Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
حَابَى الْأَجْنَبِيَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ عَيْنًا مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ عَنْ إيثَارِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَهُمْ أَغْرَاضٌ فِي الْعَيْنِ فَلَا يَمْلِكُ إيثَارَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِهَا، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مَمْنُوعٌ عَنْ إبْطَالِ الْمَالِيَّةِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ جَمِيعَ مَالِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَبِأَقَلَّ مِنْهُ إلَى ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحَابِيَ بِقَدْرِ الثُّلُثِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِهِ وَبَعْدَ مَوْتِ الْمَرِيضِ الْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِالْمَالِيَّةِ وَالْوَرَثَةُ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَخْلِصُوهَا بِالْقِيمَةِ
وَكَذَا لِبَعْضِهِمْ إذَا سَلَّمَ الْبَعْضَ، وَهَذَا الْحَقُّ لَهُمْ فِي التَّرِكَةِ كَحَقِّ الْمَوْلَى فِي مَالِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ الْمَدْيُونِ حَتَّى كَانَ لَهُ اسْتِخْلَاصُهُ بِالْقِيمَةِ وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَمْ يَتَعَلَّقْ إلَّا بِالْمَالِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ الِاسْتِخْلَاصُ بِالْقِيمَةِ أَصْلًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ بَاعَهُ مِنْ الْمَوْلَى جَازَ الْبَيْعُ فَاحِشًا كَانَ الْغَبْنُ أَوْ يَسِيرًا، وَلَكِنْ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُزِيلَ الْغَبْنَ وَبَيْنَ أَنْ يُنْقِضَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ فِي الْمُحَابَاةِ إبْطَالَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَالِيَّةِ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ حَيْثُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَلَا يُؤْمَرُ الْمُشْتَرِي بِإِزَالَتِهِ وَالْمَوْلَى يُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْغَبْنِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالْبَيْعِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَاعْتَبَرْنَاهُ تَبَرُّعًا فِي الْبَيْعِ مِنْ الْمَوْلَى لِلتُّهْمَةِ غَيْرَ تَبَرُّعٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ لِانْعِدَامِهَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْكَثِيرِ مِنْ الْمُحَابَاةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَهُمَا، وَمِنْ الْمَوْلَى يَجُوزُ وَيُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لَا تَجُوزُ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ عَلَى أَصْلِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَلَا إذْنَ فِي الْبَيْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ آذِنٌ فِيمَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ غَيْرَ أَنَّ إزَالَةَ الْمُحَابَاةِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ قِيلَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ رَدَّ هَذَا الْبَيْعِ لِلتُّهْمَةِ فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ بِخِلَافِ بَيْعِهِ لَهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ عِنْدَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا
وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِسَبِيلٍ مِنْ تَخْلِيصِ كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْبَيْعِ فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْلَى فَصَارَ تَصَرُّفُهُ مَعَ مَوْلَاهُ كَتَصَرُّفِ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ وَالْيَسِيرُ سَوَاءٌ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِمَا.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ بَاعَ سَيِّدُهُ مِنْهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ صَحَّ)؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَسْبِهِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَالْكَلَامُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ فَيَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْعَبْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ كَانَ لِمَوْلَاهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ بَاعَ أَوْ بِيعَ لَهُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَخَذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْعَبْدُ دَارًا وَالْمَوْلَى شَفِيعُهَا إنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَلَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ دَارًا وَالْمَوْلَى شَفِيعُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّارُ لِلْمَوْلَى وَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ.
وَلَوْ أَنَّ الْمَوْلَى بَاعَ دَارًا مِنْ الْعَبْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا يَكُونُ بَيْعًا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ إنْ كَانَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْمَوْلَى بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَبْطَلَ الزِّيَادَةَ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِمَا سَلَّمَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْبَيْعَ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَبَاعَ دَارًا مِنْ الْمَوْلَى إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ بِمِثْلِهَا جَازَ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَعِنْدَهُمَا الْمُحَابَاةُ لَا تَجُوزُ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ إلَى هُنَا لَفْظُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ: حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَخْلِصُوهَا بِالْقِيمَةِ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصِيَّةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْخُنْثَى أَنَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ التَّرِكَةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَرَاجِعْهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُزِيلَ الْغَبْنَ) أَيْ الْفَاحِشَ وَالْيَسِيرَ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ) فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ بَلَغَ الْمَوْلَى الثَّمَنُ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ عِنْدَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُخْتَلَفِ، وَهُوَ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي بَيْعِ الْمَرِيضِ عَيْنًا مِنْ وَارِثِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَصْلًا، وَعِنْدَهُمَا لَا تَجُوز الْمُحَابَاةُ وَالْجَامِعُ التُّهْمَةُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي حُكْمٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ هَهُنَا يَجُوزُ، وَفِي الْمَرِيضِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْإِيثَارِ بِالْعَيْنِ فِيهِ تُهْمَةٌ وَالتُّهْمَةُ هَهُنَا فِي النُّقْصَانِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِسَبِيلٍ مِنْ تَخْلِيصِ كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ بِالْقِيمَةِ بِدُونِ الْبَيْعِ فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى أَخَذَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ وَتَمَامُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَتْمِيمِ الْقِيمَةِ وَبَيْنَ نَقْضِ الْبَيْعِ فَمَتَى اسْتَهْلَكَهُ تَعَذَّرَ نَقْضُهُ فَلَزِمَهُ تَتْمِيمُ الْقِيمَةِ. اهـ غَايَةٌ.
قَالَ الْكَاكِيُّ ﵀: وَفِي الْكَافِي فِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَيُخَيَّرُ الْمَوْلَى إلَخْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِسَبِيلٍ مِنْ تَخْلِيصِ كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ بِالْقِيمَةِ بِدُونِ الْبَيْعِ فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْلَى وَصَارَ الْعَبْدُ فِي تَصَرُّفِهِ مَعَ مَوْلَاهُ كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمَا أَيْضًا كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعَ الْمَوْلَى كَالْمَرِيضِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي مَبْسُوطِ الْإِسْبِيجَابِيِّ، وَفِي النِّهَايَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيُخَيَّرُ الْمَوْلَى إلَخْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْأَصَحِّ. اهـ.
стр. 1507
مِلْكِهِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيِّ، وَعِنْدَهُمَا جَوَازُ الْبَيْعِ يَعْتَمِدُ الْفَائِدَةَ، وَقَدْ وُجِدَتْ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الثَّمَنِ وَالْعَبْدَ الْمَبِيعَ فَثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ فَأَفَادَ.
قَالَ ﵀: (وَيَبْطُلُ الثَّمَنُ لَوْ سُلِّمَ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ لَوْ سَلَّمَ الْمَوْلَى الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بَطَلَ الثَّمَنُ فَلَا يُطَالَب الْعَبْدُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِتَسْلِيمِهِ الْمَبِيعَ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ، وَلَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ فَخَرَجَ مَجَّانًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا حَيْثُ يَكُونُ الْمَوْلَى أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ فَمَلَكَهُ بِهِ عَبْدُهُ، وَعِنْدَهُمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِعَيْنِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ إذْ هُوَ لَيْسَ بِدَيْنٍ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَيْنُ مِلْكِهِ فِي يَدِ عَبْدِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
كَمَا لَوْ غَصَبَ الْعَبْدُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ أَوْ أَوْدَعَ مَالَهُ عِنْدَ عَبْدِهِ أَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ فَسَلَّمَ إلَيْهِ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ الْمَدْيُونِ دَيْنٌ عَلَى مَوْلَاهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ أَكْسَابِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ ضَمِنَ لِلْعَبْدِ هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِ الْعَبْدِ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْعَيْنِ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ الثَّمَنُ، وَلَمْ يُسَلَّمْ فَبَقِيَ حَقُّهُ فِي الْعَيْنِ عَلَى حَالِهِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِرْدَادِهِ مَا بَقِيَ الْعَيْنُ قَائِمًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَيْنُ الْمَمْلُوكَةُ لِلْمَوْلَى فِي يَدِ عَبْدِهِ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِلْكُ الْيَدِ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ فَقَدْ صَارَ دَيْنًا فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ عَلَى عَبْدِهِ.
قَالَ ﵀: (وَلَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ) أَيْ لِلْمَوْلَى حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَدِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الثَّمَنُ فَيَبْقَى مِلْكُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ وَلِهَذَا كَانَ أَخَصَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ وَلِأَنَّ لِلدَّيْنِ تَعَلُّقًا بِالْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهَا وَيَسْلَمُ بِسَلَامَتِهَا فَكَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالْعَيْنِ الْمُقَابِلِ لَهُ فَيَكُونُ لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِيهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ وَلِهَذَا يَسْتَوْجِبُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِمَا أَنَّهُ مُقَابَلٌ بِرَقَبَتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَ الْمَوْلَى الْمَبِيعَ أَوَّلًا حَيْثُ يَسْقُطُ دَيْنُهُ لِذَهَابِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ فَيَصِيرُ الثَّمَنُ دَيْنًا مُطْلَقًا فَيَسْقُطُ، وَلَوْ بَاعَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ الْعَبْدِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ أَوْ نَقْضِ الْبَيْعِ قَلِيلَةً كَانَتْ الْمُحَابَاةُ أَوْ كَثِيرَةً؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ كَمَا بَيَّنَّا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ الْمَوْلَى حَيْثُ يَجُوزُ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْمُحَابَاةِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَالْمَعْنَى قَدْ بَيَّنَّاهُ، وَقَوْلُهُ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا تَجُوزُ مُبَايَعَتُهُ مَعَ الْمَوْلَى لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
قَالَ ﵀: (وَصَحَّ إعْتَاقُهُ) أَيْ جَازَ إعْتَاقُ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ الْمُسْتَغْرَقَ بِالدَّيْنِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَكْسَابِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْرَاقِ بِالدَّيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. قَالَ ﵀ (وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِغُرَمَائِهِ) أَيْ الْمَوْلَى ضَمِنَ قِيمَةَ الْمُعْتَقِ لِغُرَمَائِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ بَيْعًا وَاسْتِيفَاءً مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَأَوْجَبْنَا الضَّمَانَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْغُرَمَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَأْذُونُ لَهُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ حَيْثُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِعْتَاقِهِمَا لِلْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِمَا اسْتِيفَاءً بِالْبَيْعِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مُتْلِفًا حَقَّهُمْ فَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ ضَمِنَ الدَّيْنَ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ فَيَضْمَنُهَا كَمَا إذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ حَيْثُ لَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ هُنَاكَ بَدَلُ الْآدَمِيِّ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، وَكَذَا هُنَا لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَا إذَا عَلِمَ الْمَوْلَى بِالدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْعَبْدِ الْجَانِي حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى جَمِيعُ الْأَرْشِ إنْ كَانَ إعْتَاقُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا عَلَى الْمَوْلَى، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: أَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى)، وَهَذَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ عِنْدَهُمَا. اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لِلْمَوْلَى) أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ وَفِي رِوَايَةٍ إلَخْ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَاعَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ الْعَبْدِ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَوْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ أَوْ بِنَقْضِ الْبَيْعِ كَمَا بَيَّنَّا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَيُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ إزَالَةِ الْمُحَابَاةِ إلَخْ فَصَاحِبُ الْكِتَابِ أَطْلَقَ لَفْظَ الْمُحَابَاةِ هُنَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا وَقَعَ عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ مِنْ الْأَصَحِّ كَمَا قَرَّرْنَا أَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَهُوَ رِوَايَةُ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هَذَا الْبَيْعُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَرِدُ التَّخْيِيرُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ التَّخْيِيرِ، وَفِي الْكَافِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ فَاسِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَصَحَّ إعْتَاقُهُ) قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الْمَوْلَى إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْمَدْيُونَ جَازَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ فِيهِ، وَالْغُرَمَاءُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْعَبْدَ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْمَوْلَى بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدَّيْنِ سَوَاءً كَانَ عَالِمًا بِالدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا. اهـ أَتْقَانِيٌّ ﵀. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا عَلَى الْمَوْلَى) أَيْ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلَتَهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِالدَّفْعِ فَبِالْعِتْقِ أَبْطَلَ حَقَّ الدَّفْعِ فَصَارَ مُخْتَارًا لِلدِّيَةِ إنْ كَانَ عَالِمًا فَأَمَّا فِي الدَّيْنِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ وَالْمَوْلَى أَبْطَلَ حَقَّ الْبَيْعِ وَلَوْ بِيعَ لَا يَكُونُ إلَّا قَدْرُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي فِي الظَّاهِرِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ فَلِذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ اخْتَارُوا اتِّبَاعَ الْمَوْلَى لَا يَكُونُ إبْرَاءً لِلْعَبْدِ، وَلَوْ اخْتَارُوا اتِّبَاعَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ فِي
стр. 1508
الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَيَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْإِعْتَاقِ عَالِمًا، وَلَا كَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ حَقِّهِمْ كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْجَانِي مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُخْتَارًا، وَهُنَا لَا يَجِبُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ ﵀: (وَطُولِبَ بِمَا بَقِيَ لِغُرَمَائِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ) أَيْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يُطَالِبُوهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ إنْ بَقِيَ مِنْ دِينِهِمْ شَيْءٌ، وَلَمْ تَفِ بِهِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَقِرٌّ فِي ذِمَّتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ وَالْمَوْلَى لَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَدْرُ مَا أَتْلَفَ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَيْهِ كَمَا كَانَ فَيُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا الْعَبْدَ بِالْكُلِّ وَيُبْرِئُوا الْمَوْلَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا اخْتَارُوا اتِّبَاعَ أَحَدِهِمَا لَا يَبْرَأُ الْآخَرُ كَالْكَفِيلِ مَعَ الْمَكْفُولِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الضَّمَانُ وَاجِبٌ لَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا بَرِئَ الْآخَرُ ضَرُورَةً، وَهُنَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَى حِدَةٍ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ فَلَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا مَوْلَاهُ الْقِيمَةَ، وَلَيْسَ هَذَا كَإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُعْسِرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ بِإِذْنِهِ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ بِإِذْنِ الْغَرِيمِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَغَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَ الْغُرَمَاءُ الْبَائِعَ قِيمَتَهُ)؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِبَيْعِهِ وَتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي. قَالَ ﵀: (وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ وَحَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ) أَيْ إذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ بَعْدَمَا ضَمَّنَهُ الْغُرَمَاءُ قِيمَتَهُ رَجَعَ الْمَوْلَى بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَكَانَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ زَالَ، وَهُوَ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ إذَا بَاعَ وَسَلَّمَ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَغْصُوبَ عَلَى الْمَالِكِ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهِ هَذَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَذَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ أَوْ الشَّرْطِ، وَإِنْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَلَا سَبِيلَ لِلْغُرَمَاءِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا لِلْمَوْلَى عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالتَّرَاضِي إقَالَةٌ، وَهِيَ بَيْعٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ دَيْنِهِمْ شَيْءٌ رَجَعُوا بِهِ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ.
قَالَ ﵀: (أَوْ مُشْتَرِيَهُ) أَيْ أَوْ ضَمَّنُوا مُشْتَرِيَهُ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْبَائِعِ فَتَقْدِيرُهُ، وَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَغَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَ الْغُرَمَاءُ الْبَائِعَ، وَهُوَ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ أَوْ ضَمَّنُوا مُشْتَرِي الْعَبْدِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، الْبَائِعُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَالْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ وَالتَّغْيِيبِ. قَالَ ﵀: (أَوْ أَجَازُوا الْبَيْعَ، وَأَخَذُوا الثَّمَنَ) أَيْ الْغُرَمَاءُ إنْ شَاءُوا أَجَازُوا الْبَيْعَ، وَأَخَذُوا ثَمَنَ الْعَبْدِ، وَلَا يُضَمِّنُوا أَحَدًا الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَالْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ كَالْإِذْنِ السَّابِقِ كَمَا إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ ثُمَّ أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ أَجَازَ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ نَفَاذُ الْكَفَالَةِ وَلُزُومُهَا عَلَى الْإِجَازَةِ بَلْ نَفَذَتْ عَلَى الْكَفِيلِ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجِبَةً لَهُ، وَلَا كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْغُرَمَاءَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إجَازَةِ الْبَيْعِ وَتَضْمِينِ أَيِّهِمَا شَاءُوا ثُمَّ إنْ ضَمَّنُوا الْمُشْتَرِيَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ مِنْهُ كَأَخْذِ الْعَيْنِ، وَإِنْ ضَمَّنُوا الْبَائِعَ سَلَّمَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي وَتَمَّ الْبَيْعُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَأَيُّهُمَا اخْتَارُوا تَضْمِينَهُ بَرِئَ الْآخَرُ حَتَّى لَا يَرْجِعُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ تُوِيَتْ الْقِيمَةُ عِنْدَ الَّذِي اخْتَارُوهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
ذَلِكَ إبْرَاءٌ لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ الْغَاصِبِ وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ إذَا اخْتَارَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا انْقَطَعَ حَقُّهُ مِنْ الْآخَرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هُنَاكَ وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فَإِذَا ضَمِنَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ مَلَكَهُ فَبَعْدَ التَّمْلِيكِ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، وَأَمَّا هَهُنَا الدَّيْنُ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمَوْلَى عَلَى سَبِيلِ الْكَفَالَةِ إذْ لَيْسَ فِي هَذَا التَّضْمِينِ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَوْلَى فَثَبَتَ أَنَّهُ كَالْكَفِيلِ، وَمَنْ طَالَبَ الْكَفِيلَ أَوْ الْمَكْفُولَ عَنْهُ لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إبْرَاءٌ عَنْ الْآخَرِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَلَوْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ اتِّبَاعَ الْعَبْدِ وَبَعْضُهُمْ اتِّبَاعَ السَّيِّدِ فَاَلَّذِي يَتْبَعُ الْعَبْدَ يَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي يَتْبَعُ الْمَوْلَى يَأْخُذُ مِنْهُ جَمِيعَ حَقِّهِ إذَا كَانَ حَقُّهُ مِثْلَ الْقِيمَةِ، وَمَا يَأْخُذُونَ مِنْ الْمَوْلَى يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الدَّيْنِ بِالشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِي الْقِيمَةِ فَصَارَ كَالْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ، وَمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ إلَّا إذَا كَانَ أَصْلُ الدَّيْنِ بِالشَّرِكَةِ هَذَا إذَا أَعْتَقَهُ، وَلَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ، وَلَكِنْ دَبَّرَهُ فَالْغُرَمَاءُ أَيْضًا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْمُدَبَّرَ بِدَيْنِهِمْ فَيَسْتَسْعَوْنَهُ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْمَوْلَى بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي اخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا إبْرَاءٌ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يَكُونُ كَسْبُهُ لِلْمَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ التَّضْمِينِ تَمْلِيكٌ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
وَفَرْقٌ آخَرُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْمُدَبَّرِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ، وَفِي الْعَتَاقِ لَا يَكُونُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا كَسْبُ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ غَرِيمًا دُونَ غَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا أُعْتِقَ صَارَ حُرًّا فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ غَرِيمًا دُونَ غَرِيمٍ. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْإِعْتَاقِ عَالِمًا) أَيْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ إلَّا قَدْرُ الْقِيمَةِ لَا غَيْرُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَصَارَ كَالْغَاصِبِ إذَا بَاعَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالُوا هَذَا كَالْغَاصِبِ إذَا بَاعَ وَضَمِنَ أَنَّهُ يَنْفُذُ الْبَيْعُ حَتَّى لَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ سُلِّمَ لَهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ سَلِيمًا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ ثَبَتَ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَاسْتِرْدَادِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا حُكْمُ الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ هَهُنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: هَذَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ) الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا غَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَجَازَ) أَيْ الْمَكْفُولُ عَنْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْغُرَمَاءَ مُخَيَّرُونَ إلَخْ)، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَتْنًا وَشَرْحًا. اهـ.
стр. 1509
بَيْنَ شَيْئَيْنِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْآخَرَ، وَلَوْ ظَهَرَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا اخْتَارُوا تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ إنْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى لَهُمْ بِالْقِيمَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَحَوَّلَ إلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ، وَإِنْ قَضَى بِالْقِيمَةِ بِقَوْلِ الْخَصْمِ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَدْ ادَّعَى الْغُرَمَاءُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهُمْ بِالْخِيَارِ فِيهِ إنْ شَاءُوا رَضَوْا بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوهَا، وَأَخَذُوا الْعَبْدَ فَبِيعَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ كَمَالُ حَقِّهِمْ بِزَعْمِهِمْ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَغْصُوبِ فِي ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ: الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَغْصُوبِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَظْهَرَ الْعَيْنُ، وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ هُنَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَدَّعِيَ الْغُرَمَاءُ أَكْثَرَ مِمَّا ضَمِنَ، وَأَنَّ كَمَالَ حَقِّهِمْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِثْلَ مَا ضَمِنَ أَوْ أَقَلَّ فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَارُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَارُ إذَا ظَهَرَ، وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ فَلَا يَكُونُ الْمَذْكُورُ هُنَا مُخَلَّصًا.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ، وَأَعْلَمَ بِالدَّيْنِ فَلِلْغُرَمَاءِ رَدُّ الْبَيْع)؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِهِ، وَهُوَ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ أَوْ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَائِدَةٌ فَالْأَوَّلُ تَامٌّ مُؤَخَّرٌ وَالثَّانِي نَاقِصٌ مُعَجَّلٌ وَبِالْبَيْعِ تَفُوتُ هَذِهِ الْخِيَرَةُ فَكَانَ لَهُمْ رَدُّهُ، وَفَائِدَةُ الْإِعْلَامِ بِالدَّيْنِ سُقُوطُ خِيَارِ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ بِعَيْبِ الدَّيْنِ حَتَّى يَلْزَمَ الْبَيْعُ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ هَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَكَانَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ وَالثَّمَنُ لَا يَفِي بِدَيْنِهِمْ فَأَمَّا إذَا كَانَ دَيْنُهُمْ مُؤَجَّلًا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُتَأَخِّرٌ بِخِلَافِ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مِلْكَ الْيَدِ فِيهِ فَلَا يَقْدِرُ الْمَوْلَى عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلَا يَدَ لِلْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَلَا فِي كَسْبِهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِمَالِيَّتِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ إلَى مَا بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِطَلَبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ لِأَجْلِهِمْ، وَإِذْنِهِمْ فِي الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يُنْقَضُ، وَكَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ يَفِي بِدَيْنِهِمْ وَدَفَعَهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِمْ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ قَالُوا تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ فَإِنْ وَصَلَ، وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَكُونُ لَهُمْ خِيَارُ الْفَسْخِ عِنْدَ وُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ ثَبَتَ لَهُمْ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَإِنْ وَفَّى الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُمْ خِيَارُ الْفَسْخِ إذَا لَمْ يَفِ الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ لِأَجْلِ الِاسْتِسْعَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ بِنَفْسِهِ قُبَيْلَهُ، وَلَا خِيَارَ لَهُمْ إنْ وَفَّى الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ، وَلَوْ قَالَ تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ لَا يَفِي بِدَيْنِهِمْ اسْتَقَامَ وَزَالَ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا لَمْ يَفِ بِدَيْنِهِمْ لَهُمْ نَقْضُ الْبَيْعِ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِذَا وَفَّى لَيْسَ لَهُمْ نَقْضُهُ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْجِيلِ الدَّيْنِ وَطَلَبِهِمْ الْبَيْعَ وَوَفَاءِ الثَّمَنِ بِالدَّيْنِ فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَجُوزَ بِإِجَازَةِ الْغُرَمَاءِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ وَلِلْغُرَمَاءِ حَقُّ إبْطَالِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَاسِدٌ بِدَلِيلِ مَا قَالَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ دَبَّرَهُ صَحَّ ذَلِكَ وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ غَابَ الْبَائِعُ فَالْمُشْتَرِي لَيْسَ بِخَصْمٍ لَهُمْ) أَيْ لَوْ بَاعَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمَدِينَ، وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ غَابَ الْبَائِعُ لَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي خَصْمًا لِلْغُرَمَاءِ إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الدَّيْنَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَكُونُ الْمُشْتَرِي خَصْمًا وَيُقْضَى لَهُمْ بِدَيْنِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اشْتَرَى دَارًا وَوَهَبَهَا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ثُمَّ غَابَ الْمُشْتَرِي الْوَاهِبُ ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَكُونُ خَصْمًا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ، وَعَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الشُّفْعَةِ هُوَ يَقُولُ أَنَّ ذَا الْيَدِ يَدَّعِي الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ فِي الْعَيْنِ فَيَكُونُ خَصْمًا لِكُلِّ مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا كَمَا لَوْ ادَّعَوْا مِلْكَ الْعَبْدِ؛ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ، وَلَهُمَا أَنَّ الدَّعْوَى تَتَضَمَّنُ فَسْخَ الْعَقْدِ، وَهُوَ قَائِمٌ بِالْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَيَكُونُ الْفَسْخُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، وَالْحَاضِرُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ خَصْمًا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يُجْعَلَ خَصْمًا فِي الِانْتِهَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: فَبِيعَ لَهُمْ) لَا يَتَعَيَّنُ الْبَيْعُ لَهُمْ بَلْ الْخِيَارُ لَهُمْ إنْ شَاءُوا بَاعُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَسْعَوْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ) لِمَا أَحَالَهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ كَانَ الشَّرْطُ فِيهَا شَرْطًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَارُ إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُمْ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا ضَمِنَ بَلْ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا أَخَذُوا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ مَا ضَمِنَ أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِيهِ فَائِدَةً، وَهُوَ حَقُّ اسْتِسْعَائِهِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ. اهـ. نَقَلْته مِنْ خَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ
стр. 1510
إذَا أَثْبَتُوا الدَّيْنَ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ بِدَيْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَهُوَ غَائِبٌ
وَفِي بَيْعِهِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَوْا الْمِلْكَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ يَظْهَرُ فِي الِانْتِهَاءِ أَنَّهُ كَانَ غَاصِبًا مِنْهُمْ وَالْغَاصِبُ يَكُونُ خَصْمًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَبِخِلَافِ دَعْوَى الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً إذْ الرَّهْنُ لَا يُبَاعُ، وَلَوْ صَدَّقَهُمْ الْمُشْتَرِي فِي الدَّيْنِ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَيُفْسَخُ بَيْعُهُ إذَا لَمْ يَفِ الثَّمَنُ بِدُيُونِهِمْ، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا وَالْمُشْتَرِي غَائِبًا فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَائِعِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَالْيَدَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُمَا، وَهُوَ غَائِبٌ فَمَا لَمْ يَبْطُلْ مِلْكُهُ لَا تَكُونُ الرَّقَبَةُ مَحَلًّا لِحَقِّهِمْ لَكِنْ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْبَائِعَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُفَوِّتًا حَقَّهُمْ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ فَإِذَا ضَمَّنُوهُ الْقِيمَةَ جَازَ الْبَيْعُ فِيهِ، وَكَانَ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ اخْتَارُوا إجَازَةَ الْبَيْعِ أَخَذُوا الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ السَّابِقِ ثُمَّ الْمَوْلَى بِبَيْعِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ الْمَدْيُونِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالدَّيْنِ لَمْ يُجْعَلْ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْقِيمَةِ وَبِبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ جُعِلَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُنَا عَلَى الْعَبْدِ بِحَيْثُ لَا يَبْرَأُ بِالْعِتْقِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ، وَلَوْ اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ صَرِيحًا بِأَنْ قَالَ أَنَا أَقْضِي دَيْنَهُ كَانَ عِدَةً مِنْهُ تَبَرُّعًا فَلَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهَا عَلَى الْمَوْلَى خَاصَّةً دُونَ الْعَبْدِ فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ بِتَصَرُّفِهِ تَعَيَّنَ الْأَرْشُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ.
قَالَ ﵀: (وَمَنْ قَدِمَ مِصْرًا، وَقَالَ أَنَا عَبْدُ زَيْدٍ فَاشْتَرَى وَبَاعَ لَزِمَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ التِّجَارَةِ، وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحْضُرَ سَيِّدُهُ) أَيْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْإِذْنِ فِي حَقِّ كَسْبِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ كَسْبِهِ. وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْبِرَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَذِنَ لَهُ فَيُصَدَّقُ اسْتِحْسَانًا عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ إلَّا بِحُجَّةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»، وَكَذَا الْقِيَاسُ أَنْ تُشْتَرَطَ الْعَدَالَةُ فِي الْمُخْبِرِ؛ لِأَنَّ جَانِبَ الصِّدْقِ بِهَا يَتَرَجَّحُ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ النَّاسَ يُعَامِلُوهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ يُخَصُّ بِهِ الْأَثَرُ وَيُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً وَبَلْوَى فَإِنَّ الْإِذْنَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عِنْدَ كُلِّ عَقْدٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَمَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُهُ اتَّسَعَ حُكْمُهُ، وَمَا عَمَّتْ بَلِيَّتُهُ سَقَطَتْ قَضِيَّتُهُ، وَكَذَا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ دَعْوَى الْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْبِضَاعَةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا وَالثَّانِي أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَلَا يُخْبِرُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمَلٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ وَدِينَهُ يَمْنَعَانِهِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِوُجُوبِ حَمْلِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاحِ مَا أَمْكَنَ فَالْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْعِبَادِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِخْبَارُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بَلْ يُكْتَفَى بِظَاهِرِ حَالِهِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِظَاهِرِ حَالِهِ صَحَّتْ تَصَرُّفَاتُهُ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَلَزِمَتْهُ الدُّيُونُ فَيُسْتَوْفَى مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الْكَسْبُ بِالدَّيْنِ لَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي الرَّقَبَةِ ثَابِتٌ فَلَا يَصْدُقُ إقْرَارُهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَاعَ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ لَا يُبَاعَانِ بِالدَّيْنِ بِخِلَافِ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُهُ مَا دَامَ مَشْغُولًا بِحَاجَةِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَخْلُفُهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحْضُرَ سَيِّدُهُ) سَاقِطٌ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ) أَيْ الْعَبْدُ وَلَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَا يَحِلَّ لِلْبَائِعِ الْمُبَايَعَةُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ إقْرَارِهِ يَلْزَمُ مَوْلَاهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُصَدَّقُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ أَلَا تَرَى أَنَّ وَاحِدًا إذَا قَالَ أَنَا وَكِيلُ فُلَانٍ أَوْ مُضَارِبُ فُلَانٍ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ، وَلَا يُكَذَّبُ فَكَذَا هُنَا؛ لِأَنَّ فِي التِّجَارَةِ مَنْفَعَةً لِمَوْلَاهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَجْرُ؛ وَلِأَنَّ لِلنَّاسِ حَاجَةً إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْآحَادِ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَبْعَثُ عَبْدَهُ إلَى الْآفَاقِ لِيَتَّجِرَ أَوْ يَبْعَثَ مُضَارِبَهُ أَوْ وَكِيلَهُ فَلَوْ قُلْنَا: إنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُقْبَلُ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْعَبْدُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَوْلَاهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافَ النَّهَارِ أَوْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْإِذْنِ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ، وَمَا ضَاقَ أَمْرُهُ اتَّسَعَ حُكْمُهُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمَلٌ) أَيْ فَلَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ بِالشَّكِّ. اهـ. وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَحْجُورٌ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَزِمَتْهُ الدُّيُونُ إلَخْ) ثُمَّ إذَا لَحِقَهُ دَيْنٌ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُبَاعَ مَا فِي يَدِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مَوْلَاهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُبَاعُ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ فَيَكُونُ فِي بَيْعِهِ قَضَاءٌ عَلَى مَوْلَاهُ، وَهُوَ غَائِبٌ فَلَا يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا لَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ تِجَارَتِهِ، وَالْعَبْدُ فِي تِجَارَتِهِ كَالْحُرِّ فَإِذَا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي التِّجَارَةِ قُبِلَ فِيمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهَا، وَلَيْسَ الْكَسْبُ كَالرَّقَبَةِ لَيْسَتْ مِنْ تِجَارَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالُ الْمَوْلَى فِي يَدِ الْمَوْلَى، كَذَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ: وَلَوْ أَنَّ الْغُرَمَاءَ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَبْدَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَالْعَبْدُ يَجْحَدُ وَالْمَوْلَى غَائِبٌ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُمْ حَتَّى لَا تُبَاعُ وَرَقَبَةُ الْعَبْدِ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى غَائِبٍ، وَلَيْسَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي حَقِّ رَقَبَتِهِ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَوْلَى لِمَنْ يَدَّعِي حَقًّا فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِالدَّيْنِ فَبَاعَ الْقَاضِي أَكْسَابَهُ، وَقَضَى دَيْنَ الْغُرَمَاءِ ثُمَّ جَاءَ الْمَوْلَى، وَأَنْكَرَ الْإِذْنَ كَلَّفَ الْقَاضِي الْغُرَمَاءَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِذْنِ فَإِنْ أَقَامُوهَا، وَإِلَّا رَدُّوا عَلَى الْمَوْلَى جَمِيعَ مَا قَبَضُوا مِنْ ثَمَنِ أَكْسَابِ الْعَبْدِ فَلَا تُنْقَضُ الْبُيُوعُ الَّتِي جَرَتْ مِنْ الْقَاضِي فِي كَسْبِهِ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ بَيْعِ مَالِ الْغَائِبِ، وَتُؤَخَّرُ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ إلَى أَنْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَثْبُتْ لَمَّا أَنْكَرَ الْمَوْلَى فَكَانَ مَحْجُورًا وَالْمَحْجُورُ لَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْأَقْوَالِ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ بَعْدَ الْعِتْقِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
стр. 1511
فِي الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ. قَالَ ﵀: (فَإِنْ حَضَرُوا أَقَرَّ بِإِذْنِهِ بِيعَ، وَإِلَّا فَلَا) أَيْ لَوْ حَضَرَ الْمَوْلَى فَأَقَرَّ بِالْإِذْنِ بِيعَ بِالدَّيْنِ لِظُهُورِ الدَّيْنِ فِي حَقِّهِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ قَالَ هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِتَمَسُّكِهِ بِالظَّاهِرِ فَلَا يُبَاعُ إلَّا إذَا أَثْبَتَ الْغُرَمَاءُ الْإِذْنَ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ فَحِينَئِذٍ يُبَاعُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ عِيَانًا إذْ هِيَ مُبَيِّنَةٌ كَاسْمِهَا.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ أَذِنَ لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاء وَلِيُّهُ فَهُوَ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ) يَعْنِي فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِنَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ دُونَ نَوْعٍ وَيَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ الْوَلِيِّ حِينَ مَا يَرَاهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْعَبْدِ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ يَعْقِلُ الْبَيْعَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمِلْكِ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ لَهُ، وَأَنْ يَقْصِدَ بِهِ الرِّبْحَ وَيَعْرِفَ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ مِنْ الْفَاحِشِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي أَنَّ عِبَارَتَهُ صَالِحَةٌ لِلْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَنَا فِيمَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ أَوْ النَّفْعِ الْمَحْضِ، وَعِنْدَهُ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلْعُقُودِ حَتَّى لَوْ تَوَكَّلَ بِالتَّصَرُّفِ جَازَ، وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] شَرَطَ الْبُلُوغَ وَالرُّشْدَ لِلدَّفْعِ إلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَنَهَى عَنْ الدَّفْعِ إلَى السُّفَهَاءِ فِي الْأُولَى، وَهُمَا سَفِيهَانِ، وَلَيْسَا بِبَالِغَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُمَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِمَا لِأَجْلِ أَنْفُسِهِمَا شَرْعًا، وَعِلَّةُ الْحَجْرِ قَائِمَةٌ بِهِمَا فَلَا تَزُولُ بِالْإِذْنِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَوْلَى، وَقَدْ زَالَ بِالْإِذْنِ؛ وَلِأَنَّهُمَا مُوَلًّى عَلَيْهِمَا فِي هَذَا التَّصَرُّفِ حَتَّى يَمْلِكَهُ الْوَلِيُّ وَيَمْلِكُ حَجْرَهُمَا فَلَا يَصْلُحَانِ أَنْ يَكُونَا وَلِيَّيْنِ لِلتَّنَافِي؛ لِأَنَّ كَوْنَهُمَا مُولَيًا عَلَيْهِمَا سَبَبُهُ الْعَجْزُ، وَكَوْنُهُمَا وَلِيَّيْنِ سَبَبُهُ الْقُدْرَةُ، وَالْعَجْزُ وَالْقُدْرَةُ لَا يَجْتَمِعَانِ فَصَارَ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَاخْتِيَارُ الصَّبِيِّ أَحَدَ أَبَوَيْهِ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَتَوَلَّى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَلَا يَكُونُ مُولَيًا عَلَيْهِ فِيهَا فَلَا تَنَافِي فَتَصِحُّ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِعَدَمِ إمْكَانِ تَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ فَقُلْنَا بِصِحَّتِهَا مِنْهُ كَيْ لَا تَفُوتَهُ هَذِهِ الْمَصَالِحُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] أُمِرْنَا بِالِابْتِلَاءِ، وَهُوَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ هَلْ هُوَ رَشِيدٌ أَمْ لَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الصَّغِيرَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَأَنَّ تَصَرُّفَهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ حَقِيقَةً اسْمٌ لِلصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ لِقَوْلِهِ ﵊ لَا يُتْمَ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وَهَذَا أَمْرٌ بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ فَلَوْلَا أَنَّ تَصَرُّفَهُ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لَمَا أَمَرَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِمْ تَمْكِينٌ لَهُمْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْمَشْرُوعَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِنَفَاذِهِ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَلَا خَفَاءَ فِي شَرْعِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَالْمَحَلِّيَّةِ.
