← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 23023

تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي

الفخر الزيلعي

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وَفِي الدَّفْعِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّاهِنُ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ فِي الْفِدَاءِ مُتَطَوِّعًا فِي حِصَّةِ الْأَمَانَةِ حَتَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَخْتَارَهُ فَيُخَاطِبُ الرَّاهِنَ فَلَمَّا الْتَزَمَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَانَ مُتَبَرِّعًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ خِطَابُهُ وَالْمُرْتَهِنُ مُحْتَاجٌ إلَى إصْلَاحِ الْمَضْمُونِ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِصْلَاحِ الْأَمَانَةِ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ ﵏ الْمُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فَدَى مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُخْتَارُ لِلْفِدَاءِ هُوَ الرَّاهِنُ؛ فَلِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَيْسَ لَهُ وَلَايَةُ الدَّفْعِ فَكَيْفَ يَخْتَارُهُ. وَلِأَنَّ فِي الدَّفْعِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الْمُرْتَهِنُ تَفْوِيتَ حَقِّ الرَّاهِنِ فِي الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَحْصُلُ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَسْقُطُ بِالدَّفْعِ كَمَا يَسْقُطُ بِفِدَاءِ الرَّاهِنِ ثُمَّ إذَا أَفْدَاهُ الرَّاهِنُ يُحْتَسَبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ حِصَّةُ الْمَضْمُونِ مِنْ الْفِدَاءِ مِنْ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ أَمْرٌ لَازِمٌ دُفِعَ أَوْ فُدِيَ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ صَارَ هَالِكًا فَإِذَا فَدَاهُ صَارَ كَأَنَّهُ حَصَّلَهُ بِالْفِدَاءِ، فَلَمْ يُجْعَلْ الرَّاهِنُ فِي الْفِدَاءِ مُتَطَوِّعًا ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ حِصَّةُ الْمَضْمُونِ مِنْ الْفِدَاءِ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بَطَلَ الدَّيْنُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ، وَكَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ فِي حِصَّةِ الْأَمَانَةِ كَانَ عَلَيْهِ، وَفِي حِصَّةِ الْمَضْمُونِ كَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا أَدَّاهُ الرَّاهِنُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَطَوِّعٍ فِيهِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ كَأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَهُ فَيَبْقَى الْعَبْدُ رَهْنًا بِمَا بَقِيَ بِخِلَافِ مَا إذَا فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ حَيْثُ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي حَالِ حَضْرَةِ الرَّاهِنِ لَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَعَنْ زُفَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى عَكْسِهِ بِأَنَّ الرَّاهِنَ إذَا كَانَ حَاضِرًا، فَالْمُرْتَهِنُ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا كَانَ مُتَطَوِّعًا فِيهِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يُخَاطِبُ الْمُرْتَهِنَ فِي حَالِ غَيْبَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْعَبْدِ مِنْهُ مَا لَمْ يَحْضُرْ الرَّاهِنُ، فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى الْفِدَاءِ، فَإِذَا فَدَاهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا وَأَمَّا فِي حَالَةِ حَضْرَتِهِ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يُخَاطِبُهُمَا بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ وَلَا يَتَوَصَّلُ الْمُرْتَهِنُ إلَى اسْتِدَامَةِ يَدِهِ إلَّا بِالْفِدَاءِ، فَكَانَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا كَمُعِيرِ الرَّهْنِ وَصَاحِبِ الْعُلُوِّ إذَا بَنَى السُّفْلَ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ عُلُوَّهُ وَكَذَا فِي جِنَايَةِ وَلَدِ الرَّهْنِ إذَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ أَنَا أَفْدِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ يَخْتَارُ الدَّفْعَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَهُوَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، وَلَهُ فِي الْفِدَاءِ غَرَضٌ صَحِيحٌ مِنْ زِيَادَةِ الِاسْتِيثَاقِ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الرَّاهِنِ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ بَاعَ وَصِيُّهُ الرَّهْنَ وَقَضَى الدَّيْنَ)؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، وَلَوْ كَانَ الْمُوصِي حَيًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ قَالَ ﵀ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ نَصَّبَ لَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا وَأَمَرَ بِبَيْعِهِ) وَفِعْلُ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ نَاظِرًا لِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ إذَا عَجَزُوا عَنْ النَّظَرِ لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ تَعَيَّنَ النَّظَرُ فِي نَصْبِ الْوَصِيِّ لِيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ وَيَسْتَوْفِيَ حُقُوقَهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَرَهَنَ الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ عِنْدَ غَرِيمٍ لَهُ مِنْ غُرَمَائِهِ لَمْ يَجُزْ وَلِلْآخَرِينَ أَنْ يَرُدُّوهُ؛ لِأَنَّهُ إيثَارٌ لِبَعْضِ الْغُرَمَاءِ بِالْإِيفَاءِ الْحُكْمِيِّ فَأَشْبَهَ الْإِيثَارَ بِالْإِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَالْجَامِعُ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ إبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيِّتَ بِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَكَذَا مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَإِنْ قَضَى دَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَرُدُّوهُ جَازَ لِزَوَالِ الْمَانِعِ بِوُصُولِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ غَرِيمٌ آخَرُ جَازَ الرَّهْنُ اعْتِبَارًا بِالْإِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَبِيعَ فِي دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ قَبْلَ الرَّهْنِ، فَكَذَا بَعْدَهُ، وَإِذَا ارْتَهَنَ الْوَصِيُّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ. ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ فَيَمْلِكُهُ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إنْ وَكَّلَ وَإِلَّا فَلَا إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَكَذَا لَوْ ارْتَهَنَ الْمُوصِي وَمَاتَ قَامَ الْوَصِيُّ مَقَامَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ (فَصْلٌ) قَالَ ﵀ (رَهَنَ عَصِيرًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ بِعَشْرَةٍ فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ، وَهُوَ يُسَاوِي عَشْرَةً فَهُوَ رَهْنٌ بِعَشْرَةٍ)؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ بَقَاءً يَكُونُ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ بَقَاءً كَمَا أَنَّ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ ابْتِدَاءً يَكُونُ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ ابْتِدَاءً وَالْخَمْرُ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ بَقَاءً أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْقَى الْعَقْدُ فِيهَا إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَخَيَّرُ فِي الْبَيْعِ لِتَغَيُّرِ وَصْفِ الْمَبِيعِ كَمَا إذَا تَعَيَّبَ، فَكَذَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ بَقَاءً. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا فَإِذَا تَخَمَّرَ، فَقَدْ فَسَدَ لَكِنْ بِالتَّخَلُّلِ يَعُودُ الْعَقْدُ صَحِيحًا لِعَوْدِ الْمَالِيَّةِ الْمُتَقَوِّمَةِ فِيهَا وَزَوَالِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَنْ رَهَنَ عِنْدَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَبِيعَ فِي دَيْنِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُزَاحِمَ لَهُ اهـ. [فَصْلٌ رَهَنَ عَصِيرًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ بِعَشْرَةٍ فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ] (فَصْلٌ) هَذَا الْفَصْلُ بِمَنْزِلَةِ فَصْلِ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ الْكُتُبِ فَلِذَلِكَ أَخَّرَهُ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ فِيمَا سَبَقَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ كَمَا أَنَّ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ إلَخْ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀: وَمَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ:؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ عَقْدُ تَمْلِيكٍ يَدًا، فَإِذَا مَلَكَ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ رَقَبَةً وَيَدًا أَوْلَى أَنْ يَمْلِكَهُ يَدًا اهـ ذَكَرَهُ فِي الرَّهْنِ (قَوْلُهُ لِعَوْدِ الْمَالِيَّةِ الْمُتَقَوِّمَةِ فِيهَا إلَخْ) فَكَانَ رَهْنًا بِالْعَشَرَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْ مِقْدَارِهِ بِالتَّخَمُّرِ وَالْغَالِبُ النُّقْصَانُ، فَإِذَا انْتَقَصَ سَقَطَ مِنْ الدَّيْن بِقَدْرِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِنُقْصَانِ الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَصَ سِعْرُهُ لَا مِقْدَارُهُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ لَكِنَّ الرَّاهِنَ يَتَخَيَّرُ كَمَا إذَا انْكَسَرَ الْقُلْبُ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ نَاقِصًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ رَهْنًا عِنْدَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ نَاقِصًا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ بِالدَّيْنِ كَذَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَإِنْ لَمْ تُنْتَقَصْ قِيمَتُهُ لَا يُخَيَّرُ فِيهِ فَيَبْقَى رَهْنًا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي الْجَبْرِ عَلَى الْفِكَاكِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

стр. 1682

الْمُفْسِدِ وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَخَلَّلَ وَهُوَ وَيُسَاوِي عَشْرَةً يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ الْقِيمَةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَدْرُ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ وَالْخَلَّ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ، وَفِيهِمَا نُقْصَانُ الْقِيمَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا مَرَّ فِي انْكِسَارِ الْقَلْبِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْخِيَارَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ الْفَائِتَ فِيهِ مُجَرَّدُ الْوَصْفِ وَفَوَاتُ شَيْءٍ مِنْ الْوَصْفِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ بِإِجْمَاعٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ﵏ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ نَقَصَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدْرِ سَقَطَ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ ﵀ (وَإِنْ رَهَنَ شَاةً قِيمَتُهَا عَشْرَةٌ فَمَاتَتْ فَدُبِغَ جِلْدُهَا، وَهُوَ يُسَاوِي دِرْهَمًا فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ) لِأَنَّ الرَّهْنَ يَتَقَرَّرُ بِالْهَلَاكِ، وَإِذَا جَنَى بَعْضُ الْمَحَلِّ يَعُودُ الْحُكْمُ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الشَّاةُ الْمَبِيعَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَدُبِغَ جِلْدُهَا حَيْثُ لَا يَعُودُ الْبَيْعُ بِقَدْرِهِ. لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْمَفْسُوخُ لَا يَعُودُ صَحِيحًا، وَأَمَّا الرَّهْنُ فَيَتَقَرَّرُ بِالْهَلَاكِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَقُولُ يَعُودُ الْبَيْعُ صَحِيحًا، وَقَوْلُهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْجِلْدِ يَوْمَ الرَّهْنِ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمئِذٍ دِرْهَمَيْنِ كَانَ الْجِلْدُ رَهْنًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّقْوِيمِ بِأَنْ تُقَوَّمَ الشَّاةُ الْمَرْهُونَةُ غَيْرَ مَسْلُوخَةٍ ثُمَّ تُقَوَّمُ مَسْلُوخَةً، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا هُوَ قِيمَةُ الْجِلْدِ هَذَا إذَا كَانَتْ الشَّاةُ كُلُّهَا مَضْمُونَةً، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَمَانَةً بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ يَكُونُ الْجِلْدُ أَيْضًا بَعْضُهُ أَمَانَةٌ بِحِسَابِهِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ قَالُوا هَذَا إذَا دَبَغَهُ الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ. وَإِنْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ ثَبَتَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ حَبْسِهِ بِمَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ ثُمَّ قِيلَ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيهِ حَتَّى إذَا أَدَّى الرَّاهِنُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ أَخَذَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَدَثَ الدَّيْنُ الثَّانِي وَصَارَ بِهِ مَحْبُوسًا حُكْمًا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالْأَوَّلِ حُكْمًا، فَصَارَ كَمَا إذَا رَهَنَهُ حَقِيقَةً بِأَنْ رَهَنَ الرَّهْنَ بِدَيْنٍ آخَرَ غَيْرَ مَا كَانَ مَحْبُوسًا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ رَهْنًا بِالثَّانِي فَكَذَا هَذَا، وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ. ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِمَا هُوَ دُونَهُ كَالْمَبِيعِ بِأَلْفٍ إذَا بَاعَهُ ثَانِيًا مِنْهُ بِأَقَلَّ أَوْ بِأَكْثَرَ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ لِأَنَّهُ دُونَهُ وَالرَّهْنُ بِالثَّانِي هُنَا دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ حَبْسَ الْجِلْدِ بِالْمَالِيَّةِ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِالْجِلْدِ بِحُكْمِ الدِّبَاغِ وَتِلْكَ الْمَالِيَّةُ تَبَعٌ لِلْجِلْدِ؛ لِأَنَّهَا وَصْفٌ لَهُ وَالْوَصْفُ دَائِمًا تَبَعٌ لِلْأَصْلِ، وَالرَّهْنُ الْأَوَّلُ رَهْنٌ بِمَا هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِتَبَعٍ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الدَّيْنُ، فَيَكُونُ أَقْوَى مِنْ الثَّانِي فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي وَيَثْبُتُ الثَّانِي أَيْضًا. ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ قَدْ تَحَقَّقَ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ لِأَنَّ رَدَّهُمَا مُمْكِنٌ فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِهِمَا، وَلَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ وَجُعِلَ بِالدَّيْنِ ثُمَّ عَادَ يَعُودُ الدَّيْنُ وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ لَا يَعُودُ بَلْ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا جَعَلَهُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ مَلَكَهُ كَالْمَغْصُوبِ يَعُودُ بَعْدَ الضَّمَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ قُلْنَا إنَّ الرَّهْنَ لَا يُمْلَكُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ جَاهِلِيٌّ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَإِنَّمَا يَقَعُ بِقَبْضِهِ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ وَجْهٍ وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِالْهَلَاكِ فَإِذَا عَادَ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ فَبَقِيَ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِهِ الْعَيْنُ أَنَّ كَفَنَهُ عَلَى الرَّاهِنِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ قَالَ ﵀ (وَنَمَاءُ الرَّهْنِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ لِلرَّاهِنِ)؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مِلْكِهِ قَالَ ﵀ (وَهُوَ رَهْنٌ مَعَ الْأَصْلِ)؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالرَّهْنُ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ لَازِمٌ فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِخِلَافِ وَلَدِ الْجَارِيَةِ الْجَانِيَةِ حَيْثُ لَا يَسْرِي حُكْمُ الْجِنَايَةِ إلَى الْوَلَدِ وَلَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ حَتَّى يَنْفَرِدُ الْمَالِكُ بِإِبْطَالِهِ بِالْفِدَاءِ وَبِخِلَافِ وَلَدِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْكَفِيلَةِ وَالْمَغْصُوبَةِ وَوَلَدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ حَقُّهُ فِي الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ وَفِي الْكَفَالَةِ الْحَقُّ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَالْوَلَدُ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الذِّمَّةِ وَفِي الْغَصْبِ السَّبَبُ إثْبَاتُ يَدِ الْعَادِيَةِ بِإِزَالَةِ يَدِ الْمُحِقَّةِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الْوَلَدِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِيهِ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ وَالتَّبَعِيَّةُ تَجْرِي فِي الْأَوْصَافِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي الْجَارِيَةِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهَا الْمُسْتَحَقُّ لَهُ الْخِدْمَةُ، وَهِيَ مَنْفَعَةٌ وَالْوَلَدُ غَيْرُ صَالِحٍ لَهَا قَبْلَ الِانْفِصَالِ، فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لَهَا وَبَعْدَهُ لَا يَنْقَلِبُ مُوجِبًا أَيْضًا بَعْدَ أَنْ انْعَقَدَ غَيْرَ مُوجِبٍ قَالَ ﵀ (وَيَهْلِكُ مَجَّانًا) أَيْ إذَا هَلَكَ النَّمَاءُ يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ لَا قِسْطَ لَهَا مِمَّا يُقَابَلُ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلَ تَحْتَ الْعَقْدِ مَقْصُودًا إذْ اللَّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُهَا قَالَ ﵀ (وَإِنْ هَلَكَ الْأَصْلُ وَبَقِيَ النَّمَاءُ فُكَّ بِحِصَّتِهِ) أَيْ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ، وَبَقِيَ النَّمَاءُ يُفَكُّ الْوَلَدُ بِحِصَّتِهِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا) قَالَ الْعَيْنِيُّ ﵀ بَعْدَ أَنْ حَكَى قَوْلَ الشَّارِحِ قُلْت الْقِيمَةُ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ بِازْدِيَادِ الْقَدْرِ وَنُقْصَانِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ)؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا بِالْهَلَاكِ، وَبِالِاسْتِيفَاءِ تَأَكَّدَ عَقْدُ الرَّهْنِ، فَإِذَا عَادَتْ الْمَالِيَّةُ بِالدِّبَاغِ صَادَفَتْ عَقْدًا قَائِمًا فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ بِقِسْطِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْمَشَايِخِ قَالُوا فِي الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ إذَا مَاتَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ دُبِغَ جِلْدُهَا، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَعُودُ وَلَا نَصَّ فِيهِ كَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْحَاصِلُ هُنَا مَا قَالُوا فِي شُرُوحِ الْكَافِي أَنَّ لِعُلَمَائِنَا فِيهِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَطَلَ أَصْلًا لِانْعِدَامِ مَحَلِّيَّةِ الرَّهْنِ بِهَلَاكِ الشَّاةِ ثُمَّ عَادَ حُكْمُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الْجِلْدِ؛ لِأَنَّهُ حَيِيَ هَذَا الْقَدْرَ وَلَوْ حَيِيَ كُلُّهُ يَعُودُ كُلُّ الرَّهْنِ فَإِذَا حَيِيَ بَعْضَهُ يَعُودُ بِقَدْرِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ فِي قَدْرِ الْجِلْدِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَحَلِّيَّةِ قَائِمٌ فِي هَذَا الْقَدْرِ فَكَانَ فِي بَقَاءِ الرَّهْنِ فَائِدَةٌ فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَعُودُ الْبَيْعُ) وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعُودُ لِمَا بَيَّنَّا. اهـ. كَافِي

стр. 1683

مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْفِكَاكِ وَالتَّبَعُ إذَا صَارَ مَقْصُودًا يَكُونُ لَهُ قِسْطٌ كَوَلَدِ الْمَبِيعِ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِالْقَبْضِ صَارَ لَهُ حِصَّةٌ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الْأُمُّ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَقِيَ الْوَلَدُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ قَالَ ﵀ (وَيُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفِكَاكِ وَقِيمَةِ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَسَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ حِصَّةُ الْأَصْلِ وَفَكَّ النَّمَاءَ بِحِصَّتِهِ)؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ صَارَ لَهُ حِصَّةٌ بِالْفِكَاكِ وَالْأُمُّ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِ اعْتِبَارِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ الْوَلَدُ بَعْدَ هَلَاكِ أُمِّهِ قَبْلَ الْفِكَاكِ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا عِنْدَ الْفِكَاكِ، وَلَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي أَكْلِ زَوَائِدِ الرَّهْنِ بِأَنْ قَالَ مَهْمَا زَادَ فَكُلْهُ فَأَكَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَهَذِهِ إبَاحَةٌ وَالْإِطْلَاقُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَالْخَطَرِ بِخِلَافِ التَّمْلِيكِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَكَّ الرَّهْنَ حَتَّى هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ قَسَّمَ الدَّيْنَ عَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ الَّتِي أَكَلَهَا الْمُرْتَهِنُ، وَعَلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ فَمَا أَصَابَ الْأَصْلَ سَقَطَ وَمَا أَصَابَ الزِّيَادَةَ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَلِفَتْ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ بِفِعْلِ الْمُرْتَهِنِ بِتَسْلِيطٍ مِنْهُ، فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ أَخَذَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الدَّيْنِ فَبَقِيَ حِصَّتُهُ هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَفَتَاوَى قَاضِيخَانْ وَالْمُحِيطِ وَعَزَاهُ إلَى الْجَامِعِ قَالَ ﵀ (وَتَصِحُّ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ لَا فِي الدَّيْنِ) مَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِالدَّيْنِ الْمَزِيدِ وَصُورَةُ الزِّيَادَةِ فِي الرَّهْنِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ رَهْنًا عَلَى الرَّهْنِ الْأَوَّلِ فَيَكُونَانِ رَهْنًا بِالدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا صُورَةُ الزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ فَهُوَ أَنْ يَزِيدَ دَيْنًا عَلَى الدَّيْنِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ رَهْنًا بِالدَّيْنَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِرٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الشُّيُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلرَّهْنِ الثَّانِي مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الدَّيْنِ فَيَخْرُجُ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ بِقَدْرِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا أَوْ مَضْمُونًا، وَذَلِكَ شَائِعٌ وَالشُّيُوعُ مُفْسِدٌ لِلرَّهْنِ وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الدَّيْنَ فِي بَابِ الرَّهْنِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنُ كَالثَّمَنِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لِلْحَاجَةِ، وَإِمْكَانُ الْإِلْحَاقِ فِيهِمَا كَمَا فِي الْبَيْعِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِي الرَّهْنِ. ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ تُثْبِتُ فِيهِ ضَمَانَ الدَّيْنِ الثَّانِي فَيَكُونُ بَعْضُ الرَّهْنِ مَضْمُونًا بِهِ وَبَعْضُهُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ الْبَعْضُ مُشَاعٌ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ تَحَوُّلَ بَعْضِ الدَّيْنِ إلَى الرَّهْنِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا فَصَارَ الشُّيُوعُ فِي الدَّيْنِ لَا فِي الرَّهْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعِ صِحَّةِ الرَّهْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ شَيْئًا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ جَازَ، وَلَوْ كَانَ الشُّيُوعُ فِي الدَّيْنِ يُمْنَعُ لَمَا جَازَ وَالِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي طَرَفِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ مَعْقُودٌ بِهِ بَلْ وُجُودُهُ سَابِقٌ عَلَى الرَّهْنِ؛ وَلِهَذَا يَبْقَى الدَّيْنُ بَعْدَ فَسْخِ الرَّهْنِ وَالزِّيَادَةُ تَكُونُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ أَوْ فِي الْمَعْقُودِ بِهِ كَالثَّمَنِ لَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَحَدِ الْبَدَلَيْنِ. وَالزِّيَادَةُ تَخْتَصُّ بِهِمَا ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ إنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ لَا تَصِحُّ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِالزِّيَادَةِ، وَأَمَّا نَفْسُ زِيَادَةِ الدَّيْنِ عَلَى الدَّيْنِ فَصَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ جَائِزٌ إجْمَاعًا ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ وَتُسَمَّى هَذِهِ زِيَادَةَ قَصْدِيَّةِ قُسِّمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا وَعَلَى قِيمَةِ الْأَوَّلِ يَوْمَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخَلَ فِي ضَمَانِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ( قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ الْوَلَدُ إلَخْ) قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ الرَّاهِنُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ أُمِّهِ ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَذَهَبَتْ الْأُمُّ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ وَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حِصَّةَ لِلْوَلَدِ قَبْلَ الْفِكَاكِ فَإِذَا مَاتَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَيُحْكَمُ بِأَنَّ الْأُمَّ هَلَكَتْ بِالدَّيْنِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ فُرُوعًا جَمَّةً فَلْتُنْظَرْ ثَمَّةَ. اهـ. (قَوْلُهُ فَمَا أَصَابَ الْأَصْلَ إلَخْ) مِثَالُهُ مَا قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا شَاةً تُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةٍ وَأَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْتَلِبَ لَبَنَهَا وَيَشْرَبَ مِنْهُ وَيَأْكُلَ فَفَعَلَ صَحَّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمِلْكِ قَدْ رَضِيَ فَإِذَا حَضَرَ الرَّاهِنُ افْتَكَّ الشَّاةَ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَا أَتْلَفَهُ الْمُرْتَهِنُ فَكَأَنَّ الرَّاهِنَ اسْتَرَدَّهُ وَلَوْ هَلَكَتْ الشَّاةُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الرَّاهِنُ ثُمَّ حَضَرَ، فَإِنَّ الدَّيْنَ يُقْسَمُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ وَقِيمَةِ اللَّبَنِ فَتُقْضَى حِصَّةُ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُرْتَهِنِ نُقِلَ إلَى الرَّاهِنِ فَصَارَ الرَّاهِنُ مُسْتَرِدًّا فَصَارَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّبَنِ خَمْسَةٌ صَارَ بِإِزَائِهِ ثُلُثُ الدَّيْنِ فَيَسْقُطُ ثُلُثَا الدَّيْنِ بِهَلَاكِ الشَّاةِ، وَيُؤَدِّي ثُلُثَهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ، وَأَمَّا صُورَةُ الزِّيَادَةِ إلَخْ) وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَرْهَنَ عِنْدَ رَجُلٍ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اسْتَقْرَضَ الرَّاهِنُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَلْفًا أُخْرَى عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِهِمَا جَمِيعًا فَإِنَّهُ يَكُونُ رَهْنًا بِالْأُولَى خَاصَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَلَوْ هَلَكَ هَلَكَ بِالْأَلْفِ الْأُولَى وَلَا يَهْلِكُ بِالْأَلْفَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْنِ وَلَوْ قَضَى الرَّاهِنُ أَلْفًا وَقَالَ إنَّمَا قَضَيْتهَا مِنْ الْأَلْفِ الْأُولَى فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْعَبْدَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ إلَخْ)، وَهُوَ الْقِيَاسُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إلَخْ)، وَهُوَ الْقِيَاسُ اهـ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَذَلِكَ الْبَعْضُ مُشَاعٌ) وَلَوْ رَهَنَهُ ابْتِدَاءً نِصْفَ الْعَبْدِ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَالِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اهـ (قَوْلُهُ وَتُسَمَّى هَذِهِ زِيَادَةً قَصْدِيَّةً)، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الزِّيَادَةِ الضِّمْنِيَّةِ، وَهِيَ زِيَادَةُ النَّمَاءِ وَثَمَّةَ يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَعَلَى قِيمَةِ النَّمَاءِ يَوْمَ الْفِكَاكِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَعَلَى قِيمَةِ الْأَوَّلِ يَوْمَ قَبْضِهِ) حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قَبْضِهَا خَمْسَمِائَةٍ وَقِيمَةُ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفًا وَالدَّيْنُ أَلْفٌ يُقْسَمُ الدَّيْنُ أَثْلَاثًا فِي الزِّيَادَةِ ثُلُثُ الدَّيْنِ وَفِي الْأَصْلِ ثُلُثَا الدَّيْنِ اهـ هِدَايَةٌ

стр. 1684

الْمُرْتَهِنِ يَوْمَ قَبْضِهِ، فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْهُونَةُ وَلَدًا ثُمَّ إنَّ الرَّاهِنَ زَادَ مَعَ الْوَلَدِ عَبْدًا وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَالدَّيْنُ أَلْفٌ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ مَعَ الْوَلَدِ خَاصَّةً يُقْسَمُ مَا فِي الْوَلَدِ عَلَيْهِ يَوْمَ فِكَاكِهِ وَعَلَى الْعَبْدِ الَّذِي زِيدَ عَلَيْهِ. ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ زِيَادَةً مَعَ الْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ وَالْوَلَدُ لَا حِصَّةَ لَهُ إلَّا وَقْتَ الْفِكَاكِ فَمَا أَصَابَ الْوَلَدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قُسِمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْعَبْدِ الزِّيَادَةُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ ذَلِكَ الْوَلَدُ تَبَعٌ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ قَبْلَ الْفِكَاكِ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إذَا هَلَكَ خَرَجَ مِنْ الْعَقْدِ، فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَبَطَلَ الْحُكْمُ فِي الزِّيَادَةِ، وَكَذَا لَوْ هَلَكَتْ الزِّيَادَةُ قَبْلَ فِكَاكِ الْوَلَدِ هَلَكَتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَعَ الْأُمِّ قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا، وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قَبْضِهَا لِمَا ذَكَرْنَا فَمَا أَصَابَ الْأُمَّ قُسِمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا إذَا هَلَكَتْ فَمَا أَصَابَ الْأُمَّ ذَهَبَ وَسَقَطَ وَمَا أَصَابَ الْوَلَدَ افْتَكَّ بِهِ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ دَخَلَتْ عَلَى الْأُمِّ فَيُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَيْهَا وَعَلَى الزِّيَادَةِ أَوَّلًا. ثُمَّ مَا أَصَابَ الْأُمَّ قُسِمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا إذَا هَلَكَتْ وَبَقِيَ الْوَلَدُ إلَى الْفِكَاكِ، وَلَوْ هَلَكَ الْوَلَدُ بَعْدَ هَلَاكِهَا قَبْلَ الْفِكَاكِ أَوْ هَلَكَ هُوَ وَحْدَهُ دُونَهَا ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا حِصَّةَ لَهُ إلَّا وَقْتَ الْفِكَاكِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا فَبَقِيَ حِصَّةُ الْأُمِّ كُلُّهَا عَلَيْهَا تَذْهَبُ بِهَلَاكِهَا وَحِصَّةُ الزِّيَادَةِ أَيْضًا تَذْهَبُ بِذَهَابِ الزِّيَادَةِ فَصَارَ كَأَنَّ الرَّهْنَ فِي الْأُمِّ وَحْدَهَا، وَزَادَ الْعَبْدُ عَلَيْهَا فَأَيُّهُمَا هَلَكَ هَلَكَ بِحِصَّتِهِ وَافْتَكَّ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ قَالَ ﵀ (وَمَنْ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ فَدَفَعَ عَبْدًا آخَرَ رَهْنًا مَكَانَ الْأَوَّلِ وَقِيمَةُ كُلٍّ أَلْفٌ فَالْأَوَّلُ رَهْنٌ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الْآخِرِ أَمِينٌ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَكَانَ الْأَوَّلِ)؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ وَالدَّيْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الضَّمَانِ مَا دَامَا بَاقِيَيْنِ إلَّا بِنَقْضِ الْقَبْضِ، فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ فِي ضَمَانِهِ لَا يَدْخُلُ الثَّانِي فِي ضَمَانه؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِدُخُولِ أَحَدِهِمَا فِيهِ لَا بِدُخُولِهِمَا فِيهِ فَإِذَا رَدَّ الْأَوَّلَ دَخَلَ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ، ثُمَّ قِيلَ يُشْتَرَطُ تَجْدِيدُ الْقَبْضِ فِيهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الثَّانِي يَدُ أَمَانَةٍ وَيَدُ الرَّاهِنِ يَدُ اسْتِيفَاءٍ وَضَمَانٍ فَلَا تَنُوبُ عَنْهُ كَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ جِيَادٌ فَاسْتَوْفَى زُيُوفًا يَظُنُّهَا جِيَادًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا زُيُوفٌ وَطَالَبَهُ بِالْجِيَادِ وَأَخَذَهَا. فَإِنَّ الْجِيَادَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَرُدَّ الزُّيُوفَ وَيُجَدِّدَ الْقَبْضَ فِي الْجِيَادِ، وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ وَعَيْنُهُ أَمَانَةٌ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ؛ وَلِأَنَّ الرَّهْنَ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ وَالْقَبْضُ يُرَدُّ عَلَى الْعَيْنِ فَيَنُوبُ قَبْضُ الْأَمَانَةِ عَنْ قَبْضِ الْعَيْنِ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ عَنْ الدَّيْنِ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ اسْتِحْسَانًا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ أَوْ بِجِهَتِهِ عِنْدَ تَوَهُّمِ الْوُجُودِ كَمَا فِي الدَّيْنِ الْمَوْعُودِ، وَلَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ بِالْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ وَلَا جِهَتِهِ لِسُقُوطِهِ إلَّا إذَا مَنَعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ، فَيَصِيرُ غَاصِبًا بِالْمَنْعِ وَكَذَا إذَا ارْتَهَنَتْ الْمَرْأَةُ بِصَدَاقِهَا رَهْنًا فَأَبْرَأَتْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ أَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَيْهِ أَوْ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهَا يَهْلَكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِسُقُوطِ الدَّيْنِ. وَلَوْ اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ الدَّيْنَ بِإِيفَاءِ الرَّاهِنِ أَوْ بِإِيفَاءِ مُتَطَوِّعٍ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ يَهْلَكُ بِالدَّيْنِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى إلَى مَنْ اسْتَوْفَى مِنْهُ وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوْ الْمُتَطَوِّعُ بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَسْقُطُ بِهِ الدَّيْنُ أَصْلًا وَبِالِاسْتِيفَاءِ لَا يَسْقُطُ لِقِيَامِ الْمُوجِبِ، وَهُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلدَّيْنِ لَكِنْ يَكُونُ الْمَقْبُوضُ مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا وَمَعْنَاهُ أَنَّ دَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي مُطَالَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ اسْتِيفَاءٍ يُوجَدُ يَعْقُبُ مُطَالَبَةً مِثْلَهُ فَيُؤَدِّي إلَى الدَّوْرِ فَتُرِكَ الطَّلَبُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَأَمَّا الدَّيْنُ نَفْسُهُ فَثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ يَتَقَرَّرُ الِاسْتِيفَاءُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الِاسْتِيفَاءُ بِقَبْضِ الرَّهْنِ وَيُنْتَقَضُ الِاسْتِيفَاءُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ صَالَحَ عَنْ الدَّيْنِ عَلَى عَيْنٍ. وَكَذَا إذَا أَحَالَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ بِالدَّيْنِ عَلَى غَيْرِهِ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ، وَهَلَكَ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَرَاءَةِ بِطَرِيقِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْحَوَالَةِ عَنْ مِلْكِ الْمُحِيلِ مِثْلَ مَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَوْ مِثْلَ مَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ، وَكَذَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ يَهْلَكُ بِالدَّيْنِ لِتَوَهُّمِ وُجُوبِ الدَّيْنِ بِالتَّصَادُقِ عَلَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ لِسُقُوطِ الدَّيْنِ) كَمَا فِي الْإِبْرَاءِ اهـ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَسْقُطُ بِهِ الدَّيْنُ إلَخْ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَلَوْ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ رَدَّ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ عَنْ الْغَرِيمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ وَلِهَذَا صَحَّتْ الْهِبَةُ، وَإِذَا بَقِيَ أَصْلُ الدَّيْنِ بَقِيَ الرَّهْنُ فَبَقِيَ الضَّمَانُ اهـ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا اشْتَرَى) أَيْ الْمُرْتَهِنُ. اهـ. (قَوْلُهُ بِالدَّيْنِ عَيْنًا) أَيْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ صَالَحَ عَنْ الدَّيْنِ عَلَى عَيْنٍ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ. اهـ. هِدَايَةٌ أَيْ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الدَّيْنِ عَلَى الْعَيْنِ اسْتِيفَاءٌ لِلدَّيْنِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ فَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهِ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ) أَعْنِي أَنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ عَنْ الْمُحِيلِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا بَرَاءَةٌ وَقَعَتْ بِطَرِيقِ الْأَدَاءِ فَلَا يَخْرُجُ الرَّهْنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا، فَإِذَا هَلَكَ بِالدَّيْنِ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ حُكْمُ الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَ الْهَلَاكِ إلَى الْقَبْضِ السَّابِقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحَالَ بِالدَّيْنِ وَلَا دَيْنَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي وَلَوْ ارْتَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يُسَاوِيهَا ثُمَّ تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَدْ مَاتَ الْعَبْدُ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيِّ فِي شَرْحِهِ الَّذِي هُوَ مَبْسُوطُهُ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ عَلَى ظَاهِرِ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ دُونَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الْقَرْضِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِمَا سَاوَمَهُ، وَلَمْ يُحَقِّقْهُ فَكَذَا الْمَقْبُوضُ عَلَى ظَاهِرِ الدَّيْنِ. اهـ. غَايَةٌ

