يعتقد ما فيها من هذا الغلو. ومن ذلك على ضرب المثل ما جاء في قصيدة البوصيري البردة التي يقول فيها يخاطب النبي ﷺ :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
لا شك أن هذا شرك بل هو من أعظم الشرك، حيث إنه جعل ما يختص بالرب جعله للنبي ﷺ وسلب حق الله فيه، فإذا كان من جود الرسول ﵊ الدنيا وضرتها وهي الآخرة فما بقي لله تعالى من شيء، وإذا كان من علومه- أي: بعض العلوم التي يعلمها- علم اللوح والقلم فما بقي لله تعالى علم ومثل هذه المقالات التي تبلغ إلى هذا الحد أو إلى ما دونه مما لا يليق للمسلم أن يقوله في نبيه ﷺ فإنه لا يجوز لأحد أن يتكلم به لا نظماً ولا نثراً، أما القصائد التي تبين صفاته الحميدة وشريعته الكاملة وما أشبه ذلك فإنها لا بأس بها، بل إننا نقول: إن تلاوتها تكون من العبادة؛ لما في ذلك من كونها تغذي محبة النبي ﷺ في القلب وتعظيمه وتعزيره كما أمر الله به: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) إنْ جعلنا اللام للأمر وإلا فللتعليل، ومعنى ذلك: أن هذا أمر مقصود للشرع، ومعنى تعزروه: أي تعظموه لكن بما يليق به وأيضاً بشرط أن لا تجعل هذه القصائد في مناسبة خاصة تعود كل سنة، كما يفعله من يفعله في ليلة عيد المولد التي ابتدعوها في شريعة الله وفي دينه، وهي بدعة لا أصل لها في الشرع- أعني: ليلة عيد المولد واتخاذها عيداً يتكرر كل عام، يذكر فيه مدائح النبي ﷺ ، ويبتدع فيه صفات وصيغ من الصلوات عليه ما جاءت في هديه ولا شريعته ولا هدي أصحابه- ولهذا كانت هذه البدعة أعني: بدعة عيد الميلاد من المنكرات التي يجب على المسلمين أن يحذروا منها وأن يبتعدوا عنها، ولو كان فيها خيرٌ لسبق إليها من هو أحب ومن هو أولى منا كالصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، فإنهم لم يفعلوا هذه الليلة أي ليلة عيد المولد، لم يفعلوها ولم يشيروا إليها لا من قريب ولا من بعيد، ولاشك أن الذين يشرعونها والذين ابتدعوها هم في الحقيقة متنقصون لشريعة النبي ﵊ وللنبي ﷺ ، ولا شك أنهم يريدون بها التقرب إلى الله ، والتقرب إلى الله عبادة , والدين كمل من جميع الوجوه في عباداته القولية والفعلية كما قال الله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) . فأي رجل يبتدع من العبادات ما لم يكن عليه النبي ﷺ وأصحابه، سواء كان ذلك في العقيدة أو في القول أم في العمل لاشك أنه حقيقة أمره ولسان حاله يقول: إن الدين لم يكمل، وأنا كملته بما أحدثته من هذه العبادة التي أتقرب بها إلى الله . لهذا يجب على كل من ابتدع شيئاً يتقرب به إلى الله من ذكر قولي أو فعلي أو مدح للرسول ﵊ أو غيره، يجب عليه أن ينظر في الأمر مرة ثانية، وأن يعرف أنه بابتداعه هذا طعن في دين الله يراه ناقصاً ويحتاج إلى تكميل بما أحدثه فيه، وأسال الله أن يجعلنا وإخواننا المسلمين لله مخلصين ولنبيه ﷺ متبعين.
***
стр. 468
هل يجوز مدح النبي ﷺ بقصائد؟ وبتخصيص ليلة الجمعة وليلة الاثنين؟ وإن كان هذا يباح فما هو الثواب؟ وإن كان لا يجوز ما هو المدح الذي يجوز للنبي ﷺ أو لا يجوز إطلاقاً ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح النبي ﷺ بما فيه من الخصال الحميدة والمناقب العظيمة والأخلاق الكاملة هذا أمر مشروع ومحمود؛ لما فيه من الدعوة إلى دين الرسول ﷺ وإلى تعظيم الرسول ﵊ ومحبته، وكل هذا من الأمور المقصودة شرعاً. وأما مدحه بالغلو الذي كان ينهى عنه ﷺ فهذا لا يجوز بكل حال، كما لو مدحه بقول القائل:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فإن مثل هذا الغلو لا يجوز وهو محرم. وعلى الوجه الجائز لا يتخذ ذلك في ليلة معينة أو في يوم معين، بحيث كلما أتت هذه الليلة وهذا اليوم قيلت هذه القصائد والمدائح، فإن تخصيص الشيء بزمن لم يخصصه به الشرع أو بمكان لم يخصصه به الشرع هذا من البدع التي نهى عنها رسول الله ﷺ .
***
стр. 469
ما حكم من جعل المديح بالنبي ﷺ أو الصالحين تجارة له يكتسب منها معيشته ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم هذا محرم. ويجب أن يعلم بأن المديح للنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون مدحاً فيما يستحقه ﷺ بدون أن يصل إلى درجة الغلو، فهذا لا بأس به، أي: لا بأس أن يمدح رسول الله ﷺ بما هو أهله من الأوصاف الحميدة الكاملة في خلقه وهديه ﷺ . والقسم الثاني من مديح رسول الله ﷺ قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي ﷺ وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) . فمن مدح النبي ﷺ بأنه غياث المستغيثين ومجيب دعوة المضطرين وأنه مالك الدنيا والآخرة وأنه يعلم الغيب، أو بمثل ما قال البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم، بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة. فلا يجوز أن يمدح الرسول ﵊ بما يصل إلى درجة الغلو؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك. ثم نرجع إلى اتخاذ المديح الجائز حرفة يكتسب بها الإنسان فنقول أيضاً: إن هذا حرام ولا يجوز؛ لأن مدح الرسول ﵊ بما يستحق وبما هو أهل له ﷺ من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة والهدي المستقيم، مدحه بذلك من العبادة التي يتقرب بها إلى الله، وما كان عبادة فإنه لا يجوز أن يتخذ وسيلة إلى الدنيا؛ لقول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
***
стр. 470
بارك الله فيكم هذه الرسالة وصلت من أخيكم في الله ص. من جمهورية مصر العربية محافظة شمال سيناء يقول: أرجو من فضيلة الشيخ أن يجيب على هذا السؤال: يوجد في بلدي أناس يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، ولكن في كل ليلة اثنين وليلة جمعة بعد صلاة العشاء يعملون دائرة وهم وقوف، وهي ما تسمى بالحضرة، ويعملون فيها أربعة أشواط، وبين كل شوطين يقوم رجل منهم يمدح الرسول. والشوط الأول يقولون فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله. الشوط الثاني يقولون فيه: الله دائم باقي حي. الثالث يقولون فيه: صل وسلم يا الله على النبي ومن والاه. والرابع يقولون فيه: يا لطيف الطف بنا. فما حكم الإسلام في ذلك مأجورين ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء مبتدعون ضالون فيما يحدثونه كل ليلة اثنين وجمعة؛ لأن هذا العمل الذي يقومون به عمل منكر لم يكن عليه الصحابة ﵃ ولا التابعون لهم بإحسان، فإذا كانوا يعتقدون أن النبي ﷺ يأتي إليهم ويحضرهم كان هذا أشد ضلالاً، وإن اعتقدوا في طوافهم هذا أنهم يطوفون على كعبة فهذا أشد وأنكر؛ لأنه لا طواف إلا على بيت الله الحرام في مكة. والواجب عليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى من هذا العمل، وأن يأخذوا بما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) . فقد حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من محدثات الأمور، أي: ما يحدثه الإنسان يتعبد به لله، ومحدثات الأمور هي: كل عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله لم يكن عليها رسول الله ﷺ ، سواء كان ذلك في العقيدة أو في القول أو في العمل. وقولي: كل عبادة هذا باعتبار المبتدع حيث يظنها عبادة، وإلا فإنها ليست بعبادة؛ لأن البدعة ضلالة ليست عبادة.
***
стр. 471
مستمع للبرنامج محروس إبراهيم من جمهورية مصر العربية محافظة البحيرة يقول: ما حكم الشرع في نظركم يا شيخ محمد في أناس يمدحون الرسول أقصد الشيوخ الذين يمدحون الرسول وهم يستعملون المزمار والعود والطبلة؟ وأيضاً ماحكم المقرئين الذين يشترطون على عائلة المتوفى من أجرهم؟ وهل هناك فصال في كتاب الله ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أن هذا السؤال تضمن مسألتين: المسألة الأولى: أولئك الشيوخ الذين يمدحون رسول الله ﷺ مدحاً مقروناً بآلات اللهو، فنقول في الجواب على هذا: أولاً هذه المدائح هل هي مدائح حق لا تخرج إلى الغلو الذي نهى عنه النبي ﷺ ؟ أو هي مدائح تتضمن الغلو في رسول الله ﷺ ، وأن ينزل فوق منزلته التي أنزلها الله إياه، كالمدائح التي تجعل للنبي ﷺ حظاً من التصرف في الكون، بل ربما تجعل الكون كله عائداً إلى رسول الله ﷺ ، كقول بعضهم: فإن من جودك الدنيا- يخاطب النبي ﷺ :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فإن هذه المدائح وأمثالها كفر بالله ، سواء اقترنت بآلة لهو أم لم تقترن، ولا يحل لمؤمن أن يقولها في رسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث لتطهير الناس من مثل هذه الأمور التي تؤدي إلى شرك المخلوق بالخالق فيما يستحقه . ثانياً إذا كانت هذه المدائح مدائح حق لا غلو فيها ولكنهم جعلوها مصحوبة بهذه المزامير وآلات اللهو فإن هذا محرم؛ لأنها اقترنت بما حرمه النبي ﷺ ، إذ إن المعازف وآلات اللهو كلها حرام، إلا ما استثني منها من الدفوف في الأوقات التي أبيحت فيها، ويدل لتحريمها ما رواه البخاري من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) . والمعازف هي آلات اللهو كما ذكر ذلك أهل العلم، وفي قرنها بالزنى وشرب الخمر دليل على قبحها وتأكد تحريمها، فهؤلاء الذين يمدحون رسول الله ﷺ بالمدائح المقرونة بآلات اللهو كأنما يسخرون به ﷺ ، حيث مدحوه وعظموه بما حرمه على أمته ومنعهم منه. أما المسألة الثانية مما تضمنه هذا السؤال فهو قراءة القراء القرآن للأموات بعد موتهم، وأخذهم الأجرة على ذلك، فإن هذا أيضاً من الابتداع في دين الله ، وقراءة القارىء الذي لا يقرأ إلا بأجرة ليس فيها ثواب؛ لأن قراءة القرآن عمل صالح، وإذا أريد بالعمل الصالح الدنيا حبط وبطل أجره كما قال الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . وإذا بطل أجره- أي: أجر هذا القارىء بالأجرة- لم يحصل للميت انتفاع من قراءته، وحينئذٍ يكون هؤلاء الذين استأجروا القارىء ليقرأ القرآن لميتهم قد خسروا في الدنيا والآخرة: أما خسارتهم في الدنيا فهي بذل المال في أمر لا ينفع الميت، وأما خسارتهم في الآخرة فلأنهم استأجروا هذا الرجل أن يقرأ كتاب الله بعوض من الدنيا فأعانوه على الإثم، ومن يعين على الإثم آثم؛ لأن الله يقول: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) . وإن نصيحتي لهذين الصنفين من الناس- الصنف الأول: أولئك المداحون الذين يمدحون رسول الله ﷺ بما نهاهم عنه من الغلو فيه، أو الذين يمدحونه مدحاً مقتصدين فيه ولكنهم يقرنونه بما نهى الله عنه. وكذلك الصنف الثاني: الذين يقرؤون القرآن في المآتم للأموات بالأجرة- أنصحهم جميعاً أن يتقوا الله ، وأن يكونوا في عباداتهم القولية والفعلية والاعتقادية متمشين على سنة الرسول ﷺ التي التمسك بها خير وفلاح في الدنيا والآخرة، وهذا الأمر وإن كان قد يشق عليهم، بل وإن كان الشيطان قد يريهم أن ذلك شاق عليهم، وأنهم يطلبون به بما يطلبونه من المال والجاه فليصبروا على ذلك وليحتسبوا ثواب الله الذي لا حصر له ولا نهاية (إِنَما يُوفى الصَّابرون أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابْ) . وليصبروا على ترك هذه الأمور المحرمة حتى يكونوا أئمة يهدون بأمر الله وكانوا بآيات الله يوقنون.
