← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 23023

تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي

الفخر الزيلعي

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قَالَ ﵀ (فَلَوْ أَتَمَّ وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ صَحَّ) أَيْ أَتَمَّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقَعَدَ فِي الْأُولَيَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ صَحَّ فَرْضُهُ وَالْأُخْرَيَانِ لَهُ نَافِلَةٌ اعْتِبَارًا بِالْفَجْرِ وَيَصِيرُ مُسِيئًا لِتَأْخِيرِهِ السَّلَامَ قَالَ ﵀ (وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ لَا يَصِحُّ فَرْضُهُ لِاخْتِلَاطِ النَّافِلَةِ بِالْفَرْضِ قَبْلَ إكْمَالِهِ هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ وَأَمَّا إذَا نَوَاهَا بَعْدَ مَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ صَحَّ فَرْضُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا بِالنِّيَّةِ فَانْقَلَبَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا وَتَرْكُ الْقَعْدَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ غَيْرُ مُفْسِدٍ فِي حَقِّهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ صَحَّ فَرْضُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِمَا قُلْنَا قَالَ ﵀ (حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ إقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ بِبَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ). وَهَذَا الْكَلَامُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ وَإِلَّا لَا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ لَا يَصِحُّ فَرْضُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ لِكَوْنِهِ مُقِيمًا وَالثَّانِيَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مَنْ جَاوَزَ بُيُوتَ مِصْرِهِ مُرِيدًا سَيْرًا إلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ مِصْرِهِ قَصَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مِصْرِهِ فَيَدْخُلُهُ أَوْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالُوا: إنَّمَا يُشْتَرَطُ دُخُولُ الْمِصْرِ لِلْإِتْمَامِ إذَا سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَسِرْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيُتِمُّ بِمُجَرَّدِ الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ؛ لِأَنَّهُ نَقَضَ السَّفَرَ قَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ إذْ هُوَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَالتَّقْيِيدُ بِالْبَلَدِ وَالْقَرْيَةِ يَنْفِي صِحَّةَ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِمَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ صَالِحٍ لَهَا هَذَا إذَا سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَسِرْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ بَلْ تَصِحُّ، وَلَوْ فِي الْمَفَازَةِ وَقَدَّرَ الْإِقَامَةَ بِنِصْفِ شَهْرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا قَدِمْت بَلْدَةً وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَفِي نَفْسِك أَنْ تُقِيمَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكْمِلْ صَلَاتَك، وَإِنْ كُنْت لَا تَدْرِي مَتَى تَظْعَنُ فَاقْصِرْهَا وَالْأَثَرُ فِي الْمُقَدَّرَاتِ كَالْخَبَرِ إذْ الرَّأْيُ لَا يُهْتَدَى إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ مُطْلَقِ اللُّبْثِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَعْرَى عَنْهُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَكُونَ مُسَافِرًا أَبَدًا فَقَدَّرْنَاهَا بِمُدَّةِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ كَمَا قَدَّرْنَا الْحَيْضَ وَالسَّفَرَ بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] لَا يُعَاقَبُ، وَلَوْ أَتَى بِمِثْلِهِ يُثَابُ وَيَقَعُ فَرْضًا قُلْنَا الزَّائِدُ عَلَى آيَتَيْنِ وَثَلَاثٍ إنَّمَا يَقَعُ فَرْضًا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَأْمُورِ لِحُصُولِ الِامْتِثَالِ بِهِ وَلَكِنْ لَوْ أَتَى بِالزِّيَادَةِ يَقَعُ فَرْضًا لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ وَيَتَنَاوَلُ مُطْلَقَ الْأَمْرِ إيَّاهَا عَلَى مَا عُرِفَ تَحْقِيقُهُ فِي الْأُصُولِ فَالْأَمْرُ بِالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَمَا وُجِدَ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ يَكُونُ فَرْضًا، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالظُّهْرِ غَيْرُ مُطْلَقٍ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِالْأَرْبَعِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَبِالرَّكْعَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِرَكْعَةٍ لَا يَجُوزُ مَعَ أَنَّهَا صَلَاةٌ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ لَا يَجُوزُ عَنْ الْفَرْضِ، ثُمَّ لَمَّا تَعَيَّنَتْ الرَّكْعَتَانِ لِلْفَرْضِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَبْقَ الْأَرْبَعُ فَرْضًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا أَحَدَهُمَا أَمَّا الصَّوْمُ فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ الْأَمْرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَالْمَأْمُورُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ شَيْءٌ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ بِالْإِفْطَارِ فَلَا يُعَاقَبُ بِالتَّرْكِ. وَلَوْ أَتَى بِهِ يَقَعُ فَرْضًا وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَإِنَّمَا لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ فَأَمَّا إذَا تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ فَقَدْ حَدَثَتْ لَهُ الِاسْتِطَاعَةُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْبَدَنِ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ فَيَقَعُ مَا أَدَّى فَرْضًا كَمَا لَوْ صَارَ غَنِيًّا كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ، وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ، وَفِي الْمُحِيطِ اُخْتُلِفَ فِي السُّنَنِ وَلَا قَصْرَ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ تَخْفِيفًا، وَهُوَ فِي الْفَرَائِضِ بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَقِيلَ: التَّرْكُ أَفْضَلُ تَرَخُّصًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ تَرْكُهَا وَقِيلَ الْفِعْلُ أَفْضَلُ تَقَرُّبًا وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ حَالَ النُّزُولِ الْفِعْلُ أَفْضَلُ وَحَالَ السَّيْرِ التَّرْكُ أَفْضَلُ وَقِيلَ: يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ لِقُوَّتِهَا وَقِيلَ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ أَيْضًا، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَا بَأْس بِتَرْكِ السُّنَنِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ أَفْضَلُ وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ حَالَ السَّيْرِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمُكْثُ لِأَدَائِهَا، وَفِي الْمُجْتَبَى عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ لَوْ افْتَتَحَهَا الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْأَرْبَعِ أَعَادَ حَتَّى يَفْتَتِحَهَا بِنِيَّةِ الرَّكْعَتَيْنِ قَالَ الرَّازِيّ، وَهُوَ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى أَرْبَعًا فَقَدْ خَالَفَ فَرْضَهُ كَنِيَّةِ الْفَجْرِ أَرْبَعًا، وَلَوْ نَوَاهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَوَاهَا أَرْبَعًا بَعْدَ الِافْتِتَاحِ فَهِيَ مُلْغَاةٌ كَمَنْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ، ثُمَّ نَوَى الْعَصْرَ. اهـ. مِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ. (قَوْلُهُ وَيَصِيرُ مُسِيئًا لِتَأْخِيرِهِ السَّلَامَ إلَخْ إذْ السَّلَامُ وَاجِبٌ وَلِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فِي النَّفْلِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ صَحَّ فَرْضُهُ) أَيْ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. اهـ. كَاكِيٌّ وَالْخِلَافُ مَذْكُورٌ فِي الْمَجْمَعِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ نِصْفَ شَهْرٍ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ) ظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ فَيَنْوِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَنِيَّتُهُ الْإِقَامَةُ بِالْقَرْيَةِ وَالْبَلَدِ مُتَحَقِّقَةٌ حَالَ سَفَرِهِ إلَيْهَا قَبْلَ دُخُولِهَا لَكِنْ تَرَكَهُ لِظُهُورِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ فِي الْمَفَازَةِ إلَخْ) حَتَّى إنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ فِطْرَهُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ يَوْمَانِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَضَ السَّفَرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ لِاحْتِمَالِهِ النَّقْضَ إذَا لَمْ يَسْتَحْكِمْ إذْ لَمْ يَتِمَّ عِلَّةً فَكَانَتْ الْإِقَامَةُ نَقْضًا لِلْعَارِضِ لَا ابْتِدَاءَ عِلَّةِ الْإِتْمَامِ، وَلَوْ قِيلَ الْعِلَّةُ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا اسْتِكْمَالَ سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ السَّفَرِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ الْعِلَّةُ لِحُكْمِ السَّفَرِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ احْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ. اهـ. فَتْحٌ أَيْ احْتَاجَ مَنْ قَالَ: الْعِلَّةُ اسْتِكْمَالُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَى الْجَوَابِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْأَثَرُ إلَخْ) قَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فَقَدَّرْنَاهَا لِمُدَّةِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ فَهَذَا قَوْلٌ قِيَاسٌ أَصْلُهُ مُدَّةُ السَّفَرِ، وَالْعِلَّةُ كَوْنُهَا مُوجِبَةَ مَا كَانَ سَاقِطًا وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ وَهِيَ الْفَرْعُ فَاعْتُبِرَتْ كَمِّيَّتُهَا بِهَا، وَهُوَ الْحُكْمُ وَإِصْلَاحُهُ بِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ التَّقْدِيرِ بِالْخَبَرِ وَجَدْنَاهُ عَلَى وَفْقِ صُورَةِ قِيَاسٍ ظَاهِرٍ فَرَجَّحْنَا بِهِ الْمَرْوِيَّ عَنْ

стр. 212

مُسْقِطَتَانِ. قَالَ ﵀ (لَا بِمَكَّةَ وَمِنًى) أَيْ لَا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ وَمِنًى حَيْثُ لَا يُتِمُّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ إذْ لَوْ جَازَتْ فِي مَكَانَيْنِ لَجَازَتْ فِي أَمَاكِنَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّ السَّفَرَ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْمُسَافِرِ فِي الْمَرَاحِلِ لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَكْثَرَ إلَّا إذَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ فِي اللَّيْلِ فِي أَحَدِهِمَا فَيَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْمَرْءِ تُضَافُ إلَى مَبِيتِهِ يُقَالُ فُلَانٌ يَسْكُنُ فِي حَارَةِ كَذَا، وَإِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ فِي الْأَسْوَاقِ هَذَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ أَصْلًا بِنَفْسِهِ كَمَا ذَكَرَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ بِأَنْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ قَرِيبَةً مِنْ الْمِصْرِ بِحَيْثُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى سَاكِنِهَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِ أَحَدِهِمَا أَيِّهِمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ كَمَوْطِنٍ وَاحِدٍ. قَالَ ﵀ (وَقَصَرَ إنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ وَبَقِيَ سِنِينَ) أَيْ قَصَرَ إنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَقُولُ غَدًا أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَهُ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سِنِينَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ السَّفَرَ لَا يَعْرَى عَنْهُ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِدُونِ عَزِيمَتِهِ. قَالَ ﵀ (أَوْ نَوَى عَسْكَرٌ ذَلِكَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَإِنْ حَاصَرُوا مِصْرًا أَوْ حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِنَا فِي غَيْرِهِ) قَوْلُهُ أَوْ نَوَى عَسْكَرٌ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْهُ مَعْنَاهُ قَصَرَ إنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ نَوَى عَسْكَرٌ ذَلِكَ أَيْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَلَوْ حَاصَرُوا مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِهِمْ أَوْ حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ يُخَالِفُ عَزِيمَتَهُمْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْقَرَارِ وَالْفِرَارِ فَصَارَ كَالْمَفَازَةِ وَالْجَزِيرَةِ وَالسَّفِينَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ تَصِحُّ نِيَّتُهُمْ فِي الْوَجْهَيْنِ إذَا كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِقْرَارِ ظَاهِرًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ إذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ الْمَدَرِ، وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّرَدُّدِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِيمَنْ دَخَلَ بَلْدَةً لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَنَوَى إقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ مُقِيمًا؛ لِأَنَّهُ إنْ قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ يَخْرُجُ مِنْهُ. قَالَ ﵀ (بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ) يَعْنِي حَيْثُ تَصِحُّ مِنْهُمْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانُوا فِي الْمَفَازَةِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا بِمَكَّةَ وَمِنًى إلَخْ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ كَمَالًا، وَلَوْ اُعْتُبِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ لَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا فِي مَوَاضِعَ، وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَخْلُو عَنْهُ السَّفَرُ فَلَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُ الرُّخْصَةِ حِينَئِذٍ فَلَوْ نَوَى الْمَبِيتَ فِي أَحَدِهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُقِيمًا بِالْمَبِيتِ فِي أَحَدِهِمَا وَذَكَرَ فِي الْمَنَاسِكِ أَنَّ الْحَاجَّ إذَا دَخَلَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ مَكَّةَ وَنَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ دَخَلَ قَبْلَ أَيَّامِ الْعَشْرِ لَكِنْ بَقِيَ إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِأَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَنَوَى الْإِقَامَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَاتٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَا يَصِحُّ قِيلَ: كَانَ سَبَبُ تَفَقُّهِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِطَلَبِ الْحَدِيثِ قَالَ فَدَخَلْت مَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ صَاحِبٍ لِي وَعَزَمْت عَلَى الْإِقَامَةِ شَهْرًا فَجَعَلْت أُتِمُّ الصَّلَاةَ فَلَقِيَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ أَخْطَأْت فَإِنَّك تَخْرُجُ إلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ فَلَمَّا رَجَعْت إلَى مِنًى بَدَا لِصَاحِبِي أَنْ يَخْرُجَ وَعَزَمْت عَلَى أَنْ أُصَاحِبَهُ فَجَعَلْت أَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لِي صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَخْطَأْت فَإِنَّك مُقِيمٌ بِمَكَّةَ فَمَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا لَا تَصِيرُ مُسَافِرًا فَقُلْت فِي نَفْسِي أَخْطَأْت فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَنْفَعْنِي مَا جَمَعْت مِنْ الْأَخْبَارِ فَدَخَلْت مَسْجِدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَاشْتَغَلْت بِالْفِقْهِ مِنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِأَبِي الْبَقَاءِ ﵀ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ. اهـ. ابْنُ فِرِشْتَا. (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ وَبَقِيَ سِنِينَ إلَخْ)؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَقَامَ بِأَذَرْبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ ذَلِكَ. اهـ. هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ نَوَى عَسْكَرٌ ذَلِكَ إلَخْ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ، وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُسْتَأْمِنًا وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي دَارِهِمْ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَالْأَسِيرُ إذَا انْفَلَتَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ وَتَوَطَّنَ فِي غَارٍ أَوْ سَرَبٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ إلَخْ) أَمَّا إذَا حَاصَرُوهُمْ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ تَصِحُّ نِيَّتُهُمْ لِلْإِقَامَةِ بِلَا خِلَافٍ اهـ ع (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ يُخَالِفُ عَزِيمَتَهُمْ)؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ تِلْكَ الْعَزِيمَةِ مُوَطَّنُونَ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ هُزِمُوا قَبْلَ تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ أَمْرٌ مُجَوَّزٌ لَمْ يُقِيمُوا، وَهَذَا مَعْنَى قِيَامِ التَّرَدُّدِ فِي الْإِقَامَةِ فَلَمْ تُقْطَعْ النِّيَّةُ عَلَيْهَا وَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ قَطْعِ النِّيَّةِ مِنْ قَطْعِ الْقَصْدِ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ وُصُولِ الْمَدَدِ إلَى الْعَدُوِّ وَوُجُودِ مَكِيدَةٍ مِنْ الْقَلِيلِ يُهْزَمُ بِهَا الْكَثِيرُ قَائِمٌ، وَذَلِكَ بِمَنْعِ قَطْعِ الْقَصْدِ؛ وَلِهَذَا يُضَعَّفُ تَعْلِيلُ أَبِي يُوسُفَ الصِّحَّةَ إذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ الْمَدَرِ لَا إنْ كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ بُيُوتِ الْمَدَرِ لَيْسَ عَلَى ثُبُوتِ الْإِقَامَةِ بَلْ مَعَ النِّيَّةِ وَلَمْ تُقْطَعْ. اهـ. كَمَالٌ قَوْلُهُ الصِّحَّةُ أَيْ صِحَّةُ النِّيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَصَارَ كَالْمَفَازَةِ) أَيْ فَصَارَ الْمِصْرُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ الْفَتْحِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ كَالْمَفَازَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ إقَامَةٍ قَبْلَ الْفَتْحِ. اهـ. (قَوْلُهُ تَصِحُّ بِنِيَّتِهِمْ فِي الْوَجْهَيْنِ إلَخْ) أَيْ فِي مُحَاصَرَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَفِي مُحَاصَرَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ. اهـ. (قَوْلُهُ تَصِحُّ إذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ إلَخْ)؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إقَامَةٍ. اهـ. هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ) أَيْ كَالْأَعْرَابِ وَالْأَتْرَاكِ وَالرِّعَاءِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَالْأَخْبِيَةُ جَمْعُ خِبَاءٍ، وَهُوَ بَيْتُ الشَّعْرِ اهـ ع (قَوْلُهُ يَعْنِي حَيْثُ تَصِحُّ مِنْهُمْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ إلَخْ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اهـ. هِدَايَةٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَعَلَّلَ فِيهِ بِوَجْهَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ إلَخْ) وَالسَّفَرَ عَارِضٌ فَحَمْلُهُمْ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى وَالثَّانِي أَنَّ السَّفَرَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ النِّيَّةِ إلَى مَكَان إلَيْهِ مُدَّةُ السَّفَرِ وَهُمْ لَا يَنْوُونَ ذَلِكَ قَطُّ بَلْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَاءٍ إلَى مَاءٍ وَمِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى فَكَانُوا مُقِيمِينَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي التُّحْفَةِ الْأَعْرَابُ وَالْأَكْرَادُ وَالتَّرَاكِمَةُ وَالرِّعَاءُ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ فِي بُيُوتِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ مُقِيمُونَ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُمْ الْمَفَاوِزُ عَادَةً وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَفِي الْمُحِيطِ

стр. 213

فَلَا تَبْطُلُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى بِخِلَافِ الْعَسْكَرِ. قَالَ ﵀ (وَإِنْ اقْتَدَى مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ فِي الْوَقْتِ صَحَّ وَأَتَمَّ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ فَيَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إلَى أَرْبَعٍ كَمَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ لِاتِّصَالِ الْمُغَيَّرِ بِالسَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لُزُومَ الْأَرْبَعِ لِلْمُتَابَعَةِ وَقَدْ زَالَتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ، ثُمَّ أَفْسَدَ حَيْثُ يَلْزَمُهُ الْأَرْبَعُ؛ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ الْتَزَمَ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَصْدًا وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَلْتَزِمْ قَصْدًا وَإِنَّمَا قَصَدَ إسْقَاطَ الْفَرْضِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَتَغَيَّرَ فَرْضُهُ حُكْمًا لِلْمُتَابَعَةِ وَقَدْ زَالَتْ قَالَ ﵀ (وَبَعْدَهُ لَا) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الْوَقْتِ لِانْقِضَاءِ السَّبَبِ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَيَكُونُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ التَّحْرِيمَةِ. قَالَ ﵀ (وَبِعَكْسِهِ صَحَّ فِيهِمَا) أَيْ بِعَكْسِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ اقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ جَازَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ وَهُوَ اقْتِدَاءُ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ أَمَّا جَوَازُهُ فِي الْوَقْتِ فَلِأَنَّهُ «﵊ صَلَّى بِمَكَّةَ بِأَهْلِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُسَافِرٌ فَقَالَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ كُلُّ مُسَافِرٍ صَلَّى بِمُقِيمٍ اقْتِدَاءً بِهِ ﵊ وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فَرْضٌ فِي حَقِّهِ نَفْلٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَبِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ جَائِزٌ وَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ صَلَاتَهُ أَقْوَى مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ أَتَمَّ الْمُقِيمُونَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَمَّا إذَا ارْتَحَلُوا عَنْ مَوْضِعِ إقَامَتِهِمْ فِي الصَّيْفِ وَقَصَدُوا مَوْضِعًا آخَرَ لِلْإِقَامَةِ فِي الشِّتَاءِ وَبَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْمُجْتَبَى ذَكَرَ الْبَقَّالِيُّ الْمَلَّاحُ مُسَافِرٌ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُهُ وَحَالُهُ فِي السَّفِينَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَفِينَتُهُ لَيْسَتْ بِوَطَنٍ لَهُ إلَّا عِنْدَ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ، وَفِي الْمُحِيطِ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَالْمَلَّاحُ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ وَطَنِهِ. اهـ. مِعْرَاجٌ (قَوْلُهُ فَلَا تَبْطُلُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى) يَعْنِي هُمْ لَا يَقْصِدُونَ سَفَرًا بَلْ الِانْتِقَالَ مِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى، وَهَذَا؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ الْمَقَامُ فِي الْمَفَاوِزِ فَكَانَتْ فِي حَقِّهِمْ كَالْقُرَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْقُرَى. اهـ. فَتْحٌ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ أَمَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بَلْ هُوَ مُسَافِرٌ فَلَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَرْعًى أَوْ جَزِيرَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ صَحَّ وَأَتَمَّ) أَيْ سَوَاءٌ اقْتَدَى بِهِ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ كُلِّهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ إنْ أَدْرَكَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَةً لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ خَلْفَ الْمُقِيمِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِاتِّصَالِ الْمُغَيَّرِ بِالسَّبَبِ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ: انْعِقَادُ الِاقْتِدَاءِ سَبَبًا لِلتَّغَيُّرِ مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ وَصِحَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى تَغَيُّرِ فَرْضِهِ، إذْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَزِمَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ فَقَدْ تَوَقَّفَ التَّغَيُّرُ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَصِحَّتُهُ عَلَى التَّغَيُّرِ، وَهُوَ دَوْرٌ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ لَا دَوْرُ تَرَتُّبٍ فَإِنْ ثَبَتَ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّغَيُّرِ مَعًا إلَّا أَنَّهُ فِي الْمُلَاحَظَةِ يَكُونُ ثُبُوتُ التَّغَيُّرِ لِتَصْحِيحِ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ وَلَا مَانِعَ إلَّا عَدَمُ التَّغَيُّرِ، وَهُوَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِفَرْضِ ثُبُوتِ التَّغَيُّرِ بِمَا يَصْلُحُ سَبَبًا لَهُ فَلْيَكُنْ طَلَبُ الشَّرْعِ تَصْحِيحَ الِاقْتِدَاءِ سَبَبًا لَهُ أَيْضًا فَيَثْبُتُ عِنْدَ الِاقْتِدَاءِ فَتَثْبُتُ الصِّحَّةُ مَعَهُ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ وَإِنْ أَفْسَدَهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْإِفْسَادُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ لِلْمُتَابَعَةِ وَقَدْ زَالَتْ) بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى الْمُقِيمُ بِالْمُسَافِرِ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَ الْمُقِيمَ لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ مَعَ أَنَّهُ صَارَ مُقْتَدِيًا بِالْخَلِيفَةِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُؤْتَمُّ خَلِيفَةً عَنْ الْمُسَافِرِ كَانَ الْمُسَافِرُ كَأَنَّهُ الْإِمَامُ فَيَأْخُذُ الْخَلِيفَةُ صِفَةَ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَالْمُقِيمِينَ، وَلَوْ أَمَّ مُسَافِرٌ مُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ فَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ تَكَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسَافِرِينَ أَوْ قَامَ فَذَهَبَ، ثُمَّ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ فَرْضُهُ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَرْبَعًا لِوُجُودِ الْمُغَيَّرِ فِي مَحَلِّهِ وَصَلَاةُ مَنْ تَكَلَّمَ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي وَقْتٍ لَوْ تَكَلَّمَ إمَامُهُ لَمْ تَفْسُدْ فَكَذَا صَلَاةُ الْمُقْتَدِي إذَا كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَ نِيَّتِهِ فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا ثُمَّ تَكَلَّمَ وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْمُسَافِرِينَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ لِلتَّبَعِيَّةِ وَقَدْ زَالَتْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبَعْدَهُ لَا) قَالَ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْخَلَّاطِيِّ هَذَا فِي صَلَاةٍ تَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ أَمَّا فِي صَلَاةٍ لَا تَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ كَالْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ أَيْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ) هَذَا إذَا خَرَجَ قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ أَمَّا إذَا اقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ خَرَجَ قَبْلَ الْفَرَاغِ فَلَا يَفْسُدُ وَلَا يَبْطُلُ اقْتِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اقْتَدَى صَارَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا لِلتَّبَعِيَّةِ كَالْمُقِيمِ وَصَلَاةُ الْمُقِيمِ لَا تَصِيرُ رَكْعَتَيْنِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَكَذَا لَوْ نَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَانْتَبَهَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَعْنِي يُتِمُّ أَرْبَعًا. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ فَلَا يَفْسُدُ وَالْحَرْفُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ فِي وَقْتٍ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ مِنْ سَاعَتِهِ صَارَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ وَلَا عِبْرَةَ بِضِيقِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْعَصْرِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ التَّحْرِيمَةِ وَغَابَتْ الشَّمْسُ أَتَمَّهَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى عِنْدَ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ ﵀ وَإِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ أَتَمَّهَا وَقَوْلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ أَيْ قَدْرِ التَّحْرِيمَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَغَيَّرُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ لَا يَتَغَيَّرُ قَصْدًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بَعْدَ الْوَقْتِ لِانْقِضَاءِ السَّبَبِ فَلَا يَتَغَيَّرُ تَبَعًا بِالِاقْتِدَاءِ (قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ) أَيْ الْأُولَى إنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسَافِرِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ فَرْضُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِمَامِ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ اسْمَ النَّفْلِ مَجَازًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِالتَّرْكِ. اهـ. فَتْحٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِهِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ امْتَنَعَ لِأَجْلِ الْقَعْدَةِ، وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْآخِرِ امْتَنَعَ لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ نَفْلٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ انْتَقَلَتْ الْقِرَاءَةُ مِنْ الْأُخْرَيَيْنِ إلَى الْأُولَيَيْنِ فَتَبْقَى الْأُخْرَيَانِ بِلَا قِرَاءَةٍ، وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ امْتَنَعَ لِأَجْلِ التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّ

стр. 214

صَلَاتَهُمْ مُنْفَرِدِينَ؛ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا الْمُوَافَقَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَيَنْفَرِدُونَ فِي الْبَاقِي كَالْمَسْبُوقِ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ قَدْ تَأَدَّى بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ. قَالَ ﵀ (وَيَبْطُلُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ بِمِثْلِهِ لَا السَّفَرِ وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ بِمِثْلِهِ وَالسَّفَرِ وَالْأَصْلِيِّ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَوْطَانَ ثَلَاثَةٌ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ، وَهُوَ مَوْلِدُ الْإِنْسَانِ أَوْ الْبَلْدَةِ الَّتِي تَأَهَّلَ فِيهَا وَوَطَنُ إقَامَةٍ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْوِي الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا وَوَطَنُ سُكْنَى وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْوِي أَنْ يُقِيمَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا الْوَطَنَ قَالُوا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ مُسَافِرًا عَلَى حَالِهِ فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَائِدَتَهُ مِنْ قَرِيبٍ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْطَانِ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ وَبِمَا هُوَ فَوْقَهُ وَلَا يَبْطُلُ بِمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَقِضُ بِمِثْلِهِ وَبِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ لَا بِمَا دُونَهُ وَقَوْلُهُ وَيَبْطُلُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ بِمِثْلِهِ أَيْ بِالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَلِهَذَا عَدَّ النَّبِيُّ ﷺ نَفْسَهُ بِمَكَّةَ مُسَافِرًا حَيْثُ قَالَ «فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» هَذَا إذَا انْتَقَلَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَهْلِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ بِأَهْلِهِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْدَثَ أَهْلًا بِبَلْدَةٍ أُخْرَى فَلَا يَبْطُلُ وَطَنُهُ الْأَوَّلُ وَيُتِمُّ فِيهِمَا. وَقَوْلُهُ لَا السَّفَرِ فِيهِ حَذْفٌ أَيْ لَا بِإِنْشَاءِ السَّفَرِ وَلَا بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ وَكِلَاهُمَا لَا يَبْطُلُ بِهِ الْأَصْلِيُّ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَوْلُهُ وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ بِمِثْلِهِ أَيْ يَبْطُلُ وَطَنُ الْإِقَامَةِ بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ لِمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ وَالسَّفَرِ وَالْأَصْلِيِّ أَيْ وَيَبْطُلُ بِإِنْشَاءِ السَّفَرِ وَبِالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ ضِدُّ الْإِقَامَةِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ وَالْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ فَوْقَهُ، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْأَوْطَانِ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ فِيهَا إذَا أَدْخَلَهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ قَبْلَ أَنْ تَبْطُلَ وَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الْفَائِدَةِ فِي وَطَنِ السُّكْنَى أَيْضًا فِي رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ إلَى قَرْيَةٍ لِحَاجَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ السَّفَرَ وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْقَرْيَةِ لَا لِلسَّفَرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ وَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ لَيْلَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَسَافَرَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، وَلَوْ مَرَّ بِتِلْكَ الْقَرْيَةِ وَدَخَلَهَا أَتَمَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] تَحْرِيمَةَ الْمُسَافِرِ أَقْوَى لِكَوْنِهَا مُتَضَمِّنَةً لِلْفَرْضِ فَقَطْ وَتَحْرِيمَةَ الْمُقِيمِ مُتَضَمِّنَةً لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ التَّحْرِيمَةِ اهـ مِنْ خَطِّهِ. ﵀ قَوْلُهُ انْتَقَلَتْ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ يَجِبُ جَعْلُهُ فِيهِمَا. اهـ. . (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ فِي الْأَصَحِّ احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ يَقْرَءُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِمْ إذَا سَهَوْا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ قَدْ تَأَدَّى) أَيْ فَيَتْرُكُهَا احْتِيَاطًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَاحِقًا كَانَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَكَانَ مُقْتَدِيًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ حَقِيقَةً فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مُقْتَدٍ وَتُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ إذْ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ صَارَ مُؤَدًّى فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَدَارَتْ قِرَاءَتُهُ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالنَّدْبِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي التَّرْكِ؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ وَاجِبُ الِامْتِنَاعِ وَالْمَنْدُوبَ جَائِزُ التَّرْكِ فَلَوْ كَانَ حَرَامًا أَثِمَ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَ مَنْدُوبًا لَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ أَدْرَكَ قِرَاءَةً نَافِلَةً فَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ فِيمَا يَقْضِي فَرْضًا فَيَجِبُ الْإِتْيَانُ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ إلَى آخِرِهِ) وَيُسَمَّى وَطَنُ الْقَرَارِ. اهـ. (قَوْلُهُ الَّتِي تَأَهَّلَ فِيهَا) أَيْ وَمَنْ قَصْدُهُ التَّعَيُّشُ بِهِ لَا الِارْتِحَالُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى آخِرِهِ) وَيُسَمَّى وَطَنُ الْإِقَامَةِ وَطَنًا مُسْتَعَارًا. اهـ. (قَوْلُهُ فَصَاعِدًا) أَيْ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ لَا بِإِنْشَاءِ السَّفَرِ وَلَا بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ إلَى آخِرِهِ)، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَطَنَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ لَا يَبْطُلُ بِالْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا دُونَهُ وَالثَّانِي وَطَنُ الْإِقَامَةِ يَبْطُلُ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ وَبِالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَبِالسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ وَالثَّالِثُ، وَهُوَ وَطَنُ السُّكْنَى يَبْطُلُ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فَوْقَهُ وَبِالسَّفَرِ اهـ. قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ الْوَطَنُ وَطَنَانِ: وَطَنٌ أَصْلِيٌّ وَوَطَنٌ مُسْتَعَارٌ وَلَمْ يَعْتَبِرْ وَطَنَ السُّكْنَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ بَلْ حُكْمُ السَّفَرِ فِيهِ بَاقٍ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَابِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ الْبَعْضُ فَإِنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيَّ ذَكَرَ فِي مَبْسُوطِهِ مَسْأَلَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَطَنَ السُّكْنَى مُعْتَبَرٌ فَقَالَ: لَوْ خَرَجَ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحِيرَةِ يُرِيدُ الشَّامَ وَلَهُ بِالْقَادِسِيَّةِ ثَقَلٌ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّ الْقَادِسِيَّةَ وَطَنُ السُّكْنَى فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا مُدَّةً أَوْ لَمْ يَعْزِمْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ فِنَاءِ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكُوفَةِ دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحِيرَةِ انْتَقَضَ وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ وَطَنَ السُّكْنَى يُنْتَقَضُ بِمِثْلِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ بِالْحِيرَةِ وَطَنُ السُّكْنَى فَالْتَحَقَ بِمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْقَادِسِيَّةِ فَإِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْحِيرَةِ وَبَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِحَمْلِ الثَّقَلِ وَيَرْتَحِلُ إلَى الشَّامِ وَلَا يَمُرُّ بِالْكُوفَةِ يُتِمُّ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ السُّكْنَى الَّذِي بِالْقَادِسِيَّةِ قَدْ انْتَقَضَ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا عَلَى قَصْدِ الْحِيرَةِ كَمَا لَوْ دَخَلَهَا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ لِلسُّكْنَى بَاقٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِقَصْدِ الْحِيرَةِ وَطَنُ سُكْنَى آخَرُ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا فَبَقِيَ وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ لِتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ أَوْ اسْتِقْبَالٍ فَلِذَا يُتِمُّ بِالْقَادِسِيَّةِ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهَا فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صِحَّةُ مَا قُلْنَا، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ ضِدُّ الْإِقَامَةِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ إلَى آخِرِهِ) فَإِنْ قِيلَ فَالسَّفَرُ ضِدٌّ لِلْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ فَلِمَ لَمْ يُبْطِلْهُ، فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَالْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ فَوْقَهُ وَقَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَلَا يُنْتَقَضُ أَيْ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ بِإِنْشَاءِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ «﵊ كَانَ يَخْرُجُ مَعَ أَصْحَابِهِ إلَى الْغَزَوَاتِ بِالْمَدِينَةِ وَلَا يُنْتَقَضُ وَطَنُهُ بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ لَمْ يُجَدِّدْ نِيَّتَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ» اهـ