стр. 1685

قِيَامِهِ فَتَكُونُ الْجِهَةُ بَاقِيَةً بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ وَقَالَ فِي الْكَافِي: ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ إذَا كَانَ تَصَادُقُهُمَا بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ وَاجِبًا ظَاهِرًا حِينَ هَلَكَ الرَّهْنُ. وَوُجُوبُ الدَّيْنِ ظَاهِرًا يَكْفِي لِضَمَانِ الرَّهْنِ فَصُيِّرَ مُسْتَوْفِيًا، وَأَمَّا إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ وَالرَّهْنُ قَائِمٌ ثُمَّ هَلَكَ يَهْلِكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّهُ بِتَصَادُقِهِمَا يَنْتَفِي الدَّيْنُ مِنْ الْأَصْلِ وَضَمَانُ الرَّهْنِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الدَّيْنِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُمَا إذَا تَصَادَقَا قَبْلَ الْهَلَاكِ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَضْمُونًا رَجُلٌ دَفَعَ مَهْرَ غَيْرِهِ تَطَوُّعًا فَطَلُقَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْوَطْءِ رَجَعَ الْمُتَطَوِّعُ بِنِصْفِ مَا أَدَّى، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَتَطَوَّعَ رَجُلٌ بِأَدَاءِ ثَمَنِهِ ثُمَّ رَدَّ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ رَجَعَ الْمُتَطَوِّعُ بِمَا أَدَّى وَقَالَ زُفَرُ: ﵀ يَرْجِعُ الزَّوْجُ وَالْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّ الْمُتَطَوِّعَ أَدَّى عَنْهُمَا، فَصَارَ كَأَدَائِهِمَا بِإِذْنِهِمَا قُلْنَا إنَّهُ إذَا قَضَى عَنْهُمَا بِأَمْرِهِمَا رَجَعَ عَلَيْهِمَا بِمَا أَدَّى فَمَلَكَاهُ بِالضَّمَانِ وَهُنَا لَمْ يَمْلِكَاهُ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْمُتَطَوِّعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (كِتَابُ الْجِنَايَاتِ) ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَجْنِيهِ الْمَرْءُ مِنْ شَرٍّ اكْتَسَبَهُ تَسْمِيَةً لِلْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا، وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ وَأَصْلُهُ مِنْ جَنْيِ الثَّمَرِ، وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرِ، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَالٍ أَوْ نَفْسٍ لَكِنْ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ يُرَادُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْجِنَايَةِ الْفِعْلُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ، ثُمَّ الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ وَالْقَتْلِ بِسَبَبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْإِرْثِ وَالْإِثْمِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا تَقْسِيمُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ ﵀ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ. وَخَطَأٍ قَالَ ﵀ (مُوجَبُ الْقَتْلِ عَمْدًا، وَهُوَ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ وَنَحْوِهِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَاللِّيطَةِ وَالنَّارِ الْإِثْمُ وَالْقَوَدُ عَيْنًا) أَيْ الْقَتْلُ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُوجِبُ الْإِثْمَ وَالْقِصَاصَ مُتَعَيِّنًا أَمَّا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] [ كِتَابُ الْجِنَايَاتِ] (كِتَابُ الْجِنَايَات) مُنَاسَبَةُ الْجِنَايَاتِ بِالرَّهْنِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ هُوَ صِيَانَةُ الدَّيْنِ عَنْ التَّوَى وَالتَّلَفِ بِوَثِيقَةِ الرَّهْنِ فَكَذَا حُكْمُ الْجِنَايَةِ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ هَلَاكِهَا أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَلَكِنْ قَدَّمَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهَا مَحْظُورَةٌ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ وَكُلُّ مَا لَيْسَ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ، فَإِنَّ الْقَتْلَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَتْلِ رَجْمًا وَالْقَتْلِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا ثُمَّ الْقَتْلُ عِبَارَةٌ عَنْ إزْهَاقِ الرُّوحِ بِفِعْلِ شَخْصٍ، وَإِنْ كَانَ انْزِهَاقُ الرُّوحِ بِلَا فِعْلٍ مَخْلُوقٍ يُسَمَّى ذَلِكَ مَوْتًا. اهـ. (قَوْلُهُ هَذَا تَقْسِيمُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ) وَتَبِعَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي تَقْسِيمِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اهـ. (قَوْلُهُ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ) وَصَاحِبُ النَّافِعِ قَالَ الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهٍ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَالْقَتْلِ بِالتَّسْبِيبِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَطَأِ فَلَمْ يُفْرِدْ لَهُ نَوْعًا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ اهـ قُلْت وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا ﵀ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوْعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ وَمَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ بَيَانُ أَحْكَامِ الْقَتْلِ الَّذِي فِيهِ مُبَاشَرَةٌ وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ لَيْسَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ، وَأَمَّا مَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَأِ لَمْ يَذْكُرْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (قَوْلُهُ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِالْحَدِيدِ كَالسِّكِّينِ وَالسَّيْفِ أَوْ مَا كَانَ كَالْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حِدَةٌ يَبْضَعُ بَضْعًا أَوْ لَيْسَ لَهُ حِدَةٌ وَلَكِنْ يَرُضُّ رَضًّا كَالْعَمُودِ وَسَنْجَاةِ الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ طَعْنٌ بِالرُّمْحِ أَوْ الْإِبْرَةِ أَوْ الْأَشْفَى بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ أَوْ لَمْ يَكُنْ. لِأَنَّ الْحَدِيدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسِّلَاحِ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالْحَدِيدِ» وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَدِيدِ مِثْلَ الصُّفْرِ وَالرَّصَاصِ وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ وَالْآنُكِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ بَضْعًا أَوْ رَضًّا وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَدِيدِ إنْ عَمِلَ عَمَلَ الْحَدِيدِ فَهُوَ عَمْدٌ وَإِلَّا فَلَا كَمَا إذَا أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ فَهُوَ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَهُ؛ لِأَنَّهَا تَشُقُّ الْجِلْدَ وَكَذَلِكَ مَا لَهُ حَدٌّ يَعْمَلُ عَمَلَ السَّيْفِ كَالزُّجَاجِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَحَجَرٍ لَهُ حَدٌّ مِمَّا يَبْضَعُ بَضْعًا أَوْ يَطْعَنُ كَخَشَبٍ لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ فَهَذَا يَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ فَهُوَ عَمْدٌ إلَى هُنَا شَرْحُ الطَّحَاوِيِّ وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِيخَانْ فِي فَتَاوَاهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ كَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِ لَا يُشْتَرَطُ الْجُرْحُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَقَالَ فِي الْأَجْنَاسِ: ذَكَرَ فِي الشُّرُوطِ الْكَبِيرِ لِأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي الْعَمُودِ مِنْ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ لَا يَجْرَحُهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا قَاسِمٌ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ: فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْعِبْرَةُ لِلْحَدِيدِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ جَرَحَ أَوْ لَا وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ الْعِبْرَةُ لِلْجُرْحِ نَفْسِهِ حَدِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ اهـ وَظَاهِرُ صَنِيعِ الزَّيْلَعِيِّ اخْتِيَارُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ وَمَا أَشْبَهَهُ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ

стр. 1686

اشْتِرَاطُ الْعَمْدِيَّةِ فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَتَحَقَّقُ دُونَهَا وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةُ لِقَوْلِهِ ﵊ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ السِّلَاحِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى السِّلَاحِ؛ فَلِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ، وَهُوَ فِعْلُ الْقَلْبِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إذْ هُوَ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَأُقِيمَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ غَالِبًا مَقَامَهُ تَيْسِيرًا كَمَا أُقِيمَ السَّفَرُ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ. وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا مَقَامَ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَالْبُلُوغُ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ تَيْسِيرًا وَالْآلَةُ الْقَاتِلَةُ غَالِبًا هِيَ الْمُحَدَّدَةُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُعَدَّةُ لِلْقَتْلِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، فَلَيْسَ بِمُعَدٍّ لَهُ حَتَّى لَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ بِصَنْجَةِ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا يَجِيءُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَذَكَرَ قَاضِيخَانْ ﵀ أَنَّ الْجُرْحَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ كَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْمَأْثَمِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ. وَقَالَ ﷺ «سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» وَقَالَ ﵊ «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْقِصَاصِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي الْقَتْلِ خَطَأً بِقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَقَالَ ﷺ «الْعَمْدُ قَوَدٌ»؛ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ قِصَاصًا نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ فَلَا يُشْرَعُ إلَّا إذَا تَنَاهَتْ الْجِنَايَةُ، وَلَا تَتَنَاهَى إلَّا بِالْعَمْدِ. لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ، فَلَا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ الْمُتَنَاهِيَةَ قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يُعْفَى) أَيْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ فَيَسْقُطَ الْقِصَاصُ بِعَفْوِهِمْ، فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ إنْ كَانَ الْعَفْوُ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَإِنْ كَانَ بِبَدَلٍ يَجِبُ الْمَشْرُوطُ بِالصُّلْحِ لَا بِالْقَتْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيِّ: ﵀ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ وَفِي قَوْلٍ عَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا لَكِنْ لِلْوَلِيِّ حَقُّ الْعُدُولِ إلَى الْمَالِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمَّا أَنْ يُودِيَ» وَقَالَ «﵊ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا». وَهَذَا نَصٌّ عَلَى التَّخْيِيرِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ شُرِعَ جَابِرًا وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعُ جَبْرٍ فَيَتَخَيَّرُ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ كَالْكَفَّارَاتِ أَوْ فِي الْعُدُولِ إلَى الْمَالِ بَعْدَ الْوُجُوبِ كَالْمِثْلِيِّ الْمُنْقَطِعِ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى رِضَاهُ لِتَعَيُّنِهِ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ، وَهُوَ بِامْتِنَاعِهِ مُتَعَنِّتٌ وَمُلْقٍ نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالْمُضْطَرِّ إذَا وَجَدَ مَالَ الْغَيْرِ، وَمَعَهُ ثَمَنُهُ، فَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لَهُ شَرْعًا وَالْآدَمِيُّ قَدْ يَضْمَنُ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْخَطَأِ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا وَمَا رَوَيْنَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» لِلْجِنْسِ لِعَدَمِ الْعَهْدِ فَيَقْتَضِي أَنَّ جِنْسَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ لَا الْمَالِ وَمَنْ جَعَلَهُ مُوجِبًا لِلْمَالِ فَقَدْ زَادَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِقَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ لَا مَالَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجَبًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى إذْ الْآدَمِيُّ خُلِقَ مُكَرَّمًا لِيَتَحَمَّلَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] مِثْلَ هَذَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ عَادَةً هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْعُيُونِ فَقَتْلُ الْعَمْدِ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجَبُ قَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَقَتْلُ الْعَمْدِ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى السِّلَاحِ كَالْآلَةِ الَّتِي تَقْطَعُ وَتَجْرَحُ كَلِيطَةِ قَصَبٍ وَحَجَرٍ لَهُ حِدَةٌ لِصِحَابِهَا وَعَمُودِ حَدِيدٍ وَسَنْجَةِ حَدِيدٍ الصَّحِيحُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا يَجْرَحُ اهـ. وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ: عِنْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِمَرٍّ فَقَتَلَهُ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَسَنَجَاتُ الْمِيزَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ الْجُرْحُ أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ وَقَدْ نَقَلْت عِبَارَةَ الْأَتْقَانِيِّ بِتَمَامِهَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْكَنْزِ وَمَنْ قَتَلَهُ بِمَرٍّ فَارْجِعْ إلَيْهَا إنْ شِئْت وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اهـ قَوْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا هُمَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥] إلَى آخِرِ الْآيَةِ) وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَشَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا عَلَى أَنَّهُ شَرِيعَةُ رَسُولِنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وَالسُّلْطَانُ الْقَتْلُ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِالْعَمْدِ، وَإِنْ كَانَتْ النُّصُوصُ مُطْلَقَةً؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا أَيْضًا جِنَايَةً مَحْضَةً، وَهُوَ الْعَمْدُ. وَهَذَا لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ أَوْ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ حُكْمُ الْعَمْدِ قَوَدٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (فَرْعٌ) ثُمَّ إنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ بِأَنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا مُخَاطَبًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا وَالْمَقْتُولُ مَعْصُومُ الدَّمِ عِصْمَةً أَبَدِيَّةً وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شُبْهَة مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةَ الْوِلَادَةِ أَيْ لَا يَكُونُ وَلَدَهُ وَإِنْ سَفَلَ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ وَيَقْتَصُّ بِالسَّيْفِ وَلَا يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْقِصَاصِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَّا أَنْ يُعْفَى) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ مَتْنًا وَشَرْحًا أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ حَرْبِيًّا جَاءَنَا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ يَنْظُرُ فِيهِمَا الْإِمَامُ فَأَيَّهُمَا رَأَى أَصْلَحَ فَعَلَ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ مَجَّانًا اهـ فَلْيُرَاجَعْ ذَلِكَ اهـ قَوْلُهُ أَوْ الدِّيَةُ أَيْ إذَا رَضِيَ بِهَا الْقَاتِلُ. اهـ. (قَوْلُهُ كَالْمِثْلِيِّ الْمُنْقَطِعِ) يَعْنِي إذَا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلِيٌّ بِغَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّ الطَّالِبَ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ عَدَلَ إلَى الْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ إلَى أَنْ يَجِيءَ الْمِثْلُ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ وَمَا رَوَيْنَا)، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» اهـ

стр. 1687

التَّكَالِيفَ وَيَشْتَغِلَ بِالطَّاعَةِ وَلِيَكُونَ خَلِيفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَالْمَالُ خُلِقَ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِهِ وَمُبْتَذَلًا لَهُ فِي حَوَائِجِهِ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا وَقَائِمًا مَقَامَهُ وَالْقِصَاصُ يَصْلُحُ لِلتَّمَاثُلِ صُورَةً؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِقَتْلٍ وَكَذَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ الِانْتِقَامُ. وَالثَّانِي فِيهِ كَالْأَوَّلِ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا وَبِهِ يَحْصُلُ مَنْفَعَةُ الْإِحْيَاءِ لِكَوْنِهِ زَاجِرًا لَا يَأْخُذُ الْمَالَ فَتَعَيَّنَ مُوجَبًا لَا الْمَالَ؛ وَلِهَذَا يُضَافُ مَا وَجَبَ مِنْ الْمَالِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إلَى الصُّلْحِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا»، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْمَالِ لَمَا أَضَافَهُ إلَى الصُّلْحِ، وَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَا يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَفِي الصُّلْحِ مَا يُمْكِنُ فِي النَّفْسِ وَغَيْرِهِ وَبِهِ يَسْتَقِيمُ، وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْوَلِيِّ عِنْدَ إعْطَاءِ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ وَتَخْيِيرُهُ لَا يُنَافِي رِضَا الْآخَرِ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلدَّائِنِ خُذْ بِدَيْنِك إنْ شِئْت دَرَاهِمَ، وَإِنْ شِئْت دَنَانِيرَ، وَإِنْ شِئْت عُرُوضًا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ غَيْرَ حَقِّهِ إلَّا بِرِضَا الْمَدِينِ، وَهَذَا سَائِغٌ فِي الْكَلَامِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك أَوْ رَأْسَ مَالِكِ» أَيْ لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك عِنْدَ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ وَلَا تَأْخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِكِ عِنْدَ التَّفَاسُخِ فَخَيَّرَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ ذَلِكَ أَوْ احْتَمَلَهُ لَا تَبْقَى حُجَّةٌ لَهُ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْقِصَاصُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَمْ تَكُنْ الدِّيَةُ فَقَالَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَالْعَفْوُ فِي أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ مِمَّا كَانَ كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَأَخْبَرَ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ دِيَةٌ أَيْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ عِوَضًا عَنْ الدَّمِ أَوْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ وَنَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ بَلْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ الَّتِي أُبِيحَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَعَلَ لَهُمْ أَخْذَهَا إذَا أُعْطُوهَا» وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ عَمَّتَهُ الرُّبَيِّعُ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَقَالَ ﵊ حِينَ اخْتَصَمُوا إلَيْهِ كِتَابُ اللَّهُ الْقِصَاصُ» وَلَمْ يُخَيِّرْ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ وَاجِبًا بِهِ لَخَيَّرَ إذْ مَنْ وَجَبَ لَهُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ عَلَى الْخِيَارِ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا. وَإِنَّمَا يُحْكَمُ لَهُ بِأَنْ يَخْتَارَ أَيُّهُمَا شَاءَ وَاَلَّذِي يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ الْقِصَاصَ صَحَّ عَفْوُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْوَاجِبُ بِالْقَتْلِ لَمَا صَحَّ عَفْوُهُ قَبْلَ تَعَيُّنِهِ بِاخْتِيَارِهِ إذْ الْعَفْوُ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَاطِلٌ فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لَا يَنْفَرِدُ الْوَلِيُّ بِالْعُدُولِ عَنْهُ إلَى الْمَالِ بَدَلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ؛ وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ بِمَالٍ آخَرَ غَيْرِ الدِّيَةِ كَالدَّارِ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ لَا يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى الدَّفْعِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إحْيَاءُ نَفْسِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُضْطَرَّ الَّذِي ذَكَرَهُ يُجْبَرُ عَلَى الشِّرَاءِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَإِنَّمَا نَقُولُ يَأْثَمُ إذَا تَرَكَ الشِّرَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَمَاتَ وَكَذَا نَقُولُ هُنَا أَيْضًا يَأْثَمُ إذَا لَمْ تَخْلُصْ نَفْسُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ وَالْآدَمِيُّ قَدْ يَضْمَنُ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْخَطَأِ قُلْنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي الْخَطَأِ ضَرُورَةُ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِثْلٌ لَهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعُقُوبَةُ، وَهُوَ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ صِيرَ إلَيْهِ لِصَوْنِ الدَّمِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَخَاطَأَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، وَأَدَّى إلَى الْتَفَّانِي؛ وَلِأَنَّ النَّفْسَ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهَا بِعُذْرِ التَّخَاطُؤِ كَمَا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ الْمَالُ صِيَانَةً لَهَا عَنْ الْإِهْدَارِ وَلَا يُقَالُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْمَالَ وَلَا الْعُدُولَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْجَانِي أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءُ فَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ الشَّلَّاءَ وَكَذَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ بَطَلَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِي الْقِصَاصِ. وَوَجَبَ لَهُمْ الدِّيَةُ وَلَوْلَا أَنَّهُ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ لَمَا وَجَبَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِمْ كَامِلًا وَكَلَامُنَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَلْزَمُنَا قَالَ ﵀ (لَا الْكَفَّارَةُ) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ تَجِبُ اعْتِبَارًا بِالْخَطَأِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِمَحْوِ الْإِثْمِ، وَهُوَ فِي الْعَمْدِ أَكْبَرُ، فَكَانَ أَدْعَى إلَى إيجَابِهَا وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ دَائِرَةٌ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا الْكَفَّارَةُ) وَلَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ نِصْفِ الْقِصَاصِ يَسْقُطُ الْكُلُّ وَلَا يَنْقَلِبُ الْبَاقِي مَالًا. اهـ. قُنْيَةٌ

стр. 1688

بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبْيِهَا أَيْضًا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِتَعَلُّقِ الْعِبَادَةِ بِالْمُبَاحِ وَالْعُقُوبَةِ بِالْمَحْظُورِ، وَقَتْلُ الْعَمْدِ كَبِيرَةٌ مَحْضٌ فَلَا تُنَاطُ بِهِ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ مِثْلِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا. وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي الْإِثْمِ فَشَرْعُهُ لِدَفْعِ الْأَدْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ الْأَعْلَى؛ وَلِأَنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَعِيدًا مُحْكَمًا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ وُجُودِ التَّشْدِيدِ فِي الْوَعِيدِ بِنَصٍّ قَاطِعٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَمَنْ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ تَحَكُّمًا مِنْهُ بِلَا دَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ كُلُّ مُوجِبَةٍ هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخًا وَلَا يَجُوزُ بِالرَّأْيِ قَالَ ﵀ (وَشِبْهُهُ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ، الْإِثْمُ وَالْكَفَّارَةُ وَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا الْقَوَدُ) أَيْ مُوجَبُ الْقَتْلِ شِبْهِ الْعَمْدِ الْإِثْمُ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَقَوْلُهُ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ أَيْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي الْعَمْدِ، وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي الْعَمْدِ هُوَ الْمُحَدَّدُ وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ مِنْ الْآلَةِ كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَكُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا إذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ بِهِ غَالِبًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَصْدَ الْفِعْلِ لَا الْقَتْلَ، فَكَانَ عَمْدًا بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْفِعْلِ وَخَطَأً بِاعْتِبَارِ الْقَتْلِ. لَهُمْ أَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ يَتَقَاصَرُ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ التَّأْدِيبُ أَوْ إتْلَافَ الْعُضْوِ لَا الْقَتْلُ، فَكَانَ شِبْهَ عَمْدٍ وَلَا يَتَقَاصَرُ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَلْبَثُ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الْقَتْلُ كَالسَّيْفِ، فَكَانَ عَمْدًا فَيَجِبُ الْقَوَدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ رَضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ رَأْسَ يَهُودِيٍّ رَضَّ رَأْسَ صَبِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ وَكَذَا قَتَلَ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَتَلَتْ امْرَأَةً بِمِسْطَحٍ، وَهُوَ عَمُودُ الْفُسْطَاطِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ وَفِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» وَبِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الْعَصَا الْكَبِيرَةَ وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِهَا؛ وَلِأَنَّ قَصْدَ الْقَتْلِ أَمْرٌ مُبْطَنٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهَذِهِ الْآلَةُ لَا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى قَصْدِ الْقَتْلِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لَهُ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ إذْ لَا يُمْكِنُ الْقَتْلُ بِهَا عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُ وَلَا يَقَعُ الْقَتْلُ بِهَا غَالِبًا فَقُصِرَتْ الْعَمْدِيَّةُ لِذَلِكَ فَصَارَ كَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَهُوَ الْآلَةُ الْمُحَدَّدَةُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الصَّغِيرِ مِنْهَا وَالْكَبِيرِ. لِأَنَّ الْكُلَّ صَالِحٌ لِلْقَتْلِ بِتَخْرِيبِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَذَا مَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ بَيْنَ الصَّغِيرِ مِنْهُ وَالْكَبِيرِ حَتَّى لَا يُوجِبُ الْكُلُّ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَدٍّ لِلْقَتْلِ وَلَا صَالِحٍ لَهُ لِعَدَمِ نَقْصِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا، فَكَانَ فِي قَصْدِهِ الْقَتْلَ شَكٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ قُصُورٍ وَالْقِصَاصُ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَلَا يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ وَمَا رَوَوْهُ مِنْ رَضِّ الْيَهُودِيِّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﵊ عَلِمَ أَنَّ الْيَهُودِيَّ كَانَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ فَإِنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ بِعَصَا أَوْ بِسَوْطٍ أَوْ غَيْرِهِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُقْتَلُ بِهِ حَدًّا أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَعَلَهُ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ لِكَوْنِهِ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَقَتَلَهُ حَدًّا كَمَا يُقْتَلُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ فَضِيلَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ ضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَقَتَلَتْهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَقَضَى فِيمَا فِي بَطْنِهَا بِغُرَّةٍ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ أُغَرَّمُ مَنْ لَا طَعِمَ وَلَا شَرِبَ وَلَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ فَقَالَ أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِيِّ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا رَوَوْهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الرَّاوِيَ لِذَلِكَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى زَعْمِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا «قَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ كُنْت بَيْنَ بَيْتَيْ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَشِبْهِهِ) قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْأَصْلِ شِبْهُ الْعَمْدِ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ فِي الْعَصَا أَوْ السَّوْطِ أَوْ الْحَجَرِ أَوْ الْيَدِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا بِعَصًا فَقَتَلَهُ إنَّ ذَلِكَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَكَذَا لَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَشَجَّهُ وَكَذَا لَوْ ضَرَبَهُ بِصَخْرَةٍ أَوْ عُودٍ وَكَذَا لَوْ وَكَزَهُ أَوْ وَجَأَهُ فَمَاتَ مِنْ وَجْأَتِهِ أَيْ عَضَّهُ فَمَاتَ مِنْ عَضَّتِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَتُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ فِي الْإِبِلِ إذَا فُرِضَتْ الدِّيَةُ فِيهَا فَأَمَّا غَيْرُ الْإِبِلِ فَلَا يُغَلَّظُ فِيهَا إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى السِّلَاحِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِآلَةٍ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهَا فِي الْغَالِبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَهُوَ أَنْ يَضْرِبَ بِشَيْءٍ الْغَالِبُ فِيهِ الْهَلَاكُ كَمِدَقَّةِ الْقَصَّارِينَ وَالْحَجَرِ الْكَبِيرِ وَالْعَصَا الْكَبِيرَةِ وَنَحْوِهِ فَإِذَا قَتَلَهُ بِهِ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا هُوَ عَمْدٌ فَأَمَّا إذَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِعَصًا صَغِيرَةٍ أَوْ بِحَجَرٍ صَغِيرٍ أَوْ بِلِيطَةٍ وَكَانَ مَا لَا يَكُونُ الْغَالِبُ فِيهِ الْهَلَاكُ كَالسَّوْطِ وَنَحْوِهِ فَهَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا تَابَعَ الضَّرْبَ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا هُوَ عَمْدٌ إلَى هُنَا لَفْظُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ) سَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يَقْتَصُّ بِالسَّيْفِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ بِأَيٍّ شَيْءٍ رَآهُ الْإِمَامُ اهـ (قَوْلُهُ فَضِيلَةَ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخٍ بِالْفَاءِ وَاَلَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ نُضَيْلَةَ فَلْيُحَرَّرْ اهـ (قَوْلُهُ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِيِّ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأَعْرَابِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ

стр. 1689

جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا» هَكَذَا رَوَوْهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ فَقَالَ ﵊ هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ»، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ. فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِحَّ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ، ثُمَّ لَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَيْنَ أَنْ يُوَالِيَ عَلَيْهِ ضَرَبَاتٍ حَتَّى مَاتَ كُلُّ ذَلِكَ شِبْهُ عَمْدٍ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الْمُوَالَاةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَصِيرُ عَمْدًا بِهَا فَيُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ أَوْ غُرْفَةٍ فِي الْمَاءِ أَوْ خَنَقَهُ حَتَّى مَاتَ كُلُّ ذَلِكَ شِبْهُ عَمْدٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا عَمْدٌ، وَإِنَّمَا كَانَ إثْمًا يُشْبِهُ الْعَمْدَ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مُحَرَّمَ دِينِهِ قَاصِدًا لَهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ عَلَى الْخَطَأِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْإِيضَاحِ قَالَ فِي الْإِيضَاحِ وَجَدْت فِي كُتُبِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّ الْإِثْمَ كَامِلٌ مُتَنَاهٍ وَتَنَاهَيْهِ يَمْنَعُ شَرْعِيَّةَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ وَجَوَابُهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنْ نَقُولَ إنَّهُ آثِمٌ إثْمَ الضَّرْبِ. ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ لَا إثْمَ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِالْقَتْلِ، وَهُوَ فِيهِ مُخْطِئٌ وَلَا تَجِبُ بِالضَّرْبِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالضَّرْبِ بِدُونِ الْقَتْلِ وَبِعَكْسِهِ تَجِبُ فَكَذَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا يُضَافُ الْوُجُوبُ إلَى الْقَتْلِ دُونَ الضَّرْبِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ بِهِ، فَلِمَا رَوَيْنَا، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَيَكُونُ مَعْذُورًا فَيَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ لِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ فَتَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي الْخَطَأِ وَلِهَذَا أَوْجَبَهَا عُمَرُ ﵁ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْقَتْلِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ كَالْخَطَأِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْفِعْلِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمُجَازَاةِ لِوُجُودِ الْقَصْدِ مِنْهُ إلَى الْفِعْلِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَالْخَطَأِ إلَّا فِي حَقِّ الْإِثْمِ وَصِفَةِ التَّغْلِيظِ فِي الدِّيَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ﵀ (وَالْخَطَأُ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا ظَنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ كَنَائِمٍ انْقَلَبَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَة) أَيْ مُوجَبُ قَتْلِ الْخَطَأِ وَمُوجَبُ مَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَقَوْلُهُ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخَصًا إلَخْ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّوْعَيْنِ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا ظَنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ تَفْسِيرٌ لِلْخَطَأِ فِي الْقَصْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ فِي الْفِعْلِ حَيْثُ أَصَابَ مَا قَصَدَ رَمْيَهُ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي الْقَصْدِ أَيْ فِي الظَّنِّ حَيْثُ ظَنَّ الْحَرْبِيَّ مُسْلِمًا وَالْآدَمِيَّ صَيْدًا، وَقَوْلُهُ أَوْ غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا أَيْ أَوْ رَمَى غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ دُونَ الْقَصْدِ فَيَكُونُ مَعْذُورًا إذَا اخْتَلَفَ الْمَحَلُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَمَّدَ بِالضَّرْبِ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ فَأَصَابَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنْهُ حَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يَخْتَلِفْ لِوُجُودِ قَصْدِ الْفِعْلِ مِنْهُ وَالْقَتْلِ إذْ جَمِيعُ الْبَدَنِ مِنْهُ كَمَحَلِّ وَاحِدٍ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَقْصُودِهِ فَلَا يُعْذَرُ، وَإِنَّمَا صَارَ الْخَطَأُ نَوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَصَرَّفُ بِفِعْلِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ فَيَتَحَمَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَطَأَ عَلَى الِانْفِرَادِ كَمَا ذَكَرَ أَوْ عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَنْ رَمَى آدَمِيًّا يَظُنُّهُ صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ مِنْ النَّاسِ، وَقَوْلُهُ كَنَائِمٍ انْقَلَبَ عَلَى رَجُلٍ بَيَانٌ لِمَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِخَطَأٍ حَقِيقَةً لِعَدَمِ قَصْدِ النَّائِمِ إلَى شَيْءٍ حَتَّى يَصِيرَ مُخْطِئًا لِمَقْصُودِهِ وَلَمَّا وُجِدَ فِعْلُهُ حَقِيقَةً وَجَبَ عَلَيْهِ مَا أَتْلَفَهُ كَفِعْلِ الطِّفْلِ فَجُعِلَ كَالْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ كَالْمُخْطِئِ، وَإِنَّمَا كَانَ حُكْمُ الْمُخْطِئِ مَا ذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَقَدْ قَضَى بِهَا عُمَرُ ﵁ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَصَارَ إجْمَاعًا وَقَدْرُ الدِّيَةِ وَصِفَتُهَا وَمَا يَجُوزُ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَمَا لَا يَجُوزُ نَذْكُرُهُ فِي الدِّيَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَتْلِ لَا يَأْثَمُ إثْمَ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إثْمَ تَرْكِ التَّحَرُّزِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّثَبُّتِ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُبَاحَةَ لَا تَجُوزُ مُبَاشَرَتُهَا إلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا فَإِذَا آذَى أَحَدًا فَقَدْ تَحَقَّقَ تَرْكُ التَّحَرُّزِ فَيَأْثَمُ وَلَفْظَةُ الْكَفَّارَةِ تُنْبِئ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا سِتَارَةٌ وَلَا سِتْرَ بِدُونِ الْإِثْمِ قَالَ ﵀ (الْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ أَوْ غَرَّقَهُ فِي الْمَاءِ أَوْ خَنَقَهُ) سَيَأْتِي حُكْمُ الْخَنْقِ وَالتَّغْرِيقِ فِي الْمَتْنِ فِي الْبَابِ الْآتِي وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ وَلَوْ طَرَحَهُ فِي بِئْرٍ أَوْ مِنْ ظَهْرِ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُقْتَلُ غَالِبًا يَجِب الْقِصَاصُ وَيَكُونُ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْتَلُ غَالِبًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَيَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ اهـ. (فَرْعٌ) فِي مَسْأَلَةِ السُّمِّ وَلَوْ سَقَاهُ سُمًّا حَتَّى مَاتَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ دَفَعَ إلَيْهِ السُّمَّ حَتَّى أَكَلَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَمَاتَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الدِّيَةُ وَيُحْبَسُ وَيُعَزَّرُ، وَلَوْ أَوْجَرَهُ إيجَارًا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ دُفِعَ إلَيْهِ فِي شُرْبِهِ فَشَرِبَ وَمَاتَ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرِبَ بِاخْتِيَارِهِ إلَّا أَنَّ الدَّفْعَ خُدْعَةٌ فَلَا يَجِبُ إلَّا التَّعْزِيرُ وَالِاسْتِغْفَارُ. اهـ. قَاضِيخَانْ وَفِي الْمُجَرَّدِ لَوْ قَمَطَ رَجُلًا وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَرَسَبَ وَغَرِقَ كَمَا أَلْقَاهُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ سَبَحَ سَاعَةً ثُمَّ غَرِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَرِقَ بِعَجْزِهِ وَفِي الْأَوَّلِ بِطَرْحِهِ فِي الْمَاءِ اهـ قَاضِيخَانْ قَوْلُهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الدِّيَةُ أَيْ وَيَرِثُهُ. اهـ. ظَهِيرِيَّةٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْخَطَأِ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَأَمَّا قَتْلُ الْخَطَأِ فَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ مُبَاحًا فَيُصِيبُ مَحْظُورًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَمَّدَ بِالضَّرْبِ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ إلَخْ) فِي الذَّخِيرَةِ قَصَدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُنُقَهُ فَهُوَ عَمْدٌ، وَفِيهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ أَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ قَالَ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَصْدَ الْقَتْلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ عَمْدًا. اهـ. كَاكِيٌّ

стр. 1690

الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا الْكَفَّارَةُ) أَيْ مُوجَبُ الْقَتْلِ بِسَبَبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا الْكَفَّارَةِ أَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ بِهِ فَلِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ بِالْحَفْرِ فَجُعِلَ كَالدَّافِعِ لِلْمُلْقَى فِيهِ فَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ صِيَانَةً لِلْأَنْفُسِ فَتَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِهَذَا الطَّرِيقِ دُونَ الْقَتْلِ بِالْخَطَأِ فَيَكُونُ مَعْذُورًا فَتَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْهُ كَمَا فِي الْخَطَأِ بَلْ أَوْلَى لِعَدَمِ الْقَتْلِ مِنْهُ مُبَاشَرَةً؛ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهِ قَالَ ﵀ (وَالْكُلُّ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إلَّا هَذَا) أَيْ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إلَّا الْقَتْلَ بِسَبَبٍ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ مُلْحَقٌ بِالْخَطَأِ فِي أَحْكَامِهِ قَالَ ﵀ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّ إتْلَافَ مَا دُونَ النَّفْسِ لَا يَخْتَصُّ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ شِبْهُ الْعَمْدِ بِخِلَافِ النَّفْسِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ عَمَّتَهُ الرُّبَيِّعُ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَطَلَبُوا إلَيْهِمْ الْعَفْوَ فَأَبَوْا وَالْأَرْشَ فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ قَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ اللَّطْمَةَ لَوْ أَتَتْ عَلَى النَّفْسِ لَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَرَأَيْنَاهَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَدْ أَوْجَبَتْهُ بِحُكْمِهِ ﵊ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ فِي النَّفْسِ شِبْهَ عَمْدٍ هُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَهَا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شِبْهُ عَمْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (بَابُ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ) قَالَ ﵀ (يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ عَمْدًا) لِمَا بَيَّنَّا وَشَرْطٌ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَحْقُونَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ لِتَنْتَفِي شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَيَسْتَدْعِي الْكَمَالَ فِي الْجِنَايَةِ، فَلَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْتَأْمِنِ؛ لِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ عَلَى التَّأْبِيدِ قَالَ ﵀ (وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَبِالْعَبْدِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهَذَا يَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمُقَابَلَةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا إذْ الْحُرُّ مَالِكٌ وَالْعَبْدُ مَمْلُوكٌ وَالْمَالِكِيَّةُ أَمَارَةُ الْقُدْرَةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ( قَوْلُهُ لَطَمْتُ جَارِيَةً) أَيْ مِنْ الْأَنْصَارِ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) أَيْ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ اهـ قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. اهـ. [بَابُ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ] (بَابُ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ) لَمَّا ذَكَرَ أَنْوَاعَ الْقَتْلِ: وَهِيَ خَمْسَةٌ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْعَمْدُ وَقَدْ يُوجِبُ الْعَمْدُ الْقِصَاصَ وَقَدْ لَا يُوجِبُهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ الْقِصَاصِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] السُّلْطَانُ الْقَتْلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَقَالَ ﷺ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَلَا يُقَالُ يَرِدُ قَتْلُ الْأَبِ ابْنَهُ عَمْدًا إشْكَالًا عَلَى الْكُلِّيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مُوجَبُ ذَلِكَ الْقِصَاصُ أَيْضًا وَلَكِنْ سَقَطَ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، وَذَلِكَ عَارِضٌ وَالْكَلَامُ فِي الْأُصُولِ لَا فِي الْعَوَارِضِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الِابْنُ شَهِيدًا، وَإِنْ كَانَ تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ مَالًا لِلشُّبْهَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ كَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ مَحْقُونِ الدَّم حَقْنُ الدَّمِ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يُسْفَكَ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَبِالْعَبْدِ) قَالَ قَاضِيخَانْ: عَبْدٌ قُتِلَ عَمْدًا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَيَكُونُ الِاسْتِيفَاءُ إلَى الْمَوْلَى وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَوَلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ لَهُمْ جَمِيعًا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمْ بِهِ فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمْ يَنْقَلِبُ حَقُّ الْبَاقِينَ مَالًا إلَى الْقِيمَةِ كَمَا يَنْقَلِبُ فِي الْحُرِّ إلَى الدِّيَةِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَتْلِ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ وَعَلَى قَتْلِ الْعَبْدِ بِالْحُرِّ وَذَلِكَ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وَالسُّلْطَانُ الْقَوَدُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اهـ أَتْقَانِيٌّ. فَرْعٌ قَالَ فِي الْمَنَارِ وَالْقِصَاصُ لَا يُضْمَنُ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ قَالَ ابْنُ فِرِشْتَا يَعْنِي مَنْ قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَا يَضْمَنُ لِمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ عِنْدَنَا وَيَضْمَنُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ اهـ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي لِلسِّرَاجِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِأَنَّ قَاتِلَ الْقَاتِلِ لَا يَضْمَنُ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ لِوَلِيِّ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ إنْ خَطَأً وَيُقْتَصُّ مِنْهُ إنْ كَانَ عَمْدًا كَذَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعِصْمَةِ)؛ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ نَفْسًا مَعْصُومَةً عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ اهـ