***
стр. 472
بارك الله فيكم رسالة وصلت من مستمع إلى البرنامج يقول: يقام في بلدنا كل يوم خميس حلقات دينية في بيوت المشايخ: يقوم صاحب الزاوية أو الشيخ الذي تقام في داره الحلقة بتعليم الناس الذين يأتون لحضور هذه الحلقة، ويقومون بمدح الرسول والصحابة والشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي وغيرهم، كما يضربون على الدفوف، ويتحركون حركات هادئة تشبه الركوع ولكنها كثيرة وسريعة. ماذا تقولون في مثل هؤلاء بارك الله فيكم ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول في مثل هؤلاء: إن عملهم هذا بدعة، وربما يكون فيه مدائح تصل إلى الكفر، فإن أصحاب المدائح النبوية أحياناً يصلون بمدائحهم إلى درجةٍ يجعلون فيها رسول الله ﷺ بمنزلة الله ، بل ربما يرتقون فوق ذلك. منهم من يردد قول القائل يخاطب النبي ﷺ :
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
مثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله ، فهو الذي يدعى عند حلول الحادث العمم، ويلاذ به ، وهو الذي يكشف السوء، وهو الذي يجيب دعوة المضطرين. أما الرسول ﵊ فإنه لا يملك مثل ذلك، بل هو ﵊ يسأل ربه ويستغيثه ويستعينه، وهو أعبد الناس لربه في هذا المقام. ولهذا لما دخل الرجل إليه والنبي ﷺ يخطب الناس شكا إليه قلة المطر، فرفع النبي ﷺ يديه إلى السماء يدعو الله يقول: (اللهم أغثنا) . فهو ﵊ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف يملك ذلك لغيره؟ إنما هو ﵊ هادٍ يهدي إلى صراط الله ، مثل هذه الأبيات التي أنشدتها لا شك أنها لم تجعل لله تعالى شيئاً؛ لأنه إذا كان من جود النبي ﷺ الدنيا وضرتها وهي الآخرة فإنه لم يبقَ لله شيء، فأقول: هذا العمل الذي يعمله هؤلاء القوم عند هذا الشيخ عملٌ بدعيٌ، وقد يتضمن أشياء منكرةً نكارةً عظيمة، وقد يشتمل على أشياء تكون كفراً وشركاً أكبر. ولو أن هذا الشيخ جمعهم على العلم، على تعلم كتاب الله وما صح من سنة رسول الله ﷺ لكان هذا خيراً وأفضل وأكمل، حتى ينتفع وينفع. كذلك ذكر السائل أنهم كانوا يركعون ويسجدون بصفةٍ ويضربون الدفوف بصفةٍ خفيفة سريعة، وهذا أيضاً منكر، لا يجوز لأحدٍ أن يتعبد به لله ، فإن العبادة مبناها على التوقيف وليست على الذوق ولا على الهوى، ولم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن خلفائه ولا عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمتها أن يتعبدوا لله تعالى بمثل هذه العبادة، بل هذا منكرٌ بنفسه فضلاً عن أن يكون عبادة.
***
стр. 473
هناك بعض من الناس يذكرون الله في حلقات يصاحبها النقر على الطبلة، مع القيام بحركات تشبه الرقص. هل هذا جائز شرعاً في نظركم يا فضيلة الشيخ؟ وما هي آداب الذكر ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أحب أن أقدم مقدمة تلقي الضوء على جواب هذا السؤال، وذلك أن الله خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، كما قال : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) . والعبادة التي خلقنا الله من أجلها لا تصح إلا بشرطين أساسين: أحدهما: الإخلاص لله ، والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ أما الإخلاص لله فمعناه: أن يكون العابد قاصداً بعبادته وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد بذلك عرضاً من الدنيا لا مالاً ولا جاهاً ولا تقرباً إلى أحد من المخلوقين، وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة، كما قال الله تعالى عن محمد رسول الله وأصحابه قال : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) . وقال : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) . وأما الأصل الثاني فهو المتابعة لرسول الله ﷺ ، ودليل هذين الأمرين قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) ، وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) . وقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . وقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . ولا تتحقق المتابعة لرسول الله ﷺ إلا إذا كان العمل موافقاً للشرع في أمور ستة السبب والجنس والقدر والكيفية والزمان والمكان، فإذا لم يكن العمل موافقاً للشرع في هذه الأمور الستة فإن المتابعة فيه تتخلف. أما السبب: فلا بد أن يكون لهذا العمل سبب شرعي اقتضى أن يفعل، فلو تعبد الإنسان لله تعالى عبادة قرنها بسبب لم يرد به الشرع لم تقبل منه؛ لأنها غير موافقة للشرع، فلا تتحقق فيها المتابعة، ومثال ذلك أن يتعبد الإنسان لله بالصلاة على نبيه ﷺ كلما دخل بيته، فإننا نقول: إن هذا بدعة؛ لأنه لم يوافق الشرع في سببه، إذ لم يرد عن النبي ﷺ أن من أسباب الصلاة عليه ﷺ دخول البيت. ولو أن الإنسان ضحى بفرس لم تقبل أضحيته؛ لأنها لم توافق الشرع في جنسها، إذ إن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. ولو أن الإنسان صلى الرباعية خمساً أو الثلاثية أربعاً أو الثنائية ثلاثاً لم يقبل منه؛ لأن ذلك غير موافق للشرع في عدد العبادة. ولو أن الإنسان صلى فقدم السجود على الركوع لم تصح صلاته؛ لأنها غير موافقة للشرع في صفتها وهيئتها. ولو أن الإنسان ضحى قبل صلاة العيد عيد الأضحى لم تقبل أضحيته؛ لأنها غير موافقة للشرع في وقتها. ولو أن الإنسان اعتكف في بيته اعتكافاً يقصد به التقرب إلى الله كما يعتكف الناس في المساجد لم يقبل اعتكافه؛ لأنه غير موافق للشرع في مكان العبادة. فإذا علمت هذه المقدمة النافعة، وهي: أن العبادة لا تصح إلا أن تبنى على هذين الأساسين العظيمين، وهما: الإخلاص لله والمتابعة لرسوله ﷺ ؛ تبين لك حكم هؤلاء الذين ذكرهم السائل، الذين يجتمعون على ذكر الله ويجعلون عندهم طبولاً ينقرونها عند كل جملة يذكرون الله بها، ويعملون أعمالاً تشبه الرقص، فهؤلاء مردود عليهم ذكرهم، ويكون ذكرهم الذي تعبدوا به لله على هذا الوجه بدعة، وقد حذر النبي ﷺ من البدع، وأخبر أن كل بدعة ضلالة بدون استثناء، وأتى بـ (كل) الدالة على العموم، ومن المعلوم لنا جميعاً أن رسول الله ﷺ أعلم الخلق بشريعة الله، وأنه أنصح الخلق لعباد الله، وأنه أفصح الخلق في تعبيره وبلاغه، فإذا قال: (كل بدعة ضلالة) فإنه لا يمكن أن نقسم بعد ذلك البدع إلى أقسام، بل نقول: إن البدع كلها ضلالة مهما كانت. ومن ظن أن شيئاً من البدع يكون حسناً فإنه قد توهم من أحد وجهين: إما أن يكون هذا الشيء ليس ببدعة شرعاً، ولكن ظنه بدعة فسماه بدعة. وإما أن يكون الشيء بدعة لكنه ليس بحسن، بل توهم مبتدعه أنه أحسن في ذلك وهو لم يحسن. وأما أن تتحقق البدعة فإنه لا يمكن أن تتحقق أنها حسنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (كل بدعة ضلالة) . فهؤلاء المبتدعة الذين أحدثوا في ذكر الله ما ليس منه عملهم مردود عليهم، ولا يزيدهم من الله إلا بعداً، وهو خلاف طريق الذين أنعم الله عليهم والذين يقولون في كل صلواتهم: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) . فإن كل مبتدع فهو ضال فيما ابتدع في دين الله، وعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله من هذا الذكر، بل أن يتوبوا إلى الله من هذه الكيفية التي أحدثوها في ذكر الله، هذا إذا كان الذكر الذي يذكرون الله به موافقاً للشرع في صيغته، أما إذا كان مخالفاً للشرع في صيغته فإنه يكون قبحاً على قبح، كما لو جعلوا أذكارهم هو هو هو وما أشبه ذلك مما يتخذه الصوفية ونحوهم ذكراً لله ، والرب قد بين لنا الطريق وأوضحه على لسان محمد ﷺ إما في كتاب الله وإما في سنة رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) . وقال : (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . وقال : (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . فإذا كان الله تعالى قد بين لنا البيان التام فإن كل عمل يقربنا إليه ويرضيه عنا فإنه قد بينه ووضحه، ولم يمت رسول الله ﷺ إلا والدين كامل من جميع الوجوه، واتل قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) . وحقيقة حال المبتدع أنه يعترض على شريعة الله كأنما يقول: هذه من الشريعة ولكن لم تكن واردة، فالشرع إذاً ناقص؛ لأنه لابد أن يكون الأمر هكذا: إما أن يكون الشرع ناقصاً وهذه البدعة أكملته، وإما أن يكون الشرع تاماً فهذه البدعة زيادة ما أنزل الله بها من سلطان. ولا يحل لنا أن نتقرب إلى الله إلا بما شرع على لسان محمد ﷺ ، فنصيحتي لهؤلاء القوم، نصيحتي لهم أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله في عباد الله الذين يتبعونهم ويقتدون بهم، وليرجعوا إلى ما كان عليه نبينا محمد ﷺ وخلفاؤه الراشدون، فإنه الخير والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
***
стр. 474
أثابكم الله يا شيخ محمد رسالة وصلت من أحد الإخوة المستمعين عطية من المدينة المنورة يقول: لقد سمعت حلقة من برنامج نور على الدرب يوم الخميس الموافق ١٤ / ٦ / ١٤٠٧ هـ وسمعت إجابة السؤال الأول من البرنامج والذي قال فيه فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين بأن كل بدعة ضلالة وذكر الحديث، وقال: ليس هناك بدعة غير ضلالة وليس هناك بدعة حسنة، بل كل بدعة ضلالة. سؤالي: هل السَبْحَةْ تعتبر بدعة؟ وهل هي بدعة حسنة أم بدعة ضلالة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السَبْحَةْ ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله أو التهليل أو التحميد أو التكبير، فهي وسيلة وليست مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله، أي: بأصابعه؛ لأنهنّ مستنطقات كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ ، ولأن عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيراً من أولئك الذين يستعملون المسبحة فنجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك؛ لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه أو تهليله وتحميده وتكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب يلتفت يميناًَ وشمالاً، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحفظ لقلبه غالباً. الشيء الثالث: أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيراً من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات، وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا لكنه يخشى منه. فهذه ثلاثة أمور كلها تقضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمِسْبحة، وأن يسبح الله بأنامله. ثم إن الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ (لأن النبي ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه) ، واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا كان الأيمن مفضلاًَ على الأيسر، ونهى النبي ﵊ أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، قال النبي ﵊: (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) . وقال: (لا يأكلنّ أحدكم بشماله ولا يشربنّ بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) . فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعاً للسنة وأخذاً باليمين، فقد (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) . وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدعة في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع.