وَكَذَا فِي الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلتَّصَرُّفِ بِالتَّكَلُّمِ عَنْ تَمْيِيزٍ وَبَيَانٍ لَا عَنْ تَلْقِينٍ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِهِ فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ هِدَايَتِهِ إلَى التَّصَرُّفِ لَا لِذَاتِهِ وَبِإِذْنِ الْوَلِيِّ يُسْتَدَلُّ عَلَى ثُبُوتِ هِدَايَتِهِ إلَى التَّصَرُّفِ إذْ لَا يَأْذَنُ لَهُ ظَاهِرًا إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ هِدَايَتِهِ وَبَقَاءُ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ لِأَجْلِ النَّظَرِ لَهُ لِتَتَّسِعَ لَهُ طُرُقُ التَّحْصِيلِ فَيَحْصُلُ بِطَرِيقَيْنِ بِمُبَاشَرَتِهِ، وَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ وَيُمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ حَجْرِهِ لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِ حَالِهِ، وَمَتَى جَعَلْنَاهُ وَلِيًّا بِاعْتِبَارِ الْأَهْلِيَّةِ لَمْ نَجْعَلْهُ مُولَيًا عَلَيْهِ، وَمَتَى جَعَلْنَاهُ مُولَيًا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ قُصُورِ الْوِلَايَةِ لَمْ تَجْعَلْهُ وَلِيًّا فِيهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَصَالِحَ وَيَبْعُدُ مِنْ الْمَضَارِّ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ، وَمَصُونٌ عَنْ الضَّرَرِ، وَفِي اعْتِبَارِ كَلَامِهِ ذَلِكَ، وَفِي عَدَمِ اعْتِبَارِهِ إهْدَارُ آدَمِيَّتِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِالْبَهَائِمِ، وَهُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ فَلَمْ يُؤَهَّلْ لَهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَالنَّافِعُ الْمَحْضُ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ يُؤَهَّلُ لَهُ قَبْلَ الْإِذْنِ وَيَمْلِكُهُ وَالْمُتَرَدِّدُ بَيْنَهُمَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا يُؤَهَّلُ لَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ وَيَمْلِكُهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ قَبْلَهُ لِلِاحْتِمَالِ مَعَ أَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ لِمَا ذَكَرْنَا حَتَّى لَوْ بَاشَرَهُ قَبْلَ الْإِذْنِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ حَتَّى إذَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً أَجَازَهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْبَالِغَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَاقِلٌ مُمَيِّزٌ وَيُشْبِهُ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الْخِطَابُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَإِنْ أَذِنَ لِلصَّبِيِّ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ إذْنِ الْعَبْدِ شَرَعَ مِنْ بَيَانِ إذْنِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ وَالْمَعْتُوهِ، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ؛ وَلِأَنَّ إذْنَ الْعَبْدِ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ إذْنِ الصَّبِيِّ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخِلَافِ فَقَدَّمَ الْمُجْمَعَ لِكَوْنِهِ أَصْلًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: دُونَ نَوْعٍ) فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ الْوَلِيِّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ هَذَا فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ لَا فِي الْقَاضِي أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّ الْقَاضِي إذَا رَأَى الصَّغِيرَ أَوْ الْمَعْتُوهَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ وَنَقَلَهُ عَنْ مَأْذُونِ خُوَاهَرْ زَادَهْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ مِنْ الْفَاحِشِ)، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَ الْعِبَارَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ صَبِيٍّ لُقِّنَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ إلَّا وَيَتَلَقَّنُهُمَا كَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذْنُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ بَاطِلٌ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذْنُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ وَكِتَابَتُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُقَرِّبُ الْمَصَالِحَ وَيَبْعُدُ) وَاَلَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَصَالِحَ وَيَبْعُدُ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَقَبُولِ الْهِبَةِ) أَيْ وَالْإِسْلَامِ. اهـ.
стр. 1512
وَفِي عَقْلِهِ قُصُورٌ وَلِلْغَيْرِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فَأَلْحَقْنَاهُ بِالْبَالِغِ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ وَبِالْمَجْنُونِ فِي الضَّارِّ، وَفِي الْمُتَرَدِّدِ بِالْمَجْنُونِ قَبْلَ الْإِذْنِ وَبِالْبَالِغِ بَعْدَهُ، وَلَا يُقَالُ قَدْ يَقَعُ الْبَيْعُ أَيْضًا نَفْعًا مَحْضًا بِأَنْ بَاعَ شَيْئًا بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ بِغَيْرِ إجَازَةِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَصْلِ وَضْعِهِ دُونَ مَا يَعْرِضُ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ.
وَالْبَيْعُ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ مُتَرَدِّدٌ بِخِلَافِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَقَبُولُهَا نَفْعٌ مَحْضٌ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْوَلِيِّ فِيهِمَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْ الدَّفْعِ فِي الْآيَةِ أَمْوَالُنَا، وَكَلَامُنَا وَقَعَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَعِنْدَ إينَاسِ الرُّشْدِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي الدَّفْعَ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي الْحُكْمَ عَمَّا عَدَاهُ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ سَفِيهٌ بَلْ هُوَ رَشِيدٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَنْ عُلِمَ رُشْدُهُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ وَلِيٌّ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، وَهُوَ أَبُوهُ ثُمَّ وَصِيُّ الْأَبِ ثُمَّ جَدُّهُ أَبُو أَبِيهِ ثُمَّ وَصِيُّ جَدِّهِ ثُمَّ الْوَالِي ثُمَّ الْقَاضِي أَوْ وَصِيُّ الْقَاضِي.
وَأَمَّا مَا عَدَا الْأُصُولَ مِنْ الْعَصَبَةِ كَالْعَمِّ وَالْأَخِ أَوْ غَيْرِهِمْ كَالْأُمِّ وَوَصِيِّهَا وَصَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَلَا يَصِحُّ إذْنُهُمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي مَالِهِ تِجَارَةً فَكَذَا لَا يَمْلِكُونَ الْإِذْنَ لَهُ فِيهَا وَالْأَوَّلُونَ يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ فَكَذَا يَمْلِكُونَ الْإِذْنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَكَذَا لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ تِجَارَةٌ مَعْنًى، وَلَيْسَ لِابْنِ الْمَعْتُوهِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَبِيهِ الْمَعْتُوهِ، وَلَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْأَبُ مَجْنُونًا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْقَرِيبِ لَا تَثْبُتُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُتَصَرِّفُ كَامِلَ الرَّأْيِ وَافِرَ الشَّفَقَةِ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ وُفُورُ الشَّفَقَةِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَإِنَّهُمَا وَافِرَا الشَّفَقَةِ كَامِلَا الرَّأْيِ فَيَمْلِكَانِهِ وَوَصِيُّهُمَا قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِمَا فَيَمْلِكُ الْإِذْنَ لِلصَّغِيرِ وَالْمَعْتُوهِ الَّذِي بَلَغَ مَعْتُوهًا وَلِعَبْدِهِمَا كَمَا يَمْلِكَانِهِ، وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ عَتِهَ كَانَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ ﵀ يَقُولُ لَا يَصِحُّ الْإِذْنُ لَهُ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَيَصِحُّ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀
وَلَيْسَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ الْمَأْذُونِ لَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَا، وَلَا يُزَوِّجَا مَمَالِيكَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا الْوَلِيُّ بِالتَّزَوُّجِ أَوْ بِتَزْوِيجِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَمْلِكُ ذَلِكَ فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إلَيْهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ فَلَا يَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ عَبْدِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ فَيَمْلِكُ الْعَبْدَ أَيْضًا إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ صَرِيحًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْإِذْنِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ الْمَأْذُونَ لَهُمَا كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِمَا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ، وَلَا يَقْبَلُ إقْرَارَهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ بِخِلَافِ الْمَوْلَى وَالْفَرْقُ أَنَّ إقْرَارَ الْوَلِيِّ عَلَيْهِمَا شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ وَدَيْنُهُمَا غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِمَالِهِمَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ فَكَانَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ الدَّيْنِ كَمَا كَانَ لَهُ قَبْلَهُ فَإِنْ قِيلَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الْوَلِيُّ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِمَا فَكَيْفَ يَمْلِكَانِهِ وَوِلَايَتُهُمَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْهُ قُلْنَا لَمَّا انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا صَارَ كَمَا إذَا انْفَكَّ بِالْبُلُوغِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِخِلَافِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ لَا يَصِحُّ إلَخْ)، وَإِذْنُ أَمِيرِ الشُّرْطَةِ وَلَمْ يُوَلَّ الْقَضَاءَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُقِيمَ لِأَمْرٍ خَاصٍّ فَلَا يَلِي التَّصَرُّفَاتِ عَلَى النَّاسِ وَالشُّرْطَةُ خِيَارُ الْجُنْدِ، وَالْجَمْعُ شُرَطٌ وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ يُرَادُ بِهِ أَمِيرُ الْبَلْدَةِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا الشُّرَطَ؛ لِأَنَّهُمْ أَشْرَطُوا أَيْ أَعْلَمُوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَةً يُعْرَفُونَ بِهَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ مَعَ حَذْفٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ) فِي الْهِدَايَةِ، وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ عَبْدِهِ وَلَا كِتَابَتَهُ قَالَ السَّيِّدُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْهَا مَعَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكَانِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمَا مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ فَيَتَحَقَّقُ فِي الْكِتَابَةِ النَّظَرُ، وَأَمَّا تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ بَعْدَ الْإِذْنِ مُقَيَّدٌ بِالتِّجَارَةِ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ. اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ، وَلَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ قَالَ السَّيِّدُ فِيهِ إجْمَاعٌ، وَفِي تَزْوِيجِ أَمَتِهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْأَتْقَانِيِّ إنَّمَا قُيِّدَ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ مِنْ عَبْدِ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ مِنْ عَبْدِ نَفْسِهِ وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ. اهـ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ أَذِنَ الْمَعْتُوهُ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي التِّجَارَةِ لِابْنِهِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ فَلَا يَلِي غَيْرَهُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَمَوْتُ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ حَجْرٌ عَلَى الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَتِهِمَا وَرَأْيِهِمَا، وَقَدْ زَالَتْ وِلَايَتُهُمَا وَرَأْيُهُمَا بِمَوْتِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي أَذِنَ لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ عُزِلَ الْقَاضِي لَا يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةِ نَفْسِهِ بَلْ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةِ الْخَلِيفَةِ أَوْ وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَائِمٌ أَلَا تَرَى أَنَّ إذْنَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ مِنْهُ وَسَائِرُ أَحْكَامِهِ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَعَزْلُهُ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَقَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ إذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ جَدٌّ أَبُو الْأَبِ فَرَأَى الْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّبِيِّ أَوْ لِلْمَعْتُوهِ فِي التِّجَارَةِ فَأَذِنَ لَهُ، وَأَبَى أَبُوهُ فَإِذْنُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْقَاضِي عَلَى الصَّغِيرِ مُؤَخَّرَةً عَنْ وِلَايَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ حَقُّ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَهْتَدِي بِذَلِكَ إلَى التِّجَارَاتِ فَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْأَبِ، وَأَبَى صَارَ الْأَبُ عَاضِلًا لَهُ فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْقَاضِي كَالْوَلِيِّ فِي بَابِ النِّكَاحِ إذَا عَضَلَ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ بِسَبَبِ الْعَضَلِ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْإِنْكَاحَ مِنْ الْكُفْءِ حَقُّ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْوَلِيِّ فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ الْإِيفَاءِ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْقَاضِي فَكَذَا هَذَا فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَحَجْرُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ فَسْخُ الْإِذْنِ، وَالْإِذْنُ صَحَّ مِنْ الْقَاضِي فَلَا يَبْطُلُ بِحَجْرِ غَيْرِ الْقَاضِي، وَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَاضِي بَعْدَمَا عُزِلَ لَا يَعْمَلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ الْحَجْرُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ الْحَجْرِ، وَإِنْ حَجَرَ الْقَاضِي الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ عَمِلَ حَجْرُهُ؛ لِأَنَّ
стр. 1513
فَلَا يُقْبَلُ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ وَلِأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُمَا يَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ مُعَامَلَتِهِمَا فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالْإِذْنِ فَأَلْجَأَتْ الضَّرُورَةُ إلَى قَبُولِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهَا حَتَّى لَوْ أَقَرَّا بِعَيْنٍ مَوْرُوثَةٍ فِي مِلْكِهِمَا لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُمَا فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُقْبَلُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ انْفِكَاكَ حَجْرِهِ بِالْإِذْنِ كَانْفِكَاكِهِ بِالْبُلُوغِ فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ فَيَصِيرُ الْوَاحِدُ مُطَالِبًا، وَمُطَالَبًا مُسَلِّمًا وَمُتَسَلِّمًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَكَذَا الْأَبُ وَالْجَدُّ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَيَجُوزُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ قَامَ مَقَامَ شَخْصَيْنِ، وَعِبَارَتُهُ مَقَامَ عِبَارَتَيْنِ وَرَأْيُهُ مَقَامَ رَأْيَيْنِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، وَهُوَ بَالِغٌ ثُمَّ تُحْمَلُ الْحُقُوقُ بِحَقِّ الْأُبُوَّةِ لَا بِحُكْمِ الْعَقْدِ نِيَابَةً عَنْهُ حَتَّى إذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ كَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَفِيمَا إذَا بَاعَ مَالَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَبَلَغَ الصَّغِيرُ كَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَى الْأَبِ فَإِذَا كَانَتْ الْعُهْدَةُ بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ لَا بِحُكْمِ الْعَقْدِ لَا يُؤَدِّي إلَى الِاسْتِحَالَةِ، وَلَوْ اشْتَرَى مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ بَاعَ مَالَهُ مِنْهُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ صَحَّ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ بِعْته مِنْهُ أَوْ اشْتَرَيْته لَهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ قَامَ مَقَامَ كَلَامَيْنِ؛ وَلِأَنَّ نَفْسَ الْقَبُولِ لَا يُعْتَبَرُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الرِّضَا وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَقَدْ وُجِدَتْ دَلَالَةُ الرِّضَا.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ يَشْتَرِيَ عَبْدَهُ لَهُ فَفَعَلَ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ كَمَالِ هَذِهِ الشَّفَقَةِ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْأَبِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ إلَّا إذَا كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا، وَقَبِلَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَتَكُونُ الْعُهْدَةُ مِنْ جَانِبِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ، وَمِنْ جَانِبِ الْأَبِ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْأَبِ لِنَفْسِهِ مُبَاحٌ وَلِلصَّغِيرِ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّظَرِ فَيُجْعَلُ الْأَبُ مُتَصَرِّفًا لِلصَّغِيرِ تَحْقِيقًا لِلنَّظَرِ، وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ مَالِ وَلَدِهِ فَبَاعَ مِنْ مُوَكِّلِهِ أَوْ بَاعَ الْأَبُ مَالَ أَحَدِ وَلَدَيْهِ بِمَالِ الْآخَرِ أَوْ أَذِنَ لَهُمَا فِيهِ أَوْ لِعَبْدَيْهِمَا أَوْ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلًا أَوْ وَصِيًّا صَحَّ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُمَا أَوْ لِعَبْدَيْهِمَا أَوْ وَصِيَّيْهِمَا فَتَبَايَعَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَفَادَا وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ فَكَذَا الصِّبْيَانُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِنَفْسِهِ صَحَّ فَكَذَا إذَا فَعَلَ بِإِذْنِهِ وَصَحَّ بَيْعُ الْوَصِيِّ مَالَهُ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ شِرَاؤُهُ مِنْهُ بِشَرْطِ نَفْعٍ ظَاهِرٍ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ، وَقِيلَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا بِثَمَانِمِائَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ لِمَا مَرَّ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ، وَلَهُ أَنَّ الْوَصِيَّ مُخْتَارُ الْأَبِ، وَلَكِنَّهُ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ فَعِنْدَ حَقِيقَةِ النَّظَرِ يُلْحَقُ بِالْأَبِ وَيُرْوَى رُجُوعُ أَبِي يُوسُفَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كِتَابُ الْغَصْبِ) الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ مَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَالٍ حَتَّى يُطْلَقَ عَلَى أَخْذِ الْحُرِّ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُتَقَوَّمُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ اسْمُ الْغَصْبِ، وَقَدْ زِيدَ عَلَيْهِ أَوْصَافٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ قَالَ ﵀
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الثَّانِيَ نَائِبٌ عَنْ الْإِمَامِ الْأَكْبَرِ فَكَمَا يَصِحُّ الْحَجْرُ مِنْ الْإِمَامِ الْأَكْبَرِ يَصِحُّ مِنْ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْقَبُولِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَكَذَا إذَا أَقَرَّ يَعْنِي الصَّبِيَّ بِشَيْءٍ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ لِإِنْسَانٍ صَحَّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إقْرَارَهُ إنَّمَا يَصِحُّ بِشَيْءٍ مِنْ تِجَارَتِهِ، أَمَّا بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنْ تِجَارَتِهِ لَا يَصِحُّ. اهـ.
وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي: وَإِقْرَارُ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ بِالدَّيْنِ وَالْغَصْبِ وَاسْتِهْلَاكِ الْمَالِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مَتَى مَلَكَ التِّجَارَةَ مَلَكَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهَا، وَمِلْكُ الْإِقْرَارِ بِالدُّيُونِ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقِرَّ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْلِكْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الْمُبَايَعَةِ مَعَهُ خَوْفًا مِنْ ذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ مَعَهُ فَيُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ تِجَارَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ ضَرُورَةَ مَالِكِيَّتِهِ التِّجَارَةَ، وَهَذَا فِي دُيُونِ التِّجَارَةِ أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى دُيُونِ التِّجَارَةِ فَإِذَا أَقَرَّ بِغَصْبٍ أَوْ اسْتِهْلَاكِ مَالٍ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى دَيْنِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ يَلْزَمُهُ بِعِوَضٍ يُسَلَّمُ لَهُ اهـ.
[فَصْلٌ غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَذِنَ) أَيْ الْوَكِيلُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ. اهـ
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
(كِتَابُ الْغَصْبِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ عِنْدِي أَنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ بِالْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، وَالْغَاصِبَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لَا بِإِذْنٍ شَرْعِيٍّ فَكَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةُ الْمُقَابَلَةِ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ كِتَابَ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَالْغَصْبُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ إقْرَارَ الْمَأْذُونِ يَصِحُّ بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِهْلَاكِ كَمَا يَصِحُّ بِمَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ فَجَرَّ الْكَلَامَ إلَى ذِكْرِ الْغَصْبِ عَقِيبَ الْإِذْنِ فَذِكْرُهُ يُبَيِّنُ فِيهِ أَحْكَامَهُ. اهـ. وَالْغَصْبُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَأْثَمُ، وَهُوَ مَا وَقَعَ عَلَى الْعِلْمِ وَالثَّانِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَأْثَمُ، وَهُوَ مَا وَقَعَ عَلَى الْجَهْلِ كَمَنْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُ وَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الضَّمَانِ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ فِيهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَأْثَمُ، وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَأْثَمُ، وَأَمَّا الْمَأْثَمُ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا مَعَ الْقَصْدِ لِقَوْلِهِ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» مَعْنَاهُ رُفِعَ مَأْثَمُ الْخَطَأِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. قَوْلُهُ: فَذِكْرُهُ يُبَيِّنُ فِيهِ أَحْكَامَهُ أَوْ مَا دَامَ الْغَصْبُ قَائِمًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا يَمْلِكُهُ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِرَقَبَةِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْكَسْبِ. اهـ مِعْرَاجٌ
стр. 1514
(هُوَ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ) فِي مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ قَابِلٍ لِلنَّقْلِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ حَتَّى لَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ إذَا هَلَكَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ لِعَدَمِ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ، وَلَا مَا صَارَ مَعَ الْمَغْصُوبِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ كَمَا إذَا غَصَبَ دَابَّةً فَتَبِعَتْهَا أُخْرَى أَوْ وَلَدُهَا لَا يَضْمَنُ التَّابِعَ لِعَدَمِ الصُّنْعِ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَوَاشِيهِ حَتَّى ضَاعَتْ لَا يَضْمَنُ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِعَدَمِ إثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ، وَكَذَا لَا يَضْمَنُ غَيْرَ الْمُتَقَوِّمِ كَالْخَمْرِ أَوْ غَيْرَ الْمُحْتَرَمِ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْعَقَارِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ الْغَصْبُ هُوَ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ لَا غَيْرُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ لَا غَيْرُ حَتَّى يَضْمَنَ الْعَقَارَ بِالْغَصْبِ عِنْدَهُمَا لِوُجُودِ تَفْوِيتِ الْيَدِ فِيهِ وَإِثْبَاتُهَا، وَلَا يَضْمَنُ زَوَائِدَ الْغَصْبِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِعَدَمِ تَفْوِيتِ يَدِ الْمَالِكِ فِيهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَضْمَنُهَا لِوُجُودِ إثْبَاتِ الْيَدِ فِيهَا وَسَنُبَيِّنُهُ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ﵀: (فَالِاسْتِخْدَامُ وَالْحَمْلُ عَلَى الدَّابَّةِ غَصْبٌ لَا الْجُلُوسُ عَلَى الْبِسَاطِ)؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِخْدَامِ عَبْدِ الْغَيْرِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَى دَابَّةِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ أَثْبَتَ فِيهِ الْيَدَ الْمُتَصَرِّفَةَ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ يَدِهِ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهُ فَتَحَقَّقَ الْغَصْبُ فَيَضْمَنُ بِخِلَافِ الْجُلُوسِ عَلَى بِسَاطِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ وَلِهَذَا لَا يُرَجَّحُ بِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَلَمْ يَصِرْ فِي يَدِهِ، وَالْبَسْطُ فِعْلُ الْمَالِكِ فَتَبْقَى يَدُ الْمَالِكِ فِيهِ مَا بَقِيَ أَثَرُ فِعْلِهِ لِعَدَمِ مَا يُزِيلُهَا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، ثُمَّ حُكْمُ الْغَصْبِ الْمَأْثَمُ إنْ تَعَمَّدَهُ وَالْمَغْرَمُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ مَالًا مُتَقَوِّمًا.
قَالَ ﵀: (وَيَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، وَإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِ»؛ وَلِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْيَدَ، وَهِيَ مَقْصُودَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ بِهَا يَتَوَصَّلُ إلَى تَحْصِيلِ ثَمَرَاتِ الْمِلْكِ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَالتَّصَرُّفِ وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْكِتَابَةُ وَالْإِذْنُ مَعَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ سِوَى الْيَدِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَسْخُ فِعْلِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَيَعُودُ إلَى مَا كَانَ، وَأَتَمُّ وُجُوهِهِ رَدُّ عَيْنِهِ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَلِهَذَا تَتَفَاوَتُ الْقِيمَةُ بِهِ وَرَدُّ الْعَيْنِ هُوَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّهُ أَعْدَلُ، وَأَكْمَلُ فِي رَدِّ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى وَرَدُّ الْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ مُخَلِّصٌ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَلِهَذَا يُطَالَبُ بِرَدِّ الْعَيْنِ قَبْلَ الْهَلَاكِ، وَلَوْ أَتَى بِالْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِكَوْنِهِ قَاصِرًا، وَكَذَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ بِرَدِّ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمَالِكِ بِأَنْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ بِجِهَةٍ أُخْرَى كَمَا إذَا، وَهَبَهُ لَهُ أَوْ أَطْعَمَهُ إيَّاهُ فَأَكَلَهُ وَالْمَالِكُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مَلَكَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ تَسْلِيمٍ بِإِيدَاعٍ أَوْ شِرَاءٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لَمَا بَرِئَ إلَّا إذَا عَلِمَ، وَقَبَضَهُ عَنْهُ كَمَا فِي قَبْضِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ، وَقِيلَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ وَرَدُّ الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الضَّمَانِ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ يَصِحُّ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالْهَلَاكِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ، وَكَذَا الْكَفَالَةُ بِالْمَغْصُوبِ تَصِحُّ مَعَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِالْعَيْنِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْغَاصِبِ نِصَابٌ يُنْتَقَصُ بِهِ كَمَا يُنْتَقَصُ بِالدَّيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ، وَكَوْنُهُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ كَالظُّهْرِ مَعَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ الظُّهْرَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْجُمُعَةَ خَلَفٌ عَنْهُ، وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ لَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَتِهَا.
وَإِنَّمَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمَالِكِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ لِتَعَيُّنِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْعَيْنِ فَصَارَ كَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبْرَأُ بِرَدِّهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ فِي الْمَقْبُوضِ بَلْ حَقُّهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ مِنْ أَيِّ عَيْنٍ كَانَ، وَذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي مَعْرِفَةِ الْأَمْثَالِ وَالْقِيَمِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعَيْنُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا فَبِأَيِّ طَرِيقٍ وَصَلَ إلَيْهِ نَابَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَلَغَا مَا عَيَّنَهُ مِنْ الْجِهَةِ كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ مُتَعَيِّنًا لَهُ صَارَ عَنْهُ، وَلَغَا مَا عَيَّنَهُ مِنْ الْجِهَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ حَيْثُ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالتَّعْيِينِ لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ بِأَكْلِ الْمَالِكِ الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَدٍّ بَلْ هُوَ خَدْعَةٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْغَبُ فِي أَكْلِ مَالِ غَيْرِهِ مَا لَا يَرْغَبُ فِي أَكْلِ مَالِ نَفْسِهِ، وَلَوْ عَلِمَ لِمَا أَكَلَ فَلَمْ يَكُنْ رَادًّا بِتَقْدِيمِهِ لَهُ لِلْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ قُلْنَا هَذِهِ الْعَادَةُ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا فَلَا تُعْتَبَرُ، وَلَا تَمْنَعُ وُقُوعَهُ عَنْ الْوَاجِبِ.
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ هُوَ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ يَكْفِي فِيهِ إثْبَاتُ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ، وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ الْمَسَائِلُ غَيْرَ أَنَّ إزَالَةَ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ. اهـ كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ) لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ إثْبَاتُ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ مَسْأَلَةً تُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ غَصَبَ عُجُولًا فَاسْتَهْلَكَهُ حَتَّى يَبِسَ لَبَنُ أُمِّهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْعُجُولِ وَنُقْصَانَ الْأُمِّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فِي الْأُمِّ شَيْئًا. اهـ. كَذَا بِخَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ. قَوْلُهُ: وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ إلَخْ أَخَذَهُ مِنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ وَلَدُهَا) قَالَ الْكَاكِيُّ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ حِمَارًا وَسَاقَهُ فَانْسَاقَ جَحْشُهُ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ لَا يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ إنْ لَمْ يَسُقْ الْجَحْشَ مَعَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَالِ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ لَا يُسَمَّى غَصْبًا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ إثْبَاتِ الْيَدِ فِيهَا)، وَلَوْ جَاءَ الْمَالِكُ وَطَلَبَ الزَّوَائِدَ فَمَنَعَهَا عَنْ التَّسْلِيمِ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لَا الْجُلُوسُ عَلَى الْبِسَاطِ) قَالَ الْكَاكِيُّ، وَلَوْ جَلَسَ عَلَى بِسَاطِ غَيْرِهِ أَوْ فِرَاشِهِ أَوْ رَكِبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يُزِلْهُ مِنْ مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمَغْرَمُ) أَيْ سَوَاءٌ تَعَمَّدَهُ أَوْ لَا. اهـ. (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهَا) أَيْ هَذِهِ الْعُقُودُ. اهـ. (قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالْهَلَاكِ) أَيْ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْغَاصِبِ نِصَابٌ يُنْتَقَصُ بِهِ) أَيْ بِضَمَانِ الْمَغْصُوبِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ. اهـ. .
стр. 1515
قَالَ ﵀: (أَوْ مِثْلُهُ إنْ هَلَكَ، وَهُوَ مِثْلِيٌّ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْمَغْصُوبِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَهَلَكَ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ ثَابِتٌ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُمَا بِإِيجَابِ الْمِثْلِ فَكَانَ أَعْدَلَ، وَأَتَمَّ فِي جَبْرِ الْفَائِتِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْقِيمَةِ وَاسْمُهُ يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ إيجَابُهُ أَعْدَلَ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الظَّاهِرِيَّةِ إنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِيمَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، وَهِيَ الْقِيمَةُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَعْدَلُ وَتَسْمِيَتُهُ فِي الْآيَةِ اعْتِدَاءً مَجَازٌ لِلْمُقَابَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَالْجَزَاءُ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا مَجَازًا كَذَا هُنَا الثَّانِي لَيْسَ بِاعْتِدَاءٍ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ انْصَرَمَ الْمِثْلِيُّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ) أَيْ إنْ انْقَطَعَ الْمِثْلِيُّ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهُ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ هُوَ الْوَاجِبُ بِغَصْبِ ذَاتِ الْمِثْلِ فَلَا يُنْتَقَلُ إلَى الْقِيمَةِ إلَّا بِالْعَجْزِ عَنْهُ وَالْعَجْزُ عَنْهُ يَحْصُلُ بِالِانْقِطَاعِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَئِذٍ.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَعْدَلُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَلَا يُصَارُ إلَى الْقِيمَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِقُصُورِهَا فَلَا تَجِبُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا خَلَفٌ عَنْهُ، وَلَا يَبْقَى وُجُوبُ الْمِثْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْمِثْلِيَّ لَمَّا انْقَطَعَ الْتَحَقَ بِذَوَاتِ الْقِيَمِ، وَفِيهَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ فَكَذَا فِيمَا الْتَحَقَ بِهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ خَلَفٌ عَنْ الْمِثْلِ حَتَّى لَا يُصَارَ إلَيْهَا إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَالْخَلَفُ يَجِبُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَصْلُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا بِالْغَصْبِ كَالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ، وَكَالْقِيمَةِ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمِثْلَ هُوَ الْوَاجِبُ بِالْغَصْبِ، وَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ وَلِهَذَا لَوْ صَبَرَ إلَى أَنْ يَعُودَ الْمِثْلُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَى الْمِثْلِ بِوُجُودِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ الِانْتِقَالِ وَحَدُّ الِانْقِطَاعِ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي الْبُيُوتِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ.
قَالَ ﵀: (وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) أَيْ مَا لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَهُوَ الْكَامِلُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ الْمِثْلِ مَعْنًى، وَهُوَ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهُ وَيَحْصُلُ بِهَا مِثْلُهُ وَاسْمُهَا يُنْبِئُ عَنْهُ، وَقَالَ مَالِكٌ يُضْمَنُ مِثْلُهُ صُورَةً لِمَا تَلَوْنَا وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ «أَنَسًا ﵁ قَالَ كُنْت فِي حُجْرَةِ عَائِشَةُ ﵂ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ ﵊ فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ الْقَصْعَةَ بِيَدِهَا فَانْكَسَرَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ جَاءَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِقَصْعَةٍ مِثْلِ تِلْكَ الْقَصْعَةِ فَرَدَّتْهَا وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ يَفُكُّ الْغُلَامَ بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةَ بِالْجَارِيَةِ، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يُعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ضَمِنَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ حَيْثُ أَوْجَبَهَا عَلَى الْمُعْتِقِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَعَلَى الْعَبْدِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا.
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْمُرُوءَةِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لَا عَلَى طَرِيقِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ إذْ كَانَتْ الْقَصْعَتَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ يَفُكُّ الْغُلَامَ بِالْغُلَامِ أَيْ بِقِيمَةِ الْغُلَامِ حَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ أَيْ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ، وَعَنْ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِالْقِيمَةِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْآيَةُ لَا تُنَافِي مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا الْمِثْلُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكَانَتْ الْآيَةُ شَاهِدَةً لَنَا، وَهَذَا الْمِثْلُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ لَا الْمِثْلُ صُورَةً بِلَا مَعْنًى؛ وَلِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ ﵁ مَنْ كَسَرَ عَصًا فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَمَا قَالَ ذَلِكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ الْآيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِيِّ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ مِثْلُهُ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ حَتَّى يُضْمَنَ مِثْلُهُ عَدَدًا خِلَافًا لِزُفَرَ هُوَ يَقُولُ إنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْمَعْدُودِ لَمْ تَثْبُتْ بِالنَّصِّ بِالِاجْتِهَادِ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَلَا يُقْطَعُ بِكَوْنِ الْمَضْمُونِ مِثْلًا لِلْمُتْلَفِ فَيُصَارُ إلَى قِيمَتِهِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ مِثْلِهِ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمَكِيلِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَهُوَ مِثْلِيٌّ) مِثْلُ الْمَكِيلِ وَالْمُوزِنِ وَالْمَعْدُودِ الَّذِي لَا يَتَفَاوَتُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: إنَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَنْقُولٍ كَالْحَانُوتِ وَالدَّارِ وَالْأَرْضِ وَالْكَرْمِ وَغَيْرِهَا أَوْ يَكُونُ مَنْقُولًا وَالْمَنْقُولُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا كَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ الَّذِي لَيْسَ فِي تَبْعِيضِهِ مَضَرَّةٌ (قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَنَحْنُ نَأْخُذُ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ إلَخْ) وَالْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ مَا لَا تَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يُضْمَنَ مِثْلُهُ عَدَدًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ أَمَّا الْمَعْدُودَاتُ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ فَعَلَى مُسْتَهْلِكِهَا مِثْلُهَا عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ قِيمَتُهَا وَهَذَا فَرْعٌ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِيهَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ. اهـ.
стр. 1516
وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهِ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ».
وَكَذَا قَالَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَهُمَا مَوْزُونَانِ وَالْحِنْطَةُ مَكِيلٌ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِمَا لِلْعِلْمِ بِهَا قَطْعًا وَالْجَوْدَةُ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعَدَدِيُّ قُلْنَا إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَالِيَّةِ، وَمَالِيَّةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُتَسَاوِيَةٌ فَإِنَّ الْفَلْسَ يُمَاثِلُ الْفَلْسَ فِي الْمَالِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَالْبَيْضُ وَلِهَذَا لَا تَتَفَاوَتُ قِيمَةُ آحَادِهِ عُرْفًا فَكَانَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ أَتَمَّ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَوَجَبَ جَبْرُ الْفَائِتِ بِجِنْسِهِ لِكَوْنِهِ مِثْلًا لَهُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: الْمُمَاثَلَةُ تَثْبُتُ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ أَيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْجِنْسِ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الصِّفَةِ كَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ أَنَّ الْقِيمَةَ أَيْضًا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ فَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْكُلِّ، وَالْمُرَادُ بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمِثْلِيِّ الْمَخْلُوطِ بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَالْحِنْطَةِ الْمَخْلُوطَةِ بِالشَّعِيرِ وَالْخَلِّ الْمَخْلُوطِ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْمَوْزُونُ الَّذِي فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ كَالْأَوَانِي الْمَصُوغَةِ نَحْوِ الْقُمْقُمِ وَالطَّسْتِ.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ ادَّعَى هَلَاكَهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَأَظْهَرَهُ ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِ بِبَدَلِهِ)؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ ثَابِتٌ فِي الْعَيْنِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يَقُولُ كَمَا إذَا ادَّعَى الْمَدِينُ الْإِفْلَاسَ، وَلَيْسَ لِحَبْسِهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي كَحَبْسِ الْغَرِيمِ فِي الدَّيْنِ، وَلَوْ ادَّعَى الْغَاصِبُ الْهَلَاكَ عِنْدَ صَاحِبِهِ بَعْدَ الرَّدِّ، وَعَكْسُ الْمَالِكِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ الْغَاصِبِ أَوْلَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الرَّدَّ، وَهُوَ عَارِضٌ وَالْبَيِّنَةُ لِمَنْ يَدَّعِي الْعَوَارِضَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ بَيِّنَةُ الْمَالِكِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ وُجُوبَ الضَّمَانِ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ وَالْبَيِّنَةُ لِلْإِثْبَاتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا بِاتِّفَاقِهِمَا لَكِنَّ حَاصِلَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا يَئُولُ إلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَعَدَمِهِ فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِمَنْ يُثْبِتُ.