стр. 1691

أَمَارَةُ الْعَجْزِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] فَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا. ؛ وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَيَاةٌ وَالرِّقَّ مَوْتٌ حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى مُعْتِقِهِ بِالْوَلَاءِ حَتَّى يَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ طَرَفُ الْحُرِّ بِطَرَفِ الْعَبْدِ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّ الطَّرَفَ أَهْوَنُ وَأَقَلُّ حُرْمَةً لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِلنَّفْسِ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ فِي النَّفْسِ، وَهِيَ أَعْظَمُ حُرْمَةً أَوْلَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ تَفَاوُتٌ إلَى نُقْصَانٍ فَلَا يَمْتَنِعُ كَمَا فِي الْمُسْلَمِ وَالْمُسْتَأْمِنِ؛ وَلِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ فَيُوجِبُ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ كَحَقِيقَةِ الْكُفْرِ، فَصَارَ كَالْمُسْتَأْمِنِ وَلَنَا الْعُمُومَاتُ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وَقَوْلُهُ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَلَا يُعَارَضُ بِمَا تَلَا؛ لِأَنَّ فِيهِ مُقَابَلَةً مُقَيَّدَةً. وَفِيمَا تَلَوْنَا مُقَابَلَةٌ مُطْلَقَةٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى أَنَّ مُقَابَلَةَ الْحُرِّ بِالْحُرِّ لَا تُنَافِي مُقَابَلَةَ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا ذِكْرُ بَعْضِ مَا شَمَلَهُ الْعُمُومُ عَلَى مُوَافَقَةِ حُكْمِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ مَا بَقِيَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَابَلَ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى وَالذَّكَرَ بِالذَّكَرِ ثُمَّ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى وَكَذَا لَا يَمْنَعُ مُقَابَلَةُ الْعَبْدَ بِالْحُرِّ حَتَّى يُقْتَلُ بِهِ الْعَبْدُ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا بِالْعَكْسِ إذْ لَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَمُنِعَ الْعَكْسُ أَيْضًا وَفِي مُقَابَلَةِ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى دَلِيلٌ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ مُقَاتَلَةٌ، فَكَانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ أَقَلَّ مِنْهُمْ عَدَدًا، وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ أَشْرَفَ عِنْدَهُمْ فَتَوَاضَعُوا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ بِمُقَابَلَةِ الْحُرِّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْأُنْثَى مِنْهُمْ بِمُقَابَلَةِ الذَّكَرِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ وَبَيَانًا أَنَّ الْجِنْسَ يُقْتَلُ بِجِنْسِهِ عَلَى خِلَافِ مُوَاضَعَتِهِمْ مِنْ الْقَبِيلَتَيْنِ جَمِيعًا، فَكَانَتْ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ لَا لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ. وَلِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعِصْمَةِ إذْ هِيَ بِالدِّينِ عِنْدَهُ وَبِالدَّارِ عِنْدَنَا، وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ وَتَحْقِيقًا لِمَعْنَى الزَّجْرِ وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي غَيْرِ الْعِصْمَةِ لَمَا جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْقِصَاصُ يَجِبُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ آدَمِيٌّ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْمِلْكِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بَلْ هُوَ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ وَلِهَذَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَكَذَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَلَوْ كَانَ مَالًا لَمَا قُتِلَ وَكَذَا عَجْزُهُ وَمَوْتُهُ وَبَقَاءُ أَثَرِ كُفْرِهِ حُكْمِيٌّ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي سُقُوطِ الْعِصْمَةِ، وَلَا يُورِثُ شُبْهَةً، وَلَوْ أَوْرَثَ شُبْهَةً لَمَا جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْجُزْءِ الْمُبَانِ بَعْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعِصْمَةِ؛ وَلِهَذَا لَا تُقْطَعُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ، وَفِي النَّفْسِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حَتَّى يُقْتَلُ الصَّحِيحُ بِالزَّمِنِ وَبِالْمَفْلُوجِ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ أَطْرَافِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ إلَّا فِي الْعِصْمَةِ فَأَظْهَرْنَا أَثَرَ الرِّقِّ فِيهَا دُونَ النَّفْسِ لِمَا أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ حَيْثُ النَّفْسُ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ خُلِقَ مَعْصُومًا قَالَ ﵀ (وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يُقْتَلُ بِهِ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ «جُحَيْفَةَ قَالَ سَأَلْت عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِلْمٌ غَيْرُ الْقُرْآنِ قَالَ وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوَى الْقُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قُلْت وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادُ قَالَ: «انْطَلَقْت أَنَا وَالْأَشْتَرُ إلَى عَلِيٍّ فَقُلْنَا هَلْ عَهِدَ إلَيْك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً قَالَ لَا إلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإِذَا فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» الْحَدِيثَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]؛ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ يُوجِبُ النُّقْصَانَ وَالْكَافِرُ كَالْمَيِّتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ، وَبَيْنَ الْحَيِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ حَيْثُ يُقْتَلُ بِهِ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ وَقْتَ الْقَتْلِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ؛ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ فِي الْجُمْلَةِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً كَالْمِلْكِ مُبِيحٌ لِلْوَطْءِ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ هُوَ يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى لَا يُحَدُّ إذَا وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا مِنْ الْكِتَابِ وَمَا رَوَيْنَا مِنْ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُهُ وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ حَتَّى يُقْتَلُ الصَّحِيحُ بِالزَّمِنِ وَبِالْمَفْلُوجِ) أَيْ وَالْبَصِيرُ بِالْأَعْمَى وَالْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ وَالشَّرِيفُ بِالْخَامِلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ الَّذِي يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ غَيْرِ ذِمِّيٍّ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمِنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ عَهْدٌ أَوْ مِيثَاقٌ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ دَارِ الْحَرْبِ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرِ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ جُحَيْفَةَ) كَذَا هُوَ فِي نُسْخَةِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَكَذَا هُوَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي بِخَطِّ شَمْسِ الدِّينِ الزَّرَاتِيتِيِّ الْمُقَابَلَةِ عَلَى نُسْخَةِ الشَّارِحِ وَصَوَابُهُ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَقَدْ ذَكَرَهُ عَلَى وَفْقَ الصَّوَابِ الْأَتْقَانِيُّ وَأَبُو جُحَيْفَةَ هَذَا هُوَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الْكُنَى وَذَكَرَهُ بِكُنْيَتِهِ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَقَدْ قَلَّدَ الْعَيْنِيُّ الشَّارِحَ فَقَالَ لَمَّا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ جُحَيْفَةَ وَالصَّوَابُ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ «أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ سَأَلْت عَلِيًّا هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» اهـ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْقَيْسِيِّ الضُّبَعِيِّ اهـ إصَابَةٌ (قَوْلُهُ حَيْثُ يُقْتَلُ بِهِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الصَّفْحَةِ الْآتِيَةِ اهـ

стр. 1692

الْمُسْلِمِينَ قَدْ قَتَلَ مُعَاهِدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ عُنُقُهُ. وَقَالَ أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْعَبْدِ وَقَدْ وُجِدَتْ نَظَرًا إلَى الدَّارِ، وَإِلَى التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا كُلِّفَ بِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ مَا كُلِّفَ بِهِ إلَّا بِدَفْعِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ عَنْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُحَرَّمَ التَّعَرُّضِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ بِنَفْسِهِ بَلْ بِوَاسِطَةِ الْحِرَابِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَا يُقَاتِلُ مِنْهُمْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالذَّرَارِيِّ، وَقَدْ انْدَفَعَ الْقَتْلُ عَنْهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، فَكَانَ مَعْصُومًا بِلَا شُبْهَةٍ وَلِهَذَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ، وَلَوْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ خَلَلٌ لَمَا قُتِلَ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ كَمَا لَا يُقْتَلُ الْمُسْتَأْمِنُ بِالْمُسْتَأْمِنِ وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ مَعْصُومَةً بِلَا شُبْهَةٍ كَالْمُسْلِمِ؛ وَلِهَذَا يُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الذِّمِّيِّ، وَلَوْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ شُبْهَةٌ لَمَا قُطِعَ كَمَا لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مَالِ الْمُسْتَأْمِنِ. ؛ لِأَنَّ الْمَالَ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ وَأَمْرُ الْمَالِ أَهْوَنُ مِنْ النَّفْسِ فَلَمَّا قُطِعَ بِسَرِقَتِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْتَلَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ مَوْلَاهُ وَيُقْتَلُ بِقَتْلِ مَوْلَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ قُتِلَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا قَتْلُ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ فَلَوْلَا أَنَّ الْمُسْلِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ ابْتِدَاءً لَمَا دَامَ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْبَقَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا مُعْتَبَرَةٌ بِالِابْتِدَاءِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ جَرَحَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَبِعَكْسِهِ لَوْ جَرَحَ مُرْتَدٌّ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِمَا ذَكَرْنَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرِ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» أَيْ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ. وَلِهَذَا عَطَفَ ﴿ذُو الْعَهْدِ﴾، وَهُوَ الذِّمِّيُّ عَلَى الْمُسْلِمِ تَقْدِيرُهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِكَافِرٍ حَرْبِي؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا قَتَلَ ذِمِّيًّا قُتِلَ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَرْبِيُّ إذْ هُوَ لَا يُقْتَلُ بِهِ مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ وَلَا يُقَالُ مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ مُطْلَقًا أَيْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَيَكُونُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ " ذُو عَهْدٍ " مُفْرَدٌ وَقَدْ عُطِفَ عَلَى الْجُمْلَةِ فَيَأْخُذُ الْحُكْمَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ النَّاقِصَ بِأَخْذُ الْحُكْمَ مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ التَّامِّ كَمَا يُقَالُ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَيُقَالُ قُتِلَ زَيْدٌ بِعَمْرٍو وَخَالِدٍ أَيْ كِلَاهُمَا قَامَ أَوْ قُتِلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ لَهُ خَبَرٌ آخَرُ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَعْنَى يَأْبَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِسَوْقِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ نَفْيُ الْقَتْلِ قِصَاصًا لَا نَفْيُ مُطْلَقِ الْقَتْلِ، فَكَذَا الثَّانِي تَحْقِيقًا لِلْعَطْفِ إذْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ فِي الْمُفْرَدِ، وَلَا يُقَالُ مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا بِذِي عَهْدٍ أَيْ لَا يُقْتَلُ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ وَلَا بِذِمِّيٍّ. لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَكَانَ لَحْنًا إذْ لَا يَجُوزُ عَطْفُ الْمَرْفُوعِ عَلَى الْمَجْرُورِ، فَلَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ أَفْصَحُ الْعَرَبِ وَلَا يُقَالُ رُوِيَ " ذِي عَهْدٍ " بِالْجَرِّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْكَافِرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ هُوَ جَرٌّ لِلْمُجَاوَرَةِ لَا لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ حَتَّى يُشَارِكَهُ فِي الْحُكْمِ وَمِثْلُهُ جَائِزٌ قَالَ اللَّهُ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] بِالْجَرِّ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الْحُكْمِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ، وَكَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِهِ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ حِينَ قُتِلَ عُمَرُ مَرَرْت عَلَى أَبِي لُؤْلُؤَةَ وَمَعَهُ الْهُرْمُزَانُ فَلَمَّا بَعَثَهُمْ ثَارُوا فَسَقَطَ مِنْ بَيْنَهُمْ خَنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ مُمْسَكُهُ فِي وَسَطِهِ فَانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَعَهُ السَّيْفُ حَتَّى دَعَا الْهُرْمُزَانَ فَلَمَّا خَرَجَ إلَيْهِ قَالَ انْطَلِقْ حَتَّى نَنْظُرَ إلَى فَرَسٍ لِي ثُمَّ تَأَخَّرَ عَنْهُ حَتَّى إذَا مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَاهُ بِالسَّيْفِ فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ السَّيْفِ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ ثُمَّ دَعَوْت جُفَيْنَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَلَمَّا خَرَجَ إلَيَّ عَلَوْته بِالسَّيْفِ فَصُلِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ انْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَتَلَ ابْنَةَ أَبِي لُؤْلُؤَةَ صَغِيرَةً فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ ﵁ دَعَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ. فَقَالَ أَشِيرُوا إلَيَّ فِي قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ فَتَقَ فِي الدِّينِ مَا فَتَقَ فَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِيهِ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَأْمُرُونَهُ بِالشِّدَّةِ عَلَيْهِ وَيَحْثُونَهُ عَلَى قَتْلِهِ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ لِعُثْمَانَ لَقَدْ عَفَاك اللَّهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَمَا بُويِعَتْ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَى النَّاسِ سُلْطَانٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَلَى خُطْبَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْهُرْمُزَانِ وَجُفَيْنَةَ كَانَا كَافِرَيْنِ وَأَشَارَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى قَتْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فَقَالَ أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ) قَالَ فِي الْفَائِقِ التَّكَافُؤُ التَّسَاوِي أَيْ تَتَسَاوَى فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى وَضِيعٍ وَالذِّمَّةُ الْأَمَانُ وَمِنْهَا سُمِّيَ الْمُعَاهِدُ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ أُومِنَ عَلَى مَالِهِ وَدَمِهِ لِلْجِزْيَةِ أَيْ إذَا أَعْطَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَمَانًا فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ إخْفَاؤُهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَشِيرُوا إلَيَّ فِي قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ) يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. اهـ. (قَوْلُهُ فَتَقَ فِي الدِّينِ) لَفْظَةُ فِي لَيْسَتْ فِي خَطِّ الشَّارِحِ فَلْيُرَاجَعْ الْحَدِيثَ. اهـ. (قَوْلُهُ مَا فَتَقَ) فَتَنَ الدَّيْنَ مَا فَتَنَ اهـ مِنْ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ) أَيْ قَتْلُ الْهُرْمُزَانِ وَجُفَيْنَةَ وَابْنَةِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ. اهـ.

стр. 1693

بِهِمَا فَمُحَالٌ أَنْ يُرِيدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيَّ ثُمَّ يُشِيرُ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى قَتْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالذِّمِّيِّ وَعَلِيٌّ فِيهِمْ، وَهُوَ الرَّاوِي لِهَذَا الْحَدِيثِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَرْبِيُّ وَلَا يُقَالُ لَعَلَّ عُثْمَانَ أَرَادَ قَتْلَهُ بِبِنْتِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ لَا بِجُفَيْنَةَ وَالْهُرْمُزَانِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِهَا لَا بِهِمَا لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَبْعَدَهُمَا اللَّهُ فَمُحَالٌ أَنْ لَا يُبَيِّنَ ذَلِكَ مَعَ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْمُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا تُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بَلْ تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْعِصْمَةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] أَيْ فِي الْفَوْزِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الِاسْتِوَاءِ فِي الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَا عُمُومَ لَهُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] أَنَّ الْمَنْفِيَّ الِاسْتِوَاءُ فِي الْعَمَى وَالْبَصَرِ لَا فِي كُلِّ وَصْفٌ؛ وَلِهَذَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعِصْمَةِ وَكَذَا نُقْصَانُ حَالِ الْكَافِرِ بِكُفْرِهِ لَا يُزِيلُ عِصْمَتَهُ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَسَائِرِ الْأَوْصَافِ النَّاقِصَةِ كَالْجَهْلِ وَالْفِسْقِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُفْرَهُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ بَلْ حِرَابُهُ هُوَ الْمُبِيحُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمِلْكِ فِي الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهُ مُبِيحٌ لِلْوَطْءِ. وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي الْأُخْتِ الْمَذْكُورَةِ بِعَارِضٍ فَأَوْرَثَتْ شُبْهَةً قَالَ ﵀ (وَلَا يُقْتَلَانِ بِمُسْتَأْمِنٍ) أَيْ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ وَلَا الذِّمِّيُّ بِحَرْبِيٍّ دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ عَلَى التَّأْبِيدِ فَانْعَدَمَتْ الْمُسَاوَاةُ وَكَذَا كُفْرُهُ بَاعِثٌ عَلَى الْحِرَابِ لِقَصْدِهِ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمِنُ بِالْمُسْتَأْمِنِ قِيَاسًا لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِوُجُودِ الْمُبِيحِ قَالَ ﵀ (وَالرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ وَالصَّحِيحُ بِالْأَعْمَى وَبِالزَّمِنِ وَنَاقِصِ الْأَطْرَافِ وَبِالْمَجْنُونِ) يَعْنِي يُقْتَلُ الرَّجُلُ الصَّحِيحُ بِهَؤُلَاءِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَيُقْتَلُ الْحَرُّ بِالْحُرِّ إلَخْ لَا عَلَى مَا يَلِيهِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُقْتَلَانِ بِمُسْتَأْمِنٍ، وَإِنَّمَا جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمْ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي الْعِصْمَةِ وَالْمُسَاوَاةُ فِيهَا هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ الْمُسَاوَاةُ فِيمَا وَرَاءَهَا لَانْسَدَّ بَابُ الْقِصَاصِ وَلَظَهَرَ الْفِتَنُ وَالتَّفَانِي قَالَ ﵀ (وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ) لِمَا تَلَوْنَا وَرَوَيْنَا مِنْ الْعُمُومَاتِ وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي قَالَ ﵀ (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْوَلَدِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَلَا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ»؛ وَلِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يَقْتُلُ وَلَدَهُ غَالِبًا لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِسَبَبِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ لِإِحْيَائِهِ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ سَبَبًا لِإِفْنَائِهِ وَلِهَذَا لَا يَقْتُلُهُ إذَا وَجَدَهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ مُقَاتِلًا أَوْ زَانِيًا، وَهُوَ مُحْصَنٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ بِسَبَبٍ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ خِلَافُهُ، وَلَوْ قُتِلَ بِهِ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الِابْنَ بِنَائِبَةٍ قَالَ ﵀ (وَالْأُمُّ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ كَالْأَبِ) سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُمْ فَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْأَبِ يَكُونُ وَارِدًا فِيهِمْ دَلَالَةً، فَكَانَتْ الشُّبْهَةُ شَامِلَةً لِلْجَمِيعِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْقَتْلِ وَقَالَ مَالِكٌ: ﵀ إنْ قَتَلَهُ ضَرْبًا بِالسَّيْفِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ تَأْدِيبَهُ وَإِنْ ذَبَحَهُ ذَبْحًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا تَأْوِيلٌ بَلْ جِنَايَةُ الْأَبِ أَغْلَظُ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ الرَّحِمِ فَصَارَ كَمَنْ زَنَى بِابْنَتِهِ حَيْثُ يُحَدُّ كَمَنْ زَنَى بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ وَمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ هَذَا كَالزِّنَا بِبِنْتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ يَتَجَنَّبُ مَا يَضُرُّ وَلَدَهُ بَلْ يَتَحَمَّلُ الضَّرَرَ عَنْهُ حَتَّى يَسْلَمَ وَلَدُهُ فَهَذَا هُوَ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَقْصِدُ قَتْلَ وَلَدِهِ فَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّفَرَ لَمَّا كَانَ فِيهِ الْمَشَقَّةُ غَالِبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخْصَةِ الْمُسَافِرِينَ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا يُتَّفَقُ لِبَعْضِهِمْ فِيهِ مِنْ الرَّاحَةِ وَلَا كَذَلِكَ الزِّنَا قَالَ ﵀ (وَبِعَبْدِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَبِمُكَاتَبِهِ وَبِعَبْدِ وَلَدِهِ وَبِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ) لِمَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ لَوَجَبَ لَهُ كَمَا إذَا قَتَلَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ عُقُوبَةٌ وَكَذَا لَا يَسْتَوْجِبُ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ عَلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَالْقِصَاصُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِذَا سَقَطَ فِي الْبَعْضِ لِأَجَلِ أَنَّهُ مَلَكَ الْبَعْضَ سَقَطَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزِّي قَالَ ﵀ (وَإِنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ عَلَى التَّأْبِيدِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا مَضَتْ أَخْرَجْنَاهُ وَلَا نُمَكِّنُهُ مِنْ الْمَقَامِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ صَارَ مُبَاحَ الدَّمِ وَالْمُسْلِمُ مَحْقُونُ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ التَّسَاوِي فِي حَقْنِ الدَّمِ وَلَمْ يُوجَدْ اهـ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْوَلَدِ) قَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَلَا جَدٌّ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَلَا مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ، وَإِنْ عَلَا بِوَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا جَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَلَا مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ عَلَتْ أَوْ سَفَلَتْ، وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ وَقَتْلُ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ إجْمَاعٌ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ ﵀ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: مَنْ قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَلَكِنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ يُؤَدِّي فِي كُلِّ سَنَةٍ الثُّلُثَ مِنْ الدِّيَةِ وَلَا يَرِثُ مِنْ وَالِدَيْهِ وَلَا مِنْ مَالِ ابْنِهِ شَيْئًا وَيَرِثُ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ الِابْنِ بَعْدَ الْأَبِ وَلَا يَحْجُبُ الْأَبُ عَنْ الْمِيرَاثِ أَحَدًا وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى هُنَا لَفْظُ كِتَابِ الْآثَارِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَارْجِعْ إلَى الْحَاشِيَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَخْ اهـ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَلَا وَالِدٌ وَإِنْ عَلَا بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَمْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ لَوْ ذَبَحَهُ وَنُوجِبُ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لَا فِي الْحَالِ اهـ وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ فِي الدِّيَاتِ مَا نَصُّهُ وَكُلُّ عَمْدٍ سَقَطَ قَوَدُهُ بِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ عَمْدًا فَدِيَتُهُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبِعَبْدِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَبِمُكَاتَبِهِ)، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ فَمِلْكُهُ بَاقٍ فِيهِ فَصَارَ كَالْعَبْدِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ لَوَجَبَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى اهـ (قَوْلُهُ سَقَطَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزِّي) أَيْ كَالدَّمِ إذَا كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا. اهـ.

стр. 1694

أَبِيهِ سَقَطَ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِابْنَ لَا يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ عَلَى أَبِيهِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ الْأَبُ أَخ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فَإِنَّ ابْنَهَا مِنْهُ يَرِثُ الْقِصَاصَ الَّذِي لَهَا عَلَى أَبِيهِ فَسَقَطَ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَا إذَا قَتَلَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ لِابْنِهِ مِنْهَا أَنْ يَقْتُلَهُ فَيَسْقُطُ الْقِصَاص قَالَ ﵀ (وَإِنَّمَا يُقْتَصُّ بِالسَّيْفِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَرَّةِ إنْ قَتَلَهُ بِفِعْلٍ مَشْرُوعٍ ثُمَّ إنْ مَاتَ بِذَلِكَ فَبِهَا، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ حَزَّ رَقَبَتَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةُ وَلِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا، وَإِنْ قَتَلَهُ بِفِعْلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ كَاللِّوَاطِ وَسَقْيِ الْخَمْرِ اخْتَلَفَتْ مَشَايِخُهُمْ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُتَّخَذُ لَهُ مِثْلُ آلَتِهِ مِنْ الْخَشَبِ فِي اللِّوَاطَةِ وَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ وَيُسْقَى الْمَاءَ فِي سَقْيِ الْخَمْرِ وَيُمْهَلُ قَدْرُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا حَزَّ رَقَبَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْمُمَاثَلَةُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ تُحَزُّ رَقَبَتُهُ وَلَا يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِخِلَافِ الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجْمَ مَشْرُوعٌ، وَهُوَ بِالْحَجَرِ وَكَذَا قِتَالُ الْكُفَّارِ وَهُوَ بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ صَبِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ الْقِصَاصِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ فَيَجِبُ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ ذَاتًا وَوَصْفًا وَلَنَا مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النُّعْمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِيفَاءُ لَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إذَا قُتِلَ بِغَيْرِهِ كَالنَّارِ إجْمَاعًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ وَاجِبٌ فَيُسْتَوْفَى بِالسَّيْفِ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ الْمُسْتَحَقَّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِمَا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْمَوْتُ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ لَا يَمُوتُ إلَّا بِالسِّرَايَةِ. وَهِيَ مَوْهُومَةٌ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا؛ وَلِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا وَقَالَ ﵇ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ يُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَأَنْ يُرِيحُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ ذَبْحَهُ مِنْ الْأَنْعَامِ فَمَا ظَنَّك بِالْآدَمِيِّ الْمُكَرَّمِ الْمُحْتَرَمِ؛ وَلِأَنَّ جَابِرًا ﵁ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ»، وَلَوْ كَانَ يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِينَاءِ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ بَرِئَ أَوْ سَرَى فَلَمَّا ثَبَتَ الِاسْتِينَاءُ لِيُنْظَرَ مَا تَئُولُ إلَيْهِ الْجِنَايَةُ عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ مَا تَئُولُ إلَيْهِ الْجِنَايَةُ إنْ سَرَتْ صَارَتْ قَتْلًا وَلَا يُعْتَبَرُ الطَّرَفُ مَعَهُ فَيُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ عَنْ النَّفْسِ فَقَطْ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً، فَإِنَّهُ يُسْتَأْنَى وَلَا يُقْضَى بِشَيْءٍ فِي الْحَالِ ثُمَّ إذَا سَرَتْ وَمَاتَ مِنْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ لَا غَيْرُ لِكَوْنِ الْأَطْرَافِ تَبَعًا لَهَا فَهَذَا يَكْشِفُ لَك مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى. وَمَا رَوَاهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا ثُمَّ نُسِخَ كَمَا نُسِخَتْ الْمُثْلَةُ، أَوْ يَكُونُ الْيَهُودِيُّ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَيُقْتَلُ كَمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ لِيَكُونَ أَرْدَعَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ وَلِأَنَّ قَصْدَ الْيَهُودِيِّ كَانَ أَخْذَ الْمَالِ أَلَا تَرَى إلَى مَا يُرْوَى فِي الْخَبَرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «عَدَا يَهُودِيٌّ عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا» الْحَدِيثَ، وَهَذَا شَأْنُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ يُقْتَلُ بِأَيِّ شَيْءٍ شَاءَ الْإِمَامُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ ﵊ قَتَلَ الْيَهُودِيَّ بِخِلَافِ مَا كَانَ قَتَلَ بِهِ الْجَارِيَةَ فَإِنَّهُ رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى قُتِلَ» وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ مَا قُتِلَ إلَّا بِقَوْلِ الْجَارِيَةِ إنَّهُ قَتَلَنِي وَبِمِثْلِهِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بِالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَالْمُرَادُ بِمَا تَلَا نَفْيُ الزِّيَادَةِ مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ «لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ وَمُثِّلَ بِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَئِنْ ظَفِرْت بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الْآيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ نَصْبِرُ فَصَبَرَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ» وَهَذِهِ مُثْلَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ أَيْضًا مَنْسُوخَةٌ قَالَ ﵀ (مُكَاتَبٌ قُتِلَ عَمْدًا وَتَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثُهُ سَيِّدُهُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ يَقْتَصُّ) أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا إذَا تَرَكَ وَفَاءً وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ الْمَوْلَى فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ هُنَا قَدْ اخْتَلَفَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ) ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ قَوْلُ زُفَرَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ. اهـ. غَايَةٌ

стр. 1695

؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَلَاءِ إنْ مَاتَ حُرًّا وَبِالْمِلْكِ إنْ مَاتَ عَبْدًا فَاشْتَبَهَ الْحَالُ فَلَا يَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ كَاخْتِلَافِ الْمُسْتَحِقِّ فَيَسْقُطُ أَصْلًا كَمَا إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَ الْمَوْلَى فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْتنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِكَذَا وَقَالَ الْمَوْلَى زَوَّجْتهَا مِنْك لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَوْلَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ بِيَقِينٍ، وَهُوَ مَعْلُومٌ وَالْحُكْمُ أَيْضًا مُتَّحِدٌ مَعْلُومٌ فَلَا يُفْضِي اخْتِلَافُ السَّبَبِ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَلَا إلَى اخْتِلَافِ حُكْمٍ فَلَا يَضُرُّ مُجَرَّدُ اخْتِلَافِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يُرَادُ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِحُكْمِهِ وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ السَّبَبَيْنِ فَلَا يُدْرَى بِأَيِّهِمَا يُحْكَمُ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِ تَعَيُّنِ السَّبَبِ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرَ الْمَوْلَى؛ فَلِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا لِانْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ لِمَوْتِهِ لَا عَنْ وَفَاءٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ قَتَلَ عَبْدًا عَمْدًا فَيَكُونُ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا قَتَلَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ عَاجِزًا وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ ظَاهِرٌ فَاشْتَبَهَ الْمُسْتَحِقُّ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُتِلَ عَنْ وَفَاءٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ اشْتِرَاطُ الْوَارِثِ وَقَعَ اتِّفَاقًا، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَيْضًا الْحُكْمُ كَذَلِكَ لِمَوْتِهِ رَقِيقًا، أَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَالَ ﵀ (وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثًا لَا) أَيْ لَا يُقْتَصُّ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ اجْتَمَعَ الْمَوْلَى وَالْوَارِثُ لِاشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ حُرًّا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ فَالْقِصَاصُ لِلْوَارِثِ، وَإِنْ مَاتَ عَبْدًا كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَالْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى قَالَ ﵀ (وَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ لَا يُقْتَصُّ حَتَّى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ)؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَلِيهِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَكَذَا الرَّاهِنُ لَا يَلِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْقَاتِلَ لَبَطَلَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ لِهَلَاكِ الرَّهْنِ بِلَا بَدَلٍ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا فَيُؤَدِّيَ إلَى بُطْلَانِ حَقِّ الْغَيْرِ وَذَكَرَ فِي الْعُيُونِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ اجْتَمَعَا فَجَعَلَاهُ كَالْمُكَاتَبِ الَّذِي تَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثًا وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا وَلَاءَ فَلَمْ يَشْتَبِهْ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْقِصَاصُ لِلْمُشْتَرِي إنْ أَجَازَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ، وَإِنْ نَقَضَ فَلِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ ارْتَفَعَ وَظَهَرَ أَنَّهُ الْمَالِكُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ كَذَلِكَ إنْ أَجَازَ الْبَيْعَ لِمَا بَيَّنَّا. وَإِنْ فَسَخَ فَلَا قِصَاصَ لِلْبَائِعِ لِعَدَمِ مِلْكِهِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لَهُ وَوَجَبَتْ لَهُ الْقِيمَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ قَالَ ﵀ (وَلِأَبِي الْمَعْتُوهِ الْقَوَدُ وَالصُّلْحُ لَا الْعَفْوُ بِقَتْلِ وَلِيِّهِ) أَيْ إذَا قُتِلَ وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ فَلِأَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَ قِصَاصًا وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى مَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ، أَمَّا الْقَتْلُ فَلِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ وَكُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى النَّفْسِ وَلِأَبِيهِ وَلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ فَيَلِيهِ كَالْإِنْكَاحِ بِخِلَافِ الْأَخِ وَأَمْثَالِهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمْ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فَلَا يُفْضِي اخْتِلَافُ السَّبَبِ إلَى الْمُنَازَعَةِ) أَيْ كَمَا إذَا قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لَا مِنْ قَرْضٍ يَجِبُ الْأَلْفُ عَلَى الْمُقِرِّ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِ تَعَيُّنِ الثَّمَنِ) يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِمُتَّحِدٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مِلْكِ الْيَمِينِ يُغَايِرُ حُكْمَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ فِي النِّكَاحِ مَقْصُودٌ وَفِي مِلْكِ الْيَمِينِ تَبَعٌ لَا مَقْصُودَ فَلَمَّا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ الْحِلُّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ بِإِجْمَاعِ عُلَمَائِنَا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ وَقَعَتْ وَالْمُسْتَحِقُّ الْمَوْلَى لِبَقَاءِ الرِّقِّ وَحَصَلَ الْمَوْتُ وَالْمُسْتَحِقُّ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَمَّا تَغَيَّرَ الْمُسْتَحِقُّ صَارَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَالْقِصَاصُ إلَخْ) فَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ أَوْرَثَ شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا الْعَفْوُ بِقَتْلِ وَلِيِّهِ) أَرَادَ بِوَلِيِّ الْمَعْتُوهِ قَرِيبُهُ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ ابْنٌ مَثَلًا وَصُورَتُهَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْمَعْتُوهِ يَكُونُ لَهُ أَبٌ فَيَقْتُلُ رَجُلٌ وَلِيَّ الْمَعْتُوهِ عَمْدًا قَالَ لِلْأَبِ أَنْ يَقْتُلَ وَأَنْ يُصَالِحَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَعْتُوهِ عَمْدًا وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ فِي هَذَا كُلِّهِ إلَّا الْقَتْلَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ إلَى هُنَا لَفْظُ أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ وَحَاصِلُ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الرِّوَايَاتِ اتَّفَقَتْ فِي الْأَبِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَأَنَّهُ يُصَالِحُ فِي الْبَابَيْنِ جَمِيعًا وَلَا يَصِحُّ عَفْوُهُ فِي الْبَابَيْنِ جَمِيعًا وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الْوَصِيِّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ النَّفْسِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ مَا دُونَهَا وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الصُّلْحَ فِيمَا دُونَهَا وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ فِي الْبَابَيْنِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الْوَصِيِّ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ. وَهُوَ صُلْحُهُ فِي النَّفْسِ عَلَى مَالٍ فَقَالَ هَاهُنَا أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَصِحُّ صُلْحُهُ وَقَالَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ لَا يَصِحُّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَلِيهِ كَالْإِنْكَاحِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْإِنْكَاحَ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فَإِنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ وَلَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فَأَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَكَذَلِكَ مِلْكُ النِّكَاحِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ وَلِيٌّ أَقْرَبَ مِنْهُ فَإِذَا كَانَ ثَمَّةَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَلَا يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدَّمَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ مَالَ الْمَقْتُولِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ حَتَّى الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَبِهِ صَرَّحَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ اهـ قَالَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت وَلِلْأَتْقَانِيِّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ هُنَا اعْتِرَاضٌ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ اهـ مَا كَتَبَهُ عَلَى هَامِشِ شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ اهـ.