***
стр. 475
المستمع عبد الرحمن إبراهيم أحمد من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يقول: في يوم الجمعة عندنا يقوم بعض الناس بالتسبيح ويقولون: الصلاة وألف سلام يا سيدي يا رسول الله، ويستدلون لهذا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً..) الخ الآية. فكيف نرد على مثل هؤلاء ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول لهؤلاء: ما ذكرتم من الآية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ما ذكرتموه من الآية دليل عليكم وليس دليلاً؛ لكم لأن الله أمر بالصلاة والسلام على نبيه كل وقت، ولم يخص ذلك بيوم الجمعة، وأنتم جعلتم هذا في يوم الجمعة فقط. ثم إن الله لم يأمر بأن نصلى ونسلم عليه مجتمعين، وأنتم جعلتم الصلاة والسلام عليه مجتمعين، فخالفتم الآية حيث خصصتموها بيوم معين وبصفة معينة، والواجب علينا أن نطلق ما أطلقه الله وأن نقيد ما قيده الله، وأن لا نتجاوز ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة. ونصيحتي لهؤلاء الإخوة أن يتقيدوا بما جاء به الشرع من العبادات كمية وكيفية ونوعاً ووقتاً ومكاناً؛ لأن من شرط صحة العبادة وقبولها أن تضمن أمرين: الأمر الأول: الإخلاص لله ، والأمر الثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ . دليل الأمر الأول قوله تعالى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى) . ودليل الثاني قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد) ، أو: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . ولا تتحقق المتابعة للرسول ﷺ إلا أن تكون العبادة موافقة للشرع في أمور ستة: في سببها وجنسها وقدرها وكيفيتها وزمانها ومكانها، فإذا خالفت الشرع في هذه الأمور الستة لم تتحقق فيها المتابعة وكانت باطلة.
***
стр. 476
أحد الإخوة المستمعين سليمان من قرية المقروبة بجمهورية مصر العربية يقول: في قريتنا البعض من الناس يذكرون الله بصوت مرتفع وهم وقوف، ويصلون على النبي ﷺ ، ويفعلون ذلك في ليلة الاثنين والجمعة. نصحتهم بذلك وقلت لهم بأن ذلك بدعة في الدين، سخروا مني وقالوا لي: إننا على صواب وأنت الذي على خطأ. وإني رفضت هذا الكلام ولا أبالي، الرجاء من فضيلتكم النصح لمثل هؤلاء ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن نصيحتنا لمثل هؤلاء أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يعرفوا قدر أنفسهم، وأن يعلموا أنه لا يحل لهم أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله، وأنه ليس لهم الحق أن يشرعوا في دين الله ما ليس منه، فالدين دين الله ، وهو الذي يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته مما فيه مصلحتهم في الحاضر والمستقبل، وهم يعلمون- شاؤوا أم أبوا- أن الدين دين الله وأن الشرع شرعه، ولكني أريد منهم أن يطبقوا هذا العلم، بحيث لا يتجاوزون شرع الله فيتعبدون له بما لم يشرعه. وليعلم هؤلاء أن كل عمل قولي أو فعلي أو عقدي يقومون به تقرباً إلى الله فإنه لا يزيدهم من الله إلا بعداً إذا لم يكن مشروعاً بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في خطبة الجمعة: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) . فأخبرنا رسول الله ﷺ بهذا الحديث الذي يعلنه في خطبة الجمعة، أخبرنا بأن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، فما خالف هديه فهو شر، وأخبرنا أيضاً أن كل بدعة في دين الله، ضلالة وأن كل ضلالة في النار. فليعلم هؤلاء أن هذا العمل عناء وعقاب، عناء في الدنيا ومشقة وتعب ونصب، وعقاب يوم القيامة. ولا أخص هؤلاء بما ابتدعوه من الصلاة على النبي ﷺ على الكيفية التي ذكرها السائل، ولكني أتكلم على بدعتهم هذه وعلى جميع ما ابتدع في دين الله تعالى من عقيدة أو قول أو عمل، فعلى المرء أن يكون عبداً لله بمعنى هذه العبودية، فلا يتقدم بين يديه ولا يدخل في دينه ما لم يشرعه.
***
стр. 477
ما حكم سماع الموالدي الذي يمدح الرسول في الليالي ومعه طائفةٌ من الإخوان يرددون المدح والتهليل بمكبر الصوت ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح النبي ﷺ على هذا الوجه من البدع، فإنه لم يكن معروفاً عند الصحابة: أن يقوموا بمدح الرسول ﷺ في الأسواق جهراً أو في المساجد جهراً أو يعلنون ذلك على الملأ، وإنما كانوا يصلون على النبي ﷺ الصلاة الواردة عنه، ويصفونه ﷺ بما يستحقه من صفات بدون مغالاة؛ لأنهم يعلمون ﵃ أن النبي ﷺ نهى عن الغلو فيه، فهذه الصفة بمجردها بدعةٌ منهي عنها. ثم إن كان في تلك المدائح أوصاف لا تصح إلا لله ﵎ فإنها لا تجوز، وتكون أيضاً مذمومةً من ناحية أخرى وهي: الشرك، مثل قول القائل يخاطب النبي ﵊:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العممِ
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدمِ
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ
فإن هذا لا يرضاه النبي ﷺ ولا يرضاه غيره من المؤمنين؛ لأن هذه الأوصاف لا تليق إلا لله ، بل إن قوله إن من جودك الدنيا وضرتها جعل هذا أعظم من الله ، ومن علومك علم اللوح والقلم هذا والعياذ بالله منكرٌ عظيم وشرك بالله ﵎. فالمهم أن هذه المدائح بمجرد صفتها التي ذكرها السائل هي بدعة، ثم إن كانت مشتملة على ما لا يليق بالنبي ﷺ بمعنى: على ما لا يرضاه النبي ﷺ من الغلو- فإنها تزداد قبحاً على قبحها.
стр. 478
يافضيلة الشيخ: هذا بالنسبة لمن يقوم بها ويتحلق عليها، لكن حكم من يسمعها ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الاستماع إليها فهذا لا يجوز؛ لأن الاستماع إلى المنكر منكر. وأما سماعها والإنسان عابرٌ مار، أو سماعها والإنسان في بيته بدون قصد الاستماع فهذا لا يضر، ولكنه يجب عليه أن ينصحهم وينهاهم عن ذلك إن انتهوا، وإلا فلا شيء عليه منهم.
***
стр. 479
وصلتنا رسالة من المستمع م. ع. ص. من جمهورية مصر العربية يقول: ما حكم الشرع في نظركم في أعياد الميلاد والاحتفال بذكرى المولد للرسول ﷺ ؟ لأنها تنتشر عندنا بكثرة، أفيدونا بارك الله فيكم
فأجاب رحمه الله تعالى: نظرنا في هذه المسألة أن نقول: إن رسول الله ﷺ رسول إلى الخلق أجمعين، وإنه يجب على جميع الخلق أن يؤمنوا به ويتبعوه، وإنه يجب علينا مع ذلك أن نحبه أعظم من محبتنا لأنفسنا ووالدينا وأولادنا؛ لأنه رسول الله ﷺ ، ونرى أن من تعظيم النبي ﷺ وعلامة محبته أن لا نتقدم بين يديه بأمر لم يشرعه لنا؛ لأن ذلك من التقدم عليه وقد قال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ?. وإقامة عيد لميلاد النبي ﷺ لا تخلو من أحوال ثلاث: إما أن يفعلها الإنسان حباً وتعظيماً للنبي ﷺ ، وإما أن يفعلها لهواً ولعباً، وإما أن يفعلها مشابهةً للنصارى الذين يحتفلون بميلاد عيسى بن مريم ﵊. فعلى الأول: إذا كان يفعلها حباً وتعظيماً للرسول الله ﷺ فإنها في هذه الحال تكون ديناً وعبادة؛ لأن محبة النبي ﷺ وتعظيمه من الدين، قال الله تعالى: ?إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً? لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا?. وإذا كان ذلك من الدين فإنه لا يمكن لنا ولا يسوغ لنا أن نشرع في دين النبي ﷺ ما ليس منه، إذ إن ذلك- أي: شرعنا في دين النبي ﷺ ما ليس منه- يستلزم أحد أمرين باطلين: فإما أن يكون الرسول ﷺ لم يعلم بأن هذا من شريعته، وحينئذٍ يكون جاهلاً بالشرع الذي كلف بتبليغه، ويكون من بعده ممن أقاموا هذه الاحتفالات أعلم بدين الله من رسوله، وهذا أمر لا يمكن أن يتفوه به عاقل فضلاً عن مؤمن. وإما أن يكون النبي ﷺ قد علم، وأن هذا أمر مشروع، ولكنه كتم ذلك عن أمته، وهذا أقبح من الأول، إذ إنه يستلزم أن النبي ﷺ قد كتم بعض ما أنزل الله عليه وأخفاه على الأمة، وهذا من الخيانة العظيمة، وحاشا رسول الله ﷺ أن يكتم شيئاً مما أنزل الله عليه. قالت عائشة ﵂: لو كان النبي ﷺ كاتماً شيئاً مما أنزل الله عليه لكتم قول الله تعالى (وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) . وبهذا بطلت إقامة الاحتفال بمولد النبي ﷺ من أجل محبته وتعظيمه.