قَالَ ﵀: (وَالْغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ)؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي الْمَنْقُولِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. قَالَ ﵀: (فَإِنْ غَصَبَ عَقَارًا، وَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ)، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ يَضْمَنُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ يَتَحَقَّقُ بِوَصْفَيْنِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، وَإِزَالَةِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْيَدَيْنِ الْمُتَدَافَعَتَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا يُمْكِنُ لِتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ فَإِذَا ثَبَتَتْ الْيَدُ الْعَادِيَةُ لِلْغَاصِبِ انْتَفَتْ الْيَدُ الْمُحِقَّةُ لِلْمَالِكِ ضَرُورَةً، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ هِيَ إلَّا عِبَارَةً عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَعَدَمُ الْيَدِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ فَكَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَرُورَةٌ، وَمِنْ ضَرُورَتِهَا انْتِفَاءُ يَدِ الْمَالِكِ فَيَضْمَنُ بِهِ كَمَا يَضْمَنُ الْمَنْقُولَ بِذَلِكَ، وَكَمَا يَضْمَنُ الْعَقَارَ الْمُودَعُ بِالْجُحُودِ وَبِالْإِقْرَارِ بِهِ لِغَيْرِ الْمَالِكِ وَبِالرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْغَصْبُ، وَلَنَا أَنَّ الْغَصْبَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَغْصُوبِ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ، وَإِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالنَّقْلِ وَالْعَقَارِ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ، وَأَقْصَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ إخْرَاجُ الْمَالِكِ عَنْهُ، وَذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِكِ لَا فِي الْعَقَارِ فَلَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا إذَا أَبْعَدَ الْمَالِكُ عَنْ الْمَوَاشِي عَلَى مَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ.
وَمَسْأَلَةُ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَصَحِّ فَلَا تَلْزَمُ، وَلَئِنْ سَلَّمَ فَالضَّمَانُ فِيهَا بِتَرْكِ الْحِفْظِ الْمُلْتَزَمِ بِالْجُحُودِ، وَالشُّهُودُ إنَّمَا يَضْمَنُونَ الْعَقَارَ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ إتْلَافٍ لَا ضَمَانُ غَصْبٍ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الشَّاهِدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَقَارَ لَهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَلَوْ كَانَ غَصْبًا لَقُبِلَتْ وَالْعَقَارُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْجَزَاءُ فِي الْآخِرَةِ، وَكَلَامُنَا فِي الضَّمَانِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ جَمِيعُ جَزَائِهِ، وَلَوْ كَانَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لَبَيَّنَهُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ أَمَسُّ وَزِيَادَةُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ تَكُونُ نَسْخًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْغَصْبِ عَلَيْهِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ غَصْبِ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ الْحُرِّ فِي قَوْلِهِ ﵊ مَنْ بَاعَ حُرًّا الْحَدِيثَ، لَا يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ بَيْعِ الْحُرِّ، وَهَذَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا. وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ لَوْ بَاعَ الْعَقَارَ بَعْدَ الْغَصْبِ، وَأَقَرَّ الْغَاصِبُ بِذَلِكَ، وَكَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ، وَأَقَرَّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَالْمِثْلِيُّ الْمَخْلُوطُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ مَعْنَاهُ الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَفَاوِتَةُ أَيْ مَعْنَى مَا لَا مِثْلَ لَهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَهَذَا تَفْسِيرٌ عَجِيبٌ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرُ الْكُلِّيِّ بِالْجُزْئِيِّ؛ لِأَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ يَشْمَلُ الْحَيَوَانَاتِ وَالذَّرْعِيَّاتِ، وَالْعَدَدِيُّ الْمُتَفَاوِتُ كَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَالْوَزْنِيُّ الَّذِي فِي تَبْعِيضِهِ مَضَرَّةٌ، وَهُوَ الْمَصُوغُ مِنْهُ. اهـ
стр. 1517
بِذَلِكَ، وَكَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ ظَاهِرًا، وَلَا يَضْمَنُ الْبَائِعُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ، وَإِنَّمَا التَّلَفُ مُضَافٌ إلَى عَجْزِ الْمَالِكِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
قَالَ ﵀: (وَمَا نَقَصَ بِسُكْنَاهُ وَزِرَاعَتِهِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ كَمَا فِي النَّقْلِيِّ)، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِفِعْلِهِ وَالْعَقَارُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِضَمَانِ الْإِتْلَافِ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّ يُضْمَنُ بِهِ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْغَصْبِ حَيْثُ لَا يُضْمَنُ إلَّا بِالْحُصُولِ فِي الْيَدِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ رَكِبَ دَابَّةَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَمْ يُسَيِّرْهَا حَتَّى نَزَلَ ثُمَّ هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ لِعَدَمِ النَّقْلِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِرُكُوبِهِ يَضْمَنُ لِوُجُودِ الْإِتْلَافِ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَعَدَ عَلَى بِسَاطِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ النُّقْصَانِ، قَالَ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى: إنَّهُ يُنْظَرُ بِكَمْ تُسْتَأْجَرُ هَذِهِ الْأَرْضُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالُ وَبَعْدَهُ فَيَضْمَنُ مَا تَفَاوَتَ بَيْنَهُمَا مِنْ النُّقْصَانِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالشِّرَاءِ يَعْنِي أَنَّهُ يُنْظَرُ بِكَمْ تُبَاعُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ وَبِكَمْ تُبَاعُ بَعْدَهُ فَنُقْصَانُهَا مَا تَفَاوَتَ مِنْ ذَلِكَ فَيَضْمَنُهُ، وَهُوَ الْأَقْيَسُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِقِيمَةِ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ نُصَيْرٍ ثُمَّ يَأْخُذُ الْغَاصِبُ رَأْسَ مَالِهِ، وَهُوَ الْبَذْرُ، وَمَا غَرِمَ مِنْ النُّقْصَانِ، وَمَا أَنْفَقَ عَلَى الزَّرْعِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا كُرَّيْنِ فَأَخْرَجَتْ ثَمَانِيَةَ أَكْرَارٍ، وَلَحِقَهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ قَدْرُ كُرٍّ وَنَقَصَهَا قَدْرَ كُرٍّ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَكْرَارٍ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ؛ لِأَنَّ مَا ضَمِنَ مِنْ الْفَائِتِ يَمْلِكُهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَالْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ عِنْدَنَا مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْغَصْبُ هُنَا فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ إذْ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْقُصْهَا لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ لِعَدَمِ الضَّمَانِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ كُلِّهِ فَإِذَا ضَمِنَ كُلَّهُ مَلَكَ كُلَّهُ، وَكَذَا الْبَعْضُ، وَلَهُمَا أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَيَكُونُ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقَ إذْ الْفَرْعُ يَحْصُلُ عَلَى وَصْفِ الْأَصْلِ فَصَارَ كَمَا إذَا لَمْ يَنْقُصْ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُسْتَنِدَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَكَانَ نَاقِصًا فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ انْعِدَامِ الْخُبْثِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ اسْتَغَلَّهُ تَصَدَّقَ بِالْغَلَّةِ كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ الْوَدِيعَةِ وَرَبِحَ) أَيْ إنْ اسْتَغَلَّ الْمَغْصُوبَ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا مَثَلًا فَآجَرَهُ فَنَقَصَهُ بِالِاسْتِغْلَالِ وَضَمِنَ النُّقْصَانَ تَصَدَّقَ الْغَاصِبُ بِالْغَلَّةِ كَمَا يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ فِيمَا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ أَوْ الْوَدِيعَةِ بِأَنْ بَاعَهُ وَرَبِحَ فِيهِ أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ الِاسْتِغْلَالُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا زَادَ عَلَى مَا ضَمِنَ عِنْدَهُمَا لَا بِالْغَلَّةِ كُلِّهَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ثُمَّ إنَّمَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ النُّقْصَانَ إذَا كَانَ النُّقْصَانُ فِي الْعَيْنِ، وَكَانَ غَيْرَ رِبَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَةِ مَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مِنْ أَجْزَائِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ حَيْثُ لَا يُوجِبُ النُّقْصَانَ الْحَادِثَ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا الْخِيَارَ، وَلَا يُوجِبُ حَطَّ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا تُضْمَنُ بِالْعَقْدِ وَتُضْمَنُ بِالْفِعْلِ
وَإِنْ كَانَ لِتَرَاجُعِ السِّعْرِ لَا يُضْمَنُ بَعْدَ أَنْ رَدَّهُ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الرَّغَبَاتِ فِيهِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي الْعَيْنِ بِفَوْتِ الْجُزْءِ، وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا إذْ الْجَوْدَةُ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَيُضَمِّنَهُ مِثْلَهُ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ قِيمَتِهِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، وَاسْتِغْلَالُ الْعَبْدِ الْمُسْتَعَارِ بِالْإِيجَارِ كَاسْتِغْلَالِ الْمَغْصُوبِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْغَلَّةِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀. وَالْوَجْهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَمَا اسْتَغَلَّهُ فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْخُبْثَ كَانَ لِأَجْلِ الْمَالِكِ فَإِذَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ لَا يَظْهَرُ الْخُبْثُ فِي حَقِّهِ وَلِهَذَا لَوْ سَلَّمَ الْغَلَّةَ إلَيْهِ مَعَ الْعَبْدِ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ فَيَزُولُ الْخُبْثُ بِالتَّسْلِيمِ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنْ الْقِيمَةِ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ الْغَاصِبُ بَعْدَ مَا اسْتَغَلَّهُ، وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَّنَ الْمَالِكُ الْمُشْتَرِيَ قِيمَتَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْخُبْثَ كَانَ لِحَقِّ الْمَالِكِ وَالْمُشْتَرِي لَيْسَ بِمَالِكٍ فَلَا يَزُولُ الْخُبْثُ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ فَلَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَتَرَجَّحَ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1518
بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَلَكَهُ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كَمَا أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ اللُّقَطَةَ عَلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا ثُمَّ إذَا أَصَابَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ إذَا كَانَ غَنِيًّا وَقْتَ الِاسْتِغْلَالِ
وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرَجُّحِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ أَوْ الْوَدِيعَةِ وَرَبِحَ فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالْعُرُوضِ أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ كَالنَّقْدَيْنِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ قَبْلَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ وَبَعْدَهُ يَحِلُّ إلَّا فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ، وَهُوَ الرِّبْحُ الْمَذْكُورُ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَلَّقُ فِيمَا يَتَعَيَّنُ حَتَّى يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَتَمَكَّنَ الْخُبْثُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ فَقَدْ قَالَ الْكَرْخِيُّ: إنَّهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا إنْ أَشَارَ إلَيْهِ وَنَقَدَ مِنْهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ وَنَقَدَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ أَطْلَقَ إطْلَاقًا وَنَقَدَ مِنْهُ أَوْ أَشَارَ إلَى غَيْرِهِ وَنَقَدَ مِنْهُ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَطِيبُ لَهُ إلَّا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا أَشَارَ إلَيْهِ وَنَقَدَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ لَا تُفِيدُ التَّعْيِينَ فَيَسْتَوِي وُجُودُهَا، وَعَدَمُهَا إلَّا إذَا تَأَكَّدَ بِالنَّقْدِ مِنْهَا
وَقَالَ مَشَايِخُنَا: ﵏ لَا يَطِيبُ بِكُلِّ حَالٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ وَبَعْدَ الضَّمَانِ لَا يَطِيبُ الرِّبْحُ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْجَامِعَيْنِ وَالْمُضَارَبَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ بِالنَّقْدِ مِنْهُ اسْتَفَادَ سَلَامَةَ الْمُشْتَرِي وَبِالْإِشَارَةِ اسْتَفَادَ جَوَازَ الْعَقْدِ لِتَعَلُّقِ الْعَقْدِ بِهِ فِي حَقِّ الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ فَتَثْبُتُ فِيهِ شُبْهَةُ الْحُرْمَةِ لِمِلْكِهِ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فِي زَمَانِنَا لِكَثْرَةِ الْحَرَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّا.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِيمَا إذَا صَارَ بِالتَّقَلُّبِ مِنْ جِنْسِ مَا ضَمِنَ بِأَنْ ضَمِنَ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَصَارَ فِي يَدِهِ مِنْ بَدَلِ الْمَضْمُونِ دَرَاهِمُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ بَدَلِهِ خِلَافُ جِنْسِ مَا ضَمِنَ بِأَنْ ضَمِنَ دَرَاهِمَ، وَفِي يَدِهِ مِنْ بَدَلِهِ طَعَامٌ أَوْ عُرُوضٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَمَا لَمْ يَصِرْ بِالتَّقَلُّبِ مِنْ جِنْسِ مَا ضَمِنَ لَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ.
قَالَ ﵀: (وَمِلْكٌ بِلَا حِلِّ انْتِفَاعٍ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ بِشَيٍّ وَطَبْخٍ وَطَحْنٍ وَزَرْعٍ وَاِتِّخَاذِ سَيْفٍ، وَإِنَاءِ غَيْرِ الْحَجَرَيْنِ وَبِنَاءٍ عَلَى سَاجَةٍ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ لَلَحِقَهُ ضَرَرٌ، وَكَانَ ظُلْمًا وَالظَّالِمُ لَا يُظْلَمُ بَلْ يُنْصَفُ ثُمَّ الضَّابِطُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا، وَمُعْظَمُ مَنَافِعِهَا أَوْ اخْتَلَطَتْ بِمِلْكِ الْغَاصِبِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهَا أَصْلًا أَوْ إلَّا بِحَرَجٍ زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْهَا، وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ شَيِّ اللَّحْمِ وَطَبْخِهِ وَطَبْخِ الْحِنْطَةِ أَوْ طَحْنِهَا وَزَرْعِهَا وَاِتِّخَاذِ الْحَدِيدِ سَيْفًا أَوْ إنَاءً وَاِتِّخَاذِ غَيْرِهِ مِثْلِ الصُّفْرِ إنَاءً وَالْبِنَاءِ عَلَى السَّاجَةِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَيَمْلِكُهَا الْغَاصِبُ إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمَا بِاِتِّخَاذِهِ أَوَانِيَ أَوْ بِضَرْبِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهُمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غَيْرِ الْحَجَرَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْ الْعَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ الْعَيْنِ لَا يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ عِنْدَهُ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الرِّبَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يُضَمِّنُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْ الْعَيْنِ، وَيَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ لَكِنَّهُ يُبَاعُ فَيُوَفَّى بِهِ دَيْنُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ يَعْنِي مَا وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ مِنْ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَإِنْ مَاتَ الْغَاصِبُ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ عَلَى مِثَالِ الرَّهْنِ وَالْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَجَعَلَ الْآبِقَ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِبُطْلَانِ حَقِّهِ فَصَارَ كَالْمُشْتَرِي إذَا قَبَضَ الْمَبِيعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ قَبْلَ إيفَاءِ الثَّمَنِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الْيَدِ بِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ بِهِ حَقُّ الْمِلْكِ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ الْعَيْنَ مِلْكُهُ فَيَبْقَى مِلْكُهُ مَا بَقِيَتْ الْعَيْنُ وَيَتْبَعُهَا وَصْفُهَا إذْ هُوَ قَائِمٌ بِهَا فَيَتَرَجَّحُ هُوَ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ أَصْلٍ؛ وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ حِنْطَةٌ فُرِّقَتْ أَجْزَاؤُهَا، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنْ مِلْكِهِ كَالْقَطْعِ فِي الثَّوْبِ وَالذَّبْحِ وَالسَّلْخِ وَالتَّأْرِيبِ فِي الشَّاةِ؛ وَلِأَنَّ فِعْلَهُ مَحْظُورٌ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ إذْ الْمَحْظُورُ لَا يُنَاطُ بِهِ نِعْمَةُ الْمِلْكِ عَلَى أَصْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِعْلُهُ فَصَارَ كَمَا إذَا وَقَعَتْ الْحِنْطَةُ فِي الطَّاحُونَةِ وَانْطَحَنَتْ بِفِعْلِ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ.
وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ الْعَيْنَ مِنْ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقَاصِدَ قَدْ فَاتَ بَعْضُهَا، وَكَذَا الذَّاتُ قَدْ فَاتَ، وَمِنْ وَجْهٍ بِالِاسْتِحَالَةِ حَتَّى صَارَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ، وَقَدْ أَحْدَثَ فِيهَا الصَّنْعَةَ، وَهِيَ حَقٌّ لِلْغَاصِبِ، وَهِيَ قَائِمَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَرَجَّحَتْ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ وَصْفًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَبِنَاءٌ عَلَى سَاجَةٍ) فِي الْمُغْرِبِ السَّاجَةُ بِالْجِيمِ الْخَشَبَةُ الْعَظِيمَةُ أَيْ الْخَشَبَةُ الْمَنْحُوتَةُ الْمُهَيَّأَةُ لِلْأَسَاسِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السَّاحَةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَتَجِيءُ. اهـ كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ: بِفِعْلِ الْغَاصِبِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ لَا بِفِعْلِ الْغَاصِبِ بِأَنْ صَارَ الْعِنَبُ زَبِيبًا وَالْخَمْرُ خَلًّا بِنَفْسِهِ وَالْحَلِيبُ جُبْنًا وَالرُّطَبُ تَمْرًا فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَضَمِنَهُ، وَلَوْ صَارَ الْعِنَبُ زَبِيبًا يَجْعَلُهُ مِلْكَهُ كَذَا فِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ. اهـ دِرَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّأْرِيبُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: تَأْرِيبُ الشَّاةِ جَعْلُهَا إرَبًا إرَبًا أَيْ عُضْوًا عُضْوًا. اهـ
стр. 1519
هُوَ فَائِتٌ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ فِي الْعَيْنِ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ فَكَانَتْ كَسْبًا لَهُ، وَالْكَاسِبُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ لَا إلَى الْمَحَلِّ، وَذَاتُ حَقِّهِ قَائِمٌ فَكَانَ التَّرْجِيحُ بِهِ تَرْجِيحًا بِالذَّاتِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْحَالِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ بِالذَّاتِ، وَهُوَ الْوُجُودُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ التَّرْجِيحُ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَالَ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ تَجُوزُ وَتَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فَمَا ظَنُّك بِالْمِلْكِ بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ لَا يُفَوِّتُ اسْمَ الشَّاةِ يُقَالُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ وَشَاةٌ حَيَّةٌ وَالسَّلْخُ وَالتَّأْرِيبُ لَا يَفُوتُ بِهِ الْمَقْصُودُ بِالذَّبْحِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ تَبْدِيلُ الْعَيْنِ فَبَقِيَتْ عَلَى مِلْكِهِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَبَدَّلَتْ وَتَجَدَّدَ لَهَا اسْمٌ آخَرُ فَصَارَتْ كَعَيْنٍ أُخْرَى حَصَّلَهَا بِكَسْبِهِ فَيَمْلِكُهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الضَّمَانَ كَيْ لَا يَلْزَمَ مِنْهُ فَتْحُ بَابِ الْغُصُوبِ، وَفِي مَنْعِهِ حَسْمُ مَادَّتِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ «قَوْلُهُ ﵊ فِي الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا بَعْدَ الطَّبْخِ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى»، وَلَوْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ لَمَا قَالَ ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجُوزَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْحَسَنِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ لِوُجُودِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ وَلِهَذَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ كَالتَّمْلِيكِ لِغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا بَيَّنَّاهُ، وَنَفَاذُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ لِوُجُودِ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ شِرَاءً فَاسِدًا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ثُمَّ إذَا دَفَعَ الْقِيمَةَ إلَيْهِ، وَأَخَذَهُ أَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْقِيمَةِ أَوْ تَرَاضَيَا عَلَى مِقْدَارٍ حَلَّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ فِعْلُ الْغَصْبِ عُدْوَانٌ مَحْضٌ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ قُلْنَا لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لَهُ قَصْدًا، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ سَبَبًا عِنْدَ تَقَرُّرِ الضَّمَانِ بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي ضِمْنِ حُكْمِ الضَّمَانِ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَالضَّمَانُ حُكْمٌ وَاجِبٌ مَشْرُوعٌ حَسَنٌ بِالْإِجْمَاعِ فَصَارَ مَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِهِ أَيْضًا حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ يُرَاعَى صَلَاحِيَّةُ السَّبَبِ فِي الْأَصْلِ لَا فِي التَّبَعِ. تَحْقِيقُ الْكَلَامِ أَنَّ فِعْلَ الْغَاصِبِ الَّذِي هُوَ الزِّرَاعَةُ مَثَلًا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحْدَثَ الزَّرْعَ، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ كَوْنُهُ غَصْبًا، وَهُوَ إزَالَةُ شَيْءٍ عَنْ يَدِ الْمَالِكِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إحْدَاثٌ صَلُحَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ فَصَارَ قَوْلُنَا زَرْعُ حِنْطَةٍ مَغْصُوبَةٍ إشَارَةٌ إلَى إحْدَاثِ شَيْءٍ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ بِمَنْزِلَةِ الِاصْطِيَادِ بِقَوْسِ الْغَيْرِ وَالِاحْتِطَابِ بِقَدُومِ الْغَيْرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْصُلُ بِهِ تَبْدِيلُ الْعَيْنِ) فِي الْخُلَاصَةِ: غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا وَسَلَخَهَا وَجَعَلَهَا إرَبًا إرَبًا مَلَكَهَا، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حَيَّةً أَوْ غَصَبَ حِمَارًا أَوْ بَغْلًا فَقَطَعَ يَدَهُمَا أَوْ رِجْلَهُمَا مَلَكَهُمَا، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا. اهـ. قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَبْحِ الشَّاةِ بَعْدَ الْغَصْبِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالُوا بِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بِالذَّبْحِ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ فَنَمْنَعُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ لَا تَصِيرُ مُسْتَهْلَكَةً بِمُجَرَّدِ الذَّبْحِ لِبَقَاءِ الِاسْمِ وَلِهَذَا يُقَالُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ فَإِذَا أَرَّبَهَا عُضْوًا عُضْوًا بَعْضُهُمْ قَالُوا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا بِزَوَالِ التَّرْكِيبِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ أَيْضًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِالذَّبْحِ لَمَّا لَمْ تَصِرْ الشَّاةُ مُسْتَهْلَكَةً صَارَ كَأَنَّهُ غَصَبَ شَاةً مَذْبُوحَةً فَقَطَّعَهَا إرَبًا إرَبًا فَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهَا لَمْ تَفُتْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُقْصَدُ لِلْأَكْلِ، وَبَعْدَ الْقَطْعِ لَمْ يَبْطُلْ هَذَا الْمَعْنَى. اهـ. وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ حَكَى الزَّاهِدِيُّ فِيهِ خِلَافًا. اهـ. (قَوْلُهُ: فَبَقِيَتْ عَلَى مِلْكِهِ) كَذَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ) أَيْ لِلْغَاصِبِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ) أَيْ كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجُوزَ الِانْتِفَاعُ بِهِ) أَيْ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ. اهـ.
وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ الَّذِي عَمِلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَاحْتَجَّ بِهِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَاحْتَجَّ بِهِ وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي كِتَابِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَارَ قَوْمًا فَذَبَحُوا لَهُ شَاةً فَجَعَلَ يَمْضُغُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَسِيغُهُ فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا شَاةٌ لِفُلَانِ ذَبَحْنَاهَا حَتَّى يَأْتِيَ فَنُرْضِيَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى» فَلَوْلَا أَنَّ مِلْكَ الْغَاصِبِ زَالَ عَنْهَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا بَلْ أَمَرَ بِبَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا عَلَى الْغَائِبِ، وَعَلَى هَذَا بَنَى أَبُو حَنِيفَةَ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْغَصْبِ قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي بِالْأَسْرَى الْمُحْتَبَسِينَ كَذَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ وَالْمَعْقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْغَاصِبَ غَصَبَ الْحِنْطَةَ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا بِالطَّحْنِ فَيَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْهَا لَا مَحَالَةَ فَصَارَ كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَأَحْرَقَهُ فَصَارَ رَمَادًا فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بِالِاسْتِهْلَاكِ فَكَذَا هَذَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ أَنَّ اسْمَ الْحِنْطَةِ زَالَ عَنْهَا بَعْدَ الطَّحْنِ، وَكَذَلِكَ زَالَتْ صُورَتُهَا، وَمَعْنَاهَا فَدَلَّ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ أَمَّا إذَا زَالَ الِاسْمُ فَلِأَنَّهَا كَانَتْ تُسَمَّى حِنْطَةً وَالْآنَ تُسَمَّى دَقِيقًا.
وَأَمَّا زَوَالُ الصُّورَةِ فَلِأَنَّ صُورَتَهَا هِيَ الْحَبَّةُ السَّمْرَاءُ وَالْمَشْقُوقَةُ الْبَطْنِ، وَلَمْ تَبْقَ تِلْكَ الصُّورَةُ بَعْدَ الطَّحْنِ، وَأَمَّا مَعْنَاهَا فَلِأَنَّهَا كَانَتْ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ وَالْقَلْيِ وَلِطِبْخِ الْهَرِيسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْآنَ لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ فَإِذَا ثَبَتَ التَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كَانَ الدَّقِيقُ جِنْسًا آخَرَ غَيْرَ الْحِنْطَةِ فَيَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ فِي الدَّقِيقِ. وَقَوْلُهُ ﵊ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْحِنْطَةَ لَا الدَّقِيقَ فَإِذَا كَانَ عَيْنُهَا مُسْتَهْلَكًا يَلْزَمُهُ مِثْلُهَا، وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ إذَا غَصَبَهَا فَزَرَعَهَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ غَيْرُ الْحِنْطَةِ بِدَلِيلِ تَغَايُرِ الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَالْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ فَصَارَ الْحَادِثُ غَيْرَ مَا كَانَ. اهـ أَتْقَانِيٌّ
стр. 1520
؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِطَلَبِهِ فَحَصَلَتْ الْمُبَادَلَةُ بِالتَّرَاضِي.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي الْحِنْطَةِ الْمَزْرُوعَةِ وَالنَّوَاةِ الْمَزْرُوعَةِ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ عِنْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا يَمْلِكُهُمَا الْغَاصِبُ بِضَرْبِهِمَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ أَوَانِيَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِهِمَا، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهِ الصَّنْعَةَ الْمُتَقَوَّمَةَ، وَفَوَّتَ بَعْضَ مَقَاصِدِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَمْ تَهْلَكْ مِنْ وَجْهٍ مَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْمَ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَمَعْنَاهُ الثَّمَنِيَّةُ، وَهُوَ أَيْضًا بَاقٍ، وَكَذَا كَوْنُهُ مَوْزُونًا بَاقٍ أَيْضًا حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ، وَكَذَا الصَّنْعَةُ فِيهِمَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ أَيْضًا مُطْلَقًا أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: إنَّمَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْ السَّاجَةِ إذَا بَنَى حَوْلَهَا، وَأَمَّا إذَا بَنَى عَلَيْهَا فَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَالسَّاجَةُ مِنْ وَجْهٍ كَالْأَصْلِ لِهَذَا الْبِنَاءِ فَيُهْدَمُ لِلرَّدِّ كَمَا إذَا بَنَى فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ كَيْفَمَا كَانَ فَيُهْدَمُ الْبِنَاءُ وَيَأْخُذُ سَاجَتَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالنَّصِّ، وَعِنْدَنَا انْقَطَعَ حَقُّهُ مُطْلَقًا فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ فِي قَلْعِهِ ضَرَرًا بِالْغَاصِبِ، وَقَالَ ﵊ «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» وَضَرَرُ الْمِلْكِ مَجْبُورٌ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ فَلَا يُعَدُّ ضَرَرًا فَصَارَ كَمَا إذَا خَاطَ بِالْخَيْطِ الْمَغْصُوبِ بَطْنَ آدَمِيٍّ أَوْ أَدْخَلَ لَوْحًا مَغْصُوبًا فِي السَّفِينَةِ، وَكَانَتْ فِي لُجَجِ الْبَحْرِ هَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّاجَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السَّاجَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ فَلَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْهَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا فَاحِشًا ضَمِنَ الْقِيمَةَ وَسَلَّمَ الْمَغْصُوبَ إلَيْهِ أَوْ ضَمِنَ النُّقْصَانَ)، وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ الْجَزُورَ، وَقَطَعَ الْيَدَ أَوْ الرِّجْلَ كَالذَّبْحِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إتْلَافٌ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ فَوْتِ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ مِنْ الْحَمْلِ وَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ، وَفَوَاتِ بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ فِي الثَّوْبِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ تَضْمِينِ جَمِيعِ قِيمَتِهِ وَتَرْكِهِ لَهُ وَبَيْنَ تَضْمِينِ نُقْصَانِهِ، وَأَخْذِهِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ إذَا أَخَذَ اللَّحْمَ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ وَالسَّلْخَ زِيَادَةٌ فِيهَا لِانْقِطَاعِ احْتِمَالِ الْمَوْتِ حَتْفَ أَنْفِهَا، وَأَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِلَحْمِهَا بِيَقِينٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ نُقْصَانٌ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ عَلَى مَا بَيَّنَّا آنِفًا، وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ غَيْرَ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ يَضْمَنُ قَاطِعُ الطَّرَفِ جَمِيعَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِ قَطْعِ طَرَفِ الْعَبْدِ حَيْثُ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَعَ أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا أَوْ نَوَاةً فَغَرَسَهَا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ يَعْنِي لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ خِلَافًا لِزُفَرَ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ وَقَبْلَ أَنْ يَرْضَى صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْحَبَّةَ صَارَتْ قَصِيلًا وَالنَّوَاةَ صَارَتْ نَخْلًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَصْبِ الشَّاةِ، وَذَبْحِهَا وَطَبْخِهَا وَغَصْبِ الْحِنْطَةِ وَطَحْنِهَا حَيْثُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ قَبْلَ إرْضَاءِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الشَّاةِ وَالْحِنْطَةِ بَاقِيَةٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِقِيَامِ الْعَيْنِ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَوَانِي) قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَافِي، وَإِنْ غَصَبَ فِضَّةً فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ صَاغَهَا إنَاءً قَالَ يَأْخُذُهَا، وَلَا أَجْرَ لِلْغَاصِبِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْحَدِيدَ وَالصُّفْرَ؛ لِأَنَّهُ فِضَّةٌ بِعَيْنِهَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الْوَزْنِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُعْطِيهِ مِثْلَ قِيمَتِهِ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْحَاكِمِ ﵀. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَقَالَ زُفَرُ: يُنْقَضُ الْبِنَاءُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ الْجَزُورَ) لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ. اهـ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَكَذَا الْجَزُورُ. اهـ. يَعْنِي إذَا غَصَبَ الْجَزُورَ، وَهِيَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلذَّبْحِ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ الْجَزْرِ، وَهُوَ الْقَطْعُ ثُمَّ ذَبَحَهَا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا فِي غَصْبِ الشَّاةِ إذَا ذَبَحَهَا إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْعَيْنَ مَعَ نُقْصَانِ الذَّبْحِ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ الْعَيْنَ وَضَمِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْجَزُورَ دَفْعًا لِوَهْمِ مُتَوَهِّمٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَتْ الْجَزُورُ مُعَدَّةً لِلذَّبْحِ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى الدَّرِّ وَالنَّسْلِ فِيهَا مَطْلُوبًا فَكَيْفَ يَلْزَمُ النُّقْصَانُ بَلْ الذَّبْحُ زِيَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ لِأَجْلِهِ الْعِوَضُ فَأَجَابَ عَنْهُ، وَقَالَ لَا يَتَفَاوَتُ الْحُكْمُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مُعَدًّا لِلذَّبْحِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ فِي الْحَيَوَانِ نَقْصٌ مِنْ حَيْثُ تَفْوِيتُ الْحَيَاةِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَقَطْعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ كَالذَّبْحِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَكَذَا إذَا قَطَعَ يَدَهُمَا أَيْ يَدَ الشَّاةِ وَالْجَزُورِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: أَيْ حُكْمُ قَطْعِ يَدِ الشَّاةِ وَالْجَزُورِ كَحُكْمِ ذَبْحِهِمَا يَعْنِي أَنَّ لِلْمَالِكِ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَيْنَ مَعَ نُقْصَانِ الْقَطْعِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الْعَيْنَ لِلْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَصْحَابِنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ تَضْمِينَ جَمِيعِ الْقِيمَةِ بِلَا خِيَارٍ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَافِي، وَأَمَّا الدَّابَّةُ إذَا غَصَبَهَا فَقَطَعَ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا فَلَا يُشْبِهُ أَيْ لَا يُشْبِهُ الْخَرْقَ الْكَثِيرَ فِي الثَّوْبِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا، وَلَيْسَ يَنْتَفِعُ صَاحِبُهَا بِمَا بَقِيَ وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الدَّابَّةِ، وَهِيَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً أَوْ جَزُورًا فَذَبَحَهَا أَوْ قَطَعَ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا إلَى هُنَا لَفْظُ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ ﵀، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَدُهَا أَوْ رِجْلُهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا انْتِفَاعَ الدَّوَابِّ فَصَارَتْ هَالِكَةً فَإِذَا صَارَتْ هَالِكَةً فَالْغَاصِبُ مُسْتَهْلِكٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَتَكُونُ الدَّابَّةُ لَهُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّ الثَّوْبَ بِالْخَرْقِ الْفَاحِشِ لَا يَكُونُ هَالِكًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ انْتِفَاعَ الثِّيَابِ فَلَا يُضَمِّنُهُ الْقِيمَةَ بِلَا خِيَارٍ بَلْ يَكُونُ لِلْمَالِكِ الْخِيَارُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ غَيْرَ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فِي قَطْعِ الطَّرَفِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ تَضْمِينِ جَمِيعِ الْقِيمَةِ فِيهِمَا بِلَا خِيَارٍ
стр. 1521
مُنْتَفَعٌ بِهِ بَعْدَ قَطْعِ الطَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ صَالِحٌ لِجَمِيعِ مَا كَانَ صَالِحًا لَهُ قَبْلَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ. وَلَا كَذَلِكَ الدَّابَّةُ فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، وَلَا لِلرُّكُوبِ بَعْدَ الْقَطْعِ.