стр. 1696

وَلَايَةُ اسْتِيفَاءِ قِصَاصٍ وَجَبَ لِلْمَعْتُوهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ جُعِلَ التَّشَفِّيَ الْحَاصِلُ لَهُ كَالْحَاصِلِ لِلِابْنِ؛ وَلِهَذَا يُعَدُّ ضَرَرُ وَلَدِهِ ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْأَخِ وَالْعَمِّ، وَأَمَّا الصُّلْحُ فَلِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ الْقَوَدِ فَلَمَّا مَلَكَ الْقَوَدَ كَانَ الصُّلْحُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى هَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَإِنْ صَالَحَ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ لَا يَصِحُّ وَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَأَمَّا الْعَفْوُ فَلِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِحَقِّهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ فَلَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَعْتُوهِ عَمْدًا لِمَا بَيَّنَّا وَالْوَصِيُّ كَالْأَبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْ بَابِ الْوَلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُ وَيَدْخُلَ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ الصُّلْحُ عَنْ النَّفْسِ وَاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ إذْ لَمْ يُسْتَثْنَ إلَّا الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ وَوَجْهُ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصُّلْحِ الْمَالُ وَالْوَصِيُّ يَتَوَلَّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَمَا يَتَوَلَّى الْأَبُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّشَفِّي، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَبِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِبْطَالِ بَلْ أَوْلَى. وَقَالُوا الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَصِيُّ التَّصَرُّفَ فِي الطَّرَفِ كَمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَّحِدٌ، وَهُوَ التَّشَفِّي وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ، فَكَانَ اسْتِيفَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيهِ فِي الصَّحِيحِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ يَسْتَوْفِيهِ السُّلْطَانُ وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَتِهِ فِيهِ، وَهَذَا لَا وَلِيَّ لَهُ وَالصَّبِيُّ كَالْمَعْتُوهِ فِيهِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ ﵀ (وَالْقَاضِي كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ يُصَالِحُ فَقَطْ وَالصَّبِيُّ كَالْمَعْتُوهِ) وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ قَالَ ﵀ (وَلِلْكِبَارِ الْقَوَدُ قَبْلَ كِبَرِ الصِّغَارِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْقِصَاصُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ بِأَنْ قُتِلَ لَهُمْ وَلِيٌّ جَازَ لِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتُلُوا الْقَاتِلَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الصِّغَارُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الصِّغَارُ. لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْكِبَارَ لَا وَلَايَةَ لَهُمْ عَلَى الصِّغَارِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا حَقَّهُمْ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْبَعْضِ لِعَدَمِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ هَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي شَرْحِهِ هَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى مِثْلِ الدِّيَةِ أَمَّا إذَا صَالَحَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ الْحَطُّ وَإِنْ قَلَّ وَيَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُطْلَقٌ حَيْثُ جَوَّزَ صُلْحَ أَبِي الْمَعْتُوهِ عَنْ دَمِ قَرِيبِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِقَدْرِ الدِّيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الصُّلْحَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّيَةِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ صُلْحُهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْ الْمَعْتُوهِ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِذَا جَازَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فَالصُّلْحُ أَوْلَى وَالنَّفْعُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَرْخِيَّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَإِذَا وَجَبَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ أَوْ فِيمَا دُونَهَا فَصَالَحَ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَلِيلًا كَانَ الْمَالُ أَوْ كَثِيرًا كَانَ ذَلِكَ دُونَ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ حَالٌ فِي مَالِ الْجَانِي وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ اهـ مَا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ. وَقَدْ كَتَبَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ عَلَى هَامِشِ الزَّيْلَعِيِّ حَاشِيَةً عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنْ صَالَحَ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ لَا يَصِحُّ وَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَنَصُّ الْحَاشِيَةِ وَكَذَا اعْتِرَاضُ الْأَتْقَانِيِّ هُنَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهْمٌ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيهِ) فِي الصَّحِيحِ يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ لَهُ وَلَايَةً فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا فِي رَجُلٍ قُتِلَ عَمْدًا وَلَا وَلِيَّ لَهُ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْتُلَ قَاتِلَهُ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ وَكَذَلِكَ إذَا قُتِلَ اللَّقِيطُ فِي قَوْلِهِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ هَذَا إذَا أُدْرِكَ مَعْتُوهًا، وَأَمَّا إذَا أُدْرِكَ عَاقِلًا ثُمَّ لَحِقَهُ الْعَتَهُ فَفِي قَوْلِ زُفَرَ لَا وَلَايَةَ لِلْوَصِيِّ فِي مَالِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الَّذِي أُدْرِكَ مَعْتُوهًا سَوَاءٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْوَصِيُّ يُصَالِحُ فَقَطْ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَبَ يُصَالِحُ عَنْهُ، وَهُوَ النَّفْسُ أَمَّا اسْتِيفَاءُ الْأَبِ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ وَالصُّلْحُ عَنْهُ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكَنْزِ. وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْوَافِي فَقَالَ فِيهِ مَا نَصُّهُ لِأَبِي الْمَعْتُوهِ قَوَدٌ وَصُلْحٌ لَا عَفْوٌ بِقَتْلِ وَلِيِّهِ وَقَطْعِ الْمَعْتُوهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حُكْمَ الْوَصِيِّ وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ الْكَافِي فَقَالَ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا الْقَتْلَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَلَيْسَ لَهُ الْوَلَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ الصُّلْحُ عَنْ النَّفْسِ وَاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْتَثْنَ إلَّا الْقَتْلُ اهـ قُلْت وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ أَيْضًا الصُّلْحُ عَنْ الطَّرَفِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ لِظُهُورِهِ وَلَمَّا كَانَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَنْزِ اقْتَصَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْأَبِ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَالصُّلْحِ عَنْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِيفَاءَ الْأَبِ الطَّرَفَ وَالصُّلْحَ عَنْهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَعْتُوهِ لِمَا بَيَّنَّا. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَوْلَهُ وَالْوَصِيُّ كَالْأَبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الْقَتْلِ إلَخْ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْكَافِي وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ هُوَ قَوْلُهُ وَالْوَصِيُّ كَالْأَبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّ اسْتِيفَاءَ الْأَبِ الطَّرَفَ وَالصُّلْحَ عَنْهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْكَنْزِ كَمَا قَدَّمْنَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ قَوْلُ الشَّارِحِ إذْ لَمْ يُسْتَثْنَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لَا لِلْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُوهِمُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي يُسْتَثْنَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْكَنْزِ وَلَا فِي أَصْلِهِ الْوَافِي نَعَمْ هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ وَكَأَنَّ الْبَدْرَ الْعَيْنِيَّ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَنْزِ فَقَالَ ثُمَّ إطْلَاقُ قَوْلِهِ يَشْمَلُ الصُّلْحَ عَنْ النَّفْسِ وَاسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْكَنْزَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِيفَاءَ الطَّرَفِ فَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ مِنْ الشُّمُولِ فَتَنَبَّهْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِكَاتِبِهِ اهـ

стр. 1697

التَّجَزِّي وَلَا الْكُلُّ لِعَدَمِ الْوَلَايَةِ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ لَهُمْ فَتَعَيَّنَ التَّأْخِيرُ إلَى إدْرَاكِهِمْ كَمَا إذَا كَانَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ وَأَحَدُهُمَا صَغِيرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا عَفَا الْكَبِيرُ حَيْثُ يَصِحُّ، وَإِنْ بَطَلَ بِذَلِكَ حَقُّهُ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَهُ بِعِوَضٍ فَيُجْعَلُ كَلَا بُطْلَانٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجِمٍ حِينَ قَتَلَ عَلِيًّا ﵁ قُتِلَ بِهِ وَقَدْ كَانَ فِي أَوْلَادِ عَلِيٍّ صِغَارٌ وَلَمْ يُنْتَظَرْ بُلُوغُهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ لَا تَتَجَزَّأُ فَثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلًّا كَمَا فِي وَلَايَةِ الْإِنْكَاحِ. وَلِهَذَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِلْقَاتِلِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ لَضَمِنَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَكَذَا لِلْبَاقِينَ وَكَذَا لِلصِّغَارِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَسْتَوْفِيهِ بَعْضُهُمْ فِيهِ مَعَ غَيْبَةِ شَرِيكِهِ الْكَبِيرِ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ مِنْ الْغَائِبِ وَفِي الصِّغَارِ احْتِمَالُ الْعَفْوِ مُنْقَطِعٌ فِي الْحَالِ فَافْتَرَقَا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ وَأَحَدُهُمَا صَغِيرٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ الْمِلْكُ أَوْ الْوَلَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَكَامِلٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا السَّبَبُ الْقَرَابَةُ، وَهِيَ مُتَكَامِلَةٌ؛ وَلِهَذَا لَا يُزَوِّجُ أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُمَا أَوْ الْمُعْتَقَةَ لَهُمَا وَفِي الْقَرَابَةِ يُزَوِّجُ فَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَيَنْفَرِدُ بِهِ. وَلَوْ كَانَ الْكَبِيرُ وَلِيًّا لِلصَّغِيرِ مِمَّنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ يَسْتَوْفِيهِ الْكَبِيرُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الصَّغِيرُ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَلَايَةُ لَهُمَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْقَرَابَةِ، وَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلصَّغِيرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ فَعَلَى الْخِلَافِ، فَإِنْ كَانَ الْكَبِيرُ أَجْنَبِيًّا عَنْ الصَّغِيرِ لَا يَمْلِكُ الْكَبِيرُ الِاسْتِيفَاءَ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَمْلِكُ الْكَبِيرُ الِاسْتِيفَاءَ فِي الْكُلِّ قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَرٍّ يَقْتَصُّ إنْ أَصَابَهُ الْحَدِيدُ وَإِلَّا لَا كَالْخَنْقِ وَالتَّغْرِيقِ) هَذَا إذَا أَصَابَهُ بِحَدِّ الْحَدِيدَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِظَهْرِهَا أَوْ بِالْعُودِ أَوْ بِالْخَنْقِ أَوْ بِالتَّغْرِيقِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلَائِلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ هُنَاكَ فَلَا نُعِيدُهُ قَالَ ﵀ (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا وَصَارَ ذَا فِرَاشٍ وَمَاتَ يُقْتَصُّ)؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ الْمَوْتُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهُ كَحَزِّ الرَّقَبَةِ أَوْ الْبُرْءِ مِنْهُ قَالَ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَزَيْدٍ وَأَسَدٍ وَحَيَّةٍ ضَمِنَ زَيْدٌ ثُلُثَ الدِّيَةِ)؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَسَدِ وَالْحَيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِكَوْنِهِ هَدَرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِعْلُهُ بِنَفْسِهِ جِنْسٌ آخَرَ لِكَوْنِهِ هَدَرًا فِي الدُّنْيَا مُعْتَبَرًا فِي الْآخِرَةِ حَتَّى يَأْثَمَ بِهِ وَفِعْلُ زَيْدٍ مُعْتَبَرٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَصَارَ ثَلَاثَةَ أَجْنَاسٍ هَدَرٌ مُطْلَقًا وَمُعْتَبَرٌ مُطْلَقًا وَهَدَرٌ مِنْ وَجْهِ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ التَّالِفُ بِفِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةً فَيَجِبُ عَلَى زَيْدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ ثُمَّ إنْ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ، وَإِنْ بَطَلَ بِذَلِكَ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الصَّغِيرِ اهـ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إلَخْ) رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا أَصَابَهُ ابْنُ مُلْجِمٍ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ أَمَّا أَنْتَ يَا حَسَنُ فَإِنْ شِئْت أَنْ تَعْفُوَ فَاعْفُ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْتَصَّ فَاقْتَصَّ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِيَّاكَ وَالْمُثْلَةَ فَلَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ قُتِلَ بِهِ وَفِي وَرَثَةِ عَلِيٍّ صِغَارٌ مِنْهُمْ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ وَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ الْكَبِيرِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ فَلَمْ يَسْتَأْنِ بِهِ بُلُوغَهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَعَلَى الْخِلَافِ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْكَبِيرِ الِاسْتِيفَاءُ وَعِنْدَهُمَا لَا حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَرٍّ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِمَرٍّ فَقَتَلَهُ فَإِنْ أَصَابَهُ الْحَدِيدُ قُتِلَ وَإِنْ أَصَابَهُ الْعُودُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَيْ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا مِنْ الْخَوَاصِّ أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يُفَصِّلْ فَإِنْ أَصَابَهُ بِحَدِّ الْحَدِيدِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِوُجُودِ الْقَتْلِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِ الْحَدِيدِ فَقَتَلَهُ دَقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِوُجُودِ الْقَتْلِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ نَظَرًا إلَى الْآلَةِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيدَ سِلَاحٌ كُلُّهُ حِدَّة وَعَرْضُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَهُوَ سِلَاحٌ كُلُّهُ فِي الْعَادَةِ وَالشَّرِيعَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْجُرْحُ إنْ قَتَلَهُ جَرْحًا بِأَيِّ آلَةٍ كَانَتْ يَجِبُ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ كَانَتْ حَدِيدًا أَوْ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ آلَةً يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ عَادَةً لِوُجُودِ الْقَتْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِتَخْرِيبِ الْحَيَاةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِصِفَةِ التَّعَمُّدِ، وَإِنْ قَتَلَهُ دَقًّا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْآلَةُ حَدِيدًا أَوْ لَمْ تَكُنْ لِعَدَمِ إفْسَادِ الظَّاهِرِ فَلَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ حَاصِلًا بِصِفَةِ الْكَمَالِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَسَنَجَاتُ الْمِيزَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ الْجُرْحُ أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنْ أَصَابَهُ بِالْعُودِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ عَظِيمًا لَا يَلْبَثُ كَانَ كَالسَّيْفِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ كَالسَّوْطِ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ، احْتَجَّا بِأَنَّ مَا لَا يَلْبَثُ يَعْمَلُ عَمَلَ السَّيْفِ وَزِيَادَةً فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ هَذَا قَتْلٌ تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الْخَطَأِ فَلَا يَجِبُ الْقَوَدُ كَالْقَتْلِ بِالسَّوْطِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلْقَتْلِ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ فَيَصِيرُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِمَا لَهُ أَثَرٌ فِيهِمَا نَاقِصًا اهـ مَا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يُغْرِقُ الصَّبِيَّ أَوْ الرَّجُلَ فِي الْبَحْرِ قَالَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَقَالَ يَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِهِمَا وَلَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالتَّغْرِيقِ وَعِنْدَهُمَا بِالسَّيْفِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِظَهْرِهَا) فَإِنْ جَرَحَهُ فَكَذَلِكَ إجْمَاعًا، وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ فَكَذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِاعْتِبَارِهِ الْحَدِيدَ دُونَ الْجُرْحِ وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ لَا قَوَدَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. زَاهِدِيٌّ

стр. 1698

كَانَ فِعْلُ زَيْدٍ عَمْدًا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ ﵀ (وَمَنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا وَجَبَ قَتْلُهُ وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا فَقَدْ أَبْطَلَ دَمَهُ»؛ وَلِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ وَاجِبٌ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ قَتْلُهُ إذْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بَاغِيًا بِذَلِكَ وَكَذَا إذَا شَهَرَ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ دَفْعًا عَنْهُ فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ، وَإِنْ شَهَرَ عَلَيْهِ عَصَا فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ بِاللَّيْلِ وَلَا فِي خَارِجِ الْمِصْرِ، فَكَانَ لَهُ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ، وَقِيلَ إذَا كَانَ عَصَا لَا يَلْبَثُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ السِّلَاحِ عِنْدَهُمَا فَيَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْمِصْرِ نَهَارًا كَمَا فِي السَّيْفِ. قَالَ ﵀ (وَمَنْ شَهَرَ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي الْمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ شَهَرَ عَلَيْهِ عَصَا لَيْلًا فِي مِصْرٍ أَوْ نَهَارًا فِي غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَهَرَ عَصًا نَهَارًا فِي مِصْرٍ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ قُتِلَ بِهِ)؛ لِأَنَّ الْعَصَا تَلْبَثُ وَالْغَوْثَ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ فِي الْمِصْرِ، فَكَانَ بِالْقَتْلِ مُتَعَدِّيًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالسِّلَاحِ عِنْدَهُ وَقِيلَ عِنْدَهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ كَالسِّلَاحِ عِنْدَهُمَا حَتَّى يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَهَرَ الْمَجْنُونُ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا تَجِبُ الدِّيَةُ وَعَلَى هَذَا الصَّبِيُّ وَالدَّابَّةُ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحْمُولًا عَلَى قَتْلِهِ بِفِعْلِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك وَكَوْنُ الدَّابَّةِ مَمْلُوكَةً لِلْغَيْرِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ كَالْعَبْدِ إذَا شَهَرَ سَيْفًا عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، فَكَذَا هَذَا فَصَارَ كَالصَّيْدِ إذَا صَالَ عَلَى الْمُحْرِمِ فَقَتَلَهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُعْتَبَرٌ فِي الْجُمْلَةِ وَلِهَذَا إذَا أَتْلَفَا مَالًا أَوْ نَفْسًا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ بِخِلَافِ فِعْلِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا حَتَّى لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْعَجْمَاءَ جُبَارٌ وَكَذَا عِصْمَتُهُمَا بِحَقِّهِمَا وَعِصْمَةُ الدَّابَّةِ لِحَقِّ الْمَالِكِ، فَكَانَ فِعْلُهُمَا مُسْقِطًا لِعِصْمَتِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ وَيَضْمَنُ الدَّابَّةَ بِخِلَافِ الصَّيْدِ إذَا صَالَ عَلَى الْمُحْرِمِ أَوْ صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ. ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَذِنَ فِي قَتْلِهِ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْنَا تَحَمُّلَ أَذَاهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ أَبَاحَ قَتْلَهَا مُطْلَقًا لِتَوَهُّمِ الْإِيذَاءِ مِنْهَا فَمَا ظَنُّك عِنْدَ تَحَقُّقِ الْإِيذَاءِ وَمَالِكُ الدَّابَّةِ لَمْ يَأْذَنْ فَيَجِبُ الضَّمَانُ بِهِ وَكَذَا عِصْمَةُ عَبْدِ الْغَيْرِ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَفِعْلُهُ مَحْظُورٌ فَيَسْقُطُ بِهِ عِصْمَتُهُ وَلَنَا أَنَّ الْفِعْلَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِالْحُرْمَةِ فَلَمْ يَقَعْ بَغْيًا فَلَا تَسْقُطُ الْعِصْمَةُ بِهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِقَتْلِهِمَا وَلَا الضَّمَانُ بِفِعْلِ الدَّابَّةِ فَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ كَانَ قَضِيَّتُهُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُبِيحِ، وَهُوَ دَفْعُ الشَّرِّ فَتَجِبُ الدِّيَةِ قَالَ ﵀ (وَلَوْ ضَرَبَهُ الشَّاهِرُ فَانْصَرَفَ فَقَتَلَهُ الْآخَرُ قُتِلَ بِهِ الْقَاتِلُ) مَعْنَاهُ إذَا شَهَرَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا فَضَرَبَهُ الشَّاهِرُ فَانْصَرَفَ ثُمَّ إنَّ الْمَضْرُوبَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ ضَرَبَ الضَّارِبَ وَهُوَ الشَّاهِرُ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. لِأَنَّ الشَّاهِرَ لَمَّا انْصَرَفَ بَعْدَ الضَّرْبِ عَادَ مَعْصُومًا مِثْلَ مَا كَانَ؛ لِأَنَّ حِلَّ دَمِهِ كَانَ بِاعْتِبَارِ شَهْرِهِ وَضَرْبِهِ فَإِذَا انْكَفَّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرِيدُ ضَرْبَهُ ثَانِيًا انْدَفَعَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمِنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ صُورَتُهَا فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا قَالَ حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَهَرَ عَلَيْهِمْ السَّيْفَ وَقَصَدَ قَتْلَهُمْ صَارَ حَرْبًا عَلَيْهِمْ فَكَانَ كَالْبَاغِي فَبَطَلَتْ عِصْمَةُ دَمِهِ لِلْمُحَارِبَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فَجَازَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ شَهَرَ عَلَيْهِمْ السَّيْفَ أَنْ يَقْتُلُوهُ وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ دَفْعًا لِلشَّرِّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ دَفْعَ الشَّرِّ وَاجِبٌ وَجَازَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُعِينُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَدْفَعُوا الشَّرَّ عَنْهُمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» يَعْنِي إذَا كَانَ ظَالِمًا تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ، وَإِذَا كَانَ مَظْلُومًا تَمْنَعُ الظُّلْمَ عَنْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ) مِنْ اللُّبْثِ الْإِبْطَاءِ وَالتَّأَخُّرِ. اهـ. ابْنُ الْأَثِيرِ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ شَهَرَ عَصًا نَهَارًا فِي مِصْرٍ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ قُتِلَ بِهِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا فِي الْمَجْمَعِ قُبَيْلَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمَجْنُونُ بِقَتْلِهِمَا) مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْفَاعِلِ اهـ. (فَرْعٌ) وَمَنْ نَظَرَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ مِنْ ثُقْبٍ أَوْ شَقِّ بَابٍ أَوْ نَحْوِهِ فَطَعَنَهُ صَاحِبُ الدَّارِ بِخَشَبَةٍ أَوْ رَمَاهُ بِحَصَاةٍ فَقَلَعَ عَيْنَهُ يَضْمَنُهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَا يَضْمَنُهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنِ فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ وَفَقَأَتْ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ» وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سُفْيَانَ «أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ مِنْ بَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَحُكُّ رَأْسَهُ وَمُدَارَةٌ فِي يَدِهِ فَقَالَ ﵊ لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَعَنْت بِهَا فِي عَيْنِك» وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «فِي الْعَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ»، وَهُوَ عَامٌّ؛ وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ النَّظَرِ لَا يُبِيحُ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ نَظَرَ مِنْ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ وَكَمَا لَوْ دَخَلَ فِي بَيْتِهِ وَنَظَرَ فِيهِ وَنَالَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا دُونَ الْفَرْجِ لَمْ يَجُزْ قَلْعُ عَيْنِهِ؛ وَلِأَنَّ

стр. 1699

شَرُّهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَتْلِهِ لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِدُونِهِ فَعَادَتْ عِصْمَتُهُ فَإِذَا قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ قَتَلَ شَخْصًا مَعْصُومًا ظُلْمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ قَالَ ﵀ (وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لَيْلًا فَأَخْرَجَ السَّرِقَةَ فَاتَّبَعَهُ فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «قَاتِلْ دُونَ مَالِك» أَيْ لِأَجْلِ مَالِك؛ وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً فَكَذَا لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ بِهِ انْتِهَاءً إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ إلَّا بِهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَاحَ عَلَيْهِ يَطْرَحُ مَالَهُ فَقَتَلَهُ مَعَ ذَلِكَ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا قَتَلَ الْغَاصِبَ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْقَاضِي فَلَا تَسْقُطُ عِصْمَتُهُ بِخِلَافِ السَّارِقِ وَاَلَّذِي لَا يَنْدَفِعُ بِالصِّيَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ] (بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) قَالَ ﵀ (يُقْتَصُّ بِقَطْعِ الْيَدِ مِنْ الْمِفْصَلِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ أَكْبَرَ وَكَذَا الرِّجْلُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنُ وَالْعَيْن إنْ ذَهَبَ ضَوْءُهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ، وَإِنْ قَلَعَهَا لَا وَالسِّنُّ وَإِنْ تَفَاوَتَا وَكُلُّ شَجَّةٍ تَتَحَقَّقُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] أَيْ ذُو قِصَاصٍ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] وَالْقِصَاصُ يُبْنَى عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ رِعَايَةُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَمَا لَا فَلَا، وَقَدْ أَمْكَنَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَلَا مُعْتَبَرَ بِكِبَرِ الْعُضْوِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّفَاوُتَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَيُمْكِنُ رِعَايَةُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْعَيْنِ إذَا ضُرِبَتْ وَذَهَبَ ضَوْءُهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَنْ تُحْمَى لَهَا الْمِرْآةُ وَيُجْعَلَ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ وَتُسَدَّ عَيْنُهُ الْأُخْرَى ثُمَّ تُقَرَّبَ الْمِرْآةُ مِنْ عَيْنِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا انْقَلَعَتْ حَيْثُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ رِعَايَةِ الْمُمَاثَلَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَجِبُ الْقِصَاصُ فَبَيَّنَ إمْكَانَ الِاسْتِيفَاءِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ هُنَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْكِبَرُ وَالصِّغَرُ فِي الْعُضْوِ حَتَّى أُجْرِيَ الْقِصَاصُ فِي الْكُلِّ بِاسْتِيفَاءِ الْكُلِّ وَاعْتَبَرَهُ بِالشَّجَّةِ فِي الرَّأْسِ إذَا كَانَتْ اسْتَوْعَبَتْ رَأْسَ الْمَشْجُوجِ، وَهِيَ لَا تَسْتَوْعِبُ رَأْسَ الشَّاجِّ فَأَثْبَتَ لِلْمَشْجُوجِ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَأَخَذَ بِقَدْرِ شَجَّتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الشَّيْنِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الشَّجَّةَ الْمُسْتَوْعِبَةَ لِمَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ أَكْثَرُ شَيْنًا مِنْ الشَّجَّةِ الَّتِي لَا تَسْتَوْعِبُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْعُضْوِ فَإِنَّ الشَّيْنَ فِيهِ لَا يَخْتَلِفُ وَكَذَا مَنْفَعَتُهُ لَا تَخْتَلِفُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَالَ ﵀ (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ» وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ وَبِوَضْعِ صَاحِبِ الْكِتَابِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يُبْنَى عَلَى الْمُسَاوَاة وَقَدْ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهَا فِي غَيْرِ السِّنِّ وَاخْتَلَفَ الْأَطِبَّاءُ فِي السِّنِّ هَلْ هُوَ عَظْمٌ أَوْ طَرَفُ عَصَبٍ يَابِسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّهُ عَظْمٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ وَيَنْمُو بَعْدَ تَمَامِ الْخِلْقَةِ وَيَلِينُ بِالْخَلِّ فَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعِظَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَظْمٍ فَلَعَلَّ صَاحِبَ الْكِتَابِ تَرَكَ السِّنَّ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الِاسْمِ وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ لَمْ يَسْتَثْنِهِ وَلَئِنْ قُلْنَا إنَّهُ عَظْمٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعِظَامِ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِيهِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُبْرَدَ بِالْمِبْرَدِ بِقَدْرِ مَا كُسِرَ مِنْهُ وَكَذَا إنْ قُلِعَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْلَعُ سِنُّهُ قِصَاصًا لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ فَرُبَّمَا تَفْسُدُ لَهَاتُهُ وَلَكِنْ يُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ إلَى مَوْضِعِ أَصْلِ السِّنِّ كَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) لَمَّا ذَكَرَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ شَرَعَ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ يَتْبَعُ الْكُلَّ اهـ (قَوْلُهُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ)، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمَارِنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُطِعَ قَصَبَةُ الْأَنْفِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ وَلَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ سِوَى السِّنِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَالْأُذُنُ)، وَأَمَّا الْأُذُن إذَا قُطِعَ كُلُّهَا فَفِيهَا الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ لِأَنَّهَا لَا تَنْقَبِضُ وَلَا تَنْبَسِطُ، وَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهَا وَلِلْقَطْعِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ أَمْكَنَتْ الْمُمَاثَلَةُ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفَ سَقَطَ الْقِصَاصُ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ) فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ لِمَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ) أَيْ قَرْنَيْ الْمَشْجُوجِ. اهـ. (قَوْلُهُ الَّتِي لَا يَسْتَوْعِبُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ) أَيْ قَرْنَيْ الشَّاجِّ اهـ (قَوْلُهُ وَكَذَا مَنْفَعَتُهُ لَا تَخْتَلِفُ) أَيْ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَلَعَلَّ صَاحِبَ الْكِتَابِ تَرَكَ السِّنَّ) أَيْ اسْتَثْنَى السِّنَّ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمِ السِّنِّ إلَّا فِي السِّنِّ اسْتَثْنَاهُ فِي أَثَرِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَرُبَّمَا تَفْسُدُ لَهَاتُهُ) كَذَا هُوَ فِي نُسْخَةِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَنُسْخَةِ الزَّرَاتِيِتيِّ الْمُقَابَلَةِ عَلَى خَطِّ الشَّارِحِ وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ لَهَاتُهُ مَا نَصُّهُ هَكَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ صَوَابُهُ لِثَاتَهُ؛ لِأَنَّ اللِّثَةَ بِالتَّخْفِيفِ كَمَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ هِيَ مَا حَوْلَ الْأَسْنَانِ وَأَصْلُهَا لَثِيَ وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنْ الْيَاءِ وَجَمْعُهَا لِثَاتٌ وَلِثَى اهـ، وَأَمَّا اللَّهَاةُ فَهِيَ كَمَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ اللَّهَاةُ هِيَ الْهَنَةُ الْمُطْبَقَةُ فِي أَقْصَى سَقْفِ الْفَمِ وَالْجَمْعُ اللُّهَى وَاللَّهَوَاتُ وَاللَّهَيَاتُ أَيْضًا اهـ وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ اللَّهَاةُ لَحْمَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلَى الْحَلْقِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ مَنْ تَسَحَّرَ بِسَوِيقٍ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَلَهَاتِهِ شَيْءٌ وَكَأَنَّهُ تَصْحِيفُ لِثَاتِهِ، وَهِيَ لَحْمَاتُ أُصُولِ الْأَسْنَانِ اهـ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ اللِّثَةُ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ عُمُورُ الْأَسْنَانِ، وَهِيَ مَغَارِزُهَا ثُمَّ قَالَ وَفِي حَدِيثِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ فَمَا زِلْت أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهَوَاتُ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ اللَّحْمَاتُ فِي سَقْفِ أَقْصَى الْفَمِ اهـ

стр. 1700

الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ قَالَ ﵀ (وَطَرَفَيْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَعَبْدَيْنِ) أَيْ لَا قِصَاصَ فِي الطَّرَفِ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَلَا بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَلَا بَيْنَ عَبْدَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا فِي الْحُرِّ يَقْطَعُ طَرَفَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ تَابِعَةٌ لِلْأَنْفُسِ وَشُرِعَ الْقِصَاصُ فِيهَا لِلْإِلْحَاقِ بِالْأَنْفُسِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجْرِي الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ يَجْرِي فِي الْأَطْرَافِ وَمَا لَا فَلَا وَلَنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا وِقَايَةُ الْأَنْفُسِ كَالْأَمْوَالِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ طَرَفِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيمَةِ بِتَقْوِيمِ الشَّارِعِ وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ وَإِنْ تَسَاوَيَا فِيهِمَا فَذَلِكَ بِالْحِرْزِ وَالظَّنِّ، وَلَيْسَ بِيَقِينٍ فَصَارَ شُبْهَةً فَامْتَنَعَ الْقِصَاصُ بِخِلَافِ طَرَفِ الْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا مُتَيَقَّنٌ بِهِ بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ وَبِخِلَافِ الْأَنْفُسِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِيهَا يَتَعَلَّقُ بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِيهِ قَالَ ﵀ (وَطَرَفُ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ سِيَّانَ) أَيْ مِثْلَانِ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا لِلتَّسَاوِي فِي الْأَرْشِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجْرِي لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَصْلِهِ قَالَ ﵀ (وَقَطْعُ يَدٍ مِنْ نِصْفِ سَاعِدٍ وَجَائِفَةٌ بُرِئَ مِنْهَا وَلِسَانٌ وَذَكَرٌ إلَّا أَنْ يَقْطَعَ الْحَشَفَةَ) أَيْ لَا قِصَاصَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِي الْقَطْعِ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ كَسْرُ الْعَظْمِ وَيَتَعَذَّرُ التَّسَاوِي فِيهِ إذْ لَا ضَابِطَ لَهُ، وَفِي الْجَائِفَةِ الْبُرْءُ نَادِرٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْرَحَ الثَّانِي جَائِفَةً عَلَى وَجْهٍ يَبْرَأُ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ إهْلَاكًا فَلَا يَجُوزُ، وَالذَّكَرُ وَاللِّسَانُ يَنْقَبِضَانِ وَيَنْبَسِطَانِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَقْطَعَ مِنْ الْحَشَفَةِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَعْلُومٌ فَصَارَ كَالْمِفْصَلِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ مِنْ أَصْلِهِمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ أَوْ بَعْضَ الذَّكَرِ أَوْ بَعْضَ اللِّسَانِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِجَهَالَةِ مِقْدَارِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ كُلَّ الْأُذُنِ أَوْ بَعْضَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ وَلَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ، وَالشَّفَةُ إنْ اسْتَقْصَاهَا بِالْقَطْعِ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ بَعْضَهَا لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ قَالَ ﵀ (وَخُيِّرَ بَيْنَ الْأَرْشِ وَالْقَوَدِ إنْ كَانَ الْقَاطِعُ أَشَلَّ أَوْ نَاقِصَ الْأَصَابِعِ أَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ) أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ وَيَدُ الْمَقْطُوعِ صَحِيحَةً كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ؛ فَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ بِكَمَالِهِ مُتَعَذِّرٌ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِدُونِ حَقِّهِ فِي الْقَطْعِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ كَامِلًا كَمَنْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا لِإِنْسَانٍ فَانْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا رَدِيئًا، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَوْجُودَ نَاقِصًا وَبَيْنَ أَنْ يَعْدِلَ إلَى الْقِيمَةِ ثُمَّ إذَا اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ سَقَطَ فِي الزِّيَادَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْبَعْضِ فَيَسْتَوْفِي مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَمَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ يُضَمِّنُهُ، وَلَنَا أَنَّ الْبَاقِيَ وَصْفٌ فَلَا يَضْمَنُ بِانْفِرَادِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا تَجَوَّزَ بِالرَّدِيءِ مَكَانَ الْجَيِّدِ، وَلَوْ سَقَطَتْ يَدُهُ الْمَعِيبَةُ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَطَلَ حَقُّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ. لِأَنَّ حَقَّهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا وُجُودَ التَّفَاوُتِ فِي الْبَدَلِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ لَكِنَّ الْمَعْقُولَ مِنْهُ مَنْعُ اسْتِيفَاءِ الْأَكْمَلِ بِالْأَنْقَصِ دُونَ الْعَكْسِ فَإِنَّ الشَّلَّاءَ تُقْطَعُ بِالصَّحِيحَةِ، وَأَنْتُمْ لَا تَقْطَعُونَ يَدَ الْمَرْأَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ فَالْجَوَابُ إنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّفَاوُتُ الْمَالِيُّ مَانِعًا مُطْلَقًا وَالشَّلَلُ لَيْسَ مِنْهُ فَيَعْتَبِرُ مَانِعًا مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ تَفَاوُتًا مَالِيًّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرُ فِيمَا سُلِكَ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ تَفَاوُتًا فِي الْمَنْفَعَةِ تَنْتَفِي بِهِ الْمُمَاثَلَةُ يَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ فَقُلْنَا تُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ بَاذِلًا لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَلَا تُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَنْقَصِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ جَائِزٌ دُونَ الْبَدَلِ بِالْأَطْرَافِ اهـ أَكْمَلَ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ صَحِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ قَطْعِ الصَّحِيحِ بِالْأَشَلِّ وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ بِالْأُنْثَى فَهَلَّا أَجَزْتُمْ أَنْ تُقْطَعَ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ كَمَا يُقْطَعُ الْأَشَلُّ بِالصَّحِيحِ قِيلَ النَّقْصُ عَلَى ضَرْبَيْنِ نَقْصٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ فَيَمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْكَامِلِ بِالنَّاقِصِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَاءِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ كَالشَّلَلِ، وَنَقْصٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَيَمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ كَالْيَسَارِ بِالْيَمِينِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَقْصٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا فِي الْحُرِّ يَقْطَعُ طَرَفَ الْعَبْدِ)، فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ عَلَى الْحُرِّ عِنْدَهُ أَيْضًا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَفِي الْجَائِفَةِ الْبُرْءُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَأَمَّا الْجَائِفَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْبَطْنِ مِنْ الصَّدْرِ أَوْ الظَّهْرِ أَوْ الْبَطْنِ إذَا بَرَأَتْ لَا يَكُونُ فِيهَا الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ الْمُقْتَصُّ بِهَا نَادِرٌ بُرْؤُهَا إذْ الْهَلَاكُ فِيهَا غَالِبٌ، فَإِذَا أَفْضَتْ إلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالْأُولَى لِوُجُودِ الْبُرْءِ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْقِصَاصِ بَلْ يَجِبُ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ وَلَا تَكُونُ الْجَائِفَةُ إلَّا فِيمَا يَصِلُ إلَى الْبَطْنِ وَلَا تَكُونُ فِي الرَّقَبَةِ وَلَا فِي الْحَلْقِ وَلَا فِي الْيَدَيْنِ وَلَا فِي الرِّجْلَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ وَالدُّبُرِ فَهِيَ جَائِفَةٌ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ) وَقَدْ قَالُوا جَمِيعًا لَوْ قُطِعَ بَعْضُ اللِّسَانِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مِفْصَلٌ يُوقَعُ فِيهِ الْقِصَاصُ فَلَا تُعْلَمُ الْمُمَاثَلَةُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَقَطَتْ يَدُهُ الْمَعِيبَةُ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَهَا رَجُلٌ ظُلْمًا أَوْ تَتْلَفُ بِآفَةٍ مِنْ السَّمَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ بَطَلَ حَقُّهُ إلَخْ) وَلَا يُقَالُ إنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا فِي الْيَدِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ هَذَا الْحَقِّ إلَى بَدَلِهِ فَإِذَا تَلِفَ لَمْ تَجُزْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَلِ عَنْهُ مَعَ تَلَفِهِ كَذَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