وأما الأمر الثاني، وهو: أن تكون إقامة هذه الاحتفالات على سبيل اللهو واللعب، فمن المعلوم أنه من أقبح الأشياء أن يفعل فعل يظهر منه إرادة تعظيم النبي ﷺ وهو للعب واللهو، فإن هذا نوع من السخرية والاستهزاء، وإذا كان لهواً ولعباً فكيف يتخذ ديناً يعظم به النبي ﷺ ؟
وأما الأمر الثالث، وهو: أن يتخذ ذلك مضاهاة للنصارى في احتفالاتهم بميلاد عيسى بن مريم ﵊، فإن تشبهنا بالنصارى في أمر كهذا يكون حراماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) . ثم نقول: إن هذا الاحتفال بمولد النبي ﷺ لم يفعله الصحابة ﵃، ولا التابعون لهم بإحسان، ولا تابعو التابعين، وإنما حدث في القرن الرابع الهجري، فأين سلف الأمة عن هذا الأمر الذي يراه فاعلوه من دين الله؟ هل هم أقل محبة وتعظيماً منا لرسول الله؟ أم هل هم أجهل منا بما يجب للنبي ﷺ من التعظيم والحقوق؟ أم ماذا؟ إن أي إنسان يقيم هذا الاحتفال يزعم أنه معظم للنبي ﷺ فقد ادعى لنفسه أنه أشد تعظيماً لرسول الله ﷺ وأقوى محبة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، ولا ريب أن محبة النبي ﷺ وتعظيمه إنما يكون باتباع سنته ﷺ ؛ لأن اتباع سنته أقوى علامة تدل على أن الإنسان يحب النبي ﷺ ويعظمه، أما التقدم بين يديه وإحداث شيء في دينه لم يشرعه فإن هذا لا يدل على كمال محبة الرسول ﷺ وتعظيمه. قد يقول قائل: نحن لا نقيمه إلا من باب الذكرى فقط. فنقول: يا سبحان الله! تكون لكم الذكرى في شيء لم يشرعه النبي ﵊، ولم يفعله الصحابة ﵃؟ مع أن لديكم من الذكرى ما هو قائم ثابت بإجماع المسلمين، وأعظم من هذا وأدوم: فكل المسلمين يقولون في أذان الصلوات الخمس: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وكل المسلمين يقولون في صلاتهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وكل المسلمين يقولون عند الفراغ من الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بل إن ذكرى النبي ﷺ تكون في كل عبادة يفعلها المرء؛ لأن العبادة من شرطها الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ ، فإذا كان الإنسان مستحضراً ذلك عند فعل العبادة فلا بد أن يستحضر أن النبي ﷺ إمامه في هذا الفعل، وهذا تذكر. وعلى كل حال فإن فيما شرعه الله ورسوله من علامات المحبة والتعظيم لرسول الله ﷺ كفاية عما أحدثه الناس في دينه مما لم يشرعه الله ولا رسوله، ونسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير. على أن هذه الاحتفالات فيما نسمع يكون فيها من الغلو والإطراء ما قد يخرج الإنسان من الدين، ويكون فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء ما تخشى منه الفتنة والفساد، والله أسأل أن يهيئ للأمة الإسلامية من أمرها رشداً، وأن يوفقها لما فيه صلاح دينها ودنياها وعزتها وكرامتها، إنه جواد كريم.
***
стр. 480
هذه رسالة وصلت من مكة المكرمة يقول فيها السائل: كثير من الناس يقول بأن المولد ليس ببدعة؛ لأن فيه ذكراً للرسول ﷺ وتمجيداً لذكره، وليس فيها لهو من غناء وغيره، بل هو ذكر فقط في سيرة المصطفى ﷺ . ما الحكم إذا كان المولد بهذه الصورة؟ أريد جواباً شافياً وواضحاً لهذا الموضوع؛ لأن الكثير من الناس يرون أنه ليس فيه شيء من البدع لأنه ذكر فقط ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن النبي ﷺ سيد ولد آدم، ولا شك أن له حقوقاً علينا أكثر من حقوق أمهاتنا وآبائنا، ولا شك أنه يجب علينا أن نقدم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ولا شك أن له من المناقب والفضائل ما لم يكن لغيره، وهذا أمر مسلم. وإذا كان هذا يسأل عن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإننا نبحث في هذه المسألة من ناحيتين: أولاً: من الناحية التاريخية، فإنه لم يثبت أن ولادته كانت في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، ولا كانت يوم الثاني عشر من ربيع الأول، بل حقق بعض المعاصرين من الفلكيين أن ولادته كانت في اليوم التاسع من ربيع الأول، وعلى هذا فلا صحة لكون المولد يوم الثاني عشر أو ليلة الثاني عشر من الناحية التاريخية. أما من الناحية التعبدية فإننا نقول: الاحتفال بالمولد ماذا يريد به المحتفلون؟ أيريدون إظهار محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إن كانوا يريدون هذا فإظهار محبته بإظهار شريعته ﵊ والالتزام بها، والذود عنها وحمايتها من كل بدعة. أم يريدون ذكرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فذكرى رسول الله ﷺ حاصلة فيما هو مشروع كل يوم: فالمؤذنون يعلنون على المنائر أشهد أن محمداً رسول الله، والمصلون في كل صلاة يقول المصلى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويقول: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ويقول: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد بل كل عبادة فهي ذكرى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لأن العبادة مبنية على أمرين: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وبالمتابعة لرسول الله ﷺ تكون الذكرى في القلب. أم يريد هؤلاء أن يكثروا من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإظهار مناقبه؟ فنقول: نعم هذه الإرادة ونحن معهم نحث على كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحث على إظهار مناقبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمته؛ لأن ذلك يؤدي إلى كمال محبته وتعظيمه واتباع شريعته. ولكن هل ورد هذا مقيداً بذلك اليوم الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أم إنه عام في كل وقت وحين؟ فالجواب بالثاني. ثم نقول: اقرأ قول الله : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فهل نحن متبعون للمهاجرين والأنصار في إقامة هذا المولد، بل في إقامة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فالجواب: لا؛ لأن الخلفاء الراشدين والصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين من بعدهم لم يقيموا هذا الاحتفال ولم يندبوا إليه أبداً، أفنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم؟ أم هم غافلون مفرطون في إقامة هذا الحق للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أم هم جاهلون به لا يدرون عنه؟ كل هذا لم يكن؛ لأن وجود السبب مع عدم المانع لابد أن يحصل مقتضاه، والصحابة لا مانع لهم من أن يقيموا هذا الاحتفال، لكنهم يعلمون أنه بدعة، وأن صدق محبة الرسول ﵊ في كمال اتباعه، لا أن يبتدع الإنسان في دينه ما ليس منه، فإذا كان الإنسان صادقاً في محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي اعتقاده أنه سيد البشر فليكن ملتزماً بشريعته: ما وجد في شريعته قام به، وما لم يوجد أعرض عنه، هذا خالص المحبة وهذا كامل المحبة. ثم إن هذه الموالد يحصل فيها من الاختلاط والكلمات الزائدة في الغلو برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى أنهم يترنمون بالبردة المضافة إلى البوصيري وفيها يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
كيف يقول: ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العظيم؟ هل هذا صحيح؟ هذا يعني أن هذا الذي أصيب بالحادث لا يرجع إلى الله ولا يلوذ بالله ، وهذا شرك، ثم يقول:
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
فهل الرسول ﵊ ينقذ الناس يوم المعاد؟ إن دعاء الرسل عليهم الصلاة والسلام في ذلك اليوم: اللهم سلم اللهم سلم عند عبور الصراط. ويقول أيضاً في هذه القصيدة وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) الدنيا وضرتها هي الآخرة من جود الرسول ﷺ ، وليس كل جوده، بل هي من جوده، وجوده أجود من هذا، فإذا جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول ﵊ ماذا بقي لله تعالى في الدنيا والآخرة؟ لن يبقى شيء، كل هاتين الدارين من جود النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويقول أيضاً: (ومن علومك علم اللوح والقلم) - سبحان الله! - من علومه- وليست كل علومه- أن يعلم ما في اللوح المحفوظ، مع أن الله تعالى أمر نبيه أمراً خاصّاً أن يقول: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) . فإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم ما غاب عنه في الدنيا فكيف يقال: إنه يعلم علم اللوح والقلم؟ بل إن علم اللوح والقلم من علومه، وهذا غلو لا يرضاه الرسول ﵊، بل ينكره وينهى عنه. ثم إنه يحصل بهذا الاحتفال بالمولد أشياء تشبه حال المجانين: سمعنا أنهم بينما هم جلوس إذا بهم يفزون ويقومون قيام رجل واحد، ويدَّعون أن النبي ﷺ حضر في هذا المجلس وأنهم قاموا احتراماً له، وهذا لا يقع من عاقل فضلاً عن مؤمن، أشبه ما به جنون! فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قبره لا يخرج إلى يوم البعث، كما قال الله : (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . والخلاصة أن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصح من الناحية التاريخية ولا يحل من الناحية الشرعية، وأنه بدعة، وقد قال أصدق الخلق وأعلم الخلق بشريعة الله: (كل بدعة ضلالة) . وإني أدعو إخواني المسلمين إلى تركه والإقبال على الله ، وتعظيم سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشريعته، وألا يحدث الإنسان في دين الله ما ليس من شريعة الله. وأنصحهم أن يحفظوا أوقاتهم وعقولهم وأفكارهم وأجسامهم وأموالهم من إضاعتها في هذا الاحتفال البدعي، وأسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية والتوفيق وإصلاح الحال، إنه على كل شيء قدير.
فضيلة الشيخ: متى ظهرت بدعة المولد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في القرن الرابع، يعني: مضت الثلاثة القرون المفضلة ولم يقمها أحد، في القرن الرابع وجدت، وفي القرن السابع كثرت وانتشرت وتوغلت. وقد أُلف في ذلك والحمد لله مؤلفات تبين أول هذه البدعة وأساسها ومكانتها من الشرع، وأنها لا أصل لها في شريعة الله.