قَالَ ﵀: (وَفِي الْخَرْقِ الْيَسِيرِ ضَمِنَ نُقْصَانَهُ) يَعْنِي مَعَ أَخْذِ عَيْنِهِ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ قَائِمَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا دَخَلَهُ عَيْبٌ فَنَقَصَ لِذَلِكَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْخَرْقِ الْيَسِيرِ وَالْكَبِيرِ قِيلَ مَا يُوجِبُ نُقْصَانَ رُبْعِ الْقِيمَةِ فَاحِشٌ، وَمَا دُونَهُ يَسِيرٌ، وَقِيلَ الْفَاحِشُ مَا يَنْقُصُ بِهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِاسْتِوَاءِ الْهَالِكِ وَالْقَائِمِ فَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يَمِيلَ إلَى الْهَالِكِ أَوْ الْقَائِمِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَاحِشَ مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْعَيْنِ وَجِنْسُ الْمَنْفَعَةِ وَيَبْقَى بَعْضُ الْعَيْنِ وَبَعْضُ الْمَنْفَعَةِ وَالْيَسِيرُ مَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ نُقْصَانٌ فِي الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ الْمُطْلَقَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عِبَارَةٌ عَنْ إتْلَافِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ وَالِاسْتِهْلَاكُ مِنْ وَجْهٍ عِبَارَةٌ عَنْ تَفْوِيتِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ وَالنُّقْصَانُ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْيِيبِ الْمَنَافِعِ مَعَ بَقَائِهَا، وَهُوَ تَفْوِيتُ الْجَوْدَةِ لَا غَيْرُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقِيَامِ أَكْثَرِ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ الرُّجْحَانَ إنَّمَا يُطْلَبُ إذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا، وَمَتَى أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا لَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ، وَهُنَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الِاسْتِهْلَاكِ وَالنُّقْصَانِ بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ الرَّاجِحُ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْفَاحِشَ هُوَ الْمُسْتَأْصِلُ لِلثَّوْبِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الثَّوْبَ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْخِرَقِ، وَلَا يُرْغَبُ فِي شِرَائِهِ، وَعَزَاهُ إلَى الْحَلْوَانِيِّ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْخَرْقِ فِي الثَّوْبِ مِنْ تَخْيِيرِ الْمَالِكِ إذَا كَانَ الْخَرْقُ فَاحِشًا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ عَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ فَإِنَّ التَّعْيِيبَ هُنَاكَ فَاحِشًا كَانَ أَوْ يَسِيرًا كَانَ لِصَاحِبِهَا الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْعَيْنَ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِشَيْءٍ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَيْنَ وَيُضَمِّنَهُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا هَذَا إذَا قَطَعَ الثَّوْبَ، وَلَمْ يُجَدِّدْ فِيهِ صَنْعَةً، وَأَمَّا إذَا جَدَّدَ فِيهِ صَنْعَةً بِأَنْ خَاطَهُ قَمِيصًا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْهُ عِنْدَنَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى فِي أَرْضِ الْغَيْرِ قُلِعَا وَرُدَّتْ) أَيْ قُلِعَ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَرُدَّتْ الْأَرْضُ إلَى صَاحِبِهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» أَيْ لَيْسَ لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ وَصَفَ الْعِرْقَ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ، وَهُوَ الظُّلْمُ، وَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ كَمَا يُقَالُ صَامَ نَهَارَهُ، وَقَامَ لَيْلَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]؛ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ إذْ لَمْ تَصِرْ مُسْتَهْلَكَةً، وَلَا مَغْصُوبَةً حَقِيقَةً، وَلَا وُجِدَ فِيهَا شَيْءٌ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْغَاصِبِ فَيُؤْمَرُ بِتَفْرِيغِهَا وَرَدِّهَا إلَى مَالِكِهَا كَمَا إذَا أَشْغَلَ ظَرْفَ غَيْرِهِ بِالطَّعَامِ هَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السَّاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ قِيمَةَ السَّاحَةِ فَيَأْخُذُهَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةٌ لُؤْلُؤَةً يُنْظَرُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ قِيمَةً فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَيَضْمَنَ قِيمَةَ الْآخَرِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لَوْ أَدْخَلَ فَصِيلُ غَيْرِهِ فِي دَارِهِ، وَكَبِرَ فِيهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِهَدْمِ الْجِدَارِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لَوْ أَدْخَلَ الْبَقَرُ رَأْسَهُ فِي قِدْرٍ مِنْ النُّحَاسِ فَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ نَقَصَتْ الْأَرْضُ بِالْقَلْعِ ضَمِنَ لَهُ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ مَقْلُوعًا وَيَكُونُ لَهُ) أَيْ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تُنْتَقَصُ بِالْقَلْعِ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ مَقْلُوعًا وَيَكُونَانِ لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمَا فَتَعَيَّنَ فِيهِ النَّظَرُ لَهُمَا، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الْقَلْعِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ فِيهَا فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَقْلُوعًا، وَكَيْفِيَّةُ مَعْرِفَتِهَا أَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ وَبِهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ اُسْتُحِقَّ قَلْعُهُ أَيْ أُمِرَ بِقَلْعِهِ وَتُقَوَّمُ وَحْدَهَا لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ، وَلَا غَرْسٌ فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا كَذَا قَالُوا، وَهَذَا لَيْسَ بِضَمَانٍ لِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا بَلْ هُوَ ضَمَانٌ لِقِيمَتِهِ قَائِمًا مُسْتَحَقُّ الْقَلْعِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ضَمَانًا لِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا أَنْ لَوْ قُوِّمَ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ مَقْلُوعًا مَوْضُوعًا فِي الْأَرْضِ بِأَنْ يُقَدَّرَ الْغَرْسُ حَطَبًا وَالْبِنَاءُ آجُرًّا أَوْ لَبِنًا أَوْ حِجَارَةً مُكَوَّمَةً عَلَى الْأَرْضِ فَيُقَوَّمُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَمَّ إلَى الْأَرْضِ فَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَةَ الْحَطَبِ وَالْحِجَارَةِ الْمُكَوَّمَةِ دُونَ الْمَبْنِيَّةِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ صَبَغَ أَوْ لَتَّ السَّوِيقَ بِسَمْنٍ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ، وَمِثْلُ السَّوِيقِ أَوْ أَخَذَهُمَا وَغَرِمَ مَا زَادَ الصَّبْغُ وَالسَّمْنُ) يَعْنِي إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ، وَمِثْلُ السَّوِيقِ، وَإِنْ شَاءَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
، وَقَدْ مَرَّ قَبْلَ هَذَا. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ صَالِحٌ لِجَمِيعِ مَا كَانَ صَالِحًا لَهُ) فِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ بَعْدَ قَطْعِ طَرَفِهِ فِي بَعْضِ الْمَنَافِعِ. اهـ مِنْ خَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَامَ لَيْلَهُ) وَصَفَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالْأَمْرُ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ. اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ، وَمِثْلُ السَّوِيقِ) قَالَ فِي الْكَنْزِ فِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ وَلَوْ قَصَّرَهُ أَوْ حَمَلَهُ بِمَالِهِ، وَقِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا أَنْفَقَ، وَإِنْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ فَهُوَ شَرِيكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ وَلَا يَضْمَنُ. اهـ. قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ قَصَّرَ يَضِيعُ مَالُهُ، وَلَوْ صَبَغَ لَا يَضِيعُ فَهَهُنَا أَوْلَى وَلِهَذَا لَوْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ مَجَّانًا بَلْ يَتَخَيَّرُ رَبُّ الثَّوْبِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ لَا يَوْمَ الِاتِّصَالِ بِثَوْبِهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ جَمِيعَ قِيمَةِ الثَّوْبِ أَبْيَضَ يَوْمَ صَبْغِهِ وَتَرَكَ الثَّوْبَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا يَكُونُ شَرِيكًا بِقَدْرِ مَالِهِ. اهـ. وَقَدْ نَقَلْت عِبَارَتَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا وَأَفْيَدَ. اهـ. قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ هَهُنَا أَيْ الْمُضَارِبُ. اهـ. وَقَوْلُهُ يَكُونُ شَرِيكًا بِقَدْرِ مَالِهِ أَيْ كَالْغَاصِبِ. اهـ.
стр. 1522
أَخَذَ الْمَصْبُوغَ وَالْمَلْتُوتَ وَغَرِمَ مَا زَادَ الصَّبْغُ وَالسَّمْنُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الثَّوْبِ: يُؤْمَرُ الْغَاصِبُ بِقَلْعِ الصَّبْغِ بِالْغَسْلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَيُسَلِّمُهُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ انْتَقَصَ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ مُتَعَدٍّ فَلَمْ يَكُنْ لِفِعْلِهِ عِبْرَةٌ وَالتَّمْيِيزُ مُمْكِنٌ فَصَارَ نَظِيرُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فِي الْأَرْضِ بِخِلَافِ السَّمْنِ فِي السَّوِيقِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ، وَلَنَا أَنَّ الصَّبْغَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ كَالثَّوْبِ وَبِجِنَايَتِهِ لَا يَسْقُطُ تَقَوُّمُ مَالِهِ فَيَجِبُ صِيَانَةُ حَقِّهِمَا مَا أَمْكَنَ، وَكَانَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَوْلَى بِالتَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَصْلٍ وَالْآخَرُ صَاحِبُ وَصْفٍ، وَهُوَ قَائِمٌ بِالْأَصْلِ، وَكَذَا السَّوِيقُ أَصْلٌ وَالسَّمْنُ تَبَعٌ أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ سَوِيقٌ مَلْتُوتٌ فَيُخَيَّرُ صَاحِبُهُ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُمْكِنٌ فِيهِ بِالنَّقْضِ، وَلَهُ وُجُودٌ بَعْدَ النَّقْضِ فَأَمْكَنَ إيصَالُ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَيْهِ وَالصَّبْغُ يَتَلَاشَى بِالْغَسْلِ فَلَا يُمْكِنُ إيصَالُهُ إلَى صَاحِبِهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا انْصَبَغَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ كَإِلْقَاءِ الرِّيحِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ لِرَبِّ الثَّوْبِ الْخِيَارُ بَلْ يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِدَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ حَتَّى يَضْمَنَ الثَّوْبَ بَلْ يَتَمَلَّكُ صَاحِبُ الثَّوْبِ الصَّبْغَ بِقِيمَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ: إنْ شَاءَ رَبُّ الثَّوْبِ بَاعَ الثَّوْبَ فَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِيمَةِ مَالِهِ، وَهَذَا طَرِيقٌ حَسَنٌ أَيْضًا لِإِمْكَانِ وُصُولِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ إلَى صَاحِبِهِ وَيَتَأَتَّى هَذَا فِيمَا إذَا انْصَبَغَ الثَّوْبُ بِنَفْسِهِ أَيْضًا. وَالْجَوَابُ فِي اللَّتِّ كَالْجَوَابِ فِي الصَّبْغِ غَيْرَ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِيهِ مِثْلَ السَّوِيقِ، وَفِي الصَّبْغِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ السَّوِيقَ وَالسَّمْنَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ بِخِلَافِ الصَّبْغِ وَالثَّوْبِ، وَفِي الْكَافِي قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ يَضْمَنُ قِيمَةَ سَوِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْقَلْيِ فَلَمْ يَبْقَ مِثْلِيًّا كَالْخُبْزِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ أَسْوَدَ فَهُوَ نُقْصَانٌ، وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ كَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافِ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فَإِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ فِي زَمَانِهِ كَانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنْ لُبْسِ السَّوَادِ، وَفِي زَمَانِهِمَا بَنُو الْعَبَّاسِ كَانُوا يَلْبَسُونَ السَّوَادَ فَأَجَابَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْمُخْتَصَرِ لِذِكْرِ هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَلَا لِلَوْنِ الصَّبْغِ؛ لِأَنَّ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَزْدَادُ بِالسَّوَادِ
وَمِنْهَا مَا يُنْتَقَصُ، وَكَذَا مِنْ الثِّيَابِ مَا يَزْدَادُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، وَمِنْهَا مَا يُنْتَقَصُ فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْيِيدِ بِلَوْنٍ دُونَ لَوْنٍ بَلْ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إلَّا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ حَقِيقَةً، وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا يُنْقِصُهُ الصَّبْغُ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا فَتَرَاجَعَتْ بِالصَّبْغِ إلَى عِشْرِينَ فَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ يُنْظَرُ إلَى ثَوْبٍ يَزِيدُ فِيهِ ذَلِكَ الصَّبْغُ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَمْسَةً يَأْخُذُ رَبُّ الثَّوْبِ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نُقْصَانِ قِيمَةِ ثَوْبِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ قِيمَةُ صَبْغِهِ خَمْسَةٌ فَالْخَمْسَةُ بِالْخَمْسَةِ قِصَاصٌ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنْ النُّقْصَانِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀، وَهُوَ مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْمَغْصُوبُ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ بَعْضُهُ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُطَالَبَ هُوَ إلَى تَمَامِ حَقِّهِ فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، وَهُوَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالصَّبْغِ شَيْئًا، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِهِ إلَّا تَلَفُ مَالِهِ، وَكَيْفَ يَسْقُطُ عَنْ الْغَاصِبِ بَعْضُ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ بِالْإِتْلَافِ
وَالْإِتْلَافُ مُقَرِّرٌ لِوُجُوبِ جَمِيعِ الْقِيمَةِ، وَكَيْف صَارَ مُسْقِطًا لَهُ هُنَا.
(فَصْلٌ) قَالَ ﵀: (غَيَّبَ الْمَغْصُوبَ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ مَلَكَهُ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ مَحْظُورٌ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ الْمَحْظُورُ سَبَبًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْغِيبُ النَّاسِ فِيهِ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ لَهُمْ، وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ مِثْلِهِ إلَى الشَّارِعِ فَوَجَبَ أَدْنَى دَرَجَاتِ السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا كَيْ لَا يَلْزَمَ التَّرْغِيبُ فِي تَحْصِيلِ الْحَرَامِ؛ وَلِأَنَّهُ قَبِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] وَالْغَصْبُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ فَكَانَ بَاطِلًا وَالْبَاطِلُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ كَالْقَتْلِ فَكَيْفَ يُسْتَفَادُ الْمِلْكَ بِالْجِنَايَةِ الْمَحْضَةِ، وَلَنَا أَنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ رَقَبَةً وَيَدًا فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْ الْمُبْدَلِ إذَا كَانَ يَقْبَلُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْغَاصِبِ وَتَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ أَوْ ضَرُورَةً حَتَّى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ فَصْلٌ غَيَّبَ الْمَغْصُوبَ]
فَصْلٌ) (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ) أَيْ إذَا غُصِبَ وَغَيَّبَهُ الْغَاصِبُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَوَجَبَ) أَيْ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا إذْ هَذَا الْمُلْحَقُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَصْحِيحِ كَلَامِ الشَّارِحِ ﵀ فَتَأَمَّلْ. اهـ.
стр. 1523
لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ وَاسْمُهُ يُنْبِئُك عَنْهُ فَإِنَّ الْبَدَلَ اسْمٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَائِتِ لَا لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَائِمِ فَإِذَا ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهِ عَلَى الْكَمَالِ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ فِي الْمُبْدَلِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ، وَكَذَا لَفْظُ الْجُبْرَانِ يُنْبِئُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ الْفَائِتِ كَالْبَدَلِ، وَلَا يُقَالُ هَذَا بَدَلٌ عَمَّا فَاتَ، وَهُوَ الْيَدُ لَا الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ هُوَ الْيَدُ دُونَ الْمِلْكِ إذْ مِلْكُهُ قَائِمٌ فِي الْعَيْنِ فَلَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ وَلِهَذَا قُلْتُمْ لَوْ كَسَرَ قَلْبَ غَيْرِهِ فَقَضَى عَلَيْهِ الْقَاضِي بِقِيمَتِهِ، وَأَخَذَ الْقَلْبَ ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ لَبَطَلَ لِكَوْنِهِ صَرْفًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ بَدَلًا عَمَّا فَاتَ مِنْ الْيَدِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فِي مِلْكِهِ لَكَانَ إجْحَافًا بِالْغَاصِبِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْبَدَلِ، وَإِثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِمُقَابَلَةِ عَيْنٍ فِي مِلْكِهِ مَعَ إمْكَانِ تَحْقِيقِ الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا خَلَفٌ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْهَا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْبَدَلِ وَالْجُبْرَانِ فَكَانَ ثُبُوتُ الْمُبَادَلَةِ ضَرُورِيًّا، وَمَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا يَكُونُ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْبُطْلَانِ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّقَابُضِ ثَبَتَ فِيمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ مَقْصُودًا فَلَا يَتَعَدَّاهُ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَنَقُولُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ ضَرُورَةً وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ الْمُدَبَّرُ وَظَهَرَ لَهُ كَسْبٌ كَانَ لِلْغَاصِبِ إلَّا أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ الْمُدَبَّرُ يُعَادُ إلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُدَبَّرِ أَوْ نَقُولُ الْمُدَبَّرُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ فَيُجْعَلُ الضَّمَانُ بَدَلًا عَنْ الْيَدِ الَّتِي فَاتَتْ بِفِعْلِهِ لِلضَّرُورَةِ أَوْ عَنْ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ كَمَا فِي ضَمَانِ الْعِتْقِ عِنْدَهُمَا، وَلَا يُقَالُ الْمُدَبَّرُ يَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ؛ وَلِهَذَا لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهِ نَفَذَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَنْفَسِخُ التَّدْبِيرُ بِالْقَضَاءِ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ بَعْدَ الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ قِنًّا بَعْدَ انْفِسَاخِهِ. وَالْجَوَابُ عَمَّا تَلَا أَنَّ رِضَاهُ قَدْ وُجِدَ بِطَلَبِ الْقِيمَةِ مِنْهُ وَنَحْنُ لَا نَجْعَلُ الْغَصْبَ الْقَبِيحَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ بَلْ الْغَصْبُ مُوجِبٌ لِرَدِّ الْعَيْنِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَلِرَدِّ الْقِيمَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ، وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا السَّبَبِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ لِلْغَاصِبِ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَا حُكْمًا ثَابِتًا بِالْغَصْبِ مَقْصُودًا وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْوَلَدُ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ إذْ الْكَسْبُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَوْ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ حَيْثُ يَمْلِكُ بِهِ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِلْمِلْكِ فَيَسْتَنِدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ ﵀: (وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ لِلْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمَالِكِ)؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ مُنْكِرٌ وَالْمَالِكُ مُدَّعٍ، وَلَوْ أَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا تَنْفِي الزِّيَادَةَ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَةُ الْغَاصِبِ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ، وَقَدْ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُودَعَ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ ثُمَّ قَالَ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ يَقُولُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عُدَّتْ مُشْكِلَةً، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ ظَهَرَ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ، وَقَدْ ضَمَّنَهُ بِقَوْلِ الْمَالِكِ أَوْ بِبَيِّنَتِهِ أَوْ بِنُكُولِ الْغَاصِبِ فَهُوَ لِلْغَاصِبِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمَالِكِ)؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ وَتَمَّ مِلْكُهُ بِرِضَاهُ حَيْثُ سَلَّمَ لَهُ مَا أَعَادَهُ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ ضَمَّنَهُ بِيَمِينِ الْغَاصِبِ فَالْمَالِكُ يُمْضِي الضَّمَانَ أَوْ يَأْخُذُ الْمَغْصُوبَ وَيَرُدُّ الْعِوَضَ) لِعَدَمِ تَمَامِ رِضَاهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ دُونَ الْقِيمَةِ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ لَا لِلرِّضَا بِهِ، وَلَوْ ظَهَرَ الْمَغْصُوبُ، وَقِيمَتُهُ مِثْلُ مَا ضَمَّنَهُ أَوْ أَقَلُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ مَا إذَا ضَمَّنَهُ بِقَوْلِ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ ﵀: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَوَفَّرَ عَلَيْهِ مَالِيَّةُ مِلْكِهِ بِكَمَالِهِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَقَدْ فَاتَ هُنَا حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يَدَّعِيهِ، وَلَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ مَالَهُ إلَّا بِثَمَنٍ يَخْتَارُهُ وَيَرْضَى بِهِ فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ ثُمَّ إذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ أَخْذَ الْعَيْنِ فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ حَتَّى يَأْخُذَ الْقِيمَةَ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُقَابَلَةٌ بِالْعَيْنِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَابَلٍ بِهِ بَلْ بِمَا فَاتَ مِنْ الْيَدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ بَاعَ الْمَغْصُوبَ فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ نَفَذَ بَيْعُهُ، وَإِنْ حَرَّرَهُ ثُمَّ ضَمَّنَهُ لَا) أَيْ لَوْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ نَفَذَ بَيْعُهُ، وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مِلْكَ الْغَاصِبِ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا أَوْ ضَرُورَةً وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَلِهَذَا لَا يَظْهَرُ الْمِلْكُ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ وَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ أَصْلٌ مِنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: أَوْ نَقُولُ الْمُدَبَّرُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ) أَيْ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَلِهَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْغَاصِبُ بِالضَّمَانِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَيَرُدُّ الْعِوَضَ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ بِدَانَقٍ. اهـ. عِمَادِيَّةٌ فِي آخِرِ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ
стр. 1524
وَجْهٍ تَبَعٌ مِنْ وَجْهٍ قَبْلَ الِانْفِصَالِ وَبَعْدَهُ أَصْلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْكَسْبُ تَبَعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ بَدَلَ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ تَبَعٌ مَحْضٌ، وَالْمِلْكُ النَّاقِصُ يَكْفِي لِنُفُوذِ الْبَيْعِ دُونَ الْعِتْقِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ يَنْفُذُ مِنْ الْمُكَاتَبِ بَلْ مِنْ الْمَأْذُونِ دُونَ عِتْقِهِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا عِتْقَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ حَيْثُ يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْمَالِكِ الْبَيْعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَكَذَا بِضَمَانِ الْغَاصِبِ الْقِيمَةَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ تَرَتَّبَ عَلَى سَبَبِ مِلْكٍ تَامٍّ بِنَفْسِهِ مَوْضُوعٍ لَهُ فَيَنْفُذُ الْعِتْقُ بِنُفُوذِ السَّبَبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَامٌّ أَنَّ الْإِشْهَادَ يُشْتَرَطُ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَامًّا لَاشْتُرِطَ عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَلِهَذَا لَوْ تَصَارَفَ الْغَاصِبَانِ وَتَقَابَضَا وَافْتَرَقَا، وَأَجَازَا لِمَا كَانَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ جَازَ الصَّرْفُ، وَكَذَا الْمَبِيعُ يُمْلَكُ عِنْد الْإِجَازَةَ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَامًّا بِنَفْسِهِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
قَالَ ﵀ (وَزَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ أَمَانَةٌ فَتُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي أَوْ بِالْمَنْعِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ هِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً أَوْ كَانَتْ بِالسِّعْرِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً مِثْلَهَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْأَوْصَافَ الشَّرْعِيَّةَ تَسْرِي مِنْ الْأَصْلِ إلَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ وَالْقِنَّةَ وَالْحُرَّةَ يَسْرِي إلَيْهِ حُكْمُ أَمَةٍ حَتَّى يَكُونَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ أُمِّهِ، وَكَذَا وَلَدُ الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ يَسْرِي إلَيْهِ حُكْمُ أُمِّهِ؛ وَلِأَنَّ الْغَصْبَ هُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْر بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي الزَّوَائِدِ بِحَسَبِ تَحَقُّقِهِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْأَصْلِ وَصَارَ كَوَلَدِ الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ، وَلَنَا أَنَّ الْغَصْبَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الزَّوَائِدِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ الْمَالِكِ حَتَّى يُزِيلَهَا عَنْهُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ تَفْوِيتُ الْيَدِ فَلَا يَصِيرُ غَصْبًا فَلَا يُضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي أَوْ بِالْمَنْعِ عِنْدَ طَلَبِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ تَعَدٍّ، وَإِنَّمَا يُضْمَنُ وَلَدُ الظَّبْيَةِ عِنْدَهُ لِوُجُودِ الْمَنْعِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ إلَى الْحَرَمِ حَقُّ الشَّرْعِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا أَخْرَجَهَا فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الرَّدِّ حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّهِ إلَى الْحَرَمِ لَا يَضْمَنُ لِعَدَمِ الْمَنْعِ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏، وَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا تَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَهُوَ ضَمَانُ إتْلَافٍ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ كَانَ فِي الْحَرَمِ آمِنًا بِبُعْدِهِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَقَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِإِثْبَاتِهِ الْيَدَ عَلَيْهِ فَتَحَقَّقَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا لَوْ أَخْرَجَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحْرِمِينَ صَيْدًا وَاحِدًا مِنْ الْحَرَمِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ لِتَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْغَصْبِ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ لِإِزَالَةِ الْأَمْنِ فَلَأَنْ يَجِبَ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَوْقَهَا جِنَايَةٌ أَوْلَى وَأَحْرَى.
قَالَ ﵀: (وَمَا نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ مَضْمُونٌ وَيُجْبَرُ بِوَلَدِهَا) أَيْ إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ وَلَدًا وَنَقَصَتْ بِالْوِلَادَةِ كَانَ النُّقْصَانُ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِهِ جُبِرَ النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ وَيَسْقُطُ ضَمَانُهُ عَنْ الْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَفَاءٌ بِهِ يَسْقُطُ بِحِسَابِهِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُجْبَرُ النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُهُ فَكَيْفَ يُجْبَرُ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ فَصَارَ كَوَلَدِ الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ، وَكَمَا لَوْ هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ أَوْ هَلَكَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَكَمَا لَوْ جَزَّ صُوفَ شَاةِ غَيْرِهِ أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ شَجَرِ غَيْرِهِ فَنَبَتَ مَكَانَهُ غَيْرُهُ أَوْ خَصَى عَبْدَ غَيْرِهِ فَازْدَادَتْ قِيمَتُهُ بِهِ أَوْ عَلَّمَهُ فَأَضْنَاهُ التَّعْلِيمُ وَازْدَادَتْ بِهِ قِيمَتُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجُزْءَ الْفَائِتَ، وَلَا يُجْبَرُ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ مُتَّحِدًا، وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ؛ لِأَنَّهَا أَوْجَبَتْ فَوَاتَ جُزْءٍ مِنْ مَالِيَّةِ الْأُمِّ وَحُدُوثِ مَالِيَّةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا صَارَ مَالًا بِالِانْفِصَالِ، وَقَبْلَهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بَيْعًا، وَهِبَةً وَنَحْوَهُ فَإِذَا صَارَ مَالًا بِهِ انْعَدَمَ ظُهُورُ النُّقْصَانِ بِهِ فَانْتَفَى الضَّمَانُ فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِالْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ لَا يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْلَفُوا بِالشَّهَادَةِ قَدْرَ مَا أَتْلَفُوا بِهَا فَلَا يُعَدُّ إتْلَافًا لِاتِّحَادِ السَّبَبِ كَذَا هَذَا، وَكَمَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَرَدَّهُ مَعَ أَرْشِ الْيَدِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ نُقْصَانُهُ بِالْأَرْشِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اتِّحَادِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً) كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ مُنْفَصِلَةً) كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ وَالْعُقْرِ وَاللَّبَنِ وَالْكَسْبِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِيرُ غَصْبًا) أَيْ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ حَدُّ الْغَصْبِ فِي الزِّيَادَةِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا صُنْعَ لِلْغَاصِبِ فِي إحْدَاثِ الْوَلَدِ فَصَارَ كَمَا إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ فَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الصُّنْعُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ وَاجِبَ الرَّدِّ إلَى مَالِكِ الْأَصْلِ حَتَّى إذَا فَوَّتَ الرَّدَّ بِالتَّعَدِّي كَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ يَكُونُ ضَامِنًا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا)، وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَالْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهِيَ أَنَّ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ عِنْدَنَا أَمَانَةٌ مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً، وَعِنْدَهُ مَضْمُونَةٌ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ مَضْمُونًا عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْجَبِرَ بِهِ نُقْصَانُ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِضَمَانِ نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ ضَمَانَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَتَأَدَّى بِهِ ضَمَانَانِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ فِي وَلَدِ الظَّبْيَةِ إذَا أُخْرِجَتْ مِنْ الْحَرَمِ وَانْتَقَصَتْ بِالْوِلَادَةِ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَابِرًا نُقْصَانَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ ضَمَانَ غَيْرِهِ فَأَمَّا زُفَرُ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ أَنَّ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ أَمَانَةٌ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ النُّقْصَانُ مُنْجَبِرًا بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ جَابِرًا لِمِلْكِهِ. اهـ. .
стр. 1525
السَّبَبِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْوَاحِدَ لَمَّا أَثَّرَ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْغَاصِبِ أَنْ يَرُدَّ مَا غَصَبَ، وَمَالِيَّتَهُ كَمَا غَصَبَهُ مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ جَارِيَةً سَمِينَةً فَمَرِضَتْ عِنْدَهُ، وَهَزَلَتْ ثُمَّ تَعَافَتْ وَسَمِنَتْ حَتَّى عَادَتْ مِثْلَ مَا كَانَتْ فَرَدَّهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مُطْلَقُ الْفَوَاتِ يُوجِبُ الضَّمَانَ لَضَمِنَ، وَكَذَا إذَا سَقَطَ سِنُّهَا أَوْ قَلَعَهُ الْغَاصِبُ فَنَبَتَ مَكَانَهُ أُخْرَى فَرَدَّهَا سَقَطَ ضَمَانُهَا عَنْهُ، وَقَوْلُهُمَا: كَيْفَ يُجْبَرُ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ قُلْنَا لَيْسَ هَذَا بِجَبْرٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ اعْتِبَارٌ لِمِلْكِهِ مُنْفَصِلًا بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّحِدًا كَمَا إذَا غَصَبَ نُقْرَةَ فِضَّةٍ فَقَطَعَهَا فَإِنَّهُ يَرُدُّهُمَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا إذَا لَمْ تَنْقُصْ بِالْقَطْعِ وَوَلَدُ الظَّبْيَةِ مَمْنُوعَةٌ فَإِنَّ نُقْصَانَهَا يُجْبَرُ بِوَلَدِهَا عِنْدَنَا فَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا، وَكَذَا إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ مَمْنُوعَةً فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْأُمَّ إذَا مَاتَتْ، وَفِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِقِيمَتِهَا بَرِئَ الْغَاصِبُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُجْبَرُ بِالْوَلَدِ قَدْرُ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ وَيَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ وَتَخْرِيجُهُ أَنَّ الْوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الْأُمِّ إذْ لَا تُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا فَيَكُونُ مَوْتُهَا بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ مِنْ الْعَوَارِضِ، وَهِيَ تَرَادُفُ الْآلَامِ وَكِبَرُ الْوَلَدِ وَضِيقُ الْمَخْرَجِ فَلَمْ يَتَّحِدْ سَبَبُ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ، وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا اتَّحَدَ. وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمَالِكِ مَالِيَّةُ الْمَغْصُوبِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِبَرَاءَةِ الْغَاصِبِ وَالْخِصَاءُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ غَرَضُ بَعْضِ الْفَسَقَةِ وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ الْعَبْدَ الْخَصِيَّ، وَهَلَكَ عِنْدَهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ خَصِيًّا، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ غَيْرَ خَصِيٍّ، وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ الْغَاصِبُ بَعْدَمَا خَصَاهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَالِكِ بِمَا زَادَ الْخِصَاءُ، وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُعْتَبَرَةً لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ كَمَا يَرْجِعُ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ هَكَذَا ذَكَرُوهُ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ بِالْخِصَاءِ مَعَ رَدِّهِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْغَاصِبَ إذَا خَصَاهُ وَازْدَادَتْ قِيمَتُهُ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا فَاتَ بِالْخِصَاءِ مَعَ رَدِّ الْمَخْصِيِّ بَلْ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ وَتَرَكَ الْمَخْصِيَّ لِلْغَاصِبِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى التَّتِمَّةِ وَقَاضِي خَانْ فَكَانَ الْأَقْرَبُ هُنَا أَنْ يُمْنَعَ فَلَا يَلْزَمُنَا، وَلَا اتِّحَادَ فِي السَّبَبِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ الْقَطْعُ وَالْجَزُّ، وَسَبَبَ الزِّيَادَةِ النُّمُوُّ، وَسَبَبَ النُّقْصَانِ التَّعْلِيمُ، وَسَبَبَ الزِّيَادَةِ الْفِطْنَةُ مِنْ الْعَبْدِ وَفَهْمُهُ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ زَنَى بِمَغْصُوبَةٍ فَرُدَّتْ فَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وَلَا تُضْمَنُ الْحُرَّةُ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا لَا تُضْمَنُ الْأَمَةُ أَيْضًا إلَّا نُقْصَانَ الْحَبَلِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ قَدْ صَحَّ مَعَ الْحَبَلِ، وَلَكِنَّهَا مَعِيبَةٌ بِالْحَبَلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نُقْصَانُ الْعَيْبِ ثُمَّ هَلَاكُهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فِي يَدِ الْمَالِكِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّدُّ، وَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ إلَّا النُّقْصَانَ كَمَا إذَا حُمَّتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَرَدَّهَا، وَمَاتَتْ مِنْ تِلْكَ الْحُمَّى أَوْ زَنَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَرَدَّهَا وَجُلِدَتْ بَعْدَ الرَّدِّ عِنْدَ الْمَالِكِ، وَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا نُقْصَانَ عَيْبِ الزِّنَا، وَكَذَا الْمَبِيعَةُ إذَا سَلَّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي، وَهِيَ حُبْلَى، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِالْحَبَلِ، وَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ اتِّفَاقًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا كَمَا أَخَذَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا، وَلَمْ يَنْعَقِدْ فِيهَا سَبَبُ التَّلَفِ وَرَدَّهَا، وَفِيهَا ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ فَصَارَ كَمَا إذَا جَنَتْ جِنَايَةً فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَقُتِلَتْ بِهَا أَوْ دُفِعَتْ بِهَا بَعْدَ الرَّدِّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهَا عَلَى الْغَاصِبِ كَذَا هَذَا بِخِلَافِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ حَتَّى نَقُولَ يَبْقَى ضَمَانُ الْغَصْبِ وَيَفْسُدُ بِهِ الرَّدُّ، وَلَا يَجِبُ رَدُّهَا أَصْلًا فَافْتَرَقَا، وَفِي فَصْلِ الشِّرَاءِ لَا يَجِبُ الرَّدُّ بَلْ ابْتِدَاءُ التَّسْلِيمِ كَمَا، وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ إنْ كَانَ وَقْتَ الْعَقْدِ سَلِيمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ السَّلِيمِ، وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَعِيبِ وَبِمَوْتِهَا بِالْوِلَادَةِ لَا يَنْعَدِمُ التَّسْلِيمُ، وَفِي الْغَصْبِ السَّلَامَةُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الرَّدِّ فَمَا لَمْ يَرُدَّ مِثْلُ مَا أَخَذَهَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَافْتَرَقَا عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ كَالِاسْتِحْقَاقِ، وَفِي فَصْلِ الْحُمَّى الْمَوْتُ يَحْصُلُ بِزَوَالِ الْقُوَى، وَأَنَّهَا تَزُولُ بِتَرَادُفِ الْآلَامِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْتُ حَاصِلًا بِسَبَبٍ وُجِدَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ قَدْرِ مَا كَانَ عِنْدَهُ دُونَ الزِّيَادَةِ.