стр. 1701

مُتَعَيِّنٌ فِي الْقِصَاصِ عِنْدَنَا لِمَا مَرَّ أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَيْنًا وَحَقُّهُ ثَابِتٌ فِيهِ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ الْمَالَ كَمَا إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً فَإِذَا فَاتَ الْمَحَلُّ بَطَلَ الْحَقُّ بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ بِقَوَدٍ أَوْ سَرِقَةٍ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ الْيَدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجِبُ الْأَرْشُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ عِنْدَهُ أَصْلِيٌّ كَالْقَوَدِ فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقَوَدِ تَعَيَّنَ الْمَالُ وَلَنَا أَنَّ الْقَوَدَ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيَفُوتُ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ كَمَا إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ بِقِصَاصٍ أَوْ سَرِقَةٍ قَدْ أَوْفَى بِهَا حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَسَلِمَتْ لَهُ مَعْنًى فَيَغْرَمُ لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ النَّفْسِ إذَا وَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ لِغَيْرِهِ فَقُتِلَ بِهِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ. لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْمَالِ فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ بِأَنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ اسْتَوْعَبَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الْمَشْجُوجِ، وَهِيَ لَا تَسْتَوْعِبُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ؛ فَلِأَنَّ الشَّجَّةَ إنَّمَا كَانَتْ مُوجِبَةً لِكَوْنِهَا مُشِينَةً فَيَزْدَادُ الشَّيْنُ بِزِيَادَتِهَا، وَفِي اسْتِيفَاءِ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فَعَلَ وَبِاسْتِيفَاءِ قَدْرِ حَقِّهِ لَا يَلْحَقُ الشَّاجَّ مِنْ الشَّيْنِ مِثْلُ مَا يَلْحَقُ الْمَشْجُوجَ فَيُخَيَّرُ كَمَا فِي الشَّلَّاءِ وَالصَّحِيحَةِ ثُمَّ لَوْ اخْتَارَ الْقَوَدَ يَبْدَأُ مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَفِي عَكْسِهِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَشْجُوجِ أَكْبَرَ يَتَخَيَّرُ أَيْضًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ كَمَلًا لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الشَّيْنِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ الشَّجَّةُ فِي طُولِ الرَّأْسِ، وَهِيَ تَأْخُذُ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا إلَى قَفَاهُ وَلَا تَأْخُذُ إلَى قَفَا الْآخَرِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ لِمَا ذَكَرْنَا وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ الرَّازِيّ الْكَبِيرِ أَنَّ لَهُ الِاقْتِصَاصَ وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَحَلِّ فَلَا يُنْظَرُ إلَى الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ كَالْيَدِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الشَّجَّةِ لِأَجْلِ الشَّيْنِ، وَهُوَ يَتَفَاوَتُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَفِي قَطْعِ الْيَدِ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ، وَهِيَ لَا تَتَفَاوَتُ وَلَعَلَّ الصَّغِيرَةَ أَنْفَعُ مِنْ الْكَبِيرَةِ فَافْتَرَقَا (فَصْلٌ). قَالَ ﵀ (وَإِنْ صُولِحَ عَلَى مَالٍ وَجَبَ حَالًّا وَسَقَطَ الْقَوَدُ) أَيْ إذَا صُولِحَ الْقَاتِلُ عَلَى مَالٍ عَنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْمَالُ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ حَالًّا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الصُّلْحِ، وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْمَالَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا» وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَخْذُ الْمَالِ بِرِضَا الْقَاتِلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لَهُ يَجْرِي فِيهِ الْعَفْوُ مَجَّانًا فَكَذَا تَعْوِيضًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ مِنْ إحْسَانِ الْوَلِيِّ وَإِحْيَاءِ الْقَاتِلِ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْعَفْوُ فَكَذَا التَّعْوِيضُ وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فَيُفَوَّضُ إلَى اصْطِلَاحِهِمَا كَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً حَيْثُ لَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، فَيَكُونُ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْهُ رِبًا وَإِنَّمَا وَجَبَ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَالْأَصْلُ فِي مِثْلِهِ الْحَوْلُ كَالثَّمَنِ وَالْمَهْرِ بِخِلَافِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبُ الْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِبَذْلِ الْمَالِ إلَّا مُقَابَلًا بِهِ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ مَقْصُودَهُ قَالَ ﵀ (وَيَتَنَصَّفُ إنْ أَمَرَ الْحُرُّ الْقَاتِلُ وَسَيِّدُ الْقَاتِلِ رَجُلًا بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِهِمَا عَلَى أَلْفٍ فَفَعَلَ) مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَعَبْدًا فَأَمَرَ الْحُرُّ الْقَاتِلُ وَمَوْلَى الْعَبْدِ الْقَاتِلِ رَجُلًا بِأَنْ يُصَالِحَ عَنْ دَمِهِمَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ الْمَأْمُورُ فَالْأَلْفُ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَوْلَى نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُ مُقَابَلٌ بِالْقِصَاصِ وَهُوَ عَلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَيَنْقَسِمُ بَدَلُهُ عَلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْأَلْفَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مُضَافٌ إلَيْهِمَا فَيَنْتَصِفُ مُوجِبُهُ وَهُوَ الْأَلْفُ قَالَ ﵀ (فَإِنْ صَالَحَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ حَظِّهِ عَلَى عِوَضٍ أَوْ عَفَا فَلِمَنْ بَقِيَ حَظُّهُ مِنْ الدِّيَةِ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نَصِيبِهِ اسْتِيفَاءً وَإِسْقَاطًا بِالْعَفْوِ أَوْ بِالصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَيَنْفُذُ عَفْوُهُ وَصُلْحُهُ فَيَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ فِي الْقِصَاصِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ سُقُوطُ حَقِّ الْبَاقِينَ أَيْضًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا فَكَذَا سُقُوطًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَعَفَا أَوْلِيَاءُ أَحَدِهِمَا حَيْثُ يَكُونُ لِأَوْلِيَاءِ الْآخَرِ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ قِصَاصَانِ لِاخْتِلَافِ الْقَتْلِ وَالْمَقْتُولِ فَبِسُقُوطِ أَحَدِهِمَا لَا يَسْقُطُ الْآخَرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ ثُبُوتًا هَكَذَا بَقَاءً بِخِلَافِ مَا نَحْنُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ يَبْدَأُ مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ) حَتَّى يَبْلُغَ مِقْدَارَهَا فِي طُولِهَا إلَى حَيْثُ يَبْلُغُ ثُمَّ يَكُفُّ اهـ غَايَةٌ (قَوْلُهُ إنَّ لَهُ الِاقْتِصَاصَ) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَهُ الِاقْتِصَاصُ. اهـ [فَصْلٌ صُولِحَ عَلَى مَالٍ وَجَبَ حَالًّا وَسَقَطَ الْقَوَدُ] (فَصْلٌ) (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ) أَيْ مِنْ جِهَةِ أَخِيهِ الْمَقْتُولِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا) أَيْ أَوَّلَ كِتَابِ الْجِنَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً إلَخْ) إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ مَا اُفْتُرِضَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، وَإِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى خِلَافِ الْجِنْسِ يَجُوزُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الْكَرْخِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ) أَيْ سُقُوطَ الْقَوَدِ. اهـ. .

стр. 1702

فِيهِ، فَإِذَا سَقَطَ انْقَلَبَ نَصِيبُ مَنْ لَمْ يَعْفُ مَالًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ لِمَعْنًى فِي الْقَتْلِ وَهُوَ ثُبُوتُ عِصْمَةِ الْقَاتِلِ بِعَفْوِ الْبَعْضِ عَنْ الْقِصَاصِ فَيَجِبُ الْمَالُ كَمَا فِي الْخَطَإِ فَإِنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ فِيهِ لِمَعْنًى فِي الْقَاتِلِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُخْطِئًا فَلَا يَجِبُ لِلْعَافِي شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ الْمُتَعَيِّنَ بِفِعْلِهِ وَرِضَاهُ بِلَا عِوَضٍ بِخِلَافِ شُرَكَائِهِ لِعَدَمِ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَيَنْقَلِبُ نَصِيبُهُمْ مَالًا وَالْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا حَقَّ لِلزَّوْجَيْنِ فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَهِيَ بِالنَّسَبِ دُونَ السَّبَبِ لِانْقِطَاعِهِ بِالْمَوْتِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵀ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُمَا فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِمَا الْعَقْدُ، وَالْقِصَاصُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِصَاصِ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامُ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِهِ الْأَقَارِبُ الَّذِينَ يَنْصُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلِهَذَا لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا عَاقِلَةَ الْآخَرِ لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كُلًّا فَعَلَيَّ وَالْقِصَاصُ حَقُّهُ»، فَيَكُونُ لِجَمِيعِهِمْ كَالْمَالِ «وَأَمَرَ ﷺ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ»؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ حَتَّى إنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنٍ كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الصُّلْبِيِّ وَبَيْنَ ابْنِ الِابْنِ فَثَبَتَ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ وَالزَّوْجِيَّةُ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا فِي حَقِّ الْإِرْثِ أَوْ يَثْبُتُ الْإِرْثُ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الْجُرْحُ وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يُقَسِّمُ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ وَالدِّيَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِيهِ وَالْقِصَاصُ بَدَلُ النَّفْسِ كَالدِّيَةِ فَيُورَثُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَلِهَذَا لَوْ انْقَلَبَ مَالًا تُقْضَى بِهِ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ فِيهِ وَصَايَاهُ وَاسْتِحْقَاقُ الْإِرْثِ بِالزَّوْجِيَّةِ كَاسْتِحْقَاقِهِ بِالْقَرَابَةِ لَا بِالْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَيْسَ بِالْعَقْدِ، بَلْ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّنَاصُرِ وَالْعَقْلِ عَدَمُ الْإِرْثِ لِلْقِصَاصِ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّغِيرَ وَالنِّسَاءَ مِنْ الْأَقَارِبِ لَا يَعْقِلْنَ وَيَرِثْنَ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ وَأَقْرَبُ مِنْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَعْقِلُ عَنْهَا أَبْنَاؤُهَا الْكِبَارُ وَيَرِثُونَهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا حَظَّ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْأَقَارِبِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَلَهُنَّ حَقُّ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَتْلِ لِضَعْفِهَا وَلِهَذَا لَا تُقْتَلُ الْكَافِرَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَلَا تُوضَعُ عَلَيْهَا الْجِزْيَةُ الْوَاجِبَةُ مَكَانَ الْقَتْلِ فَصَارَتْ فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ كَالصَّغِيرِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّاهُ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَتْلِ قُلْنَا إنَّهَا إنْ لَمْ تَقْدِرْ تُوَكِّلْ فَإِنَّهَا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ . قَالَ ﵀ (وَيُقْتَلُ الْجَمِيعُ بِالْفَرْدِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُقْتَلَ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ، وَلَكِنْ تَرَكْنَاهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَرُوِيَ أَنَّ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا وَاحِدًا فَقَتَلَهُمْ عُمَرُ ﵁ بِهِ، وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتهمْ؛ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ، وَالْقِصَاصُ شُرِعَ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ فَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَلَزِمَ سَدُّ بَابِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ( قَوْلُهُ فَيَجِبُ الْمَالُ كَمَا فِي الْخَطَإِ إلَخْ) وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ دَمًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ عَفَا عَنْهُ أَحَدُهُمَا فَاسْتَشَارَ عُمَرُ ﵁ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَرَى هَذَا قَدْ أَحْيَاهُ فَلَا يَمْلِكُ الْآخَرُ أَنْ يُمِيتَ مَا أَحْيَاهُ حَمَلَ عُمَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِعَفْوِ أَحَدِ شَرِيكَيْ الدَّمِ مَذْهَبُنَا، وَقَالَ مَالِكٌ لِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَهُ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي؛ لِأَنَّ حَقَّ الْقَتْلِ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَضِيَّةُ عُمَرَ، وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ قَضِيَّتَهُ فِي كِتَابِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِي أَيْضًا الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ تَصِيرُ مِيرَاثًا لِكُلِّ الْوَرَثَةِ عِنْدَنَا بِالسَّبَبِ وَالنَّسَبِ جَمِيعًا اهـ. (قَوْلُهُ وَالْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَسْتَحِقُّهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ مَالَهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ نَصَّ عَلَيْهِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ مَوْرُوثَةٌ بَيْنَهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ فَيَنْقَسِمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ كَالدِّيَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ أَنَّهُ مَالٌ لِلْمَيِّتِ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، ثُمَّ إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نَصِيبِهِ أَوْ يُصَالِحَ عَنْهُ وَيَبْطُلُ بِذَلِكَ الْقِصَاصُ وَكَانَ عَلَى الْقَاتِلِ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ عَنْ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَأَمَرَ ﷺ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَرَدَ عَلَى كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ «وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ مَذْكُورٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ الدِّيَةُ بَيْنَ مَنْ أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ؛ وَلِأَنَّهَا مَالٌ لِلْمَيِّتِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ. وَقَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي دَمِ عَمْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ عَفَا أَحَدُهُمَا فَلِلْآخَرِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَ زُفَرُ فِي سَنَتَيْنِ لَنَا أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الدِّيَةِ فَيَسْقُطُ فِي السِّنِينَ الثَّلَاثِ كَمَا لَزِمَ بَعْضَ الْعَاقِلَةِ وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ نِصْفَ الدِّيَةِ لَمْ تَلْزَمْ مِنْ أَجْزَاءِ دِيَةٍ وَاجِبَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ جُمْلَةُ الْوَاجِبِ فَصَارَ كَمَا يَجِبُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ بِقَطْعِ الْيَدِ خَطَأً اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ الضِّبَابِيُّ مَا نَصُّهُ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالضِّبَابُ بَطْنٌ مِنْ الْعَرَبِ ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي جَمْهَرَةِ اللُّغَةِ وَأَشْيَمَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَكَانَ قَتَلَهُ خَطَأً. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِالْفَرْدِ) بِشَرْطِ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْكُلِّ بِأَنْ جَرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ جُرْحًا سَارِيًا. اهـ. خُوَاهَرْ زَادَهْ (قَوْلُهُ: تَمَالَأَ) أَصْلُهُ الْمُعَاوَنَةُ فِي مِلْءِ الدَّلْوِ، ثُمَّ عَمَّ فَقَالُوا تَمَالَئُوا أَيْ تَعَاوَنُوا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

стр. 1703

الْقِصَاصِ وَفَتْحُ بَابِ التَّفَانِي إذْ لَا يُوجَدُ الْقَتْلُ مِنْ وَاحِدٍ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يُقَاوِمُهُ الْوَاحِدُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحْصُلْ إلَّا نَادِرًا وَالزَّاجِرُ يُشْرَعُ فِيمَا يَغْلِبُ لَا فِيمَا يَنْدُرُ؛ وَلِأَنَّ زَهُوقَ الرُّوحِ لَا يَتَجَزَّأُ وَاشْتِرَاكُ الْجَمَاعَةِ فِيمَا لَا يَتَجَزَّأُ يُوجِبُ التَّكَامُلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيُضَافُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَلًا كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ فِي بَابِ النِّكَاحِ . قَالَ ﵀ (وَالْفَرْدُ بِالْجَمْعِ اكْتِفَاءً) أَيْ يُقْتَلُ الْفَرْدُ إذَا قَتَلَ جَمَاعَةً وَيُكْتَفَى بِذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمْ إنْ قَتَلَهُمْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَيُقْضَى بِالدِّيَةِ لِمَنْ بَعْدَهُ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَإِنْ قَتَلَهُمْ جَمِيعًا مَعًا أَوْ لَمْ يُعْرَفْ الْأَوَّلُ مِنْهُمْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَيُقْضَى بِالْقَوَدِ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَبِالدِّيَةِ لِلْبَاقِينَ وَفِي قَوْلٍ قُتِلَ لَهُمْ جَمِيعًا وَتُقْسَمُ الدِّيَاتُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ قَتْلَاتٌ وَمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ قَتْلٌ وَاحِدٌ فَلَا تَمَاثُلُ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا ذَكَرْنَا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ فَحَصَلَ التَّمَاثُلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا الْقِصَاصُ، وَلَوْلَا أَنَّ التَّمَاثُلَ ثَابِتٌ لَمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ وَهَذَا لِأَنَّ الْمِثْلَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مِثْلًا لِلْآخَرِ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مِثْلًا لَهُ كَاسْمِ الْأَخِ وَالزَّوْجِ فَوُجُوبُ الْقِصَاصِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِثْلٌ لَهُ إذْ هُوَ لَا يَجِبُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ كَكَسْرِ الْعَظْمِ أَوْ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ فَإِنَّ الثَّانِيَ لَمَّا تَوَهَّمَ مَوْتَهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ . قَالَ ﵀ (فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ قَتَلَ لَهُ وَسَقَطَ حَقُّ الْبَقِيَّةِ كَمَوْتِ الْقَاتِلِ) أَيْ إذَا حَضَرَ أَوْلِيَاءُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَقْتُولِينَ قَتَلَ لَهُمْ وَسَقَطَ حَقُّ أَوْلِيَاءِ بَقِيَّةِ الْمَقْتُولِينَ كَمَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْقَاتِلِ حَتْفَ أَنْفِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الِاسْتِيفَاءِ فَصَارَ كَمَوْتِ الْعَبْدِ الْجَانِي وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ . قَالَ ﵀ (وَلَا تُقْطَعُ يَدُ رَجُلَيْنِ بِيَدٍ) مَعْنَاهُ إذَا قَطَعَ رَجُلَانِ يَدَ رَجُلٍ فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تُقْطَعُ أَيْدِيهِمَا وَالْمَفْرُوضُ إذَا أَخَذَا سِكِّينًا وَاحِدًا مِنْ جَانِبٍ وَأَمَرَّاهَا عَلَى يَدِهِ حَتَّى انْفَصَلَتْ هُوَ يَعْتَبِرُهَا بِالْأَنْفُسِ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ تَابِعَةٌ لَهَا وَمُلْحَقَةٌ بِهَا فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَّ أَحَدُهُمَا السِّكِّينَ مِنْ جَانِبٍ وَالْآخَرُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ حَتَّى الْتَقَى السِّكِّينَانِ فِي الْوَسَطِ وَبَانَتْ الْيَدُ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمْرَارُ السِّلَاحِ إلَّا عَلَى بَعْضِ الْعُضْوِ وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ لِلْبَعْضِ؛ لِأَنَّ مَا انْقَطَعَ بِقُوَّةِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِقُوَّةِ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ الْكُلُّ بِالْبَعْضِ وَالِاثْنَتَانِ بِالْوَاحِدَةِ لِانْعِدَامِ الْمُسَاوَاةِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَمَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبٍ بِخِلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهَا الْمُسَاوَاةُ فِي الْعِصْمَةِ لَا غَيْرُ وَفِي الطَّرَفِ تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي النَّفْعِ وَالْقِيمَةِ وَلِهَذَا لَا تُقْطَعُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ وَالنَّفْسُ السَّالِمَةُ عَنْ الْعُيُوبِ تُقْتَلُ بِالْمَفْلُوجِ وَالْمَشْلُولِ فَكَذَا الِاثْنَانِ بِالْوَاحِدَةِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى النَّفْسِ؛ وَلِأَنَّ زُهُوقَ الرُّوحِ لَا يَتَجَزَّأُ فَأُضِيفَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَمَلًا وَقَطْعُ الْعُضْوِ يَتَجَزَّأُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقْطَعَ الْبَعْضُ وَيُتْرَكَ الْبَاقِي وَفِي الْقَتْلِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَّ أَحَدُهُمَا السِّكِّينَ عَلَى قَفَاهُ وَالْآخَرُ عَلَى حَلْقِهِ حَتَّى الْتَقَيَا فِي الْوَسَطِ وَمَاتَ مِنْهُمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَفِي الْيَدِ لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ الِاجْتِمَاعِ غَالِبٌ مَخَافَةَ الْغَوْثِ لَا فِي الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَاتٍ بَطِيئَةٍ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ بِسَبَبِهَا كَالشَّدِّ أَوْ نَقُولُ ثَبَتَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْأَثَرِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلٍ قُتِلَ لَهُمْ جَمِيعًا) قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْوَاحِدُ يُقْتَلُ بِالْجَمَاعَةِ قِصَاصًا عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُقْتَلُ اكْتِفَاءً غَيْرَ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُمْ عَلَى التَّعَاقُبِ يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ اكْتِفَاءً وَتَجِبُ دِيَاتُ الْبَاقِينَ وَإِنْ قَتَلَهُمْ عَلَى الْمُقَارَنَةِ لَهُ فِيهِ قَوْلَانِ فِي قَوْلٍ يُقْتَلُ بِالْوَاحِدِ غَيْرُ عَيْنٍ وَتَجِبُ دِيَاتُ الْبَاقِينَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ وَفِي قَوْلٍ يُقْرَعُ فَيُقْتَلُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَتَجِبُ الدِّيَاتُ لِلْبَاقِينَ إلَى هُنَا لَفْظُ الطَّرِيقَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ اهـ. (فَرْعٌ). فَإِنْ قُلْت فَمَا الْجَوَابُ عَنْ أَنَّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ لَا تُقْطَعُ بِالْأَيْدِي اكْتِفَاءً، بَلْ تُقْطَعُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْبَاقِينَ إلَى الْمَالِ قُلْت الطَّرَفُ مُتَبَعِّضٌ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى اسْتِيفَائِهِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُسْتَوْفِيًا لِجُزْءِ حَقِّهِ وَيَنْتَقِلُ فِي الْبَاقِي إلَى الْمَالِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ فَوَجَدُوا قَفِيزًا وَاحِدًا فَإِنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَهُ وَيَنْتَقِلُونَ فِي الْبَاقِي إلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَعِّضٌ وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِمُتَبَعِّضٍ فَثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَلًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَطْعِ الْيَدِ وَحَزِّ الرَّقَبَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ لِلْبَعْضِ) وَلَنَا أَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ الْجَمَاعَةِ يَسْتَدْعِي التجزي لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَصَلَ مِنْهُ بَعْضُ الْقَطْعِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَسْتَدْعِي التجزي؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ وَهُوَ الْيَدُ يَقْبَلُ التجزي فَإِذَا حَصَلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْضُ الْقَطْعِ لَمْ يَجُزْ إضَافَةُ الْقَطْعِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَلًا فَلَمْ يَجُزْ قَطْعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بِخِلَافِ قَتْلِ الْأَنْفُسِ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ يُضَافُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَلًا فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلًا عَلَى الْكَمَالِ فَحَصَلَ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْأَنْفُسِ وَالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ وَالِاعْتِدَاءُ مُقَيَّدٌ بِالْمُمَاثَلَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠] وَقَطْعُ الْيَدِ مُتَجَزِّئٌ فَلَا تَجُوزُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْيَدِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ لِلْيَدِ نِصْفًا وَرُبُعًا وَثُمُنًا وَنَحْوُ ذَلِكَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.

стр. 1704

وَالطَّرَفُ لَيْسَ مِثْلَهَا فَلَا يَلْحَقُ بِهَا . قَالَ ﵀ (وَضَمِنَا دِيَتَهَا) أَيْ ضَمِنَ الْقَاطِعَانِ دِيَةَ الْمَقْطُوعَةِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّبُعُ فَيَجِبُ مِنْ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَتَحَمَّلُ الْعَمْدَ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ فَلَهُمَا قَطْعُ يَمِينِهِ وَنِصْفُ الدِّيَةِ) يَعْنِي إذَا حَضَرَا مَعًا سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ جُمْلَةً وَاحِدَةً أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنْ قَطَعَهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ يُقْطَعُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَيَغْرَمُ أَرْشَ الْيَدِ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ يَدَهُ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ قِصَاصًا فَمَنَعَ اسْتِحْقَاقَهَا الثَّانِي بِالْقَطْعِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَهَنَ شَيْئًا مِنْ إنْسَانٍ، ثُمَّ رَهَنَهُ مِنْ آخَرَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ قَطَعَهُمَا مَعًا يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ الْقِصَاصُ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَالْأَرْشُ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ لَا تَفِي بِالْحَقَّيْنِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهَا مِنْ الْآخَرِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْقُرْعَةِ وَلَنَا أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ تُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ كَالْغَرِيمَيْنِ فِي التَّرِكَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ فِي كُلِّ الْيَدِ لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الْقَطْعُ وَكَوْنُهُ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْأَوَّلِ لَا يَمْنَعُ تَقَرُّرَ السَّبَبِ فِي حَقِّ الثَّانِي وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ لَهُمَا عَبْدًا اسْتَوَيَا فِي اسْتِحْقَاقِ رَقَبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ يَمْتَنِعُ بِالْأَوَّلِ لَمَا شَارَكَهُ الثَّانِي بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ حُكْمًا فَلَا يَثْبُتُ لِلثَّانِي بَعْدَ مَا ثَبَتَ لِلْأَوَّلِ كَالِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً؛ وَلِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ حَقُّهُ ثَابِتٌ فِي الْمَحَلِّ حَتَّى يَحْسِبَهُ بِحَقِّهِ وَيَكُونُ خَصْمًا فِيهِ إذَا اُسْتُهْلِكَ وَيَقْبِضُ بَدَلَهُ، فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَلَا كَذَلِكَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُ فِي الْمَحَلِّ وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ تَصَرُّفًا يُفْضِي إلَى قَطْعِ الْيَدِ، وَالْمَحَلُّ خَالٍ عَنْ حَقِّهِ كَمَا فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلِهَذَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ لَا يُطَالَبُ الْقَاطِعُ بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ ثَابِتًا فِيهَا لَطَالَبَهُ بِهِ كَالْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ الْأَوَّلُ ثُبُوتَ حَقِّ الثَّانِي فِيهَا اسْتَوَيَا فِيهَا فَيُقْطَعُ لَهُمَا إذَا حَضَرَا مَعًا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَيُقْضَى لَهُمَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ يَقْتَسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ حَيْثُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَتْلِ لَهُمَا وَلَا يُقْضَى لَهُمَا بِالدِّيَةِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْفَرْقِ فِيمَا تَقَدَّمَ . قَالَ ﵀ (فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ فَقُطِعَ يَدُهُ لَهُ فَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ لِأَنَّ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ لِثُبُوتِ حَقِّهِ بِيَقِينٍ، وَحَقُّ الْآخَرِ مُتَرَدِّدٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَطْلُبَ أَوْ يَعْفُوَ مَجَّانًا أَوْ صُلْحًا فَصَارَ كَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ إذَا حَضَرَ وَالْآخَرُ غَائِبٌ حَيْثُ يُقْضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ فِي الْكُلِّ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ إذَا حَضَرَ الْآخَرُ بَعْدَ مَا قُطِعَتْ يَدُهُ لِلْحَاضِرِ وَطَلَبَ يُقْضَى لَهُ بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ أَوْفَى بِهَا حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهَا لِسَلَامَتِهَا لَهُ، وَلَوْ قُضِيَ بِالْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ عَفَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الدِّيَةِ فَلِلْآخَرِ الْقَوَدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَهُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ بِالْقَضَاءِ أَثْبَتَ الشِّرْكَةَ بَيْنَهُمَا فَعَادَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْبَعْضِ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْآخَرُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ وَلَهُمَا أَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْعُقُوبَاتِ فَالْعَفْوُ قَبْلَهُ كَالْعَفْوِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَلَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَ الْقَاطِعِ مِنْ الْمِرْفَقِ سَقَطَ الْقِصَاصُ لِذَهَابِ الْيَدِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ بِالْقَطْعِ ظُلْمًا وَلَا يَنْقَلِبُ مَالًا كَمَا إذَا قَطَعَهَا أَجْنَبِيٌّ أَوْ سَقَطَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَلَهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ قَطْعِهَا فَلَا تَسْقُطُ بِالْقَطْعِ ظُلْمًا، ثُمَّ الْقَاطِعُ الْأَوَّلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ ذِرَاعَ الْقَاطِعِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ دِيَةَ الْيَدِ وَحُكُومَةَ عَدْلٍ فِي قَطْعِ الذِّرَاعِ إلَى الْمِرْفَقِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْقَاطِعِ كَانَتْ مَقْطُوعَةً مِنْ الْكَفِّ حِينَ قَطَعَ الْقَاطِعُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمِرْفَقِ فَكَانَتْ كَالشَّلَّاءِ وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ وَاحِدًا فَقُطِعَ الْقَاطِعُ مِنْ الْمِرْفَقِ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْقِصَاصِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَلِلْمَقْطُوعِ مِنْ الْمِرْفَقِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَطَعَ مِنْ الْمِرْفَقِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ لِمَا ذَكَرْنَا . قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَقَرَّ عَبْدٌ بِقَتْلِ عَمْدٍ يُقْتَصُّ بِهِ)، وَقَالَ زُفَرُ ﵀ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمَوْلَى فَصَارَ كَالْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ خَطَأً أَوْ بِالْمَالِ وَلَنَا أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي مِثْلِهِ لِكَوْنِهِ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِهِ فَيَصِحُّ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ عَمَلًا بِالْآدَمِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ إقْرَارَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لَا يَجُوزُ، فَإِذَا صَحَّ لَزِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ حَقِّ الْمُوَلَّى ضَرُورَةً وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَصِحُّ ضِمْنًا وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ قَصْدًا بِخِلَافِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَالطَّرَفُ لَيْسَ مِثْلَهَا فَلَا يَلْحَقُ بِهَا) قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ كَمَا تُقْتَلُ الْأَنْفُسُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْ نَقُولَ الْقِيَاسُ كَذَلِكَ لَكِنْ تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ وَالْمَخْصُوصُ عَنْ الْقِيَاسِ لَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَطْعُ الطَّرَفِ لَيْسَ فِي مَعْنَى قَتْلِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بالتجزي؛ لِأَنَّهُ إبَانَةُ الْعُضْوِ فَجَازَ أَنْ يُقْطَعَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ إزْهَاقُ الرُّوحِ وَأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ. اهـ. . (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ لَا يُطَالِبُ) بِأَنْ قَطَعَهَا شَخْصٌ آخَرُ لَا يَكُونُ لِلْمَقْطُوعِ الْأَوَّلِ مُطَالَبَةُ مَنْ قَطَعَ يَدَ قَاطِعِهِ. اهـ. . (قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ إلَخْ) وَقَوْلُ زُفَرَ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا ارْتَدَّ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ. اهـ. غَايَةٌ

стр. 1705

الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْمُوَلَّى بِإِبْطَالِ حَقِّهِ قَصْدًا؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ أَوْ الِاسْتِسْعَاءُ، وَكَذَا إقْرَارُهُ بِالْقَتْلِ خَطَأً؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ دَفْعُ الْعَبْدِ أَوْ الْفِدَاءُ عَلَى الْمَوْلَى وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ فَلَا يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا . قَالَ ﵀ (وَإِنْ رَمَى رَجُلًا عَمْدًا فَنَفَذَ السَّهْمُ مِنْهُ إلَى آخَرَ يُقْتَصُّ لِلْأَوَّلِ وَلِلثَّانِي الدِّيَةُ)؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَمْدٌ وَالثَّانِيَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَأِ وَهُوَ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ فَكَأَنَّهُ رَمَى إلَى حَرْبِيٍّ فَأَصَابَ مُسْلِمًا وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَثَرِهِ. [فَصْلٌ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَهُ] (فَصْلٌ) قَالَ ﵀ (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ أُخِذَ بِالْأَمْرَيْنِ لَوْ عَمْدَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ خَطَأَيْنِ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ أَوْ لَا إلَّا فِي خَطَأَيْنِ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَنْ ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَبَرَأَ مِنْ تِسْعِينَ وَمَاتَ مِنْ عَشَرَةٍ) مَعْنَى هَذَا إذَا قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُوجِبُ الْقَتْلِ وَمُوجِبُ الْقَطْعِ إذَا كَانَا عَمْدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرُ خَطَأً أَوْ كَانَا خَطَأَيْنِ وَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ لَا فِي خَطَأَيْنِ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ فَتَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكُلَّ لَا يَتَدَاخَلَانِ إلَّا الْخَطَأَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَدَاخَلَانِ فَيَجِبُ فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ لَا يَتَدَاخَلَانِ، أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَا عَمْدَيْنِ فَالْمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَعِنْدَهُمَا يَتَدَاخَلَانِ فَيُقْتَلُ حُرًّا وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ لِتَجَانُسِ الْفِعْلَيْنِ وَعَدَمِ تَخَلُّلِ الْبُرْءِ بَيْنَهُمَا فَصَارَا كَالْخَطَأَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجِرَاحَاتِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَقَعُ بِضَرَبَاتٍ غَالِبًا وَاعْتِبَارُ كُلِّ ضَرْبَةٍ عَلَى حِدَتِهَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ فَيُجْمَعُ تَيْسِيرًا إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ بِأَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْفِعْلَيْنِ كَالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ أَوْ يَتَخَلَّلُ الْبُرْءُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْبُرْءَ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الثَّانِي تَتْمِيمًا لِلْأَوَّلِ فَيُعْتَبَرُ عَلَى حِيَالِهِ وَأَمْكَنَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُرْءِ فَصَارَ كَسِرَايَةِ الْأَوَّلِ وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّ حَزَّ الرَّقَبَةِ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْقَطْعِ كَالْبُرْءِ حَتَّى لَوْ صَدَرَا مِنْ شَخْصَيْنِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ فَكَذَا إذَا كَانَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَيَقْطَعُ الْأَوْلِيَاءُ يَدَهُ، ثُمَّ يَقْتُلُونَهُ إنْ شَاءُوا وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] فَصْلٌ) (قَوْلُهُ: وَمُوجِبُ الْقَطْعِ إذَا كَانَا عَمْدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرُ خَطَأً) هَذِهِ حَالَةٌ تَتَقَسَّمُ إلَى حَالَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً وَالْأُخْرَى قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً، ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ فَصَارَتْ أَرْبَعُ صُوَرٍ وَالْحَالَتَانِ الْأُخْرَيَانِ كَذَلِكَ تُتَصَوَّرُ أَرْبَعُ صُوَرٍ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةَ صُوَرٍ فِي سِتٍّ مِنْهَا لَا يَتَدَاخَلَانِ اتِّفَاقًا وَفِي وَاحِدَةٍ يَتَدَاخَلَانِ اتِّفَاقًا فَتَجِبُ دِيَةٌ فَقَطْ وَالثَّامِنَةُ خِلَافِيَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَدَاخَلَانِ، وَعِنْدَهُمَا يَتَدَاخَلَانِ اهـ. (فُرُوعٌ) قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يَقْطَعُ يَدَ الرَّجُلِ عَمْدًا، ثُمَّ يَقْتُلُهُ خَطَأً قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ الْيَدُ أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ خَطَأً، ثُمَّ يَقْتُلُهُ عَمْدًا قَبْلَ الْبُرْءِ. قَالَ يُؤْخَذُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا بِالْيَدِ وَالنَّفْسِ إلَى هُنَا لَفْظُ أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا يُشَاكِلُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ يَقْتُلُهُ عَمْدًا أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ خَطَأً، ثُمَّ يَقْتُلُهُ خَطَأً أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ يَقْتُلُهُ خَطَأً أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ خَطَأً، ثُمَّ يَقْتُلُهُ عَمْدًا، ثُمَّ كُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَبْرَأَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ أَوْ لَا يَبْرَأَ فَصَارَتْ فِي الْحَاصِلِ ثَمَانِيَ مَسَائِلَ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ الْقَطْعُ عَمْدًا وَالْقَتْلُ خَطَأً أَوْ الْقَطْعُ خَطَأً وَالْقَتْلُ عَمْدًا. وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَ الْبُرْءِ فَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا بَعْدَ الْبُرْءِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمُوجِبَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ قَدْ انْتَهَى، فَيَكُونُ الْقَتْلُ بَعْدَهُ فِعْلًا ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى لَوْ كَانَا عَمْدَيْنِ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ يَقْتُلَهُ، وَلَوْ كَانَا خَطَأَيْنِ أَخَذَ دِيَةَ الطَّرَفِ وَدِيَةَ النَّفْسِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا خَطَأً وَالْآخَرُ عَمْدًا يُقْتَصُّ فِيمَا هُوَ عَمْدٌ وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ فِيمَا هُوَ خَطَأٌ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ فَإِنْ كَانَا خَطَأً يُكْتَفَى بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مَا فَوَّتَ إلَّا نَفْسًا وَاحِدَةً فَلَا يَجِبُ بِهِ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا خَطَأً وَالْآخَرُ عَمْدًا اُقْتُصَّ فِيمَا هُوَ عَمْدٌ وَأُخِذَ بِالدِّيَةِ فِيمَا هُوَ خَطَأٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَتَدَاخَلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ لِاخْتِلَافِهِمَا فَأَمَّا إنْ كَانَا عَمْدَيْنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ قَطَعَ، ثُمَّ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِالْقَتْلِ، وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقَتْلُ هُمَا يَقُولَانِ إنَّهُ مَا فَوَّتَ بِالْفِعْلِ إلَّا النَّفْسَ فَحَسْبُ كَمَا إذَا كَانَا خَطَأً فَثَمَّةَ تَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا لَا يَجِبُ هُنَا إلَّا قِصَاصٌ وَاحِدٌ إذَا كَانَا عَمْدًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَتَى بِجِنَايَتَيْنِ قَطْعٍ وَقَتْلٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُوجِبَانِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (فَرْعٌ). اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْقَطْعُ وَالْقَتْلُ مِنْ أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ أَوْ لَا فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ يُعْتَبَرُ كُلُّ فِعْلٍ وَيُؤْخَذُ بِمُوجِبِ الْفِعْلَيْنِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْأَوَّلِ قَدْ تَقَرَّرَ بِالْبُرْءِ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ حَتَّى لَوْ كَانَا عَمْدَيْنِ فَلِلْوَلِيِّ الْقَطْعُ وَالْقَتْلُ وَإِنْ كَانَا خَطَأَيْنِ تَجِبُ دِيَةٌ وَنِصْفُ دِيَةٍ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرُ خَطَأً فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا وَالْقَتْلُ خَطَأً يَجِبُ فِي الْيَدِ الْقَوَدُ وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً وَالْقَتْلُ عَمْدًا يَجِبُ فِي الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي النَّفْسِ الْقَوَدُ وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرُ خَطَأً يُعْتَبَرُ كُلُّ فِعْلٍ عَلَى حِدَةٍ فَيَجِبُ فِي الْخَطَأِ الدِّيَةُ وَفِي الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَإِنْ كَانَا خَطَأَيْنِ يُعْتَبَرُ الْكُلُّ جِنَايَةً وَاحِدَةً اتِّفَاقًا فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَا عَمْدَيْنِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْوَلِيِّ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَطَعَ وَقَتَلَ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ اهـ حِصَارِيٌّ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا يَتَدَاخَلَانِ) أَيْ إذَا كَانَ الْقَتْلُ قَبْلَ الْبُرْءِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ وَعَدَمُ تَخَلُّلِ الْبُرْءِ بَيْنَهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ) وَمَعْنَى الْجَمْعِ هُنَا الِاكْتِفَاءُ بِالْقَتْلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ) أَيْ بِقَطْعِ يَدِ الْقَاطِعِ وَبِقَتْلِ الْقَاتِلِ اهـ