فضيلة الشيخ: يزعم أناس بأنهم يحبون الرسول فأتوا بالمولد فاحتفلوا بالمولد وأتوا بالمدائح، فما حكم الاحتفال بالمولد حيث يزعمون بأنه حب للرسول؟
فأجاب رحمه الله تعالى: على القاعدة التي ذكرت لك: من أحب الرسول فليتبع سنته، من أحب الرسول فلا يبتدع في دينه ما ليس منه، ولنا ولغيرنا كتابات في هذا الموضوع وبيانات، والذي نسأل الله تعالى إياه أن يهدي إخواننا للصراط المستقيم. ويا سبحان الله! أين أبو بكر؟ أين عمر؟ أين عثمان؟ أين علي؟ أين الصحابة؟ أين الأئمة عن هذا؟ أجهلوه أم فرطوا فيه؟ لا يخلو الأمر من أحد أمرين: إما أنهم جاهلون بحق الرسول ﵊ أن لا يقيموا الاحتفال لمولده، أو أنهم مفرطون تذهب القرون الثلاثة كلها لا تعلم بهذه البدعة، ونقول: إنها مشروعة، إنها محبوبة إلى الله ورسوله، إنها نافعة لمن قام بها؟ هذا لا يمكن. ثم إنه يحدث في هذه الموالد من المنكرات العظيمة والغلو بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيء كثير، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الاتباع، نسأل الله تعالى إيماناً لا كفر معه، ويقيناً لا شك معه، وإخلاصاً لا شرك معه، واتباعاً لا ابتداع معه.
***
стр. 481
هذا السائل طاهري محمد من الجزائر يقول: فضيلة الشيخ هل احتفل الرسول ﷺ بميلاده كما يفعل البعض أم لا؟ أرجو منكم التوجيه والنصح في هذا الموضوع مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يحتفل النبي ﷺ بذكرى ميلاده، ولم يحتفل بذلك أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ولا غيرهم من الصحابة الكرام ﵃، ولم يحتفل بذلك التابعون لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، ولا تابعو التابعين ولا أئمة المسلمين، وإنما ابتدع هذا الاحتفال بذكرى مولد الرسول ﷺ في أثناء المائة الرابعة، أي: بعد ثلاثمائة سنة من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا شك أن الحامل لهذا الاحتفال ممن أسسه، لا شك أنه إن شاء الله تعالى حب الرسول ﵊، لكن حب الرسول ﵊، إنما يتبين حقيقةً باتباع الرسول ﵊ فمن كان للرسول أحب كان له أتبع بلا شك، ومن كان للرسول أتبع كان ذلك أدل على محبته لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا يقول المبتدعون لأهل السنة المتمسكين بها يقولون: إن هؤلاء لا يحبون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونقول: سبحان الله! أيهما أقرب إلى حب الرسول ﵊: من شرع في دينه ما ليس منه، أو من تمسك بهديه وسنته؟ الجواب لا شك أنه الثاني: أن من تمسك بهديه وسنته فهو أشد حباً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن ابتدع في شريعته ما لم يشرعه ﵊، بل إن البدعة الشرعية في دين الله مضمونها القدح برسول الله ﷺ ، كأن المبتدع يقول: إن رسول الله ﷺ جاهل بمشروعية هذه البدعة، أو: إن رسول الله ﷺ عالم بمشروعيتها لكن كتمها عن أمته. وكلا الأمرين قدحٌ واضح في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلو تأمل المبتدع ما تتضمنه بدعته من اللوازم الفاسدة لاستغفر الله منها، ولعاد إلى السنة فوراً بدون أي واعظ. وخلاصة القول في الجواب على هذا السؤال: أن النبي ﷺ لم يحتفل بذكرى ميلاده أبداً، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا الصحابة ولا التابعون، ولا تابعو التابعين، ولا أئمة المسلمين، وإنما حدث ذلك من بعض الولاة واستمر الناس عليه إلى يومنا هذا، ولكني واثقٌ بإذن الله أن هذه الصحوة المباركة التي في شباب الأمة الإسلامية سوف تقضي على هذه البدعة، وسوف تزول شيئاً فشيئاً كما تبين ذلك في بعض البلاد الإسلامية، ممن تذكروا حين ذكروا واتعظوا حين وعظوا ولم يعودوا إلى هذه البدعة. قد يقول المبتدع: أنا لم أحدث شيئاً: أنا أصلى على النبي ﷺ ، وأذكره بالخير، وأثني عليه، وأحيي ذكراه في القلوب. نقول: هذا حسن: الصلاة على النبي ﷺ محمودة، والثناء عليه بما هو يستحق محمود، وكذلك إحياء ذكراه محمود، ولكن الله ورسوله ﷺ شرع لأمته ما تحصل به الذكرى والمحبة على غير هذا الوجه: نحن نذكر الرسول ﵊ في كل عبادة، هذا هو الذي ينبغي لنا أن نفعله، أي: أن نذكر الرسول ﷺ في كل عبادة، وذلك لأن كل عبادة مبنية على أمرين: على الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ ، وحينما تشعر بأنك في عبادتك متبعٌ لرسول الله سيكون هذا ذكرى لرسول الله ﷺ . كذلك أيضاً نحن نذكر النبي ﵊ ونرفع شأنه وذكراه في أعلى الأمكنة في كل يومٍ وليلة خمس مرات، في الأذان، نقول في كل أذان: أشهد أن محمداً رسول الله، وهذا إحياءٌ لذكراه وإعلاءٌ لشأنه من على المنارات بالأصوات المرتفعة، ونقول أيضاً مرةً ثانية عند القيام للصلاة في الإقامة أشهد أن محمداً رسول الله، أي ذكرى أعظم من هذه الذكرى؟ كذلك إذا فرغنا من الوضوء نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كذلك في الصلاة في التشهد نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. في كل أحوالنا، في كل عباداتنا نحن نذكر الرسول ﵊؛ لأن العبادة إخلاصٌ واتباع، إخلاصٌ لرب العالمين واتباعٌ لرسول رب العالمين، فهي إحياء الذكرى، فلا حاجة أن نبتدع في شريعة الله ما ليس منها من أجل إحياء الذكرى. ثم إنه- كما قال بعض أهل العلم- إحياء ذكرى الرسول ﵊ في هذه الليلة يوجب أن ينسى ذكر الرسول في غير هذه الليلة، وأن يترقب هؤلاء مجيء هذه الليلة ليحيوا ذكرى رسول الله ﷺ فيها. لهذا نوجه إخواننا المسلمين من على هذا المنبر- ألا وهو: منبر نورٌ على الدرب من إذاعة المملكة العربية السعودية، نوجه جميع إخواننا المسلمين- إلى أن يتدبروا الأمر وينظروا فيه، ويحرصوا على اتباع الرسول ﷺ واتباع الخلفاء الراشدين حيث أمرنا باتباعهم، قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) وانتبه لهذا القيد "اتبعوهم بإحسان" والإحسان اتباع آثارهم حقيقةً فعلاً وتركاً، (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) . وقال النبي ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) . فليتدبر إخواننا المسلين في بقاع الأرض، ليتدبروا هذه المسألة، وليقولوا في أنفسهم: أنحن خيرٌ أم أصحاب رسول الله ﷺ ؟ ولو كان خيراً لسبقونا إليه. أنحن أشد حباً لرسول الله ﷺ من أصحابه؟ أنحن أشد حرصاً على الطاعات من أصحابه؟ كل هذا الجواب فيه لا وإذا كان الجواب فيه: لا، فليكن أيضاً الجواب في الاحتفال بذكرى مولده: لا، وليعلموا أنهم إذا تركوا ذلك لله وتحقيقاً لاتباع الرسول ﷺ فسيجعل الله في قلوبهم من الإيمان بالله ورسوله ومحبة الله ورسوله ما لم يكن فيها عند وجود هذه الاحتفالات التي يدَّعون أنها ذكرى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
٥٧٩-بعث بهذه الرسالة إبراهيم محمد عبد الله قدس بالسودان مدينة السوكي يقول: الاحتفال في ليلة الإسراء والمعراج، وهنا في السودان نحتفل أو يحتفلون في ليلة الإسراء والمعراج في كل عام. هل هذا الاحتفال له أصل من كتاب الله ومن سنة رسوله الطاهرة، أو في عهد خلفائه الراشدين، أو في زمن التابعين؟ أفيدوني وأنا في حيرة وشكراً لكم جزيلاً
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس لهذا الاحتفال أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا في عهد خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم، وإنما الأصل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يردُّ هذه البدعة؛ لأن الله ﵎ أنكر على الذين يتخذون من يشرعون لهم ديناً سوى دين الله وجعل ذلك من الشرك، كما قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) . ولأن رسول الله ﷺ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . والاحتفال بليلة المعراج ليس عليه أمر الله ولا رسوله ﷺ ، ولقول النبي ﷺ محذراً أمته، يقوله في كل خطبة جمعة على المنبر: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) . وكلمة: (كل بدعة) هذه جملة عامة ظاهرة العموم؛ لأنها مصدَّرة بـ (كل) التي هي من صيغ العموم، التي هي من أقوى الصيغ: (كل بدعة) ، ولم يستثن النبي ﷺ شيئاً من البدع، بل قال: (كل بدعة ضلالة) .والاحتفال بليلة المعراج من البدع التي لم تكن في عهد الرسول ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، وعلى هذا فالواجب على المسلمين أن يبتعدوا عنها، وأن يعتنوا باللب دون القشور، إذا كانوا حقيقة معظمين لرسول ﷺ فإن تعظيمه بالتزام شرعه وبالأدب معه، حيث لا يتقربون إلى الله ﵎ من طريق غير طريقه ﷺ ، فإن من كمال الأدب وكمال الاتباع لرسول الله ﷺ أن يلتزم المؤمن شريعته، وأن لا يتقرب إلى الله بشيء لم يثبت في شريعته ﷺ . وعلى هذا فنقول: إن الاحتفال بدعة يجب التحذير منها والابتعاد عنها، ثم إننا نقول أيضاً: إن ليلة المعراج لم يثبت من حيث التاريخ في أي ليلة هي، بل إن أقرب الأقوال في ذلك- على ما في هذا من النظر- أنها في ربيع الأول، وليست في رجب كما هو مشهور عند الناس اليوم، فإذاً لم تصح ليلة المعراج التي يزعمها الناس أنها ليلة المعراج وهي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، لم تصح تاريخياً كما أنها لم تصح شرعاً، والمؤمن ينبغي أن يبني أموره على الحقائق دون الأوهام.
فضيلة الشيخ: طيب ربما يقال: ما الذي ينبغي للمسلم أن يفعله إذا وافق هذه الليلة مثلاً في أول الربيع أو في رجب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينبغي أن يفعل شيئاً؛ لأن من هم أحرص منا على الخير وأشد منا تعظيماً لرسول الله ﷺ وهم الصحابة ﵃ ما كانوا يفعلون شيئاً عند مرورها، ولهذا لو كانت هذه الليلة مشهورة عندهم ومعلومة لكانت مما ينقل نقلاً متواتراً لا يمتري فيه أحد، ولكانت لا يحصل فيها هذا الخلاف التاريخي الذي اختلف فيه الناس واضطربوا فيه، ومن المعلوم أن المحققين قالوا: إنه لا أصل لهذه الليلة التي يزعم أنها ليلة المعراج وهي ليلة السابع والعشرين، ليس لها أصل شرعي ولا تاريخي.