стр. 215

مِمَّا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلَهُ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ السَّفَرِ لِثُبُوتِ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ إجْمَاعًا وَفِي ثُبُوتِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀. قَالَ (وَفَائِتَةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ تُقْضَى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعًا) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ أَيْ فَائِتَةُ السَّفَرِ تُقْضَى رَكْعَتَيْنِ وَفَائِتَةُ الْحَضَرِ تُقْضَى أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِحَسَبِ الْأَدَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي الْمَرَضِ فِي حَالَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَيْثُ يَقْضِيهَا فِي الصِّحَّةِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا أَوْ فَاتَتْهُ فِي الصِّحَّةِ حَيْثُ يَقْضِيهَا فِي الْمَرَضِ بِالْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إلَّا أَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ عَنْهُ بِالْعَجْزِ فَإِذَا قَدَرَ أَتَى بِهِمَا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعٌ فَلَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ قَالَ ﵀ (وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ آخَرُ الْوَقْتِ) أَيْ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْأَرْبَعِ أَوْ الرَّكْعَتَيْنِ آخِرُ الْوَقْتِ فَإِنْ كَانَ آخِرُ الْوَقْتِ مُسَافِرًا وَجَبَ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْبَعُ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرَ فِي السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ وَلِهَذَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَبِعَكْسِهِ لَوْ حَاضَتْ أَوْ جُنَّ أَوْ نَفِسَتْ فِيهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ لِفَقْدِ الْأَهْلِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ. قَالَ ﵀ (وَالْعَاصِي كَغَيْرِهِ) أَيْ فِي التَّرَخُّصِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ( قَوْلُهُ وَفِي ثُبُوتِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ) قَالَ الْكَمَالُ فِي رِوَايَةٍ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي أُخْرَى إنَّمَا يَصِيرُ الْوَطَنُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ سَفَرٌ وَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ مُدَّةُ سَفَرٍ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ لَا بِقَصْدِ السَّفَرِ فَوَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إقَامَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ السَّفَرِ، وَكَذَا إذَا قَصَدَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ وَخَرَجَ فَلَمَّا وَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ مَسِيرَتُهَا مِنْ وَطَنِهِ دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا وَلَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إقَامَةٍ وَالتَّخَرُّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ بَغْدَادِيٌّ وَكُوفِيٌّ خَرَجَا مِنْ وَطَنِهِمَا يُرِيدَانِ قَصْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ لِيُقِيمَا فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَبَيْنَ كُوفَةَ وَبَغْدَادَ خَمْسُ مَرَاحِلَ وَالْقَصْرُ مُنْتَصَفُ ذَلِكَ فَلَمَّا قَدِمَاهُ خَرَجَا مِنْهُ إلَى الْكُوفَةِ لِيُقِيمَا بِهَا ثُمَّ يَرْجِعَا إلَى بَغْدَادَ فَإِنَّهُمَا يُتِمَّانِ إلَى الْكُوفَةِ وَبِهَا؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُمَا مِنْ وَطَنِهِمَا إلَى الْقَصْرِ لَيْسَ سَفَرًا، وَكَذَا مِنْ الْقَصْرِ إلَى الْكُوفَةِ فَبَقِيَا مُقِيمَيْنِ إلَى الْكُوفَةِ فَإِنْ خَرَجَا مِنْ الْكُوفَةِ إلَى بَغْدَادَ يَقْصُرَانِ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قَصَدَا الْمُرُورَ عَلَى الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا بَغْدَادَ وَلَيْسَ بِهَا وَطَنٌ أَمَّا الْكُوفِيُّ فَلِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ نَقَضَ وَطَنَ الْقَصْرِ. وَأَمَّا الْبَغْدَادِيُّ فَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَعَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ يَعْنِي الزِّيَادَاتِ يَقْصُرُ، وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ وَطَنَ الْبَغْدَادِيِّ بِالْقَصْرِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِهَا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُضُهَا وَقِيَامُ وَطَنِهِ بِالْقَصْرِ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ السَّفَرِ، وَجْهُ رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ وَطَنَ الْإِقَامَةِ لَا يَكُونُ بَعْدَ تَقْدِيمِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ مِنْ الْمُقِيمِ لَغْوٌ، وَلَمْ يُوجَدْ تَقْدِيمُ السَّفَرِ فَلَمْ يَصِحَّ وَطَنُهُ بِالْقَصْرِ فَصَارَ مُسَافِرًا إلَى بَغْدَادَ اهـ وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ تُبَيِّنُ أَنَّ السَّفَرَ النَّاقِضَ لِوَطَنِ الْإِقَامَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ مُرُورٌ عَلَى وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَوْ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهِ بَعْدَ سَيْرِ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَمِثَالُهُ فِي دِيَارِنَا قَاهِرِيٌّ خَرَجَ إلَى بُلْبَيْسَ فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ مِنْهَا إلَى الصَّالِحِيَّةِ فَلَمَّا دَخَلَهَا بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقَاهِرَةِ وَيَمُرَّ بِبُلْبَيْسَ فَعَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ السَّفَرِ لِوَطَنِ الْإِقَامَةِ يَقْصُرُ إلَى الْقَاهِرَةِ وَعَلَى الْأُخْرَى يُتِمُّ. اهـ. . (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ إلَى آخِرِهِ) فَإِنْ قِيلَ هَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ كُلُّ الْوَقْتِ لَا الْأَخِيرُ قُلْنَا الْمُعْتَبَرُ فِي تَقَرُّرِ الْقَضَاءِ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ وَلَا اعْتِبَارَ لِغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ سَافَرَ فِيهِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ أَقَامَ فِيهِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ وَإِنَّمَا الْإِضَافَةُ إلَى كُلِّهِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حَالُهُ بِالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ وَالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْقَضَاءِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَأَمَّا فِي حَقِّ تَقَرُّرِ الْقَضَاءِ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ، وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ مُضَافًا إلَى كُلِّهِ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِهِ عَلَى أَنَّ مُخْتَارَ الْبَعْضِ عَدَمُ الْإِضَافَةِ إلَى كُلِّهِ وَيَتَقَرَّرُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ مَذْهَبَ الْبَعْضِ كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ ﵀. اهـ. كَاكِيٌّ وَقَالَ الْكَمَالُ عِنْدَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ تَقَرُّرِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَصِفَةُ الدَّيْنِ تُعْتَبَرُ حَالَ تَقَرُّرِهِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَأَمَّا اعْتِبَارُ كُلِّ الْوَقْتِ إذَا خَرَجَ فِي حَقِّهِ فَلِيَثْبُتَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ إذْ الْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْمَشْرُوعَاتِ أَنْ تُطْلَبَ الْعِبَادَاتُ كَامِلَةً وَإِنَّمَا تُحْمَلُ نَقْصُهَا لِعُرُوضِ تَأْخِيرِهِ إلَى الْجُزْءِ النَّاقِصِ مَعَ تَوَجُّهِ طَلَبِهَا إذَا عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا قَبْلَهُ وَبِخُرُوجِهِ عَنْ غَيْرِ إدْرَاكٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْعَارِضُ فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ اعْتِبَارِ وَقْتِ الْوُجُوبِ. وَقَالَ زُفَرُ إذَا سَافَرَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ صَلَاةَ السَّفَرِ يَقْضِي صَلَاةَ السَّفَرِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَهُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقِيمِ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ لَا تَنْتَقِلُ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَعِنْدَنَا نَنْتَقِلُ إلَى الَّذِي يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ وَقَدْ أَسْلَفْنَاهُ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَهُوَ مُقِيمٌ أَرْبَعًا، ثُمَّ سَافَرَ وَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَرَجَعَ فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِلَا طَهَارَةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ صَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَصَارَتْ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ مُسَافِرٌ فِيهِ فَصَارَتْ فِي ذِمَّتِهِ صَلَاةُ السَّفَرِ بِخِلَافِ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَهُوَ مُقِيمٌ. اهـ. فَتْحٌ، وَلَوْ صَلَّاهُمَا فِي وَقْتِهِمَا، ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَوْلُهُ فَرَجَعَ أَيْ قَبْلَ الْغُرُوبِ. اهـ. كَاكِيٌّ.

стр. 216

بِرُخْصَةِ الْمُسَافِرِينَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُطِيعِينَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفِيدُ الرُّخْصَةَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَخْفِيفًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجِبُ التَّغْلِيظَ وَلَنَا إطْلَاقُ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ أَوْ يُجَاوِرُهُ وَالرُّخْصَةُ تَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ لَا بِالْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ الْمُجَاوِرَةَ لَا تَنْفِي الْأَحْكَامَ كَالْبَيْعِ عِنْدَ النِّدَاءِ. قَالَ ﵀ (وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ مِنْ الْأَصْلِ دُونَ التَّبَعِ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ دُونَ التَّبَعِ قَالَ ﵀ (كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْجُنْدِيِّ) هَذَا تَفْسِيرُ التَّبَعِ أَيْ الْمَرْأَةُ تَبَعٌ لِلزَّوْجِ وَالْعَبْدُ تَبَعٌ لِلْمَوْلَى وَالْجُنْدِيُّ تَبَعٌ لِلْأَمِيرِ وَالْمَرْأَةُ إنَّمَا تَكُونُ تَبَعًا لِلزَّوْجِ إذَا وَفَّاهَا مَهْرَهَا الْمُعَجَّلَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُوفِ فَلَا تَكُونُ تَبَعًا لَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ السَّفَرِ بِهَا، وَكَذَا بَعْدَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا عِنْدَهُ وَالْجُنْدِيُّ إنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْأَمِيرِ إذَا كَانَ يَرْتَزِقُ مِنْ الْأَمِيرِ وَمِنْ الْأَتْبَاعِ الْأَجِيرُ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالتِّلْمِيذُ مَعَ أُسْتَاذِهِ وَالْمُكْرَهُ عَلَى السَّفَرِ وَالْأَسِيرُ، ثُمَّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ التَّابِعُ بِنِيَّةِ الْمَتْبُوعِ الْإِقَامَةَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ حَتَّى يَعْلَمَ كَمَا فِي تَوَجُّهِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) صُورَتُهُ مَنْ سَافَرَ بِنِيَّةِ قَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ الْبَغْيِ عَلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَوْ التَّمَرُّدِ عَلَى الْمَوْلَى بِأَنْ أَبَقَ الْعَبْدُ أَوْ خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَنَا إطْلَاقُ النُّصُوصِ) أَيْ نُصُوصِ الرُّخْصَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَقَالَ ﷺ «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا» وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُفِيدَةِ تَعْلِيقَ الْقَصْرِ عَلَى مُسَمَّى السَّفَرِ فَوَجَبَ إعْمَالُ إطْلَاقِهَا إلَّا بِمُقَيَّدٍ وَلَمْ يُوجَدْ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ، ثُمَّ نَصُّ الْكِتَابِ، وَإِنْ وَرَدَ فِي الصَّوْمِ لَكِنْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ بِنَتِيجَةِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ فَكَأَنَّ زِيَادَةَ قَيْدِ الْإِبَاحَةِ فِيهِ تَجْرِي مَجْرَى النَّسْخِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ أَوْ يُجَاوِرُهُ) كَالْإِبَاقِ وَنَحْوِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ دُونَ التَّبَعِ إلَخْ) أَمَّا إذَا كَانَ مُضَافًا إلَيْهِ لَا يَصِيرُ تَبَعًا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ اهـ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ صَلَّى بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ عَامَ حَجِّهِ مَعَ الرَّشِيدِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْهُمْ نَحْنُ أَفْقَهُ بِهَذَا مِنْك فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَوْ كُنْت فَقِيهًا مَا تَكَلَّمْت فِي الصَّلَاةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ فَإِنْ قِيلَ: ذُكِرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْعِلْمَ بِحَالِ الْإِمَامِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ، وَرِوَايَةُ الْكِتَابِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِحَالِهِ أَنَّهُ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا كَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ عَبَثًا لِاشْتِغَالِهِ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَإِنْ كَانُوا عَالِمِينَ بِكَوْنِهِ مُقِيمًا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ كَذِبًا عِنْدَهُمْ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الِاقْتِدَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ الْمَبْسُوطِ رَجُلٌ صَلَّى بِالْقَوْمِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمُسَافِرٌ هُوَ أَوْ مُقِيمٌ فَصَلَاةُ الْقَوْمِ فَاسِدَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا مُقِيمِينَ أَوْ مُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ أَنَّهُ مُقِيمٌ وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مُقِيمًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ حِينَ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنْ سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مُسَافِرٌ جَازَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ إنْ كَانُوا مُسَافِرِينَ أَوْ مُقِيمِينَ فَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ بَعْدَ فَرَاغِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فِيمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا إلَخْ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ قَوْلُهُ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إصْلَاحِ صَلَاةِ الْقَوْمِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِمَا أَنَّهُ إذَا كَانُوا مُسَافِرِينَ سَلَّمُوا لِسَلَامِهِ. وَإِنْ كَانُوا مُقِيمِينَ قَامُوا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَإِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ جَازَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةُ إعْلَامٍ أَنَّهُ مُسَافِرٌ وَاقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﵊ لَا أَمْرًا وَاجِبًا، وَكَانَ مُسْتَحَبًّا وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ الْإِمَامُ الْقَوْمَ قَبْلَ شُرُوعِهِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ أَخْبَرَ بَعْدَ السَّلَامِ. اهـ. وَلَوْ قَامَ الْمُقِيمُ الْمُقْتَدِي قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَنَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ سُجُودِهِ رُفِضَ ذَلِكَ وَتَابَعَ الْإِمَامَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَسَجَدَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَحْكَمْ خُرُوجُهُ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ بِوَاسِطَةِ التَّغَيُّرِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِمَا فَإِذَا انْفَرَدَ فَسَدَتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ بَعْدَ مَا سَجَدَ الْمُقْتَدِي فَإِنَّهُ يُتِمُّ مُنْفَرِدًا فَلَوْ رَفَضَ فَتَابَعَ فَسَدَتْ لِاقْتِدَائِهِ حَيْثُ وَجَبَ الِانْفِرَادُ. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَالْأَسِيرُ إلَخْ)، وَفِي حُكْمِ الْأَسِيرِ مَنْ بَعَثَ إلَيْهِ الْمَوْلَى لِيُؤْتَى بِهِ مِنْ بَلَدِهِ وَالْغَرِيمُ إذْ أَلْزَمَهُ غَرِيمُهُ أَوْ حَبَسَهُ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَمَنْ قَصْدُهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَالنِّيَّةُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ نِيَّتُهُ وَإِلَّا فَنِيَّةُ الْحَابِسِ. اهـ. فَتْحٌ. وَفِي الدِّرَايَةِ وَالْغَرِيمُ الْمُفْلِسُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ صَاحِبِ الدَّيْنِ. اهـ. وَفِي الدِّرَايَةِ مُسْلِمٌ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ إنْ كَانَ مَسِيرَةُ الْعَدُوِّ مُدَّةَ سَفَرٍ يَقْصُرُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يَسْأَلُهُ فَإِنْ سَأَلَهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ الْعَدُوُّ مُسَافِرًا يَقْصُرُ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا الْعَبْدُ يَسْأَلُ سَيِّدَهُ وَالْأَعْمَى إنْ كَانَ لَهُ قَائِدٌ فِي السَّفَرِ فَإِذَا كَانَ أَجِيرًا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْأَعْمَى، وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ) قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ مِنْ الْمَتْبُوعِ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَمَّ سَيِّدَهُ فِي السَّفَرِ فَنَوَى السَّيِّدُ الْإِقَامَةَ صَحَّتْ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا، وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ مُقِيمٍ حَالَ سَفَرٍ وَالْعَبْدُ فِي الصَّلَاةِ فَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ أَمَّ مَعَ السَّيِّدِ غَيْرَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ

стр. 217

وَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ كَالْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مُسَافِرٍ وَمُقِيمٍ يُتِمُّ وَقِيلَ يَقْصُرُ وَقِيلَ: إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فِي الْخِدْمَةِ يَقْصُرُ فِي نَوْبَةِ الْمُسَافِرِ وَيُتِمُّ فِي نَوْبَةِ الْمُقِيمِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ فِي بَلَدٍ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا وَقِيلَ: يَصِيرُ مُقِيمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) قَالَ ﵀ (شَرْطُ أَدَائِهَا الْمِصْرُ) أَيْ شَرْطُ جَوَازِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ الْمِصْرُ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَدَاؤُهَا فِي الْمَفَازَةِ وَلَا فِي الْقُرَى لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ قَالَ ﵀ (وَهُوَ) أَيْ الْمِصْرُ (كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ)، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَعَنْهُ أَنَّهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَا يَسَعُهُمْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَلْخِيّ وَعَنْهُ هُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ كُلُّ مُحْتَرَفٍ وَيُوجَدُ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي مَعَايِشِهِمْ وَفِيهِ فَقِيهٌ مُفْتٍ وَقَاضٍ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَعَنْهُ أَنَّهُ يَبْلُغُ سُكَّانُهُ عَشْرَةَ آلَافٍ وَقِيلَ: يُوجَدُ فِيهِ عَشْرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ وَقِيلَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُهُ بِحَالٍ لَوْ قَصَدَهُمْ عَدُوٌّ يُمْكِنُهُمْ دَفْعُهُ وَقِيلَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ يَعِيشُ فِيهِ كُلِّ مُحْتَرَفٍ بِحِرْفَتِهِ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِحِرْفَةٍ أُخْرَى وَعَنْ مُحَمَّدٍ كُلُّ مَوْضِعٍ مَصَّرَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ مِصْرٌ حَتَّى لَوْ بَعَثَ إلَى قَرْيَةٍ نَائِبًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ يَصِيرُ مِصْرًا فَإِذَا عَزَلَهُ يُلْتَحَقُ بِالْقُرَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْمِصْرُ كُلُّ بَلْدَةٍ فِيهَا سِكَكٌ وَأَسْوَاقٌ وَلَهَا رَسَاتِيقُ وَوَالٍ يُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَعَالِمٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى إذَا كَانَ لَهَا أَبْنِيَةٌ مُجْتَمِعَةٌ وَفِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَهُمْ أَحْرَارٌ بَالِغُونَ عُقَلَاءُ مُقِيمُونَ لَا يَظْعَنُونَ صَيْفًا وَلَا شِتَاءً إلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «إنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَا قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ» وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي حَرَّةَ بَنِي بَيَاضَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ. قَالَ قُلْت كَمْ كُنْتُمْ يَوْمئِذٍ قَالَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا» وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» وَمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ وَقَالَ حُذَيْفَةُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى جُمُعَةٌ وَإِنَّمَا الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِثْلَ الْمَدَائِنِ وَلِأَنَّ لِلْمَدِينَةِ قُرًى كَثِيرَةً وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ ﵊ أَمَرَهُمْ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهَا، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ لَأَمَرَهُمْ بِهَا وَلَنُقِلَ إلَيْنَا نَقْلًا مُسْتَفِيضًا وَلَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ فِيمَا رَوَى مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلِأَنَّ جُوَاثَا اسْمٌ لِحِصْنٍ بِالْبَحْرَيْنِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ قَالَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ هِيَ مَدِينَةٌ وَالْمَدِينَةُ تُسَمَّى قَرْيَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وَهِيَ مَكَّةُ وَالطَّائِفُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْجُمُعَةُ وَكَانَتْ بِغَيْرِ إذْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَلِلنَّصَارَى يَوْمٌ فَلْنَجْعَلْ لَنَا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] فَنَوَى السَّيِّدُ الْإِقَامَةَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي حَقِّ عَبْدِهِ لَا فِي حَقِّ الْقَوْمِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيُقَدِّمُ الْعَبْدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَاحِدًا مِنْ الْمُسَافِرِينَ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ هُوَ وَالسَّيِّدُ فَيُتِمُّ كُلٌّ مِنْهُمَا أَرْبَعًا. وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا صَلَّى مُسَافِرٌ بِمُقِيمِينَ وَمُسَافِرِينَ فَأَحْدَثَ فَقَدَّمَ مُقِيمًا لَا يَنْقَلِبُ فَرْضُ الْقَوْمِ أَرْبَعًا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ بِمَاذَا يُعْلَمُ الْعَبْدُ قِيلَ يَنْصِبُ الْمَوْلَى أُصْبُعَهُ أَوَّلًا وَيُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ، ثُمَّ يَنْصِبُ الْأَرْبَعَةَ وَيُشِيرُ بِهَا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ) أَيْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ الْمَتْبُوعِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ. اهـ. (قَوْلُهُ كَالْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ) أَيْ فَيَقْضُونَ مَا صَلَّوْا قَصْرًا قَبْلَ عِلْمِهِمْ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ قِيلَ يُتِمُّ) أَيْ تَرْجِيحًا لِلْإِقَامَةِ احْتِيَاطًا. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَقْصُرُ) أَيْ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ مُقِيمًا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ إلَخْ) أَمَّا الْمُسَافِرَةُ فَتَصِيرُ مُقِيمَةً بِالتَّزَوُّجِ اتِّفَاقًا. اهـ. قُنْيَةٌ. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ قِيلَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ تَنَصَّفَتْ بِوَاسِطَةِ السَّفَرِ وَصَلَاةَ الْجُمُعَةِ تَنَصَّفَتْ بِوَاسِطَةِ الْخُطْبَةِ اهـ قَالَ الْعَيْنِيُّ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهِ، وَكَانَ اسْمُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْعَرُوبَةُ وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا جُمُعَةً كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَتُسَمَّى يَوْمَ الْمَزِيدِ أَيْضًا لِتَزَايُدِ الْخَيْرَاتِ فِيهِ أَوْ لِتَزَايُدِ الثَّوَابِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْعِيدُ أَيْضًا كَمَا جَاءَ فِي عِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ اهـ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَضَمُّ الْمِيمِ لُغَةُ الْحِجَازِ وَفَتْحُهَا لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَإِسْكَانُهَا لُغَةُ عُقَيْلٍ وَقَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَالْجَمْعُ جُمَعٍ وَجُمُعَاتٍ مِثْلَ غُرَفٍ وَغُرُفَاتٍ فِي وُجُوهِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ إلَخْ) يَحْرُسُ النَّاسَ وَيَمْنَعُ الْمُفْسِدِينَ وَيُقَوِّي أَحْكَامَ الشَّرْعِ اهـ ع (قَوْلُهُ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ إلَخْ) فَيَرْجُمُ الْمُحْصَنَ الزَّانِيَ وَيَجْلِدُ غَيْرَ الْمُحْصَنِ وَيَقْطَعُ السَّارِقَ وَيَحُدُّ الْقَاذِفَ وَشَارِبَ الْخَمْرِ وَيَحْكُمُ بِالْقَوَدِ وَالدِّيَةِ وَنَحْوِهَا اهـ ع (قَوْلُهُ جُمِّعَتْ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ صُلِّيَتْ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ اهـ (قَوْلُهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي حَرَّةَ بَنِي بَيَاضَةَ إلَخْ) هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ ﵀ عَلَى حَاشِيَةِ مُسَوَّدَتِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ اسْمٌ لِحِصْنٍ) أَيْ فَهِيَ مِصْرٌ إذْ لَا يَخْلُو الْحِصْنُ عَنْ حَاكِمٍ عَلَيْهِمْ وَعَالِمٍ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَهِيَ مَكَّةُ وَالطَّائِفُ) وَلَا شَكَّ أَنَّ مَكَّةَ مِصْرٌ. اهـ. فَتْحٌ