стр. 1706

الْمُسَاوَاةَ فِي الْفِعْلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعُ بِالْقَطْعِ وَاسْتِيفَاءُ الْقَطْعِ بِالْقَتْلِ مُتَعَذِّرٌ لِاخْتِلَافِهِمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ وَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ صُورَةً وَمَعْنًى تَكُونُ بِاسْتِيفَائِهِمَا وَبِالِاكْتِفَاءِ بِالْقَتْلِ لَمْ تُوجَدْ الْمُمَاثَلَةُ إلَّا مَعْنًى فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ صُورَةً وَمَعْنًى فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ مِنْ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا خَطَأَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ وَهِيَ بَدَلُ الْمَحَلِّ وَالْمَقْتُولُ وَاحِدٌ فَيَجِبُ بَدَلٌ وَاحِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّ عَشَرَةً لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا خَطَأً يَجِبُ عَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْفِعْلُ، وَلَوْ قَتَلُوهُ عَمْدًا قُتِلُوا بِهِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ جَزَاءُ الْفِعْلِ وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ؛ وَلِأَنَّ أَرْشَ الْيَدِ لَوْ وَجَبَ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَزِّ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْكَامِ أَثَرِ الْفِعْلِ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ بِالْحَزِّ فَيَجْتَمِعُ وُجُوبُ بَدَلِ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَوَجَبَ بِقَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ دِيَاتٌ كَثِيرَةٌ لِلْأَطْرَافِ؛ لِأَنَّهَا تَتْلَفُ بِتَلَفِ النَّفْسِ، أَمَّا الْقَطْعُ وَالْقَتْلُ فَقِصَاصَانِ فَأَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَ وَسَرَى حَيْثُ يُكْتَفَى بِالْقَتْلِ لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا خَطَأً وَالْآخَرُ عَمْدًا وَالثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَا خَطَأَيْنِ وَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ فَلِأَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِيهِمَا لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْفِعْلَيْنِ فِي الْأَوَّلِ وَلِتَخَلُّلِ الْبُرْءِ فِي الثَّانِي وَهُوَ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ فَيُعْطَى لِكُلِّ فِعْلٍ حُكْمُ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ لَا فِي خَطَأَيْنِ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ فَتَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ هَذَا إخْرَاجٌ عَنْ قَوْلِهِ أُخِذَ بِالْأَمْرَيْنِ أَيْ بِمُوجِبَيْ فِعْلِهِ إلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُمَا يَتَدَاخَلَانِ وَلَا يُؤْخَذُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَتَجِبُ فِيهِ دِيَةُ النَّفْسِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ فِي أَثْنَاءِ الْبَحْثِ، وَقَوْلُهُ كَمَنْ ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَبَرَأَ مِنْ تِسْعِينَ وَمَاتَ مِنْ عَشَرَةٍ يَعْنِي يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا إذَا كَانَ الْقَطْعُ وَالْقَتْلُ خَطَأَيْنِ وَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرَبَاتِ الَّتِي بَرَأَ مِنْهَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ سَقَطَ أَرْشُهَا لِزَوَالِ الشَّيْنِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَثَمَنُ الْأَدْوِيَةِ وَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ بِأَدِلَّتِهَا فِي فَصْلِ الشِّجَاجِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ بَقِيَ لَهَا أَثَرٌ بَعْدَ الْبُرْءِ يَجِبُ مُوجِبُهُ مَعَ دِيَةِ النَّفْسِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ يَجِبُ بِاعْتِبَارِ الشَّيْنِ فِي النَّفْسِ وَهُوَ بِبَقَاءِ الْأَثَرِ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ عَفَا الْمَقْطُوعُ عَنْ الْقَطْعِ فَمَاتَ ضَمِنَ الْقَاطِعُ الدِّيَةَ، وَلَوْ عَفَا عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ أَوْ عَنْ الْجِنَايَةِ لَا فَالْخَطَأُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْعَمْدُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْعَفْوُ عَنْ الشَّجَّةِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقَطْعِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا عَفَا عَنْ الْقَطْعِ أَوْ عَنْ الشَّجَّةِ فَهُوَ عَفْوٌ عَنْ النَّفْسِ أَيْضًا حَتَّى إذَا مَاتَ بَعْدَ الْعَفْوِ بِالسِّرَايَةِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إذَا أُضِيفَ إلَى الْفِعْلِ كَالْقَطْعِ وَالشَّجَّةِ يُرَادُ بِهِ مُوجِبُهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْفِعْلِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَمُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ ضَمَانُ الطَّرَفِ إنْ اقْتَصَرَ وَضَمَانُ النَّفْسِ إنْ سَرَى فَيَتَنَاوَلُهُمَا فَصَارَ كَالْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ أَوْ عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ أَوْ عَنْ الشَّجَّةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ اسْمَ الْقَطْعِ وَالشَّجَّةِ يَتَنَاوَلُ السَّارِيَ وَالْمُقْتَصِرَ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ جِنْسٌ وَهُمَا نَوْعَانِ فَصَارَتْ السِّرَايَةُ وَالِاقْتِصَارُ صِفَةً لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَمَرَ إنْسَانًا بِقَطْعِ يَدِهِ فَقَطَعَهَا وَسَرَى إلَى النَّفْسِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ بِالْقَطْعِ يَتَنَاوَلُهُ فَكَذَا الْعَفْوُ عَنْهُ يَتَنَاوَلُ مَا يَحْدُثُ مِنْهُ، وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمُسَبَّبُ وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ عَنْ الْغَصْبِ كَانَ ذَلِكَ إبْرَاءٌ عَنْ مُوجِبِ الْغَصْبِ وَهُوَ رَدُّ الْعَيْنِ عِنْدَ قِيَامِهَا وَرَدُّ الْقِيمَةِ بَعْدَ هَلَاكِهَا، وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ كَانَ ذَلِكَ إبْرَاءٌ عَنْ مُوجِبِ الْعَيْبِ وَهُوَ الرَّدُّ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَالرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ دُونَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَتْلًا مِنْ الِابْتِدَاءِ فَعَفْوُهُ عَنْ الْقَطْعِ يَكُونُ عَفْوًا عَنْ غَيْرِ حَقِّهِ فَيَبْطُلُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا قَطْعَ لِي قِبَلَ فُلَانٍ لَا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ يَتَنَاوَلُهُ كَمَا قَالَا لَاقْتَضَى بَرَاءَتَهُ عَنْهُ فَكَذَا الْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَفْوَ عَنْ الْقَتْلِ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَيْنِ فَلَمْ يُصَادِفْ الْعَفْوُ مَحَلَّ حَقِّهِ فَيَبْطُلُ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ مِنْ السِّرَايَةِ) أَيْ إذَا قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ فَقَطْ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَا فِي خَطَأَيْنِ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَةِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَنُسْخَةِ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الزَّرَاتِيتِيِّ الْمُقَابَلَةِ عَلَى خَطِّ الشَّارِحِ وَغَالِبُ نُسَخِ الْمَتْنِ إلَّا بِأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْعَيْنِيِّ وَالرَّازِيِّ وَغَيْرِهِمَا ﵏ أَجْمَعِينَ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ) جَعَلَ كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّ الضَّمَانِ وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ فِي حَقِّ التَّعْزِيرِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا عَشَرَةً فَمَاتَ مِنْهَا فَلَا تَجِبُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جِرَاحَةٍ انْدَمَلَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ اهـ أَتْقَانِيٌّ

стр. 1707

مَعْصُومَةً بِغَيْرِ حَقٍّ عَمْدًا إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْعَفْوِ أَوْرَثَتْ شُبْهَةً وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَفْوَ إلَى حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَذَلِكَ يَكْفِي لِدَرْءِ الْقِصَاصِ لَا لِسُقُوطِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّارِيَ نَوْعٌ مِنْ الْقَطْعِ وَأَنَّ السِّرَايَةَ صِفَةٌ لَهُ، بَلْ السَّارِي قَتْلٌ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ بِالسِّرَايَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجِنَايَاتِ مَآلُهَا لِمَا أَنَّ أَصْلَ الْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، ثُمَّ يَصِيرُ مُوجِبًا لَهُ بِالسِّرَايَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، ثُمَّ يَصِيرُ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهُ كَمَا إذَا قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْمِفْصَلِ فَسَرَى إلَى نِصْفِ السَّاعِدِ وَبِاعْتِبَارِ الْمَآلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْيَدِ وَلِهَذَا لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْيَدِ بَعْدَ السِّرَايَةِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ كَانَ السَّارِي نَوْعًا لَهُ لَصَحَّ لِإِمْكَانِ الصَّرْفِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ الْأَوَّلَ لَا يُوجِبُ قَطْعًا سَارِيًا وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ فَقَطْ إنْ كَانَ مُقْتَصِرًا أَوْ الْقَتْلَ فَقَطْ إنْ كَانَ سَارِيًا فَلَا مُوجِبَ لِلْقَطْعِ السَّارِي فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ بِاسْمٍ لِلْقَتْلِ وَلَا هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ السَّارِي عَلَى الْجَانِي حَتَّى يُسْتَعَارَ لَهُ فَلَغَا بِخِلَافِ الْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ أَوْ عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ أَوْ عَنْ الشَّجَّةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ السَّارِيَ وَالْمُقْتَصِرَ وَالْقَتْلَ ابْتِدَاءً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا جِنَايَةَ لِي قِبَلَ فُلَانٍ أَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْكُلِّ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَا قَطْعَ لِي عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ أَوْ عَنْ الشَّجَّةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا صَرِيحٌ فِي الْعَفْوِ عَنْ السِّرَايَةِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْإِذْنِ بِالْقَطْعِ فَإِنَّمَا سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْ الْقَاطِعِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَطَعَهُ بِأَمْرِهِ انْتَقَلَ الْفِعْلُ إلَيْهِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَطَعَ يَدَ نَفْسِهِ فَمَاتَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ يَتَنَاوَلُ السَّارِيَ لَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْقَاطِعِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ فَكَأَنَّ هَذَا شَاهِدٌ لِأَبِي حَنِيفَة ﵀ كَمَا تَرَاهُ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغَصْبِ فَلِأَنَّ الْغَصْبَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ أَوْ قِيمَتِهِ فَجَازَ اسْتِعَارَتُهُ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَكَذَا مَسْأَلَةُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ الْقَطْعِ عَلَى عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَقْطُوعُ حَيْثُ لَا يُنْتَقَضُ الصُّلْحُ، وَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ السَّارِيَ لَانْتَقَضَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا أَعْتَقَهُ صَارَ مُخْتَارًا لِلْإِمْضَاءِ فَتَضَمَّنَ إعْتَاقُهُ نَقْضَ الصُّلْحِ الْأَوَّلِ وَالتَّحَوُّلَ إلَى الصُّلْحِ عَنْ الْجِنَايَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً فَهُوَ كَالْعَمْدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ حَتَّى إذَا أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ: عَفَوْت عَنْ الْيَدِ كَانَ عَفْوًا عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ عِنْدَهُمَا، وَعَنْ دِيَةِ الْيَدِ فَقَطْ عِنْدَهُ، وَلَوْ قَالَ عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ أَوْ عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ كَانَ عَفْوًا عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى إذَا مَاتَ مِنْهُ يَسْقُطُ كُلُّ الدِّيَةِ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْمَالُ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَمْدًا حَيْثُ يَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَصَارَ كَمَا لَوْ أَعَارَ أَرْضَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَانْتَفَعَ بِهَا الْمُسْتَعِيرُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعِيرُ حَيْثُ يُنَفَّذُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا تَصِيرُ مَالًا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِهَا فِي الْمَرَضِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَالْخَطَأُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْعَمْدُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَطَعَتْ امْرَأَةٌ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَتَزَوَّجَهَا عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَالدِّيَةُ فِي مَالِهَا وَعَلَى عَاقِلَتِهَا لَوْ خَطَأً)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ أَوْ عَنْ الْقَطْعِ لَا يَكُونُ عَفْوًا عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُ فَكَذَا التَّزَوُّجُ عَلَى الْيَدِ أَوْ عَلَى الْقَطْعِ لَا يَكُونُ تَزَوُّجًا عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا فَهَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِيفَاءِ وَعَلَى تَقْدِيرِ السُّقُوطِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَالًا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَا يُقَالُ الْقِصَاصُ لَا يَجْرِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الطَّرَفِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَزَوُّجًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ لِلْعَمْدِ الْقِصَاصُ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَإِنَّمَا سَقَطَ لِلتَّعَذُّرِ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهَا الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ وَإِنْ تَضَمَّنَ الْعَفْوَ لَكِنْ عَنْ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ، فَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلٌ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَفْوُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَفْوِ عَنْ النَّفْسِ وَذَلِكَ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ عَمْدًا وَالْعَاقِلَةُ لَا تَتَحَمَّلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَلِهَذَا لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْيَدِ) أَيْ قَطَعَ يَدَهُ فَمَاتَ فَعَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَنْ مُوجِبِ الْيَدِ لَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَجَازَ اسْتِعَارَتُهُ عَلَى الْمُسَبَّبِ) يَعْنِي لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ) وَيَكُونُ هَذَا وَصِيَّةً لِلْعَاقِلَةِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا لَا يُشْكِلُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْقَاتِلَ وَاحِدًا مِنْ الْعَاقِلَةِ، أَمَّا مَنْ جَعَلَهُ وَاحِدًا مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ فَلَا تَصِحُّ قَالُوا وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَصِحُّ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَإِنْ حَصَلَتْ لِلْقَاتِلِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَصِحَّ فِي الِابْتِدَاءِ صَحَّتْ فِي الِانْتِهَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَطَلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ كُلُّهَا وَصِيَّةً لِلْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَوْصَى لِمَنْ تَصِحُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ وَلِمَنْ لَا تَصِحُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ صَارَ كُلُّهَا لِمَنْ تَصِحُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ كَمَنْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْحَيِّ تَصْحِيحًا لِلْوَصِيَّةِ فَهُنَا إذَا لَمْ تَصِحَّ لِلْقَاتِلِ تَعُودُ إلَى الْعَاقِلَةِ فَتَسْقُطُ عَنْ الْعَاقِلَةِ فِي الِابْتِدَاءِ قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ. اهـ. غَايَةٌ سَيَأْتِي مَعْنَى هَذِهِ الْحَاشِيَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الصَّفْحَةِ الْآتِيَةِ لَكِنَّنِي بَادَرْت بِكِتَابَتِهَا ظَنًّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ) وَإِنَّمَا يُحْجَرُ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ فَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ وَالْقَاتِلُ وَغَيْرُ الْقَاتِلِ فِيهِ سَوَاءٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

стр. 1708

فِي النَّفْسِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِذَا وَجَبَ لَهُ الدِّيَةُ وَلَهَا الْمَهْرُ تَقَاصَّا إنْ اسْتَوَيَا قَدْرًا وَوَصْفًا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ رَجَعَ صَاحِبُهُ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى أَرْشِ الْيَدِ، وَإِذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لِلْيَدِ وَأَنَّ الْمُسَمَّى مَعْدُومٌ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَلَا شَيْءَ فِيهَا وَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ وَلَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَمْدًا؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهَا وَالْمَهْرَ عَلَى الزَّوْجِ فَلَا فَائِدَةَ فِي اسْتِيفَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ فَيَتَقَاصَّانِ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْيَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا أَوْ عَلَى الْجِنَايَةِ فَمَاتَ مِنْهُ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا)؛ لِأَنَّ هَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى الْقِصَاصِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَصِحُّ مَهْرًا فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ. قَالَ ﵀ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لَوْ عَمْدًا)؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ مَهْرًا وَهُوَ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَسَقَطَ أَصْلًا فَصَارَ كَمَا إذَا أَسْقَطَ الْقِصَاصَ بِشَرْطِ أَنْ يَصِيرَ مَالًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مَجَّانًا. قَالَ ﵀ (وَلَوْ خَطَأً رُفِعَ عَنْ الْعَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَهُمْ ثُلُثُ مَا تَرَكَ وَصِيَّةً)؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ عَلَى الْيَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا أَوْ عَلَى الْجِنَايَةِ تَزَوُّجٌ عَلَى مُوجِبِهَا وَمُوجِبُهَا الدِّيَةُ هُنَا وَهِيَ تَصْلُحُ مَهْرًا فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ إلَّا أَنَّهُ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُحَابَاةٌ وَالْمَرِيضُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي التَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَيَنْفُذُ قَدْرُ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَقَدْ صَارَتْ مَهْرًا فَتَسْقُطُ كُلُّهَا عَنْهُمْ إنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مِثْلَ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَمَّلُونَ عَنْهَا بِسَبَبِ جِنَايَتِهَا، فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ مِلْكًا لَهَا سَقَطَ عَنْهُمْ فَلَا يَغْرَمُونَ لَهَا وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ سَقَطَ عَنْهُمْ قَدْرُ مَهْرِ مِثْلِهَا لِمَا ذَكَرْنَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يُنْظَرُ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ عَنْهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمْ أَجَانِبُ وَإِنْ كَانَ لَا يُخْرَجُ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ عَنْهُمْ قَدْرُ الثُّلُثِ وَأَدَّوْا الزِّيَادَةَ إلَى الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا نَفَاذَ لَهَا إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، ثُمَّ قِيلَ لَا يَسْقُطُ قَدْرُ نَصِيبِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ لَا تَصِحُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لِمَنْ تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ وَلِمَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ، فَيَكُونُ الْكُلُّ لِمَنْ تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ كَمَنْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ كُلَّهَا تَكُونُ لِلْحَيِّ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ نَصِيبُهُ لَكَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ الْوَاجِبُ بِالْقَتْلِ فَتَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ فَيُقْسَمُ عَلَيْهِمْ فَمَا أَصَابَ الْعَاقِلَةَ يَسْقُطُ لِمَا ذَكَرْنَا وَمَا أَصَابَ الْقَاتِلَ يَكُونُ هُوَ الْوَاجِبُ بِالْقَتْلِ فَيُقْسَمُ أَيْضًا فَيَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ أَيْضًا، ثُمَّ هَكَذَا وَهَكَذَا إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ فَلَوْ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ فِي حِصَّتِهِ ابْتِدَاءً لَزِمَنَا تَصْحِيحُهَا انْتِهَاءً فَصَحَّحَاهَا ابْتِدَاءً قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْيَدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ عَفْوٌ عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فَصَارَ الْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَهُمَا . قَالَ ﵀ (وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَاقْتَصَّ لَهُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ قُتِلَ بِهِ) أَيْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَاقْتُصَّ لَهُ فَمَاتَ الْمَقْطُوعُ الْأَوَّلُ قُتِلَ الْمَقْطُوعُ الثَّانِي بِهِ وَهُوَ الْقَاطِعُ الْأَوَّلُ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ قَتْلًا عَمْدًا وَحَقُّ الْمُقْتَصِّ لَهُ فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَاسْتِيفَاءُ الْقَطْعِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ حَقِّهِ فِي الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا قَطَعَ طَرَفَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، ثُمَّ قَتَلَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا بَقِيَ لَهُ فِيهِ الْقِصَاصُ فَوَارِثُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْقَطْعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَبْرَأَهُ عَنْ غَيْرِهِ قُلْنَا إنَّمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَقُّهُ لَا حَقَّ لَهُ غَيْرُهُ وَبَعْدَ السِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَوَدِ فَلَمْ يَكُنْ مُبَرِّئًا عَنْهُ بِدُونِ عِلْمِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ الْمَقْطُوعُ قِصَاصًا مِنْ الْقَطْعِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَهُوَ الْقَطْعُ فَيَسْقُطُ حُكْمُ السِّرَايَةِ إذْ الِاحْتِرَازُ عَنْ السِّرَايَةِ خَارِجٌ عَنْ وُسْعِهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَيْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ الْقِصَاصِ فَصَارَ كَالْإِمَامِ إذَا قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ فَسَرَى إلَى النَّفْسِ فَمَاتَ وَكَالْبَزَّاغِ وَالْفَصَّادِ وَالْحَجَّامِ وَالْخَتَّانِ وَكَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا وَمَاتَ وَهَذَا لِأَنَّ السِّرَايَةَ تَبَعٌ لِابْتِدَاءِ الْجَنَابَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ غَيْرَ مَضْمُونٍ وَسَرَايَتُهُ مَضْمُونَةً وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَطْعِ وَالْمَوْجُودُ قَتْلٌ حَتَّى لَوْ قَطَعَ ظُلْمًا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1709

كَانَ قَتْلًا فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ فَيَضْمَنُ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَكَذَا الْفِعْلُ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبَزَّاغِ وَالْفَصَّادِ وَالْحَجَّامِ وَالْخَتَّانِ بِالْعَقْدِ، وَإِقَامَةُ الْوَاجِبِ لَا تَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ، بَلْ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ كَالْمُرُورِ عَلَى الطَّرِيقِ وَكَضَرْبِ الزَّوْجَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَطَعَ يَدَ الْقَاتِلِ وَعَفَا ضَمِنَ الْقَاطِعُ دِيَةَ الْيَدِ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ يَدًا مِنْ نَفْسٍ لَوْ أَتْلَفَهَا لَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ سَرَى، وَهَذَا لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إتْلَافَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ إذْ الْأَجْزَاءُ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ فَبَطَلَ حَقُّهُ بِالْعَفْوِ فِيمَا بَقِيَ لَا فِيمَا اسْتَوْفَى وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَعْفُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْيَدِ، وَكَذَا إذَا عَفَا، ثُمَّ سَرَى لَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَالْقَطْعُ السَّارِي أَفْحَشُ مِنْ الْمُقْتَصِرِ أَوْ قَطَعَ وَمَا عَفَا وَمَا سَرَى، ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ قِصَاصٌ فِي الْيَدِ فَقَطَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ عَفَا عَنْ الْيَدِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ أَرْشَ الْأَصَابِعِ مِنْ الْكَفِّ كَالْأَطْرَافِ مِنْ النَّفْسِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ فَيَضْمَنُ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَتْلِ لَا فِي الْقَطْعِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ إذْ كَانَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ الطَّرَفَ تَبَعًا لِلنَّفْسِ، وَإِذَا سَقَطَ الْقَوَدُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْحَالِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا بِالسِّرَايَةِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَحَقُّهُ فِي الطَّرَفِ ثَبَتَ ضَرُورَةَ ثُبُوتِ حَقِّ الْقَتْلِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَا قَبْلَهُ، فَإِذَا وُجِدَ الِاسْتِيفَاءُ ظَهَرَ حَقُّهُ فِي الطَّرَفِ تَبَعًا، وَإِذَا لَمْ يَسْتَوْفِ لَمْ يَظْهَرْ حَقُّهُ فِي الطَّرَفِ لَا أَصْلًا وَلَا تَبَعًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْفُ فَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ لِمَانِعٍ وَهُوَ قِيَامُ الْحَقِّ فِي النَّفْسِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَمْلِكَ قَتْلَهُ وَتَكُونَ أَطْرَافُهُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ بِالْعَفْوِ ظَهَرَ حُكْمُ السَّبَبِ، وَإِذَا سَرَى فَهُوَ اسْتِيفَاءٌ لِلْقَتْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعَفْوَ كَانَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَوْ قَطَعَ وَمَا عَفَا وَبَرَأَ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَطَعَ، ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ فَهُوَ اسْتِيفَاءٌ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ انْعَقَدَ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ السِّرَايَةَ فَكَانَ حَزُّ الرَّقَبَةِ تَتْمِيمًا لِمَا انْعَقَدَ لَهُ الْقَطْعُ فَلَا يَضْمَنُ حَتَّى لَوْ حَزَّ رَقَبَتَهُ بَعْدَ الْبُرْءِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَ حَقِّهِ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ فِي التَّوَابِعِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ فِي النَّفْسِ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ إتْلَافِهَا وَالْأَصَابِعُ تَابِعَةٌ قِيَامًا وَالْكَفُّ تَابِعٌ لَهَا عَرَضًا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَطْشِ تَقُومُ بِالْأَصَابِعِ بِخِلَافِ الطَّرَفِ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلنَّفْسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ) قَالَ ﵀ (وَلَا يُقَيَّدُ حَاضِرٌ بِحُجَّتِهِ إذَا أَخُوهُ غَابَ عَنْ خُصُومَتِهِ فَإِنْ يَعُدْ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهِ لَيَقْتُلَا، وَلَوْ خَطَأً أَوْ دَيْنًا لَا) أَيْ إذَا قَتَلَ شَخْصٌ وَلَهُ وَلِيَّانِ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ فَأَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ قِصَاصًا فَإِنْ عَادَ الْغَائِبُ، فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَقْتُلَاهُ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ إعَادَةِ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ لِيَقْتُلَاهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا لَا يُعِيدُ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ دَيْنًا لَا يُعِيدُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ إذَا أَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِالْقَتْلِ وَالْمُتَّهَمُ يُحْبَسُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالْقِصَاصِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِصَاصِ الِاسْتِيفَاءُ وَالْحَاضِرُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَطَأً أَوْ دَيْنًا؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ مَتَى أَقَامَهَا مَنْ لَهُ الْخُصُومَةُ تَكُونُ مُعْتَبَرَةً مُلْزَمَةً فَلَمْ يَجِبْ إعَادَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ شُرَكَائِهِ فِيمَا يَدَّعِي لِلْمَيِّتِ وَعَلَى الْمَيِّتِ كَمَا فِي دَعْوَى الْخَطَأِ وَدَعْوَى الْمَالِ وَالْقِصَاصِ مَوْرُوثٌ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَإِنْ قَطَعَ) أَيْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ اهـ (قَوْلُهُ: وَالْقَطْعُ السَّارِي أَفْحَشُ مِنْ الْمُقْتَصِرِ) فَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ السَّارِيَ لَا يَضْمَنُ الْمُقْتَصِرَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْحَالِ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْمَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ فِي الْحَالِ وَلَا يَتَوَقَّفَ عَلَى الْبُرْءِ كَمَا فِي الْجِنَايَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ)؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبُرْءِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَطْعَ بِغَيْرِ حَقٍّ. اهـ. [بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ] (بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ). لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِالْقَتْلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقَتْلِ أَوْرَدَهَا عَقِيبَ حُكْمِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ صَارَ كَالتَّابِعِ لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً إلَخْ) قَالَ فِي الْحَقَائِقِ، وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَى فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ بِالدِّيَةِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ، وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُكَلَّفُ إعَادَةَ بَيِّنَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْقِصَاصُ مَوْرُوثٌ) أَيْ يُثْبِتُ مِلْكَ الْقَوَدِ لِلْمُوَرِّثِ، ثُمَّ لِلْوَارِثِ اهـ. (فَرْعٌ). قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ لِلْأَبِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الصُّلْحِ عَنْ النَّفْسِ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي الصُّلْحِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقَاضِي ذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ لِلصَّغِيرِ لَا فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَا أَنْ يُصَالِحَ، وَذَكَرَ فِي الصُّلْحِ إذَا قَتَلَ رَجُلًا لَا وَلِيَّ لَهُ عَمْدًا لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يُصَالِحَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ وَيَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِيرَاثَهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، وَكَذَا الدِّيَةُ اهـ. وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ؛ وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ مَنْ يَسْتَحِقُّ مَالَ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، وَكَذَا الدِّيَةُ اهـ.

стр. 1710

عَنْ الْمَيِّتِ حَتَّى تَجْرِيَ فِيهِ سِهَامُ الْوَرَثَةِ وَيَصِحَّ عَفْوُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَتُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ إذَا انْقَلَبَ مَالًا، وَكَذَا تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْهُ كَمَا فِي الدِّيَةِ، فَإِذَا لَمْ تَجِبْ إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ فِي أَحَدِ بَدَلَيْ الدَّمِ وَهُوَ الدِّيَةُ فَكَذَا فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ بِسَبَبٍ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ أَيْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فَيَسْتَحِقُّونَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَيِّتِ كَالْعَبْدِ يَقْبَلُ الْهِبَةَ يَقَعُ الْمِلْكُ فِيهِمَا لِلْمَوْلَى ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مِلْكُ الْفِعْلِ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ مِنْ الْمَيِّتِ وَلِهَذَا صَحَّ عَفْوُ الْوَرَثَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ وَإِنَّمَا صَحَّ الْمَجْرُوحُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ انْعَقَدَ لَهُ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ الدِّيَةِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَهْلٌ لِمِلْكِ الْمَالِ وَلِهَذَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ يَمْلِكُهُ وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ حَقُّ الْوَرَثَةِ عِنْدَهُ وَحَقُّ الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا، فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ يَثْبُتُ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً لَا يَنْتَصِبُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنْ الْآخَرِينَ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِمْ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ مِنْهُ فَبِإِقَامَةِ الْحَاضِرِ الْبَيِّنَةَ لَا يَثْبُتُ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فَيُعِيدُهَا بَعْدَ حُضُورِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا انْقَلَبَ مَالًا يَصِيرُ حَقًّا لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْقَلَبَ مَالًا صَارَ صَالِحًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ فَصَارَ مُفِيدًا بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِصِحَّةِ عَفْوِ الْمُوَرِّثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِي جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهُوَ مُعَارَضٌ بِعَفْوِ الْوَارِثِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ بَعْدَ الْجَرْحِ اسْتِحْسَانًا لِوُجُودِ السَّبَبِ فَلَوْلَا أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ لَهُ ابْتِدَاءً لَمَا صَحَّ عَفْوُهُ . قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَثْبَتَ الْقَاتِلُ عَفْوَ الْغَائِبِ لَمْ يُقَدْ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الْغَائِبَ قَدْ عَفَا كَانَ الْحَاضِرُ خَصْمًا وَسَقَطَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى حَقًّا عَلَى الْحَاضِرِ وَهُوَ سُقُوطُ حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ وَانْقِلَابُ نَصِيبِهِ مَالًا وَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِهِ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْعَفْوِ مِنْ الْغَائِبِ فَانْتَصَبَ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِذَا قُضِيَ عَلَيْهِ صَارَ الْغَائِبُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ تَبَعًا لَهُ . قَالَ ﵀ (وَكَذَا لَوْ قُتِلَ عَبْدُهُمَا وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ) أَيْ لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ عَمْدًا وَأَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ غَائِبٌ فَحُكْمُهُ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَلِيَّيْنِ حَتَّى لَا يُقْتَلَ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْحَاضِرُ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ بَعْدَ عَوْدِ الْغَائِبِ، وَلَوْ أَقَامَ الْقَاتِلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْغَائِبَ قَدْ عَفَا فَالشَّاهِدُ خَصْمٌ وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِمَا بَيَّنَّا فَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِثْلُ الْأُولَى فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَا يَكُونُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْفَرْقُ لَهُمَا فِي الْكُلِّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْخَطَأِ أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ خَصْمٌ عَنْ الْبَاقِينَ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَا كَذَلِكَ أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَهِدَ وَلِيَّانِ بِعَفْوِ ثَالِثِهِمَا لَغَتْ) أَيْ إذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ ثَلَاثَةً فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الثَّالِثِ أَنَّهُ عَفَا فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَهُوَ انْقِلَابُ الْقَوَدِ مَالًا وَهُوَ عَفْوٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا زَعَمَا أَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ سَقَطَ وَزَعْمُهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا. قَالَ ﵀ (فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْقَاتِلُ فَالدِّيَةُ لَهُمْ أَثْلَاثًا) أَيْ صَدَّقَهُمَا الْقَاتِلُ دُونَ الْوَلِيِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ إيَّاهُمَا أَقَرَّ لَهُمَا بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ فَيَلْزَمُهُ لَكِنْ يَزْعُمُونَ كُلُّهُمْ أَنَّ نَصِيبَ الْوَلِيِّ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ عَفْوُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ) قَالَ قَاضِيخَانْ فِي الْوَصَايَا جَرِيحٌ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ وَالْقَتْلُ عَمْدٌ كَانَ بَاطِلًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً مِنْ وَجْهٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ، وَهَذَا حَقٌّ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ حَقُّ الْمَيِّتِ وَلِهَذَا إذَا انْقَلَبَ مَالًا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ، وَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَصِبَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْوَارِثِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ حَقَّ نَفْسِهِ لَا حَقَّ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْغَائِبِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ وَلِيٍّ آخَرَ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مِنْ وَجْهٍ ثَبَتَ الْقَتْلُ مِنْ وَجْهٍ أَيْضًا وَالثُّبُوتُ مِنْ وَجْهٍ أَوْرَثَ الشُّبْهَةَ وَالْمُتَّهَمُ يُحْبَسُ بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْمَيِّتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا فَجَازَ أَنْ يَنْتَصِبَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَالشَّاهِدُ خَصْمٌ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَاضِرُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ، وَكَذَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ اهـ فَكَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ. اهـ. . ١ - (فَرْعٌ). اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ ثَلَاثَةً فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الثَّالِثِ بِالْعَفْوِ فَلَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ لَا زَائِدَ عَلَيْهَا الْأَوَّلُ أَنْ يُصَدِّقَهُمَا الْقَاتِلُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، الثَّانِي أَنْ يُكَذِّبَهُمَا الْقَاتِلُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، الثَّالِثُ أَنْ يُصَدِّقَهُمَا الْقَاتِلُ دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، الرَّابِعُ عَكْسُهُ وَهُوَ أَنْ يُكَذِّبَهُمَا الْقَاتِلُ دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَالثَّانِي وَالثَّالِثُ حُكْمُهُمَا مَعْلُومٌ مِنْ الْمَتْنِ وَالرَّابِعُ ذَكَرَ حُكْمَهُ الشَّارِحُ وَالْأَوَّلُ الْحُكْمُ فِيهِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الشَّاهِدَيْنِ مَالًا وَيَبْطُلُ حَقُّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ اهـ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ مِمَّا ظَهَرَ لِي حَالَ الْمُطَالَعَةِ، ثُمَّ رَأَيْت الْأَتْقَانِيَّ ﵀ ذَكَرَهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ اهـ. (فَرْعٌ آخَرُ). قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، وَقَالَ الْآخَرُ إنَّهُ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ اخْتَلَفَا فِي مَكَانِ الْقَتْلِ أَوْ وَقْتِهِ أَوْ مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ مِنْ بَدَنِهِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ اهـ