فضيلة الشيخ: إذاً الاختلاف في وقتها دليل على عدم الاحتفاء بها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم.
***
стр. 482
المرسلة ل. م. ن. تقول في رسالتها: نحن كل سنة يقام عيد خاص يسمى عيد الأم، وهو في واحد وعشرين آذار يحتفل فيه جميع الناس، فهل هذا حرام أو حلال؟ وعلينا الاحتفال به أم لا وتقديم الهدايا؟ أفيدونا بذلك مشكورين
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على ذلك أن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة ما كانت معروفة في عهد السلف الصالح، وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضاً، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله . والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام، وهي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع، وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها، وباطلة في شريعة الله ؛ لقول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: مردود عليه غير مقبول عند الله، وفي لفظ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز العيد الذي ذكرته السائلة والذي سمته عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد كإظهار الفرح والسرور وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به، وأن يقتصر على ما حده الله ورسوله في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، فلا يزيد فيه ولا ينقص منه. والذي ينبغي للمسلم أيضاً أن لا يكون إمعة يتبع كل ناعق، بل ينبغي أن تكون شخصيته بمقتضى شريعة الله ، حتى يكون متبوعاً لا تابعاً، وحتى يكون أسوة لا متأسياً؛ لأن شريعة الله والحمد لله كاملة من جميع الوجوه، كما قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) . والأم أحق من أن يحتفل بها يوماً واحداً في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها وأن يعتنوا بها وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله في كل زمان وفي كل مكان.
***
стр. 483
بارك الله فيكم المستمع من جمهورية مصر العربية له هذا السؤال يقول: ما حكم تبادل الهدايا بين الأقارب والأصدقاء في مناسبات أعياد الميلاد وعيد الزواج ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الشطر الأول من السؤال فلا أدري هل يريد بذلك- في الأعياد- أعياد الميلاد النصرانية، أو أنه يريد بأعياد الميلاد أعياد الميلاد النبوية التي يفعلها من يفعلها في مناسبة مولد الرسول ﷺ ؟ فإن كان يريد الأول: فالتهادي في هذه الأعياد والاحتفال بها واعتقاد أنها أيام فرح وسرور مشاركة للمشركين في أعيادهم، وهو محرمٌ بالاتفاق، كما نقله ابن القيم وغيره، ولا يجوز بذل الهدايا لا للمسلمين ولا للنصارى في أعياد ميلادهم؛ لأن بذل ذلك رضاً بما هم عليه من الملة الشركية الكفرية، والإنسان فيها على خطرٍ عظيم. وأما إذا كان المراد بالأعياد أعياد الميلاد أعياد ميلاد الرسول ﵊ التي ابتدعها من ابتدعها: فالتهادي فيها حكمه حكم اتخاذها عيداً، واتخاذ أيام ميلاد الرسول ﵊ عيداً الصحيح من الأقوال أنه غير مشروع؛ لأنه لم يحدث في عهد الرسول ﵊، ولا عهد الخلفاء الراشدين، ولا عهد الصحابة بعدهم، ولا عهد التابعين ولا عهد تابعي التابعين، وأول ما حدث عام ثلاثمائةٍ وواحد وستين من الهجرة، فصار الناس فيه ثلاثة أقسام: قسمٌ مؤيد، وقسمٌ مفند، وقسمٌ مفصل. أما المؤيد فيقول: إن هذا من باب إظهار فرحنا برسول الله ﷺ وتعظيمنا له، حتى لا يقول النصارى: إن المسلمين لا يحتفلون بنبيهم ولا يهتمون به، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم"، فيكون استحسان ذلك من باب دفع اللوم عن الأمة الإسلامية. ومنهم من علل بأن هذا الاحتفال ليس إلا صلاةً على رسول الله ﷺ ، وثناءً عليه، وإحياءً لذكره، وهذا أمرٌ مطلوب على وجه العموم، وما كان مطلوباً على وجه العموم فلا مانع من أن نقوم به عند مناسبته. وأما المفندون له فقالوا: إنه ما من شك في أن محبتنا لرسول الله ﷺ واجبة، وأنه يجب علينا أن نقدم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وأنه يجب علينا أن نعظمه ما يستحق من التعظيم، ولكن المحبة تستلزم أن لا نتجاوز طريق المحبوب، والتعظيم يستلزم أن لا نتقدم بين يديه، وأن لا نسيء الأدب معه، بل نلتزم بما شرع لنا من الشرائع، ولا نحدث في دينه ما ليس منه. ولا ريب أن الاحتفاء أو الاحتفال بمولد الرسول ﵊ لا ريب أن فاعله إنما يقصد من ذلك التقرب إلى الله ، والتقرب إلى الله تعالى عبادة، والعبادة لا بد فيها من أن تثبت بدليلٍ شرعي؛ لأن الأصل في العبادات المنع إلا ما قام الدليل عليه، وادعاء أن هذا من باب إحياء ذكره وتعظيمه ودفع اللوم عن المسلمين منقوض ومدفوعٌ: بأن ذكر رسول الله ﷺ على قلب كل مؤمن في كل عبادةٍ يفعلها، فإن العبادة لا بد فيها من الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وحينئذٍ فإن كل عابدٍ يريد أن يحقق العبادة فسيكون ذكر رسول الله ﷺ على قلبه عند فعل كل عبادة، من أجل أنه يشعر بأنه متبعٌ لرسول الله ﷺ فيها. وأيضاً فإن ذكرى رسول الله ﷺ بما لم يشرعه ليست بحميدة، وفي ذكراه بما شرعه ما يغني عن ذلك وأكثر، فالمسلمون يعلنون في كل يومٍ خمس مرات ذكر اسم الرسول ﷺ على الأماكن العالية، وفي كل صلاة وعند كل صلاة، فلم يغب ذكر رسول الله ﷺ ولله الحمد عن المسلمين في كل وقت لا في الليل ولا في النهار، وهم في غنىً عن هذا الأمر الذي أحدث ولم يكن في عهده ﷺ . وأما المفصلون فقالوا: إن اقتصر الاحتفال بالمولد على مجرد قراءة سيرة النبي ﷺ وذكر شمائله وصفاته والصلاة عليه ﷺ فهذا لا بأس به؛ لأنه عبادةٌ شرع جنسها، ولا مانع من أن تخصص بوقتٍ مناسب. أما إذا كان في هذا الاحتفال ما يناقض ذلك من الغلو برسول الله ﷺ وإنشاد القصائد التي قد تخرج الإنسان من الملة بالشرك الأكبر، أو بالخرافات التي يقوم بها من يحتفلون بهذا المولد من الصفق والصراخ والزعيق، واعتقاد أن الرسول ﷺ حضر ثم يقومون له- زعموا- تبجيلاً وتعظيماً وما أشبه ذلك، فهذا حرام. ولكن على القول الراجح تفنيد هذا الاحتفال مطلقاً، سواءٌ اشتمل على ما فيه الغلو والخرافات أم لم يشتمل، وكفى بما شرعه النبي ﷺ ، كفى به غنية عما سواه. ونحن نقول: إذا دار الأمر بين أن يكون فعلك هذا قربة أو بدعة فالسلامة أسلم، وما دام الله لم يكلفك به ولم يأمرك به فاحمد الله على العافية، وجانب ما قد يكون ضرراً عليك، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.
***
стр. 484
السائل أبو معاذ من الرياض يقول: يحتفل الزوجان فيما بينهما بيوم زواجهما، ويجعلان لذلك اليوم خاصية عن الأيام الأخرى وذلك للذكرى، فيتبادلان الهدايا بينهما. فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن ذلك لا يجوز؛ لأنهم يتخذون هذا عيداً: كلما جاء ذلك اليوم اتخذوه عيداً يتبادلون فيه الهدايا والفرح وما أشبه ذلك، لكن لو فعلوا هذا عند الزواج ليلة الزفاف أو في أيام الزواج فلا بأس، أما أن يجعلوه كلما مر هذا اليوم من كل سنة فعلوا هذا الاحتفال فلا يجوز؛ لأن الأعياد الشرعية ثلاثة: عيد الفطر، وعيد النحر، وعيد الأسبوع.
***
стр. 485
هذه أختكم في الله م. م. أ. الدوحة قطر تقول: لقد اعتدنا في نصف شهر شعبان كل سنة توزيع بعض الأطعمة والمأكولات على الجيران تصدقاً، فهل هذا العمل بدعة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا العمل بدعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد النبي ﷺ وأصحابه، وكل ما يتقرب به العبد مما ليس على عهد النبي ﷺ وأصحابه فإنه يكون بدعة؛ لقول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور) . حتى لو فرض أن الإنسان قال: أنا لا أقصد بذلك التقرب إلى الله، ولكنها عادة اعتدناها. نقول: تخصيص العادة بيوم معين يتكرر كل سنة يجعل هذا اليوم بمنزلة العيد، ومن المعلوم أنه ليس هناك عيد في الشريعة الإسلامية إلا ما ثبت في الشريعة، كعيد الفطر، وعيد الأضحى، وكذلك يوم الجمعة هو عيد للأسبوع، وأما النصف من شعبان فلم يثبت في الشريعة الإسلامية أنه عيد، فإذا اتخذ عيداً توزع فيه الصدقات أو تهدى فيه الهدايا على الجيران كان هذا من اتخاذه عيداً.