стр. 218

يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنُصَلِّي فَقَالُوا: يَوْمَ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ لِلنَّصَارَى فَاجْعَلُوهُ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ فَاجْتَمَعُوا إلَى أَسْعَدَ فَصَلَّى بِهِمْ وَذَكَّرَهُمْ وَسَمَّوْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ. قَالَ ﵀ (أَوْ مُصَلَّاهُ) أَيْ مُصَلَّى الْمِصْرِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمِصْرِ يَعْنِي شَرْطُ أَدَائِهَا الْمِصْرُ أَوْ مُصَلَّاهُ وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمُصَلَّى بَلْ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي حَقِّ حَوَائِجِ أَهْلِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِحَوَائِجِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ الْأَفْنِيَةِ فَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهَا بِمِيلٍ وَبَعْضُهُمْ بِمِيلَيْنِ وَقِيلَ بِفَرْسَخَيْنِ وَقِيلَ: بِغَلْوَةٍ وَقِيلَ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمِصْرِ وَالْمُصَلَّى مَزَارِعُ لَا تَجُوزُ فِيهِ الْجُمُعَةُ. قَالَ ﵀ (وَمِنًى مِصْرٌ لَا عَرَفَاتٌ) حَتَّى تَجُوزُ الْجُمُعَةُ فِي مِنًى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَمِيرَ الْحِجَازِ أَوْ الْخَلِيفَةُ لَا أَمِيرَ الْمَوْسِمِ؛ لِأَنَّهُ يَلِي أُمُورَ الْحَجِّ لَا غَيْرُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَجُوزُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرَى حَتَّى لَا يُعِيدَ بِهَا، وَلَهُمَا أَنَّهَا تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ وَعَدَمُ التَّعَيُّدِ لِلتَّخْفِيفِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ الْحَجِّ بِخِلَافِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهَا فَضَاءٌ وَبِمِنًى أَبْنِيَةٌ وَدُورٌ وَسِكَكٌ وَقَوْلُهُمْ تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجُوزُ فِيهَا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْمَوْسِمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى مِصْرًا بَعْدَهَا وَقِيلَ: تَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ فِنَاءِ مَكَّةَ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَدَّرَ الْفِنَاءَ بِفَرْسَخَيْنِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْسَخَيْنِ. قَالَ ﵀ (وَتُؤَدَّى فِي مِصْرٍ فِي مَوَاضِعَ) أَيْ تُؤَدَّى الْجُمُعَةُ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي الِاجْتِمَاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ حَرَجًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَدْفُوعٌ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ عَظِيمٌ كَدِجْلَةَ وَعَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ جِسْرٌ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِرَفْعِ الْجِسْرِ فَإِنْ أُدِّيَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَالْجُمُعَةُ لِلْأَوَّلِينَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فَاجْتَمَعُوا إلَى أَسْعَدَ إلَخْ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ ﵀ قِيلَ «إنَّ الْأَنْصَارَ قَالُوا إنْ لِلْيَهُودِ يَوْمًا فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ وَلِلنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلُمُّوا نَجْعَلُ لَنَا يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ فَنَذْكُرُ اللَّهَ وَنُصَلِّي فَقَالُوا: يَوْمَ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ: وَيَوْمَ الْأَحَدِ لِلنَّصَارَى فَاجْعَلُوهُ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ فَاجْتَمَعُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمئِذٍ رَكْعَتَيْنِ وَذَكَّرَهُمْ فَسَمُّوهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ» اهـ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ وَيُسَمَّى يَوْمَ الْعَرُوبَةِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْإِعْرَابِ وَهُوَ التَّحْسِينُ لِتَزَيُّنِ النَّاسِ فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] أَيْ مُتَحَسِّنَاتٍ لِبُعُولَتِهِنَّ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَقِيلَ بِغَلْوَةٍ إلَخْ) وَقِيلَ بِمُنْتَهَى حَدِّ الصَّوْتِ إذَا صَاحَ فِي الْمِصْرِ أَوْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ فَمُنْتَهَى صَوْتِهِ فِنَاءُ الْمِصْرِ اهـ ع قَالَ ابْنُ فِرِشْتَا وَفِنَاءُ الْمِصْرِ مَا أُعِدَّ لِحَوَائِجِ الْمِصْرِ مِنْ رَكْضِ الْخَيْلِ وَالْخُرُوجِ لِلرَّمْيِ وَنَحْوِهِمَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَمِنًى مِصْرٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ ﵀ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِمِنًى فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ مَكَّةَ فَصَارَتْ كَرَبْضِ الْمِصْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهَا فِي نَفْسِهَا مَوْضِعٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهَا جَامِعًا وَأَسْوَاقًا مُرَتَّبَةً وَسُلْطَانًا يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ فَصَارَتْ كَسَائِرِ الْأَمْصَارِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا جُمُعَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ الْحَاجِّ كَعَرَفَةَ اهـ قُلْت وَقَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمِنًى مِصْرٌ اخْتِيَارٌ لِلْقَوْلِ الثَّانِي فَلَيْسَتْ عِنْدَهُ مِنْ فِنَاءِ مَكَّةَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَدَمُ التَّعَيُّدِ) أَيْ عَدَمُ إقَامَتِهِمْ صَلَاةَ الْعِيدِ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا فَضَاءٌ) أَيْ وَلَيْسَتْ مِنْ فِنَاءِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَ فَرَاسِخَ. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ فِنَاءِ مَكَّةَ) أَيْ وَتَوَابِعِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَرَمِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْسَخَيْنِ) كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ أَقُولُ تَبِعَهُ فِي هَذَا الْبَدْرُ الْعَيْنِيُّ ﵀ وَقَدْ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ وَمِنًى مَوْضِعٌ عَنْ مَكَّةَ فَرْسَخٌ قَوْلُهُ الْعَيْنِيُّ أَيْ وَالْكَمَالُ أَيْضًا. اهـ. . (قَوْلُهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الدِّينِ قَاسِمٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْمِصْرِ: وَلَا تَجُوزُ بِمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ يَعْقُوبَ تَجُوزُ بِمَوْضِعَيْنِ مِنْهُ فَقَطْ، ثُمَّ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ كَبِيرٌ فَاصِلٌ وَجَوَّزَهَا مُحَمَّدٌ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا مَشَى فِي الْكَنْزِ وَزَادَ فِي الزَّيْلَعِيِّ كَثِيرَةً وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ أَتَى بِهَا مِنْ عِنْدِهِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الرِّوَايَةِ بَلْ كُلُّ مَنْ قَالَ فِي مَوَاضِعَ أَرَادَ ثَلَاثَةً وَكُلُّ مَنْ قَالَ مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ أَرَادَ ثَلَاثَةً فَقَطْ بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ فِي مَوْضِعَيْنِ دُونَ ثَلَاثَةٍ إذَا كَانَ الْمِصْرُ لَهُ جَانِبَانِ، وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْ النَّاسِ إذَا كَانَتْ الْبَلْدَةُ كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَى كُلِّ جَانِبٍ الْمَسِيرُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ وَصَارَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ مِصْرًا لَهُ جَانِبَانِ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ فَيَصِيرُ فِي حُكْمِ مِصْرَيْنِ كَبَغْدَادَ وَبَيَانُ الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ وَلَفْظُ الْكَرْخِيِّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَوْضِعِ وَالْمَوْضِعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ بِأَكْثَرَ ثَلَاثَةٌ، وَقَطَعَ الْقُدُورِيُّ الِاحْتِمَالَاتِ فَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ اسْتِحْسَانًا وَلَا تَجُوزُ فِيمَا زَادَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالصَّلَاةِ فِي طَرَفَيْ الْمِصْرِ وَوَسَطِهِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْكَرْخِيِّ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَالَ إنَّ الْمِصْرَ إذَا عَظُمَ وَبَعُدَ أَطْرَافُهُ شَقَّ عَلَى أَهْلِهِ الْمَسِيرُ مِنْ طَرَفٍ إلَى طَرَفٍ آخَرَ فَجَوَّزَهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ اهـ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَأَجَازَهُ مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ فِي الدُّرَرِ وَأَطْلَقَ خِلَافَ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي الصَّحِيحِ فَاخْتَارَ الطَّحْطَاوِيُّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ مُحَمَّدٍ اهـ

стр. 219

تَحْرِيمَةً وَقِيلَ: فَرَاغًا وَقِيلَ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَقِيلَ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ عَظِيمٌ كَدِجْلَةَ وَعَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ جِسْرٌ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِرَفْعِ الْجِسْرِ فِي بَغْدَادَ وَقْتَ الصَّلَاةِ لِتَكُونَ كَمِصْرَيْنِ. قَالَ ﵀ (وَالسُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ) أَيْ شَرْطُ أَدَائِهَا السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُصَلَّى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُشْتَرَطُ لَهَا السُّلْطَانُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ حِينَ كَانَ عُثْمَانُ مَحْصُورًا وَلِأَنَّهَا فَرْضٌ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا السُّلْطَانُ كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا بِهَا وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ فَلَا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ» الْحَدِيثَ وَشَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ إمَامٌ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَرْبَعٌ إلَى السُّلْطَانِ فَذَكَرَ مِنْهَا الْجُمُعَةَ وَمِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّقَدُّمِ وَفِي أَدَائِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ فَيَلِيهَا السُّلْطَانُ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ وَتَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِإِذْنِ عُثْمَانَ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةٌ مَعَ الِاحْتِمَالِ. قَالَ ﵀ (وَوَقْتُ الظُّهْرِ) أَيْ شَرْطُ أَدَائِهَا وَقْتَ الظُّهْرِ وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ يَجُوزُ أَدَاؤُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَذْهَبُ إلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ» وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ» وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ «مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ » وَقَالَ أَبُو سُهَيْلٍ «إنَّا كُنَّا نَرْجِعُ مِنْ الْجُمُعَةِ فَنُقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَى» وَلِأَنَّهَا عِيدٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَانِ» فَتَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَنَا الْمَشَاهِيرُ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ»، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَصَارَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَإِلَّا لَمَا أَخَّرُوهَا إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِيهِ إخْبَارٌ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالرَّوَاحَ كَانَا حِينَ الزَّوَالِ لَا أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ قَبْلَهُ وَحَدِيثُ سَلَمَةَ مَعْنَاهُ لَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ طَوِيلٌ بِحَيْثُ يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمَارُّ؛ لِأَنَّ حِيطَانَ الْمَدِينَةِ كَانَتْ قَصِيرَةً فَلَا يَظْهَرُ الظِّلُّ الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمَارُّ إلَّا بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ وَمَعْنَى حَدِيثِ سَهْلٍ وَأَبِي سُهَيْلٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الْقَيْلُولَةَ وَالْغَدَاءَ إلَى مَا بَعْدَ الْجُمُعَةِ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ التَّبْكِيرِ إلَيْهَا قَالَ ﵀ (فَتَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ) أَيْ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ الظُّهْرَ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِ الصَّلَاتَيْنِ قَالَ ﵀ (وَالْخُطْبَةُ قَبْلَهَا) أَيْ الْخُطْبَةُ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ شُرُوطِ أَدَائِهَا؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُصَلِّهَا بِدُونِهَا فَكَانَتْ شَرْطًا إذْ الْأَصْلُ هُوَ الظُّهْرُ وَسُقُوطُهُ بِالْجُمُعَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ وَمَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ لَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَلَوْ حَصَلَتْ فِي الْمَسْجِدَيْنِ مَعًا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا فَاسِدَةً وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا الْجُمُعَةَ مَعًا إنْ كَانَتْ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ صَلَّوْا الظُّهْرَ أَرْبَعًا هَكَذَا ذَكَرَ الطَّحْطَاوِيُّ هُنَا وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ وَأَمَّا صَلَاةُ الْعِيدِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْهُمَا فَجَائِزٌ إجْمَاعًا. اهـ. وَفِيهِ وَلَوْ نَزَلَ بِأَهْلِ مِصْرٍ نَازِلَةٌ وَخَرَجُوا مِنْ الْمِصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَصَلَّى بِهِمْ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ إنْ كَانُوا فِي فِنَاءِ الْمِصْرِ صَحَّ، وَإِنْ كَانُوا بَعِيدًا لَا وَكَذَا صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَالسُّلْطَانُ إلَخْ) قَالَ فِي الْعُيُونِ وَالِي مِصْرٍ قَدْ مَاتَ وَلَمْ يَبْلُغْ مَوْتُهُ الْخَلِيفَةَ حَتَّى مَضَتْ بِهِ الْجُمَعُ فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ أَوْ صَاحِبُ شُرْطَةٍ أَوْ الْقَاضِي جَازَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِمْ أَمْرَ الْعَامَّةِ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْعَامَّةُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا مِنْ غَيْرِ أَمْرِ خَلِيفَةِ الْمَيِّتِ أَوْ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ وَلَمْ تَكُنْ جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِمْ أَمْرَهُمْ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَاضٍ وَلَا خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ بِأَنْ كَانَ الْكُلُّ هُوَ الْمَيِّتُ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ ﵁ مَحْصُورٌ لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ (قَوْلُهُ وَشَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ إمَامٌ إلَخْ) قَالَ الْعَيْنِيُّ وَتَجُوزُ خَلْفَ الْمُتَغَلِّبِ الَّذِي هُوَ لَا مَنْشُورَ لَهُ مِنْ السُّلْطَانِ إذَا كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي رَعِيَّتِهِ سِيرَةُ الْأُمَرَاءِ اهـ (قَوْلُهُ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ ﵀ وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُجْعَلْ إلَى السُّلْطَانِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَفْوِيتِهَا عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَسْبِقُ إلَى إقَامَتِهَا لِغَرَضٍ مَعَ نَفَرٍ يَسِيرٍ فَيُفَوِّتُهَا عَلَى الْبَاقِينَ فَجُعِلَتْ إلَى السُّلْطَانِ لِيُسَوِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا تَفُوتَ بَعْضَهُمْ. اهـ. . (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَوَقْتُ الظُّهْرِ إلَخْ) وَقَالَ مَالِكٌ تَصِحُّ وَقْتَ الْعَصْرِ. اهـ. أَقْطَعُ (قَوْلُهُ لِاخْتِلَافِ الصَّلَاتَيْنِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ اهـ ع. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْخُطْبَةُ قَبْلَهَا إلَخْ) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَالسَّعْيُ لَا يَجِبُ إلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِاسْتِمَاعِهَا وَنَهَى عَنْ التَّشَاغُلِ عَنْهَا، وَهَذَا صِفَةُ الْوَاجِبِ. اهـ. أَقْطَعُ (قَوْلُهُ مِنْ شُرُوطِ أَدَائِهَا) أَيْ حَتَّى لَوْ صَلَّوْا بِلَا خُطْبَةٍ أَوْ خَطَبُوا قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يَجُزْ. اهـ. عَيْنِيٌّ، وَلَوْ خَطَبَ بَعْدَ مَا صَلَّى لَمْ يَجُزْ، وَفِي الْعِيدِ لَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ صَلَّى يَجُوزُ وَالْفَرْقُ أَنَّا نَعْتَبِرُ التَّغْيِيرَ بِالتَّرْكِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْخُطْبَةَ فِي الْجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا لَوْ غَيَّرَ مَوْضِعَهَا، وَلَوْ تَرَكَ الْخُطْبَةَ فِي الْعِيدِ يَجُوزُ فَكَذَا إذَا غَيَّرَ مَوْضِعَهَا اهـ

стр. 220

وَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانُوا صُمًّا أَوْ نِيَامًا. قَالَ ﵀ (وَتُسَنُّ خُطْبَتَانِ بِجِلْسَةٍ بَيْنَهُمَا وَبِطَهَارَةِ قَائِمًا) بِهَا وَرَدَ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ عَنْهُ ﵊، وَلَوْ خَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً أَوْ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا أَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ غَيْرِ قَائِمٍ جَازَتْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الذِّكْرُ وَالْوَعْظُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَةِ التَّوَارُثِ وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا إذَا كَانَ جُنُبًا كَأَذَانِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ الْخُطْبَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ لَهَا دُخُولُ الْوَقْتِ فَلِذَا يُشْتَرَطُ لَهَا سَائِرُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَةِ الْمَكَانِ وَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَعِنْدَنَا لَا تَقُومُ مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا تُنَافِي الصَّلَاةَ لِمَا فِيهَا مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَالْكَلَامِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا شَرَائِطُ الصَّلَاةِ وَرُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ خَطَبُوا خُطْبَةً وَاحِدَةً مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَالْمُغِيرَةُ وَأُبَيُّ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ وَجُلُوسُهُ ﵊ كَانَ لِلِاسْتِرَاحَةِ. قَالَ ﵀ (وَكَفَتْ تَحْمِيدَةٌ أَوْ تَهْلِيلَةٌ أَوْ تَسْبِيحَةٌ) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَارْتُجَّ عَلَيْهِ فَنَزَلَ وَصَلَّى بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً، وَأَقَلُّهُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ إلَى قَوْلِهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يُثْنِي بِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ هِيَ الْوَاجِبَةُ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً عُرْفًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا تَلَوْنَا وَمَا رَوَيْنَا وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً عُرْفًا، وَلَئِنْ سَلِمَ فَهُوَ عُرْفٌ عَمَلِيٌّ وَقَعَ لِأَجْلِ الِاسْتِحْبَابِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ عَلَى الْأَدْنَى كَمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. قَالَ ﵀ (وَالْجَمَاعَةُ) أَيْ شَرْطُ أَدَائِهَا الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ قَالَ ﵀ (وَهُمْ ثَلَاثَةٌ) أَيْ أَقَلُّ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ إلَخْ) فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ شُرِعَتْ الْخُطْبَةُ شَرْطًا لِلْجَوَازِ وَالشُّرُوطُ تَكُونُ مُقَدَّمَةً عَلَى الْمَشْرُوطِ لَهُ إلَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَهُوَ الشَّفْعُ الثَّانِي فَكَمَا لَا تَجُوزُ إقَامَةُ الشَّفْعِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَكَذَا الْخُطْبَةُ. اهـ. ذَخِيرَةٌ، وَفِيهَا وَلَوْ خَطَبَ فِي الْوَقْتِ وَالْقَوْمُ غُيَّبٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يُعْتَدُّ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، وَهَذِهِ إقَامَةٌ عُرِفَتْ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَهُمَا فَيُرَاعَى لِإِقَامَتِهَا جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَالنَّبِيُّ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ مَا خَطَبُوا إلَّا عِنْدَ الْجَمْعِ. اهـ. (قَوْلُهُ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ إلَخْ) فَإِنْ خَطَبَ وَحْدَهُ أَوْ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ أَوْ الصِّبْيَانِ لَا يَجُوزُ. اهـ. . (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتُسَنُّ خُطْبَتَانِ بِجِلْسَةٍ إلَخْ) وَمِقْدَارُهَا أَنْ يَسْتَقِرَّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ إلَخْ) قَالَ أَبُو نَصْرٍ ﵀، وَلَوْ خَطَبَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ اهـ (فَرْعٌ) خَطَبَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَأَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ نَظَرَ إنْ كَانَ الْمَأْمُورُ مِمَّنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ كَانَ شَهِدَ بَعْضَهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَيُصَلِّي بِهِمْ الظُّهْرَ فَلَوْ أَمَرَ هَذَا الْمَأْمُورُ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ غَيْرَهُ مِمَّنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ أَوْ بَعْضَهَا لَمْ يَجُزْ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ الْأَوَّلُ شَهِدَ الْخُطْبَةَ إلَّا أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَأَمَرَ مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ، وَلَوْ أَمَرَ الْمَأْمُورُ الْأَوَّلُ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يَصِحَّ الْأَمْرُ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَأْمُرُوا غَيْرَهُمْ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ فَاسِدًا. اهـ. ش الطَّحَاوِيُّ، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ بَعْدَ مَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْجُمُعَةِ أُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ اهـ. (فَائِدَةٌ) مِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ مُسْتَدْبِرًا الْقِبْلَةَ، وَالْقَوْمُ يَسْتَقْبِلُونَهُ بِوُجُوهِهِمْ وَهَلْ يُسَلِّمُ الْخَطِيبُ عَلَيْهِمْ فَعِنْدَنَا لَا يُسَلِّمُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ السَّلَامِ مِنْ خُرُوجِهِ إلَى الْمِنْبَرِ وَدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلَيْهِمْ كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» وَمَا رَوَاهُ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَمِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ أَنْ لَا يُطَوِّلَهَا؛ لِأَنَّهُ «﵊ أَمَرَ بِتَقْصِيرِ الْخُطْبَةِ». اهـ. أَبُو الْبَقَاءِ (قَوْلُهُ كَانَ لِلِاسْتِرَاحَةِ إلَخْ) ذَكَرَ الْغَزْنَوِيُّ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ فِي الْجُمُعَةِ خُطْبَةً وَاحِدَةً فَلَمَّا ثَقُلَ جَعَلَهَا خُطْبَتَيْنِ». اهـ. . (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكَفَتْ تَحْمِيدَةٌ إلَخْ) أَيْ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ تَهْلِيلَةٌ) أَيْ قَوْلُهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ تَسْبِيحَةٌ) أَيْ قَوْلُهُ سُبْحَانَ اللَّهِ اهـ ع (قَوْلُهُ فَارْتُجَّ عَلَيْهِ) أَيْ فَقَالَ إنَّكُمْ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَرْتَادَانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا وَسَتَأْتِيكُمْ الْخُطَبُ مِنْ بَعْدُ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. اهـ. أَقْطَعُ، وَفِي الْحَقَائِقِ لَوْ قَالَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَانَ هَذَا خُطْبَةً تَجُوزُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَقَالَا لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْخُطْبَةِ حَتَّى يَكُونَ كَلَامًا يُسَمَّى خُطْبَةً فِي الْعَادَةِ إلَّا أَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ حَتَّى إذَا أَجَابَ عَاطِسًا لَا يَنُوبُ عَنْ الْخُطْبَةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الزَّرَنْجَرِيُّ: أَقَلُّ مَا يُسَمَّى خُطْبَةً عَلَى قَوْلِهِمَا مِقْدَارُ التَّشَهُّدِ مِنْ قَوْلِهِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى قَوْلِهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. اهـ. . [شَرَائِط أَدَائِهَا] (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ) حَتَّى لَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْجُمُعَةِ وَحْدَهُ وَكَبَّرَ الْقَوْمُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالصُّفُوفُ مُتَّصِلَةٌ لَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ كَذَا ذَكَرَهُ هَذَا الشَّارِحُ ﵀ فِي بَابِ سَبْقِ الْحَدَثِ فَلْيُنْظَرْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَاسْتَخْلَفَ لَوْ إمَامًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ الْفَقِيهُ فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ إلَخْ وَمَا يَمْنَعُهُ بَعْدَ أَنْ رَقَمَ

стр. 221

الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةٌ (سِوَى الْإِمَامِ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ، وَهِيَ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا أَحْرَارٌ مُقِيمُونَ لَا يَظْعَنُونَ صَيْفًا وَلَا شِتَاءً إلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إمَامًا وَفِي أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ جُمُعَةً وَأَضْحَى وَفِطْرًا» وَلِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَحْدِيدِ الْمِصْرِ وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ إنَّمَا هُوَ الثَّلَاثُ لِكَوْنِهِ جَمْعًا تَسْمِيَةً، وَمَعْنًى وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ عَلَى حِدَةٍ، وَكَذَا الْإِمَامُ فَلَا يُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] يَقْتَضِي مُنَادِيًا وَذَاكِرًا وَالسَّاعِينَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اسْعَوْا جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ وَمَعَ الْمُنَادَى ثَلَاثَةٌ وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ضَعَّفَهُ أَهْلُ النَّقْلِ حَتَّى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْهُمْ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ، وَكَذَا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَيَرُدُّهُ أَيْضًا مَا رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] أَيْ قَائِمًا تَخْطُبُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ ﵊ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَقَدْ صَحَّ أَنَّهَا عُقِدَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. قَالَ ﵀ (فَإِنْ نَفَرُوا قَبْلَ سُجُودِهِ بَطَلَتْ) يَعْنِي إذَا أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ ثُمَّ نَفَرُوا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا تَبْطُلُ، وَلَوْ نَفَرُوا بَعْدَ السُّجُودِ لَا تَبْطُلُ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالْوَقْتِ وَالطَّهَارَةِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَقَدْ انْعَقَدَتْ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالْخُطْبَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ بَنَى عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ لِوُجُودِ الِانْعِقَادِ، وَإِنْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي رَكْعَةٍ وَلَهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ لَكِنَّ الِانْعِقَادَ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَتِمُّ الشُّرُوعُ فِيهَا مَا لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ بِالسَّجْدَةِ إذْ لَيْسَ لِمَا دُونَهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي مَا لَمْ يَسْجُدْ وَلَا يَتِمُّ الِانْعِقَادُ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ وَحْدَهُ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَشْرَعُ فِي الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ ابْتِدَاءً بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ وَمَعَ هَذَا لَوْ نَفَرُوا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمُوا بَطَلَتْ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الشُّرُوعِ كَافِيًا لَمَا بَطَلَتْ وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ وَلَا بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالْمَرْضَى وَالْأُمِّيِّينَ وَالْخُرَسَاءُ؛ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ؛ وَلِهَذَا صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ فِيهَا فَإِنَّ الْأُمِّيَّ وَالْأَخْرَسَ يَصْلُحُ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ قَوْمًا مِثْلَهُ بَعْدَ مَا خَطَبَ غَيْرُهُ وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَلَمْ يُحْرِمُوا حَتَّى قَرَأَ وَرَكَعَ فَأَحْرَمُوا بَعْدَ مَا رَكَعَ فَإِنْ أَدْرَكُوهُ فِي الرُّكُوعِ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِهَا بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فَيَكْتَفِي بِالِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ بَانِيًا عَلَى صَلَاتِهِ قَالَ ﵀ (وَالْإِذْنُ الْعَامُّ) أَيْ مِنْ شَرْطِ أَدَائِهَا أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ لِلنَّاسِ إذْنًا عَامًّا حَتَّى لَوْ غَلَقَ بَابَ قَصْرِهِ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَخَصَائِصِ الدِّينِ فَتَجِبُ إقَامَتُهَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِهَارِ، وَإِنْ فَتَحَ بَابَ قَصْرِهِ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهِ يَجُوزُ وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ حَقَّ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. قَالَ ﵀ (وَشَرْطُ وُجُوبِهَا الْإِقَامَةُ وَالذُّكُورَةُ وَالصِّحَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَسَلَامَةُ الْعَيْنَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ شُرُوطِ الْجَوَازِ وَهِيَ فِي غَيْرُ الْمُصَلَّى شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الْأَوْصَافُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمُصَلِّي وَقَدْ بَقِيَ لَهُ مِنْهَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فَإِنَّهُمَا مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ أَيْضًا. قَالَ ﵀ (وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ إنْ أَدَّاهَا جَازَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ)؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ لِأَجْلِهِ تَخْفِيفًا فَإِذَا تَحَمَّلَهُ جَازَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ وَاَلَّذِي لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالْمُخْتَفِي مِنْ السُّلْطَانِ الظَّالِمِ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ كَالْمُقْعَدِ وَالْمَفْلُوجِ وَمَقْطُوعِ الرِّجْلِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالْأَعْمَى، وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] لِعَلَاءٍ الْحَامِيِّ مَعَهُ صَفٌّ وَاحِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَبَاقِيهِ خَالٍ فَقَامَ رَجُلٌ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَزِيقَ الْبَابِ وَاصْطَفَّ النَّاسُ عِنْدَهُ تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَكَانٌ وَاحِدٌ فَاَلَّذِي عِنْدَ الْإِمَامِ كَأَنَّهُ عِنْدَ الْبَابِ حُكْمًا وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ السَّعْدِيِّ وَقَالَ فِي شَرْحِ بَكْرِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَشَرْحِ السَّرَخْسِيِّ لَا يَصِحُّ وَبِهِ قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ إلَخْ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ فِي أُصُولِهِ ظَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اثْنَانِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدَّرَهُ بِالْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ عِنْدَهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ حَتَّى لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَلَوْ قَالَتْ خَالَعَنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ دَرَاهِمَ، وَفِي يَدِهَا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ يَلْزَمُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ نِسَاءً وَلَا يَشْتَرِي عَبِيدًا أَوْ لَا يُكَلِّمُ رِجَالًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالثَّلَاثَةِ وَنَصَّ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ عَلَى أَنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَجَعَلَ أَبُو يُوسُفَ الْإِمَامَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمَا كَالثَّلَاثَةِ. اهـ. شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِأَبِي الْبَقَاءِ (قَوْلُهُ وَمَعَ الْمُنَادِي ثَلَاثَةٌ)، وَكَذَا مَعَ الذَّاكِرِ يَصِيرُونَ أَرْبَعَةً. اهـ. . (قَوْلُهُ فَإِنْ نَفَرُوا قَبْلَ سُجُودِهِ إلَخْ)، وَلَوْ افْتَتَحَ الْإِمَامُ وَخَلْفَهُ قَوْمٌ فَلَمْ يَفْتَتِحُوا، وَنَفَرُوا وَبَقِيَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَيَسْتَقْبِلُ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ جَاءَ قَوْمٌ آخَرُونَ فَوَقَفُوا خَلْفَ الْإِمَامِ، ثُمَّ نَفَرَ الْأَوَّلُونَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ. اهـ. بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ وَالْإِذْنُ الْعَامُّ) وَهِيَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا شَرْطًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ النِّدَاءَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَالنِّدَاءُ لِلْإِشْهَارِ، وَكَذَا تُسَمَّى جُمُعَةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْجَمَاعَاتُ كُلُّهَا مَأْذُونِينَ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الِاسْمِ. اهـ. بَدَائِعُ

стр. 222

وَالْعَبْدِ الَّذِي حَضَرَ بَابَ الْجَامِعِ لِيَحْفَظَ دَابَّةَ مَوْلَاهُ وَأَمْكَنَهُ الْأَدَاءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخِلَّ بِالْحِفْظِ وَالْأَجِيرِ؛ قَالَ ﵀ (وَلِلْمُسَافِرِ، وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) وَقَالَ زُفَرُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا جَازَتْ صَلَاتُهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ فَلَا يَكُونُ أَصْلًا وَلَنَا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْإِمَامَةِ وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُمْ الْوُجُوبُ تَحْقِيقًا لِلرُّخْصَةِ فَإِذَا حَضَرُوا تَقَعُ فَرْضًا كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَسْلُوبُ الْأَهْلِيَّةِ وَبِخِلَافِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إمَامًا لِلرِّجَالِ قَالَ ﵀ (وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ) أَيْ تَنْعَقِدُ بِحُضُورِهِمْ الْجُمُعَةَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْضُرْ غَيْرُهُمْ جَازَتْ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ فَأَوْلَى أَنْ يَصْلُحُوا لِلِاقْتِدَاءِ. قَالَ ﵀ (وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَهَا كُرِهَ) وَقَالَ زُفَرُ لَا يَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الْأَصْلُ إذْ هِيَ الْمَأْمُورُ بِهَا دُونَ الظُّهْرِ وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَلَنَا أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الظُّهْرُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ دُونَ الْجُمُعَةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ وَالتَّكْلِيفُ يَعْتَمِدُ الْوُسْعَ؛ وَلِهَذَا لَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ يَقْضِي بِنِيَّةِ الظُّهْرِ، وَهَذَا آيَةُ الْفَرْضِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ بِالْجُمُعَةِ فَيَكُونُ بِتَرْكِهِ مُسِيئًا فَيُكْرَهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ هُوَ الظُّهْرُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ زُفَرَ الْجُمُعَةُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الظُّهْرِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَهُ فِي الْجُمُعَةِ وَالثَّانِي لَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَيْهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ دُونَ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَقْضِي وَيُصَلِّي الظُّهْرَ بَعْدَهُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ زُفَرَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِضِيقِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ قَالَ ﵀ (فَإِنْ سَعَى إلَيْهَا بَطَلَ) أَيْ فَإِنْ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى الظُّهْرَ بَطَلَ ظُهْرُهُ هَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُدْرِكَهَا أَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا بَعْدُ وَأَقَامَهَا الْإِمَامُ بَعْدَ السَّعْيِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ فَرَغَ مِنْهَا أَوْ كَانَ سَعْيُهُ مُقَارِنًا لِفَرَاغِهِ أَوْ لَمْ يُقِمْهَا الْإِمَامُ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ فَلَا يَبْطُلُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الِانْفِصَالُ عَنْ دَارِهِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ قَبْلَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ وَقْتَ الِانْفِصَالِ وَلَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُدْرِكَهَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ فَلَا يَبْطُلُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَيَبْطُلُ عِنْدَ مَشَايِخِ بَلْخٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَبْطُلُ ظُهْرُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يُتِمَّهَا حَتَّى لَوْ أَفْسَدَهَا بَعْدَ مَا شَرَعَ فِيهَا لَا يَبْطُلُ الظُّهْرُ، لَهُمَا أَنَّ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ دُونَ الظُّهْرِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الظُّهْرُ وَالْجُمُعَةُ فَوْقَهُ فَيَبْطُلُ بِهَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ خَصَائِصِهَا فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُهَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَعْيٍ إلَيْهَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْجَامِعِ وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ مَعَ الْإِمَامِ حَيْثُ لَا يَبْطُلُ ظُهْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ فِي الْجُمُعَةِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى الْمَرِيضُ وَنَحْوُهُ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ بَطَلَ ظُهْرُهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ بِالِالْتِزَامِ يَلْتَحِقُ بِالصَّحِيحِ. قَالَ ﵀ (وَكُرِهَ لِلْمَعْذُورِ وَالْمَسْجُونِ أَدَاءُ الظُّهْرِ بِجَمَاعَةٍ فِي الْمِصْرِ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ وَلِأَنَّ فِي أَدَاءِ الظُّهْرِ بِجَمَاعَةٍ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا تَقْلِيلَ الْجَمَاعَةِ فِي الْجَامِعِ وَمُعَارَضَتَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِ أَهْلِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ هُنَاكَ فَلَا يُفْضِي إلَى التَّقْلِيلِ، وَلَا إلَى الْمُعَارَضَةِ. قَالَ ﵀ (وَمَنْ أَدْرَكَهَا فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَتَمَّ جُمُعَةً) وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ أَدْرَكَ أَكْثَرَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ أَتَمَّ جُمُعَةً وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا أَتَمَّ ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ جُمُعَةٌ مِنْ وَجْهٍ ظُهْرٌ مِنْ وَجْهٍ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي حَقِّهِ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا اعْتِبَارًا لِلظُّهْرِ وَيَقْعُدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ لَا مَحَالَةَ اعْتِبَارًا لِلْجُمُعَةِ وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِاحْتِمَالِ النَّفْلِيَّةِ وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» فَأَمَرَهُ ﵊ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّاهُ الْإِمَامُ قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ لَا صَلَاةٌ أُخْرَى وَلِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةُ الْجُمُعَةِ وَلَا وَجْهَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] [ شَرَائِط وُجُوبهَا] قَوْلُهُ وَالْعَبْدُ الَّذِي حَضَرَ بَابَ الْجَامِعِ) اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْعَبْدِ إذَا حَضَرَ مَعَ مَوْلَاهُ الْجُمُعَةَ أَوْ مُصَلَّى الْعِيدِ لِيَحْفَظَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْجَامِعِ أَوْ فِي الْمُصَلَّى هَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى قَالَ ﵀ الْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى إذَا كَانَ لَا يُخِلُّ بِحَقِّ مَوْلَاهُ فِي إمْسَاكِ دَابَّتِهِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ، وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ وَأَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي أَدَائِهَا. اهـ. ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ زُفَرُ لَا تَجُوزُ إلَخْ) أَيْ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا اهـ وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ عَبْدَهُ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالْعِيدَيْنِ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ الْجُمُعَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ أَدْرَكَ أَكْثَرَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) يَصِيرُ مُدْرِكًا لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. اهـ. بَدَائِعُ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ أَيْ بِأَنْ يُشَارِكَهُ فِي رُكُوعِهَا بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا أَتَمَّهَا ظُهْرًا إلَخْ) وَأَمَّا إذَا أَدْرَكَهُ بَعْدَ مَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَ مَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ وَعَادَ إلَيْهِمَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ لِوُقُوعِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِانْعِدَامِ الْمُشَارَكَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا وَلَا تَكُونُ الْأَرْبَعُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ظُهْرًا مَحْضًا حَتَّى قَالَ يَقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ كُلِّهَا وَعَنْهُ فِي افْتِرَاضِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ عَنْهُ فَرْضٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُعَلَّى عَنْهُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَكَأَنَّ مُحَمَّدًا سَلَكَ طَرِيقَةَ الِاحْتِيَاطِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ فَأَوْجَبَ مَا يَخْرُجُ عَنْ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ جُمُعَةً كَانَ الْفَرْضَ أَوْ ظُهْرًا وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْأَرْبَعُ ظُهْرٌ مَحْضٌ. اهـ. بَدَائِعُ قَوْلُهُ «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ إلَخْ وَلَكِنْ ائْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ». اهـ. .