стр. 1711

الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَدْ سَقَطَ بِعَفْوِهِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ عَلَيْهِ وَيُحَوَّلُ نَصِيبُهُ أَيْضًا مَالًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ كُلُّ الدِّيَةِ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) أَيْ إنْ كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا بَعْدَ أَنْ كَذَّبَهُمَا الْوَلِيُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ فَلَا شَيْءَ لِلْوَلِيَّيْنِ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ أَقَرَّا بِبُطْلَانِ حَقِّهِمَا فِي الْقِصَاصِ فَصَحَّ إقْرَارُهُمَا فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا وَادَّعَيَا انْقِلَابَهُ مَالًا فَلَا يُصَدَّقُ دَعْوَاهُمَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلِلْوَلِيِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُمَا الْعَفْوَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَفْوِ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَيَنْقَلِبُ نَصِيبُهُ مَالًا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ مُضَافٌ إلَيْهِمَا وَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْوَلِيُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ الْقَاتِلِ ضَمِنَ الْقَاتِلُ ثُلُثَ الدِّيَةِ لِلْوَلِيِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ الثُّلُثُ وَهُوَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْئًا بِدَعْوَاهُ الْعَفْوَ قُلْنَا ارْتَدَّ إقْرَارُهُ بِتَكْذِيبِ الْقَاتِلِ إيَّاهُ فَوَجَبَ لَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ عَلَيْهِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كَانَ هَذَا الثُّلُثُ لِلشَّاهِدَيْنِ لَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ عَفَا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلِلشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْقَاتِلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَاَلَّذِي فِي يَدِهِ وَهُوَ ثُلُثُ الدِّيَةِ مَالُ الْقَاتِلِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمَا فَيُصْرَفُ إلَيْهِمَا لِإِقْرَارِهِ لَهُمَا بِذَلِكَ كَمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لَيْسَ لِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ لِفُلَانٍ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ فَكَذَا هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْقَاتِلَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَمْ يَثْبُتْ لِإِنْكَارِهِ وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْقَاتِلُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَدْ بَطَلَ بِإِقْرَارِهِ بِالْعَفْوِ لِكَوْنِهِ تَكْذِيبًا لَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَاتِلَ بِتَكْذِيبِهِ الشَّاهِدَيْنِ قَدْ أَقَرَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ لِزَعْمِهِ أَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ سَقَطَ بِشَهَادَتِهِمَا كَمَا إذَا عَفَيَا وَالْمُقَرُّ لَهُ مَا كَذَّبَ الْقَاتِلَ حَقِيقَةً، بَلْ أَضَافَ الْوُجُوبَ إلَى غَيْرِهِ بِجَعْلِ الْوَاجِبِ لِلشَّاهِدَيْنِ وَفِي مِثْلِهِ لَا يَرْتَدُّ الْإِقْرَارُ كَمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لَيْسَ لِي وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا. قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ ضَرَبَهُ فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يَقْتَصُّ)؛ لِأَنَّهُ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً وَفِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ عَلَى مَا عُرِفَ وَالشَّهَادَةُ عَلَى قَتْلِ الْعَمْدِ تَتَحَقَّقُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُخْطِئًا لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يُطْلِقُوهُ، بَلْ يَقُولُونَ قَصَدَ غَيْرَهُ فَأَصَابَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ بِسَبَبِ الضَّرْبِ إنَّمَا يُعْرَفُ إذَا صَارَ بِالضَّرْبِ صَاحِبَ فِرَاشٍ وَدَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَتَأْوِيلُهُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِشَيْءٍ جَارِحٍ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ اخْتَلَفَ شَاهِدَا الْقَتْلِ فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْقَتْلُ أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ بِعَصًا، وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ أَدْرِ بِمَاذَا قَتَلَهُ بَطَلَتْ)؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَكَرَّرُ فَالْقَتْلُ فِي زَمَانٍ أَوْ فِي مَكَان غَيْرُ الْقَتْلِ فِي مَكَان آخَرَ أَوْ زَمَانٍ آخَرَ، وَكَذَا الْقَتْلُ بِآلَةٍ غَيْرِ الْقَتْلِ بِآلَةٍ أُخْرَى وَتَخْتَلِفُ الْأَحْكَامُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ فَكَانَ عَلَى كُلِّ قَتْلٍ شَهَادَةُ فَرْدٍ فَلَمْ يُقْبَلْ؛ وَلِأَنَّ اتِّفَاقَ الشَّاهِدَيْنِ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ فَلَمْ يُوجَدْ؛ وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، وَكَذَا لَوْ كَمُلَ النِّصَابُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَتَيَقَّنَ الْقَاضِي بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَعَدَمُ الْأَوْلَوِيَّةِ بِالْقَبُولِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَمُلَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الْآخَرِ حَيْثُ يُقْبَلُ الْكَمَالُ مِنْهُمَا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ، وَأَمَّا إذَا بَيَّنَ أَحَدُهُمَا الْآلَةَ، وَقَالَ الْآخَرُ لَا أَدْرِي بِمَاذَا قَتَلَهُ فَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُغَايِرُ الْمُقَيَّدَ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ وَالْمُقَيَّدُ مَوْجُودٌ فَاخْتَلَفَا، وَكَذَا أَيْضًا حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ فَإِنَّ مَنْ قَالَ قَتَلَهُ بِعَصَا يُوجِبُ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَمَنْ قَالَ لَا أَعْلَمُ عَلَى الْقَاتِلِ فَاخْتَلَفَ الْمَشْهُودُ بِهِ فَبَطَلَتْ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ بِعَصَا، وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ أُرِدْ بِمَاذَا قَتَلَهُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَتْلِ مُعَايَنَةً وَالْآخَرُ عَلَى إقْرَارِ الْقَاتِلِ بِذَلِكَ كَانَ بَاطِلًا لِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ بِهِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا فِعْلٌ وَالْآخَرَ قَوْلٌ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَالَا لَا نَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ وَجَبَ فِيهِ الدِّيَةُ) فِي مَالِهِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِقَتْلِ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ إذَا جُهِلَتْ فَقَدْ جُهِلَ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، فَيَكُونُ هَذَا غَفْلَةً مِنْ الشُّهُودِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ وَالْمُطْلَقُ لَيْسَ بِمُحْمَلٍ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فَيَجِبُ أَقَلُّ مُوجِبَيْهِ وَهُوَ الدِّيَةُ وَلَا يُحْمَلُ قَوْلُهُمَا لَا نَدْرِي عَلَى الْغَفْلَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا سَعَيَا لِلدَّرْءِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ فِي الْعُقُوبَاتِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمَا وَمِثْلُ ذَلِكَ سَائِغٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَطْلَقَ الْكَذِبَ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ عَلَى مَا. قَالَ ﵊ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ قَوْلُ) الَّذِي فِي نُسْخَةِ الْعَلَّامَةِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَنُسْخَةِ الزراتيني الْمُقَابَلَةِ عَلَى نُسْخَةِ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْآخَرُ قَوْلُ وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَهُ إلَخْ، وَلَيْسَ فِيهِمَا قَالَ ﵀. اهـ.

стр. 1712

«لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَا خَيْرًا» فَهَذَا مِثْلُهُ أَوْ أَحَقُّ مِنْهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ جَهْلُهُمَا أَوْ اخْتِلَافُهُمَا بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ فَلَا يَثْبُتُ الْخَطَأُ بِالشَّكِّ . قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَالَ الْوَلِيُّ قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا لَهُ قَتْلُهُمَا، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْإِقْرَارِ شَهَادَةٌ لَغَتْ) أَيْ إذَا أَقَرَّ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا فَقَالَ الْوَلِيُّ قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَالَ الْوَلِيُّ قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْإِقْرَارِ شَهَادَةٌ لَغَتْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ يُنْبِئُ أَنَّ كُلَّ الْقَتْلِ وُجِدَ مِنْ الْمُقِرِّ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَا قَتَلْته انْفَرَدْت بِقَتْلِهِ، وَكَذَا قَوْلُ الشُّهُودِ قَتَلَهُ فُلَانٌ يُوجِبُ انْفِرَادَهُ بِالْقَتْلِ وَقَوْلُ الْوَلِيِّ قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا تَكْذِيبٌ لِبَعْضِهِ حَيْثُ ادَّعَى اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْقَتْلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِقَتْلِهِ، بَلْ شَارَكَهُ آخَرُ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ التَّكْذِيبِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لِادِّعَائِهِ فِسْقَهُمْ بِهِ دُونَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ فِسْقَ الْمُقِرِّ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ فِي الْإِقْرَارِ صَدَقْتُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَكْذِيبٌ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الِانْفِرَادَ بِالْقَتْلِ فَتَصْدِيقُهُ يُوجِبُ ذَلِكَ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَتَلْته وَحْدَك وَلَمْ يُشَارِكْ فِيهِ أَحَدٌ كَمَا تَقُولُ، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِأَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَقْتُلْهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا قَالَ قَتَلْتُمَاهُ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ لَهُمَا فَيَقْتُلُهُمَا بِإِقْرَارِهِمَا، وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَالَ الْوَلِيُّ قَتَلَهُ كِلَاهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُقِرَّ دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِبَعْضِ مُوجِبِهِ عَلَى مَا مَرَّ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِأَحَدِ الْمُقِرِّينَ صَدَقْت أَنْتَ قَتَلْته وَحْدَك كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى وُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَحَدِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا أَنْتَ قَتَلْته كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ لِعَدَمِ تَكْذِيبِ شُهُودِهِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَذَّبَ الْآخَرَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْخَطَأِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابٌ فِي اعْتِبَارِ حَالَةِ الْقَتْلِ] (بَابٌ فِي اعْتِبَارِ حَالَةِ الْقَتْلِ) قَالَ ﵀ (الْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْيِ)؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ فِعْلُ الرَّامِي وَلَا فِعْلَ لَهُ بَعْدَهُ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ حَالَةٍ فِي حَقِّ الْحَلِّ وَالضَّمَانِ عِنْدَ ذَلِكَ. قَالَ ﵀ (فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِرَدِّهِ الْمَرْمِيَّ إلَيْهِ قَبْلَ الْوُصُولِ) أَيْ إذَا رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا مُسْلِمًا فَارْتَدَّ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ قَبْلَ وُصُولِ السَّهْمِ إلَيْهِ، ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ يَجِبُ عَلَى الرَّامِي الدِّيَةُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي مَحَلٍّ لَا عِصْمَةَ لَهُ وَإِتْلَافُ غَيْرِ الْمَعْصُومِ هَدَرٌ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِارْتِدَادِهِ أَسْقَطَ تَقَوُّمَ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مُبَرِّئًا لِلرَّامِي عَنْ مُوجِبِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَبْرَأَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ إخْرَاجَ نَفْيِهِ عَنْ التَّقْوِيمِ كَالْإِبْرَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمَغْصُوبَ بُرِّئَ الْغَاصِبُ مِنْ الضَّمَانِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الرَّمْيُ إذْ هُوَ الَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ دُونَ الْإِصَابَةِ وَلَا فِعْلَ لَهُ أَصْلًا بَعْدَهُ فَيَصِيرُ قَاتِلًا بِالرَّمْيِ وَالْمَرْمِيُّ إلَيْهِ مُتَقَوِّمٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَأَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَجُرِحَ الصَّيْدُ وَمَاتَ حَلَّ أَكْلُهُ، وَكَذَا لَوْ كَفَّرَ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ جَازَ تَكْفِيرُهُ فَكَانَ الْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الرَّمْيِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنْ فِيهِ شُبْهَةٌ لِسُقُوطِ الْعِصْمَةِ فِي حَالَةِ التَّلَفِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ. قَالَ ﵀ (لَا بِإِسْلَامِهِ) أَيْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِإِسْلَامِ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ بِأَنْ رَمَى إلَى حَرْبِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: فَهَذَا مِثْلُهُ أَوْ أَحَقُّ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مَنْدُوبٌ إلَى السَّتْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ)؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ الْمُطْلَقَ فِي الْأَصْلِ عَمْدٌ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالشَّكِّ. اهـ. غَايَةٌ (بَابٌ فِي اعْتِبَارِ حَالَةِ الْقَتْلِ). (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَتَجِبُ الدِّيَةُ إلَخْ) صُورَتُهَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ رَمَى رَجُلًا وَالْمَرْمِيُّ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَمَاتَ قَالَ الدِّيَةُ عَلَى الرَّامِي لِوَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَى الرَّامِي وَإِنْ رُمِيَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَوَقَعَ بِهِ السَّهْمُ بَعْدَمَا أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّامِي شَيْءٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إلَى هُنَا لَفْظُ أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهَذِهِ مِنْ الْخَوَاصِّ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: فَصَارَ كَمَا إذَا أَبْرَأَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْجِنَايَةِ أَوْ عَنْ حَقِّهِ، ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَجَرَحَ الصَّيْدَ وَمَاتَ حَلَّ أَكْلُهُ) وَيُعْتَبَرُ قَاتِلًا مِنْ وَقْتِ الرَّمْيِ، وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا فَرَمَى إلَى صَيْدٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، ثُمَّ أَصَابَهُ وَجَرَحَهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الرَّمْيِ وَوَقْتَ الرَّمْيِ كَانَ مَجُوسِيًّا، وَكَذَلِكَ إرْسَالُ الْكَلْبِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ) أَيْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً وا هـ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: لَا بِإِسْلَامِهِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَالَةُ الرَّمْيِ وَوَقْتَ الرَّمْيِ لَمْ يَكُنْ الْمَرْمِيُّ مُتَقَوِّمًا لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ بِكَوْنِهِ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا فَكَانَ تَلَفُهُ هَدَرًا، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ وَقْتَ الرَّمْيِ وَقَعَ هَدَرًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَلَا يَنْقَلِبُ مُعْتَبَرًا؛ وَلِأَنَّ قَتْلَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَوْ اعْتَبَرْنَا حَالَةَ الْإِصَابَةِ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَتْلِهِمْ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ وَقْتِ الْإِصَابَةِ فِي حَقِّهِمْ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا وَقْتَ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ ثَمَّةَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

стр. 1713

فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، ثُمَّ أَصَابَهُ بَعْدَمَا أَسْلَمَ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لِعَدَمِ تَقَوُّمِ الْمَحَلِّ فَلَا يَنْقَلِبُ مُوجِبًا بِصَيْرُورَتِهِ مُتَقَوِّمًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ يَشْهَدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - . قَالَ ﵀ (وَالْقِيمَةُ بِعِتْقِهِ) أَيْ تَجِبُ الْقِيمَةُ بِعِتْقِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ رَجُلًا لَوْ رَمَى إلَى عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، ثُمَّ أَصَابَهُ فَمَاتَ مِنْهُ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَيْهِ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَرْمِيًّا إلَى غَيْرِ مَرْمِيٍّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ، وَإِذَا انْقَطَعَتْ يَبْقَى مُجَرَّدُ الرَّمْيِ وَهُوَ جِنَايَةٌ يَنْتَقِصُ بِهَا قِيمَةُ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا قَبْلَ الرَّمْيِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَبْلَ الرَّمْيِ وَثَمَانِمِائَةٍ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مِائَتَانِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا أَرْشُ الْيَدِ مَعَ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ الْقَطْعُ إلَى الْعِتْقِ وَهُوَ بِنَفْسِ الرَّمْيِ صَارَ جَانِيًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ النُّقْصَانَ كَالْقَطْعِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الرَّامِيَ يَصِيرُ قَاتِلًا لَهُ مِنْ وَقْتِ الرَّمْيِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْتَحَقُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ وَالْجَرْحِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إتْلَافٌ لِبَعْضِ الْمَحَلِّ وَالْإِتْلَافُ يُوجِبُ الضَّمَانَ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ، ثُمَّ إذَا سَرَى لَا يُوجِبُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ شَيْئًا لَوَجَبَ لِلْعَبْدِ لِانْقِطَاعِ حَقِّ الْمَوْلَى عَنْهُ وَظُهُورِ حَقِّهِ فِيهِ فَتَصِيرُ النِّهَايَةُ مُخَالِفَةً لِلْبِدَايَةِ فَصَارَ ذَلِكَ كَتَبَدُّلِ الْمَحَلِّ، وَعِنْدَ تَبَدُّلِ الْمَحَلِّ لَا تَتَبَدَّلُ السِّرَايَةُ فَكَذَا هُنَا، أَمَّا الرَّمْيُ فَقَبْلَ الْإِصَابَةِ لَيْسَ بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَحَلِّ وَإِنَّمَا قَلَّتْ فِيهِ الرَّغَبَاتُ فَلَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ قَبْلَ الِاتِّصَالِ بِالْمَحَلِّ، وَلَكِنْ انْعَقَدَ الرَّمْيُ عِلَّةً تَامَّةً لِإِيجَابِ الضَّمَانِ عِنْدَ الِاتِّصَالِ بِالْمَحَلِّ، وَعِنْدَ الِاتِّصَالِ بِالْمَحَلِّ يَسْتَنِدُ الْوُجُوبُ إلَى وَقْتِ الِانْعِقَادِ فَلَا تُخَالِفُ النِّهَايَةُ الْبِدَايَةَ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى، وَقَالَ زُفَرُ ﵀ عَلَيْهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ إنَّمَا صَارَ عِلَّةً عِنْدَ الْإِصَابَةِ إذْ الْإِتْلَافُ لَا يَصِيرُ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَلَفٍ يَتَّصِلُ بِهِ وَوَقْتُ التَّلَفِ الْمُتْلَفُ حُرٌّ فَتَجِبُ دِيَتُهُ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ وَالْفَرْقُ لَهُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ الِارْتِدَادِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى الرَّمْيِ مَا يُبْطِلُ عِصْمَةَ الْمَحَلِّ فِيمَا تَقَدَّمَ فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاءِ، أَمَّا هُنَا اعْتَرَضَ عَلَى الرَّمْيِ مَا يُؤَكِّدُ عِصْمَةَ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْجِنَايَةُ . قَالَ ﵀ (وَلَا يَضْمَنُ الرَّامِي بِرُجُوعِ شَاهِدِ الرَّجْمِ بَعْدَ الرَّمْيِ) مَعْنَاهُ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِرَجْمِ رَجُلٍ فَرَمَاهُ رَجُلٌ، ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُ الشُّهُودِ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّامِي لِمَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةَ الرَّمْيِ وَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ فِيهَا . قَالَ ﵀ (وَحَلَّ الصَّيْدُ بِرِدَّةِ الرَّامِي لَا بِإِسْلَامِهِ) مَعْنَاهُ إذَا رَمَى مُسْلِمٌ صَيْدًا فَارْتَدَّ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِالصَّيْدِ حَلَّ أَكْلُهُ، وَلَوْ رَمَاهُ وَهُوَ مَجُوسِيٌّ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْوُقُوعِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ فِي حَقِّ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إذْ الرَّمْيُ هُوَ الذَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ لَا الْإِصَابَةِ فَتُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ وَعَدَمُهَا عِنْدَهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ إلَخْ) قَالُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّهُ يُنْظَرُ بِكَمْ يُشْتَرَى لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الرَّمْيُ وَبِكَمْ يُشْتَرَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَيَجِبُ فَضْلُ مَا بَيْنَهُمَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ تَوَجُّهَ السَّهْمِ إلَيْهِ يُوجِبُ إشْرَافَهُ عَلَى الْهَلَاكِ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْجَرْحِ الْوَاقِعِ بِهِ، وَلَوْ جَرَحَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ تَنْقَطِعُ السِّرَايَةُ فَلَا يَضْمَنُ الدِّيَةَ وَلَا الْقِيمَةَ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ يُبْطِلُ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَا قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِهِ إنَّ مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ إنْسَانٍ خَطَأً، ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِيمَةُ النَّفْسِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ الْيَدِ مَعَ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ الْقَطْعُ إلَى أَنْ عَتَقَ دَلَّ أَنَّ الْعِتْقَ يُبْطِلُ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الرَّامِيَ جُعِلَ قَاتِلًا بِفِعْلِهِ الَّذِي هُوَ الرَّمْيُ. وَصَارَ كَأَنَّهُ أَصَابَهُ السَّهْمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحِينَ إذَا كَانَ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ عَبْدًا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الرَّمْيِ لِلْمَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ مَوْلًى لِرَجُلٍ بِالْمُوَالَاةِ فَرَمَى رَجُلًا، ثُمَّ تَحَوَّلَ وَلَاؤُهُ إلَى غَيْرِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى مَوْلَاهُ الْأَوَّلِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَكَذَلِكَ مُسْلِمٌ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ فَقَتَلَهُ حَلَّ الصَّيْدُ فَكَذَا هَاهُنَا، وَلَيْسَ الرَّمْيُ كَالْجَرْحِ الَّذِي قَاسَهُ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ يَحْصُلُ بِهِ تَلَفُ بَعْضِ الْمَحَلِّ وَحِينَ إذْ كَانَ الْمَحَلُّ لِلْمَوْلَى فَيَجِبُ الضَّمَانُ لِلْمَوْلَى أَيْضًا، ثُمَّ بَعْدَ سِرَايَةِ الْجَرْحِ إلَى النَّفْسِ لَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ لَوَجَبَ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَقٌ حِينَئِذٍ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لِكَوْنِ الِانْتِهَاءِ مُخَالِفًا لِلِابْتِدَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَبَدُّلِ الْمَحَلِّ حَقِيقَةً، وَعِنْدَ تَبَدُّلِ الْمَحَلِّ لَا تَتَحَقَّقُ السِّرَايَةُ. وَأَمَّا الرَّمْيُ قَبْلَ اتِّصَالِ السَّهْمِ بِالْمَحَلِّ فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ إتْلَافٌ أَصْلًا فَلَمْ يَجِبْ حِينَ وُجُودِهِ ضَمَانٌ فَلَمْ يَلْزَمْ مُخَالَفَةُ الِانْتِهَاءِ الِابْتِدَاءَ وَإِنَّمَا انْقَلَبَ الرَّمْيُ عِلَّةَ الْإِتْلَافِ عِنْدَ الِاتِّصَالِ بِالْمَحَلِّ بِطَرِيقِ اسْتِنَادِ الْحُكْمِ إلَى وَقْتِ الرَّمْيِ فَكَأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ تَلْزَمْ الْمُخَالَفَةُ فَلَمْ يَكُنْ الْعِتْقُ قَاطِعًا لِسِرَايَةِ الرَّمْيِ لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ اهـ (قَوْلُهُ: إلَى الْعِتْقِ) مَثَلًا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عِنْدَ الْقَطْعِ مِائَةً، وَعِنْدَ الْعِتْقِ سَبْعِينَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُونَ مَعَ أَرْشِ الْيَدِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْجِنَايَةُ) إلَّا أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ وَقَعَ مُوجِبًا ضَمَانَ الْقِيمَةِ وَاعْتِبَارُهُ وَقْتَ الْإِصَابَةِ يُوجِبُ الدِّيَةَ فَلَا تَلْزَمُ الزِّيَادَةُ بِالشَّكِّ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ بَعْدَ الرَّمْيِ، وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ قَوْلَهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ فِيهَا)، وَلَكِنْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الرَّاجِعِ إنْ رَجَعُوا جَمِيعًا فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ وَإِنْ رَجَعَ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ رُبْعُ الدِّيَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

стр. 1714

قَالَ ﵀ (وَوَجَبَ الْجَزَاءُ بِحِلِّهِ لَا بِإِحْرَامِهِ) أَيْ لَوْ رَمَى الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَحَلَّ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، ثُمَّ أَصَابَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَإِنْ رَمَاهُ وَهُوَ حَلَالٌ فَأَحْرَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَوَقَعَ عَلَى الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ بِالتَّعَدِّي وَهُوَ الرَّمْيُ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ وَوُجِدَ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَالْأَصْلُ فِي مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الرَّمْيِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا عَدَلَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ فِيمَا إذَا رَمَى إلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ الْإِصَابَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صَارَ مُبَرِّئًا لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [كِتَابُ الدِّيَاتِ] (كِتَابُ الدِّيَاتِ). الدِّيَةُ اسْمُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ وَهُوَ مَصْدَرٌ يُقَالُ وَدَى الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ إذَا أَعْطَى وَلِيَّهُ ذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَالُ بِالدِّيَةِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ. قَالَ ﵀ (دِيَةُ شَبَهِ الْعَمْدِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَاعًا مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ إلَى جَذَعَةٍ) أَيْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «إلَّا أَنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ وَفِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا مِنْ ثَنِيَّةٍ إلَى بَازِلٍ عَامُّهَا كُلُّهُنَّ خَلِفَةٌ»؛ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ التَّغْلِيظَ فِيهِ وَاجِبٌ لِشَبَهِهِ بِالْعَمْدِ وَمَعْنَى التَّغْلِيظِ يَتَحَقَّقُ بِإِيجَابِ سِنٍّ لَا يَجِبُ فِي الْخَطَأِ وَلَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَاعًا» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْخَطَأُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ أَخْمَاسًا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَبَهُ الْعَمْدِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الدِّيَةَ مُقَدَّرَةٌ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ. قَالَ ﵊ «فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْخَلِفَاتِ لَزَادَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمِائَةِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَا تَحْمِلُ حَيَوَانٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَهُ عُرْضِيَّةُ الِانْفِصَالِ فَصَارَ ذَلِكَ إيجَابُ الزِّيَادَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ وَمَا رَوَيَاهُ غَيْرُ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّغْلِيظِ فَمَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَرْبَاعًا مِثْلُ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبُ عَلِيٍّ ﵁ أَثْلَاثًا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ خَلِفَةً وَمَذْهَبُ عُثْمَانَ ﵁ تَجِبُ أَثْلَاثًا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ وَمَذْهَبُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْمُغِيرَةِ وَأَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَثْلَاثًا كَمَذْهَبِهِمَا وَلَمْ تَجْرِ الْمُحَاجَّةِ بِهِ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَجَرَتْ وَلَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمْ وَلَا يُعَارِضُونَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ كَانَ الْأَخْذُ بِالْمُتَيَقَّنِ بِهِ وَهُوَ الْأَدْنَى أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الدِّيَةَ عِوَضُ النَّفْسِ وَالْحَامِلُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَحَقَّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالثَّانِي أَنَّ صِفَةَ الْحَمْلِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ اللِّعَانُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ؛ وَلِأَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ مِنْهُمْ لِلْقَاتِلِ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَاتِ وَالشَّرْعُ نَهَانَا عَنْ أَخْذِ الْحَامِلِ فِي الصَّدَقَاتِ لِكَوْنِهَا مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ فَكَذَا فِي الدِّيَاتِ . قَالَ ﵀ (وَلَا تَتَغَلَّظُ إلَّا فِي الْإِبِلِ)؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ وَالْمُقَدَّرَاتُ لَا تُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا إذْ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهَا فَلَمْ تَتَغَلَّظْ بِغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ قَضَى بِهِ الْقَاضِي لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ فِي التَّقْدِيرِ بِغَيْرِ الْإِبِلِ . قَالَ ﵀ (وَالْخَطَأُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَخْمَاسًا ابْنُ مَخَاضٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ) أَيْ دِيَةُ الْخَطَأِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَخْمَاسًا ابْنُ مَخَاضٍ إلَخْ أَيْ خُمُسُهُ ابْنُ مَخَاضٍ وَخُمُسُهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَخُمُسُهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَخُمُسُهُ حِقَّةٌ وَخُمُسُهُ جَذَعَةٌ، فَإِذَا كَانَ أَخْمَاسًا يَكُونُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ عِشْرُونَ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] كِتَابُ الدِّيَاتِ). ذَكَرَ مَسَائِلَ كِتَابِ الدِّيَاتِ بَعْدَ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ أَحَدُ مُوجِبِي الْجِنَايَةِ فِي الْآدَمِيِّ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقِصَاصُ أَعْلَاهُمَا وَأَقْوَاهُمَا قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالصِّيَانَةِ فِيهِ أَكْثَرُ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ فِيمَا كَانَ مِنْ الْعَوَارِضِ كَالْخَطَأِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْعَارِضِ فَقُدِّمَ الْقِصَاصُ عَلَى الدِّيَةِ، وَلِهَذَا وَهَذَا وَضَعَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ قَدَّمَ كِتَابَ الدِّيَاتِ عَلَى كِتَابِ الْجِنَايَاتِ وَالطَّحَاوِيُّ قَدَّمَ الْقِصَاصَ عَلَى الدِّيَاتِ حَيْثُ تَرْجَمَ الْكِتَابَ بِقَوْلِهِ كِتَابُ الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ وَمُحَمَّدٌ ﵀ ذَكَرَ أَحْكَامَ الْجِنَايَاتِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَلَمْ يُسَمِّ كِتَابَ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ أَحْكَامِهَا الدِّيَاتُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ وَالدِّيَةُ تَجِبُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَفِي الْخَطَإِ وَفِي الْعَمْدِ أَيْضًا عِنْدَ تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ) بِنْتَ مَخَاضٍ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ مُمَيَّزَ أَحَدَ عَشَرَ إلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ يَجِيءُ مَنْصُوبًا، وَقَدْ عُلِمَ فِي النَّحْوِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: مِنْ ثَنِيَّةٍ إلَى بَازِلٍ عَامَّهَا) الثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ مَا اسْتَكْمَلَ السَّنَةَ الْخَامِسَةَ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ وَالْبَازِلُ مِنْ الْإِبِلِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: كُلُّهُنَّ خَلِفَةٌ) الْخَلِفَةُ الْحَامِلُ مِنْ النُّوقِ. اهـ. خُوَاهَرْ زَادَهْ (قَوْلُهُ: وَلَا يُعَارِضُونَا بِمِثْلِهِ) أَيْ لَا يُقَالُ لَوْ صَحَّ حَدِيثُكُمْ أَيْضًا لَرَجَعُوا إلَيْهِ وَلَمَا اخْتَلَفُوا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ اللِّعَانُ) إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. . (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهِ) فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ اهـ

стр. 1715

قَالَ «فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ ذَكَرٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ بِمَذْهَبِنَا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ يَجِبُ عِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ مَكَانَ ابْنِ مَخَاضٍ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ أَخَفُّ لِإِقَامَةِ ابْنِ مَخَاضٍ مَقَامَ ابْنِ لَبُونٍ فَكَانَ أَلْيَقُ بِحَالِ الْمُخْطِئِ؛ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ ابْنَ اللَّبُونِ بِمَنْزِلَةِ بِنْتِ الْمَخَاضِ فِي الزَّكَاةِ حَيْثُ أَخَذَهُ مَكَانَهَا فَإِيجَابُ عِشْرِينَ مِنْهُ مَعَ الْعِشْرِينَ مِنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ كَإِيجَابِ أَرْبَعِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ، بَلْ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ التَّغَايُرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُرِدْ بِتَغَيُّرِ أَسْنَانِ الْإِبِلِ إلَّا التَّخْفِيفَ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّخْفِيفُ فَلَا يَجُوزُ. قَالَ ﵀ (أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ) أَيْ الدِّيَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَمِنْ الْوَرِقِ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الدِّيَةُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهَا مِنْ الدَّنَانِيرِ أَلْفُ دِينَارٍ وَكَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِالدِّيَةِ فِي قَتِيلٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ» وَمَا قُلْنَا أَوْلَى لِلتَّيَقُّنِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ أَوْ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى وَزْنِ خَمْسَةٍ وَمَا رَوَيْنَاهُ عَلَى وَزْنِ سِتَّةٍ وَهَكَذَا كَانَتْ دَرَاهِمُهُمْ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى زَمَانِ عُمَرَ ﵁ عَلَى مَا حَكَاهُ الْخَبَّازِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ قَالَ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةً الْوَاحِدُ مِنْهَا وَزْنُ عَشَرَةٍ أَيْ الْعَشَرَةُ مِنْهُ وَزْنُ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَهُوَ قَدْرُ الدِّينَارِ وَالثَّانِي وَزْنُ سِتَّةٍ أَيْ الْعَشَرَةُ مِنْهُ وَزْنُ سِتَّةِ دَنَانِيرَ وَالثَّالِثُ وَزْنُ خَمْسَةٍ أَيْ الْعَشَرَةُ مِنْهُ وَزْنُ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ فَجَمَعَ عُمَرُ ﵁ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَخَلَطَهُ فَجَعَلَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَصَارَ ثُلُثُ الْمَجْمُوعِ دِرْهَمًا فَكَشَفَ هَذَا أَنَّ الدِّينَارَ عِشْرُونَ قِيرَاطًا فَوَزْنُ الْعَشَرَةِ يَكُونُ مِثْلَهُ عِشْرِينَ قِيرَاطًا ضَرُورَةَ اسْتِوَائِهِمَا وَوَزْنُ السِّتَّةِ يَكُونُ نِصْفَ الدِّينَارِ وَعَشَرَةً، فَيَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا وَوَزْنُ الْخَمْسَةِ يَكُونُ نِصْفَ الدِّينَارِ، فَيَكُونُ عَشَرَةُ قَرَارِيطَ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا، فَإِذَا جَعَلْتهَا أَثْلَاثًا صَارَ كُلُّ ثُلُثٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ دِرْهَمُهُمْ، فَإِذَا حُمِلَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى وَزْنِ خَمْسَةٍ وَمَا رَوَيْنَاهُ عَلَى وَزْنِ سِتَّةٍ اسْتَوَيَا وَاَلَّذِي يُرَجِّحُ مَذْهَبَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْجَنِينِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهُوَ عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَعِنْدَنَا عُشْرُ دِيَةِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى وَنِصْفُ الْعُشْرِ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ دِيَةَ الْأُمِّ خَمْسَةُ آلَافٍ وَدِيَةَ الرَّجُلِ ضَعْفُ ذَلِكَ وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافٍ؛ وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا أَنَّهَا مِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَالدِّينَارُ مُقَوَّمٌ فِي الشَّرْعِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَلَا تَرَى أَنَّ نِصَابَ الْفِضَّةِ فِي الزَّكَاةِ مُقَدَّرٌ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَنِصَابَ الذَّهَبِ فِيهَا بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَيَكُونُ غَنِيًّا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذْ الزَّكَاةُ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْغَنِيِّ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّ الدِّينَارَ مُقَوَّمٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ الْخِيَارُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ إلَّا الْقَاتِلَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا يَجِبُ مِنْهَا وَمِنْ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ وَمِنْ الْغَنَمِ أَلْفَا شَاةٍ وَمِنْ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ ثَوْبَانِ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «فَرَضَ فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقْضِي بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ مَالٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَكُلُّ حُلَّةٍ ثَوْبَانِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ هُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي النِّهَايَةِ قِيلَ فِي زَمَانِنَا قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَلَهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ بِشَيْءٍ مَعْلُومِ الْمَالِيَّةِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَجْهُولَةُ الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا لَا يُقَدَّرُ بِهَا ضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ وَالتَّقْدِيرُ بِالْإِبِلِ عُرِفَ بِالْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَلَا يُعْدَلُ عَنْ الْقِيَاسِ وَالْآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقَضَاءَ بِهَا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةً، وَذَكَرَ فِي الْمَعَاقِلِ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مِائَتَيْ حُلَّةٍ أَوْ عَلَى مِائَتَيْ بَقَرَةٍ لَا يَجُوزُ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ قَوْلُهُمَا . قَالَ ﵀ (وَكَفَّارَتُهُمَا مَا ذُكِرَ فِي النَّصِّ) أَيْ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ خَطَأً ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: فَجَمَعَ عُمَرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) أَيْ أَخَذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ دِرْهَمًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي الْمَعَاقِلِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ مَا نَصُّهُ وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَقِيلَ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ صَالَحَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ فَالْفَضْلُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْلَا أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ لَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ، وَلَوْ صَالَحَ مَعَ الْعَاقِلَةِ أَوْ مَعَ الْقَاتِلِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ قَوْلُهُمَا) أَيْ تَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَعَاقِلِ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إذْ عِنْدَهُ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ اهـ