***
стр. 486
هذه مستمعة أم عبيد من جمهورية مصر العربية محافظة الشرقية تقول: في بلدنا بعض العادات التي وجدناها في بعض المناسبات، يعني: في عيد الفطر يعملون الكعك والبسكويت، وأيضاً في السابع والعشرين من رجب يحضرون اللحوم والفاكهة والخبز، كذلك في النصف من شعبان، وفي مولد النبي ﷺ يحضرون الحلوى والعرائس وغيرها، في شم النسيم يحضرون البيض والبرتقال والبلح، وكذلك في عاشوراء يحضرون اللحم والخبز والخضروات وغيرها. ما حكم الشرع يا شيخ محمد في هذا العمل في نظركم ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أما ظهور الفرح والسرور في أيام العيد عيد الفطر أو عيد الأضحى فإنه لا بأس به إذا كانت بالحدود الشرعية، ومن ذلك أن يأتي الناس بالأكل والشرب وما أشبه هذا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ، يعني بذلك الثلاثة الأيام التي بعد عيد الأضحى. وكذلك في العيد أيضاً الناس يضحون ويأكلون من ضحاياهم ويتمتعون بنعم الله عليهم، وكذلك في عيد الفطر لا بأس بإظهار الفرح والسرور ما لم يتجاوز الحد الشرعي. أما إظهار الفرح في ليلة السابع والعشرين من رجب أو في ليلة النصف من شعبان أو في يوم عاشوراء فإنه لا أصل له، وينهى عنه ولا يحضر إذا دعي الإنسان إليه؛ لقول النبي ﷺ : (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) . فأما ليلة السابع والعشرين من رجب فإن الناس يدعون أنها ليلة المعراج التي عرج بالرسول ﷺ فيها إلى الله ، وهذا لم يثبت من الناحية التاريخية، وكل شيء لم يثبت فهو باطل، والمبني على الباطل باطل. ثم على تقدير ثبوت أن تلك الليلة ليلة السابع والعشرين فإنه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من شعائر الأعياد أو شيء من العبادات؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، فإذا كان لم يثبت عن من عرج به، ولم يثبت عن أصحابه الذين هم أولى الناس به وهم أشد الناس حرصاً على سنته واتباع شريعته، فكيف يجوز لنا أن نحدث ما لم يكن على عهد النبي ﷺ وأصحابه؟ وأما ليلة النصف من شعبان فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ في تعظيمها شيء ولا في إحيائها، وإنما أحياها بعض التابعين بالصلاة والذكر، لا بالأكل والفرح وشعائر الأعياد. وأما يوم عاشوراء فإن النبي ﷺ سئل عن صومه فقال: (يكفر السنة الماضية التي قبله) . وليس في هذا اليوم شيء من شعائر الأعياد، وكما أنه ليس فيه شيء من شعائر الأعياد فليس فيه شيء من شعائر الأحزان أيضاً، فإظهار الحزن وإظهار الفرح في هذا اليوم كلاهما خلاف السنة، ولم يرد عن النبي ﷺ إلا صومه، مع أنه ﵊ أمر أن نصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، حتى نخالف اليهود الذين كانوا يصومونه وحده.
***
стр. 487
المستمع من جمهورية اليمن الشمالية يقول: عندنا في اليمن مسجد بني ويسمى مسجد معاذ بن جبل المشهور بمسجد الجند، يأتي الناس لزيارته في الجمعة من شهر رجب من كل سنة رجالاً ونساء، هل هذا مسنون؟ وما نصيحتكم لهؤلاء ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا غير مسنون، أولاً: ً لأنه لم يثبت أن معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن اختط مسجداً له هناك، وإذا لم يثبت ذلك فإن دعوى أن هذا المسجد له دعوى بغير بينة وكل دعوى بغير بينة، فإنها غير مقبولة. ثانياً: لو ثبت أن معاذ بن جبل ﵁ اختط مسجداً هناك فإنه لا يشرع إتيانه وشد الرحل إليه، بل شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة منهي عنه قال النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة: مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) . ثالثاً: أن تخصيص هذا العمل بشهر رجب بدعة أيضاً؛ لأن شهر رجب لم يخص بشيء من العبادات، لا بصوم ولا بصلاة، وإنما حكمه حكم الأشهر الحرم الأخرى، والأشهر الحرم هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، هذه هي الأشهر الحرم التي قال الله عنها في كتابه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) . لم يثبت أن شهر رجب خص من بينها بشيء لا بصيام ولا بقيام، فإذا خص الإنسان هذا الشهر بشيء من العبادات من غير أن يثبت ذلك عن النبي ﷺ كان مبتدعاً؛ لقول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) . فنصيحتي لإخوتي هؤلاء الذين يقومون بهذا العمل بالحضور إلى المسجد الذي يزعم أنه مسجد معاذ في اليمن ألا يتعبوا أنفسهم، ويتلفوا أموالهم ويضيعوها في هذا الأمر الذي لا يزيدهم من الله إلا بعداً، ونصيحتي لهم أن يصرفوا هممهم إلى ما ثبتت مشروعيته في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وهذا كاف للمؤمن.
***
стр. 488
بارك الله فيكم المستمع من محافظة إبين اليمن يقول: هل يجوز لنا أن نقرأ القرآن عند المقابر ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القرآن تجوز قراءته في كل وقت وفي كل مكان؛ لأنه من ذكر الله، وقد قالت عائشة ﵂: (قد كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) . إلا أن أهل العلم استثنوا ما إذا كان الإنسان قاعداً على قضاء حاجته من بول أو غائط فإنه لا يقرأ القرآن؛ لأن هذه الحال غير مناسبة لقراءة القرآن. وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يقرأ القرآن وهو في المقبرة، وهو في السوق يمشي، وهو في المسجد، ويجوز للإنسان أن يقرأ القرآن وحوله امرأة حائض، بل قد (كان النبي ﷺ يتكئ في حجر أم المؤمنين عائشة ويقرأ القرآن وهي حائض) . لكن تقصد الخروج إلى المقابر والقراءة هناك هذا هو البدعة، فإن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا خصوصية لقراءة القرآن في المقبرة حتى يذهب الإنسان إلى المقبرة ليقرأ فيها، فقراءة القرآن في المقابر: إن كان الإنسان خرج إلى المقبرة من أجل أن يقرأ القرآن هناك فهو بدعة، وإن كان خرج إلى المقبرة للسلام على أهل القبور، أو في تشييع جنازة وهو يقرأ القرآن هناك فإنه لا بأس به.
***
стр. 489
تقول أم مصعب: هل يجوز التلفظ بالنية في صيام الفريضة أو صلاة التطوع ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التلفظ بالنية في جميع العبادات بدعة، فلا يقول الإنسان عند الوضوء: اللهم إني نويت أن أتوضأ، ولا عند الصلاة: نويت أن أصلى، ولا عند الصدقة: نويت أن أتصدق، ولا عند الصيام: نويت أن أصوم، ولا عند الحج: نويت أن أحج. فالتلفظ بالنية في جميع العبادات لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولماذا تتلفظ بالنية؟ أليس النية محلها القلب؟ أليس الله يقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ؟ بلى يقول هذا، فالله عالم بالنية، كيف تعلم ربك بأنك ناوٍ قد يقول: أقول هذا لإظهار الإخلاص لله، فنقول: الإخلاص محله القلب أيضاً، محله القلب، يكفي النية في القلب.
***
стр. 490
السؤال بارك الله فيكم يقول السائل محمد صلاح مقيم بالكويت: هل الدعاء بعد صلاة الفرض بدعة أم مكروه؟ أفيدونا بذلك
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء بعد صلاة الفريضة بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفعله، وكل من تعبد لله تعالى بشيء لم يفعله الرسول ﵊ ولا أمر به ولا ثبت أنه من شريعته فإنه يكون بدعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل محدثة بدعة) . وقد أرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى وقت الدعاء في الصلاة، فقال ﷺ : (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) . وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن مسعود حين علمه التشهد، قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ، يعني: قبل أن ينصرف من صلاته، وكما أن هذا- أعني: كون الدعاء في الصلاة قبل السلام- هو ما دلت عليه النصوص الشرعية فهو أيضاً مقتضى النظر الصحيح؛ لأن الإنسان ما دام في صلاته فإنه يناجي ربه وهو بين يديه، فكيف يؤخر الدعاء حتى يُسلِّم وينصرف ويقطع الصلة بينه وبين الله تعالى في صلاته؟ هذا خلاف النظر الصحيح، وعلى هذا فنقول: صلاة الفريضة يسن بعدها الذكر، والدعاء قبل السلام؛ لقول الله ﵎: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (النساء: من الآية١٠٣) . وأما الدعاء بعد النافلة فهو أيضاً خلاف السنة، فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يدعو بعد صلاة النافلة. ونقول: إذا أحببت الدعاء فادع الله تعالى قبل أن تسلم من الصلاة، لما ذكرنا في صلاة الفريضة. فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل: (لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة: اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك) وهذا دعاء؟ قلنا: هذا صحيح، هو دعاء وأوصى به النبي ﷺ معاذ بن جبل، ولكن ما هو دبر الصلاة؟ هل هو ما بعد السلام أو هو آخر الصلاة؟ يجيب على هذا السؤال مقتضى النصوص الشرعية، فالنبي ﷺ جعل ما بعد التشهد محلّاً للدعاء، وفي القرآن الكريم جعل الله تعالى ما بعد السلام ذكراً فقال: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (النساء: من الآية١٠٣) . وقال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) . وفي هذا البيان يتبين أن الدعاء الذي أمر به رسول ﷺ معاذ بن جبل إنما هو بعد التشهد وقبل السلام، بناء على دلالة القرآن والسنة التي ذكرت آنفاً. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك فقال: (إن دبر كل شيء منه كدبر الحيوان) . وعلى هذا فدبر الصلاة جزء منها ولكنه آخرها، فالدعاء بقول: اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك يكون قبل السلام لا بعده. فإن قال: قائل أليس قد ثبت عن النبي ﷺ أنه إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام وهذا دعاء؟ فالجواب: أن هذا دعاء خاص متعلق بالصلاة؛ لأن استغفار الإنسان بعد سلامه من الصلاة من أجل أنه قد لا يكون أتم صلاته، بل أخل فيها إما بحركة أو انصراف قلب أو ما أشبه ذلك، فكان هذا الدعاء بالمغفرة لاصقاً بالصلاة متمماً، وليس دعاء مطلقاً مجرداً.