стр. 223

لِمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا تُبْنَى إحْدَاهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْأُخْرَى؛ وَلِهَذَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ بِنَاءُ الظُّهْرِ عَلَيْهَا. قَالَ ﵀ (وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ) أَيْ صَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ (فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ إذَا خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ وَإِذَا نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ وَاخْتَلَفَا فِي جُلُوسِهِ إذَا سَكَتَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُبَاحُ لَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُبَاحُ لَهُ، لَهُمَا أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ لِلْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ وَلَا اسْتِمَاعَ هُنَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا تَمْتَدُّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَمْتَدُّ فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ وَالنَّائِي عَنْ الْمِنْبَرِ لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ النَّاسِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسَبِّحَ وَيُهَلِّلَ وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي رِوَايَةٍ وَالْأَحْوَطُ الْإِنْصَاتُ. قَالَ ﵀ (وَيَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَقِيلَ بِالْأَذَانِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵊ إلَّا هُوَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَجَّهَ عِنْدَ الْأَذَانِ الثَّانِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّنَّةِ قَبْلَهَا، وَمِنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ بَلْ يُخْشَى عَلَيْهِ فَوَاتُ الْجُمُعَةِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْجُمُعَةِ يَجِبُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا أَحَدٌ؛ وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْوَقْتِ. قَالَ ﵀ (فَإِنْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أُذِّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأُقِيمَ بَعْدَ تَمَامِ الْخُطْبَةِ) بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. [بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) قَالَ ﵀ (تَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ بِشَرَائِطِهَا) أَيْ بِشَرَائِطِ الْجُمُعَةِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ) أَيْ وَلَا يُشَمِّتُوا الْعَاطِسَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْعَاطِسَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ مَاذَا يَصْنَعُ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ يَحْمَدُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ وَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الْخُطْبَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى بِلِسَانِهِ. اهـ. ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ وَاخْتَلَفَا فِي جُلُوسِهِ إذَا سَكَتَ إلَخْ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ هُنَا فَصْلٌ آخَرُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ نَحْوَ، إنْ رَأَى مُنْكَرًا مِنْ إنْسَانٍ فَنَهَاهُ بِيَدِهِ أَوْ أُخْبِرَ بِخَبَرٍ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ هَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ؟ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ كَرِهَ وَسَوَّى بَيْنَ الْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ وَبَيْنَ التَّكَلُّمِ بِاللِّسَانِ قَالَ ﵀ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ». اهـ. ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ وَالنَّائِي عَنْ الْمِنْبَرِ إلَخْ) قَالَ الْأَقْطَعُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الْإِمَامِ لَا يَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ فَاخْتَارَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ السُّكُوتَ وَاخْتَارَ نَصْرُ بْنُ يَحْيَى قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ النَّائِي عَنْ الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بَلْ يَسْكُتُ هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتُ مَقْصُودٌ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِمَاعِ قَدَرَ عَلَى الْإِنْصَاتِ. اهـ. وَالصَّلَاةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ وَتَكَلَّمُوا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الْمَقْصُورَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا يَلِي الْمَقْصُورَةَ؛ لِأَنَّهُ يُمْنَعُ الْعَامَّةُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمَقْصُورَةِ فَلَا يَتَطَرَّقُ الْعَامَّةُ إلَى الدُّخُولِ اهـ وَتَكَلَّمُوا فِي الدُّنُوِّ مِنْ الْإِمَامِ أَفْضَلُ أَمْ التَّبَاعُدِ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ الصَّحِيحُ أَنَّ الدُّنُوَّ مِنْ الْإِمَامِ أَفْضَلُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ التَّبَاعُدَ أَفْضَلُ كَيْ لَا يَسْمَعَ مَدْحَ الظَّلَمَةِ وَالدُّعَاءَ لَهُمْ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَيَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَلَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ لِلسَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكْرَهُ بَعْدَهُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ لَهُ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ إنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَلَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ لَا يُكْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ وَيُكْرَهُ لَهُ الْخُرُوجُ قَبْلَ أَدَائِهَا اهـ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَالَ إنَّا لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُصَّ لَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ قِيلَ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ يَتَحَقَّقُ مَبْدَأُ الْفِنَاءِ إذْ هُوَ مُقَدَّرٌ بِغَلْوَةٍ فِي الْمُخْتَارِ أَوْ لِبُيُوتِ مِصْرِهِ وَقِيلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَالْفِنَاءُ مُلْتَحِقٌ بِالْمِصْرِ شَرْعًا حَتَّى جَازَتْ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدَانِ فِيهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَقْصُرَ بِمُجَرَّدِ الْمُفَارَقَةِ لِلْبُيُوتِ بَلْ إذَا جَاوَزَ الْفِنَاءَ أُجِيبُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أُلْحِقَ بِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ حَوَائِجِ أَهْلِهِ الْمُقِيمِينَ فِيهِ لَا مُطْلَقًا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ مَنَعَ الْجُمُعَةَ فِيهِ إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا عَنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ، وَفِي قَاضِي خَانْ فَصَّلَ فِي الْفِنَاءِ فَقَالَ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ أَقَلُّ مِنْ غَلْوَةٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ تُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ الْفِنَاءِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ أَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ قَدْرَ غَلْوَةٍ يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ عُمْرَانِ الْمِصْرِ هَذَا وَإِذَا كَانَتْ قَرْيَةً أَوْ قُرًى مُتَّصِلَةً بِالْمِصْرِ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَهَا، وَفِي الْفَتَاوَى أَيْضًا إنْ كَانَ فِي الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَحَلَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْمِصْرِ، وَفِي الْقَدِيمِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْمِصْرِ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ تِلْكَ الْمَحَلَّةَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ صَدَقَ مُفَارَقَةُ بُيُوتِ الْمِصْرِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِ الْقَصْرِ فَفِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ إرْسَالٌ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَلَوْ ادَّعَيْنَا أَنَّ بُيُوتَ تِلْكَ الْقُرَى دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى بُيُوتِ الْمِصْرِ انْدَفَعَ هَذَا لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ ظَاهِرٌ. اهـ. . (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ)

стр. 224

(سِوَى الْخُطْبَةِ) نَصٌّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ وَالثَّانِي فَرْضٌ وَلَا يُتْرَكُ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى السُّنِّيَّةِ وَوَجْهُهُ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ عَقِيبَ قَوْلِهِ فَهَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ «قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةُ الْعِيدِ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] فِي تَأْوِيلٍ وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَهِيَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَكَذَا لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَالْأَوَّلُ سَنَةٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ وَلَا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. قَالَ ﵀ (وَنُدِبَ فِي الْفِطْرِ أَنْ يَطْعَمَ) أَيْ يَأْكُلَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى لِقَوْلِ أَنَسٍ ﵁ «قَلَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا حُلْوًا لِمَا رَوَيْنَا قَالَ ﵀ (وَيَغْتَسِلُ وَيَسْتَاكُ وَيَتَطَيَّبُ)؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ كَالْجُمُعَةِ قَالَ ﵀ (وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ بُرْدَ حِبَرٍ» قَالَ ﵀ (وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ نُؤَدِّيَهَا قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» وَعَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهُوَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَأْكُلَ هُوَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى فَيُقَدِّمُ لِلْفَقِيرِ لِيَأْكُلَ قَبْلَهَا فَيَتَفَرَّغُ قَلْبُهُ لِلصَّلَاةِ. قَالَ ﵀ (ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى الْمُصَلَّى غَيْرَ مُكَبِّرٍ وَمُتَنَفِّلٍ قَبْلَهَا) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ لَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قَالَ أَكْثَرُهُمْ هُوَ التَّكْبِيرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ﵃ أَجْمَعِينَ -؛ وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهِ مِنْ الشَّعَائِرِ وَمَبْنَاهَا عَلَى الْإِشْهَارِ وَالْإِظْهَارِ دُونَ الْإِخْفَاءِ فَصَارَ كَالْأَضْحَى وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الْآيَةَ وَقَالَ ﵊ «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّنَاءِ الْإِخْفَاءُ إلَّا مَا خَصَّهُ الشَّرْعُ كَيَوْمِ الْأَضْحَى وَرُوِيَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّاسَ يُكَبِّرُونَ فَقَالَ لِقَائِدِهِ: أَكَبَّرَ الْإِمَامُ؟ قَالَ لَا قَالَ: أَفَجُنَّ النَّاسُ أَدْرَكْنَا مِثْلَ هَذَا الْيَوْمِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا كَانَ أَحَدٌ يُكَبِّرُ قَبْلَ الْإِمَامِ» وَسُئِلَ النَّخَعِيّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الْحَاكَةِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُمْنَعَ الْعَامَّةُ عَنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ وَقَوْلِهِ وَمُتَنَفِّلٍ أَيْ غَيْرِ مُتَنَفِّلٍ وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ فَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ إلَخْ) وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُوسَى الضَّرِيرُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ قَالَ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ فَصَارَتْ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. اهـ. أَقْطَعُ [مَنْدُوبَات عِيد الْفِطْر] (قَوْلُهُ بُرْدَ حِبْرٍ) الْحِبْرُ الْوَشْيُ مِنْ التَّحْبِيرِ بِمَعْنَى التَّحْسِينِ اهـ بِخَطِّ الشَّارِحِ. اهـ. حَانُوتِيٌّ (قَوْلُهُ فَهُوَ) هَكَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ وَكَتَبَ بِخَطِّهِ عَلَى الْهَامِشِ لَعَلَّهُ فَهِيَ. اهـ. (قَوْلُهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ) قَالَ الْأَقْطَعُ، وَهَذَا خِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ اهـ، ثُمَّ مَحَلُّ الْخِلَافِ التَّكْبِيرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى ذَاهِبًا لَا جَائِيًا إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا التَّكْبِيرُ فِيهِ جَهْرًا، ثُمَّ إذَا قُلْنَا يُكَبِّرُ ذَاهِبًا هَلْ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ إذَا وَصَلَ إلَى الْمُصَلَّى أَوْ يُكَبِّرُ إلَى حِينِ يَشْرَعُ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ رِوَايَتَانِ هَذَا وَبِقَوْلِهِمَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ جُبَيْرٍ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَالْحَكَمِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَمَّادٍ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَبِهِ نَأْخُذُ، ثُمَّ مَا أَوَّلُ وَقْتِ التَّكْبِيرِ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ سَلَمَةَ وَعُرْوَةُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَقَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ ابْتِدَاؤُهُ عِنْدَ الْغُدُوِّ إلَى الصَّلَاةِ لَا قَبْلَهَا وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ - قَالَ الْكَمَالُ الْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي الْفِطْرِ لَا فِي أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَعِنْدَهُمَا يَجْهَرُ بِهِ كَالْأَضْحَى وَعِنْدَهُ لَا يَجْهَرُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِمَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ التَّكْبِيرِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ بَلْ مِنْ إيقَاعِهِ عَلَى وَجْهِ الْبِدْعَةِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةٌ تُخَالِفُ الْأَمْرَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] فَيُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ فِي الْأَضْحَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَالْأَوْلَى الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ اهـ. (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إلَخْ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِأَبِي جَعْفَرٍ هَذَا الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ وَأَنْ يَكُونَ الْفَقِيهُ الْهِنْدُوَانِيُّ إذْ فِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَاَلَّذِي عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ الْعَامَّةُ مِنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَعَنْ الْفَقِيه أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَمِعْت أَنَّ مَشَايِخَنَا كَانُوا يَرَوْنَ التَّكْبِيرَ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ يُوسُفَ كَانَ يُفْتِي بِالتَّكْبِيرِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْأَيَّامِ الْعَشْرِ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَعِنْدِي: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُمْنَعَ الْعَامَّةُ مِنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ وَبِهِ نَأْخُذُ هَذَا فِي جَمْعِ التَّفَارِيقِ قِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يُكَبِّرُوا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ قَالَ نَعَمْ اهـ كَذَا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ الْعَلَّامَةِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ

стр. 225

اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَيْتِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى وَعَامَّتُهُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ خَرَجَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» وَيُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ وَالِابْتِكَارُ مَاشِيًا بَعْدَ مَا صَلَّى الْفَجْرَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ وَيَرْجِعُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى. قَالَ ﵀ (وَوَقْتُهَا مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى زَوَالِهَا) وَالْمُرَادُ بِالِارْتِفَاعِ أَنْ تَبْيَضَّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَقْتُهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا، وَلَنَا النَّهْيُ الْمَشْهُورُ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ «وَكَانَ ﵊ يُصَلِّي الْعِيدَ حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ وَحِينَ شَهِدَ الْوَفْدُ فِي الْيَوْمِ الْمُكَمِّلِ لِلثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَمَرَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْغَدِ»، وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا لَمَا أَخَّرَهَا. قَالَ ﵀ (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُثْنِيًا قَبْلَ الزَّوَائِدِ) أَمَّا الرَّكْعَتَانِ فَلِمَا رَوَيْنَا وَأَمَّا الثَّنَاءُ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ فَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَذْكَارِ. قَالَ ﵀ (وَهِيَ ثَلَاثٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) أَيْ التَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ ثَلَاثٌ فِي الْأُولَى وَثَلَاثٌ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ثِنْتَا عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً يَعْنِي مَعَ الْأُصُولِ فَالزَّوَائِدُ مِنْهَا خَمْسٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالشَّافِعِيُّ ﵀ أَخَذَ بِقَوْلِهِ وَلَكِنْ حَمَلَ مَا رُوِيَ عَنْهُ كُلُّهُ عَلَى الزَّوَائِدِ فَصَارَتْ الْجُمْلَةُ عِنْدَهُ مَعَ الثَّلَاثَةِ الْأُصُولِ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ وَظَهَرَ عَمَلُ الْعِلَّةِ الْيَوْمَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ بَنِيهِ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِذَلِكَ، احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ « ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدِ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ» صَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَنَا مَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ «أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ حِينَ سُئِلَ عَنْ تَكْبِيرَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ قَالَ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا كَتَكْبِيرِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ» وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَرَفْعَ الْأَيْدِي خِلَافُ الْمَعْهُودِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ أَحْوَطَ وَمَا رَوَاهُ ضَعَّفَهُ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ وَإِنَّمَا قَالَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ تُضَمُّ إلَيْهَا، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يُضَمُّ إلَيْهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ فَتَجِبُ كَوُجُوبِهَا فَيَكُونُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ. قَالَ ﵀ (وَيُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَالِسًا وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَسَأَلَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْرَأُ فَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ كَالْمَرْفُوعِ وَقَدْ رَفَعَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَيْضًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ الثَّنَاءِ وَالثَّنَاءُ حَيْثُ شُرِعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى شُرِعَ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِرَاءَةِ كَالِاسْتِفْتَاحِ وَفِي ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ( قَوْلُهُ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ) وَنَصَّ الْكَرْخِيُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَيْضًا. اهـ. وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى والْوَلْوَالِجِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ (قَوْلُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا) يَعْنِي فِي الْبَيْتِ وَالْمُصَلَّى اهـ بِخَطِّ الشَّارِحِ خَاصَّةً. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ وَالِابْتِكَارُ إلَخْ) التَّبْكِيرُ سُرْعَةُ الِانْتِبَاهِ وَالِابْتِكَارُ الْمُسَارَعَةُ إلَى الْمُصَلَّى اهـ بِخَطِّ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ وَيَرْجِعُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى) رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي ذَهَبَ مِنْهَا إلَى الْمُصَلَّى؛ لِأَنَّ مَكَانَ الْقُرْبَةِ يَشْهَدُ فَفِيهِ تَكْثِيرٌ لِلشُّهُودِ. اهـ. رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قَالَ أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ عَمِلَ كَذَا، وَكَذَا فِي كُلِّ يَوْمٍ كَذَا، وَكَذَا فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. اهـ. [وَقْت صَلَاة الْعِيد وكيفيتها] (قَوْلُهُ سَبْعًا فِي الْأُولَى إلَخْ) قَالَ الْأَقْطَعُ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ وَيَبْدَأُ فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ وَرَوَى مُعَلَّى عَنْهُ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَبِأَيِّ الْأَخْبَارِ أَخَذَ فَحَسَنٌ. اهـ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدِ الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ صَحَّحَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ. (فَرْعٌ) لَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ فَإِنَّهُ يَعُودُ وَيُكَبِّرُ وَقَدْ انْتَقَضَ رُكُوعُهُ وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ فَرْقٌ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي حَيْثُ أُمِرَ الْإِمَامُ بِالْعَوْدِ إلَى الْقِيَامِ وَلَمْ نَأْمُرْهُ بِالتَّكْبِيرَاتِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ حَيْثُ أُمِرَ الْمُقْتَدِي بِالتَّكْبِيرِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالْفَرْقُ أَنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرَاتِ فِي الْأَصْلِ الْقِيَامُ الْمَحْضُ وَإِنَّمَا أَلْحَقْنَا حَالَةَ الرُّكُوعِ بِالْقِيَامِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي ضَرُورَةَ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَبَقِيَ مَحَلُّهَا الْقِيَامُ الْمَحْضُ فَأُمِرَ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْعَوْدِ إلَى الْقِيَامِ ارْتِفَاضُ الرُّكُوعِ كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ الْفَاتِحَةَ فِي الرُّكُوعِ أَنَّهُ يَعُودُ وَيَرْكَعُ وَيَقْرَأُ وَيَرْتَفِضُ رُكُوعُهُ كَذَا هُنَا وَلَا يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهَا تَمَّتْ بِالْفَرَاغِ عَنْهَا وَالرُّكْنُ بَعْدَ تَمَامِهِ وَالِانْتِقَالُ عَنْهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّقْضِ وَالْإِبْطَالِ فَبَقِيَ عَلَى مَا تَمَّتْ هَذَا إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ الْقِرَاءَةِ أَمَّا إذَا تَذَكَّرَ قَبْلَ الْفَرَاغِ عَنْهَا بِأَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ دُونَ السُّورَةِ يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَيَأْتِي بِالتَّكْبِيرَاتِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِالْقِرَاءَةِ قَبْلَ أَوَانِهَا فَيَتْرُكُهَا وَيَأْتِي بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ لِكَوْنِ الْمَحَلِّ مَحَلًّا لَهُ، ثُمَّ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ مَتَى تُرِكَ قَبْلَ تَمَامِهِ يَرْتَفِضُ مِنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي نَفْسِهِ وَمَا لَا يَتَجَزَّأُ فِي نَفْسِهِ فَوُجُودُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْجُزْءِ الَّذِي بِهِ تَمَامُهُ فِي الْحُكْمِ وَنَظِيرُهُ مَنْ ذَكَرَ سَجْدَةً فِي الرُّكُوعِ خَرَّ لَهَا وَيُعِيدُ الرُّكُوعَ. اهـ. بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَالَ إلَى آخِرِ الْمَقَالَةِ) لَيْسَ مِنْ الْأَصْلِ بَلْ هُوَ حَاشِيَةٌ بِخَطِّ الشَّارِحِ عَلَى هَامِشِ نُسْخَتِهِ

стр. 226

الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ شُرِعَ مُؤَخَّرًا كَالْقُنُوتِ. قَالَ ﵀ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِدِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ وَذَكَرَ مِنْهَا تَكْبِيرَاتِ الْأَعْيَادِ» وَيَسْكُتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مِقْدَارَ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ؛ لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ وَبِالْمُوَالَاةِ تُشْتَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ نَائِيًا. قَالَ ﵀ (وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ)؛ لِأَنَّهُ «﵊ خَطَبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ» بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ يَخْطُبُ لَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ فِيهَا شَرْطٌ وَشَرْطُ الشَّيْءِ يَتَقَدَّمُهُ أَوْ يُقَارِنُهُ وَفِي الْعِيدِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَهَا جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فَبِتَغْيِيرِهَا أَوْلَى وَيُكْرَهُ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ قَالَ ﵀ (يُعَلِّمُ) النَّاسَ (فِيهَا أَحْكَامَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ)؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ قَالَ ﵀ (وَلَمْ تُقْضَ إنْ فَاتَتْ مَعَ الْإِمَامِ) يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّاهَا مَعَ جَمَاعَةٍ وَفَاتَتْ بَعْضَ النَّاسِ لَا يَقْضِيهَا مَنْ فَاتَتْهُ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ، وَكَذَلِكَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِصِفَةِ كَوْنِهَا صَلَاةَ الْعِيدِ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا بِشَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِالْمُنْفَرِدِ. قَالَ ﵀ (وَتُؤَخَّرُ بِعُذْرٍ إلَى الْغَدِ فَقَطْ) أَيْ تُؤَخَّرُ صَلَاةُ الْعِيدِ إلَى الْغَدِ إذَا مَنَعَهُمْ مِنْ إقَامَتِهَا عُذْرٌ بِأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ الْهِلَالُ وَشَهِدَ عِنْدَ الْإِمَامِ بِالْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ جَمْعُ النَّاسِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ صَلَّاهَا فِي يَوْمِ غَيْمٍ فَظَهَرَ أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا رَوَيْنَا وَلَا تُؤَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَى الْغَدِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا أَنْ لَا تُقْضَى كَالْجُمُعَةِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ «أَنَّهُ ﵊ أَخَّرَهَا إلَى الْغَدِ» وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ أَخَّرَهَا إلَى مَا بَعْدَهُ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ. قَالَ ﵀ (وَهِيَ أَحْكَامُ الْأَضْحَى) أَيْ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْفِطْرِ مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ إلَى هُنَا مِنْ الشُّرُوطِ وَالْمَنْدُوبَاتُ هِيَ أَحْكَامُ يَوْمِ الْأَضْحَى فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْدَادِ مَا يُوَافِقُ تِلْكَ الْأَحْكَامِ فَتَرَكَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَّ مَا يُخَالِفُهَا مِنْ الْأَحْكَامِ لِلْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهَا قَالَ ﵀ (لَكِنْ هُنَا يُؤَخِّرُ الْأَكْلَ عَنْهَا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يَطْعَمُ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» وَقِيلَ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُضَحِّي لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ لَا أَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا، ثُمَّ قِيلَ الْأَكْلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْكُلَ. قَالَ ﵀ (وَيُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ جَهْرًا)؛ لِأَنَّهُ «﵊ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ جَهْرًا» قَالَ ﵀ (وَيُعَلِّمُ الْأُضْحِيَّةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ) فِي الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَعْلِيمِ أَحْكَامِ الْوَقْتِ قَالَ ﵀ (وَتُؤَخَّرُ بِعُذْرٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أَيْ صَلَاةُ الْأَضْحَى وَلَا تُؤَخَّرُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَجُوزُ مَا دَامَ وَقْتُهَا بَاقِيًا وَلَا تَجُوزُ بَعْدَ خُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى، ثُمَّ الْعُذْرُ هُنَا لِنَفْيِ الْكَرَاهِيَةِ حَتَّى لَوْ أَخَّرُوهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ وَقَدْ أَسَاءُوا وَفِي الْفِطْرِ لِلْجَوَازِ حَتَّى لَوْ أَخَّرُوهَا إلَى الْغَدِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا تَجُوزُ. قَالَ ﵀ (وَالتَّعْرِيفُ لَيْسَ بِشَيْءٍ)، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَشَبُّهًا بِالْوَاقِفِينَ بِعَرَفَةَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْبَصْرَةِ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْوُقُوفَ عُرِفَ عِبَادَةً مُخْتَصَّةً ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِدِ إلَخْ) وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَرْفَعُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ» وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ قَائِمَةٍ مَقَامَ غَيْرِهَا فَتُرْفَعُ الْيَدُ عِنْدَهَا كَالتَّكْبِيرِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَكْبِيرٌ مَسْنُونٌ فَصَارَ كَتَكْبِيرِ الرُّكُوعِ. اهـ. أَقْطَعُ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَرْفَعُ قِيَاسًا عَلَى تَكْبِيرِ الرُّكُوعِ اهـ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إذَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرَاتِ يَقْضِيهَا، ثُمَّ يَرْكَعُ الْأَنْفَعُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ، وَفِي الْمَنَافِعِ، وَكَذَا رِعَايَةُ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي الِافْتِتَاحِ حَتَّى يَجِبَ سُجُودُ السَّهْوِ إذَا قَالَ اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ دُونَ غَيْرِهَا. اهـ. تَتَارْخَانْ (قَوْلُهُ وَبِالْمُوَالَاةِ يُشْتَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ نَائِيًا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي فِي دَفْعِ الِاشْتِبَاهِ عَنْهُمْ هَذَا الْقَدْرُ فَصَلَ بِأَكْثَرَ أَوْ كَانَ يَكْفِي لِذَلِكَ أَقَلُّ سَكْتٍ أَقَلَّ وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ عِنْدَنَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْعِيدِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]» وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّةً فِي الْعِيدَيْنِ فَقَطْ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ إلَخْ) وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ يُكَبِّرُ الْقَوْمُ مَعَهُ وَإِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي النَّاسُ فِي أَنْفُسِهِمْ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَسُنَّةِ الْإِنْصَاتِ. اهـ. تَتَارْخَانْ (قَوْلُهُ أَوْ صَلَّاهَا فِي يَوْمِ غَيْمٍ إلَخْ) لَوْ ظَهَرَ الْغَلَطُ فِي الْعِيدَيْنِ بِأَنْ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الزَّوَالِ يَنْظُرُ فِي بَابِ الْهَدْيِ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَلَوْ شَهِدُوا بِوُقُوفِهِمْ قَبْلَ يَوْمِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ أَخَّرُوهَا إلَى الْغَدِ إلَخْ) قَالَ السُّرُوجِيُّ ﵀ فِي الْغَايَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُصَلِّهَا الْإِمَامُ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى بِغَيْرِ عُذْرٍ صَلَّاهَا فِي الْغَدِ فِي وَقْتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي الْغَدِ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ صَلَّاهَا بَعْدَ غَدٍ فِي الْوَقْتِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَهُ لِخُرُوجِ أَيَّامِ التَّضْحِيَةِ الَّتِي هِيَ أَيَّامُ الْعِيدِ لَكِنَّ التَّارِكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ مُسِيءٌ اهـ. فَقَوْلُهُ الَّتِي هِيَ أَيَّامُ الْعِيدِ فِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ تَقَعُ أَدَاءً لَا قَضَاءً لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ ﵀ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةَ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْغَدِ تَقَعُ قَضَاءً لَا أَدَاءً فَرَاجِعْهُ اهـ ك