стр. 1716

وَشِبْهَ عَمْدٍ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ وَالصَّوْمُ عَلَى التَّرْتِيبِ مُتَتَابِعًا كَمَا ذُكِرَ فِي النَّصِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَشِبْهُ الْعَمْدِ خَطَأً فِي الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فِي حَقِّ الضَّرْبِ فَتَتَنَاوَلُهُمَا الْآيَةُ وَلَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ لِعَدَمِ النَّقْلِ بِالِاخْتِلَافِ بِخِلَافِ الدِّيَةِ حَيْثُ تَجِبُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةً لِوُجُودِ التَّوْقِيفِ فِي التَّغْلِيظِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ دُونَ الْخَطَأِ وَالْمَقَادِيرُ لَا تَجِبُ إلَّا سَمَاعًا. قَالَ ﵀ (وَلَا يَجُوزُ الْإِطْعَامُ وَالْجَنِينُ)؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ وَالْمَقَادِيرُ لَا تُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا؛ وَلِأَنَّ الْمَذْكُورَ كُلُّ الْوَاجِبِ لِلْفَاءِ فِي الْجَوَابِ أَوْ لِكَوْنِهِ كُلَّ الْمَذْكُورِ وَالْجَنِينُ لَمْ تُعْرَفْ حَيَاتُهُ وَلَا سَلَامَتُهُ فَلَمْ يَجُزْ؛ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ النَّصِّ. قَالَ ﵀ (وَيَجُوزُ الرَّضِيعُ لَوْ أَحَدَ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا)؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لَهُ وَالظَّاهِرُ سَلَامَةُ أَطْرَافِهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجِبِلَّةُ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ اكْتَفَى هُنَا بِالظَّاهِرِ فِي سَلَامَةِ أَطْرَافِهِ حَتَّى جَازَ التَّكْفِيرُ بِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الضَّمَانِ بِإِتْلَافِ أَطْرَافِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحَاجَةُ فِي التَّكْفِيرِ إلَى دَفْعِ الْوَاجِبِ وَالظَّاهِرُ يَصْلُحُ حُجَّةً لِلدَّفْعِ وَالْحَاجَةُ فِي الْإِتْلَافِ إلَى إلْزَامِ الضَّمَانِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ يُظْهِرُ حَالَ الْأَطْرَافِ فِيمَا بَعْدُ فِي التَّكْفِيرِ إذَا عَاشَ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْإِتْلَافِ فَافْتَرَقَا . قَالَ ﵀ (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الثُّلُثُ وَمَا دُونَ الثُّلُثِ لَا يَتَنَصَّفُ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ السُّنَّةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السُّنَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ يُرَادُ بِهَا سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَمَا رُوِيَ أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ أَفْتَوْا بِخِلَافِهِ، وَلَوْ كَانَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَا خَالَفُوهُ، وَقَوْلُهُ سُنَّةً مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إلَّا عَنْهُ مَوْقُوفًا؛ وَلِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ أَلَمُهَا أَشَدَّ وَمُصَابُهَا أَكْثَرَ أَنْ يَقِلَّ أَرْشُهَا بَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ أُصْبُعٌ مِنْهَا يَجِبُ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَوْ قُطِعَ أُصْبُعَانِ يَجِبُ عِشْرُونَ، وَإِذَا قُطِعَ ثَلَاثٌ يَجِبُ ثَلَاثُونَ؛ لِأَنَّهَا تُسَاوِي الرِّجْلَ فِيهِ عَلَى زَعْمِهِ لِكَوْنِهِ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَلَوْ قُطِعَ أَرْبَعَةٌ يَجِبُ عِشْرُونَ لِلتَّنْصِيفِ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَقَطْعُ الرَّابِعَةِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا، بَلْ يَسْقُطُ مَا وَجَبَ بِقَطْعِ الثَّالِثَةِ وَحِكْمَةُ الشَّارِعِ تُنَافِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ لَا تُوجِبُ شَيْئًا شَرْعًا وَأَقْبَحُ مِنْهُ أَنْ تُسْقِطَ مَا وَجَبَ بِغَيْرِهَا هَذَا مِمَّا يُحِيلُهُ الْعُقَلَاءُ بِالْبَدِيهَةِ؛ وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ يَعْتَبِرُ الْأَطْرَافَ بِالْأَنْفُسِ وَتَرَكَهُ هُنَا حَيْثُ نَصَّفَ دِيَةَ النَّفْسِ وَلَمْ يُنَصِّفْ دِيَةَ الْأَطْرَافِ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ . قَالَ ﵀ (وَدِيَةُ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ)، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» وَالْكُلُّ عِنْدَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «جَعَلَ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ» وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وَدَى الْعَامِرِيِّينَ اللَّذَيْنِ كَانَ لَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَقَالَ ﵊ دِيَةُ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ»، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانَا يَجْعَلَانِ دِيَةَ الذِّمِّيِّ مِثْلَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَفِي ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] دَلَالَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ ظَاهِرًا مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]؛ وَلِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُتَقَوِّمُونَ لِإِحْرَازِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالدَّارِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا مُلْحَقِينَ بِالْمُسْلِمِينَ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ بِقَتْلِهِمْ مَا يَجِبُ بِقَتْلِهِمْ أَنْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَمَّا كَانَتْ مَعْصُومَةً مُتَقَوِّمَةً يَجِبُ بِإِتْلَافِهَا مَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي أَمْوَالِهِمْ فَمَا ظَنُّك ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: لِلْفَاءِ فِي الْجَوَابِ)؛ لِأَنَّ بِدُخُولِ الْفَاءِ يُعْلَمُ أَنَّهُ جَزَاءُ الشَّرْطِ قَبْلَهُ وَجَزَاءُ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ جَزَاءً إلَّا إذَا كَانَ كَامِلًا فِي كَوْنِهِ جَزَاءً أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يُجْعَلُ قَوْلُهُ: فَأَنْتِ طَالِقٌ جَزَاءً كَامِلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ وَزَيْنَبُ طَالِقٌ أَيْضًا أَوْ وَعَبْدِي حُرٌّ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الضَّمَانِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالرَّضِيعُ فِي الْعَادَةِ هُوَ الَّذِي لَمْ تَتَبَيَّنْ سَلَامَةُ أَعْضَائِهِ حَتَّى جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَقَّدِ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي مَوْلُودٍ يُولَدُ فَقَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الذَّكَرُ قَدْ تَحَرَّكَ فَفِيهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ لِسَانَهُ، وَقَدْ اسْتَهَلَّ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَكَلَّمَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَكَذَلِكَ بَصَرُهُ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْصَرَ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ سَلِيمِ الْأَطْرَافِ وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّ سَلَامَةَ الْأَطْرَافِ لَمْ تَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ وَالْقَطْعُ يَحْسِمُ بَابَ حُدُوثِ السَّلَامَةِ فَصَارَ النُّقْصَانُ لَازِمًا فَوَجَبَ حُكُومَةُ الْعَدْلِ، وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَلَا يَحْسِمُ بَابَ السَّلَامَةِ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَ، ثُمَّ عَاشَ حَتَّى ظَهَرَتْ سَلَامَةُ أَعْضَائِهِ وَأَطْرَافِهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ لَمْ تَتَأَدَّ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: الْعَامِرِيِّينَ) كَذَا بِخَطِّهِ فَلْيُرَاجَعْ الْحَدِيثُ. اهـ. (قَوْلُهُ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ لَهُ أَحَادِيثُ رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ جَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالْفَضْلُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ أَسْلَمَ حِينَ انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أُحُدٍ وَكَانَ شُجَاعًا وَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى النَّجَاشِيِّ فِي زَوَاجِ أُمِّ حَبِيبَةَ وَإِلَى مَكَّةَ فَحَمَلَ خُبَيْبًا مِنْ خَشَبَتِهِ وَكَانَ مِنْ رِجَالِ الْعَرَبِ نَجْدَةً وَعَاشَ إلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ. اهـ. إصَابَةً لِابْنِ حَجَرٍ

стр. 1717

فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَا يُقَالُ إنَّ نَقْصَ الْكُفْرِ فَوْقَ نَقْصِ الْأُنُوثَةِ وَالرِّقِّ فَوَجَبَ أَنْ تُنْتَقَصَ دِيَتُهُ بِهِ كَمَا تُنْتَقَصُ بِالْأُنُوثَةِ وَالرِّقِّ؛ وَلِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ، فَإِذَا انْتَقَصَ بِأَثَرِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُنْتَقَصَ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نُقْصَانُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ لَا بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ الْأُنُوثَةِ وَالرِّقِّ، بَلْ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ بِالنِّكَاحِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ وَالْحُرُّ الذَّكَرُ يَمْلِكُهُمَا فَلِهَذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا وَالْكَافِرُ يُسَاوِي الْمُسْلِمَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَدَلُهُ كَبَدَلِهِ وَالْمُسْتَأْمِنُ دِيَتُهُ مِثْلُ دِيَةِ الذِّمِّيِّ فِي الصَّحِيحِ لِمَا رَوَيْنَا (فَصْلٌ) قَالَ ﵀ (فِي النَّفْسِ وَالْمَارِنِ وَاللِّسَانِ وَالذَّكَرِ وَالْحَشَفَةِ وَالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللِّحْيَةِ إنْ لَمْ تَنْبُتْ وَشَعْرِ الرَّأْسِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ وَالْحَاجِبَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهَا رُبْعُهَا وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ عُشْرُهَا وَمَا فِيهَا مَفَاصِلَ فَفِي أَحَدِهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ وَنِصْفُهَا لَوْ فِيهَا مِفْصَلَانِ وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ» وَمِثْلُهُ ذُكِرَ ﵊ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْبَعْضِ يَكُونُ وَارِدًا فِي الْبَاقِي دَلَالَةً؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْضَاءِ أَنَّهُ إذَا فَوَّتَ جِنْسَ مَنْفَعَةٍ عَلَى الْكَمَالِ أَوْ أَزَالَ جَمَالًا مَقْصُودًا فِي الْآدَمِيِّ عَلَى الْكَمَالِ يَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ إذْ النَّفْسُ لَا تَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَإِتْلَافُ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ مُلْحَقٌ بِالْإِتْلَافِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي الْآدَمِيِّ تَعْظِيمًا لَهُ دَلِيلُهُ مَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْأَعْضَاءُ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ فَمِنْهَا مَا هُوَ أَفْرَادٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُزْدَوَجٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ أَرْبَاعٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ أَعْشَارٌ وَمِنْهَا مَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ تَجِبُ الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمُزْدَوَجِ وَالْأَرْبَاعِ وَالْأَعْشَارِ كَذَلِكَ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ وَهُوَ مَقْصُودٌ، وَكَذَلِكَ إذَا قُطِعَ الْمَارِنُ وَهُوَ مَا دُونَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ أَوْ قَطَعَ الْأَرْنَبَةَ وَهُوَ طَرَفُ الْأَنْفِ أَوْ قَطَعَ الْمَارِنَ مَعَ الْقَصَبَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إزَالَةِ الْجَمَالِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى دِيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عُضْوٌ وَاحِدٌ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْكَمَالِ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الْأَنْفِ أَنْ تَجْتَمِعَ الرَّوَائِحُ فِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ لِتَعْلُوَ إلَى الدِّمَاغِ وَذَلِكَ يَفُوتُ بِقَطْعِ الْمَارِنِ، وَكَذَا إذَا قُطِعَ اللِّسَانُ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ وَهُوَ النُّطْقُ فَإِنَّ الْآدَمِيَّ يَمْتَازُ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَبِهِ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِقَوْلِهِ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ مَصَالِحِهِ إلَّا بِإِفْهَامِ غَيْرِهِ أَغْرَاضَهُ وَذَلِكَ يَفُوتُ بِقَطْعِهِ، وَكَذَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَطْعِ بَعْضِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ لَا لِتَفْوِيتِ صُورَةِ الْآلَةِ، وَقَدْ حَصَلَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْكَلَامِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ دُونَ الْبَعْضِ تُقَسَّمُ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ، وَقِيلَ عَلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ وَهِيَ التَّاءُ وَالثَّاءُ وَالْجِيمُ وَالدَّالُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ وَالزَّايُ وَالسِّينُ وَالشِّينُ وَالصَّادُ وَالضَّادُ وَالطَّاءُ وَالظَّاءُ وَاللَّامُ وَالنُّونُ وَالْيَاءُ فَمَا أَصَابَ الْفَائِتَ يَلْزَمُهُ وَلَا مَدْخَلَ لِلْحُرُوفِ الْحَلْقِيَّةِ فِيهِ وَهِيَ الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْغَيْنُ وَالْحَاءُ وَالْخَاءُ وَلَا الشَّفَوِيَّةِ وَهِيَ الْبَاءُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ، وَقِيلَ إنْ قَدَرَ عَلَى أَكْثَرِهَا تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِحُصُولِ الْإِفْهَامِ مَعَ الِاخْتِلَالِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الْأَكْثَرِ تَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْإِفْهَامُ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَسَّمَ الدِّيَةَ عَلَى الْحُرُوفِ فَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُرُوفِ أُسْقِطَ بِحِسَابِهِ مِنْ الدِّيَةِ وَمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَلْزَمَهُ بِحِسَابِهِ مِنْهَا، وَكَذَا الذَّكَرُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةٍ جَمَّةٍ مِنْ الْوَطْءِ وَالْإِيلَادِ وَاسْتِمْسَاكِ الْبَوْلِ وَالرَّمْيِ بِهِ وَدَفْقِ الْمَاءِ وَالْإِيلَاجِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الْأَعْلَاقِ عَادَةً، وَكَذَا فِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي مَنْفَعَةِ الْإِيلَاجِ وَالدَّفْقُ وَالْقَصَبَةُ كَالتَّابِعِ لَهُ، وَكَذَا فِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ إذَا ذَهَبَ بِالضَّرْبِ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بِهِ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَبِهِ يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالذَّوْقِ وَالشَّمِّ كَمَالُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: بِالنِّكَاحِ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ وَالظَّاهِرُ إسْقَاطُ الْبَاءِ [فَصْلٌ فِي النَّفْسِ وَالْمَارِنِ وَاللِّسَانِ] (فَصْلٌ). (قَوْلُهُ: وَالْيَدَيْنِ) مِنْ قَوْلِهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى قَوْلِهِ وَالرِّجْلَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي نُسَخِ الْمَتْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأَعْضَاءُ الَّتِي يَجِبُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا دِيَةٌ هِيَ ثَلَاثَةُ أَعْضَاءٍ اللِّسَانُ وَالْأَنْفُ وَالذَّكَرُ فَإِذَا اُسْتُوْعِبَ الْأَنْفُ جَدْعًا أَوْ قُطِعَ الْمَارِنُ مِنْهُ وَحْدَهُ وَهُوَ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ عَنْ الْعَظْمِ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَكَذَا إذَا اُسْتُوْعِبَ اللِّسَانُ أَوْ قُطِعَ مِنْهُ مَا يَذْهَبُ بِالْكَلَامِ كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ الذَّكَرُ إذَا اُسْتُوْعِبَ أَوْ قُطِعَتْ الْحَشَفَةُ كُلُّهَا فَفِيهِ الدِّيَةُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ اهـ

стр. 1718

ذَهَبَ بِهَا عَقْلُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَكَلَامُهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا يُعْرَفُ الذَّهَابُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ الْمُنْكِرُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا إذَا صَدَّقَهُ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، وَقِيلَ ذَهَابُ الْبَصَرِ يَعْرِفُهُ الِاطِّبَاءُ، فَيَكُونُ قَوْلُ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ عَدْلَيْنِ حُجَّةً فِيهِ، وَقِيلَ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الشَّمْسَ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ فَإِنْ دَمَعَتْ عَيْنُهُ عُلِمَ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ يُلْقَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَيَّةٌ فَإِنْ هَرَبَ مِنْهَا عُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَذْهَبْ وَإِنْ لَمْ يَهْرُبْ فَهِيَ ذَاهِبَةٌ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ السَّمْعِ أَنْ يُغَافَلَ، ثُمَّ يُنَادَى، فَإِذَا أَجَابَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ وَإِلَّا فَهُوَ ذَاهِبٌ وَرُوِيَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ أَنَّ امْرَأَةً ادَّعَتْ أَنَّهَا لَا تَسْمَعُ وَتَطَارَشَتْ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ فَاشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا فَجْأَةً غَطِّي عَوْرَتَك فَاضْطَرَبَتْ وَتَسَارَعَتْ إلَى جَمْعِ ثِيَابِهَا فَظَهَرَ كَذِبُهَا، وَكَذَا فِي اللِّحْيَةِ وَشَعْرِ الرَّأْسِ الدِّيَةُ إذَا حُلِقَ وَلَمْ يَنْبُتْ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ جَمَالًا عَلَى الْكَمَالِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ وَتَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْآدَمِيِّينَ وَلِهَذَا يَنْمُو بَعْدَ كَمَالِ الْخِلْقَةِ وَلِهَذَا يَحْلِقُ الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ بَعْضُهَا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الدِّيَةُ كَشَعْرِ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْفَعَةٌ وَلِهَذَا يَجِبُ فِي شَعْرِ الْعَبْدِ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ فِي الرَّأْسِ إذَا حُلِقَ وَلَمْ يَنْبُتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَالْمَوْقُوفُ فِي هَذَا كَالْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ فَلَا يَهْتَدِي إلَيْهِ الرَّأْيُ؛ وَلِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ جَمَالًا عَلَى الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ فِي أَوَانِهَا جَمَالٌ، وَكَذَا شَعْرُ الرَّأْسِ جَمَالٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يَتَكَلَّفُ فِي سَتْرِهِ فَيَلْزَمُهُ كَمَالُ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ جَمَالٌ قَوْلُهُ ﵊ «إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَسْبِيحُهُمْ سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى وَالنِّسَاءَ بِالْقُرُونِ وَالذَّوَائِبِ» بِخِلَافِ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَمَالُ، وَأَمَّا لِحْيَةُ الْعَبْدِ فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ كَمَالُ الْقِيمَةِ فَلَا يَلْزَمُنَا وَالْجَوَابُ عَنْ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَبْدِ الِاسْتِخْدَامُ دُونَ الْجَمَالِ وَهُوَ لَا يَفُوتُ بِالْحَلْقِ بِخِلَافِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ فِي حَقِّهِ الْجَمَالُ فَيَجِبُ بِفَوَاتِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي الشَّارِبِ حُكُومَةُ عَدْلٍ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلِّحْيَةِ فَصَارَ طَرَفًا مِنْ أَطْرَافِ اللِّحْيَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي لِحْيَةِ الْكَوْسَجِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى ذَقَنِهِ شَعَرَاتٌ مَعْدُودَةٌ، فَلَيْسَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا يَشِينُهُ وَلَا يُزَيِّنُهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْخَدِّ وَالذَّقَنِ جَمِيعًا وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا فَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَوْسَجٍ وَفِي لِحْيَتِهِ جَمَالٌ كَامِلٌ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا فَسَدَتْ الْمَنْبَتُ فَإِنْ نَبَتَ حَتَّى اسْتَوَى كَمَا كَانَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِفِعْلِ الْجَانِي أَثَرٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّرْبَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى أَثَرُهَا فِي الْبَدَنِ وَلَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ لِارْتِكَابِهِ الْمُحَرَّمَ، فَإِذَا نَبَتَ أَبْيَضَ فَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ يُزَادُ بِبَيَاضِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ يَشِينُهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ فَتَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ بِاعْتِبَارِهِ وَفِي الْعَبْدِ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَقَصُ بِهِ قِيمَتُهُ وَيَسْتَوِي الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي حَلْقِ الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ فَلَا يَثْبُتُ قِيَاسًا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً فَالنَّصُّ إنَّمَا وَرَدَ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحَاتِ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ بِهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ السِّرَايَةُ بِخِلَافِ النَّفْسِ وَالْجِرَاحَاتِ وَيُؤَجَّلُ فِيهِ سَنَةً فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ فِيهَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ وَلَمْ يَنْبُتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ مُزْدَوَجًا مِنْ الْأَعْضَاءِ كَالْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ فَفِي قَطْعِهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي قَطْعِ أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ»؛ وَلِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ اثْنَتَيْنِ مِنْهَا تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ تَفْوِيتَ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ فَتَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ وَفِي تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا تَفْوِيتُ نِصْفِ الْمَنْفَعَةِ فَيَجِبُ النِّصْفُ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْإِبْصَارِ وَالْبَطْشِ وَإِمْسَاكِ الطَّعَامِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَمَنْفَعَةُ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ وَفِي تَفْوِيتِ الرِّجْلَيْنِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ وَفِي الْأُذُنَيْنِ تَفْوِيتُ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ، وَقَدْ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأُذُنَيْنِ بِالدِّيَةِ» وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْإِمْنَاءِ وَالنَّسْلِ وَفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ تَفْوِيتُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَهْرُبْ فَهِيَ ذَاهِبَةٌ)، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا ذَكَرْنَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ وَالْقَوْلُ لِلْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ هَذَا يَمِينٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ إذْهَابُ بَصَرِ غَيْرِهِ. اهـ. مِعْرَاجٌ (قَوْلُهُ: قَوْلُهُ: ﷺ «إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَسْبِيحُهُمْ سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى») قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ اللِّحْيَةُ الشَّعْرُ النَّازِلُ عَلَى الذَّقَنِ وَالْجَمْعُ لِحَى مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدْرٍ وَتُضَمُّ اللَّامُ أَيْضًا مِثْلُ حِلْيَةٍ وَحُلَى اهـ

стр. 1719

مَنْفَعَةِ الْإِرْضَاعِ بِخِلَافِ ثَدْيَيْ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ فَيَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَفِي حَلَمَتَيْ الْمَرْأَةِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْإِرْضَاعِ وَإِمْسَاكِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِثَدْيِهَا حَلَمَةٌ يَتَعَذَّرُ عَلَى الصَّبِيِّ الِالْتِقَامُ عِنْدَ الِارْتِضَاعِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ فِي الْحَاجِبَيْنِ حُكُومَةُ عَدْلٍ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَرَيَانِ وُجُوبَ الدِّيَةِ فِي الشَّعْرِ، وَعِنْدَنَا يَجِبُ فِيهِمَا الدِّيَةُ لِتَفْوِيتِ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَرْبَاعًا فَهِيَ أَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ فَفِيهَا الدِّيَةُ إذَا قَلَعَهَا وَلَمْ تَنْبُتْ وَفِي أَحَدِهَا رُبْعُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَمَالُ عَلَى الْكَمَالِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا دَفْعُ الْأَذَى وَالْقَذَى مِنْ الْعَيْنِ وَتَفْوِيتُ ذَلِكَ يُنْقِصُ الْبَصَرَ وَيُورِثُ الْعَمَى، فَإِذَا وَجَبَ فِي الْكُلِّ الدِّيَةُ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَجَبَ فِي الْوَاحِدِ مِنْهَا رُبْعُ الدِّيَةِ وَفِي الِاثْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْأَشْفَارِ حُرُوفَ الْعَيْنَيْنِ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْأَهْدَابَ وَسَمَّاهَا أَشْفَارًا تَسْمِيَةً لِلْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحَلِّ وَمِثْلُهُ سَائِغٌ لُغَةً كَمَا يُقَالُ سَالَ الْمِيزَابُ وَسَالَ الْوَادِي وَهُوَ لَا يَسِيلُ وَإِنَّمَا الْمَاءُ هُوَ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً إذَا لَمْ تَنْبُتْ فَأَرَادَ بِهِ الشَّعْرَ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ هُوَ الَّذِي يَنْبُتُ دُونَ الْجُفُونِ وَأَيُّهُمَا أُرِيدَ كَانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّعْرِ وَمَنَابِتِهِ دِيَةً كَامِلَةً فَلَا يَخْتَلُّ الْمَعْنَى، وَلَوْ قَطَعَ الْجُفُونَ بِأَهْدَابِهَا تَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْفَارَ مَعَ الْجُفُونِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْمَارِنِ مَعَ الْقَصَبَةِ وَالْمُوضِحَةِ مَعَ الشَّعْرِ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَعْشَارًا كَالْأَصَابِعِ فَفِي قَطْعِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ كُلُّ الدِّيَةِ وَفِي قَطْعِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عُشْرُ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ»؛ وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْكُلِّ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ أَوْ الْبَطْشِ وَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَهِيَ عَشَرَةٌ فَتُقَسَّمُ الدِّيَةُ عَلَيْهَا وَالْأَصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ فِي أَصْلِ الْمَنْفَعَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ فِيهَا كَالْأَسْنَانِ وَالْيَدِ الْيُمْنَى مَعَ الْيُسْرَى وَكُلُّ أُصْبُعٍ فِيهَا ثَلَاثَةُ مَفَاصِلَ فَفِي أَحَدِهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثَهَا وَمَا فِيهَا مِفْصَلَانِ كَالْإِبْهَامِ فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُهَا وَهُوَ نَظِيرُ انْقِسَامِ دِيَةِ الْيَدِ عَلَى الْأَصَابِعِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَمَا فِيهَا مَفَاصِلُ فَفِي أَحَدِهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ وَنِصْفُهَا لَوْ فِيهَا مِفْصَلَانِ، وَأَمَّا مَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فَالْأَسْنَانُ فَفِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَهُوَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَهِيَ كُلُّهَا سَوَاءٌ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلِمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَالْأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ؛ وَلِأَنَّ الْكُلَّ فِي أَصْلِ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ فَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ فِيهِ كَالْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ وَلَئِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ فَفِي الْآخَرِ زِيَادَةُ الْجَمَالِ فَاسْتَوَيَا فَتُزَادُ دِيَةُ هَذَا الطَّرَفِ عَلَى دِيَةِ النَّفْسِ بِثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا عِشْرُونَ ضِرْسًا وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ وَأَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ ضَوَاحِكَ، فَإِذَا وَجَبَ فِي الْوَاحِدَةِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ يَجِبُ فِي الْكُلِّ دِيَةٌ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ هَذَا إذَا كَانَ خَطَأً وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ . قَالَ ﵀ (وَكُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَ نَفْعُهُ فَفِيهِ دِيَةٌ كَيَدٍ شُلَّتْ وَعَيْنٍ ذَهَبَ ضَوْءُهَا) أَيْ إذَا ضَرَبَ عُضْوًا فَذَهَبَ نَفْعُهُ بِضَرْبِهِ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا إذَا ضَرَبَ يَدَهُ فَشُلَّتْ بِهِ أَوْ عَيْنَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُهَا بِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا زَالَتْ مَنْفَعَتُهُ كُلُّهَا وَجَبَ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ كُلُّهُ وَلَا عِبْرَةَ لِلصُّورَةِ بِدُونِ الْمَنْفَعَةِ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً فَلَا يَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الْأَرْشِ إلَّا إذَا تَجَرَّدَتْ عِنْدَ الْإِتْلَافِ بِأَنْ أَتْلَفَ عُضْوًا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: إذَا لَمْ تَنْبُتْ) ضَبَطَهُ فِي الْمُغْرِبِ بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ الْإِنْبَاتِ أَيْ إذَا لَمْ تَنْبُتُ الْأَشْفَارُ الْأَهْدَابُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا) فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ فِي كُلِّ سِنٍّ رُبْعُ ثُمْنِ الدِّيَةِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الْعُشْرِ فَيَخْطِرُ بِبَالِي أَنَّ عَدَدَ الْأَسْنَانِ وَإِنْ كَانَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ سِنًّا فَالْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ أَسْنَانُ الْحُلُمِ قَدْ لَا تَنْبُتُ لِبَعْضِ النَّاسِ، وَقَدْ يَنْبُتُ لِبَعْضِ النَّاسِ بَعْضُهَا وَلِلْبَعْضِ كُلُّهَا فَالْعَدَدُ الْأَوْسَطُ لِلْأَسْنَانِ ثَلَاثُونَ، ثُمَّ لِلْأَسْنَانِ مَنْفَعَتَانِ الزِّينَةُ وَالْمَضْغُ فَإِذَا سَقَطَ سِنٌّ تَبْطُلُ مَنْفَعَتُهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَنِصْفُ مَنْفَعَةِ السِّنِّ الَّتِي تُقَابِلُهَا وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْمَضْغِ وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ الْآخَرُ وَهُوَ الزِّينَةُ بَاقِيًا، وَإِذَا كَانَ الْعَدَدُ الْأَوْسَطُ ثَلَاثِينَ فَمَنْفَعَةُ السِّنِّ الْوَاحِدَةِ ثُلُثُ الْعُشْرِ وَنِصْفُ مَنْفَعَةِ السِّنِّ الْأُخْرَى الَّتِي تُقَابِلُهَا سُدُسُ الْعُشْرِ وَمَجْمُوعُهُمَا نِصْفُ الْعُشْرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ اهـ. شَرْحُ وِقَايَةٍ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الدِّينِ قَاسِمٌ فِي كِتَابِ التَّصْحِيحِ أَخَذَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي الْأَسْنَانِ كُلِّهَا دِيَةً وَاحِدَةً كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَهُوَ غَلَطٌ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَفِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا حَتَّى سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ كُلُّهَا وَهِيَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ كَانَ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي السَّنَةِ الْأُولَى ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثٌ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَثُلُثٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَمَا بَقِيَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَهُوَ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ اهـ، وَذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ وَالْمُحِيطِ وَالْمَبْسُوطِ، وَقَالَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى سِتَّةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ سِتَّةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَأَسْنَانُ الْكَوْسَجِ قَالُوا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ فَتَجِبُ دِيَةٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَهَذَا غَيْرُ جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ فِي الْأَعْضَاءِ إلَّا أَنَّ الْمَرْجِعَ النَّصُّ. اهـ.

стр. 1720

ذَهَبَ مَنْفَعَتُهُ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جَمَالٌ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ أَوْ أَرْشُهُ كَامِلًا إنْ كَانَ فِيهِ جَمَالٌ كَالْأُذُنِ الشَّاخِصَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْجَمَالِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ أَعْتِبَارُهُمَا مَعَهَا، بَلْ يَكُونُ تَبَعًا لَهَا، فَيَكُونُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ هِيَ الْمَنْفَعَةُ فَقَطْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَرْشٌ، ثُمَّ إذَا انْفَرَدَ بِالْإِتْلَافِ يَكُونُ لَهُ أَرْشٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَبَعٌ لِلنَّفْسِ فَلَا يَكُونُ لَهَا أَرْشٌ إذَا تَلِفَتْ مَعَهَا، وَإِذَا انْفَرَدَتْ بِالْإِتْلَافِ كَانَ لَهَا أَرْشٌ، وَمَنْ ضَرَبَ صُلْبَ رَجُلٍ فَانْقَطَعَ مَاؤُهُ تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةٍ كَامِلَةٍ وَهِيَ مَنْفَعَةُ النَّسْلِ، وَكَذَا لَوْ أَحْدَبَهُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ جَمَالَ الْآدَمِيِّ فِي كَوْنِهِ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ، وَقِيلَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وَلَوْ زَالَتْ الْحَدَبَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِزَوَالِهَا لَا عَنْ أَثَرٍ، وَلَوْ بَقِيَ أَثَرُ الضَّرْبَةِ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِبَقَاءِ الشَّيْنِ بِبَقَاءِ أَثَرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ] (فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ) الشِّجَاجُ عَشَرَةٌ الْحَارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ أَيْ تَخْدِشُهُ وَلَا تُخْرِجُ الدَّمَ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ أَيْ شَقَّهُ فِي الدَّقِّ، وَالدَّامِعَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ وَلَا تُسَيِّلُهُ كَالدَّمْعِ فِي الْعَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنْ الدَّمْعِ فَسُمِّيَتْ بِهَا؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّمْعِ مِنْ الْمُقْلَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ عَيْنَهُ تَدْمَعُ بِسَبَبِ أَلَمٍ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ وَفِي الْمُحِيطِ الدَّامِعَةُ هِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يُشْبِهُ الدَّمْعَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ دَمْعِ الْعَيْنَيْنِ وَالدَّامِيَةُ وَهِيَ الَّتِي تُسَيِّلُ الدَّمَ، وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ الدَّامِيَةَ هِيَ الَّتِي تُدْمِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا دَمٌ هُوَ الصَّحِيحُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَالدَّامِعَةُ هِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ كَدَمْعِ الْعَيْنِ، وَمَنْ قَالَ إنَّ صَاحِبَهَا تَدْمَعُ عَيْنَاهُ مِنْ الْأَلَمِ فَقَدْ أَبْعَدَ وَالْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ الْجِلْدَ أَيْ تَقْطَعُهُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَضْعِ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ وَمِنْهُ مِبْضَعُ الْفَصَّادِ وَالْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ فَتَقْطَعُهُ كُلَّهُ، ثُمَّ يَتَلَاحَمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ يَلْتَئِمُ وَيَتَلَاصَقُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا عَلَى مَا تَؤُولُ إلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ قَبْلَ الْبَاضِعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ الْتَحَمَ الشَّيْئَانِ إذَا اتَّصَلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَالْمُتَلَاحِمَةُ مَا تُظْهِرُ اللَّحْمَ وَلَا تُقَطِّعُهُ وَالْبَاضِعَةُ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا تُقَطِّعُهُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمُتَلَاحِمَةُ تَعْمَلُ فِي قَطْعِ أَكْثَرِ اللَّحْمِ وَهِيَ بَعْدَ الْبَاضِعَةِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ الْمُتَلَاحِمَةُ أَيْ الْقَاطِعَةُ لِلَّحْمِ وَالِاخْتِلَافُ الَّذِي وُجِدَ فِي الشِّجَاجِ رَاجِعٌ إلَى مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ لَا إلَى الْحُكْمِ وَالسِّمْحَاقُ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى السِّمْحَاقِ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَعَظْمِ الرَّأْسِ وَالْمُوضِحَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ أَيْ تُبَيِّنُهُ وَالْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعَظْمَ وَالْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الْكَسْرِ أَيْ تُحَوِّلُهُ وَالْآمَّةُ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَأُمُّ الدِّمَاغِ هِيَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ وَبَعْدَ الْآمَّةِ شَجَّةٌ تُسَمَّى الدَّامِغَةَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ لَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ ﵀؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَبْقَى بَعْدَهَا عَادَةً، فَيَكُونُ قَتْلًا وَلَا يَكُونُ مِنْ الشِّجَاجِ وَالْكَلَامِ فِي الشِّجَاجِ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْحَارِصَةَ وَالدَّامِعَةَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْقَى لَهُمَا فِي الْغَالِبِ أَثَرٌ وَهَذِهِ الشِّجَاجُ تَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ لُغَةً وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِمَا يُسَمَّى جِرَاحَةً فَهَذَا هُوَ حَقِيقَتُهُ وَالْحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يَجِبُ بِالْجِرَاحَةِ مَا يَجِبُ بِالشَّجَّةِ مِنْ الْمُقَدَّرِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالنَّقْلِ وَهُوَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الشِّجَاجِ وَهُوَ يَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ الْمُقَدَّرُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُ الْجِرَاحَةِ بِهَا دَلَالَةً وَلَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهَا فِي الشَّيْنِ؛ لِأَنَّ شِجَاجَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ يَظْهَرَانِ فِي الْغَالِبِ وَغَيْرُهُمَا مَسْتُورٌ غَالِبًا فَلَا يَظْهَرُ وَاخْتَلَفُوا فِي اللَّحْيَيْنِ فَعِنْدَنَا هُمَا مِنْ الْوَجْهِ فَيَتَحَقَّقُ الشِّجَاجُ فِيهِمَا فَيَجِبُ فِيهِمَا مُوجِبُهَا خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ ﵀ هُوَ يَقُولُ إنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ لَا تَقَعُ بِهِمَا وَنَحْنُ نَقُولُ هُمَا يَتَّصِلَانِ بِالْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُوَاجَهَةِ فَصَارَا كَالذَّقَنِ؛ لِأَنَّهُمَا تَحْتَهُ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ أَنْ يُفْتَرَضَ غَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُمَا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ هُنَا فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ. قَالَ ﵀ (وَفِي الْمُوضِحَةِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَفِي الْهَاشِمَةِ عُشْرُهَا وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ وَفِي الْآمَّةِ وَالْجَائِفَةِ ثُلُثُهَا فَإِنْ نَفَذَتْ الْجَائِفَةُ فَثُلُثَاهَا) لِمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ). (قَوْلُهُ: فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ الْمُقَدَّرُ بِهَا) أَيْ بِالشِّجَاجِ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ
следующие страницы →