قَالَ ﵀: (وَمَنَافِعُ الْغَصْبِ وَخَمْرُ الْمُسْلِمِ وَخِنْزِيرُهُ بِالْإِتْلَافِ) أَيْ لَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ) أَيْ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْحَبَلِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْمَسَائِلِ، أَمَّا مَسْأَلَةُ الشِّرَاءِ مَنَعَهَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا فَقَالَ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَلَّمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ، وَمَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ فَقَالَ فِي الْغَصْبِ الْوَاجِبُ نَسْخُ فِعْلِهِ بِالرَّدِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُخِذَ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حَيْثُ هَلَكَتْ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَلَا جَرَمَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَفِي الشِّرَاءِ الْوَاجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ لَا الرَّدُّ، وَالتَّرَدُّدُ فِي كَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى التَّلَفِ أَمْ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّدِّ، وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْمَبِيعَ كَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَبِمَوْتِهَا فِي النِّفَاسِ لَا يَنْعَدِمُ التَّسْلِيمُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُ الثَّمَنَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ السَّلِيمِ) يُنَافِي قَوْلَهُمْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ السَّلَامَةُ وَلِهَذَا يَرْجِعُ إذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بَعْدَ امْتِنَاعِ الرَّدِّ لَا بِصُنْعِهِ. اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَمَنَافِعُ الْغَصْبِ) قَالَ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ: الْمَنَافِعُ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ سَوَاءٌ صَرَفَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ عَطَّلَهَا عَلَى الْمَالِكِ. صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: رَجُلٌ غَصَبَ عَبْدًا فَأَمْسَكَهُ شَهْرًا حَتَّى صَارَ غَاصِبًا لِلْمَنَافِعِ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ حَتَّى صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا عِنْدَنَا لَا تُضْمَنُ هَذِهِ الْمَنَافِعُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُضْمَنُ وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَلَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ فِي رُكُوبِ الدَّابَّةِ
стр. 1526
وَخَمْرُ الْمُسْلِمِ وَخِنْزِيرُهُ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْحُرَّةِ فِي قَوْلِهِ، وَلَا تُضْمَنُ الْحُرَّةُ أَمَّا مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ فَالْمَذْكُورُ مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تُضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مَضْمُونَةٌ بِالْعُقُودِ كَالْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ اسْمٌ لِمَا تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مَخْلُوقٌ لِمَصَالِحِنَا، وَالْمَنَافِعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ صَدَاقًا، وَلَمْ يُشْرَعْ ابْتِغَاءُ النِّكَاحِ إلَّا بِالْمَالِ بِالنَّصِّ، وَلَوْلَا أَنَّهَا مَالٌ لَمَا صَحَّتْ صَدَاقًا وَلِهَذَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ الْعَبْدِ التَّاجِرِ، وَلَوْلَا أَنَّهَا مَالٌ لَمَا مَلَكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَقْدَ بِغَيْرِ الْمَالِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ أَنَّ الْأَعْيَانَ إنَّمَا تَصِيرُ مَالًا بِاعْتِبَارِ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَمَالًا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَيْسَ بِمَالٍ فَإِذَا لَمْ تَصِرْ الْأَعْيَانُ مَالًا إلَّا بِاعْتِبَارِهَا فَكَيْفَ تَنْعَدِمُ الْمَالِيَّةُ فِيهَا، وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِزَّةِ، وَهِيَ عَزِيزَةٌ بِنَفْسِهَا عِنْدَ النَّاسِ وَلِهَذَا يُبَدِّلُونَ الْأَعْيَانَ لِأَجْلِهَا بَلْ تُقَوَّمُ الْأَعْيَانُ بِاعْتِبَارِهَا فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا تَكُونَ هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ
وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا ﵄ حَكَمَا بِوُجُوبِ قِيمَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ وَحُرِّيَّتِهِ وَرَدِّ الْجَارِيَةِ مَعَ عُقْرِهَا عَلَى الْمَالِكِ، وَلَمْ يَحْكُمَا بِوُجُوبِ أَجْرِ مَنَافِعِ الْجَارِيَةِ وَالْأَوْلَادِ مَعَ عِلْمِهِمَا أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَطْلُبُ جَمِيعَ حَقِّهِ، وَأَنَّ الْمَغْرُورَ كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا مَعَ أَوْلَادِهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُ لَمَا سَكَتَا عَنْ بَيَانِهِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمَا؛ وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ حَدَثَتْ بِفِعْلِهِ، وَكَسْبِهِ، وَالْكَسْبُ لِلْمَكَاسِبِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ النَّاسِ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ» فَلَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ؛ وَلِأَنَّ الْغَصْبَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ فَيَسْتَحِيلُ غَصْبُهَا، وَكَذَا إتْلَافُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَمَّا أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهَا الْإِتْلَافُ قَبْلَ وُجُودِهَا أَوْ حَالَ وُجُودِهَا أَوْ بَعْدَ وُجُودِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ أَمَّا قَبْلَ وُجُودِهَا فَلِأَنَّ إتْلَافَ الْمَعْدُومِ لَا يُمْكِنُ، وَأَمَّا حَالَ وُجُودِهَا فَلِأَنَّ الْإِتْلَافَ إذَا طَرَأَ عَلَى الْوُجُودِ رَفَعَهُ فَإِذَا قَارَنَهُ مَنَعَهُ
وَأَمَّا بَعْدَ وُجُودِهَا فَلِأَنَّهَا تَنْعَدِمُ كَمَا وُجِدَتْ فَلَا يُتَصَوَّرُ إتْلَافُ الْمَعْدُومِ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمْوَالًا مَضْمُونَةً لَضُمِنَتْ بِالْمَنَافِعِ لِكَوْنِهَا مَثَلًا لَهَا، وَهُوَ أَعْدَلُ فَإِذَا لَمْ تُضْمَنْ بِهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُضْمَنَ بِالْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَاضَ لَيْسَتْ بِمِثْلٍ لِلْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَبْقَى لَا يَكُونُ مِثْلًا لِمَا يَبْقَى، وَضَمَانُ الْعُدْوَانِ مَشْرُوطٌ بِالْمُمَاثَلَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْإِجَارَةُ أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ أَوْ لِكَوْنِهَا بِرِضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الشَّيْءِ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ فَبَطَلَتْ الْمُقَايَسَةُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَنْفَعَةِ مِثْلٌ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِبَدَلِهَا فَيُؤَخَّرُ إلَى دَارِ الْجَزَاءِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لَهُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ لِلْعَجْزِ لَا لِعَدَمِ الْحَقِّ، وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ لَكْمَةٍ لَا أَرْشَ لَهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ إيذَاءٍ حَصَلَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لَا يُسَلَّمُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عِبَارَةٌ عَنْ إحْرَازِ الشَّيْءِ وَادِّخَارِهِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ فِي نَوَائِبِ الدَّهْرِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَنَافِعِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ فُلَانٌ مُتَمَوِّلٌ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ مَوْجُودٌ مُحَرَّزٌ مُدَّخَرٌ، وَلَا يُقَالُ فُلَانٌ مُتَمَوِّلٌ، وَلَا مَالَ لَهُ بِالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَبِكُلِّ مَا يَسْتَعْمِلُهُ وَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ الْمَنَافِعُ مِنْ الثُّلُثِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ حَتَّى جَازَ لَهُ إعَارَةُ جَمِيعِ مَالِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ مَالًا لَمَا جَازَ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ وَجَوَازُهَا مَهْرًا بِاتِّفَاقِهِمَا؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مَالًا بِالتَّرَاضِي وَلِهَذَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ الْعَبْدِ التَّاجِرِ، وَأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَالْمُضَارِبِ وَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَقَوْلُهُ الْمَالُ مَخْلُوقٌ لِمَصَالِحِنَا إلَخْ قُلْنَا هُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِصِفَةِ الْإِحْرَازِ سُمِّيَ مَالًا وَالْمَنَافِعُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ بَقَائِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا خَمْرُ الْمُسْلِمِ وَخِنْزِيرُهُ فَلِعَدَمِ تَقَوُّمِهِمَا فِي حَقِّهِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِيهِمَا قَالَ ﵀: (وَضَمِنَ لَوْ كَانَا لِذِمِّيٍّ) أَيْ ضَمِنَ مُتْلِفُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إنْ كَانَا لِذِمِّيٍّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَسُكْنَى الدَّارِ أَجْرٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرْكَبْهَا، وَلَا سَكَنَهَا، وَلَكِنْ حَبَسَهَا أَيَّامًا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
قَالَ مَشَايِخُنَا: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا يَضْمَنُ الْمَنَافِعَ بِالْغَصْبِ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى مَنَافِعُ الْعَقَارِ الْمَوْقُوفَةِ مَضْمُونَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ أَوْ لَا نَظَرًا لِلْوَقْفِ، وَفِي الْمُجْتَبَى، وَأَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ يُفْتُونَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْتَغَلَّاتِ وَالْأَوْقَافِ، وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيُوجِبُونَ أَجْرَ مَنَافِعِهَا عَلَى الْغَصَبَةِ. اهـ مِعْرَاجٌ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا حَكَمَا بِوُجُوبِ قِيمَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ) أَيْ الَّذِي وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ نِكَاحٍ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لَضُمِنَتْ بِالْمَنَافِعِ) أَيْ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لَا يُمْكِنُ أَنْ تُضْمَنَ بِالْأَعْيَانِ) أَيْ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. اهـ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: بِالنَّصِّ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَضَمِنَ لَوْ كَانَا لِذِمِّيٍّ) قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي: نَصْرَانِيٌّ غَصَبَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ خَمْرًا فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ مِثْلَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَقْرَضَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ يَصِحُّ وَيَجِبُ مِثْلُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ خِنْزِيرًا عَلَى ذِمِّيٍّ ذِمِّيٌّ مِثْلُهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خِنْزِيرًا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا، وَلَا يَضْمَنُ مِثْلَهَا، وَلَوْ أَتْلَفَ مُسْلِمٌ عَلَى ذِمِّيٍّ خِنْزِيرًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: فَلَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا تَقَوُّمٌ عِنْدَهُ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ثُمَّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀: وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ إذَا أَتْلَفَهُ الْمُسْلِمُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا كَذَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ كَالْخَمْرِ فَيَضْمَنُهُ كَمَا يَضْمَنُ الْخَمْرَ إلَّا أَنَّ فِي الْخَمْرِ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ فَوَجَبَتْ
стр. 1527
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَضْمَنُهُمَا لِذِمِّيٍّ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ لَهُ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِي حَقِّهِمْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي الْأَحْكَامِ.
قَالَ ﵊: «فَإِذَا قَبِلُوا عَقْدًا لِذِمَّةٍ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ»، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ حَقٍّ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ لَا أَنَّ حَقَّهُمْ يَزِيدُ عَلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فَيَثْبُتُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِالْإِسْلَامِ إذْ الْخَلَفُ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فَيَسْقُطُ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّهِمْ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا كَمَا لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَلَنَا أَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ، وَمَا يَدِينُونَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁ حِينَ سَأَلَ عَمَّا لَهُ مَاذَا تَصْنَعُونَ بِمَا يَمُرُّ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْخُمُورِ فَقَالُوا نُعَشِّرُهَا فَقَالَ لَا تَفْعَلُوا وَوَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا فَلَوْلَا أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ وَبَيْعُهَا جَائِزٌ لَهُمْ لَمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالِاجْتِنَابِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] يَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمَ فَانْتَسَخَ فِي حَقِّهِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ عَلَى مَا يُعْتَقَدُ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ وَالْمُحَاجَّةَ مَوْضُوعَانِ عَنْهُمْ فَتَعَذَّرَ الْإِلْزَامُ بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْتَقِدُ تَمَوُّلَهُمَا وَبِخِلَافِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنْ عُقُودِهِمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَلَا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ»؛ وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١].
وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدُّ يَكُونُ لِلذِّمِّيِّ فَإِنَّا نَقْتُلُهُ؛ لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ وَبِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا إذَا كَانَ لِمَنْ يُبِيحُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ وَالسَّيْفِ ثَابِتَةٌ فَيُمْكِنُ إلْزَامُهُ فَلَا يَجِبُ لَهُ عَلَى مُتْلِفِهِ الضَّمَانُ، وَلَا عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ الثَّمَنُ، وَلَا يَنْعَقِدُ صَحِيحًا ثُمَّ الْمُسْلِمُ إذَا أَتْلَفَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ وَتَمَلُّكِهِ إيَّاهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِهَا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا اسْتَهْلَكَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَارُ إلَى الْقِيمَةِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَمْلِيكِهَا وَتَمَلُّكِهَا فَلَا يُصَارُ إلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَعْدَلُ، وَلَوْ أَسْلَمَ الطَّالِبُ بَعْدَ مَا قُضِيَ لَهُ بِمِثْلِهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ فِي حَقِّهِ لَيْسَتْ بِمُتَقَوِّمَةٍ فَكَانَ بِإِسْلَامِهِ مُبْرِئًا لَهُ عَمَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْخَمْرِ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَا؛ لِأَنَّ فِي إسْلَامِهِمَا إسْلَامَ الطَّالِبِ، وَلَوْ أَسْلَمَ الْمَطْلُوبُ وَحْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَسْلَمَ الطَّالِبُ بَعْدَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﵀ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: ﵀ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الطَّارِئَ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ كَالْإِسْلَامِ الْمُقَارِنِ لِلسَّبَبِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ قِيمَةِ الْخَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكَذَا الطَّارِئُ وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ قَبْضَ الْخَمْرِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي الذِّمَّةِ قَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهَا بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ قِيمَتِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَجِبَ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ السَّبَبِ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ أَوْجَبَ عَيْنَ الْخَمْرِ دُونَ الْقِيمَةِ، وَلَمْ تَكُنْ الْقِيمَةُ وَاجِبَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْخَمْرِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْقِيمَةُ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قِيمَةَ الْحَيَوَانِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْحَيَوَانِ حَتَّى إذَا جَاءَ بِقِيمَتِهِ بَعْدَ الْإِتْلَافِ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ كَمَا إذَا جَاءَ بِالْحَيَوَانِ فَيَكُونُ أَدَاءُ قِيمَةِ الْخِنْزِيرِ كَتَسْلِيمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمُسْلِمُ لَا يَمْلِكُ تَسْلِيمَ الْخِنْزِيرِ فَلَا يَمْلِكُ تَسْلِيمَ قِيمَتِهِ أَيْضًا بِخِلَافِ قِيمَةِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ جُمْلَةِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَقِيمَةُ مَالِهِ مِثْلٌ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى عَيْنِهِ شَرْعًا فَلَا يَكُونُ أَدَاءُ الْقِيمَةِ كَتَمْلِيكِ الْخَمْرِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ فِي إتْلَافِ الْمُسْلِمِ الْخِنْزِيرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ
وَفِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا اسْتَهْلَكَ الْمُسْلِمُ خَمْرًا عَلَى ذِمِّيٍّ ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي مَرَّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ قُبَيْلَ بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَهَا الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ إذَا كَانَا عَيْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَا دَيْنَيْنِ فَالْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي الْخَمْرِ تَجِبُ الْقِيمَةُ، وَفِي الْخِنْزِيرِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَضْمَنُهُمَا لِذِمِّيٍّ أَيْضًا) احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] أَيْ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى حُرْمَةُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِحُرْمَتِهِمَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ) وَلَكِنْ هَذَا فِي الْمَيْتَةِ الَّتِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا؛ لِأَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ، وَمَخْنُوقَتَهُ، وَمَوْقُوذَتَهُ مَالٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي الْمُخْتَلِفِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ أَلَا تَرَى إلَى مَا قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ التَّقْرِيبِ: وَذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ كَافِرٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ لَنَا أَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ أُقِرُّوا عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ كَالْخَمْرِ وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ مَيْتَةٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] وَرَوَى أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ فِي عُهُودِهِمْ، وَمَنْ أَرْبَى فَلَا عَهْدَ لَهُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَمْلِيكِهَا وَتَمَلُّكِهَا) قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ فِيمَنْ أَتْلَفَ صَلِيبًا عَلَى نَصْرَانِيٍّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ صَلِيبًا؛ لِأَنَّا أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ فَصَارَ كَالْخَمْرِ الَّتِي هُمْ الْمُقَرُّونَ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الذِّمِّيَّ يُمْنَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ إلَّا شُرْبَ الْخَمْرِ، وَأَكْلَ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّا اسْتَثْنَيْنَاهُ بِالْأَمَانِ وَلَوْ غَنُّوا وَضَرَبُوا بِالْعِيدَانِ مَنَعْنَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا نَمْنَعُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَثْنَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ، كَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ. اهـ.
стр. 1528
مِنْ شَرْطِ الْبَدَلِيَّةِ تَمْلِيكَ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَالذِّمِّيُّ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِ كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَلِانْعِدَامِ الشَّرْطِ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِيمَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ كَسَرَ قَلْبَ غَيْرِهِ ثُمَّ تَلِفَ الْمَكْسُورُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُضَمِّنَ الْكَاسِرَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ تَضْمِينِ قِيمَتِهِ تَمْلِيكُ الْمَكْسُورِ مِنْهُ، وَذَلِكَ قَدْ فَاتَ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ الْمُقَارِنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْغَصْبُ وَالِاسْتِهْلَاكُ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ كَمَا فِي غَصْبِ الْمُدَبَّرِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ غَصَبَ خَمْرًا مِنْ مُسْلِمٍ فَخَلَّلَ أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَ فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُمَا وَرَدُّ مَا زَادَ الدِّبَاغُ) أَيْ يَأْخُذُ الْخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَالْجِلْدَ الْمَدْبُوغَ يَأْخُذُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ إذَا خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إلَى الظِّلِّ، وَمِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ، وَبِالثَّانِي إذَا دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ كَالْعَفْصِ وَالْقَرَظِ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّخْلِيلَ تَطْهِيرٌ لَهَا بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَتَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ لَمْ تَثْبُتْ بِفِعْلِهِ وَبِهَذَا الدِّبَاغِ اتَّصَلَ بِالْجِلْدِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَلِهَذَا يَأْخُذُ الْخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَأْخُذُ الْجِلْدَ وَيُعْطَى مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ الْجِلْدِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوغٍ، وَإِلَى قِيمَتِهِ مَدْبُوغًا فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَحَقِّ الْحَبْسِ فِي الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ وَالرَّهْنِ بِالدَّيْنِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ بِالْجُعْلِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ أَتْلَفَهُمَا ضَمِنَ الْخَلَّ فَقَطْ) أَيْ إنْ أَتْلَفَ الْغَاصِبُ الْخَلَّ وَالْجِلْدَ الْمَدْبُوغَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُمَا إلَى صَاحِبِهِمَا ضَمِنَ الْخَلَّ، وَلَا يَضْمَنُ الْجِلْدَ الْمَدْبُوغَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَضْمَنُ قِيمَةَ الْجِلْدِ أَيْضًا مَدْبُوغًا وَيُعْطَى مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ فِيهِ وَلِهَذَا يَأْخُذُهُ، وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَيَضْمَنُهُ لَهُ مَدْبُوغًا بِالِاسْتِهْلَاكِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخَلِّ ثُمَّ يُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ فَإِنَّ الْغَاصِبَ فِيهِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا وَيُعْطِيهِ الْمَالِكُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبُ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَإِذَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ خَلَفًا عَنْهُ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَالْمُسْتَعَارِ بِخِلَافِ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّفْوِيتُ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ وَالِاسْتِهْلَاكُ جِنَايَةٌ فَيَضْمَنُهُ بِهِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسْتَأْجَرَةِ.
وَكَذَا لَوْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ يَضْمَنُهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْهَلَاكَ يُفَارِقُ الِاسْتِهْلَاكَ، وَقَوْلُهُمَا يُعْطَى مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِأَنْ قُضِيَ لِأَحَدِهِمَا بِالدَّرَاهِمِ وَلِلْآخَرِ بِالدَّنَانِيرِ، وَأَمَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَيُحَطُّ عَنْ الْغَاصِبِ قَدْرُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَاقِي لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ ثُمَّ الرَّدُّ عَلَيْهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ مَالِيَّتَهُ وَتَقَوُّمَهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْغَاصِبُ، وَفِعْلُهُ مُتَقَوِّمٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِيهِ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ فَكَانَ حَقًّا لَهُ وَالْجِلْدُ تَبَعٌ لِصَنْعَةِ الْغَاصِبِ فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ ثُمَّ الْأَصْلُ، وَهُوَ الصَّنْعَةُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِالْإِتْلَافِ فَكَذَا التَّبَعُ فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ بِخِلَافِ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ حَالَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْمِلْكَ وَالْجِلْدُ غَيْرُ تَابِعٍ لِلصَّنْعَةِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ لِثُبُوتِهِ قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَقَوِّمٍ بِخِلَافِ مَا إذَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ فِيهِ لَمْ تَبْقَ حَقًّا لِلْغَاصِبِ بَعْدَ الِاتِّصَالِ بِالْجِلْدِ وَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ حَبْسُهُ، وَلَا الرُّجُوعُ بِبَدَلِهَا وَبِخِلَافِ الذَّكِيِّ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ فِيهِمَا كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الدَّبْغِ وَالصَّبْغِ فَلَمْ يَكُنْ تَابِعًا لِلصَّبْغِ وَبِخِلَافِ الْمُسْتَعَارِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ لَهُ بِهِ حَقٌّ بِالْكُلِّيَّةِ فَضْلًا أَنْ تَكُونَ الْمَالِيَّةُ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ وَغَيْرُ الْمَضْمُونِ إنَّمَا يُضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَفَادًا مِنْ جِهَةِ الْجَانِي بِعِوَضٍ يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ جِهَتِهِ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمَّا كَانَ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ بِثَمَنٍ يَجِبُ عَلَيْهِ لَهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ الضَّمَانُ بِاسْتِهْلَاكِ الْمَبِيعِ، وَهُنَا مَالِيَّةُ الْمَغْصُوبِ وَتَقَوُّمُهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ بِعِوَضٍ يَجِبُ لَهُ عَلَى الْمَالِكِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ حَتَّى لَوْ حَدَثَتْ الْمَالِيَّةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَسْتَحِقُّهَا عَلَيْهِ يَضْمَنُهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْهَلَاكِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالْهَلَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْلَكْ بِفِعْلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ جِنَايَةٌ كَذَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فَإِذَا اسْتَهْلَكَهُمَا قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَضْمَنُ الْخَلَّ، وَلَا يَضْمَنُ الْجِلْدَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَضْمَنُ الْجِلْدَ مَدْبُوغًا وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ أَمَّا مَسْأَلَةُ الْخَلِّ فَالْمُرَادُ مِنْهَا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ وُجُوهِ التَّخْلِيلِ، وَهُوَ مَا إذَا خَلَّلَهَا مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَالَتْ مَالًا عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ مَالٍ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ فَإِذَا اسْتَهْلَكَهَا الْغَاصِبُ ضَمِنَ قِيمَتَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْغَصْبُ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَاذَا يَضْمَنُ قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمِثْلَ؛ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعٍ لَا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ وَنَصَّ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ فَقَالَ فِي رَجُلٍ غَصَبَ مُسْلِمًا خَمْرًا فَجَعَلَهَا خَلًّا فَاسْتَهْلَكَهَا فَقَالَ عَلَيْهِ خَلٌّ مِثْلُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَوْنُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَعَارَ وَاجِبُ الرَّدِّ فَإِذَا فَوَّتَ الْمُسْتَعِيرُ الرَّدَّ بِاسْتِهْلَاكِهِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، وَإِنْ فَاتَ فَلَا فَكَذَا هُنَا الْجِلْدُ وَاجِبُ الرَّدِّ فَإِذَا فَوَّتَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِذَا هَلَكَ فَلَا. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَالِيَّتَهُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا فَلَا فَائِدَةَ أَنْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَيُعْطِيهِ خَمْسَةً. اهـ. (قَوْلُهُ: فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ) أَيْ لَا يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لِثُبُوتِهِ قَبْلَهَا) أَيْ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الصَّنْعَةِ. اهـ.
стр. 1529
كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ وَالدَّبْغِ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ، وَلَوْ كَانَ قَائِمًا فَأَرَادَ الْمَالِكُ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ فِيمَا إذَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ مُتَقَوِّمٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَا قِيمَةَ لَهُ بِخِلَافِ صَبْغِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ لِلثَّوْبِ قِيمَةً، وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ فَيُضَمِّنَهُ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ صَارَ عَاجِزًا عَنْ الرَّدِّ بِتَرْكِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ، وَفِيهِ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ عِنْدَهُمَا ثُمَّ قِيلَ يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا فِي الِاسْتِهْلَاكِ، وَقِيلَ قِيمَةَ جِلْدٍ ذَكِيٍّ غَيْرِ مَدْبُوغٍ.
وَلَوْ دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا، وَقِيلَ طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوغٍ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الدِّبَاغَةِ هُوَ الَّذِي حَصَّلَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ صِفَةَ الدِّبَاغَةِ تَابِعَةٌ لِلْجِلْدِ، وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْجِلْدِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ عِنْدَ دَفْعِ الْجِلْدِ إلَيْهِ فَإِذَا صَارَ الْجِلْدُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ فَكَذَا تَبِعَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ مُتَقَوِّمٍ، وَلَوْ جَعَلَ الْغَاصِبُ الْجِلْدَ فَرْوًا أَوْ جِرَابًا أَوْ زِقًّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَدَّلَ الِاسْمُ وَالْمَعْنَى بِفِعْلِ الْغَاصِبِ وَبِهِ يَمْلِكُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا ثُمَّ إنْ كَانَ الْجِلْدُ ذَكِيًّا وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلَا خِلَافٍ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ وَالذَّخِيرَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ مَعْنًى.
وَلَوْ خَلَّلَ الْخَمْرَ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ فِيهِ قِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ صَارَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْخَلْطِ بِمَالِهِ اسْتَهْلَكَهُ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ اسْتِهْلَاكٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَصَارَ كَالْجِلْدِ إذَا اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ بِاِتِّخَاذِهِ الْفَرْوَ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَعِنْدَهُمَا أَخَذَهُ الْمَالِك، وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الْمِلْحُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ دَبْغِ الْجِلْدِ وَصَبْغِ الثَّوْبِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَ وَزْنِ الْمِلْحِ مِنْ الْخَلِّ هَكَذَا ذَكَرُوهُ كَأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا الْمِلْحَ مَائِعًا؛ لِأَنَّهُ يَذُوبُ فَيَكُونُ اخْتِلَاطُ الْمَائِعِ بِالْمَائِعِ فَيَشْتَرِكَانِ عِنْدَهُمَا، وَلَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَرْكَهُ عَلَيْهِ وَتَضْمِينَهُ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي دَبْغِ الْجِلْدِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَحْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ لَا يَضْمَنُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي دَبْغِ الْجِلْدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ خَلَّلَهَا بِصَبِّ الْخَلِّ فِيهَا قِيلَ تَكُونُ لِلْغَاصِبِ بِغَيْرِ شَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سَوَاءٌ صَارَتْ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهَا أَوْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ اسْتِهْلَاكٌ عِنْدَهُ وَاسْتِهْلَاكُ الْخَمْرِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَعِنْدَهُمَا إنْ صَارَتْ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهَا فَكَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀:؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ، وَإِنْ صَارَتْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ كَانَ الْخَلُّ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا كَيْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَهْلِكْ الْخَمْرَ فَيَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ خَلَطَ الْخَلَّ بِالْخَلِّ وَالْخَلْطُ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَهْلِكُ بِجِنْسِهِ، وَقِيلَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ فِيهَا أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا سَوَاءٌ صَارَتْ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهَا أَوْ بَعْدَ حِينٍ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ إنَّمَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ إذَا كَانَ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ وُجُوبُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ خَمْرَ الْمُسْلِمِ لَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ. فَصَارَ كَمَا إذَا اخْتَلَطَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَتَبَقَّى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إجْمَاعًا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى قَاضِيخَانْ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ.
قَالَ ﵀: (وَمَنْ كَسَرَ مِعْزَفًا أَوْ أَرَاقَ سَكَرًا أَوْ مُنَصَّفًا ضَمِنَ وَصَحَّ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا لَا يَضْمَنُهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلْمَعْصِيَةِ فَيَسْقُطُ تَقَوُّمُهَا كَالْخَمْرِ؛ وَلِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «بُعِثْت بِكَسْرِ الْمَزَامِيرِ، وَقَتْلِ الْخَنَازِيرِ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ لِلثَّوْبِ قِيمَةً) أَيْ حَتَّى لَوْ غَصَبَهُ جِلْدًا ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوغٍ كَانَ لِصَاحِبِ الْجِلْدِ أَنْ يُضَمِّنَهُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ لِلثَّوْبِ قِيمَةً مَا نَصُّهُ أَيْ قَبْلَ الصَّبْغِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ) قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ، وَهَذَا إذَا أَخَذَ الْمَيْتَةَ مِنْ مَنْزِلِ صَاحِبِهَا فَدَبَغَ جِلْدَهَا فَأَمَّا إذَا أَلْقَى صَاحِبُ الْمَيْتَةِ الْمَيْتَةَ فِي الطَّرِيقِ فَأَخَذَ رَجُلٌ جِلْدَهَا فَدَبَغَهُ فَقَدْ قَالُوا إنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْجِلْدِ لِأَنَّ إلْقَاءَهَا إبَاحَةٌ لِأَخْذِهَا فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الرُّجُوعُ كَإِلْقَاءِ النَّوَى. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَكِنْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوغٍ. اهـ أَتْقَانِيٌّ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَلَّلَ الْخَمْرَ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ فِيهِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَأَمَّا إذَا خَلَّلَهَا بِمِلْحٍ أَلْقَاهُ فِيهَا، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ وَيُعْطِيهِ الْغَاصِبُ مَا زَادَ الْمِلْحُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ دِبَاغِ الْجِلْدِ وَصَبْغِ الثَّوْبِ، وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَهُ وَتَضْمِينَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ التَّضْمِينِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ عَلَى مَا يَجِيءُ بَعْدَ هَذَا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّ ذَلِكَ صَارَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ جَعَلَ الْجَوَابَ فِي الْمِلْحِ عَلَى التَّفْصِيلِ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا قِيمَةَ لَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّخْلِيلِ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَالتَّشْمِيسِ، وَإِنْ أَلْقَى فِيهَا مِلْحًا كَثِيرًا يَأْخُذُهَا الْمَالِكُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَيُعْطِي الْغَاصِبُ مَا زَادَ الْمِلْحُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ دَبْغِ الْجِلْدِ وَصَبْغِ الثَّوْبِ كَذَا ذَكَرَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِيخَانْ فِي شَرْحِهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ) أَيْ اسْتَهْلَكَ الْخَمْرَ الَّذِي جَعَلَهُ خَلًّا بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ فِيهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ إلَخْ) قَائِلُهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ صَرَّحَ بِهِ الْأَتْقَانِيُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَا لَا يَضْمَنُهَا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ. اهـ.
стр. 1530
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» وَالْكَسْرُ هُوَ الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ بِأَمْرِ أُولِي الْأَمْرِ كَالْإِمَامِ لَا يَضْمَنُ فَبِأَمْرِ الشَّرْعِ أَوْلَى وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ سِوَى اللَّهْوِ فَلَا تَبْطُلُ قِيمَتُهُ لِأَجْلِ اللَّهْوِ كَاسْتِهْلَاكِ الْأَمَةِ الْمُغَنِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مُضَافٌ إلَى فِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَجَوَازُ الْبَيْعِ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمَالِيَّةِ.
وَقَدْ وُجِدَ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ بِالْيَدِ إلَى أُولِي الْأَمْرِ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ إلَّا بِاللِّسَانِ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِتْلَافِ بِالْمَنْعِ بِالْأَخْذِ مِنْهُ ثُمَّ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا صَالِحَةً لِغَيْرِ اللَّهْوِ كَمَا فِي الْأَمَةِ الْمُغَنِّيَةِ وَالْكَبْشِ النَّطُوحِ وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ وَالدِّيكِ الْمُقَاتِلِ وَالْعَبْدِ الْخَصِيِّ وَتَجِبُ قِيمَةُ السَّكَرِ وَالْمُنَصَّفِ لَا الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ عَيْنِهِ، وَإِنْ جَازَ فِعْلُهُ بِخِلَافِ الصَّلِيبِ حَيْثُ يَضْمَنَ قِيمَتَهُ صَلِيبًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، ثُمَّ قِيلَ الْخِلَافُ فِي الدُّفِّ وَالطَّبْلِ اللَّذَيْنِ يُضْرَبَانِ لِلَّهْوِ، وَأَمَّا الدُّفُّ وَالطَّبْلُ اللَّذَانِ يُضْرَبَانِ فِي الْعُرْسِ أَوْ الْغَزْوِ فَيَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ شَقَّ زِقًّا فِيهِ خَمْرٌ يَضْمَنُ عِنْدَهُمَا لِإِمْكَانِ الْإِرَاقَةِ بِدُونِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ الْإِرَاقَةُ إلَّا بِهِ.
وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الدِّنَانَ لَا تُضْمَنُ بِالْكَسْرِ إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَالْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا عَلَى قَوْلِهِمَا لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي النِّهَايَةِ، وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي بَابِ الْعَدْوَى وَالْأَعْدَاءِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَصْحَابِنَا ﵏ أَنَّهُ يُهْدَمُ الْبَيْتُ عَلَى مَنْ اعْتَادَ الْفِسْقَ، وَأَنْوَاعَ الْفَسَادِ حَتَّى قَالُوا أَيْضًا لَا بَأْسَ بِالْهُجُومِ عَلَى بَيْتِ الْمُفْسِدِينَ، وَقِيلَ يُرَاقُ الْعَصِيرُ أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ وَيَقْذِفَ بِالزَّبَدِ عَلَى مَنْ اعْتَادَ الْفِسْقَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ أَحْرَقَ الْبَيْتَ عَلَى الثَّقَفِيِّ حِينَ سَمِعَ شَرَابًا فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ هَجَمَ عُمَرُ ﵁ عَلَى نَائِحَةٍ فِي مَنْزِلِهَا ثُمَّ ضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ حَتَّى سَقَطَ خِمَارُهَا فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ سَقَطَ خِمَارُهَا فَقَالَ: إنَّهَا لَا حُرْمَةَ لَهَا وَتَكَلَّمُوا فِي قَوْلِهِ لَا حُرْمَةَ لَهَا قِيلَ مَعْنَاهُ إنَّهَا لَمَّا اشْتَغَلَتْ بِمَا لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ فَقَدْ أَسْقَطَتْ بِمَا صَنَعَتْ حُرْمَتَهَا وَالْتَحَقَتْ بِالْإِمَاءِ، وَرُوِيَ أَنَّ الْفَقِيهَ أَبَا بَكْرٍ الْبَلْخِيّ خَرَجَ عَلَى بَعْضِ نَهْرٍ، وَكَانَ النِّسَاءُ عَلَى شَطِّهِ كَاشِفَاتِ الرُّءُوسِ وَالذِّرَاعِ فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ تَفْعَلُ هَذَا فَقَالَ لَا حُرْمَةَ لَهُنَّ إنَّمَا الشَّكُّ فِي إيمَانِهِنَّ كَأَنَّهُنَّ حَرْبِيَّاتٌ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْأَوَّلُ لِلْأُمَرَاءِ وَالثَّانِي لِلْعُلَمَاءِ وَالثَّالِثُ لِلْعَوَامِّ. اهـ. اُنْظُرْ مَا يَأْتِي فِي الصَّفْحَةِ الْآتِيَةِ فِي الشَّرْحِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا إلَخْ) قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَسَرَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بَرْبَطًا أَوْ طَبْلًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ خَشَبًا مَنْحُوتًا، وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ خَشَبًا مُخَلَّعًا إنَّمَا الَّذِي يَحْرُمُ مِنْهُ التَّأْلِيفُ، وَقَالَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: كَانُوا يَقُولُونَ إنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ أَنْ لَوْ اُشْتُرِيَ لِشَيْءٍ آخَرَ سِوَى اللَّهْوِ فَيُنْظَرُ لَوْ أَنَّ إنْسَانًا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِيَجْعَلَهُ وِعَاءً لِلْمِلْحِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بِكَمْ يَشْتَرِي فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِيخَانْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا صَالِحَةً لِغَيْرِ الْمَعْصِيَةِ فَفِي الدُّفِّ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ دُفًّا يُوضَعُ الْقُطْنُ فِيهِ، وَفِي الْبَرْبَطِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ قَصْعَةً يُجْعَلُ فِيهَا الثَّرِيدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. اهـ أَتْقَانِيٌّ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ. اهـ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الصَّلِيبِ) أَيْ الَّذِي لِلنَّصْرَانِيِّ إذَا أَتْلَفَهُ الْمُسْلِمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الدُّفُّ وَالطَّبْلُ اللَّذَانِ يُضْرَبَانِ إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَوْ كَانَ طَبْلُ الْغُزَاةِ أَوْ طَبْلُ الصَّيْدِ أَوْ دُفٌّ يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَةُ فِي الْبَيْتِ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ حَكَى عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي طُنْبُورٍ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِمَا حَتَّى قَامَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَوْ كُنْت أَنَا لَقَضَيْت بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَتْ خُصُومَتُهُمَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا كَسَرْتُهُ، وَعَزَّرْتُهُمَا، وَلَوْ كَانَتْ خُصُومَتُهُمَا بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَسَرَهُ وَالْآخَرُ يَطْلُبُ الضَّمَانَ جَزَيْتُ الَّذِي كَسَرَ أَجْرًا وَعَزَّرْتُ الْآخَرَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ بَعْضِ النَّاسِ شَيْئًا مِنْ الْمَعَازِفِ فَكَسَرَهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، وَهَذَا الَّذِي حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا قَالَا إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّفِّ وَالطَّبْلِ إذَا كَانَ لِلَّهْوِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ طَبْلُ الْغُزَاةِ أَوْ الصَّيَّادِينَ يَنْبَغِي أَنْ يُضْمَنَ، وَكَذَلِكَ الدُّفُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهْوِ يَنْبَغِي أَنْ يُضْمَنَ إذَا كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ يَجُوزُ ضَرْبُهُ فِي الْعُرْسِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا أَحْرَقَ الرَّجُلُ بَابًا مَنْحُوتًا عَلَيْهِ تَمَاثِيلُ مَنْقُوشَةٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَنْقُوشٍ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَطَعَ رُءُوسَ التَّمَاثِيلِ قَبْلَ ذَلِكَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَنْقُوشًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَقْشَ التَّمَاثِيلِ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَقَوَّمَ فِي الضَّمَانِ كَمَا لَا يَتَقَوَّمُ الْغِنَاءُ فِي الْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ فَإِذَا قَطَعَ رُءُوسَ التَّمَاثِيلِ فَذَلِكَ نَقْشٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فَيُقَوَّمُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَقَالَ فِيمَنْ أَحْرَقَ بِسَاطًا فِيهِ تَصَاوِيرُ رِجَالٍ ضَمَّنْته مُصَوَّرًا لِأَنَّ التَّمَاثِيلَ فِي الْبِسَاطِ لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِسَاطَ يُوطَأُ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً ضَمَّنْتهَا، وَقَالَ فِيمَنْ هَدَمَ بَيْتًا مُصَوَّرًا بِالْأَصْبَاغِ تَمَاثِيلُ ضَمَّنْته قِيمَةَ الْبَيْتِ، وَأَصْبَاغَهُ غَيْرَ مُصَوَّرٍ؛ لِأَنَّ التَّمَاثِيلَ فِي الْبَيْتِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا كَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ ﵀. (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ) يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ بِالْيَدِ لِلْأُمَرَاءِ لَمْ يَلْزَمْ الضَّمَانُ عَلَى الْكَاسِرِ بِإِذْنِهِمْ. اهـ غَايَةٌ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ عَزَاهُ الْأَتْقَانِيُّ إلَى الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) اُنْظُرْ الصَّفْحَةَ السَّابِقَةَ فِي الشَّرْحِ. اهـ
стр. 1531
فَرْضٌ إنْ كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَا يَسَعُهُ تَرْكُهُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُهَانُ بِذَلِكَ أَوْ يُضْرَبُ، وَهُوَ لَا يَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ تَقَعُ الْفِتَنُ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى الضَّرْبِ وَالضَّرَرِ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ضَرَرٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ مُجَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ، وَلَا يَخَافُ مِنْهُمْ ضَرْبًا، وَلَا شَتْمًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَالْأَمْرُ أَفْضَلُ.