стр. 227

بِالْمَكَانِ فَلَا يَكُونُ عِبَادَةً دُونَهُ كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ وَفِعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ خَرَجَ لِلدُّعَاءِ لِأَجْلِ الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ لَا لِلتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ عَرَفَةَ. [تَكْبِير التَّشْرِيق وَقْته وعدده وَشُرُوطه] قَالَ ﵀ (وَسُنَّ بَعْدَ فَجْرِ عَرَفَةَ إلَى ثَمَانِ مَرَّةً اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِرِهِ بِشَرْطِ إقَامَةٍ وَمِصْرٍ وَمَكْتُوبَةٍ وَجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ) وَالْكَلَامُ فِي تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ - فِي صِفَتِهِ وَالثَّانِي - فِي وَقْتِهِ وَالثَّالِثُ - فِي عَدَدِهِ وَمَاهِيَّتِهِ وَالرَّابِعُ - فِي شُرُوطِهِ فَأَمَّا صِفَتُهُ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَلِأَنَّهُ مِنْ الشَّعَائِرِ فَصَارَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَتَكْبِيرَاتِهِ وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَسُنَّ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ اسْمَ السُّنَّةِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الطَّرِيقَةِ الْمَرْضِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِيمَا بَعْدُ وَبِالِاقْتِدَاءِ يَجِبُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَمَا وَجَبَ بِالِاقْتِدَاءِ. وَأَمَّا وَقْتُهُ فَأَوَّلُهُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُنَا وَآخِرُهُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذْ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ بِدْعَةٌ فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ أَوْلَى احْتِيَاطًا. وَأَمَّا عَدَدُهُ وَمَاهِيَّتُهُ فَهِيَ أَنْ يَقُولَ مَرَّةً وَاحِدَةً: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخَلِيلِ ﵇ وَأَمَّا شُرُوطُهُ فَقَدْ قَالَ فِي الْكِتَابِ بِشَرْطِ إقَامَةٍ وَمِصْرٍ وَمَكْتُوبَةٍ وَجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ احْتِرَازًا عَنْ الْمُسَافِرِينَ وَالْقُرَى وَالنَّافِلَةِ وَالْوِتْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمُنْفَرِدِ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِ مُسْتَحَبَّةٍ كَجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ شُرُوطَهُ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ غَيْرَ الْخُطْبَةِ وَالسُّلْطَانِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا هُوَ عَلَى كُلِّ مَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَلَهُ مَا رَوَيْنَا مِنْ أَثَرِ عَلِيٍّ فِي الْجُمُعَةِ وَمِنْ شُرُوطِهِ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ صَلَاةَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَدَاؤُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِأَنْ أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا أَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ لَمْ يَفُتْ عَنْ وَقْتِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَصَارَ كَرَمْيِ الْجِمَارِ. وَأَمَّا إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ قَبْلَ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَقَضَاهَا فِيهَا لَا يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى وَفْقِ الْأَدَاءِ، وَكَذَا لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ قَضَاهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ قَابِلٍ لَا يُكَبِّرُ عَقِيبَهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ فَاتَتْ عَنْ وَقْتِهَا فَلَا تُقْضَى كَرَمْيِ الْجِمَارِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ. قَالَ ﵀ (وَبِالِاقْتِدَاءِ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ) يَعْنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَالْمَرْأَةُ تُخَافِتُ بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ تَحْرِيمَةٌ لَكِنْ لَا يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ وَيُكَبِّرُ بَعْدَ مَا قَضَى مَا فَاتَهُ لِمَا نُبَيِّنُ مِنْ الْمَعْنَى ، وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ يُكَبِّرُ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّهُ يُؤَدَّى فِي أَثَرِ الصَّلَاةِ لَا فِي نَفْسِهَا فَلَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ فِيهِ حَتْمًا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي حَالَةِ السُّجُودِ دُونَ حَالَةِ التَّكْبِيرِ، وَكَذَا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَمِنْ شُرُوطِهِ) هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا لَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ. اهـ. . (قَوْلُهُ لَا يُكَبِّرُ عَقِيبَهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ إلَخْ) الَّذِي يُؤَدَّى عَقِيبَ الصَّلَاةِ سَجْدَتَا السَّهْوِ وَتَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ وَالتَّلْبِيَةُ فَسَجْدَتَا السَّهْوِ تُؤَدَّى فِي تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا سَهْوٍ وَتَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ يُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ لَا فِي تَحْرِيمِهَا فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ وَالتَّلْبِيَةُ لَا تُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَلَا فِي تَحْرِيمَتِهَا وَتُؤَدَّى عِنْدَ الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ فَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا وَسَهَا سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ لَبَّى فَإِنْ لَبَّى أَوَّلًا سَقَطَ التَّكْبِيرُ كَأَنَّهُ تَكَلَّمَ وَالْكَلَامُ يُسْقِطُ التَّكْبِيرَ وَسُجُودَ السَّهْوِ كَذَا نَقَلْته مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: اعْلَمْ أَنَّ التَّكْبِيرَ يُؤَدَّى بِنَاءً عَلَى الصَّلَاةِ لَا فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَمِنْ حَيْثُ يُؤَدَّى بِنَاءً عَلَى الصَّلَاةِ فَكُلُّ مَا يَقْطَعُ الْبِنَاءَ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ وَكُلُّ مَا لَا يَقْطَعُ الْبِنَاءَ لَا يُسْقِطُ التَّكْبِيرَ فَإِذَا تَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ ضَحِكَ فَقَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا أَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى أَوْ أَعْرَضَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلتَّكْبِيرِ أَوْ خَرَجَ عَنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ سَاهٍ عَنْهُ أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَقْطَعُ الْبِنَاءَ وَتُسْقِطُ التَّكْبِيرَ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ لَوْ أَنَّ إنْسَانًا اقْتَدَى بِهِ فِي التَّكْبِيرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ وَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْإِمَامِ بِالْكَلَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ. وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى رَأْيَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ خَلْفَهُ يَرَى رَأْيَ عَلِيٍّ ﵄ يُكَبِّرُ، وَإِنْ تَرَكَ إمَامُهُمْ. اهـ. (قَوْلُهُ لَكِنْ لَا يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ تَابَعَهُ فِي التَّكْبِيرِ قَبْلَ الْقَضَاءِ لِمَا سُبِقَ بِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ لَيْسَ مِمَّا يُضَادُّ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ تَكْبِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا تَابَعَهُ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِمَامِ سَهْوٌ حَيْثُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْفِرَادُ فِيهِ. اهـ. وَكَذَا إذَا تَابَعَ فِي التَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ كَلَامٌ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ إذَا كَانُوا مُحْرِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يُؤْتَى بِهَا لَا فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَلَا بِنَاءً عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهَا جَوَابٌ لِنِدَاءِ إبْرَاهِيمَ ﵊، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الْإِمَامِ تَكْبِيرٌ وَسَجْدَتَا السَّهْوِ وَالتَّلْبِيَةُ فَأَوَّلًا يَبْدَأُ بِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدَّى بِنَاءً عَلَى الصَّلَاةِ وَيَخْتَصُّ بِهَا ثُمَّ بِالتَّلْبِيَةِ، وَلَوْ بَدَأَ بِالتَّلْبِيَةِ سَقَطَ عَنْهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ وَالتَّكْبِيرُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ يَقْطَعُ الْبِنَاءَ اهـ

стр. 228

الْمَسْبُوقُ يُتَابِعُهُ فِيهِ وَلَا يُؤَخِّرُ لِمَا ذَكَرْنَا. وَيَنْتَظِرُ الْمُقْتَدِي الْإِمَامَ حَتَّى يَأْتِيَ بِشَيْءٍ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ وَهِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَقْطَعُ الْبِنَاءَ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْحَدَثِ الْعَمْدِ وَالْكَلَامِ، وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ تَوَضَّأَ وَكَبَّرَ عَلَى الصَّحِيحِ (بَابُ الْكُسُوفِ) قَالَ ﵀: (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَالنَّفْلِ إمَامُ الْجُمُعَةِ) وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ كَالنَّفْلِ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ»، وَلَنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ قَبِيصَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَيَنْتَظِرُ الْمُقْتَدِي الْإِمَامَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا نَسِيَ تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ فَمَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُهُ الْقَوْمُ لِبَقَاءِ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَإِنْ خَرَجَ أَوْ أَتَى بِمَا يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ وَذَلِكَ كَالْقَهْقَهَةِ وَالْحَدَثِ الْعَمْدِ كَبَّرُوا؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَتْ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ، وَكَذَا إذَا اقْتَدَى بِمَنْ لَا يَرَى التَّكْبِيرَ عَقِيبَ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَرَى ذَلِكَ كَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدَّى فِي تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ بَلْ فِي إثْرِ الصَّلَاةِ فَيُتَابِعُهُ إنْ أَتَى بِهِ وَإِلَّا انْفَرَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا يُؤَدَّى فِي تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ يَتْرُكُهُ الْمُقْتَدِي. اهـ. (قَوْلُهُ، وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ يُكَبِّرُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّ سَبْقَ الْحَدَثِ لَا يَقْطَعُ الْبِنَاءَ فَلَا يُسْقِطُ التَّكْبِيرَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَبَّرَ عَلَى الصَّحِيحِ إلَخْ)، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَلَا يَخْرُجُ لِلطَّهَارَةِ اهـ. [بَابُ الْكُسُوفِ] [كَيْفِيَّة صَلَاة الْكُسُوف] (قَوْلُهُ: بَابٌ الْكُسُوفُ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يُصَلِّي نَافِلَةً فِي جَمَاعَةٍ إلَّا قِيَامَ رَمَضَانَ وَصَلَاةَ الْكُسُوفِ وَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ إنْ شَاءُوا صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَالتَّخْيِيرُ يَكُونُ فِي النَّوَافِلِ لَا فِي الْوَاجِبَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ وَاجِبٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ إبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ: إنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَلَا إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ أَوْ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَاحْمَدُوا اللَّهَ تَعَالَى وَكَبِّرُوهُ وَسَبِّحُوهُ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَقُومُوا وَصَلُّوا» وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ. اهـ. وَتَسْمِيَةُ مُحَمَّدٍ إيَّاهَا نَافِلَةً لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الزِّيَادَةِ وَكُلُّ وَاجِبٍ زِيَادَةٌ عَلَى الْفَرَائِضِ وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ لَا تَنْفِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ قَدْ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَذَا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ ﵀. اهـ. وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ صَلَاةُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ مُتَشَارِكَةٌ فِي عَوَارِضَ هِيَ الشَّرْعِيَّةُ نَهَارًا بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إقَامَةٍ، وَصَلَاةُ الْعِيدِ آكَدُ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ أَوْ وَاجِبَةٌ عَلَى قُوَيْلَةٍ وَاسْتِنَانُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَظَهَرَ وَجْهُ تَرْتِيبِ أَبْوَابِهَا وَيُقَالُ كَسَفَ اللَّهُ الشَّمْسَ يَتَعَدَّى وَكَسَفَتْ الشَّمْسُ لَا يَتَعَدَّى وَسَبَبُهَا الْكُسُوفُ. اهـ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُصَلَّى بِجَمَاعَةٍ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْ مُصَلَّى الْعِيدِ، وَلَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ. اهـ كَمَالٌ. قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: ﵀ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَلَاةُ النَّهَارِ وَتُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ إلَّا أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَمَّا كَانَتْ أَقْوَى مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ قَدَّمَهَا عَلَيْهَا وَلِهَذَا قِيلَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ وَاجِبَةٌ، وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَاجِبَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ بَلْ قَالُوا سُنَّةٌ. اهـ. قَوْلُهُ: وَلَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ أَيْ الثَّلَاثَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُفِيدِ وَالْقُنْيَةِ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ، وَفِيهِمَا الْعِبَارَةُ لِلتُّحْفَةِ؛ لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً فَهِيَ فِيهَا مَكْرُوهَةٌ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ النَّهْيِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهَا أَسْبَابٌ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً يُكْرَهُ أَيْضًا كَالْوِتْرِ. اهـ. وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُكْرَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ مَا لَهُ سَبَبٌ لَا يُكْرَهُ فِيهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَاجِبَةٌ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ النَّسَفِيُّ فِي الْكَافِي: وَصِفَتُهَا أَنَّهَا سُنَّةٌ لِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ لِلْأَمْرِ وَقَالَ الْكَمَالُ فِي الْفَتْحِ: وَصِفَتُهَا سُنَّةٌ وَاخْتَارَ فِي الْأَسْرَارِ وُجُوبَهَا لِلْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» قَالَ: وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُقَامُ عَلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ فَكَانَ شِعَارًا لِلدِّينِ حَالَ الْفَزَعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ دَفْعُ الْأَمْرِ الْمَخُوفِ فَهِيَ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ إلَيْنَا دُنْيَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ ثُمَّ وُجِدَتْ هَذِهِ الْأَفْزَاعُ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْهَلَاكِ يُحْشَرُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، وَلَا يُعَاقَبُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ فَيُفْتَرَضُ التَّوْبَةُ وَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِلَّا لَكَانَتْ فَرْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ كَالنَّفْلِ) أَيْ بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إقَامَةٍ، وَلَا خُطْبَةٍ وَيُنَادَى الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَيَجْتَمِعُوا إنْ لَمْ يَكُونُوا اجْتَمَعُوا. اهـ كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: إمَامُ الْجُمُعَةِ) فِي مُصَلَّى الْعِيدِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَتُؤَدَّى فِي الْمَكَانِ الْمُعَدِّ

стр. 229

فَقَالَ إنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ»، وَقَدْ رَوَى الرَّكْعَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وَأَبُو بَكْرَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَالْأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى لِوُجُودِ الْأَمْرِ بِهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ وَلِكَثْرَةِ رُوَاتِهِ وَصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ وَمُوَافَقَتِهِ الْأُصُولَ الْمَعْهُودَةَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَذْهَبَهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ حِينَ كَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ وَالرَّاوِي إذَا كَانَ مَذْهَبُهُ خِلَافَ مَا رَوَى لَا يَبْقَى فِيمَا رَوَى حُجَّةٌ؛ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ، وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ وَخَمْسَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ وَسِتَّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ وَثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ»، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ فَكُلُّ جَوَابٍ لَهُ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الرُّكُوعَيْنِ فَهُوَ جَوَابٌ لَنَا عَمَّا زَادَ عَلَى رُكُوعٍ وَاحِدٍ. وَتَأْوِيلُ مَا زَادَ عَلَى رُكُوعٍ وَاحِدٌ أَنَّهُ ﵊ طَوَّلَ الرُّكُوعَ فِيهَا فَإِنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَمَلَّ بَعْضُ الْقَوْمِ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ أَوْ ظَنُّوا أَنَّهُ ﵊ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ أَوْ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ عَلَى عَادَةِ الرُّكُوعِ الْمُعْتَادِ فَوَجَدُوا النَّبِيَّ ﷺ رَاكِعًا فَرَكَعُوا ثُمَّ فَعَلُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَكَذَلِكَ فَفَعَلَ مَنْ خَلْفَهُمْ كَذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا، وَقَعَ فِي ظَنِّهِ، وَمِثْلُ هَذَا الِاشْتِبَاهِ قَدْ يَقَعُ لِمَنْ كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ فَعَائِشَةُ ﵂ فِي صَفِّ النِّسَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي صَفِّ الصِّبْيَانِ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ إلَّا مَرَّةً فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ ثَابِتًا فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ مِنْ الرُّوَاةِ لِلِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: «إنَّهُ ﵊ كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ لِيَخْتَبِرَ حَالَ الشَّمْسِ هَلْ انْجَلَتْ أَمْ لَا» فَظَنَّهُ بَعْضُهُمْ رُكُوعًا فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَهُ فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَا مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ. قَالَ ﵀: (بِلَا جَهْرٍ) أَيْ بِلَا جَهْرٍ بِالْقِرَاءَةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجْهَرُ فِيهَا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهُ ﵊ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا»، وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» «وَحَكَى سَمُرَةُ صَلَاتَهُ ﵊ وَطُولَ قِيَامِهِ، وَقَالَ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا سَمِعْت لَهُ حَرْفًا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ لِيُعَلِّمَ أَنَّ فِيهَا الْقِرَاءَةَ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ «فَحَزَرْت قِرَاءَتَهُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَوْ جَهَرَ سَمِعَتْ، وَمَا حَزَرَتْ» قَالَ ﵀ (وَخُطْبَةٍ) أَيْ بِلَا خُطْبَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهُ ﵊ انْصَرَفَ، وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» الْحَدِيثَ. ، وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ «أَمَرَ بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْخُطْبَةِ»، وَلَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً لَبَيَّنَهَا ﵊، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ لِيَرُدَّهُمْ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ بْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ» وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى هَذَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّهُ ﵊ خَطَبَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] لِإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَصَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ أَجْزَأَهُمْ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِمَا مَرَّ. اهـ. بَدَائِعُ (قَوْلُهُ «كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا» إلَخْ) أَيْ، وَهِيَ الصُّبْحُ فَإِنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ كَانَ عِنْدَ ارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحَيْنِ. اهـ فَتْحٌ. (قَوْلُهُ صَلَّى ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ إلَخْ) الَّذِي، وَقَفْت عَلَيْهِ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُحَقِّق قَارِئِ الْهِدَايَةِ ﵀ هَكَذَا وَلِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ وَخَمْسَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ وَسِتَّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ وَثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ». اهـ. وَقَدْ كَانَ فِي نُسْخَتِي كَذَلِكَ لَكِنِّي أَصْلَحْتهَا عَلَى مَا هُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّمْسِ الْغَزِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الثَّلَاثُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ «فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ»، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ. اهـ. وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَشْرَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» قَالَ أَبُو عُمَرَ سَمَاعُ قَتَادَةَ مِنْ عَطَاءٍ عِنْدَهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ. عَبْدُ الْحَقِّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى يَنْجَلِيَ كُسُوفُهَا». اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجْهَرُ فِيهَا إلَى آخِرِهِ)، وَفِي الْمُحِيطِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. اهـ. وَفِي الْبَدَائِعِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ لِيَرُدَّهُمْ عَنْ قَوْلِهِمْ إلَى آخِرِهِ)، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْكُسُوفَ يَكُونُ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ فَكَسَفَتْ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ ﵇ فِي عَاشِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. اهـ. ذَخَائِرُ الْعُقْبَى فِي مَنَاقِبِ ذَوِي الْقُرْبَى

стр. 230

بَعْدَ الِانْجِلَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَكَانَتْ قَبْلَهُ كَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ. قَالَ ﵀: (ثُمَّ يَدْعُو حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ»، وَهَذَا يُفِيدُ اسْتِيعَابَ الْوَقْتِ بِهِمَا أَيْ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، وَهُوَ السُّنَّةُ ثُمَّ هُوَ فِي الدُّعَاءِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَعَا جَالِسًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ شَاءَ قَائِمًا يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَيُؤَخِّرُ الدُّعَاءَ عَنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السُّنَّةُ فِي الْأَدْعِيَةِ قَالَ ﵀: (وَإِلَّا صَلَّوْا فُرَادَى كَالْخُسُوفِ وَالظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَالْفَزَعِ) أَيْ إنْ لَمْ يُصَلِّ إمَامُ الْجُمُعَةِ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ إذْ هِيَ تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ، وَقَوْلُهُ كَالْخُسُوفِ إلَى آخِرِهِ أَيْ كَخُسُوفِ الْقَمَرِ حَيْثُ يُصَلَّى فِيهِ فُرَادَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَسَفَ فِي عَهْدِهِ ﵊ مِرَارًا، وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ ﵊ جَمَعَ النَّاسَ لَهُ؛ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ بِاللَّيْلِ بَعْدَ مَا نَامُوا لَا يُمْكِنُ، وَهُوَ سَبَبُ الْفِتْنَةِ أَيْضًا فَلَا يُشْرَعُ بَلْ يَتَضَرَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ الْهَائِلَةِ بِالنَّهَارِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَانْتِثَارِ الْكَوَاكِبِ وَالضَّوْءِ الْهَائِلِ بِاللَّيْلِ وَالثَّلْجِ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ، وَعُمُومِ الْأَمْرَاضِ وَالْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْزَاعِ وَالْأَهْوَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْآيَاتِ الْمُخَوِّفَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ) قَالَ ﵀: (لَهُ صَلَاةٌ لَا بِجَمَاعَةٍ) أَيْ لِلِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ لَا بِجَمَاعَةٍ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِفَةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ هَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عِبَارَاتُهُمْ فِيهَا فَقَالَ الْقُدُورِيُّ: لَيْسَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا جَازَ، وَسَأَلَ أَبُو يُوسُفَ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الِاسْتِسْقَاءِ هَلْ فِيهِ صَلَاةٌ أَوْ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ أَوْ خُطْبَةٌ فَقَالَ أَمَّا صَلَاةٌ بِجَمَاعَةٍ فَلَا، وَلَكِنْ فِيهِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَإِنْ صَلَّوْا وُحْدَانًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا يَنْفِي كَوْنَهَا سُنَّةً مُسْتَحَبَّةً، وَلَكِنْ إنْ صَلَّوْا وُحْدَانًا لَا تَكُونُ بِدْعَةً، وَلَا يُكْرَهُ فَكَأَنَّهُ يَرَى إبَاحَتَهَا فَقَطْ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهَذَا يَنْفِي مَشْرُوعِيَّتَهَا مُطْلَقًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُصَلِّي الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ رَكْعَتَيْنِ بِجَمَاعَةٍ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي رِوَايَةٍ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أُخْرَى لِمُحَمَّدٍ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي فَجَعَلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَجَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَنَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» الْحَدِيثَ. فَقَدْ اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُصَلِّ لَهُ وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى، وَلَمْ يُصَلِّ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا تَرَكَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﵊. وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ أَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ وَالسُّنَّةُ لَا تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ بَلْ بِالْمُوَاظَبَةِ. قَالَ ﵀ (وَدُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ) أَيْ لَهُ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] جَعَلَهُ سَبَبًا لِإِرْسَالِ السَّمَاءِ قَالَ ﵀: (لَا قَلْبُ رِدَاءٍ) ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا» إلَى آخِرِهِ) هَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ» يَعْنِي الْكُسُوفَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا». اهـ. (قَوْلُهُ اسْتِيعَابَ الْوَقْتِ بِهِمَا) أَيْ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ (قَوْلُهُ لَمْ يُصَلِّ إمَامُ الْجُمُعَةِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ غَائِبًا. اهـ. ع (قَوْلُهُ أَيْ كَخُسُوفِ الْقَمَرِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ الصَّلَاةُ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ حَسَنَةٌ، وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَالْفَزَعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ». (فَائِدَةٌ) الضَّرْبُ عَلَى الْكَاسَاتِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ خُسُوفِ الْقَمَرِ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ فَيَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ لِعُمُومِ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ. اهـ. شَرْحُ الْعُمْدَةِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ. اهـ. [بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ] قَالَ الْعَيْنِيُّ الِاسْتِسْقَاءُ طَلَبُ السُّقْيَا بِضَمِّ السِّينِ، وَهُوَ الْمَطَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ إلَى آخِرِهِ) فِي الْبَدَائِعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قَوْلَهُ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ) كَذَا فِي خَطِّ الشَّارِحِ، وَفِي نُسْخَةِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ زَيْدٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: «وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ») إلَى هُنَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَزَادَ الْبُخَارِيُّ «جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ». اهـ. عَبْدُ الْحَقِّ (قَوْلُهُ: نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ إلَى آخِرِهِ) سُمِّيَتْ دَارُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهَا بِيعَتْ فِي قَضَاءِ دَيْنِ عُمَرَ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَهِيَ دَارُ مَرْوَانَ كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ ﵀ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَدُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ) هُمَا بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ صَلَاةٌ. اهـ. ع قَالَ الْكَمَالُ ﵀، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ إذَا تَأَخَّرَ الْمَطَرُ عَنْ أَوَانِهِ فَعَلَهُ أَيْضًا لَوْ مَلَحَتْ الْمِيَاهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا أَوْ غَارَتْ. اهـ

стр. 231

أَيْ لَيْسَ فِيهِ قَلْبُ رِدَاءٍ، وَهَذَا عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَقْلِبُ الْإِمَامُ رِدَاءَهُ دُونَ الْقَوْمِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ لِمُحَمَّدٍ مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ الْقَوْمَ فَعَلُوهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ مُوَافَقَةً لَهُ ﵊ كَخَلْعِ النِّعَالِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁؛ وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ، وَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُ تَفَاؤُلًا أَوْ لِيَكُونَ الرِّدَاءُ أَثْبَتَ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ أَوْ عَرَفَ بِالْوَحْيِ تَغَيُّرَ الْحَالِ عِنْدَ تَغْيِيرِهِ الرِّدَاءَ، وَكَيْفِيَّةُ الْقَلْبِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ أَنْ يَجْعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَالْجُبَّةِ جَعَلَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَلَا يَخْطُبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَلَا جَمَاعَةَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَخْطُبُ لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ خُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَيَسْتَقْبِلُ بِالدُّعَاءِ الْقِبْلَةَ قَائِمًا وَالنَّاسُ قَاعِدُونَ مُسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ. قَالَ ﵀: (وَحُضُورُ ذِمِّيٍّ) أَيْ لَا تَحْضُرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الِاسْتِسْقَاءَ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤]؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَعْدَائِهِ وَالدُّعَاءُ لِاسْتِنْزَالِ الرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ قَالَ ﵀ (وَإِنَّمَا يَخْرُجُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) يَعْنِي مُتَتَابِعَاتٍ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ وَيَخْرُجُونَ مُشَاةً فِي ثِيَابٍ خَلِقَةٍ غَسِيلَةٍ أَوْ مُرَقَّعَةٍ مُتَذَلِّلِينَ مُتَوَاضِعِينَ خَاشِعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى نَاكِسِي رُءُوسِهِمْ وَيُقَدِّمُونَ الصَّدَقَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ وَيُجَدِّدُونَ التَّوْبَةَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَرَاضَوْنَ بَيْنَهُمْ وَيَسْتَسْقُونَ بِالضَّعَفَةِ وَالشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْلَا صِبْيَانٌ رُضَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، وَعِبَادُ اللَّهِ الرُّكَّعُ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا». (بَابُ الْخَوْفِ) قَالَ ﵀: (إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ وَقَفَ الْإِمَامُ طَائِفَةً بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ) بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهُمْ أَذَاهُمْ (وَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً لَوْ) كَانَ الْإِمَامُ (مُسَافِرًا) أَوْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ (وَرَكْعَتَيْنِ لَوْ مُقِيمًا، وَمَضَتْ هَذِهِ إلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ تِلْكَ وَصَلَّى بِهِمْ مَا بَقِيَ وَسَلَّمَ وَذَهَبُوا إلَيْهِمْ) أَيْ إلَى الْعَدُوِّ (وَجَاءَتْ الْأُولَى، وَأَتَمُّوا) بِلَا قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ (وَسَلَّمُوا، وَمَضَوْا ثُمَّ الْأُخْرَى) أَيْ ثُمَّ جَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ( قَوْلُهُ: فَعَلَهُ تَفَاؤُلًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ التَّحْوِيلِ كَانَ تَفَاؤُلًا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَصَحَّحَهُ قَالَ «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ»، وَفِي الْمُطَوَّلَاتِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ لِكَيْ يَنْقَلِبَ الْقَحْطُ إلَى الْخِصْبِ»، وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ لِتَتَحَوَّلَ السَّنَةُ مِنْ الْجَدْبِ إلَى الْخِصْبِ ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِ وَكِيعٍ. اهـ. وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ التَّحْوِيلِ قِيلَ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، وَقِيلَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ بَعْدَ انْقِضَائِهِمَا وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ «أَنَّهُ كَانَ يُحَوِّلُ إذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ لِلدُّعَاءِ». اهـ. ابْنُ الْمُلَقِّنِ شَرْحُ عُمْدَةٍ (قَوْلُهُ: لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إلَى آخِرِهِ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الدُّعَاءُ فَلَا يَقْطَعُهَا بِالْجِلْسَةِ. اهـ كَافِي. [بَابُ الْخَوْفِ] [كَيْفِيَّة صَلَاة الْخَوْف] (بَابُ الْخَوْفِ). قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ شَرْعِيَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِعَارِضِ خَوْفٍ، وَقُدِّمَ الِاسْتِسْقَاءُ؛ لِأَنَّ الْعَارِضَ ثَمَّ وَهُوَ انْقِطَاعُ الْمَطَرِ سَمَاوِيٌّ وَهُنَا اخْتِيَارِيٌّ، وَهُوَ الْجِهَادُ الَّذِي سَبَبُهُ كُفْرُ الْكَافِرِ. اهـ. (قَوْلُهُ: إذَا اشْتَدَّ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إنْ كَانَ الْقَوْمُ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ فَخَافُوا إنْ اشْتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ فَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا الْفَجْرَ بِالْجَمَاعَةِ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ اشْتِدَادُ الْخَوْفِ كَمَا تَرَى ثُمَّ قَالَ، وَلَوْ نَزَلُوا أَرْضًا مَخُوفًا يَخَافُونَ مِنْ الْعَدُوِّ، وَلَا يَرَوْنَهُ فَصَلَّوْا بِالذَّهَابِ وَالْإِيَابِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى. قَالَ الْكَمَالُ ﵀: اشْتِدَادُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الشَّرْطُ حُضُورُ عَدُوٍّ وَسَبُعٍ فَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا ظَنُّوهُ عَدُوًّا صَلَّوْهَا فَإِنْ تَبَيَّنَ كَمَا ظَنُّوا جَازَتْ لِتَبَيُّنِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ، وَإِنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ لَمْ تَجُزْ إلَّا إنْ ظَهَرَ بَعْدَ أَنْ انْصَرَفَتْ الطَّائِفَةُ مِنْ نَوْبَتِهَا فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ تَتَجَاوَزَ الصُّفُوفَ فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا اسْتِحْسَانًا كَمَنْ انْصَرَفَ عَلَى ظَنِّ الْحَدَثِ يَتَوَقَّفُ الْفَسَادُ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ عَلَى مُجَاوَزَةِ الصُّفُوفِ، وَلَوْ شَرَعُوا بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ فَذَهَبَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الِانْحِرَافُ وَالِانْصِرَافُ لِزَوَالِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ وَلَوْ شَرَعُوا فِي صَلَاتِهِمْ ثُمَّ حَضَرَ جَازَ الِانْحِرَافُ لِوُجُودِ الْمُبِيحِ. انْتَهَى. وَهَذِهِ الْفُرُوعُ سَتَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمُحِيطُ وَالْمَبْسُوطُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَوْلُهُ بَلْ الشَّرْطُ حُضُورُ عَدُوٍّ إلَى آخِرِهِ تَبِعَ فِيهِ شَيْخَ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ حَيْثُ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ حَضْرَةُ الْعَدُوِّ لَا حَقِيقَةُ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ حَضْرَةَ الْعَدُوِّ أُقِيمَ مَقَامَ الْخَوْفِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا فِي تَعْلِيقِ الرُّخَصِ بِنَفْسِ السَّفَرِ. انْتَهَى. (قَوْلُهُ: وَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً) أَيْ وَسَجْدَتَيْنِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ إذَا سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً يَجُوزُ الِانْصِرَافُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وَقُلْنَا السَّجْدَةُ تَنْصَرِفُ إلَى الْكَمَالِ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ السَّجْدَتَانِ كَذَا قَالَ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ. وَقِيلَ قَوْلُهُ: سَجْدَتَيْنِ تَأْكِيدٌ، وَإِلَّا قَوْلُهُ رَكْعَةً كَافٍ إذْ الرَّكْعَةُ تَتِمُّ بِسَجْدَةٍ فَرُفِعَ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَهَذَا حَسَنٌ. انْتَهَى. (قَوْلُهُ: وَمَضَتْ هَذِهِ إلَى الْعَدُوِّ) مُشَاةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْكَبُوا دَوَابَّهُمْ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا

стр. 232

(وَأَتَمُّوا بِقِرَاءَةٍ)؛ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ حَتَّى يَقْضِيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِلَا قِرَاءَةٍ إنْ كَانَ مِنْ الطَّائِفَةِ الْأُولَى وَبِقِرَاءَةٍ إنْ كَانَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَالْمَسْبُوقُ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مِنْ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَقَفَ حَتَّى تُتِمَّ هَذِهِ الطَّائِفَةُ صَلَاتَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ وَيَذْهَبُونَ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ فَإِذَا قَامُوا لِقَضَاءِ مَا سُبِقُوا انْتَظَرَهُمْ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ لِحَدِيثِ سَهْلٍ «أَنَّهُ ﵊ فَعَلَ كَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ»، وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةَ الْعَدُوِّ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً» وَالْأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْأُصُولِ، وَمَا رَوَاهُ يُخَالِفُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُؤْتَمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَنَا إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ»، وَقَالَ ﵊ «مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» وَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ انْتِظَارَ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ الْمَسْبُوقِ، وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجْعَلُهُمْ صَفَّيْنِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ فَيُحْرِمُونَ كُلُّهُمْ مَعَهُ وَيَرْكَعُونَ فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَالصَّفُّ الثَّانِي يَحْرُسُونَهُمْ مِنْ الْعَدُوِّ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ الثَّانِي فَإِذَا سَجَدَ سَجَدُوا مَعَهُ، وَهَكَذَا يَفْعَلُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةَ، شَرَطَ لِإِقَامَتِهَا أَنْ يَكُونَ هُوَ ﵊ مَعَهُمْ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِي، وَإِنَّمَا جُوِّزَتْ لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْدَهُ، وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّاهَا عَلِيٌّ يَوْمَ صِفِّينَ وَصَلَّاهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ فَصَارَ إجْمَاعًا وَجَوَازُهَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﵊ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَتَرْكُ الْمَشْيِ وَاجِبٌ فَلَا يَجُوزُ ارْتِكَابُ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِتَحْصِيلِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ عِنْدَ قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ وَلِهَذَا إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا، كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ طَائِفَتَيْنِ فَيُصَلِّيَ هُوَ بِطَائِفَةٍ وَيَأْمُرَ مَنْ يُصَلِّي بِالْأُخْرَى قَالَ ﵀: (وَصَلَّى فِي الْمَغْرِبِ بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً)؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ شَطْرٌ فِي الْمَغْرِبِ، وَلِهَذَا شُرِعَ الْقُعُودُ عَقِيبَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَكَانَتْ الطَّائِفَةُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَأَتَمُّوا بِقِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ) أَيْ وَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُونَ ثُمَّ إنَّهُمْ لَا يَنْصَرِفُونَ رُكْبَانًا حَتَّى إذَا رَكِبُوا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ مِنْهُ بُدٌّ فَلَمْ يَكُنْ عَفْوًا، وَالْمَشْيُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَكُونُ عَفْوًا. انْتَهَى أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَلَوْ كَانَ الْعَدُوُّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُمْ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا صَلَّوْا بِالذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ شَاءُوا صَلَّوْا صَفَّيْنِ فَيَفْتَتِحُ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَمِيعًا وَكُلُّهُمْ مُسْتَعِدُّونَ بِالسِّلَاحِ فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا جَمِيعًا، وَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَالصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ يَحْرُسُونَهُمْ فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ سَجَدَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَالْأَوَّلُ يَحْرُسُونَهُمْ ثُمَّ سَجَدَ الْإِمَامُ وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَالْآخَرُ يَحْرُسُونَهُمْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ صَلَّوْا هَكَذَا جَازَتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ صَلَّوْا بِالذَّهَابِ وَالْإِيَابِ لَا تَجُوزُ لَهُمْ الصَّلَاةُ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَى آخِرِهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هَكَذَا نَقَلْته مِنْ خَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ ﵀ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ﴾ [النساء: ١٠٢] إلَى آخِرِهِ) وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُمْ طَائِفَتَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ [النساء: ١٠٢]، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُمْ كُلُّهُمْ لَمْ يَفُتْهُمْ شَيْءٌ. انْتَهَى مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْهَا إلَى آخِرِهِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرَائِعِ أَنْ تَكُونَ عَامَّةَ الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ فَإِنْ قَالَ قَدْ وُجِدَ التَّخْصِيصُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ كَوْنَ الرَّسُولِ فِيهِمْ فَقَالَ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] قُلْنَا الشَّرْطُ يُوجِبُ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ، وَلَا يَقْتَضِي الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ أَوْ مَعْنَاهُ إذَا كُنْت أَنْتَ فِيهِمْ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَك فِي الْإِمَامَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. انْتَهَى مُصَفَّى. (قَوْلُهُ: وَصَلَّى فِي الْمَغْرِبِ بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ) أَيْ تَشَهَّدَ بِهِمْ وَيَنْصَرِفُونَ ثُمَّ يُصَلِّي بِالثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ وَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُ الْإِمَامُ، وَلَا يُسَلِّمُونَ مَعَهُ بَلْ يَرُوحُونَ مَقَامَهُمْ فَتَجِيءُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَيَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُونَ ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَلَيْهِمْ أَيْضًا أَنْ يَتَشَهَّدُوا فِيمَا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ فِيمَا أَدْرَكَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فِي حَقِّ التَّشَهُّدِ وَآخِرُهَا فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ وَسَبَقَهُ الْإِمَامُ بِالْأُولَيَيْنِ فَإِذَا قَامَ إلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَقْضِي رَكْعَةً وَيَقْرَأُ فِيهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً وَيَتَشَهَّدُ لِأَنَّهُ قَدْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، وَهَذِهِ ثَانِيَتُهُ فَالْقَعْدَةُ فِي الثَّانِيَةِ سُنَّةٌ فِي الْمَغْرِبِ ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى وَيَقْرَأُ فِيهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، وَإِذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مَا يُقْضَى أَوَّلُ صَلَاتِهِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، وَهَذَا التَّشَهُّدُ فَرْضٌ عَلَيْهِ. انْتَهَى طَحَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّشَهُّدُ أَيْ الْقُعُودُ

стр. 233

الْأُولَى أَوْلَى بِهَا لِلسَّبْقِ وَلِكَوْنِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ الْأُولَى فِي الْحُكْمِ. وَلَوْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الطَّائِفَتَيْنِ أَمَّا الْأُولَى فَلِانْصِرَافِهِمْ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهُمْ لَمَّا أَدْرَكُوا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ صَارُوا مِنْ الطَّائِفَةِ الْأُولَى لِإِدْرَاكِهِمْ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ، وَقَدْ انْصَرَفُوا فِي أَوَانِ رُجُوعِهِمْ فَتَبْطُلُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ انْصَرَفَ فِي أَوَانِ الْعَوْدِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ عَادَ فِي أَوَانِ الِانْصِرَافِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ مُقْبِلٌ وَالْأَوَّلُ مُعْرِضٌ فَلَا يُعْذَرُ إلَّا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الِانْصِرَافُ فِي أَوَانِهِ، وَإِنْ أَخَّرَ الِانْصِرَافَ ثُمَّ انْصَرَفَ قَبْلَ أَوَانِ عَوْدِهِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ انْصِرَافِهِ مَا لَمْ يَجِئْ أَوَانُ عَوْدِهِ، وَلَوْ جَعَلَهُمْ ثَلَاثَ طَوَائِفَ وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً فَصَلَاةُ الْأُولَى فَاسِدَةٌ، وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ صَحِيحَةٌ، وَالْمَعْنَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ جَعَلَهُمْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ أَرْبَعَ طَوَائِفَ وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً فَسَدَتْ صَلَاةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ صَحِيحَةٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْمَعْنَى، وَلَوْ جَعَلَهُمْ طَائِفَتَيْنِ فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرَفُوا إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ فَصَلَّى الثَّالِثَةَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَمَا بَعْدَ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ إلَى الْفَرَاغِ أَوَانُ انْصِرَافِهِمْ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍّ لِعَدَمِ الْمُفْسِدِ فِي حَقِّهِ قَالَ ﵀ (وَمَنْ قَاتَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ، وَلَوْ قَاتَلَهُمْ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ كَالرَّمْيَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ الْعَمَلِ فِيمَا تَقَدَّمَ. قَالَ ﵀ (فَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا فُرَادَى بِالْإِيمَاءِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشُّرُوطِ، وَلَا تَجُوزُ بِجَمَاعَةٍ لِعَدَمِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَكَانِ إلَّا إذَا كَانَ رَاكِبًا مَعَ الْإِمَامِ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ اسْتِحْسَانًا إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ جَوَّزَ لَهُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الذَّهَابُ وَالْمَجِيءُ لِأَجْلِ إحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ ذَلِكَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، وَلَيْسَ لِلرَّأْيِ مَدْخَلٌ فِي إثْبَاتِ الرُّخَصِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِهِ، وَلَا تَجُوزُ رَاكِبًا فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَجُوزُ فِيهِ فَكَذَا الْفَرْضُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا مَاشِيًا فِي غَيْرِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ عَمَلٌ كَثِيرٌ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ كَالْغَرِيقِ السَّابِحِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السَّبْحَ عَمَلٌ كَثِيرٌ. قَالَ ﵀: (وَلَمْ تَجُزْ بِلَا حُضُورِ عَدُوٍّ) لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوا أَنَّهُ عَدُوٌّ فَصَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ أَعَادُوهَا لِمَا قُلْنَا إلَّا إذَا بَانَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَجَاوَزُوا الصُّفُوفَ فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ شَرَعُوا فِيهَا، وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ ثُمَّ ذَهَبَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ لِزَوَالِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ وَبِعَكْسِهِ لَوْ شَرَعُوا فِيهَا ثُمَّ حَضَرَ الْعَدُوُّ جَازَ لَهُمْ الِانْحِرَافُ فِي أَوَانِهِ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ صَحِيحَةٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لِانْصِرَافِهِمْ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ صَارُوا مِنْ عِدَادِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْضُوا أَوَّلًا الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيَتَشَهَّدُونَ، وَلَا يُسَلِّمُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ وَيَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِقِرَاءَةٍ، وَإِذَا عَادَتْ الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ يَقْضُونَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِقِرَاءَةٍ. اهـ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ بِالْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً فَسَدَتْ صَلَاةُ الْأُولَى إلَخْ) لَوْ جَعَلَ الْإِمَامُ الْقَوْمَ فِي الْمَغْرِبِ طَائِفَتَيْنِ فَصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً وَانْصَرَفُوا وَصَلَّى بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَانْصَرَفُوا عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ تُقْسَمُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ ثُمَّ جَاءَتْ الْأُولَى فَصَلَّوْا مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا قَبْلَ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ انْصِرَافِهِمْ بَعْدَمَا يُصَلِّي الْإِمَامُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ بِالِانْصِرَافِ؛ لِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ عِدَادِ الْأُولَى غَيْرَ أَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ بِرَكْعَةٍ فَلَمَّا انْصَرَفُوا بَعْدَمَا صَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَتَشَهَّدَ فَقَدْ انْصَرَفُوا فِي وَقْتِهِ ثُمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى لَمَّا عَادُوا وَصَلَّوْا مَعَ الْإِمَامِ الثَّالِثَةِ لَمْ تَعُدْ صَلَاتُهُمْ إلَى الْجَوَازِ إلَّا أَنْ يُجَدِّدُوا التَّكْبِيرَةَ فِيهَا فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ وَصَارُوا الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فَإِذَا انْصَرَفُوا بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ إلَى الْعَدُوِّ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمْ، وَعَلَى الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى إذَا عَادُوا أَنْ يَقْضُوا الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيَتَشَهَّدُوا، وَلَا يُسَلِّمُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ وَيَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِقِرَاءَةٍ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى إذَا عَادُوا يَقْضُونَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِقِرَاءَةٍ. اهـ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ بِالْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ صَحِيحَةٌ) أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَكَذَا الثَّالِثَةُ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ عِدَادِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَوَقْتُ انْصِرَافِهِمْ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَبْلَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ، وَأَمَّا عَدَمُ فَسَادِ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ فَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْ الْأُولَى وَانْصَرَفُوا فِي وَقْتِهِ وَالرَّابِعَةُ مِنْ الثَّانِيَةِ وَانْصَرَفُوا فِي وَقْتِهِ أَيْضًا فَإِذَا عَادَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ يَقْضُونَ الرَّكْعَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيَتَشَهَّدُونَ، وَلَا يُسَلِّمُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ وَيَقْضُونَ الْأُولَى بِقِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ فِيهَا وَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُونَ فَإِذَا عَادَتْ الرَّابِعَةُ يَقْضُونَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ الْأُولَيَانِ بِقِرَاءَةٍ وَالثَّالِثَةُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَإِنْ شَاءُوا قَرَءُوا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَيَتَشَهَّدُونَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَتَشَهَّدُونَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ. اهـ طَحَاوِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ إلَخْ) بِأَنْ لَا يَدَعُهُمْ الْعَدُوُّ يُصَلُّونَ نَازِلِينَ بَلْ يُهَاجِمُونَهُمْ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: صَلَّوْا رُكْبَانًا إلَخْ) وَيَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَصْرُ فِي الصِّفَاتِ، وَهُوَ الْإِيمَاءُ لَا الْقَصْرُ فِي أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَوْفِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وَالْمُرَادُ مِنْهُ حَالَ الْعُذْرِ وَالْخَوْفُ عُذْرٌ فَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً رُكْبَانًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ إذَا صَلَّوْا بِإِيمَاءٍ وَزَالَ الْخَوْفُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ وَالْخَوْفُ مِنْ الْعَدُوِّ وَالسَّبُعِ سَوَاءٌ. اهـ. شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِأَبِي الْبَقَاءِ (قَوْلُهُ: وَجَازَ لَهُمْ الِانْحِرَافُ فِي أَوَانِهِ) أَيْ فَإِنْ انْحَرَفُوا فِي غَيْرِ أَوَانِ انْحِرَافِهِمْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ. اهـ. .

стр. 234

(بَابُ الْجَنَائِزِ) قَالَ ﵀ (وُلِّيَ الْمُحْتَضَرُ الْقِبْلَةَ عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ وُجِّهَ وَجْهُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَعَلَامَاتُ احْتِضَارِهِ أَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ فَلَا تَنْتَصِبَانِ وَيَنْعَوِجُ أَنْفُهُ وَيَنْخَسِفُ صُدْغَاهُ وَتَمْتَدُّ جِلْدَةُ الْخُصْيَةِ؛ لِأَنَّ الْخُصْيَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ وَتَتَدَلَّى جِلْدَتُهَا، وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ﵁ فَقَالُوا تُوُفِّيَ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لَك، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ لَمَّا اُحْتُضِرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابَ الْفِطْرَةَ»، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَرُبَ مِنْ الْوَضْعِ فِي اللَّحْدِ فَيُوضَعُ كَمَا يُوضَعُ فِيهِ، وَالْمُعْتَادُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يُلْقَى عَلَى قَفَاهُ، وَقَدَمَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ قَالُوا: لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا وَجْهَ ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلَّا نَقْلًا، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ أَسْهَلُ لِتَغْمِيضِهِ وَشَدِّ لَحْيَيْهِ عَقِيبَ الْمَوْتِ، وَأَمْنَعُ مِنْ تَقَوُّسِ أَعْضَائِهِ ثُمَّ إذَا أُلْقِيَ عَلَى الْقَفَا يُرْفَعُ رَأْسُهُ قَلِيلًا لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ. وَقَالَ ﵀: (وَلُقِّنَ الشَّهَادَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَالْمُرَادُ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْمَوْتِ، وَقَالَ ﵊ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَتَعَرَّضُ فِيهِ الشَّيْطَانُ لِإِفْسَادِ اعْتِقَادِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى مُذَكِّرٍ، وَمُنَبِّهٍ عَلَى التَّوْحِيدِ. وَكَيْفِيَّةُ التَّلْقِينِ أَنْ تُذْكَرَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ عِنْدَهُ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي تَلْقِينِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقِيلَ يُلَقَّنُ لِظَاهِرِ مَا رَوَيْنَا، وَقِيلَ لَا يُلَقَّنُ، وَقِيلَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَلَا يُنْهَى عَنْهُ. قَالَ ﵀: (فَإِنْ مَاتَ شُدَّ لَحْيَاهُ وَغُمِّضَ عَيْنَاهُ) بِذَلِكَ جَرَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] [ بَابُ الْجَنَائِزِ] قَالَ ابْنُ فَارِسٍ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَنَزَ يَجْنِزُ بِفَتْحِ النُّونِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ إذَا سَتَرَ. اهـ. أَبُو الْبَقَاءِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لَمَّا كَانَ الْمَوْتُ آخِرَ الْعَوَارِضِ ذَكَرَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ آخِرًا لِلْمُنَاسَبَةِ. اهـ. أَوْ نَقُولُ الصَّلَاةُ صَلَاتَانِ مُطْلَقَةٌ وَمُقَيَّدَةٌ فَلَمَّا بَيَّنَ الصَّلَاةَ الْمُطْلَقَةَ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصَّلَاةِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ نَقُولُ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ وَحَسَنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهَا وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا وَهُوَ قَضَاءُ حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ صَلَاةٍ هِيَ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ صَلَاةٍ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا. اهـ. وَالْمُنَاسَبَةُ الْخَاصَّةُ بِالْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْخَوْفَ قَدْ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ حَتَّى قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: إنَّ مَنْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتِيلٍ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَاتَ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَلِهَذِهِ الصَّلَاةِ كَغَيْرِهَا صِفَةٌ وَسَبَبٌ وَشَرْطٌ وَرُكْنٌ وَسُنَنٌ وَآدَابٌ. أَمَّا صِفَتُهَا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَسَبَبُهَا الْمَيِّتُ الْمُسْلِمُ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ قَضَاءً لِحَقِّهِ وَرُكْنُهَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَأَمَّا شَرْطُهَا فِيمَا هُوَ شَرْطُ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ وَتَزِيدُ هَذِهِ بِأُمُورٍ تُذْكَرُ هُنَا، وَسُنَّتُهَا كَوْنُهُ مُكَفَّنًا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ ثِيَابُهُ فِي الشَّهِيدِ وَكَوْنُ هَذَا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ تَسَاهُلٌ وَآدَابُهَا كَغَيْرِهَا وَالْجِنَازَةُ بِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَبِالْكَسْرِ السَّرِيرُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وُلِّيَ الْمُحْتَضَرُ الْقِبْلَةَ إلَخْ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ وَتَوْجِيهُ الْمُحْتَضَرِ إلَى الْقِبْلَةِ مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ وَكَرِهَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَجَّهْ إلَى الْقِبْلَةِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَقَالَ أَلَسْت مُسْلِمًا وَلِلْجُمْهُورِ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ وَشَيْخُهُ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ إلَخْ. اهـ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْ الْمَرِيضِ لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دَخَلْتَ عَلَى الْمَرِيضِ فَمُرْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَك فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. اهـ. أَبُو الْبَقَاءِ قَالَ الْكَمَالُ ﵀، وَلَا يَمْتَنِعُ حُضُورُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَقْتَ الِاحْتِضَارِ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ لِلْبُخَارِيِّ وَيُخْرَجُ مِنْ عِنْدِهِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْجُنُبُ. اهـ. (قَوْلُهُ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابَ» إلَخْ) «ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ، وَقَدْ فَعَلْتَ» قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِي تَوْجِيهِ الْقِبْلَةِ غَيْرَهُ. اهـ أَبُو الْبَقَاءِ. (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَادُ فِي زَمَانِنَا إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ السُّنَّةُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْمَوْتِ إلَخْ) هُوَ مِثْلُ لَفْظِ الْقَتِيلِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ». اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا) قَالَ الْكَمَالُ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُ كَلِمَاتٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ وَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ وَلِذَا اخْتَارَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنْ يَذْهَبَ عَقْلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِهَذَا الْخَوْفِ وَبَعْضُهُمْ اخْتَارُوا قِيَامَهُ فِي حَالِ الْمَوْتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: يُلَقَّنُ لِظَاهِرِ مَا رَوَيْنَا إلَخْ) وَنُسِبَ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَخِلَافُهُ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ. اهـ. كَمَالٌ قَالَ قَاضِي خَانْ: إنْ كَانَ التَّلْقِينُ لَا يَنْفَعُ لَا يَضُرُّ أَيْضًا فَيَجُوزُ. اهـ. قَالَ فِي الْحَقَائِقِ قَالَ صَاحِبُ الْغِيَاثِ سَمِعْت أُسْتَاذِي قَاضِي خَانْ يَحْكِي عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ لَقَّنَ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ دَفْنِهِ، وَأَوْصَانِي بِتَلْقِينِهِ فَلَقَّنْتُهُ بَعْدَ مَا دُفِنَ ثُمَّ نَقَلَ صَاحِبُ الْحَقَائِقِ مَا نَقَلَهُ أَوَّلًا عَنْ قَاضِي خَانْ. وَعِبَارَتُهُ فِي الْمَنْظُومَةِ فِي بَابِ الشَّافِعِيِّ وَيَحْسُنُ التَّلْقِينُ وَالتَّسْمِيعُ، قَالَ فِي الْحَقَائِقِ ذَكَرَ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الصَّفَّارُ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّ تَلْقِينَ الْمَيِّتِ مَشْرُوعٌ لِأَنَّهُ تُعَادُ إلَيْهِ رُوحُهُ، وَعَقْلُهُ وَيَفْهَمُ مَا يُلَقَّنُ قُلْت وَلَفْظُ التَّسْمِيعِ يُخَرَّجُ عَلَى هَذَا وَصُورَتُهُ أَنَّهُ يَقُولُ يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ اُذْكُرْ دِينَكَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يُفِيدُ التَّلْقِينُ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ عِنْدَهُمْ مُسْتَحِيلٌ. اهـ مَا قَالَهُ فِي الْحَقَائِقِ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ فَإِنْ مَاتَ شُدَّ لَحْيَاهُ إلَخْ) بِفَتْحِ اللَّامِ تَثْنِيَةُ لَحْيٍ، وَهُوَ مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَغُمِّضَ عَيْنَاهُ إلَخْ) قَالَ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَمُدَّتْ أَطْرَافُهُ. اهـ. أَبُو الْبَقَاءِ وَيُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ سَيْفٌ أَوْ مُدْيَةٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْحَدِيدِ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ

стр. 235

التَّوَارُثُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَحْسِينَهُ إذْ لَوْ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ لَبَقِيَ فَظِيعَ الْمَنْظَرِ، وَلَا يُؤْمَنُ مِنْ دُخُولِ الْهَوَامِّ فِي جَوْفِهِ وَالْمَاءِ عِنْدَ غُسْلِهِ وَيَقُولُ مُغَمِّضُهُ بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ. قَالَ ﵀: (وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ مُجَمَّرٍ وِتْرًا) لِئَلَّا تُغَيِّرَهُ نَدَاوَةُ الْأَرْضِ وَلِيَنْضُبَ عَنْهُ الْمَاءُ عِنْدَ غُسْلِهِ، وَفِي التَّجْمِيرِ تَعْظِيمُهُ، وَإِزَالَةُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَإِنَّمَا يُوتَرُ لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يُدَارَ بِالْمِجْمَرَةِ حَوْلَ السَّرِيرِ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا قَوْلُهُ وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ مُجَمَّرٍ يُشِيرُ إلَى أَنَّ السَّرِيرَ يُجَمَّرُ قَبْلَ وَضْعِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِ كَمَا مَاتَ، وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى وَقْتِ الْغُسْلِ، وَقَالَ فِي الْغَايَةِ يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَ إرَادَةِ غُسْلِهِ إخْفَاءً لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَقَالَ الْقُدُورِيُّ: إذَا أَرَادُوا غُسْلَهُ وَضَعُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ فِي الْغَايَةِ يُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ حَدِيدَةٌ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ حَتَّى يُغَسَّلَ قَالَ ﵀: (وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ)؛ لِأَنَّ سَتْرَهَا وَاجِبٌ، وَالنَّظَرُ إلَيْهَا حَرَامٌ كَعَوْرَةِ الْحَيِّ، وَيُسْتَرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] بَطْنُهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَلَا يُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ مُصْحَفٌ، وَأَسْرَعُوا فِي جِهَازِهِ، وَإِعْلَامِ جِيرَانِهِ، وَأَصْدِقَائِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا حَقَّهُ بِالصَّلَاةِ وَيُكْرَهُ النِّدَاءُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَحَلَّاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَذَا ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ قَالَ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعْلَامَ النَّاسِ فَيُؤَدُّونَ حَقَّهُ، وَفِيهِ تَكْثِيرٌ لِلْمُصَلِّينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لَهُ. اهـ. أَبُو الْبَقَاءِ. (قَوْلُهُ: وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ إلَخْ) قِيلَ طُولًا إلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ عَرْضًا قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ كَيْفَ تَيَسَّرَ قَوْلُهُ: طُولًا إلَى الْقِبْلَةِ أَيْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ كَالْمُحْتَضَرِ قَالَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَبَعْضُ أَئِمَّةِ خُرَاسَانَ. اهـ. وَقَوْلُهُ وَقِيلَ عَرْضًا أَيْ كَمَا يُوضَعُ فِي الْقَبْرِ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَيْفِيَّةَ وَضْعِ التَّخْتِ أَنَّهُ يُوضَعُ إلَى الْقِبْلَةِ طُولًا أَوْ عَرْضًا فَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ اخْتَارَ الْوَضْعَ طُولًا كَمَا يُفْعَلُ بِهِ فِي مَرَضِهِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِالْإِيمَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ الْوَضْعَ كَمَا يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُوضَعُ كَمَا تَيَسَّرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ. اهـ. وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغَسِّلَ أَحَدًا مِنْ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِهَا انْقَطَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ وَلِهَذَا حَلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأُخْتِهَا، وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا مِنْ سَاعَتِهِ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا فَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَتُهُ فِي سَفَرٍ بَيْنَ الرِّجَالِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ عُلِّمَتْ الْغُسْلَ وَيُخَلُّونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا فَتُغَسِّلُهَا وَتُكَفِّنُهَا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ عُلِّمَ الْغُسْلَ وَالتَّكْفِينَ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِلَّا فَلَا تُغَسَّلُ بَلْ تُيَمَّمُ فَإِنْ كَانَ الْمُيَمِّمُ لَهَا مَحْرَمًا يَمَّمَهَا بِغَيْرِ خِرْقَةٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْرَمٍ فَبِخِرْقَةٍ عَلَى كَفَّيْهِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى وَجْهِهَا وَيُعْرِضُ عَنْ ذِرَاعَيْهَا ثُمَّ تُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهَا، وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ امْرَأَتُهُ فَإِنَّهَا تُغَسِّلُهُ وَتُكَفِّنُهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ النِّسَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ امْرَأَتُهُ نُظِرَ إنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ كَافِرٌ عُلِّمَ غُسْلَهُ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَيُغَسِّلُهُ وَيُكَفِّنُهُ ثُمَّ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ صَبِيَّةٌ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ عُلِّمَتْ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَتُغَسِّلُهُ وَتُكَفِّنُهُ وَتُصَلِّي عَلَيْهِ النِّسَاءُ الْبَالِغَاتُ وَيَدْفِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَبِيَّةٌ فَإِنَّهُنَّ يُيَمِّمْنَهُ فَإِنْ كَانَتْ الْمُيَمِّمَةُ مَحْرَمًا لَهُ تُيَمِّمُهُ بِغَيْرِ خِرْقَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَحْرَمَةٍ فَإِنَّهَا تُيَمِّمُهُ بِخِرْقَةٍ وَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَيَدْفِنَّهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ الْمَيِّتَةُ لَمْ يَبْلُغَا حَدَّ الشَّهْوَةِ فَإِنَّهُمَا يُغَسَّلَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ غَسَّلَهُمَا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ. اهـ. طَحَاوِيٌّ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خُنْثَى مُشْكِلًا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ صَغِيرًا غُسِّلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ الْغَاسِلُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَإِنْ كَانَ بَلَغَ حَدَّ الشَّهْوَةِ لَا يُغَسَّلُ لِلتَّعَذُّرِ بَلْ يُيَمَّمُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُيَمِّمُ ذَا رَحِمٍ مِنْهُ يَمَّمَهُ بِغَيْرِ خِرْقَةٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَبِخِرْقَةٍ وَيُعْرِضُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ اهـ. وَالسُّنَّةُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلَ رَجُلٌ وَالْمَرْأَةَ امْرَأَة، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَسِّلَ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ إلَّا زَوْجَهَا الَّذِي مَاتَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا مَاتَ غَسَّلَتْهُ أَسْمَاءُ زَوْجَتُهُ فَلَوْ كَانَ طَلَّقَهَا ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَلَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ الزَّوْجِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ بَائِنًا لَا تُغَسِّلُهُ، وَلَوْ مَاتَ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ ثُمَّ فَعَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَتْهُ حَالَ حَيَاتِهِ بَانَتْ بِهِ وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ كَالرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ بِشَهْوَةٍ بَطَلَ حَقُّهَا فِي الْغُسْلِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ وَطِئَ أُخْتَ امْرَأَتِهِ بِشُبْهَةٍ فَمَا دَامَتْ هَذِهِ تَعْتَدُّ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِامْرَأَتِهِ فَإِنْ مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَلَيْسَ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تُغَسِّلَهُ لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَرِثُ مِنْهُ وَتَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ فَلَوْ انْقَضَتْ عِدَّةُ أُخْتِهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحُرْمَةِ قَدْ زَالَ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَزَوْجَتُهُ مَجُوسِيَّةٌ فَمَاتَ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا لَا تُغَسِّلُهُ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فَلَوْ أَسْلَمَتْ كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ، وَقَالَ زُفَرُ: كَانَ لَهَا الْغُسْلُ عِنْدَ وَفَاةِ الزَّوْجِ لَا يَبْطُلُ حَقُّهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِرِدَّةٍ أَوْ لَمْسٍ لِأَبِي الزَّوْجِ أَوْ ابْنِهِ بِشَهْوَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا غُسْلٌ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ زَالَ سَبَبُ الْحُرْمَةِ. اهـ طَحَاوِيٌّ. (قَوْلُهُ: أَنْ يُدَارَ بِالْمِجْمَرَةِ) وَالْمِجْمَرَة بِكَسْرِ الْأَوَّلِ هِيَ الْمِبْخَرَةُ وَالْمِدْخَنَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْمِجْمَرُ بِحَذْفِ الْهَاءِ مَا يُبَخَّرُ بِهِ مِنْ عُودٍ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ لُغَةٌ أَيْضًا فِي الْمِجْمَرَةِ. اهـ مِصْبَاحٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا) قَالَ الْكَمَالُ أَوْ سَبْعًا. اهـ. وَكَذَا فِي الْكَافِي لِلنَّسَفِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِئَلَّا تُغَيِّرَهُ نَدَاوَةُ الْأَرْضِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ حَتَّى يُغَسَّلَ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْبَقَاءِ ثُمَّ غُسْلُ الْمَيِّتِ لِمَاذَا وَجَبَ؟. فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: سَبَبُ وُجُوبِهِ الْحَدَثُ فَإِنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَوَجَبَ غَسْلُهُ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ حَالَ الْحَيَاةِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ لِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ وَغَلَبَةِ وُجُودِ الْحَدَثِ فِي كُلِّ وَقْتٍ حَتَّى إنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ لَمَّا لَمْ يَكْثُرْ وُجُودُهُ كَالْحَدَثِ لَمْ يَكْتَفِ فِيهِ إلَّا بِغَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلَا حَرَجَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَوَجَبَ غَسْلُ الْكُلِّ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إنَّ الْآدَمِيَّ بِالْمَوْتِ لَا يُنَجَّسُ بِتَشَرُّبِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ فِي أَجْزَائِهِ كَرَامَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَنَجَّسَ لَمَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا

стр. 236

يُشَدُّ الْإِزَارُ عَلَيْهِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٍّ «لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلَا مَيِّتٍ». قَالَ ﵀: (وَجُرِّدَ) لِيُمْكِنَهُمْ التَّنْظِيفُ قَالُوا يُجَرَّدُ كَمَا مَاتَ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ تَحْمِي فَيُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ يُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﵊ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ قُلْنَا ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا نُجَرِّدُهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ فَسَمِعُوا هَاتِفًا يَقُولُ لَا تُجَرِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي رِوَايَةٍ غَسِّلُوهُ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ تَجْرِيدُ مَوْتَاهُمْ كَافَّةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَيُنَجِّسُ الْمَيِّتَ وَيَشِيعُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إلَّا بَلَلٌ طَيِّبٌ، وَكَانَ طَيِّبًا حَيًّا، وَمَيِّتًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. قَالَ ﵀: (وَوُضِّئَ بِلَا مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ)؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةُ الِاغْتِسَالِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْهُ فَيُتْرَكَانِ وَيُخَالِفُ الْجُنُبَ فِيهِمَا، وَفِي غَسْلِ الْيَدِ فَإِنَّ الْجُنُبَ يَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ، وَالْمَيِّتُ يُبْدَأُ بِغَسْلِ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ هُوَ الْغَاسِلُ لِنَفْسِهِ فَيَبْدَأُ بِتَنْظِيفِ الْيَدِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمَيِّتُ، وَلَا يُؤَخَّرُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ كَالْجُنُبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْحِ رَأْسِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُمْسَحُ كَمَا أَنَّ الْجُنُبَ يَمْسَحُ فِي الصَّحِيحِ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ لَا يُوَضَّأُ. قَالَ ﵀: (وَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ مَغْلِيٌّ بِسِدْرٍ أَوْ حُرْضٍ)؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ، وَقَدْ «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُغَسَّلَ ابْنَتُهُ وَالْمُحْرِمُ الَّذِي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» قَالَ ﵀: (وَإِلَّا فَالْقَرَاحِ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ سِدْرٌ، وَلَا حُرْضٌ فَلْيُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْخَالِصُ الْمَغْلِيُّ؛ لِأَنَّ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] بِالْمَوْتِ، الْآدَمِيُّ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ قَبْلَ الْغُسْلِ تَنَجَّسَ الْبِئْرُ وَلَوْ وَقَعَ بَعْدَ الْغُسْلِ لَمْ يُنَجَّسْ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُنَجَّسْ بِالْمَوْتِ وَلَكِنْ وَجَبَ غُسْلُهُ لِلْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَخْلُو عَنْ سَابِقَةِ الْحَدَثِ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: إنَّ بِالْمَوْتِ يُنَجَّسُ الْآدَمِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ كَمَا تُنَجَّسُ سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَهَا دَمٌ سَائِلٌ بِالْمَوْتِ وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ كَالشَّاةِ يُوجِبُ تَنَجُّسَهُ وَيَجِبُ نَزْحُ مَا فِي الْبِئْرِ كُلِّهِ وَكَذَا لَوْ حَمَلَ مَيِّتًا قَبْلَ الْغُسْلِ وَصَلَّى مَعَهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ قَبْلَ غُسْلِهِ يُكْرَهُ وَبَعْدَهُ لَا يُكْرَهُ، وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ لِأَجْلِ الْحَدَثِ يَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ حَمَلَ مُحْدِثًا، وَلَا يُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ كَمَا لَوْ قَرَأَهَا الْمُحْدِثُ، وَكَذَا لَا يَمْسَحُ رَأْسَ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ لِلْحَدَثِ يَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ الْمَسْحُ كَمَا فِي الْجُنُبِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِثُبُوتِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ عِلَّتِهَا، وَهِيَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ، وَقَوْلٌ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ لِلْغُسْلِ أَثَرًا فِي إزَالَتِهَا كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ فِي إزَالَتِهِ نَجَاسَةَ الْمَوْتِ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَكَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ فِي الثُّبُوتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَفِي الزَّوَالِ بِالْغُسْلِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ فِيهِ عَمَلٌ بِالدَّلِيلَيْنِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَنْعُ ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ مَعَ قِيَامِ عِلَّتِهَا وَلَمْ نَجِدْ نَجَاسَةً لَا تَعْمَلُ فِي التَّنْجِيسِ فِي الْآدَمِيِّ فِي حَالَةِ كَرَامَةٍ لَهُ فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يُسَجَّى بِثَوْبٍ وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ إلَى أَنْ يُرْفَعَ. اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمَيِّتِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ تَنَجُّسِهِ بِالْمَوْتِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي حَالَ الْمُطَالَعَةِ مِنْ التَّوْفِيقِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. قَوْلُهُ: لِمَاذَا وَجَبَ؟. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَأَمَّا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَعْضِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ وَكَذَا الْوَاجِبُ هُوَ الْغُسْلُ مَرَّةً وَالتَّكْرَارُ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتَّى لَوْ اكْتَفَى بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ غَمَسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي مَاءٍ جَارٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنْ وَجَبَ لِإِزَالَةِ الْحَدَثِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ يَحْصُلُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَإِنْ وَجَبَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمُنْتَشِرَةِ فِيهِ كَرَامَةً لَهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ فَالْحُكْمُ بِالزَّوَالِ بِالْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَقْرَبُ إلَى مُعْتَبَرِ الْكَرَامَةِ، وَإِنْ أَصَابَهُ الْمَطَرُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِعْلُ الْغُسْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ غَرِقَ فِي الْمَاءِ فَأُخْرِجَ إنْ كَانَ الْمُخْرِجُ حَوَّلَهُ كَمَا يُحَوَّلُ الشَّيْءُ فِي الْمَاءِ لِقَصْدِ التَّطْهِيرِ وَسَقَطَ التَّطْهِيرُ، وَإِلَّا فَلَا لِمَا قُلْنَا. اهـ. (قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيُكْتَفَى بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ هُوَ الصَّحِيحُ تَيْسِيرًا قَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّهُ يُسْتَرُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَصَحَّحَهَا فِي النِّهَايَةِ بِحَدِيثِ عَلِيِّ الْمَذْكُورِ آنِفًا. اهـ. وَمَا صَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ صَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالْمَبْسُوطِ وَشَرْحِ أَبِي نَصْرٍ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ كَمَا اخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ. اهـ (قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٍّ «لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلَا مَيِّتٍ») هَكَذَا فِي نُسَخِ هَذَا الشَّرْحِ وَاَلَّذِي فِي الْفَتْحِ «وَلَا تَنْظُرْ» بِالْوَاوِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا تُبْرِزْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلَا مَيِّتٍ». اهـ. وَمُرَادُهُ بِصَاحِبِ السُّنَنِ أَبُو دَاوُد. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةُ الِاغْتِسَالِ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ غُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ خُنْثَى مُشْكِلًا فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قِيلَ يُيَمَّمُ، وَقِيلَ يُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. اهـ. وَفِي التَّتِمَّةِ الْخُنْثَى كَيْفَ يُغَسَّلُ قِيلَ يُجْعَلُ فِي كُوَّارَةٍ فَيُغَسَّلُ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ يُيَمَّمُ، وَلَا يُغَسَّلُ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ أَوْ كَانَ مُرَاهِقًا. اهـ. وَفِي الدِّرَايَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْخُنْثَى يُيَمَّمُ وَرَاءَ الثَّوْبِ، وَقِيلَ يُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحْرَمٌ وَيَكُونُ مَوْضِعُ غُسْلِهِ مُظْلِمًا، وَقِيلَ يُجْعَلُ فِي كُوَّارَةٍ فَيُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُيَمَّمُ. اهـ. قَوْلُهُ: غُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ أَيْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالدَّفْنِ وَالصَّلَاةِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمُجْتَبَى. اهـ. (قَوْلُهُ: وَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ مَغْلِيٌّ) مِنْ الْإِغْلَاءِ لَا مِنْ الْغَلْيِ وَالْغَلَيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالدِّرَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ حُرُضٌ) هُوَ أَشْنَانٌ غَيْرُ مَطْحُونٍ. اهـ فَتْحٌ

стр. 237

الْمَقْصُودَ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ تَحْصُلُ بِهِ وَالسَّخِينُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ قَالَ ﵀: (وَغُسِلَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ بِالْخِطْمِيِّ)؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْوَسَخِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالصَّابُونِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ هَذَا إذَا كَانَ فِي رَأْسِهِ شَعْرٌ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ قَالَ ﵀ (وَأُضْجِعَ عَلَى يَسَارِهِ فَيُغْسَلُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا يَلِي التَّحْتَ مِنْهُ ثُمَّ عَلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ)؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَذَكَرَ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّهُ يُبْدَأُ أَوَّلًا بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ ثُمَّ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ثُمَّ بِالْمَاءِ وَشَيْءٍ مِنْ الْكَافُورِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ ﵀: (ثُمَّ أُجْلِسَ مُسْنَدًا إلَيْهِ، وَمُسِحَ بَطْنُهُ رَفِيقًا) لِيَسِيلَ مَا بَقِيَ فِي الْمَخْرَجِ، وَلَا تَبْتَلُّ أَكْفَانُهُ فِي الْآخِرَةِ قَالَ ﵀: (وَمَا خَرَجَ مِنْهُ غَسَلَهُ) تَنْظِيفًا لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي إنْجَائِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُنْجِيهِ مِثْلَ مَا كَانَ يَسْتَنْجِي فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَلَا يَمَسَّ عَوْرَتَهُ؛ لِأَنَّ مَسَّ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ يَلُفُّ خِرْقَةً عَلَى يَدِهِ فَيَغْسِلُ حَتَّى يَطْهُرَ الْمَوْضِعُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُنَجَّى؛ لِأَنَّ الْمُسْكَةَ قَدْ زَالَتْ فَلَوْ نُجِّيَ رُبَّمَا يَزْدَادُ الِاسْتِرْخَاءُ فَتَخْرُجُ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فَيُكْتَفَى بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا يَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهَا اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ. قَالَ ﵀: (، وَلَمْ يُعَدْ غُسْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ عُرِفَ نَصًّا، وَقَدْ حَصَلَ، وَلَا وُضُوءُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ يُعَادُ وُضُوءُهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ، وَلَنَا أَنَّهُ إنْ كَانَ حَدَثًا فَالْمَوْتُ فَوْقَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِكَوْنِهِ يَنْفِي التَّمْيِيزَ فَوْقَ الْإِغْمَاءِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ مَعَ بَقَاءِ الْمَوْتِ. قَالَ ﵀: (وَنُشِّفَ بِثَوْبٍ) كَيْ لَا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ قَالَ ﵀: (وَجُعِلَ الْحَنُوطُ)، وَهُوَ الطِّيبُ (عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَمَرَ بِذَلِكَ وَاسْتَعْمَلَهُ أَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ، وَلَا بَأْسَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الطِّيبِ غَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. قَالَ ﵀: (وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) يَعْنِي جَبْهَتَهُ، وَأَنْفَهُ وَيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَقَدَمَيْهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْقُطْنُ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَنْ تُحْشَى بِهِ مَخَارِقُهُ كَالدُّبُرِ وَالْقُبُلِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْفَمِ. قَالَ ﵀: (، وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُهُ وَلِحْيَتُهُ، وَلَا يُقَصُّ ظُفُرُهُ وَشَعْرُهُ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِلزِّينَةِ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهَا، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ ذَلِكَ فَقَالَتْ عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ، وَقَوْلُهُ وَلِحْيَتُهُ تَكْرَارٌ مَحْضٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُسَرَّحُ شَعْرُهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ شَعْرِ جَسَدِهِ أَوْ يُقَالُ حَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ تَقْدِيرُهُ: وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُ رَأْسِهِ، وَلَا شَعْرُ لِحْيَتِهِ فَعَلَى هَذَا يُفِيدُ فَائِدَةً جَدِيدَةً. قَالَ ﵀: (وَكَفَنُهُ سُنَّةً) أَيْ كَفَنُ الرَّجُلِ لِلسُّنَّةِ (إزَارٌ، وَقَمِيصٌ وَلِفَافَةٌ) فَالْقَمِيصُ مِنْ الْمَنْكِبَيْنِ إلَى الْقَدَمَيْنِ، وَهُوَ بِلَا دَخَارِيصَ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي قَمِيصِ الْحَيِّ لِيَتَّسِعَ أَسْفَلُهُ لِلْمَشْيِ وَلَا جَيْبٍ، وَلَا كُمَّيْنِ، وَلَا تُكَفُّ أَطْرَافُهُ، وَلَوْ كُفِّنَ فِي قَمِيصِهِ قُطِعَ جَيْبُهُ وَكُمَّيْهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللِّفَافَةِ وَالْإِزَارِ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا عِمَامَةٌ، وَلَا قَمِيصٌ، وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ فَكُفِّنَ فِيهِ»، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي قَمِيصِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَحُلَّةٍ نَجْرَانِيَّةٍ، وَالْحُلَّةُ ثَوْبَانِ وَالْعَمَلُ بِمَا رَوَيْنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا رَوَاهُ فِعْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَلَا يُعَارِضُ فِعْلَ النَّبِيِّ ﵊ مَعَ أَنَّ مَا رَوَاهُ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ وَالْحَالُ أَكْشَفُ عَلَى الرِّجَالِ لِحُضُورِهِمْ دُونَ النِّسَاءِ لِبُعْدِهِنَّ قَالَ ﵀: (وَكِفَايَةً) أَيْ، وَكَفَنُهُ كِفَايَةً (إزَارٌ وَلِفَافَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊ «فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ»؛ وَلِأَنَّهُ أَدْنَى مَا يَلْبَسُهُ الْإِنْسَانُ حَالَ حَيَاتِهِ عَادَةً فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَقِيلَ قَمِيصٌ وَلِفَافَةٌ. وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، قَالَ ﵀ (وَضَرُورَةٌ مَا يُوجَدُ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى دُونِ مَا ذَكَرْنَا كَمَا رُوِيَ «أَنَّ حَمْزَةَ ﵁ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ لَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا نَمِرَةٌ فَكَانَتْ إذَا وُضِعَتْ عَلَى رَأْسِهِ تَبْدُو رِجْلَاهُ، وَإِذَا وُضِعَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ وَيُجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْإِذْخِرِ»، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] ( قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ بِالْخِطْمِيِّ) هُوَ مُشَدَّدُ الْيَاءِ غِسْلٌ مَعْرُوفٌ وَكَسْرُ الْخَاءِ أَكْثَرُ مِنْ الْفَتْحِ. اهـ. مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ فَيُغَسَّلُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا يَلِي التَّحْتَ إلَخْ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ، وَلَا يُكَبُّ الْمَيِّتُ عَلَى وَجْهِهِ لِيُغْسَلَ ظَهْرُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: مُسْنَدًا) عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ: إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْغَاسِلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا إلَخْ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَبِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يُوجِبْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَعَلَّ مُحَمَّدًا رَجَعَ، وَعَرَفَ رُجُوعَ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: الْحَنُوطُ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ عِطْرٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: عَلَى مَسَاجِدِهِ) جَمْعُ مَسْجَدٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَوْضِعُ السُّجُودِ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ، وَلَا يُسَرَّحُ إلَخْ) أَيْ، وَلَا يُخْتَنُ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ وَبِهِ يُفْتَى. اهـ. كُنُوزٌ (قَوْلُهُ: وَلِحْيَتُهُ تَكْرَارٌ) قَالَ الْعَيْنِيُّ قُلْت لَوْ لَمْ يَذْكُرْ لِحْيَتَهُ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ لِحْيَتَهُ تُسَرَّحُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ لَا يُسَرَّحُ شَعْرُهُ لَا يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَى لِحْيَتِهِ لِكَوْنِهَا مَخْصُوصَةً بِاسْمٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ إلَخْ) التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِفَافَةٌ) فَالسَّاقِطُ الْقَمِيصُ وَالضَّابِطُ الْقَافُ مَعَ الْقَافِ. اهـ. (قَوْلُهُ: إلَّا نَمِرَةٌ) النَّمِرَةُ كِسَاءٌ فِيهِ خُطُوطٌ سُودٌ وَبِيضٌ. اهـ. مُغْرِبٌ

стр. 238

وَحْدَهَا لَا يَكْفِي خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ ﵀: (وَلُفَّ مِنْ يَسَارِهِ ثُمَّ مِنْ يَمِينِهِ) أَيْ لُفَّ الْكَفَنُ مِنْ يَسَارِ الْمَيِّتِ ثُمَّ يَمِينِهِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ تُبْسَطَ اللِّفَافَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الْإِزَارُ فَوْقَهَا ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَيْهِ مُقَمَّصًا ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَيْهِ الْإِزَارُ وَحْدَهُ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ ثُمَّ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ ثُمَّ اللِّفَافَةُ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ. قَالَ ﵀: (وَعُقِدَ) أَيْ الْكَفَنُ (إنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ) صِيَانَةً عَنْ الْكَشْفِ. قَالَ ﵀ (وَكَفَنُهَا) أَيْ كَفَنُ الْمَرْأَةِ (سُنَّةً دِرْعٌ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ وَخِرْقَةٌ تُرْبَطُ بِهَا ثَدْيَاهَا) لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى اللَّوَاتِي غَسَلْنَ ابْنَتَهُ خَمْسَ أَثْوَابٍ» قَالَ ﵀: (وَكِفَايَةً) أَيْ كَفَنُهَا كِفَايَةً إزَارٌ وَلِفَافَةٌ (وَخِمَارٌ)؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ حَالَ حَيَاتِهَا وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهَا، وَمَا دُونَ ذَلِكَ كَفَنُ الضَّرُورَةِ قَالَ ﵀: (وَتُلْبَسُ الدِّرْعَ أَوَّلًا ثُمَّ يُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الدِّرْعِ ثُمَّ الْخِمَارُ فَوْقَهُ تَحْتَ اللِّفَافَةِ) ثُمَّ يُعْطَفُ الْإِزَارُ ثُمَّ اللِّفَافَةُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ ثُمَّ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْأَكْفَانِ لِئَلَّا تَنْتَشِرَ، وَعَرْضُهَا مَا بَيْنَ الثَّدْيِ إلَى السُّرَّةِ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الثَّدْيِ إلَى الرُّكْبَةِ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ الْكَفَنُ بِالْفَخِذَيْنِ وَقْتَ الْمَشْيِ، وَمَا دُونَ الثَّالِثَةِ كَفَنُ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْأَكْفَانِ الْبِيضُ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ الْمُزَعْفَرُ وَالْمُعَصْفَرُ وَالْإِبْرَيْسَمُ، وَلَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ. وَالصَّبِيُّ الْمُرَاهِقُ فِي التَّكْفِينِ كَالْبَالِغِ وَالْمُرَاهِقَةُ كَالْبَالِغَةِ، وَأَدْنَى مَا يُكَفَّنُ بِهِ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَالصَّبِيَّةُ ثَوْبَانِ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي الْكَفَنِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي مِقْدَارِهِ وَصِفَتِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْكَفَنُ وَالْمُصَنِّفُ ﵀ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنْ عَلَيْهِ الْكَفَنُ، وَهُوَ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ إلَى قَدْرِ السَّنَةِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ مَالِهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَالرَّهْنِ وَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ إلَّا الزَّوْجَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِانْقِطَاعِ الْوُصْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ قَالَ ﵀ (وَتُجَمَّرُ الْأَكْفَانُ أَوَّلًا وِتْرًا) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُدْرَجَ فِيهَا الْمَيِّتُ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوا وِتْرًا»، وَلَا يُزَادُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَجَمِيعُ مَا يُجَمَّرُ فِيهِ الْمَيِّتُ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَعِنْدَ غُسْلِهِ، وَعِنْدَ تَكْفِينِهِ، وَلَا يُجَمَّرُ خَلْفَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ»، وَكَذَا يُكْرَهُ فِي الْقَبْرِ (فَصْلٌ) قَالَ ﵀: (السُّلْطَانُ أَحَقُّ بِصَلَاتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ الْخَلِيفَةُ أَوْلَى إنْ حَضَرَ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِمَامُ الْمِصْرِ، وَهُوَ سُلْطَانُهَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَلِيفَةِ وَبَعْدَهُ الْقَاضِي وَبَعْدَهُ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ وَبَعْدَهُ خَلِيفَةُ الْوَالِي وَبَعْدَهُ خَلِيفَةُ الْقَاضِي وَبَعْدَ هَؤُلَاءِ إمَامُ الْحَيِّ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا فَالْأَقْرَبُ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ أَوْلَى بِهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَلِيُّ الْمَيِّتِ أَوْلَى بِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوِلَايَةِ كَالْإِنْكَاحِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَقَالَ لَوْلَا السُّنَّةُ لَمَا قَدَّمْتُكَ، وَكَانَ سَعِيدٌ وَالِيًا فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي اللُّبَابِ؛ وَلِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، وَتَعْظِيمُهُ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْضُرْ السُّلْطَانُ، وَلَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ. قَالَ ﵀: (وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَيْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلُّوا عَلَى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: دِرْعٌ) قَالَ الْعَيْنِيُّ أَيْ قَمِيصٌ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَدِرْعُ الْمَرْأَةِ مَا تَلْبَسُهُ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ، وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَيْ هُوَ مَا جَيْبُهُ إلَى الصَّدْرِ، وَالْقَمِيصُ مَا شِقُّهُ إلَى الْمَنْكِبِ، وَلَمْ أَجِدْهُ أَنَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ. اهـ. مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ: وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي نُسَخِ الْمَتْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَيُسْدَلُ شَعْرُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهَا، وَلَا يُجْعَلُ ضَفِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ضَفْرَ الشَّعْرِ، وَإِسْدَالَهُ خَلْفَ الظَّهْرِ لِلزِّينَةِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ حَالَةُ الْحَسْرَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْإِبْرَيْسَمُ إلَخْ) وَجَازَ تَكْفِينُهَا فِي الْحَرِيرِ لَا تَكْفِينُهُ. اهـ. مُنْيَةٌ. [فَصْلٌ السُّلْطَانُ أَحَقُّ بِصَلَاةِ الْجِنَازَة] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ: السُّلْطَانُ أَحَقُّ بِصَلَاتِهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَوْتَى ثَابِتَةٌ بِمَفْهُومِ الْكِتَابِ وَبِالتَّوَارُثِ مِنْ الْعَهْدِ الْأَوَّلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] فَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِ يُشْعِرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُوَافِقِ وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ صَلَّتْ عَلَى آدَمَ ﵊، وَقَالَتْ لِوَلَدِهِ هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ وَإِذَا ثَبَتَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إمَامٍ فَلِذَلِكَ قَالَ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ فَالصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْمَيِّتِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهِ غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ وَالسُّلْطَانُ يُقَدَّمُ بِعَارِضِ الْإِمَامَةِ وَالسَّلْطَنَةِ فَلِذَلِكَ قَيَّدَ بِالشَّرْطِ فَقَالَ إنْ حَضَرَ فَإِنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ازْدِرَاءً بِهِ، وَفِيهِ فَسَادُ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ إنْ لَمْ يَحْضُرْ الْإِمَامُ أَوْ السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي فَيُسْتَحَبُّ تَقَدُّمُ إمَامِ الْحَيِّ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ، وَأَمَّا إمَامُ الْحَيِّ فَتَقْدِيمُهُ عَلَى طَرِيقِ الْأَفْضَلِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَتَقْدِيمِ السُّلْطَانِ. وَبَيَانُ أَنَّ الْحَقَّ إلَى الْأَوْلِيَاءِ مَا قَالَ فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ، وَمَا قَالَ أَيْضًا فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ الْوَلِيِّ بِدُونِ السُّلْطَانِ فِي نُسْخَةٍ أَعَادَ الْوَلِيُّ فَعُلِمَ بِهَذَيْنِ أَنَّ الْحَقَّ إلَى الْأَوْلِيَاءِ حَيْثُ قَالَ لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ الْإِعَادَةُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ سُلْطَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ السُّلْطَانُ بِعَارِضٍ وَلِهَذَا قَالَ إنْ حَضَرَ. اهـ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ حَضَرَ السُّلْطَانُ وَصَلَّى الْوَلِيُّ يُعِيدُ السُّلْطَانُ، وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ السُّلْطَانُ وَصَلَّى الْوَلِيُّ لَيْسَ لِأَحَدٍ الْإِعَادَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِيُّ الْمَيِّتِ أَوْلَى بِهَا إلَخْ)، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: كَالْإِنْكَاحِ إلَخْ) فَيَكُونُ الْوَلِيُّ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَجْهُ الْأَوَّلِ) أَيْ، وَهُوَ أَنَّ السُّلْطَانَ وَمَنْ بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى الِافْتِرَاضِ وَكَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ كَافٍ، وَقِيلَ فِي مُسْنَدِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَالْحَمْلُ عَلَى الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ أَوْلَى مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِحَمْلِهَا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. اهـ. قَوْلُهُ: فِي مُسْنَدِ الْأَوَّلِ أَيْ الْفَرْضِيَّةِ. اهـ.