***
стр. 491
بارك الله فيكم المستمع فلاح من العراق يقول في سؤاله هذا: في يوم الخميس وقبل صلاة العشاء يقوم المؤذن في المسجد بعمل المديح للرسول والدعاء، وغالباً ما يكون في هذا المديح من شعائر الصوفية كقولهم: يا حبيب الخلق ما لي سواك. ما التوجيه؟ جزاك الله خيراً ونفع بعلمكم
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل لا شك أنه بدعة منكرة يجب النهي عنها والبعد عنها، وذلك لأنها لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا سنة الخلفاء الراشدين، وما عدا ذلك فهو بدعة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ونحن نعلم ونشهد الله أننا لسنا أشد حرصاً من الصحابة على عبادة الله ، ولسنا أعلم بما يحبه الله من الصحابة ﵃، ولسنا أشد تعظيماً لله من الصحابة ﵃، وهذه أمور مسلمة لا يمتري فيها أحد، وإذا كانت هذه الأمور مسلمة ولم يحصل من الصحابة عمل سوى ما سنه رسول الله ﷺ علمنا بأن الخير في اتباعهم، كما قال الله : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) . فالواجب على جميع المسلمين أن يتحروا سنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين فيتبعوها، وأن يبتعدوا عن البدع التي لا تزيدهم من الله إلا بعداً، مع ما فيها من العناء والمشقة وإفساد القلوب. ثم إن في هذا القصيد الذي أشار إليه السائل ما هو شرك لله ، بل نسيان لله ، كما في قوله: يا حبيب الخلق ما لي سواك، فأين الله؟ إن هذا الرجل الذي يخاطب النبي ﵊ بأنه ليس له سواه يعني أنه نسي الله ، وأن الله تعالى في نظره لم يكن شيئاً، وأن النبي ﷺ هو الذي ينفع ويضر وهو الذي يُدعى ويُستغاث به، وهذا بلا شك من الشرك الأكبر المخرج عن الملة، فمن قاله معتقداً مدلوله فإنه لا تقبل منه صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج وعمله مردود عليه حتى يتوب إلى الله، ويجب على المسلمين أن يعرفوا الأمر على حقيقته، وأن رسول الله ﷺ عبدٌ رسولٌ، وأشرف أوصافه أن يكون عبداً رسولاً، وأنه لا حق له في شيء من خصائص الربوبية، بل قد قال الله آمراً إياه: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) . فأمره الله أن ينفي ذلك عن نفسه، وأن يبين أنه عبد مأمور مؤتمر: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) . وقال الله تعالى له: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً? قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً? إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) . فأمره الله أن يقول: إنه لا يملك لأحد ضرّاً ولارشداً، بل هو نفسه لا يملك أن يدافع عن نفسه: (قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً) . وأن يبين للناس أنه ليس إلا رسولاً يبلغ رسالة ربه: (إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) . والاستثناء هنا منقطع، فـ (إِلاَّ) فيه بمعنى لكن. وقال الله آمراً إياه أيضاً: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والحوادث الواقعة في عهد النبي ﷺ ، التي تدل على أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يعلم الغيب كثيرة أيضاً، فعلى المؤمن أن يتقي الله في نفسه وفي رسوله وحبيبه ﷺ وأن يعلم أن هذا الغلو الذي يغلو فيه برسول الله ﷺ من الأمور التي يكرهها الرسول ﷺ ولا يقرها، بل ينهى عنها ﵊، وإذا كان صادقاً في محبة الله ورسوله فليتبع الرسول ﷺ على ما جاء من شرعه دون تجاوز أو تقصير، يقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) . وإن الإنسان ليأسف إذا سمع ما يحدث في كثير من البلاد الإسلامية من الغلو برسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك ينبئ عن أحد أمرين لا مناص منهما: إما قصور في علم من عندهم من أهل العلم، وإما تقصير من أهل العلم في إبلاغ الحق لهؤلاء العوام الذين يقعون في الشرك الأكبر وربما لا يشعرون. فالواجب على أهل العلم الذين حملَّهم الله إياه وأخذ عليهم الميثاق أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وأن يدعوا الناس إلى الحق، وأن لا يداهنوا في دين الله، وأن لا يراعوا ضمائر الناس الجهال الذين لا يعلمون عن الحق شيئاً، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا مانع من أن يتبعوا الطريق التي يكون بها حصول المقصود ولو على الزمن الطويل، بل قد تتعين هذه إذا لم تكن وسيلة أقرب منها، وأما السكوت، وترك العامة على ما هم عليه بموافقتهم ومصاحبتهم في هذا الأمر فهو أمر يؤسف له. ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة حتى تعود- بل في الأصح: حتى تتقدم- إلى ما كان عليه السلف الصالح من تحقيق عبادة الله والإخلاص له، وتحقيق متابعة النبي ﷺ وترك البدع، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الصلاح.
***
стр. 492
بارك الله فيكم من اليمن السائل أحمد يقول: فضيلة الشيخ أرجو منكم أن توضحوا لنا هذه المسألة وهي كالتالي: عندنا في بلادنا في معظم المساجد بعد الأذان يدعون بالدعاء الوارد عن النبي ﷺ ، وبعد الانتهاء منه يقولون: الفاتحة على روح النبي ﷺ . هل هذا العمل صحيح أم بدعة؟ وجهونا للصواب وجزاكم الله خيراً
فأجاب رحمه الله تعالى: أما إذا كانوا يدعون الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد الأذان على رؤوس المنارات فهذا ليس بسنة إذا جهروا به، أما سرّاً فهو سنة، سواء كنت في المنارة أو في الأرض. وأما قولهم: اقرؤوا الفاتحة على روح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو بدعة منكرة، لا يقال بعد أذان الفجر ولا بعد الأذان الآخر ولا بعد الصلوات ولا في أي مكان. وقراءة الفاتحة على روح النبي ﷺ بدعة لوجهين: الوجه الأول: أنها سفه؛ لأن من قرأ الفاتحة على روحه أراد أن يثاب النبي ﷺ ثواب القراءة، ومعلوم أن قراءتنا للفاتحة يكتب لرسول الله ﷺ مثل ما نؤجر عليه، أي إنه يكتب له مثل أجورنا، وإذا كان يكتب له مثل أجورنا فلا حاجة أن نقول: إنها على روح النبي؛ لأنه قد حصل على الثواب، ويكون قولنا: على روحه أننا حرمنا أنفسنا من ثوابها فقط، هذا من وجه. الوجه الثاني: أن التصدق بالأعمال الصالحة الفاتحة وغيرها على النبي ﷺ لم يفعله الصحابة ﵃، الذين هم أشد حبّاً منا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أشد منا حبّاً لما فيه الخير له، وإذا كانوا لم يفعلوه فلنا فيهم أسوة. وعلى هذا فينهى أن يجعل الإنسان أي عمل صالح يعمله لروح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو يقول: اللهم اجعل ثوابه لنبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للوجهين الذين ذكرناهما. وإني أنصح هذا السائل بأن يتصل بإخوانه المؤذنين فيقول لهم: إن هذا أمر بدعة وسفه من القول.
***
стр. 493
بارك الله فيكم، المستمع عبد الله محمد من اليمن بعث برسالة يقول فيها: يوجد في قريتنا بعض العادات القديمة التي تحمل الكثير من البدع المدخلة في الشرك والعياذ بالله، مثل: عندما يذكر شخص ميتاً عزيزاً عليه يقوم على الفور بإيقاد النار ووضع البخور عند قبره وتعطيره وإضاءته بالسرج، وكذلك البعض يقوم بذبح الذبائح في القبور، وعندما يمرض مريض يحضر له تراب من قبور أحد الأولياء. وقد وجهت لهم البعض من النصائح وبينت لهم بأن هذا لا يجوز وبأن هذه أباطيل لا يقرها الدين، فلم يستجيبوا لنصحي. نرجو النصح يا فضيلة الشيخ والتوجيه جزاكم الله خيراً
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إن فتنة القبور فتنة عظيمة كانت من قديم الزمان، وهذه الأفعال التي ذكرها السائل عن قومه منها ما يصل إلى حد الشرك الأكبر المخرج من الملة، كالذبح لأصحاب القبور؛ لأن الذبح عبادة من أجل العبادات، قرنها الله تعالى بالصلاة في قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ لأن كل من صرف شيئاً من العبادة لغير الله فهو مشرك، ولا يخفى على أكثر المسلمين أن المشرك مخلد في النار حابط عمله، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) ، وأما التبرك بترابهم واعتقاد أن الدعاء- أي: دعاء الله عند قبورهم أفضل فهذا لا يصل إلى حد الشرك، إلا أن يصحبه عقيدة تؤدي إلى الشرك فهذا يكون شركاً، وكذلك إيقاد النار وصب الطيب على قبورهم، كل هذا من الأمور المنكرة التي يجب على كل مسلم أن يتجنبها. ثم يجب على هؤلاء أن يعلموا أن الميت هو الذي كان حياً يعرفونه، ويعرفون أنه مثلهم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، وهو في قبره لا يستطيع أن يدعو لأحد أيضاً، ولا أن يشفع لأحد؛ لقول النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) . ودعاؤه عمل، وبمقتضى هذا الحديث أنه انقطع بموته، ولا يمكن أن يشفع أيضاً؛ لأن الله يقول: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) . فتعلق الناس بأصحاب القبور لا شك أنه ضلال، وعلى المرء إذا أصابته المصائب أن يلجأ إلى الله ، قال الله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) . فلا يلجأ المسلم عند المصائب إلا إلى الله ، فنصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله ، وأن يتوبوا مما وقع منهم، وأن يحذروا إخوانهم من الوقوع فيه، وأن يلجؤوا إلى ربهم في جميع أحوالهم، فإن من يتوكل على الله فهو حسبه.
***
стр. 494
بارك الله فيكم هذا السائل أنور مصري يقول في هذا السؤال: يا فضيلة الشيخ ما حكم وضع المصحف في السيارة من أجل التبرك والحفظ من العين، وأيضاً خشية أن تصدم؟ فأرجو من فضيلة الشيخ إجابة في ذلك مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم وضع المصحف في السيارة دفعاً للعين أو توقياً للخطر بدعة، فإن الصحابة ﵃ لم يكونوا يحملون المصاحف على إبلهم دفعاً للخطر أو للعين، وإذا كان بدعة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (كل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار) .
***
стр. 495
بارك الله فيكم المستمع محمد أ. أيقول: فضيلة الشيخ ما حكم الهلال على المآذن، فقد سمعت بأن هذا أمر مبتدع ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال أود أن أقرأ سؤالاً وجه إلي وأجبت عنه، يقول السائل: إننا تساءلنا مع بعض العمال القادمين إلى بلادنا في موضوع الأهلة التي توضع على المآذن كيف وضعها في بلادكم؟ فأجابونا قائلين: إنها توضع في بلادنا على معابد النصارى وقباب الأمور المعظمة، أفتونا جزاكم الله خيراً والحالة هذه عن وضعها على مآذن مساجد المسلمين؟ فأجبته: أما وضع الهلال على القبور المعظمة فقد ذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الجزء الأول ٢٤٣من الدرر السنية ما نصه: (وعمار مشاهد القبور يخشون غير الله ويرجون غير الله، حتى إن طائفة من أرباب الكبائر الذين لا يتحاشون في ما يفعلونه من القبائح إذا رأى أحدهم قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة خشي من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون ولا يخشون الذي خلق السماوات والأرض وجعل أهلة السماء مواقيت للناس والحج. قلت وأما وضع الهلال على معابد النصارى فليس ببعيد، لكن قد قيل: إنهم يضعون على معابدهم الصلبان والله أعلم. ووضع الأهلة على المنائر كان حادثاً في أكثر أنحاء المملكة، وقد قيل: إن بعض المسلمين الذين قلدوا غيرهم في ما يضعونه على معابدهم وضعوا الهلال بإزاء وضع النصارى الصلىب على معابدهم، كما سموا دور الإسعاف بالهلال الأحمر بإزاء تسمية النصارى لها بالصلىب الأحمر، وعلى هذا فلا ينبغي وضع الأهلة على رؤوس المنارات من أجل هذه الشبهة، ومن أجل ما فيها من إضاعة المال والوقت. صدرت هذه الفتوى في الرابع من رمضان عام ثلاثة عشر وأربعمائة وألف) ، وأعتقد أنها كافية في جواب سؤال السائل.
***
следующие страницы →