قَالَ ﵀: (وَمَنْ غَصَبَ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرَةً فَمَاتَتْ ضَمِنَ قِيمَةَ الْمُدَبَّرَةِ لَا أُمَّ الْوَلَدِ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا يَضْمَنُ أُمَّ الْوَلَدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُمَا كَالْمُدَبَّرَةِ، وَعِنْدَهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَوَجْهُهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كِتَابُ الشُّفْعَةِ) وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّفْعِ، وَهُوَ الضَّمُّ ضِدُّ الْوِتْرِ، وَمِنْهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُذْنِبِينَ؛ لِأَنَّهُ يَضُمُّهُمْ بِهَا إلَى الْفَائِزِينَ يُقَالُ شَفَعَ الرَّجُلُ شَفْعًا إذَا كَانَ فَرْدًا فَصَارَ لَهُ ثَانٍ، وَالشَّفِيعُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يُضَمُّ الْمَأْخُوذُ إلَى مِلْكِهِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ شُفْعَةً. قَالَ ﵀: (هِيَ تَمَلُّكُ الْبُقْعَةِ جَبْرًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَامَ عَلَيْهِ) هَذَا فِي الشَّرْعِ، وَمَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ مَوْجُودٌ فِيهِ، وَهُوَ الضَّمُّ وَزِيدَ عَلَيْهِ أَوْصَافٌ مِنْ التَّمَلُّكِ لِلْبُقْعَةِ عَلَى وَجْهِ الْجَبْرِ وَسَبَبُهَا اتِّصَالُ مِلْكِ الشَّفِيعِ بِالْمُشْتَرَى؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الدَّخِيلِ عَنْهُ عَلَى الدَّوَامِ بِسَبَبِ سُوءِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُعَامَلَةِ مِنْ حَيْثُ إعْلَاءُ الْجِدَارِ، وَإِيقَادُ النَّارِ، وَمَنْعُ ضَوْءِ النَّهَارِ، وَإِثَارَةُ الْغُبَارِ، وَإِيقَافُ الدَّوَابِّ وَالصِّغَارِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ يُضَادُّهُ كَمَا قِيلَ أَضْيَقُ السُّجُونِ مُعَاشَرَةً الْأَضْدَادُ.
وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ عَقَارًا سُفْلًا كَانَ أَوْ عُلْوًا احْتَمَلَ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا، وَأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ مَالٌ بِمَالٍ. وَرُكْنُهَا أَخْذُ الشَّفِيعِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا. وَشَرْطُهَا وَحُكْمُهَا جَوَازُ الطَّلَبِ عِنْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ. وَصِفَتُهَا أَنَّ الْأَخْذَ بِهَا بِمَنْزِلَةِ شِرَاءٍ مُبْتَدَأٍ حَتَّى يَثْبُتَ بِهَا مَا يَثْبُتُ بِالشِّرَاءِ نَحْوُ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ.
قَالَ ﵀: (وَتَجِبُ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ثُمَّ لِلْخَلِيطِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ كَالشِّرْبِ وَالطَّرِيقِ إنْ كَانَ خَاصًّا ثُمَّ لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكُهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ بَاعَهُ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْأَرَضِينَ وَالدُّورِ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ، وَقَالَ ﵊ «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يَنْتَظِرُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ ﵊ «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ ﵊ «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا كَانَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ مُرَتَّبَةً عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ كِتَابُ الشُّفْعَةِ]
ِ) ذَكَرَ كِتَابَ الشُّفْعَةِ بَعْدَ كِتَابِ الْغَصْبِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمَلُّكُ مَالِ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَفَرْقُهُمَا أَنَّ الشُّفْعَةَ مَشْرُوعٌ وَالْغَصْبَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بَلْ هُوَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُقَدِّمَ كِتَابَ الشُّفْعَةِ لِشَرْعِيَّتِهَا، وَلَكِنْ قَدَّمَ الْغَصْبَ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالْمُزَارَعَاتِ وَغَيْرِهَا لَا سِيَّمَا هَذَا الزَّمَانُ فَإِنَّهُ زَمَانُ الظُّلْمِ وَالْحَيْفِ وَالتَّعَدِّي، وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ
الظُّلْمُ فِي خُلُقِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ... ذَا عِفَّةٍ فَلَعَلَّهُ لَا يَظْلِمُ
اهـ أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ هِيَ تَمَلُّكُ الْبُقْعَةِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ثُمَّ الشُّفْعَةُ عِبَارَةٌ عَنْ حَقِّ التَّمَلُّكِ فِي الْعَقَارِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَسَبَبُهَا اتِّصَالُ مِلْكِ الشَّفِيعِ إلَخْ)، وَقِيلَ سَبَبُهَا الْبَيْعُ كَمَا سَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ. اهـ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَسَبَبُ الشُّفْعَةِ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ الشَّرِكَةُ فِي الْبُقْعَةِ وَالشَّرِكَةُ فِي الْحُقُوقِ وَالْجِوَارُ عَلَى سَبِيلِ الْمُلَاصَقَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْجِوَارِ وَسَيَجِيءُ بَيَانُ الْخِلَافِ. اهـ.
وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ وَالسَّبَبُ فِيهَا أَصْلُ الشَّرِكَةِ لَا قَدْرُهَا، وَأَصْلُ الْجِوَارِ لَا قَدْرُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ لِلدَّارِ شَرِيكٌ وَاحِدٌ أَوْ جَارٌ وَاحِدٌ أَخَذَ كُلَّ الدَّارِ بِالشُّفْعَةِ كَثُرَ شَرِيكُهُ وَجِوَارُهُ أَوْ قَلَّ. اهـ بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ: وَإِيقَافُ الدَّوَابِّ وَالصِّغَارِ) فَإِنْ قَلَّتْ فِي الْمَمْلُوكِ بِالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فَتُنْتَقَضُ عِلَّتُكُمْ قُلْنَا إنَّمَا لَا تَثْبُتُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ لَا يَكْثُرُ وُجُودُهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ وُجُودُهُ وَالثَّانِي لَوْ ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا أَنْ تَثْبُتَ بِعِوَضٍ أَوْ لَا بِعِوَضٍ وَالثَّانِي لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي الشُّفْعَةِ وَالْأَوَّلُ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ بِالتَّمَلُّكِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ أَوْ بِقِيمَتِهِ كَمَا إذَا اشْتَرَى دَارًا بِعَبْدٍ يَأْخُذُهَا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَمْلِكْ الدَّارَ بِثَمَنٍ فَكَيْفَ يَأْخُذُهَا بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخُلْطَةَ سَبَبُ الشُّفْعَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَعَ هَذَا لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ بِالْخَلْطِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ ﵀. (قَوْلُهُ: سُفْلًا كَانَ أَوْ عُلُوًّا) إذْ الشُّفْعَةُ لَا تَجِبُ فِي الْمَنْقُولَاتِ قَصْدًا بَلْ تَثْبُتُ تَبَعًا لِلْعَقَارِ. اهـ مِعْرَاجٌ. (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ) أَيْ، وَمِنْ شَرْطِهَا طَلَبُ الشَّفِيعِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ ﷺ الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ إلَخْ) وَالسَّقَبُ الْقُرْبُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الشُّفْعَةُ وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ بِالسِّينِ وَالصَّادِ جَمِيعًا
стр. 1532
؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الدَّائِمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكُلُّ مَا كَانَ أَكْثَرَ اتِّصَالًا كَانَ أَخَصَّ بِالضَّرَرِ، وَأَشَدَّ تَعَبًا مَعَهُ فَكَانَ أَحَقَّ بِهَا لِقُوَّةِ الْمُوجِبِ لَهَا فَلَيْسَ لِلْأَضْعَفِ أَنْ يَأْخُذَ مَعَ وُجُودِ الْأَقْوَى إلَّا إذَا تَرَكَ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ إذَا أَشْهَدَ بِأَنَّهُ يَطْلُبُهَا عِنْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عِنْدَ ذَلِكَ سَقَطَ حَقُّهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ، وَإِنْ تَرَكَ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِهِ قُلْنَا تَحَقُّقُ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ لِقُوَّتِهِ فَإِذَا تَرَكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ، وَهُوَ نَظِيرُ دَيْنِ الصِّحَّةِ مَعَ دَيْنِ الْمَرَضِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ لِقَوْلِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ ﵊ «قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ ﵊ «إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ ﵊ «إذَا قُسِمَتْ الدَّارُ وَحُدِّدَتْ فَلَا شُفْعَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَيْ لَا يَلْزَمَهُ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْجَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَاسِمُ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْمُشْتَرَكِ إذَا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَالْبِئْرِ وَالْحَمَّامِ وَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنْ لُزُومِ الْمُؤْنَةِ، وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ لِلْجَارِ بِقِسْمَةِ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ مِنْهُ وَحَقُّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَقِّهِمْ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لِدَفْعِ أُجْرَةِ الْقِسْمَةِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَأُجْرَةُ الْقِسْمَةِ مَشْرُوعَةٌ، وَكَيْفَ يَجُوزُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْمُشْتَرِي بِأَخْذِ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ لِدَفْعِ حُكْمٍ مَشْرُوعٍ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ دَفْعُ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ بِسُوءِ الْعِشْرَةِ عَلَى الدَّوَامِ، وَلَوْ كَانَ لِدَفْعِ أُجْرَةِ الْقِسْمَةِ لَوَجَبَتْ فِي الْمَنْقُولِ، وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ خَاصًّا أَيْ الشِّرْبُ أَوْ الطَّرِيقُ إنْ كَانَ خَاصًّا يَسْتَحِقُّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ وَالطَّرِيقُ الْخَاصُّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ نَافِذٍ، وَإِنْ كَانَ نَافِذًا فَلَيْسَ بِخَاصٍّ، وَإِنْ كَانَتْ سِكَّةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ تَتَشَعَّبُ مِنْهَا سِكَّةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ فَبِيعَتْ دَارٌ فِي السُّفْلَى فَلِأَهْلِهَا الشُّفْعَةُ دُونَ أَهْلِ الْعُلْيَا.
وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ فِي الْعُلْيَا فَلِأَهْلِ السِّكَّتَيْنِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ فِي الْعُلْيَا حَقًّا لِأَهْلِ السِّكَّتَيْنِ حَتَّى كَانَ لَهُمْ كُلِّهِمْ أَنْ يَمُرُّوا فِيهَا، وَلَيْسَ فِي السُّفْلَى حَقٌّ لِأَهْلِ الْعُلْيَا حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ أَنْ يَمُرُّوا فِيهَا، وَلَا لَهُمْ فَتْحُ الْبَابِ إلَيْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ. وَالشِّرْبُ الْخَاصُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا صَغِيرًا لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا بِحَيْثُ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ فَلَيْسَ بِخَاصٍّ فَإِذَا بِيعَ أَرْضٌ مِنْ الْأَرَاضِي الَّتِي يُسْقَى مِنْهَا لَا يَسْتَحِقُّ أَهْلُ النَّهْرِ الشُّفْعَةَ بِسَبَبِهِ، وَالْجَارُ أَحَقُّ مِنْهُمْ بِخِلَافِ النَّهْرِ الصَّغِيرِ، وَقِيلَ إذَا كَانَ أَهْلُهُ لَا يُحْصَوْنَ فَهُوَ كَبِيرٌ، وَإِنْ كَانُوا يُحْصَوْنَ فَهُوَ صَغِيرٌ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ مَا يُحْصَى، وَمَا لَا يُحْصَى فَبَعْضُهُمْ قَدَّرَ مَا لَا يُحْصَى بِخَمْسِمِائَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِأَرْبَعِينَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الْخَاصُّ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ قَرَاحَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَامٌّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
كَالصِّرَاطِ يُقَالُ دَارُ فُلَانٍ بِسَقَبِ دَارِ فُلَانٍ أَيْ بِقُرْبٍ مِنْهَا وَأَبْيَاتُ الْقَوْمِ مُتَسَاقِبَةٌ أَيْ مُتَقَارِبَةٌ وَسَقِبْت الدَّارَ، وَأَسْقَبْت لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ وَالْمَنْزِلُ سَقَبٌ، وَمُسْقَبٌ كَذَا فِي الْجَمْهَرَةِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ إلَخْ)، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِثْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَمَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ مِثْلُ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْجَارَ لَهُ شُفْعَةٌ كَذَا ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ:؛ وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ) أَيْ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ لَا يُعْقَلُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (فَرْعَانِ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الشُّفْعَةُ تُسْتَحَقُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ بِالشَّرِكَةِ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ عَقْدُ الْبَيْعِ أَوْ بِالشَّرِكَةِ فِي حُقُوقِ ذَلِكَ أَوْ بِالْجِوَارِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: دَارٌ بَيْنَ قَوْمٍ فِيهَا مَنَازِلُ لَهُمْ فِيهَا شَرِكَةٌ بَيْنَ بَعْضِهِمْ، وَفِيهَا مَا هِيَ مُفْرَدَةٌ لِبَعْضِهِمْ وَسَاحَةُ الدَّارِ مَوْضُوعَةٌ بَيْنَهُمْ يَتَطَرَّقُونَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ فِيهَا وَبَابُ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الْمَنَازِلُ فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ فَبَاعَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فِي الْمَنْزِلِ نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ مِنْ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بِحُقُوقِهِ مِنْ الطُّرُقِ فِي السَّاحَةِ وَغَيْرِهَا فَالشَّرِيكُ فِي الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الشَّرِيكِ فِي السَّاحَةِ، وَمِنْ الشَّرِيكِ فِي الزُّقَاقِ الَّذِي فِيهِ بَابُ الدَّارِ فَإِنْ سَلَّمَ الشَّرِيكُ فِي الْمَنْزِلِ الشُّفْعَةَ فَالشَّرِيكُ فِي السَّاحَةِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ سَلَّمَ الشَّرِيكُ فِي السَّاحَةِ فَالشَّرِيكُ فِي الزُّقَاقِ الَّذِي لَا مَنْفَذَ لَهُ الَّذِي يُشْرَعُ فِيهِ بَابُ الدَّارِ أَحَقُّ بَعْدَهُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْجَارِ الْمُلَاصِقِ وَجَمِيعُ أَهْلِ الزُّقَاقِ الَّذِينَ طَرِيقُهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ فِي الشُّفْعَةِ مَنْ كَانَ فِي أَدْنَاهُ، وَأَقْصَاهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنْ سَلَّمَ الشُّرَكَاءُ فِي الزُّقَاقِ فَالْجَارُ الْمُلَاصِقُ مِمَّنْ لَا طَرِيقَ لَهُ فِي الزُّقَاقِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمُلَاصِقِ مِنْ الْجِيرَانِ شُفْعَةٌ مِمَّنْ لَا طَرِيقَ لَهُ فِي الزُّقَاقِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي دَارٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلِرَجُلٍ فِيهَا طَرِيقٌ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ فَشَرِيكُهُ فِي الدَّارِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِ الطَّرِيقِ قَالَ: وَقَالَ وَكَذَلِكَ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ لِأَحَدِهِمَا حَائِطٌ فِي الدَّارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ يَعْنِي بِأَرْضِهِ فَبَاعَ الَّذِي لَهُ شِرْكٌ فِي الْحَائِطِ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ وَالْحَائِطِ قَالَ فَالشَّرِيكُ فِي الدَّارِ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ الدَّارِ وَلَا شُفْعَةَ لِلشَّرِيكِ فِي الْحَائِطِ فِي الدَّارِ، وَلَهُ الشُّفْعَةُ فِي الْحَائِطِ وَأَرْضِهِ، وَكَذَلِكَ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا بِئْرٌ فِي الدَّارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ فَبَاعَ الَّذِي لَهُ الشِّرْكُ فِي الْبِئْرِ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ وَالْبِئْرِ فَالشَّرِيكُ فِي الدَّارِ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ الدَّارِ، وَلَا شُفْعَةَ لِلشَّرِيكِ فِي الْبِئْرِ فِي الدَّارِ، وَلَهُ شُفْعَةٌ فِي الْبِئْرِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: قَرَاحَانِ) الْقَرَاحُ الْأَرْضُ الْبَارِزَةُ الَّتِي لَمْ يَخْتَلِطْ بِهَا شَيْءٌ وَالْمَاءُ
стр. 1533
وَقِيلَ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ إنْ رَأَوْهُمْ كَثِيرًا كَانُوا كَثِيرًا، وَإِنْ رَأَوْهُمْ قَلِيلًا كَانُوا قَلِيلًا، وَهُوَ أَشْبَهُ الْأَقَاوِيلِ.
قَالَ ﵀: (وَالشَّرِيكُ فِي خَشَبَةٍ عَلَى الْحَائِطِ وَوَاضِعُ الْجُذُوعِ عَلَى الْحَائِطِ جَارٌ)، وَلَا يَكُونُ شَرِيكًا؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْعَقَارِ لَا فِي الْمَنْقُولِ، وَالْخَشَبَةُ مَنْقُولَةٌ، وَبِوَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَى الْحَائِطِ لَا يَصِيرُ شَرِيكًا فِي الدَّارِ، وَكَذَا بِالشَّرِكَةِ فِي الْجُذُوعِ لَا يَكُونُ شَرِيكًا فِيهَا لَكِنَّهُ جَارٌ مُلَازِقٌ لِوُجُودِ اتِّصَالِ بُقْعَةِ أَحَدِهِمَا بِبُقْعَةِ الْآخَرِ فَيَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ عَلَى أَنَّهُ جَارٌ مُلَاصِقٌ، وَلَا يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْجِيرَانِ، وَكَذَا إذَا كَانَ بَعْضُ الْجِيرَانِ شَرِيكًا فِي الْجِدَارِ لَا يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْجِيرَانِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْبِنَاءِ الْمُجَرَّدِ بِدُونِ الْأَرْضِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّفْعَةَ، وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ، وَالْمَكَانُ الَّذِي عَلَيْهِ الْبِنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كَانَ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْجِيرَانِ وَيَتَأَتَّى ذَلِكَ بِأَنْ يَبْنِيَ الشَّرِيكَانِ فِي الْمُشْتَرَكِ ثُمَّ يَقْتَسِمَا الْأَرْضَ غَيْرَ مَوْضِعِ الْبِنَاءِ فَيَبْقَى الْبِنَاءُ، وَمَوْضِعُهُ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ وَالشَّرِيكُ أَوْلَى أَمَّا فِي مَوْضِعِ الْبِنَاءِ فَظَاهِرٌ لِكَوْنِهِ شَرِيكًا فِيهِ، وَأَمَّا فِي الْبَاقِي فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ أَخَصُّ بِهِ حَيْثُ كَانَ شَرِيكًا فِي الْبَعْضِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْجَارِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ هُوَ وَالْجَارُ سَوَاءٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجِدَارِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ الشُّفْعَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجِدَارِ بِالْجِوَارِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْجِيرَانِ يُسَاوُونَهُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ بَعْضُ الْجِيرَانِ شَرِيكًا فِي مَنْزِلٍ مِنْ الدَّارِ أَوْ بَيْتٍ مِنْهَا فَبِيعَتْ الدَّارُ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِالْمَنْزِلِ لِمَا ذَكَرْنَا وَاسْتَوَوْا فِي الْبَقِيَّةِ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ جِيرَانٌ فِي حَقِّ الْبَقِيَّةِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا فِيهَا بِئْرٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ غَيْرِ شَرِيكِهِ فِي الدَّارِ فَبَاعَهَا كَانَ الشَّرِيكُ فِي الدَّارِ أَوْلَى بِشُفْعَةِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهَا وَالْآخَرُ جَارٌ وَالشَّرِيكُ فِي الْبِئْرِ أَوْلَى بِالْبِئْرِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهَا وَالْآخَرُ جَارٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ سُفْلٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِ عُلُوٌّ لِأَحَدِهِمَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَبَاعَ هُوَ السُّفْلَ وَالْعُلُوَّ كَانَ الْعُلُوُّ لِشَرِيكِهِ فِي الْعُلُوِّ وَالسُّفْلُ لِشَرِيكِهِ فِي السُّفْلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرِيكٌ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ فِي حَقِّهِ وَجَارٌ فِي حَقِّ الْآخَرِ أَوْ شَرِيكٌ فِي الْحَقِّ إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا.
قَالَ ﵀: (عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ بِالْبَيْعِ) أَيْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ بِالْبَيْعِ وَتُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ إذَا كَانُوا كَثِيرِينَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى مِقْدَارِ الْأَنْصِبَاءِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ فَأَشْبَهَ الْغَلَّةَ وَالرِّبْحَ وَالْوَلَدَ وَالثَّمَرَةَ، وَلَنَا أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لِوُجُودِ عِلَّةِ اسْتِحْقَاقِ الْكُلِّ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ أَخَذَ الْكُلَّ وَالِاسْتِوَاءُ فِي الْعِلَّةِ يُوجِبُ الِاسْتِوَاءَ فِي الْحُكْمِ، وَلَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْعِلَلِ بَلْ بِقُوَّةٍ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً فَهُمَا سَوَاءٌ، وَكَذَا صَاحِبُ الْجِرَاحَاتِ مَعَ صَاحِبِ جِرَاحَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الْحَزِّ مَعَ الْجُرْحِ فَإِنَّ الْحَزَّ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْمَوْتُ فَكَانَ أَوْلَى بِإِضَافَةِ الْمَوْتِ إلَيْهِ.
وَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْمِلْكِ فَيُسْتَحَقُّ بِقَدْرِ الْمِلْكِ وَتَمَلُّكُ مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْ مِلْكِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ بَلْ الْعِلَّةُ أَصْلُ الْمِلْكِ لَا قَدْرُهُ وَالْحُكْمُ لَا يُزَادُ بِزِيَادَةِ الْعِلَّةِ، وَلَوْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَهُمْ كَانَ لِمَنْ بَقِيَ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لِاسْتِحْقَاقِ الْكُلِّ قَدْ وُجِدَ وَتَقَرَّرَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَالتَّشْقِيصُ لِلْمُزَاحَمَةِ، وَقَدْ زَالَتْ، وَنَظِيرُهُ الرَّهْنُ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ بِكُلِّ الدَّيْنِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَلِهَذَا لَوْ أَوْفَى الْبَعْضَ أَوْ كَانَ رَهْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ فَقُضِيَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ التَّارِكِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَضَاءِ قَطَعَ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا يَقْضِي بِالشُّفْعَةِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَطْلُبَ فَلَا يُؤَخَّرُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ غَائِبًا فَطَلَبَ الْحَاضِرُ يُقْضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ لِمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ إذَا حَضَرَ وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ قُضِيَ لَهُ بِهَا لِتَحَقُّقِ طَلَبِهِ غَيْرَ أَنَّ الْغَائِبَ إذَا كَانَ يُقَاسِمُهُ الْحَاضِرُ لَا يُقْضَى لَهُ بِالْكُلِّ إذَا أَسْقَطَ الْحَاضِرُ حَقَّهُ لِتَحَقُّقِ انْقِطَاعِ حَقِّهِ عَنْ الْبَاقِي بِالْقَضَاءِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قُضِيَ لَلشَّرِيك ثُمَّ تُرِكَ لَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَضَاءِ لَلشَّرِيك انْقَطَعَ حَقُّهُ وَبَطَلَ؛ لِأَنَّهُ قَضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَعْضَ وَيَتْرُكَ الْبَعْضَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْقَرَاحُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ شَيْءٌ كَذَا فِي تَهْذِيبِ الدِّيوَانِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِوَاءُ إلَخْ) لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَارًا مُلَاصِقًا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَالْآخَرُ مُلَاصِقٌ مِنْ ثَلَاثَةِ جَوَانِبَ فَهُمَا سَوَاءٌ. اهـ شَرْحِ مُغْنِي لِلَّقَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْحَزِّ) أَيْ حَزِّ الرَّقَبَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ) أَيْ لِمَنْ بَقِيَ. اهـ.
стр. 1534
يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَعَلَ بَعْضُ الشُّفَعَاءِ نَصِيبَهُ لِبَعْضٍ لَا يَصِحُّ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ بِهِ لِإِعْرَاضِهِ وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْبَاقِينَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ حَاضِرًا وَالْآخَرُ غَائِبًا فَطَلَبَ الْحَاضِرُ الشُّفْعَةَ فِي النِّصْفِ عَلَى حِسَابِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِي النِّصْفِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْكُلَّ وَالْقِسْمَةُ لِلْمُزَاحَمَةِ فَإِذَا تُرِكَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وُجِدَ الْإِعْرَاضُ فِيهِ فَسَقَطَ فِي الْكُلِّ لِكَوْنِهِ لَا يَتَجَزَّأُ، وَكَذَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ فَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُمَا، وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ بَطَلَ حَقُّ مَنْ طَلَبَ النِّصْفَ وَلِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالْبَيْعِ تَتَعَلَّقُ بِتَجِبُ فِي قَوْلِهِ تَجِبُ لِلْخَلِيطِ مَعْنَاهُ تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ أَيْ بَعْدَهُ لَا أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الِاتِّصَالُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالشَّرْطُ رَغْبَةُ الْمَالِكِ عَنْهَا حَتَّى إذَا أَقَرَّ بِالْبَيْعِ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ لِوُجُودِ رَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَقِيلَ الْبَيْعُ هُوَ السَّبَبُ بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّفِيعَ لَوْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ إسْقَاطًا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَلَوْ كَانَ السَّبَبُ الِاتِّصَالَ لَصَحَّ لِكَوْنِهِ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ الْإِسْقَاطُ قَبْلَهُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يَكُونُ سَبَبًا إلَّا عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ. قَالَ ﵀: (وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ)؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ ضَعِيفٌ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لِلِاسْتِقْرَارِ كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ كَمَا سُمِعَ لِقَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا»، وَقَالَ ﵊ «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ»؛ وَلِأَنَّ رَغْبَتَهُ فِيهَا بِذَلِكَ تُعْلَمُ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ طَلَبِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِشْهَادِ.
قَالَ ﵀: (وَتُمْلَكُ بِالْأَخْذِ بِالتَّرَاضِي أَوْ قَضَاءِ الْقَاضِي) أَيْ تُمْلَكُ الدَّارُ الْمَشْفُوعَةُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالْأَخْذِ إذَا سَلَّمَهَا الْمُشْتَرِي بِرِضَاهُ أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ أَخْذٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي قَدْ تَمَّ بِالشِّرَاءِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى الشَّفِيعِ إلَّا بِرِضَاهُ أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةً عَامَّةً فَيَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فِي ضِمْنِ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَوِلَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَوْقَ وِلَايَةِ الْقَاضِي عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ وَنَظِيرُهُ الْهِبَةُ لَمَّا تَمَّ مِلْكُ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ إلَّا أَنَّ أَخْذَ الشُّفْعَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَحْوَطُ حَتَّى كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْأَخْذِ إذَا سَلَّمَ الْمُشْتَرِي لَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ؛ لِأَنَّ فِي الْقَضَاءِ زِيَادَةَ فَائِدَةٍ، وَهِيَ صَيْرُورَةُ الْحَادِثَةِ مَعْلُومَةً لِلْقَاضِي وَتَبَيَّنَ سَبَبُ مِلْكِهِ لَهُ فَإِذَا كَانَتْ الْمَشْفُوعَةُ تُمْلَكُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَقَبْلَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمِلْكِ حَتَّى لَا تُورَثُ عَنْهُ إذَا مَاتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَتَبْطُلُ شُفْعَتُهُ إذَا بَاعَ دَارِهِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا، وَلَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَسْتَحِقُّهَا بِالشُّفْعَةِ لِعَدَمِ مِلْكِهِ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ طَلَبِ الشُّفْعَةِ) قَالَ ﵀: (فَإِنْ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ أَشْهَدَ فِي مَجْلِسِهِ عَلَى الطَّلَبِ ثُمَّ عَلَى الْبَائِعِ لَوْ فِي يَدِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ فَهَذَانِ طَلَبَانِ فَالْأَوَّلُ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَالثَّانِي طَلَبُ التَّقْرِيرِ، وَفِيهِ طَلَبٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ طَلَبُ الْأَخْذِ وَالتَّمَلُّكِ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ فَلِمَا رَوَيْنَا وَبَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى، وَالشَّرْطُ أَنْ يَطْلُبَ كَمَا عَلِمَ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَا سُكُوتٍ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: حَتَّى إذَا أَقَرَّ بِالْبَيْعِ) أَيْ وَجَحَدَ الْمُشْتَرِي. اهـ. (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ رَغْبَتِهِ عَنْهَا) قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ: وَالشُّفْعَةُ تَجِبُ بِرَغْبَةِ الْبَائِعِ عَنْ مِلْكِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ دَارِهِ مِنْ زَيْدٍ فَجَحَدَ زَيْدٌ ذَلِكَ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِأَجْلِ اعْتِرَافِهِ بِخُرُوجِ الشَّيْءِ عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ سَبَبُ الشُّفْعَةِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَلَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ الدَّارَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ أَوْ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِنْ أَثْبَتَ شُفْعَتَهُ بِطَلَبَيْنِ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ وَطَلَبِ التَّقْرِيرِ حَتَّى أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ كَانَ كَرْمًا فَأَكَلَ الْمُشْتَرِي ثِمَارَهُ سِنِينَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَلَا يُطْرَحُ عَنْ الشَّفِيعِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ لِمَا أَكَلَ مِنْ ثِمَارِهِ إذَا كَانَتْ الثِّمَارُ حَدَثَتْ بَعْدَ مَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْكَرْمَ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ يَمْلِكُ بِالْأَخْذِ لَا بِالطَّلَبِ عَلَى الِانْفِرَادِ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. .
[بَابُ طَلَبِ الشُّفْعَةِ]
(بَابُ طَلَبِ الشُّفْعَةِ) (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَشْهَدَ فِي مَجْلِسِهِ عَلَى الطَّلَبِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْإِشْهَادُ فِيهِ أَيْ فِي طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ قَالَ الْكَاكِيُّ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا شَرَطَ هَذَا الطَّلَبَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْ الشُّفْعَةِ حَتَّى يُمْكِنَهُ الْحَلِفُ حِينَ طَلَبَ الْمُشْتَرِي حَلِفَهُ أَنَّهُ طَلَبَهَا كَمَا سَمِعَ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْإِشْهَادَ عِنْدَ الطَّلَبِ لَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةِ هَذَا الطَّلَبِ بَلْ لِاعْتِبَارِ ثُبُوتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي عِنْدَ إنْكَارِهِ الطَّلَبَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ) وَسُمِّيَ الطَّلَبُ الْأَوَّلُ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» أَيْ طَلَبَهَا عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ، وَالْمُبَادَرَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْوُثُوبِ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَثِبُ هُوَ الَّذِي يُسْرِعُ فِي طَيِّ الْأَرْضِ بِمَشْيِهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَالشَّرْطُ أَنْ يَطْلُبَ كَمَا عُلِمَ) أَيْ عَلَى الْفَوْرِ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ إنْسَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَفِي كِتَابِ الْأَجْنَاسِ نُقِلَ عَنْ كِتَابِ الشُّفْعَةِ لِمُوسَى بْنِ نَصْرٍ صَاحِبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ يَحْتَاجُ الشَّفِيعُ أَنْ يَطْلُبَهَا سَاعَةَ بَلَغَهُ الْبَيْعُ وَيَتَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ بِالطَّلَبِ حَضَرَهُ الشُّهُودُ أَوْ لَمْ تَحْضُرْهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ مِنْ قَوْلِ نَفْسِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالطَّلَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ. اهـ أَتْقَانِيٌّ
стр. 1535
رِضَاهُ بِجِوَارِ الْجَارِ الْحَادِثِ، وَمُعَاشَرَتِهِ فَتَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِهِ، وَلَوْ أُخْبِرَ بِكِتَابٍ، وَالشُّفْعَةُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ فَقَرَأَ الْكِتَابَ إلَى آخِرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلُ الرِّضَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِمَا كَالْبِكْرِ لَا يَكُون سُكُوتُهَا رِضًا إلَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالزَّوْجِ ثُمَّ إذَا أُخْبِرَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ يُشْهِدُهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّلَبَ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ، وَالْإِشْهَادُ لِمَخَافَةِ الْجُحُودِ، وَالطَّلَبُ لَا بُدَّ مِنْهُ كَيْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِيُمْكِنَهُ الْحَلِفُ إذَا حَلَفَ وَلِئَلَّا يَكُونَ مُعْرِضًا عَنْهَا وَرَاضِيًا بِجِوَارِ الدَّخِيلِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِعِلْمِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَنْهُ أَنَّ لَهُ التَّأَمُّلَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ كَالْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّأَمُّلِ فِيهِ كَسَائِرِ التَّمَلُّكَاتِ وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ ﵀، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ مَا بَلَغَهُ الْبَيْعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَمْدٌ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ جِوَارِهِ وَالثَّانِي تَعَجُّبٌ مِنْهُ لِقَصْدِ الْإِضْرَارِ بِهِ وَالثَّالِثُ لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِهِ، وَلَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَكَذَا إذَا قَالَ مَنْ ابْتَاعَهَا وَبِكَمْ بِيعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَرْغَبُ فِيهَا بِثَمَنٍ دُونَ ثَمَنٍ وَيَرْغَبُ عَنْ مُجَاوَرَةِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ خَلَّصَنِي اللَّهُ وَيَصِحُّ الطَّلَبُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فِي الْحَالِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ حَتَّى يُخْبِرَهُ بِهِ رَجُلَانِ غَيْرُ عَدْلَيْنِ أَوْ وَاحِدٌ عَدْلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْزَامًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ إمَّا الْعَدَالَةُ أَوْ الْعَدَدُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا مِنْ قَبْلُ مَعَ أَخَوَاتِهَا، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ إذَا أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إذَا كَانَ الْخَبَرُ حَقًّا، وَإِذَا لَمْ يُشْهِدْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِالْإِجْمَاعِ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ، وَالْعَدَالَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْخُصُومِ.
وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ طَلَبُ التَّقْرِيرِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِعِلْمِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ) يَعْنِي أَنَّ عَامَّةَ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَالْأَصْلُ هُنَا أَنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَإِذَا بِيعَتْ الدَّارُ، وَلَهَا شَفِيعٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الشَّفِيعَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِي الْأَصْلِ إنْ لَمْ يَطْلُبْ مَكَانَهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَبَ عَلَى الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَالَ الْكَرْخِيُّ، وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ لَمْ يَطْلُبْ حِينَ بَلَغَهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ سَاعَتَئِذٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَبَ عَلَى الْفَوْرِ ثُمَّ قَالَ الْكَرْخِيُّ وَقَالَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا بَلَغَتْ الشُّفْعَةُ صَاحِبَهَا فَسَكَتَ فَهُوَ رِضًا، وَهُوَ تَرْكٌ لِلشُّفْعَةِ. قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ثُمَّ قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ إذَا بَلَغَهُ فَكَسَتْ هُنَيْهَةً ثُمَّ ادَّعَاهَا مِنْ سَاعَتِهِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ. قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَهَذَا يُفِيدُ الْمَجْلِسَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إنْ تَرَكَ الطَّلَبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ، وَقَالَ شَرِيكٌ لَا تَبْطُلُ أَبَدًا حَتَّى يُبْطِلَهَا بِقَوْلِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ الْفَوْرِ قَوْلُهُ: ﵊ «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا»، وَقَوْلُهُ ﵊ «إنَّمَا الشُّفْعَةُ كَنَشِطَةِ عِقَالٍ إنْ قَيَّدَهَا ثَبَتَتْ وَإِلَّا ذَهَبَتْ». وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَجْلِسِ أَنَّهُ خِيَارُ تَمَلُّكٍ كَخِيَارِ الْقَبُولِ وَالْمُخَيَّرَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَرَوَّى لِيَنْظُرَ هَلْ يَصْلُحُ لَهُ الْأَخْذُ أَمْ لَا يَصْلُحُ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا عَلَى الْمَجْلِسِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ أَوْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِ الطَّلَبِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَعَنْهُ أَنَّ لَهُ التَّأَمُّلَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ) أَيْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ لِلشَّفِيعِ مَجْلِسَ الْعِلْمِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ فِيهِ رِوَايَاتِ الْأَصْلِ وَالنَّوَادِرِ: وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي اخْتِلَافًا فِي رِوَايَةٍ، وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعِبَارَاتِ إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا أَنْ لَا يَكُونَ الطَّلَبُ مُتَرَاخِيًا عَنْ الْحَالِ تَرَاخِيًا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالشُّفْعَةِ أَوْ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى مِثَالِ مَا قَالُوا فِي الْمُخَيَّرَةِ فِي الطَّلَاقِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك، وَكَخِيَارِ الْمُشْتَرِي إذَا أَوْجَبَ لَهُ الْبَائِعُ الْبَيْعَ قَالَ قَدْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرَّدِّ أَوْ الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الْجَوَابِ وَالتَّرْكِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ) يَعْنِي الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ، وَعَنْهُ إلَخْ، وَهِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْكَرْخِيُّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: قَالَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ إنَّ فُلَانًا بَاعَ دَارِهِ، وَهُوَ شَفِيعُهَا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ ادَّعَيْت شُفْعَتَهَا أَوْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ قَدْ ادَّعَيْت شُفْعَتَهَا أَوْ لَقِيَ صَاحِبَهُ الَّذِي يَدَّعِي الشُّفْعَةَ قَبْلَهُ فَبَدَأَهُ بِالسَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الشُّفْعَةَ ثُمَّ ادَّعَاهَا أَوْ قَالَ حِينَ أُخْبِرَ بِالْبَيْعِ مَنْ اشْتَرَاهَا أَوْ بِكَمْ بَاعَهَا أَوْ عَطَسَ صَاحِبُهُ فَشَمَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الشُّفْعَةَ ثُمَّ ادَّعَاهَا قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ فِي هَذَا كُلِّهِ عَلَى شُفْعَتِهِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ ثُمَّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَقَالَ فِي النَّوَازِلِ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ عَنْ الشَّفِيعِ إذَا سَلَّمَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا مِنْ قَبْلُ مَعَ أَخَوَاتِهَا) أَيْ فِي آخِرِ فَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ مِنْ كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي. (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْخَبَرُ حَقًّا) وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْمُعَامَلَاتِ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ كَسَائِرِ أَخْبَارِ الْمُعَامَلَاتِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخْبَرَهُ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ اشْتَرَيْت دَارَ فُلَانٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ طَلَبُ التَّقْرِيرِ) أَيْ وَالْإِشْهَادُ. اهـ هِدَايَةٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى الشَّفِيعُ إذَا عَلِمَ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ وَالْإِشْهَادِ فَإِنْ أَشْهَدَ حِينَ أَصْبَحَ صَحَّ. اهـ أَتْقَانِيٌّ
стр. 1536
فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِشْهَادُ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَيَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْإِشْهَادِ لِلتَّقْرِيرِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَأَشْهَدَ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بِأَنْ بَلَغَهُ الْبَيْعُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعُ حَاضِرٌ أَوْ كَانَ عِنْدَ الْعَقَارِ يَكْفِيهِ وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الطَّلَبَيْنِ، ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. وَكَيْفِيَّةُ هَذَا الطَّلَبِ أَنْ يَنْهَضَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي سَمِعَ فِيهِ وَيُشْهِدَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْإِشْهَادُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَالْبَائِعَ خَصْمٌ فِيهِ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْيَدِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَقَارِ فَلِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ، وَلَا يَكُونُ الْبَائِعُ خَصْمًا بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فَلَا يَصِحُّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَالنَّاطِفِيُّ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِحْسَانًا، وَمُدَّةُ هَذَا الطَّلَبِ مُقَدَّرَةٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْإِشْهَادِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى لَوْ تَمَكَّنَ، وَلَمْ يَطْلُبْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَإِنْ قَصَدَ الْأَبْعَدَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَكَ الْأَقْرَبَ فَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا فِي مِصْرِهِ جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ نَوَاحِيَ الْمِصْرِ جُعِلَتْ كَنَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ حُكْمًا كَأَنَّهُمْ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ فِيهِ، وَالْبَعْضُ فِي مِصْرٍ آخَرَ أَوْ فِي الرُّسْتَاقِ فَقَصَدَ الْأَبْعَدَ وَتَرَكَ الَّذِي فِي مِصْرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِتَبَايُنِ الْمَكَانَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا يَطْلُبُ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ حِينَ يَعْلَمُ ثُمَّ يُعْذَرُ فِي تَأْخِيرِ طَلَبِ التَّقْرِيرِ بِقَدْرِ الْمَسَافَةِ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَصُورَةُ هَذَا الطَّلَبِ أَنْ يَقُولَ إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، وَأَنَا شَفِيعُهَا، وَقَدْ كُنْت طَلَبْت الشُّفْعَةَ، وَأَطْلُبُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْمَبِيعِ وَتَحْدِيدُهُ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَةَ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَا تَصِحُّ فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمَطْلُوبَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُطَالَبَةِ اخْتِصَاصٌ بِالْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمَطْلُوبَ، وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ طَلَبُ الْأَخْذِ وَالتَّمَلُّكِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ بِدُونِ طَلَبِهِ، وَنُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ هَذَا الطَّلَبِ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ﵀: (ثُمَّ لَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ) أَيْ لَا تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِتَأْخِيرِ هَذَا الطَّلَبِ، وَهُوَ طَلَبُ الْأَخْذِ بَعْدَمَا اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ بِالْإِشْهَادِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْمُخَاصَمَةَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ وَالتَّسْلِيمِ كَمَا فِي تَأْخِيرِ الطَّلَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ إنْ أَخَّرَ هَذَا الطَّلَبَ إلَى شَهْرٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَسْقُطْ بِتَأْخِيرِهِ لَلَحِقَ الْمُشْتَرِيَ ضَرَرٌ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ خَشْيَةَ أَنْ يُنْقَضَ تَصَرُّفُهُ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ قَالَ ﵊ «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» ثُمَّ قَدَّرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ كَإِمْهَالِ الْخَصْمِ لِلدَّفْعِ وَالْمَدِينِ لِلْقَضَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَدَّرَهَا بِشَهْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵏؛ لِأَنَّهُ آجِلٌ، وَمَا دُونَهُ عَاجِلٌ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْأَيْمَانِ.
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ بِالْإِشْهَادِ فَلَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الضَّرَرِ يُمْكِنُهُ إزَالَتُهُ بِأَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَأْمُرَهُ بِالْأَخْذِ أَوْ بِالتَّرْكِ عَلَى أَنَّهُ مُشْكِلٌ بِمَا إذَا كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا حَيْثُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَوْ كَانَ ضَرَرُهُ مُرَاعًى لَسَقَطَتْ إذْ لَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الضَّرَرِ فِي حَقِّهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ عَدَمِ قَاضٍ يَرَى الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ فِي بَلَدِهِ لَا تَسْقُطُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ لِكَوْنِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي مِصْرِهِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ شَهْرًا سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي قَصْدِ الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ قَالَ ﵀: (فَإِنْ طَلَبَ عِنْدَ الْقَاضِي سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَرَّ بِمِلْكِ مَا يَشْفَعُ بِهِ أَوْ نَكَلَ أَوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ سَأَلَهُ عَنْ الشِّرَاءِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَوْ نَكَلَ أَوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ قَضَى بِهَا) أَيْ إذَا تَقَدَّمَ الشَّفِيعُ وَادَّعَى الشِّرَاءَ وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ عِنْدَ الْقَاضِي سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي عَنْ الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا الشَّفِيعُ هَلْ هِيَ مِلْكُ الشَّفِيعِ أَمْ لَا فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ أَوْ أَنْكَرَ وَنَكَلَ عَنْ الْعَيْنِ أَوْ أَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ سَأَلَ الْقَاضِي الْمُشْتَرِيَ عَنْ الشِّرَاءِ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ اشْتَرَيْت أَمْ لَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْكَافِي ثُمَّ يَذْهَبُ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ إلَى الدَّارِ أَوْ إلَى الْبَائِعِ أَوْ إلَى الْمُشْتَرِي فَيَطْلُبُ الشُّفْعَةَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ وَيُسَمَّى هَذَا طَلَبَ التَّقْرِيرِ، وَلَوْ تَرَكَ هَذَا أَوْ أَخَّرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ وَيَأْخُذُ الشُّفْعَةَ مِنْهُ. اهـ دِرَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِحْسَانًا) أَيْ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ حَصَلَ عَلَى الْعَاقِدِ فَيَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ عَلَى الْمُشْتَرِي. اهـ دِرَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّالِثُ) أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ طَلَبُ الْأَخْذِ وَالتَّمَلُّكِ) وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ طَلَبَ الْخُصُومَةِ فَإِنَّ الْأَتْقَانِيَّ سَمَّاهُ فِي شَرْحِ الْكَافِي طَلَبَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ الشَّفِيعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيُثْبِتُ حَقَّهُ عِنْدَهُ بِالْحُجَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) أَيْ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) أَيْ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. اهـ هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: لَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ) أَيْ وَقَاضِي خَانْ فِي جَامِعِهِ وَصَاحِبُ الْمَنَافِعِ وَالْخُلَاصَةِ. اهـ كَاكِيٌّ قَالَ الْكَاكِيُّ: فَكَانَ مَا اخْتَارَهُ فِي الْكِتَابِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ هَذِهِ الْكِتَابِ. اهـ
стр. 1537
فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ اشْتَرَى أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ أَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ.
وَهَذَا هُوَ طَلَبُ الْأَخْذِ الْمَوْعُودِ بِهِ فَذَكَرَ هُنَا سُؤَالَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ أَوَّلًا عَقِيبَ طَلَبِ الشَّفِيعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَاضِي يَسْأَلُ الْمُدَّعِي أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ مَوْضِعِ الدَّارِ مِنْ مِصْرٍ، وَمَحَلَّةٍ وَحُدُودِهَا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى فِيهَا حَقًّا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ فَصَارَ كَمَا إذَا ادَّعَى مِلْكَ رَقَبَتِهَا فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ سَأَلَهُ هَلْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا لَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يَحْضُرَ الْبَائِعُ فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ شُفْعَتِهِ وَحُدُودِ مَا يَشْفَعُ بِهَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَلَعَلَّهُ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ صَالِحٍ أَوْ يَكُونُ هُوَ مَحْجُوبًا بِغَيْرِهِ فَإِذَا بَيَّنَ سَبَبًا صَالِحًا، وَلَمْ يَكُنْ مَحْجُوبًا بِغَيْرِهِ سَأَلَهُ أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ، وَكَيْفَ صَنَعَ حِينَ عَلِمَ؛ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِطُولِ الزَّمَانِ وَبِالْإِعْرَاضِ وَبِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ ذَلِكَ فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ التَّقْرِيرِ كَيْفَ كَانَ؟ وَعِنْدَ مَنْ أَشْهَدَ؟، وَهَلْ كَانَ الَّذِي أَشْهَدَ عِنْدَهُ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ غَيْرِهِ أَمْ لَا؟. عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَلَمْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ شُرُوطِهِ ثُمَّ دَعْوَاهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا هَلْ هِيَ مِلْكُ الشَّفِيعِ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ فِي يَدِ الشَّفِيعِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِحْقَاقِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِهِ بِحُجَّةٍ لِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ فَيَسْأَلُهُ عَنْهُ فَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لَهُ يَقُولُ لِلْمُدَّعِي أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا مِلْكُك فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبَ يَمِينَهُ اسْتَحْلَفَ الْمُشْتَرِيَ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلَّذِي ذَكَرَهُ مِمَّا يَشْفَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ ثُمَّ هُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ بِهَذَا السَّبَبِ فَصَارَ كَمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْمِلْكَ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ فَإِنْ نَكَلَ أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ أَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ ثَبَتَ مِلْكُ الشَّفِيعِ فِي الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا وَثَبَتَ السَّبَبُ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ اشْتَرَيْت أَمْ لَا فَإِنْ أَنْكَرَ الشِّرَاءَ قَالَ لِلشَّفِيعِ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بِالشِّرَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ بِالْحُجَّةِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُشْتَرِي اُسْتُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَى أَوْ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ شُفْعَةً مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَهَذَا تَحْلِيفٌ عَلَى الْحَاصِلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَالْأَوَّلُ عَلَى السَّبَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الدَّعْوَى. وَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ تَحْلِيفٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَعَلَى مَا فِي يَدِهِ أَصَالَةً، وَفِي مِثْلِهِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِنْ نَكَلَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ قَضَى بِهَا لِظُهُورِ الْحَقِّ بِالْحُجَّةِ.
قَالَ ﵀: (وَلَا يَلْزَمُ الشَّفِيعَ إحْضَارُ الثَّمَنِ وَقْتَ الدَّعْوَى بَلْ بَعْدَ الْقَضَاءِ) بَلْ يَجُوزُ لَهُ الْمُنَازَعَةُ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ الثَّمَنَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ لَزِمَهُ إحْضَارُ الثَّمَنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَصْلِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ احْتِرَازًا عَنْ تَوْيِ الثَّمَنِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الثَّمَنَ قَبْلَ الْقَضَاءِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُطَالَبُ بِأَدَائِهِ وَالْإِحْضَارِ لِلتَّسْلِيمِ، وَلَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَلَا مَعْنَى لِإِحْضَارِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ ثُمَّ إذَا قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ إحْضَارِ الثَّمَنِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَ الْعَقَارَ عَنْهُ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا نُزِّلَا مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. وَلَوْ أَخَّرَ دَفْعَ الثَّمَنِ بَعْد مَا قَالَ ادْفَعْ الثَّمَنَ إلَيْهِ لَا تَبْطُلُ بِالْإِجْمَاعِ لِتَأَكُّدِهَا بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَّرَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ حَيْثُ تَبْطُلُ لِعَدَمِ التَّأَكُّدِ.
قَالَ ﵀: (وَخَاصَمَ الْبَائِعَ لَوْ فِي يَدِهِ) أَيْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا مُحِقَّةً أَصَالَةً فَكَانَ خَصْمًا كَالْمَالِكِ بِخِلَافِ الْمُودَعِ وَالْمُسْتَعِيرِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ شُفْعَتِهِ وَحُدُودِ مَا يَشْفَعُ بِهَا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَشَرَطَ فِي الْفَتَاوَى بَيَانَ حُدُودِ دَارِ الشَّفِيعِ الَّتِي طَلَبَ الشُّفْعَةَ بِهَا بِأَنَّ قَالَ أَنَا شَفِيعُهَا بِالْجِوَارِ بِدَارِي الَّتِي أَحُدُّ حُدُودَهَا كَذَا وَالثَّانِي كَذَا وَالثَّالِثُ كَذَا وَالرَّابِعُ كَذَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَحْدِيدُ دَارِ الشَّفِيعِ عَلَى مَا قَالَ الْخَصَّافُ بَلْ إذَا قَالَ أَنَا شَفِيعُ الدَّارِ الَّتِي اشْتَرَاهَا فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ، وَهِيَ فِي بَلْدَةِ كَذَا فِي مَحَلَّةِ كَذَا فِي سِكَّةِ كَذَا وَبَيَّنَ حُدُودَهَا بِدَارِي الَّتِي تُلَازِقُهَا كَفَى، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حُدُودَ دَارِهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، وَأَمَّا الطَّلَبُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ أَشْتَرِي هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي أَحَدُّ حُدُودِهَا كَذَا وَالثَّانِي كَذَا وَالثَّالِثُ كَذَا وَالرَّابِعُ كَذَا، وَأَنَا شَفِيعُهَا بِالْجِوَارِ بِدَارِي الَّتِي أَحَدُّ حُدُودِهَا كَذَا وَالثَّانِي كَذَا وَالثَّالِثُ كَذَا وَالرَّابِعُ كَذَا طَلَبْت أَخْذَهَا بِشُفْعَتِي فَمُرْهُ بِتَسْلِيمِهَا لِي بِشُفْعَتِي هَذِهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: يَقُولُ لِلْمُدَّعِي إلَخْ) وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشُّهُودَ يَشْهَدُونَ بِالْمِلْكِ بِمُشَاهَدَةِ الْيَدِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِالشُّفْعَةِ لِأَجْلِهَا، وَلَنَا أَنَّ الْيَدَ ظَاهِرٌ فِي الْمِلْكِ، وَالظَّاهِرُ يُدْفَعُ بِهِ الدَّعْوَى، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَطَلَبَ) أَيْ الشَّفِيعُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَام فِيهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: احْتِرَازًا عَنْ تَوْيِ الثَّمَنِ) أَيْ إذْ لَوْ قَضَى الْقَاضِي قَبْلَ إحْضَارِ الثَّمَنِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ مُفْلِسًا فَيَتَعَجَّلُ مِلْكَ الدَّارِ وَيَتَأَخَّرُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِرِضَا الْبَائِعِ فَلِذَلِكَ اسْتَوَى مَا فِيهِ ضَرَرٌ، وَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ
стр. 1538
وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ يَدَهُمْ لَيْسَتْ بِأَصَالَةٍ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا. قَالَ ﵀: (وَلَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي فَيُفْسَخَ الْبَيْعُ بِمَشْهَدِهِ وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْبَائِعِ)؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْمِلْكَ وَالْيَدَ فَيَقْضِي الْقَاضِي بِهِمَا لَهُ فَيُشْتَرَطُ حُضُورُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا بِهِمَا؛ لِأَنَّ لِأَحَدِهِمَا يَدًا وَلِلْآخَرِ مِلْكًا فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ؛ وَلِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ يُوجِبُ فَوَاتَ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفَوَاتُهُ قَبْلَهُ يُوجِبُ الْفَسْخَ لِكَوْنِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَمَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْسَخَ عَلَيْهِمَا إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَيْهِمَا بِالْفَسْخِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ فَصَارَ الْبَائِعُ أَجْنَبِيًّا عَنْهُمَا. ثُمَّ وَجْهُ هَذَا الْفَسْخِ الْمَذْكُورِ هُنَا أَنْ يُجْعَلَ فَسْخًا فِي حَقِّ الْإِضَافَةِ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ فَاتَ بِالْأَخْذِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْفَسْخَ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ انْفَسَخَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمُشْتَرِي وَبَقِيَ أَصْلُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ انْفِسَاخَهُ يُوجِبُ سُقُوطَ الشُّفْعَةِ، وَهِيَ إنَّمَا تَجِبُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ فَيُجْعَلُ الْعَقْدُ مُضَافًا إلَى الشَّفِيعِ قَائِمًا مَقَامَ الْمُشْتَرِي كَأَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهُ لَهُ وَخَاطَبَهُ بِالْإِيجَابِ فَجُعِلَ الْعَقْدُ مُتَحَوِّلًا إلَى الشَّفِيعِ فَلَمْ يَنْفَسِخْ أَصْلُهُ، وَإِنَّمَا انْفَسَخَ إضَافَتُهُ إلَى الْمُشْتَرِي وَنَظِيرُهُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ مَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى شَخْصٍ فَتَقَدَّمَ غَيْرُهُ فَأَصَابَهُ فَالرَّمْيُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُنْتَقَضْ وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْأَوَّلِ قَدْ انْتَقَضَ بِتَخَلُّلِ الثَّانِي وَتَوَجَّهَ إلَيْهِ فَكَذَا هُنَا تَحَوَّلَتْ الصَّفْقَةُ إلَى الشَّفِيعِ كَأَنَّ الْعَقْدَ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَقَعَ مَعَهُ.
قَالَ ﵀: (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ خَصْمٌ لِلشَّفِيعِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ إلَى الْمُوَكِّلِ)؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ فِيهَا مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَهِيَ إلَى الْعَاقِدِ أَصِيلًا كَانَ أَوْ وَكِيلًا وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَكِيلًا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَهُ وَيَأْخُذَهَا مِنْهُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي كَمَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمَالِكُ عَلَى مَا بَيَّنَّا إلَّا أَنَّهُ إذَا سَلَّمَهَا إلَى الْمُوَكِّلِ لَا يَدِ لِلْوَكِيلِ، وَلَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا بَعْدَهُ فَصَارَ كَالْبَائِعِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ خَصْمًا مَا لَمْ يُسَلِّمْهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَإِذَا سَلَّمَهَا لَمْ تَبْقَ يَدٌ، وَلَا مِلْكٌ لَهُ فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا، وَهَذَا مِثْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْقَضَاءِ حُضُورُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ نَائِبٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ بِاخْتِيَارِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فَكَانَ حُضُورُهُ كَحُضُورِ الْمُوَكِّلِ، وَلَا كَذَلِكَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الْمُشْتَرِي فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمُشْتَرِي لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَالْأَبُ وَوَصِيُّهُ كَالْوَكِيلِ.
قَالَ ﵀: (وَلِلشَّفِيعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي إلَخْ) قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَإِذَا صَحَّ الْإِشْهَادُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَرَادَ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالدَّارِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لَمْ تُقْبَضْ أَحْضَرَ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا، وَلَا يُقْضَى لَهُ حَتَّى يَحْضُرَا جَمِيعًا فَإِنْ أَحْضَرَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ قَدْ قُبِضَتْ فَالْخَصْمُ هُوَ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَإِذَا أَحْضَرَ حُكِمَ عَلَيْهِ فَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالشُّفْعَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَالدَّارُ فِي يَدِ الْبَائِعِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَيُسَلِّمُ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ، وَكَانَتْ عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعُ الشَّفِيعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ إذَا كَانَ نَقَدَهُ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِهِ: فَإِذَا أَخَذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ وَيَدْفَعُ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ انْتَقَلَ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ فَسْخُ بَيْعِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ، وَأَوْرَدَ الْقُدُورِيُّ هُنَا سُؤَالًا وَجَوَابًا فِي شَرْحِهِ فَقَالَ فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ الشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ سَابِقٍ لِلْمُشْتَرِي فَإِذَا أَخَذَ الشَّيْءَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي انْفَسَخَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي كَمَا يَنْفَسِخُ إذَا أَخَذَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ أَصْلُهُ الْمُسْتَحَقَّ إذَا أَخَذَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَالْجَوَابُ إنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ فَسْخًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا بِحُضُورِ الْبَائِعِ فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْمُشْتَرِي بِالشُّفْعَةِ بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْبَائِعِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُ لَيْسَ بِفَسْخٍ وَيُفَارِقُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا، وَإِنَّمَا فَسَخْنَا الْبَيْعَ إذَا أُخِذَ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ لِسُقُوطِ الْقَبْضِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ إذَا أُخِذَ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا قُلْنَا إنْ كَانَتْ الدَّارُ أُخِذَتْ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ ضَمَانُ الثَّمَنِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْبَائِعُ هُوَ الْقَابِضُ لِلثَّمَنِ، وَكَانَ رَدُّهُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَانْتَقَلَ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْعُهْدَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَابِضُ لِلثَّمَنِ؛ وَلِأَنَّ الشَّيْءَ انْتَقَلَ مِنْ مِلْكِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ زُفَرُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ فِي الْوَجْهَيْنِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ مَعَ حَذْفٍ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ خَصْمٌ إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَمَنْ اشْتَرَى دَارَ الرَّجُلِ بِأَمْرِهِ، وَقَبَضَهَا ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَطَلَبَ الشُّفْعَةَ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ لَمْ يُسَلِّمْ الدَّارَ إلَى الْمُوَكِّلِ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ مِنْهُ وَيَكْتُبَ عُهْدَتَهُ عَلَيْهِ وَيَنْقُدَ الثَّمَنَ إلَيْهِ وَيَدْفَعَهُ الْوَكِيلُ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ سَلَّمَ الدَّارَ إلَى الْمُوَكِّلِ أَخَذَهَا مِنْهُ وَيَنْقُدُ الثَّمَنَ إيَّاهُ وَيَكْتُبُ الْعُهْدَةَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَأْخُذُ مِنْ يَدِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُ لِلْمُوَكِّلِ، وَهُوَ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِيهَا، وَلَكِنْ يُقَالُ سَلَّمَ الدَّارَ إلَى الْمُوَكِّلِ ثُمَّ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ مِنْهُ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْ يَدِ الْوَكِيلِ إذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ رَاجِعَةٌ إلَى الْعَاقِدِ فَيَكُونُ فِي حُقُوقِ عَقْدِهِ كَالْمَالِكِ، وَالشُّفْعَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ. اهـ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَبُ وَوَصِيُّهُ كَالْوَكِيلِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَصِيًّا لِمَيِّتٍ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: يَعْنِي يَكُونُ الْوَصِيُّ هُوَ الْخَصْمَ لِلشَّفِيعِ إذَا بَاعَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ. بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْوَرَثَةَ إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ كِبَارًا حُضُورًا، وَلَا دَيْنَ، وَلَا وَصِيَّةَ فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْكِبَارِ فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ غُيَّبًا فَلَهُ بَيْعُ الْعُرُوضِ دُونَ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْحِفْظِ، وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ صِغَارًا فَلَهُ بَيْعُ الْكُلِّ
стр. 1539
وَالْعَيْبِ، وَإِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْبَرَاءَةَ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ مِنْ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ الْأَخْذُ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَشِرَاءٌ مِنْ الْبَائِعِ لِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَيْهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارَانِ فِيهِ كَمَا إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمَا بِاخْتِيَارِهِمَا، وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِرُؤْيَةِ الْمُشْتَرِي، وَلَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الشَّفِيعِ فَلَا يَعْمَلُ شَرْطُهُ وَرُؤْيَتُهُ فِي حَقِّهِ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي)؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الْأَخْذِ عِنْدَ نَقْدِ الْأَقَلِّ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ عُرِفَ بِالنَّصِّ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْإِنْكَارُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالدَّعْوَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي عَلَى الشَّفِيعِ شَيْئًا فَلَا يَكُونُ الشَّفِيعُ مُنْكِرًا فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ بَرْهَنَا فَلِلشَّفِيعِ) أَيْ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَالْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي أَوْ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مَعَ الْمُوَكِّلِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ مَعَ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ بَيِّنَةَ الْبَائِعِ وَالْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ، وَلَهُمَا أَنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لَيْسَتْ بِمُلْزِمَةٍ لِلشَّفِيعِ لِتَخَيُّرِهِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِمَا بِأَنْ يَثْبُتَ الْعَقْدَانِ فَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالتَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا.
وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى مَعَ عَبْدِهِ فَقَالَ الْمَوْلَى قُلْت لَك إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَيْنِ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ الْعَبْدُ قُلْت لِي إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ إمَّا؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَا تُنَافِي فَيَثْبُتُ التَّعْلِيقَانِ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بِأَدَاءِ أَيِّ الْمَالَيْنِ شَاءَ بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا أَمَّا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ مُلْزِمَةٌ حَتَّى يُخَيَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَأْخُذَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِي يَكُونُ فَسْخًا لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّهِمَا فَلَا يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي إلَّا بِالثَّانِي فَإِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ صِرْنَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي فِي حَقِّ الشَّفِيعِ فَيَأْخُذُ بِأَيِّ الْعَقْدَيْنِ شَاءَ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْبَيْعِ الثَّانِي إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ بِالْأَوَّلِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمُوَكِّلِ فَلَا يُرَدُّ. وَالْفَرْقُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْوَكِيلَ مَعَ الْمُوَكِّلِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي لِوُقُوعِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا فَكَانَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلْزِمَةً، وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا فَصِرْنَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّفِيعُ مَعَ الْمُشْتَرِي وَلِهَذَا لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَأَمَّا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَقَدْ ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ بَيِّنَتَهُ مُلْزِمَةٌ وَبَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ لِتَخَيُّرِ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ فَصَارَ كَالشَّفِيعِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَفِيهَا الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي حَقِّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ يَنْفَسِخُ بِالثَّانِي فَوُجِدَ التَّعَارُضُ فَصِرْنَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ، وَفِي حَقِّ الشَّفِيعِ لَا يَنْفَسِخُ فَلَمْ يُوجَدْ التَّعَارُضُ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَادَّعَى بَائِعُهُ أَقَلَّ مِنْهُ، وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ)؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إنْ كَانَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ، وَلَوْ كَانُوا صِغَارًا وَكِبَارًا فَلَهُ بَيْعُ الْعُرُوضِ وَالْعَقَارِ مِنْ نَصِيبِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا لَهُ بَيْعُ نَصِيبِ الصِّغَارِ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْعَقَارِ دُونَ نَصِيبِ الْكِبَارِ الْحُضُورِ فَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا بَاعَ عُرُوضَهُمْ لَا عَقَارَهُمْ كَذَا فِي الْمُخْتَلَفِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ ﵀.
(قَوْلُهُ: وَلَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ) قَالَ الْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَمَلُّكٌ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ الْعَيْبِ وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى يَسْتَوِيَ فِيهِ الْقَضَاءُ، وَعَدَمُ الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، وَعَدَمُ الرِّضَا، وَلَوْ بَطَلَ يَبْطُلُ لَا إلَى خَلَفٍ حَتَّى لَا يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ ضَامِنًا لَهُ سَلَامَةَ الْبِنَاءِ وَنَحْوَهُ.
مِثَالُهُ إذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ فَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ الْعَيْبِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَوْ بَنَى فِيهَا بِنَاءً أَوْ غَرَسَ غَرْسًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ وَالْعَقَارُ وَأَمَرَ بِقَلْعِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ بِالثَّمَنِ وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ سَلَامَةَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ إنْ أَخَذَهُ بِقَضَاءٍ وَكَذَا إذَا أَخَذَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي عَيْنَ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِحَقٍّ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْبَيْعِ لِكَوْنِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الدَّخِيلِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْقَضَاءُ وَغَيْرُ الْقَضَاءِ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لَمَّا كَانَ الرَّاجِعُ أَخَذَ عَيْنَ حَقِّهِ بِحَقٍّ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْهِبَةِ يَسْتَوِي الْقَضَاءُ وَالرِّضَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَالْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي) أَيْ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ وَتَرْكِهِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي إذَا تَرَكَ الدَّعْوَى لَا يَتْرُكُ وَالشَّفِيعُ إذَا تَرَكَ الدَّعْوَى يَتْرُكُ فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمَا فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَلَا جَرَمَ لَمْ يَجِبْ التَّحَالُفُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ) أَيْ الْحَرْبِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِمَا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِأَلْفٍ، وَمَرَّةً بِأَلْفَيْنِ فَأَمْكَنَ تَصْدِيقُ الْبَيِّنَتَيْنِ. اهـ كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا) أَيْ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي أَوْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ) أَيْ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
стр. 1540
كَمَا قَالَهُ الْبَائِعُ فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي يَكُونُ حَطًّا عَنْ الْمُشْتَرِي بِدَعْوَاهُ الْأَقَلَّ وَحَطُّ الْبَعْضِ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ فَيَأْخُذُهُ بِهِ؛ وَلِأَنَّ تَمَلُّكَ الْمُشْتَرِي بِإِيجَابِ الْبَائِعِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ مَا دَامَتْ مُطَالَبَتُهُ بَاقِيَةً فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي تَحَالَفَا، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ ظَهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ مَا يَقُولُهُ الْآخَرُ فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ كَالْإِقْرَارِ بِمَا يَدَّعِيهِ خَصْمُهُ، وَإِنْ حَلَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِمَا يَقُولُهُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ فَلَا يَقْدِرَانِ عَلَى إبْطَالِهِ بِالْفَسْخِ أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّارَ إذَا رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ بِعَيْبٍ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِقَضَاءٍ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ قَبَضَ أَخَذَهَا بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي) أَيْ لَوْ كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِيَمِينِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ خَرَجَ مِنْ الْبَيِّنِ وَالْتَحَقَ بِالْأَجَانِبِ لِانْتِهَاءِ حُكْمِ الْعَقْدِ بِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ فَبَقِيَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى حَالِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ قَبْضُ الثَّمَنِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت الدَّارَ بِأَلْفٍ، وَقَبَضْت الثَّمَنَ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ تَعَلَّقَتْ الشُّفْعَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ صَحِيحٌ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَهُ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ فَيَبْقَى حَتَّى يُوجَدَ مَا يُبْطِلُهُ وَبِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَبَضْت الثَّمَنَ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ يَخْرُجُ مِنْ الْبَيْنِ فَيَكُونُ أَجْنَبِيًّا فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبَضْت فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ أَجْنَبِيًّا حَتَّى لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهُ بِمِقْدَارِهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهَا الْمُشْتَرِي بِأَلْفٍ، وَلَوْ بَدَأَ بِقَبْضِ الثَّمَنِ قَبْلَ بَيَانِ الْقَدْرِ بِأَنْ قَالَ بِعْت الدَّارَ، وَقَبَضْت الثَّمَنَ، وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوَّلًا خَرَجَ بِهِ مِنْ الْبَيِّنِ فَصَارَ أَجْنَبِيًّا فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: نَظِيرُهُ مَا إذَا قَالَ الْوَصِيُّ اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا لِلْمَيِّتِ عَلَى غَرِيمِهِ فُلَانٍ، وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْغَرِيمُ بَلْ كَانَ عَلَيَّ أَلْفَا دِرْهَمٍ قَدْ أَوْفَيْتُك جَمِيعَ ذَلِكَ فَالْوَصِيُّ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ، وَلَوْ قَالَ اسْتَوْفَيْت مِنْهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ جَمِيعُ مَا لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِ فَقَالَ فُلَانٌ كَانَ عَلَيَّ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَقَدْ أَوْفَيْتُك الْكُلَّ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ قَبْضَ الْجَمِيعِ صَارَ أَجْنَبِيًّا فَلَا يُقْبَلُ بَيَانُ قَدْرِهِ بَعْدَهُ، وَمَا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ قَبَضَ الْجَمِيعَ لَا يَكُونُ أَجْنَبِيًّا فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي بَيَانِ قَدْرِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِخَصْمِهِ لِإِنْكَارِهِ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ.
قَالَ ﵀: (وَحَطُّ الْبَعْضِ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لَا حَطُّ الْكُلِّ وَالزِّيَادَةُ) أَيْ حَطُّ بَعْضِ الثَّمَنِ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ حَتَّى يَأْخُذَهُ بِمَا بَقِيَ، وَلَا يَظْهَرُ حَطُّ الْكُلِّ فِي حَقِّهِ، وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَنِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ حَتَّى لَا تَلْزَمَهُ الزِّيَادَةُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ فَيَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ لَمَّا الْتَحَقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ صَارَ الْبَاقِي هُوَ الثَّمَنُ كَأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَطُّ قَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ أَوْ بَعْدَهُ لِوُجُودِ الِالْتِحَاقِ فِي الصُّورَتَيْنِ فَيَرْجِعُ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ إنْ كَانَ أَوْفَاهُ الثَّمَنَ، وَلَوْ حَطَّ بَعْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ الشُّفْعَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الثَّمَنَ أَقَلُّ فَلَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ بِخِلَافِ حَطِّ الْكُلِّ حَيْثُ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ الْتَحَقَ لَكَانَ هِبَةً أَوْ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ، وَهُوَ فَاسِدٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَقَبَضْت الثَّمَنَ) أَيْ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِأَلْفَيْنِ. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ) أَيْ مُؤَاخَذَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِإِقْرَارِهِ تَأَمَّلْ تَدْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَأْخُذَهُ بِمَا بَقِيَ) هَذَا إذَا حَطَّ الْبَائِعُ أَمَّا إذَا حَطَّ وَكِيلُ الْبَائِعِ عَنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ صَحَّ حَطُّهُ وَيَضْمَنُ قَدْرَهُ لِلْبَائِعِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حَطًّا عَنْ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ حَطَّ الْوَكِيلِ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ. اهـ فَتَاوَى قَاضِيخَانْ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَإِنْ زَادَ الْبَائِعُ فِي الثَّمَنِ زِيَادَةً بَعْدَ الْعَقْدِ أَخَذَ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُمَا فِي حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي بِمَا بَقِيَ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ تَعَلَّقَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِقَضِيَّةِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَمَتَى انْتَقَضَ الْعَقْدُ الثَّانِي لَمْ يُسَلِّمْ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ بَعْضُهُ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ فَيَرْجِعُ بِالْبَقِيَّةِ عَلَى بَائِعِهِ إنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ، وَلَوْ أَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الثَّانِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ تَسْلِيمًا لِلْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ كَالْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَمَتَى أَخَذَهُ بِالشِّرَاءِ الثَّانِي مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ كَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ تَمَامُ حَقِّهِ
وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهَا الْمُشْتَرِي وَسَلَّمَهَا أَوْ رَهَنَهَا أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا امْرَأَةً كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تُبْطِلُ حَقَّهُ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْضِ لِيُعِيدَهَا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَيَأْخُذَ بِالْحَقِّ الَّذِي لَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا تَصَرَّفَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ حَقُّ النَّقْضِ، وَإِنْ كَانَ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ ثَابِتًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِتَسْلِيطِهِ فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَقُّ النَّقْضِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْر بِهِ بِخِلَافِ الشَّفِيعِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى الشَّفِيعِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إنَّمَا الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ، وَقَعَ عَلَيْهِ وَلَا يَأْخُذُ الدَّارَ حَتَّى يَنْقُدَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ تَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَيْهِ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرِي مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ فَلَا يَكُونُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَخْذِهِ حَتَّى يَصِلَ الثَّمَنُ إلَى بَائِعِهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
стр. 1541
فَلَا شُفْعَةَ فِيهِمَا، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ تَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَخْذَهَا بِالْمُسَمَّى قَبْلَ الزِّيَادَةِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ الْعَقْدُ فِي حَقِّهِ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِتَجْدِيدِهِمَا الْعَقْدَ لِمَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى نَفْسِهِ دُونَ الشَّفِيعِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ حَيْثُ تَصِحُّ الزِّيَادَةُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا حَتَّى جَازَ بِنَاؤُهُمَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَحَدٌ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ فَيَلْتَحِقُ فِي حَقِّهِمَا بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ وَبَيَّنَّا الْحُجَجَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعَرَضٍ أَوْ عَقَارٍ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ وَبِمِثْلِهِ لَوْ مِثْلِيًّا)؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُهَا بِمِثْلِ مَا تَمَلَّكَهَا الْمُشْتَرِي بِهِ ثُمَّ الْمِثْلُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلًا لَهُ صُورَةً، وَمَعْنًى كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ أَوْ مَعْنًى لَا صُورَةً، وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ الْمِثْلُ كَمَا فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ فَيَأْخُذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ لَهَا وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِعَقَارٍ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الْآخَرِ. قَالَ ﵀: (وَبِحَالٍّ لَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ يَصْبِرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ فَيَأْخُذَهَا) أَيْ يَأْخُذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ حَالٍّ إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ يَصْبِرَ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ فَيَأْخُذَهَا عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي الْحَالِّ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: ﵏ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلشَّفِيعِ حَقَّ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الْمُشْتَرِي بِصِفَتِهِ وَالْأَجَلُ صِفَةٌ لِلدَّيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ وَدَيْنٌ حَالٌّ، وَلَنَا أَنَّ الْأَجَلَ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَلَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ فَاشْتِرَاطُهُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ اشْتِرَاطًا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ كَالْخِيَارِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ وَرِضَاهُ بِهِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي لَا يَدُلُّنَا عَلَى رِضَاهُ بِهِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الْمَطْلُوبِ، وَالدَّيْنُ حَقُّ الطَّالِبِ، وَلَوْ كَانَ وَصْفًا لَهُ لَاسْتَحَقَّهُ الطَّالِبُ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ مُرَابَحَةً أَوْ تَوْلِيَةً لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَوْ كَانَ صِفَةً لَهُ لَثَبَتَ ثُمَّ إنْ أَخَذَهَا مِنْ الْبَائِعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي لِتَحَوُّلٍ الصَّفْقَةِ إلَى الشَّفِيعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَرَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الشَّفِيعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ ثَبَتَ بِالشَّرْطِ فَلَا يَبْطُلُ بِأَخْذِهِ الشَّفِيعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِبَيْعِهِ الْمُشْتَرَى بِثَمَنٍ حَالٍّ، وَإِنْ اخْتَارَ الِانْتِظَارَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الضَّرَرَ الزَّائِدَ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ يَصْبِرَ أَيْ عَنْ الْأَخْذِ أَمَّا الطَّلَبُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْحَالِ حَتَّى لَوْ سَكَتَ، وَلَمْ يَطْلُبْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِذَاتِهِ بَلْ لِلْأَخْذِ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي الْحَالِّ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ فِي الْحَالِّ فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ، وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ قَدْ ثَبَتَ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِثَمَنٍ حَالٍّ، وَلَوْلَا أَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ لَمَا كَانَ لَهُ الْأَخْذُ فِي الْحَالِّ، وَالسُّكُوتُ عَنْ الطَّلَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ. قَالَ ﵀: (وَبِمِثْلِ الْخَمْرِ، وَقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ إنْ كَانَ الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا وَبِقِيمَتِهَا لَوْ مُسْلِمًا) أَيْ لَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ عَقَارًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَإِنْ كَانَ شَفِيعُهُ ذِمِّيًّا أَخَذَهُ بِمِثْلِ الْخَمْرِ، وَقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ يُقْضَى بِصِحَّتِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِذَا صَحَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ بِهِ فَيَسْتَحِقُّهُ ذِمِّيًّا كَانَ الشَّفِيعُ أَوْ مُسْلِمًا غَيْرَ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْخَمْرِ فَيَأْخُذُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ) وَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَقْتَ الشِّرَاءِ لَا، وَقْتَ الْأَخْذِ. اهـ مَنَافِعُ. (قَوْلُهُ: يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الْآخَرِ) أَيْ يَأْخُذُ شَفِيعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَشْفُوعَهُ بِقِيمَةِ الْآخَرِ. اهـ مَنَافِعُ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَبِحَالٍ لَوْ مُؤَجَّلًا)، وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا أَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولًا كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ أَنَا أُعَجِّلُ الثَّمَنَ وَآخُذُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بِالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ فَاسِدٌ، وَحَقُّ الشَّفِيعِ لَا يَثْبُتُ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَالشَّافِعِيُّ) أَيْ فِي الْقَدِيمِ. اهـ هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَبِمِثْلِ الْخَمْرِ، وَقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْمُسْتَأْمَنُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْعَبِيدُ الْمَأْذُونُ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ، وَالْأَحْرَارُ وَالْمُكَاتَبُونَ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ فِي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فِيمَا وَجَبَ لَهُمْ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَالْخُصَمَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ آبَاؤُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَأَوْصِيَاءُ الْآبَاءِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَالْأَجْدَادُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَأَوْصِيَاءُ الْأَجْدَادِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَالْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ يُقِيمُ لَهُمْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ فِيهِ، وَأَهْلُ الْعَدْلِ، وَأَهْلُ الْبَغْيِ فِي الشُّفْعَةِ أَيْضًا سَوَاءٌ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ ﵀ قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ لَا شُفْعَةَ لِلْكَافِرِ، وَقَالَ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى لِذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ بِالشُّفْعَةِ فَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَجَازَهُ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَيْعِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. اهـ، وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ ثُمَّ قَيَّدَ شِرَاءَهُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ احْتِرَازًا عَمَّا اشْتَرَاهُ بِالْمَيْتَةِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ. اهـ كَاكِيٌّ قَوْلُهُ: بِالْمَيْتَةِ أَوْ دَمٍ. اهـ أَتْقَانِيٌّ، وَقَوْلُهُ: وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ أَيْ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ بِالْبَيْعِ الْبَاطِلِ. اهـ.
(فَرْعٌ) الْمُسْلِمُ إذَا اشْتَرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ دَارًا وَشَفِيعُهَا مُسْلِمٌ لَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُهَا؛ لِأَنَّ أَحْكَامَنَا غَيْرُ جَارِيَةٍ فِيهَا فَلَا شُفْعَةَ حَالَ الْبَيْعِ كَذَا فِي الشَّامِلِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ
стр. 1542
الْأَمْثَالِ
وَالْمُسْلِمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ تَمْلِيكِهَا وَتَمَلُّكِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا كَمَا فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ، وَالْخِنْزِيرُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا قِيمَتُهُ، وَلَا يُقَالُ قِيمَةُ الْخِنْزِيرِ تَقُومُ مَقَامَ عَيْنِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَى الْمُسْلِمِ تَمْلِيكُهُ بِخِلَافِ قِيمَةِ الْخَمْرِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ بَدَلًا عَنْ الْخِنْزِيرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يَحْرُمُ، وَهُنَا بَدَلٌ عَنْ الدَّارِ لَا عَنْ الْخِنْزِيرِ، وَإِنَّمَا الْخِنْزِيرُ يُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ بَدَلَ الدَّارِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا بَلْ يَمْلِكُهَا بِأَنْ أَسْلَمَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهَا بِقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ، وَلَوْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قِيمَةِ الْخَمْرِ أَوْ مِثْلَهَا اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَلَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ صَارَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمُسْلِمِ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَأْخُذُهَا بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ كَمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا فَانْقَطَعَ قَبْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا بِقِيمَتِهِ لِلتَّعَذُّرِ، كَذَا هَذَا، وَالْمُسْتَأْمِنُ كَالذِّمِّيِّ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ لِالْتِزَامِهِ أَحْكَامَنَا مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي دَارِنَا فَصَارَ كَالذِّمِّيِّ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى دَارًا أَوْ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الذِّمِّيِّ فِيهَا ثَابِتٌ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ بِجَعْلِهِ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَزُولُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى بَيْعِهَا صَارَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ بَيْعِهَا وَالذِّمِّيُّ إذَا دَانَ بِدِينِنَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَى مُقْتَضَى دِينِنَا، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِمْ لَا يَجُوزُ وَلِهَذَا إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِأَحْكَامِنَا.
وَالْمُرْتَدُّ لَا شُفْعَةَ لَهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِالرُّجُوعِ إلَى ذِمِّيٍّ أَسْلَمَ أَوْ فَاسِقٍ تَابَ، وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْخَمْرُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ انْتَقَضَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَمْنَعُ قَبْضَهَا، وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْبَيْعِ فَلَا تَبْطُلُ بِانْتِقَاضِهِ كَمَا إذَا اشْتَرَى دَارًا بِعَبْدٍ فَهَلَكَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُنْتَقَضُ بِهَلَاكِهِ، وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ. قَالَ ﵀: (وَبِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ أَوْ كُلِّفَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُمَا) أَيْ إذَا بَنَى الْمُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ ثُمَّ قَضَى لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ، وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ مَقْلُوعًا، وَإِنْ شَاءَ كُلِّفَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُمَا فَيَأْخُذُ الْأَرْضَ فَارِغَةً.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهُ بِالْقَلْعِ، وَلَكِنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ، وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ فِيهِ بِالشِّرَاءِ فَلَا يُعَامَلُ بِأَحْكَامِ الْعُدْوَانِ فَصَارَ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، وَكَمَا إذَا زَرَعَهَا الْمُشْتَرِي فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُكَلَّفُ الْقَلْعَ لِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ فَكَذَا الْمُشْتَرِي فِي الْمَشْفُوعَةِ وَلِهَذَا لَا يُكَلَّفُ قَلْعَ الزَّرْعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الشَّفِيعِ بِإِلْزَامِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ أَهْوَنُ مِنْ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَحْصُلُ لَهُ بِمُقَابَلَةِ الْقِيمَةِ عِوَضٌ، وَهُوَ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ فَلَا يُعَدُّ ضَرَرًا، وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْمُشْتَرِي بِمُقَابَلَةِ الْقَلْعِ شَيْءٌ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَهْوَنَ فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ.
وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ بَنَى فِي مَحَلٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ لِلْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فَيُنْقَضُ كَالرَّاهِنِ إذَا بَنَى فِي الْمَرْهُونِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي وَلِهَذَا تُنْقَضُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي حَتَّى الْوَقْفُ وَالْمَسْجِدُ وَالْمَقْبَرَةُ بِخِلَافِ بِنَاءِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ بِتَسْلِيطٍ مِنْهُ، وَلَا تَسْلِيطَ مِنْ الشَّفِيعِ هُنَا؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْوَاهِبِ وَالْبَائِعِ ضَعِيفٌ وَلِهَذَا لَا يُنْقَضُ تَصَرُّفُهُمَا فَلَا يَبْقَى بَعْدَ الْبِنَاءِ وَحَقُّ الشَّفِيعِ قَوِيٌّ فَيَبْقَى بَعْدَهُ كَمَا يَقْلَعُ الْمُسْتَحِقُّ بِنَاءَ الْمَغْرُورِ وَغَرْسَهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا كَالْمُسْتَحِقِّ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ حَتَّى يُرَجَّحَ بِزِيَادَةِ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا، وَذِمِّيًّا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَإِذَا اشْتَرَاهَا بِخَمْرٍ وَشَفِيعُهَا كَافِرٌ، وَمُسْلِمٌ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي عِلَّتِهِ وَيَأْخُذُ الْمُسْلِمُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْكَافِرُ نِصْفَهَا بِمِثْلِ نِصْفِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْمِثْلِ يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلْحُقُوقِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ كَالْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ سَوَاءٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَأْمِنُ كَالذِّمِّيِّ) أَيْ فِي حَقِّ الشُّفْعَةِ. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرْتَدُّ لَا شُفْعَةَ لَهُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَقَالَ أَيْ فِي الشَّامِلِ بَاعَ الْمُرْتَدُّ دَارًا ثُمَّ قُتِلَ لَا شُفْعَةَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَصَرُّفُ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَرِيضٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ تَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ فَكَذَلِكَ هَذَا فَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ اللِّحَاقِ جَازَ بَيْعُهُ وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا عُرِفَ، وَقَالَ أَيْضًا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ دَارًا وَالْمُرْتَدُّ شَفِيعُهَا فَقُتِلَ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَلَا لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَتْلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ زَالَ مِلْكُهُ فِي وَقْتِ الْمَبِيعِ، وَلَا لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ بِثَابِتٍ لَهُمْ حَقِيقَةً، وَقَالَ أَيْضًا اشْتَرَى الْمُرْتَدُّ ثُمَّ قُتِلَ لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ شُفْعَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَقَدْ خَرَجَ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَالْخَمْرُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ) أَيْ وَالدَّارُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ أَوْ مَقْبُوضَةٍ. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: فَلَا تَبْطُلُ بِانْتِقَاضِهِ) أَيْ ثُمَّ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ مُسْلِمًا. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: حَتَّى الْوَقْفَ إلَخْ) سَيَأْتِي أَيْضًا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي بَابِ مَا تَبْطُلُ بِهِ الشُّفْعَةُ وَبِمَوْتِ الشَّفِيعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمَسْجِدُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَلَوْ جَعَلَهَا الْمُشْتَرِي مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً تُدْفَنُ فِيهَا الْمَوْتَى أَوْ رِبَاطًا ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ كَانَ لَهُ أَخْذُهَا، وَإِبْطَالُ كُلِّ مَا صَنَعَ الْمُشْتَرِي فِيهَا. اهـ.
стр. 1543
عِنْدَ التَّسَاوِي وَرُبَّمَا لَا يُوَافِقُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى قَلْعِهِ فَيَلْحَقُهُ ضَرَرٌ زَائِدٌ، وَفِي الزَّرْعِ الْقِيَاسُ أَنْ يُقْلِعَ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَا، وَقُلْنَا لَا يُقْلَعُ؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ الْمُشْتَرِي بِالْقَلْعِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَيْسَ عَلَى الشَّفِيعِ كَبِيرُ ضَرَرٍ بِالتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ يُتْرَكُ بِأَجْرٍ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ فَعَلَهُمَا الشَّفِيعُ فَاسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ فَقَطْ) مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّفِيعَ لَوْ أَخَذَ الْأَرْضَ بِالشُّفْعَةِ فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَكَلَّفَ الْمُسْتَحِقُّ الشَّفِيعَ بِالْقَلْعِ فَقَلَعَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ الشَّفِيعِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ الثَّمَنَ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لَا عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ أَخَذَهَا مِنْهُ مَعْنَاهُ لَا يَرْجِعُ بِمَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَلِّكٌ عَلَيْهِ فَكَانَ كَالْمُشْتَرِي. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَمُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا غُرُورَ، وَلَا تَسْلِيطَ لِلشَّفِيعِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهَا مِنْهُ جَبْرًا وَنَظِيرُهُ الْجَارِيَةُ الْمَأْسُورَةُ إذَا أَخَذَهَا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ مِنْ مَالِكِهَا الْجَدِيدِ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِالثَّمَنِ فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ وَضَمِنَ قِيمَةَ الْوَلَدِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مُشْتَرِيًا حَيْثُ يَرْجِعُ بِهِمَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ.
قَالَ ﵀: (وَبِكُلِّ الثَّمَنِ إنْ خَرِبَتْ الدَّارُ أَوْ جَفَّ الشَّجَرُ)، وَمَعْنَاهُ لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غَرْسٌ فَانْهَدَمَ الْبِنَاءُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَلَا يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْأَرْضِ حَتَّى يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَلَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلِهَذَا يَبِيعُهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَ بَعْضُ الْأَرْضِ بِغَرَقٍ حَيْثُ يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ بَعْضُ الْأَصْلِ هَذَا إذَا انْهَدَمَ الْبِنَاءُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ نَقْضٌ، وَلَا مِنْ الشَّجَرِ شَيْءٌ مِنْ حَطَبٍ أَوْ خَشَبٍ، وَأَمَّا إذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَخَذَهُ الْمُشْتَرِي لِانْفِصَالِهِ مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لِلْأَرْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ سُقُوطِ بَعْضِ الثَّمَنِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ بَقِيَ مُحْتَبِسًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الدَّارِ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَعَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ يَوْمَ الْأَخْذِ.
قَالَ ﵀: (وَبِحِصَّةِ الْعَرْصَةِ إنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ) أَيْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ إنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ، وَالتَّبَعُ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِهِ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ فِيهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَإِذَا كَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ يَوْمَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مَا إذَا انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ النَّقْضُ بَاقِيًا حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهَا قِيمَةُ النَّقْضِ يَوْمَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ قِيمَةٌ بِالْحَبْسِ، وَنَقْضُ الْأَجْنَبِيِّ الْبِنَاءَ كَنَقْضِ الْمُشْتَرِي. قَالَ ﵀: (وَالنَّقْضُ لَهُ) أَيْ النَّقْضُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْعَرْصَةِ، وَقَدْ زَالَتْ بِالِانْفِصَالِ. قَالَ ﵀: (وَبِثَمَرِهَا إنْ ابْتَاعَ أَرْضًا وَنَخْلًا وَثَمَرًا أَوْ أَثْمَرَ فِي يَدِهِ) أَيْ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ مَعَ ثَمَرِهَا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى الْأَرْضَ مَعَ ثَمَرِهَا بِأَنْ شَرَطَهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ أَثْمَرَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَبَعٍ بِخِلَافِ النَّخْلِ.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَخْذُ الثَّمَرِ لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ كَالْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ فِيهَا وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ بِالِاتِّصَالِ خِلْقَةً صَارَ تَبَعًا مِنْ وَجْهٍ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْبَيْعِ فَيَسْرِي إلَيْهِ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ الْحَادِثِ قَبْلَ الْأَخْذِ كَالْمَبِيعَةِ إذَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْوَلَدَ تَبَعًا لِلْأُمِّ كَذَا هَذَا. قَالَ ﵀: (وَإِنْ جَدَّهُ الْمُشْتَرِي سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ) أَيْ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَاهَا بِثَمَرِهَا بِالشَّرْطِ فَكَانَ لَهُ فَيَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ هَلَكَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَفِي الزَّرْعِ الْقِيَاسُ أَنْ يُقْلَعَ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ زَرَعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَكِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ ثُمَّ يُقْضَى لِلشَّفِيعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ فَعَلَهُمَا الشَّفِيعُ فَاسْتُحِقَّتْ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَوْ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لَا عَلَى الْبَائِعِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِأَنَّهُ مُتَمَلِّكٌ عَلَيْهِ فَنُزِّلَا مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَالْفَرْقُ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَمُسَلَّطٌ عَلَيْهِ، وَلَا غُرُورَ، وَلَا تَسْلِيطَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ. اهـ. قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ دَارًا فَأَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ فَبَنَاهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَأْخُذُ الدَّارَ وَيُقَالُ لِلشَّفِيعِ اهْدِمْ بِنَاءَك وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ إنْ كَانَ أَخَذَ الدَّارَ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَغْرُورٍ، وَهُوَ أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَأَجْبَرَ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ عَلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ إلَيْهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ فِي الْأُصُولِ، وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا خِلَافًا وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا، وَأَخَذَهَا رَجُلٌ بِالشُّفْعَةِ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ، وَقَدْ بَنَى فِيهَا عَلَى مَنْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ قَالَ عَلَى الَّذِي قَبَضَ الثَّمَنَ، وَكَذَلِكَ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّفِيعَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ بِحِصَّتِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَ بَعْضُهَا بِتَبَعٍ لِبَعْضٍ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لِلشَّفِيعِ سَقَطَتْ حِصَّتُهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَالْبِنَاءُ تَبَعٌ لِلْأَرْضِ فَإِذَا سُلِّمَ لِلْمُشْتَرِي سَقَطَ حِصَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ لَمْ يَسْقُطْ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ سَمِعْنَا أَبَا يُوسُفَ قَالَ فِي رَجُلٍ
стр. 1544
بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِالتَّسْمِيَةِ صَارَ أَصْلًا فَيَسْقُطُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ بِفَوَاتِهِ، وَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَيَأْخُذُ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَدْخُلُ عِنْدَ الْأَخْذِ فِي الْمَبِيعِ إلَّا تَبَعًا فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا يُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي أَيْضًا؛ لِأَنَّ حَالَ الْمُشْتَرِي مَعَ الشَّفِيعِ كَحَالِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ أَكَلَ الْبَائِعُ الثَّمَرَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَكَذَا هُنَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِمَا قَامَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَهُوَ قَامَ عَلَيْهِ الْمَبِيعُ بِدُونِ الثَّمَرِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَيَأْخُذُهُ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ مِنْ الثَّمَرِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ قَصْدًا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَبِخِلَافِ الْحَادِثَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِوُرُودِ الْقَبْضِ عَلَيْهَا أَوْ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَرَ بَعْدَ الْجِدَادِ فِي الْفَصْلَيْنِ لِزَوَالِ التَّبَعِيَّةِ بِالِانْفِصَالِ قَبْلَ الْأَخْذِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا تَجِبُ) قَالَ ﵀ (إنَّمَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي عَقَارٍ مُلِّكَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ) قَوْلُهُ " فِي عَقَارٍ " يَتَنَاوَلُ مَا يُقْسَمُ وَمَا لَا يُقْسَمُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا تَجِبُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ كَالْبِئْرِ وَالرَّحَا وَالْحَمَّامِ وَالنَّهْرِ وَالطَّرِيقِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِدَفْعِ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا لِدَفْعِ ضَرَرِ سُوءِ الْعِشْرَةِ عَلَى الدَّوَامِ فَبَنَى كُلٌّ عَلَى قَاعِدَتِهِ وَالنُّصُوصُ تَشْهَدُ لَنَا لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فَتَتَنَاوَلُ مَا يُقْسَمُ وَمَا لَا يُقْسَمُ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ " بِعِوَضٍ " عَمَّا إذَا مُلِّكَ بِالْهِبَةِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ فِيهَا وَبِقَوْلِهِ هُوَ مَالٌ عَمَّا إذَا مُلِّكَ بِعِوَضٍ هُوَ غَيْرُ مَالٍ كَالْمَهْرِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ مِنْ قَرِيبٍ.
قَالَ ﵀ (لَا فِي عَرَضٍ وَفُلْكٍ) أَيْ لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي عَرَضٍ وَسَفِينَةٍ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ تَجِبُ فِي السَّفِينَةِ لِأَنَّهَا تُسْكَنُ كَالْعَقَارِ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي دَارِ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» وَلِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي الْعَقَارِ فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُ الْمَنْقُولِ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْعَقَارِ وَهَذَا لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ سُوءِ الْجِوَارِ عَلَى الدَّوَامِ وَمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ لَا يَدُومُ فَلَا يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ كَمَا يَدُومُ فِي الْعَقَارِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ يُشْتَرَطُ لِلْبَيْعِ وَلِمَصْلَحَةِ الْمَعَاشِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ إذَا قَضَى وَطَرَهُ وَلَا كَذَلِكَ الْعَقَارُ.
قَالَ ﵀ (وَبِنَاءٍ وَنَخْلٍ بَيْعًا بِلَا عَرْصَةٍ) لِأَنَّهُمَا مَنْقُولَانِ فَلَا تَجِبُ فِيهِمَا إذَا بِيعَا بِلَا أَرْضٍ، وَإِنْ بِيعَا مَعَ الْأَرْضِ تَجِبُ فِيهِمَا الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ بِخِلَافِ الْعُلُوِّ حَيْثُ يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
اشْتَرَى دَارًا فَهَدَمَ بِنَاءَهَا فَبَاعَهُ ثُمَّ جَاءَ شَفِيعُهَا فَإِنَّهُ يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا، وَعَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ فَمَا أَصَابَ الْأَرْضَ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَزَعَ بَابًا مِنْ الدَّارِ فَبَاعَهُ، وَلَوْ احْتَرَقَ الْبِنَاءُ حَتَّى ذَهَبَ أَوْ غَرِقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ فِي ذَلِكَ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ فَإِنْ انْهَدَمَ الْبِنَاءُ فَكَانَ عَلَى الْأَرْضِ مَهْدُومًا فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ عَلَى قِيمَةِ الْبِنَاءِ مَهْدُومًا، وَعَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْأَرْضَ بِمَا أَصَابَهَا، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْبِنَاءِ إذَا زَايَلَ الْأَرْضَ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ: أَمَّا وُجُوبُ الشُّفْعَةِ فِي الْبِنَاءِ الْمُتَّصِلِ فَلِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ مِنْ الْعَرْصَةِ بِدَلَالَةِ دُخُولِهِ فِي الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ، وَأَمَّا إذَا هَدَمَهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ يَأْخُذُهُ مَعَ الدَّارِ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَمَّا تَعَلَّقَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ كَالثَّمَرِ، وَأَمَّا إذَا هَدَمَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ هَدَمَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَهْلَكْ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الْأَرْضَ بِحِصَّتِهَا فَإِنْ احْتَرَقَ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَأْخُذُهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا بِالْحِصَّةِ فِي الْجَمِيعِ أَمَّا إذَا احْتَرَقَ الْبِنَاءُ فَلِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ مَعَ الْمُشْتَرِي كَحَقِّ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبِنَاءَ إذَا احْتَرَقَ فِي يَدِ الْبَائِعِ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ تَرَكَ فَكَذَلِكَ هَذَا؛ وَلِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ فِي الْمَبِيعِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَهَى الْبِنَاءُ أَوْ تَشَقَّقَ الْحَائِطُ
وَأَمَّا إذَا هَدَمَ الْمُشْتَرِي فَالِاتِّبَاعُ لَا حِصَّةَ لَهَا بِالْعَقْدِ، وَلَهَا حِصَّةٌ بِالْقَبْضِ وَلِهَذَا لَوْ هَدَمَ الْبَائِعُ الْبِنَاءَ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ عَنْ الْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ إذَا هَدَمَهُ أَجْنَبِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ يُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَهْلَكْ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ سَقَطَتْ عَنْهُ، وَهُوَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ شَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُشْتَرِي إذَا هَدَمَهُ أَوْ هَدَمَهُ أَجْنَبِيٌّ أَنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ عَلَى قِيمَتِهِ قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْإِتْلَافِ، وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَأَمَّا إذَا انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ أَحَدِهِمَا فَاعْتَبَرَ قِيمَتَهُ عَلَى حَالِهِ مَهْدُومًا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي) أَيْ، وَهُوَ مَا إذَا أَثْمَرَ فِي يَدِهِ. اهـ.
[بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا تَجِبُ]
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْعُلُوِّ) أَيْ عَدَمُ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِنَاءِ بِخِلَافِ الْعُلُوِّ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ فِيهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَإِنْ بِيعَ سُفْلُ عَقَارٍ دُونَ عُلُوِّهِ أَوْ عُلُوُّهُ دُونَ سُفْلِهِ أَوْ هُمَا وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِيعَا جَمِيعًا أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ فِي
стр. 1545
وَيُسْتَحَقُّ بِهِ السُّفْلُ عَلَى أَنَّهُ مُجَاوِرُهُ وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ طَرِيقَ السُّفْلِ، وَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا يَسْتَحِقُّ بِالطَّرِيقِ الشُّفْعَةَ عَلَى أَنَّهُ خَلِيطٌ فِي الْحُقُوقِ وَهُوَ الطَّرِيقُ لِأَنَّ حَقَّ التَّعَلِّي يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ وَهُوَ غَيْرُ مَنْقُولٍ فَتُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ كَالْعَقَارِ وَلَا كَذَلِكَ الْبِنَاءُ وَالنَّخْلُ فَلَا تُسْتَحَقُّ بِهِمَا الشُّفْعَةُ.
قَالَ ﵀ (وَدَارٍ جُعِلَتْ مَهْرًا أَوْ أُجْرَةً، أَوْ بَدَلَ خُلْعٍ أَوْ بَدَلَ صُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ، أَوْ عِوَضِ عِتْقٍ أَوْ وُهِبَتْ بِلَا عِوَضٍ مَشْرُوطٍ) لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَشْرَعْ التَّمَلُّكَ بِالشُّفْعَةِ إلَّا بِمَا تَمَلَّكَ بِهِ الْمُشْتَرِي صُورَةً وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى بِلَا صُورَةٍ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إذَا تَمَلَّكَ الْعَقَارَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ وَلَا مِثْلَ لَهَا حَتَّى يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِهَا فَلَا يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ شَرْطِ الشَّرْعِ فِيهِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ بِمَا تَمَلَّكَ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْوَاضَ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُ فَيُؤْخَذُ بِقِيمَتِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَخْذِ بِمِثْلِهَا كَمَا فِي الْبَيْعِ بِعِوَضٍ أَلَا تَرَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِهَا شَرْعًا وَالضَّمَانُ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَهُ قِيمَةً لَهَا بِخِلَافِ الْهِبَةِ بِلَا عِوَضٍ لِتَعَذُّرِ الْأَخْذِ بِلَا عِوَضٍ إذْ هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَقَوْلُهُ يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ الْعَقَارِ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ إلَّا لِلشُّرَكَاءِ وَلَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِهَذِهِ الْعُقُودِ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَلَا هِيَ مِثْلُ الْمَالِ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى فَلَمْ يَصْلُحْ الْمَالُ قِيمَةً لَهَا؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ وَلَا اتِّحَادَ فِي الْمَقْصُودِ بَيْنَ الْمَالِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا تَكُونُ قِيمَةً لَهَا، غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا مَضْمُونَةً بِالْمَالِ إمَّا لِخَطَرِهَا أَوْ لِلضَّرُورَةِ فَلَا تَتَعَدَّى مَوْضِعَهَا لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فَلَا تَكُونُ مُتَقَوِّمَةً فِي حَقِّهِ فَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ بِمُقَابَلَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَوْهُوبِ بِلَا عِوَضٍ وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ بِمَا يَتَمَلَّكُ بِهِ الْمُشْتَرِي مِنْ السَّبَبِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ
وَهُنَا لَوْ أَخَذَهُ كَانَ يَأْخُذُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نِكَاحٌ أَوْ إجَارَةٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِبَيْعٍ أَصْلًا وَلَوْ أَخَذَهُ لَكَانَ بَيْعًا وَفِيهِ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ وَلِهَذَا تَتَحَوَّلُ الصَّفْقَةُ إلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِي هَذِهِ الْعُقُودِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ فِيهَا مَشْرُوعَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْرِدِ النَّصِّ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فَيَمْتَنِعُ الْإِلْحَاقُ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، ثُمَّ فَرَضَ لَهَا عَقَارًا مَهْرًا لَمْ تَكُنْ فِيهَا الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ تَعْيِينٌ لِمَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ مُقَابَلٌ بِالْبُضْعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهَا الْعَقَارَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، أَوْ بِالْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ حَيْثُ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ مَا أَعْطَاهَا مِنْ الْعَقَارِ بَدَلٌ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْمَهْرِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى دَارٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا شُفْعَةَ فِي جَمِيعِ الدَّارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: تَجِبُ فِي حِصَّةِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ مَالِيَّةٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ يَقُولُ مَعْنَى الْبَيْعِ فِيهِ تَابِعٌ وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَلَا يَفْسُدُ بِشَرْطِ النِّكَاحِ فِيهِ وَلَا شُفْعَةَ فِي الْأَصْلِ فَكَذَا فِي التَّبَعِ وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ فِي الْمُبَادَلَةِ الْمَالِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ دُونَ التَّبَعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَارِبَ إذَا بَاعَ دَارًا وَفِيهَا رِبْحٌ لَا يَسْتَحِقُّ رَبُّ الْمَالِ الشُّفْعَةَ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا فِيهِ.
قَالَ ﵀ (أَوْ بِيعَتْ بِخِيَارٍ لِلْبَائِعِ) لِأَنَّ خِيَارَهُ يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ، وَبَقَاءَ مِلْكِهِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مِلْكِهِ فَإِنْ أُسْقِطَ الْخِيَارُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ اسْتِحْسَانٌ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ سِمَاعَةَ وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ. إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ ﵀ قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ أَمَّا إذَا بِيعَا جَمِيعًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ بَاعَ الْعَرْصَةَ بِحُقُوقِهَا فَتَتَعَلَّقُ الشُّفْعَةُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا بَاعَ السُّفْلَ دُونَ الْعُلُوِّ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي رَبْعٍ» وَلِأَنَّ التَّأَذِّي يُخَافُ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَأَمَّا الْعُلُوُّ فَلِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْبُقْعَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَهُوَ كَنَفْسِ الْبُقْعَةِ وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ إنَّمَا هُوَ الْعُلُوُّ إذْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجِبَ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنُوا لِأَنَّ حَقَّ الْوَضْعِ مُتَأَبِّدٌ فَهُوَ كَالْعَرْصَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ عُلُوٌّ فِي دَارٍ وَطَرِيقُهُ فِي دَارٍ أُخْرَى إلَى جَنْبِهَا فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ عُلُوَّهُ فَأَصْحَابُ الدَّارِ الَّذِي فِيهِ الطَّرِيقُ أَوْلَى بِالشُّفْعَةِ. إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الطَّرِيقِ وَصَاحِبُ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الْعُلُوُّ جَارٌ وَالشَّرِيكُ فِي الطَّرِيقِ أَوْلَى مِنْ الْجَارِ وَلَوْ تَرَكَ صَاحِبُ الطَّرِيقِ الشُّفْعَةَ وَلِلْعُلُوِّ جَارٌ مُلَاصِقٌ أَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ مَعَ صَاحِبِ السُّفْلِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَارٌ لِلْعُلُوِّ وَالتَّسَاوِي فِي الْجِوَارِ يُوجِبُ التَّسَاوِيَ فِي الشُّفْعَةِ كَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ مَهْرٍ، ثُمَّ فَرَضَ لَهَا دَارًا مَهْرًا أَوْ صَالَحَهَا عَلَى أَنْ جَعَلَهَا لَهَا مَهْرًا أَوْ أَعْطَاهَا إيَّاهَا مَهْرًا لَمْ يَكُنْ فِيهَا شُفْعَةٌ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا تَكُونُ الدَّارُ عِوَضًا إذْ الصُّلْحُ وَالْعِوَضُ يَكُونُ تَقْدِيرًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَارِبَ إذَا بَاعَ دَارًا) أَيْ مِنْ الْمُضَارَبَةِ وَرَبُّ الْمَالِ شَفِيعُهَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ بَاعَ الْمُضَارِبُ دَارًا مِنْ غَيْرِ الْمُضَارَبَةِ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ بِدَارٍ لَهُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ وَتَكُونُ لَهُ خَاصَّةً لِأَنَّهُ جَارٌ بِدَارِ الْمُضَارَبَةِ وَلَوْ بَاعَ رَبُّ الْمَالِ دَارًا لَهُ خَاصَّةً وَالْمُضَارِبُ شَفِيعُهَا بِدَارِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا رِبْحٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَارٌ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رِبْحٌ لَمْ يَأْخُذْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَارٍ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ تَابِعًا) وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ رَأْسِ الْمَالِ شُفْعَةٌ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ وَكِيلُ رَبِّ الْمَالِ فِي الْبَيْعِ وَكُلُّ مَنْ بِيعَ لَهُ لَا تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ فَكَذَا لَا تَجِبُ فِي التَّبَعِ اهـ. (قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ فِي رَأْسِ الْمَالِ. اهـ. .
. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: أَوْ بِيعَتْ بِخِيَارٍ لِلْبَائِعِ) اُنْظُرْ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِيمَا سَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ أَوْ ضَمِنَ الدَّرَكَ عَنْ الْبَائِعِ اهـ.
следующие страницы →