стр. 239

صَاحِبِكُمْ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِإِقَامَةِ الْبَعْضِ فَتَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَكَذَا تَكْفِينُهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلِهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَكَذَا غُسْلُهُ وَدَفْنُهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. قَالَ ﵀: (وَشَرْطُهَا) أَيْ شَرْطُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (إسْلَامُ الْمَيِّتِ وَطَهَارَتُهُ) أَمَّا الْإِسْلَامُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ الْكَفَرَةُ؛ وَلِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ لِلْمَيِّتِ إكْرَامًا لَهُ وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، وَالْكَافِرُ لَا تَنْفَعُهُ الشَّفَاعَةُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْإِكْرَامَ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ وَضْعُهُ أَمَامَ الْقَوْمِ حَتَّى لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَوْ وَضَعُوهُ خَلْفَهُمْ وَالْإِمَامُ تُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ، وَلَهُ حُكْمُ الْمُؤْتَمِّ أَيْضًا بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ مَا دَامَ الْغُسْلُ مُمْكِنًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ دُفِنَ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِالنَّبْشِ يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْمُؤْتَمِّ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الْغُسْلِ ثُمَّ دُفِنَ تُعَادُ الصَّلَاةُ لِفَسَادِ الْأُولَى، وَقِيلَ تَنْقَلِبُ الْأُولَى صَحِيحَةً عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَلَا تُعَادُ، قَالَ ﵀: (ثُمَّ الْقَاضِي إنْ حَضَرَ ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ)؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَرَضِيَ بِهِ فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَلَيْسَ تَقْدِيمُهُ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَابٌ، وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْلَى مِنْ إمَامِ الْحَيِّ قَالَ ﵀ (ثُمَّ الْوَلِيُّ)؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ، وَالْوِلَايَةُ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ إذَا حَضَرَ كَيْ لَا يَكُونَ ازْدِرَاءٌ بِهِ لَا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إلَيْهِ، وَتَرْتِيبُ الْأَوْلِيَاءِ فِيهَا كَتَرْتِيبِهِمْ فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِنْكَاحِ لَكِنْ إذَا اجْتَمَعَ أَبُو الْمَيِّتِ وَابْنُهُ كَانَ الْأَبُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى الِابْنِ، وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَهُمَا الِابْنُ أَوْلَى بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَوْلُ الْكُلِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْفَضِيلَةُ، وَالْأَبُ أَفْضَلُ، وَلِهَذَا يُقَدَّمُ الْأَسَنُّ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ بِغَيْرِهِ، وَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى عَبِيدِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، وَلَهُ وَلِيٌّ حُرٌّ فَالْمَوْلَى أَوْلَى عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَلَوْ تَرَكَ وَفَاءً فَأُدِّيَتْ الْكِتَابَةُ كَانَ الْوَلِيُّ أَوْلَى، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّوَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلِيٌّ فَالزَّوْجُ أَوْلَى ثُمَّ الْجِيرَانُ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ. قَالَ ﵀: (وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ حَقُّهُ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ أَوْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالِانْصِرَافِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَّا بِإِذْنِهِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا بَأْسَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ: وَكَذَا تَكْفِينُهُ) أَيْ وَكُلُّ مَا يُعْتَبَرُ شَرْطًا لِصِحَّةِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالنِّيَّةُ تُعْتَبَرُ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا. اهـ بَدَائِعُ. [شَرْط الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت] (قَوْلُهُ: وَطَهَارَتُهُ) قَالَ فِي الْفَتَاوَى التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. اهـ. وَسُئِلَ قَاضِي خَانْ عَنْ طَهَارَةِ مَكَانِ الْمَيِّتِ هَلْ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ قَالَ: إنْ كَانَ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جِنَازَةٍ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ مَكَانِ الْمَيِّتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَدٍّ، وَهَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ وَسُئِلَ عَمَّنْ أَنْكَرَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ هَلْ يَكْفُرُ قَالَ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ. اهـ. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا وَضْعُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّي فَلِهَذَا الْقَيْدِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَائِبٍ، وَلَا حَاضِرٍ مَحْمُولٍ عَلَى دَابَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا مَوْضُوعٍ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمُصَلِّي. اهـ. كَمَالٌ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ أَخْطَئُوا بِالرَّأْسِ وَوَضَعُوهُ فِي مَوْضِعِ الرِّجْلَيْنِ وَصَلَّوْا عَلَيْهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهَا إنَّمَا الْحَاصِلُ تَغْيِيرُ صِفَةِ الْوَضْعِ، وَذَا لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ إلَّا أَنَّهُمْ إنْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءُوا لِتَغْيِيرِهِمْ السُّنَّةَ الْمُتَوَارَثَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِهِ لِلضَّرُورَةِ إلَخْ) بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ بَعْدُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ فَيُغَسَّلُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامُ الْحَيِّ حَاضِرًا فَالْوِلَايَةُ بَعْدُ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَاتِهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ لَا وِلَايَةَ لِإِمَامِ الْحَيِّ إنَّمَا الْوِلَايَةُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِأَقْرَبِ أَوْلِيَائِهِ أَنْ يُقَدِّمَ إمَامَ الْحَيِّ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ أَحَقُّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ. اهـ. وَإِمَامُ الْحَيِّ إمَامُ مَسْجِدِ حَارَتِهِ. اهـ. ع قَالَ الْكَمَالُ: وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فُلَانٌ فَفِي الْعُيُونِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ جَائِزَةٌ وَيُؤْمَرُ فُلَانٌ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: الْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ. اهـ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَهُ حَالَ حَيَاتِهِ) أَيْ وَلِهَذَا لَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ أَحَدًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَرِيبِ لِرِضَاهُ بِهِ. اهـ بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَابٌ) قَالَ الْكَمَالُ وَتَعْلِيلُ الْكِتَابِ يُرْشِدُ إلَيْهِ. اهـ. يَعْنِي بِالتَّعْلِيلِ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَتَرْتِيبُ الْأَوْلِيَاءِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنُهُ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ أَحَقُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْقَرِيبِ بِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ ابْنٌ، وَلَهُ أَبٌ فَالْوِلَايَةُ لِابْنِهِ، وَلَكِنَّهُ يُقَدِّمُ الْجَدَّ تَعْظِيمًا. وَكَذَا الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ ابْنُهُ أَوْ عَبْدُهُ وَمَوْلَاهُ حَاضِرٌ فَالْوِلَايَةُ لَهُ لَكِنَّهُ يُقَدِّمُ مَوْلَاهُ احْتِرَامًا لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ إلَخْ) فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَبُو الْمَعْتُوهَةِ أَوْلَى بِإِنْكَاحِهَا مِنْ ابْنِهَا، وَعِنْدَهُمَا الِابْنُ أَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ: عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ بِغَيْرِهِ) كَمَا فِي أَخَوَيْنِ شَقِيقَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَسَنُّهُمْ أَوْلَى. اهـ. فَتْحٌ قَالَ الْكَمَالُ ﵀، وَلَوْ قَدَّمَ الْأَسَنُّ أَجْنَبِيًّا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلِلصَّغِيرِ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الرُّتْبَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْأَسَنَّ بِالسُّنَّةِ قَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ «لِيَتَكَلَّمْ أَكْبَرُكُمَا»، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْحَقَّ لِلِابْنِ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُقَدِّمَ هُوَ أَبَاهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: سَائِرُ الْقَرَابَاتِ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا ابْنٌ فَإِنْ كَانَ فَالزَّوْجُ أَوْلَى مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلِابْنِ، وَهُوَ يُقَدِّمُ أَبَاهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا شَقِيقًا وَالْآخَرُ لِأَبٍ جَازَ تَقْدِيمُ الشَّقِيقِ الْأَجْنَبِيَّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ إلَخْ) أَيْ وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا أَذِنَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فَصَلَّى لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْإِعَادَةُ. اهـ جَوْهَرَةٌ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ. (قَوْلُهُ: أَوْ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالِانْصِرَافِ إلَخْ) أَيْ إلَى حَالِهِمْ لِئَلَّا يَتَكَلَّفُوا حُضُورَ الدَّفْنِ، وَلَهُمْ

стр. 240

بِالْأَذَانِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَذَّنُ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ لَا بَأْسَ بِالْأَذَانِ أَيْ الْإِعْلَامِ، وَهُوَ أَنْ يُعْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَقْضُوا حَقَّهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَشْيِيعِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْجِنَازَةُ يُتَبَارَكُ بِهَا، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الْأَزِقَّةِ وَالْأَسْوَاقِ؛ لِأَنَّهُ نَعْيُ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لَهُ وَتَحْرِيضَ النَّاسِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالِاعْتِبَارِ بِهِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَعْيَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَبْعَثُونَ إلَى الْقَبَائِلِ يَنْعَوْنَ مَعَ ضَجِيجٍ وَبُكَاءٍ وَعَوِيلٍ وَتَعْدِيدٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ ﵀: (فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ الْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانِ أَعَادَ الْوَلِيُّ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَقَّ لَهُ قَالَ ﵀: (وَلَمْ يُصَلِّ غَيْرُهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَمَا صَلَّى الْوَلِيُّ، وَكَذَا بَعْدَ إمَامِ الْحَيِّ وَبَعْدَ كُلِّ مَنْ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا صَلَّى عَلَيْهِ أَهْلُهُ»، وَلَنَا أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ تَأَدَّى بِالْأُولَى، وَالتَّنَفُّلُ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلِهَذَا لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً وَتَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الْيَوْمَ كَمَا وُضِعَ لِأَنَّ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَأْكُلُهَا التُّرَابُ، وَإِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. قَالَ ﵀: (فَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَتَفَسَّخْ) إقَامَةً لِلْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَشْخَاصِ. قَالَ ﵀: (وَهِيَ) أَيْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ بِثَنَاءٍ بَعْدَ الْأُولَى وَصَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الثَّانِيَةِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] مَوَانِعُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ انْصِرَافَهُمْ بَعْدَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مَكْرُوهٌ، وَعِبَارَةُ الْكَافِي إنْ فَرَغُوا فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَمْشُوا خَلْفَ الْجِنَازَةِ إلَى أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْقَبْرِ، وَلَا يَرْجِعُ أَحَدٌ بِلَا إذْنٍ فَمَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فَقَدْ يَتَحَرَّجُونَ وَالْإِذْنُ مُطْلَقٌ لِلِانْصِرَافِ لَا مَانِعٌ مِنْ حُضُورِ الدَّفْنِ، وَعَلَى هَذَا فَالْأَوْلَى هُوَ الْإِذْنُ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ لَا بَأْسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَطَّرِدْ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ. اهـ. أَيْ وَكَوْنُ تَرْكِ مَدْخُولِهِ أَوْلَى عُرِفَ فِي مَوَاضِعَ. اهـ. كَمَالٌ ﵀ (قَوْلُهُ: لِيَقْضُوا حَقَّهُ إلَخْ) وَلِيَنْتَفِعَ الْمَيِّتُ بِكَثْرَتِهِمْ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْهُ ﷺ «قَالَ مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ فِيهِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الْأَزِقَّةِ وَالْأَسْوَاقِ؛ لِأَنَّهُ نَعْيُ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بَعْدُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ تَنْوِيهٍ بِذِكْرِهِ وَتَفْخِيمٍ بَلْ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْمُصَلِّينَ. اهـ. كَمَالٌ ﵀. (قَوْلُهُ: أَعَادَ الْوَلِيُّ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ هَذَا إذَا كَانَ الْغَيْرُ غَيْرَ مُقَدَّمٍ عَلَى الْوَلِيِّ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ كَالْقَاضِي وَنَائِبِهِ لَمْ يَعِدْ. اهـ. وَقَدْ عَزَى فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا إلَى فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ رَجُلٌ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَالْوَلِيُّ خَلْفَهُ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ إنْ تَابَعَهُ وَصَلَّى مَعَهُ لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَرَّةً، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ إنْ كَانَ الْمُصَلِّي سُلْطَانًا أَوْ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ فِي الْبَلْدَةِ أَوْ الْقَاضِيَ أَوْ الْوَالِيَ عَلَى الْبَلْدَةِ أَوْ إمَامَ الْحَيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ الْأَوْلَى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمْ فَلَهُ الْإِعَادَةُ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَكَذَا لَوْ صَلَّى إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لَا تُعَادُ كَذَا فِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ. اهـ. وَلَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ غَائِبًا بِمَكَانٍ تَفُوتُ الصَّلَاةُ بِحُضُورِهِ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ وَتَحَوَّلَ إلَى الْأَبْعَدِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْغَائِبُ غَيْرَهُ بِكِتَابَةٍ فَإِنَّ لِلْأَبْعَدِ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَقْرَبِ قَدْ سَقَطَتْ لِمَا أَنَّ فِي التَّوَقُّفِ عَلَى حُضُورِهِ ضَرَرًا بِالْمَيِّتِ وَالْوِلَايَةُ تَسْقُطُ مَعَ ضَرَرِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَالْمَرِيضُ فِي الْمِصْرِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَائِمَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَعَ مَرَضِهِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ التَّقْدِيمِ، وَلَا حَقَّ لِلنِّسَاءِ وَالصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ فِي التَّقْدِيمِ. اهـ بَدَائِعُ. وَفِيهَا وَسَائِرُ الْقَرَابَاتِ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ وَكَذَا مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنُ الْمَوْلَى وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ السَّبَبَ قَدْ انْقَطَعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ: بَعْدَ مَا صَلَّى الْوَلِيُّ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ إمَامًا فِيهَا أَوْ قَدَّمَ غَيْرَهُ فَاقْتَدَى بِهِ أَوْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَاقْتَدَى بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ الْفَرْضَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ أَنَّ الْفَرْضَ تَأَدَّى وَالتَّنَفُّلُ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَ الْوَلِيِّ أَيْضًا مِنْ الْإِعَادَةِ إذَا صَلَّى مِنْ الْوَلِيِّ أَوْلَى مِنْهُ إذْ الْفَرْضُ، وَهُوَ قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ تَأَدَّى بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِثْنَاءِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ مِنْ مَنْعِ التَّنَفُّلِ، وَأَعَادَ إنْ عَدِمَ الْمَشْرُوعِيَّةَ فِي حَقِّ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ أَمَّا مَنْ لَهُ الْحَقُّ فَتَبْقَى الْمَشْرُوعِيَّةُ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) هَذَا إذَا أُهِيلَ التُّرَابُ سَوَاءٌ كَانَ غُسِّلَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلَمًا لِمَالِكِهِ تَعَالَى، وَخَرَجَ عَنْ أَيْدِينَا فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بَعْدُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُهَلْ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ إذَا دُفِنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْغُسْلِ إنْ أَهَالُوا عَلَيْهِ لَا يُخْرَجُ، وَهَلْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ قِيلَ لَا وَالْكَرْخِيُّ نَعَمْ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِتَرْكِ الشَّرْطِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَالْآنَ زَالَ الْإِمْكَانُ فَسَقَطَتْ فَرْضِيَّةُ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ وَجْهٍ وَدُعَاءٌ مِنْ وَجْهٍ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ لَا تَجُوزُ بِلَا طَهَارَةٍ أَصْلًا، وَإِلَى الثَّانِي تَجُوزُ بِلَا عَجْزٍ فَقُلْنَا تَجُوزُ بِدُونِهَا حَالَةَ الْعَجْزِ لَا الْقُدْرَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ قَالَهُ الْكَمَالُ ﵀ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ مَا لَمْ يَتَفَسَّخْ) لِأَنَّ بَعْدَ التَّفَسُّخِ يَتَشَقَّقُ الْبَدَنُ وَيَتَفَرَّقُ وَالصَّلَاةُ مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْبَدَنِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ) احْتِرَازًا عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَالْمَكَانِ) إذْ مِنْهُ مَا يُسْرِعُ بِالْإِبْلَاءِ وَمِنْهُ لَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِي رَأْيِهِمْ أَنَّهُ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ قَبْلَ الثَّلَاثِ لَا يُصَلُّونَ إلَى الثَّلَاثِ. اهـ فَتْحٌ. [كَيْفِيَّة صَلَاة الْجِنَازَة] (قَوْلُهُ: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ بِثَنَاءٍ إلَخْ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إلَخْ قَالُوا لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إلَّا أَنْ يَقْرَأَهَا بِنِيَّةِ الثَّنَاءِ، وَلَمْ تَثْبُتْ الْقِرَاءَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ أُبَيًّا كَانَ لَا يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَصَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ كَمَا يُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ

стр. 241

وَدُعَاءٌ بَعْدَ الثَّالِثَةِ وَتَسْلِيمَتَيْنِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» وَثَبَتَ عَلَيْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ فَنَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا، وَالْبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ ثُمَّ الصَّلَاةِ سُنَّةُ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَرْجَى لِلْقَبُولِ وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ وَلِنَفْسِهِ وَلِأَبَوَيْهِ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِرِقَّةِ الْقَلْبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ سِوَى التَّسْلِيمَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وَيَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ كَمَا وَصَفْنَاهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَيَنْوِي الْمَيِّتَ كَمَا يَنْوِي الْإِمَامَ، وَيُخَافِتُ فِي الْكُلِّ إلَّا فِي التَّكْبِيرِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ اخْتَارُوا الرَّفْعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَنَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَا يَعُودُ» وَالرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُضْطَرِبَةٌ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يَرْفَعُ إلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَلَئِنْ صَحَّتْ فَلَا تُعَارِضُ فِعْلَ النَّبِيِّ ﵊. قَالَ ﵀: (فَلَوْ كَبَّرَ) الْإِمَامُ (خَمْسًا لَمْ يُتْبَعْ)؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَيْنَا وَيَنْتَظِرُ تَسْلِيمَ الْإِمَامِ فِي الْأَصَحِّ قَالَ ﵀: (وَلَا يُسْتَغْفَرُ لِصَبِيٍّ)؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ (وَلَا لِمَجْنُونٍ)؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ (وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا مُشَفَّعًا) قَالَ ﵀: (وَيَنْتَظِرُ الْمَسْبُوقُ لِيُكَبِّرَ مَعَهُ لَا مَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي حَالَةِ التَّحْرِيمَةِ) أَيْ يَنْتَظِرُ الْمَسْبُوقُ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ حَتَّى يُكَبِّرَ مَعَهُ، وَلَا يَنْتَظِرُ الَّذِي كَانَ حَاضِرًا وَقْتَ التَّحْرِيمَةِ، وَصُورَتُهُ إذَا أَتَى رَجُلٌ وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُكَبِّرُ الْآتِي حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ فَيُكَبِّرَ مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا وَقْتَ التَّحْرِيمَةِ وَيُكَبِّرُ، وَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي الْمَسْبُوقِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُكَبِّرُ حِينَ يَحْضُرُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ، وَالْمَسْبُوقُ يَأْتِي بِهِ فَصَارَ كَمَنْ كَانَ حَاضِرًا وَقْتَ تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ، وَلَهُمَا أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ، وَالْمَسْبُوقُ لَا يَبْتَدِئُ بِمَا فَاتَهُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ إذْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي حَالَةِ التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُدْرِكِ إذْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَهُوَ الْأَوْلَى. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَالْبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ سُنَّةُ الدُّعَاءِ) يُفِيدُ أَنَّ تَرْكَهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ فَلَا يَكُونُ رُكْنًا قَالَهُ الْكَمَالُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهَا دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ) قَالَ الْكَمَالُ: وَلَيْسَ فِيهَا دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ سِوَى أَنَّهُ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَإِنْ دَعَا بِالْمَأْثُورِ فَمَا أَحْسَنَهُ وَأَبْلَغَهُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَلَا يُجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِشَيْءِ مِنْ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَالْإِخْفَاءُ فِي الذِّكْرِ أَوْلَى، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجْهَرُونَ كُلَّ الْجَهْرِ وَلَا يُسِرُّونَ كُلَّ السِّرِّ. اهـ. أَبُو الْبَقَاءِ (قَوْلُهُ: وَيَنْتَظِرُ تَسْلِيمَ الْإِمَامِ فِي الْأَصَحِّ)، وَفِي أُخْرَى يُسَلِّمُ كَمَا يُكَبِّرُ الْخَامِسَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَقَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا لَيْسَ بِخَطَأٍ مُطْلَقًا إنَّمَا الْخَطَأُ فِي الْمُتَابَعَةِ فِي الْخَامِسَةِ، وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إنَّمَا لَا يُتَابِعُهُ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ إذَا سَمِعَ مِنْ الْإِمَامِ أَمَّا إذَا لَمْ يَسْمَعْ إلَّا مِنْ الْمُبَلِّغِ فَيُتَابِعُهُ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَالَهُ الْكَمَالُ ﵀. اهـ. قَوْلُهُ: وَفِي أُخْرَى أَيْ رِوَايَةٍ أُخْرَى. اهـ. وَقَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَيْ كَرَوْضَةِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُكَبِّرُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُصَفَّى إذَا حَضَرَ الرَّجُلُ، وَقَدْ كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِلِافْتِتَاحِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُكَبِّرُ حِينَ حَضَرَ لِلِافْتِتَاحِ ثُمَّ يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَصِرْ مَسْبُوقًا بِشَيْءٍ، وَلَوْ جَاءَ بَعْدَمَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، وَلَا يُكَبِّرُ لِلثَّانِيَةِ ثُمَّ يُتَابِعُهُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ثُمَّ يَأْتِي بِالتَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ، وَعِنْدَهُمَا إذَا جَاءَ الرَّجُلُ بَعْدَمَا كَبَّرَ الْإِمَامُ لِلِافْتِتَاحِ لَا يُكَبِّرُ هُوَ بَلْ يَمْكُثُ حَتَّى يُكَبِّرَ الثَّانِيَةَ فَيُكَبِّرَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ وَيَكُونُ هَذَا التَّكْبِيرُ تَكْبِيرَ الِافْتِتَاحِ فِي حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ، وَيَصِيرُ مَسْبُوقًا بِتَكْبِيرَةٍ ثُمَّ يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِيمَا بَقِيَ ثُمَّ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَأْتِي بِمَا سُبِقَ كَمَا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فَإِنْ جَاءَ بَعْدَمَا كَبَّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ لَا يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ مَا لَمْ يُكَبِّرْ الْإِمَامُ الثَّالِثَةَ فَإِذَا كَبَّرَ الثَّالِثَةَ تَابَعَهُ هَذَا الرَّجُلُ وَيُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ وَيَكُونُ مَسْبُوقًا بِتَكْبِيرَتَيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَعَلَ كَمَا قُلْنَا فَإِنْ جَاءَ بَعْدَمَا كَبَّرَ الْإِمَامُ ثَلَاثًا لَا يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ تَابَعَهُ هَذَا الرَّجُلُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَتَى بِمَا سُبِقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ، وَهِيَ ثَلَاثُ تَكْبِيرَاتٍ، وَلَوْ جَاءَ بَعْدَمَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ فَاتَهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُكَبِّرُ حِينَ حَضَرَ. وَإِذَا جَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعِ يُكَبِّرُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، وَهَلْ يَأْتِي بِالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ ذَكَرَ الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَأْمَنُ رَفْعَ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ، وَإِلَّا فَلَا وَذَكَرَ فِي النَّوَازِلِ الْمَسْأَلَةَ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَقَالَ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرَاتِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَتَى بِهَا مُتَتَابِعَةً بِلَا دُعَاءٍ مَا دَامَتْ الْجِنَازَةُ عَلَى الْأَرْضِ فَإِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ عَلَى الْأَكْتَافِ أَوْ رُفِعَتْ بِالْأَيْدِي وَلَمْ تُوضَعْ عَلَى الْأَكْتَافِ لَا يَأْتِي بِالتَّكْبِيرَاتِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي. اهـ.، وَفِي الْحَقَائِقِ فَإِنْ سُبِقَ بِأَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ يَصِيرُ مُدْرِكًا يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يُكَبِّرُ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ بِلَا أَذْكَارٍ قَبْلَ رَفْعِ الْجِنَازَةِ قَالُوا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَهُمَا أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ إلَخْ) لِقَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَرْبَعٌ كَأَرْبَعِ الظُّهْرِ وَلِذَا لَوْ تَرَكَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً مِنْهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ. اهـ. فَتْحٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَظِرْ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ لَكَانَ قَاضِيًا لِمَا فَاتَهُ قَبْلَ أَدَاءِ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ مَنْسُوخٌ إلَخْ) فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ قَالَ «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ سَأَلَهُمْ فَأَوْمَئُوا إلَيْهِ بِاَلَّذِي سُبِقَ فَيَقْضِي مَا سُبِقَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فَجَاءَ مُعَاذٌ وَالْقَوْمُ قُعُودٌ فِي صَلَاتِهِمْ

стр. 242

مُقَارِنًا لَهُ إلَّا بِحَرَجٍ، وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ، وَقَدْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَدْخُلُ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ لَهُمَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ الْإِمَامَ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَضَرَ قَبْلَ الرَّابِعَةِ ثُمَّ الْمَسْبُوقُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ نَسَقًا بِغَيْرِ دُعَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَضَاهُ بِدُعَاءٍ تَرْتَفِعُ الْجِنَازَةُ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِلَا حُضُورِ مَيِّتٍ، وَلَوْ رُفِعَتْ قَطَعَ التَّكْبِيرَ إذَا وُضِعَتْ عَلَى الْأَعْنَاقِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَتْ إلَى الْأَرْضِ أَقْرَبَ يَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ، وَقِيلَ لَا يَقْطَعُ حَتَّى تَتَبَاعَدَ. قَالَ: ﵀ (وَيَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا غَالِبٍ قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ أَنَسٍ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَامَ حِيَالَ صَدْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ الْإِيمَانِ، وَمَعْدِنُ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ فَيَكُونُ الْقِيَامُ عِنْدَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ وَقَعَتْ لِأَجْلِ إيمَانِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ بِحِذَاءِ صَدْرِهِ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ بِحِذَاءِ وَسَطِهَا؛ لِأَنَّ أَنَسًا فَعَلَ كَذَلِكَ، وَقَالَ هُوَ السُّنَّةُ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّيْت وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا» قُلْنَا الْوَسَطُ هُوَ الصَّدْرُ فَإِنَّ فَوْقَهُ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَتَحْتَهُ بَطْنَهُ وَرِجْلَيْهِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَنَسٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ وَقَفَ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ مِنْ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ فِي مِثْلِهِ قَدْ يُشْتَبَهُ لِتَقَارُبِ الْمَوْضِعَيْنِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ النَّاظِرُ إلَيْهِ بَعِيدًا، قَالَ ﵀ (: وَلَمْ يُصَلُّوا رُكْبَانًا) يَعْنِي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ، وَكَذَا لَمْ يُصَلُّوا قَاعِدِينَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ يَجِبُ وَسِيلَةً إلَى السُّجُودِ فَإِذَا لَمْ يَجِبْ السُّجُودُ لَمْ يَجِبْ الْقِيَامُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَرِيضِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ السُّجُودِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ وَجْهٍ لِوُجُودِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ احْتِيَاطًا، وَكَذَا لَا تَجُوزُ عَلَى مَيِّتٍ، وَهُوَ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ عَلَى الْمُخْتَارِ. قَالَ ﵀: (وَلَا فِي مَسْجِدٍ) أَيْ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيمِ فِي رِوَايَةٍ، وَكَرَاهِيَةُ التَّنْزِيهِ فِي أُخْرَى أَمَّا الَّذِي بُنِيَ لِأَجْلِ صَلَاةِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] فَقَعَدَ فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ فَقَضَى مَا كَانَ سُبِقَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ فَاقْتَدُوا بِهِ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ سُبِقَ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ فَلِيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ بِصَلَاتِهِ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ فَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ بِهِ». وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ مُعَاذٍ نَظَرًا فِي بَابِ الْأَذَانِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى أَنْ قَالَ فَجَاءَ مُعَاذٌ وَالْقَوْمُ قُعُودٌ» فَسَاقَ الْحَدِيثَ وَضَعَّفَ سَنَدَهُ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَذَلِكَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ «كَانَ الرَّجُلُ إذَا جَاءَ، وَقَدْ صَلَّى الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ فَسَاقَهُ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الدَّاخِلَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ ﷺ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً فَاتَّبِعُوهَا»، وَهَذَانِ مُرْسَلَانِ، وَلَا يَضُرُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا كَفَى الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنْ لَا يَقْضِيَ مَا سُبِقَ بِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ مَعَ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْكَافِي إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعْنَيَانِ مَعْنَى الِافْتِتَاحِ وَالْقِيَامِ مَقَامَ رَكْعَةٍ وَمَعْنَى الِافْتِتَاحِ يَتَرَجَّحُ فِيهَا وَلِذَا خُصَّتْ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى أَنْ يُكَبِّرَ وَحْدَهُ لِمَا قُلْنَا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ)، وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ الْأُولَى يُكَبِّرُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَهُمَا حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ بِحُضُورِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِظَارِهِ صَيْرُورَتُهُ مَسْبُوقًا بِتَكْبِيرَةٍ فَيُكَبِّرُهَا بَعْدَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَنْتَظِرُهُ بَلْ يُكَبِّرُ كَمَا لَوْ حَضَرَ، وَلَوْ كَبَّرَ كَمَا حَضَرَ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ لَا تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا لَكِنْ مَا أَدَّاهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، قَالَهُ الْكَمَالُ ﵀. اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يَجِبْ السُّجُودُ لَا يَجِبُ الْقِيَامُ كَمَا قُلْنَا إلَخْ) فِي الْبَدَائِعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ وَالْأَرْكَانُ فِيهَا التَّكْبِيرَاتُ وَيُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا حَالَةَ الرُّكُوبِ كَمَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا حَالَةَ الْقِيَامِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الشَّرْعَ مَا وَرَدَ بِهَا إلَّا فِي حَالَةِ الْقِيَامِ فَيُرَاعَى فِيهَا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَبِهَذَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْخَلَلِ فِي شَرَائِطِهَا فَكَذَا فِي الرُّكْنِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ أَهَمُّ مِنْ الشَّرْطِ؛ وَلِأَنَّ الْأَدَاءَ قُعُودًا وَرُكْبَانًا يُؤَدِّي إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمَيِّتِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ لِتَعْظِيمِهِ وَلِهَذَا تَسْقُطُ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ إهَانَتُهُ كَالْبَاغِي وَالْكَافِرِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ فَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ مَا شُرِعَ لِلتَّعْظِيمِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى الِاسْتِخْفَافِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَعُودَ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْصِ، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ مَرِيضًا فَصَلَّى قَاعِدًا وَصَلَّى النَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا مَا أَجْزَأَهُمْ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ إلَخْ)، وَلَوْ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ طَاهِرٍ أَوْ حَصَلَ قِيَامُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ أَوْ كَانَ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ بَدَنِهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ فَسَادَ الصَّلَاةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ، وَأَمَّا إذَا صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَفَسَدَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. اهـ. طَحَاوِيٌّ. فَرْعٌ: لَوْ كَانَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ فَصَلَّى عَلَيْهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ أَجْزَأَهُمْ جَمِيعًا عِنْدَهُمَا اسْتِحْسَانًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ لِلْقَوْمِ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِجَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ. اهـ. طَحَاوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيمِ) قَالَ الْكَمَالُ: ﵀ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُهَا تَنْزِيهِيَّةً إذْ الْحَدِيثُ لَيْسَ هُوَ نَهْيًا غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وَلَا قُرِنَ الْفِعْلُ بِوَعِيدٍ بِظَنِّيٍّ بَلْ سَلْبُ الْأَجْرِ وَسَلْبُ الْأَجْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِلثَّوَابِ فَسَلْبُ الثَّوَابِ مَعَ فِعْلِهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ إثْمٍ يُقَاوِمُ ذَلِكَ الثَّوَابَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ هَلْ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فَالصَّحِيحُ

стр. 243

الْجِنَازَةِ فَلَا يُكْرَهُ فِيهَا وَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ»، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِهَا إذَا لَمْ يُخَفْ تَلْوِيثُهُ؛ لِأَنَّ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ صَلَّى عَلَيْهَا أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: ﵂ هَلْ عَابَ النَّاسُ عَلَيْنَا مَا فَعَلْنَا فَقِيلَ لَهَا نَعَمْ فَقَالَتْ مَا أَسْرَعَ مَا نَسُوا مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِنَازَةِ سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاءِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَنَا مَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نُجَنِّبَ الْمَسَاجِدَ الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى بِذَلِكَ لِزَوَالِ مَسْكَنِهِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ دَلِيلٌ لَنَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ قَدْ عَابُوا عَلَيْهِنَّ فَلَوْلَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهُمْ لَمَا عَابُوا عَلَيْهِنَّ، وَقَوْلُهَا هَلْ عَابَ النَّاسُ عَلَيْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ لَمْ تَجْرِ بِذَلِكَ، وَلَوْلَا الْكَرَاهِيَةُ لَجَرَتْ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: تَأْوِيلُ حَدِيثِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ بِالْجِنَازَةِ فَوُضِعَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ لِلْعُذْرِ» فَعَلِمَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَخَفِيَ عَلَيْهَا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا وُضِعَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِعُذْرٍ، وَالْقَوْمُ كُلُّهُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الْإِمَامُ وَبَعْضُ الْقَوْمِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْبَاقُونَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ لِأَجْلِ التَّلْوِيثِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ لَا لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. قَالَ ﵀: (وَمَنْ اسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ) وَالِاسْتِهْلَالُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ مِنْ رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ حَرَكَةِ عُضْوٍ وَحُكْمُهُ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُسَمَّى وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيَرِثَ وَيُورَثَ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا اسْتَهَلَّ السِّقْطُ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ» وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ خُرُوجُ الْأَكْثَرِ حَيًّا حَتَّى لَوْ خَرَجَ أَكْثَرُ الْوَلَدِ، وَهُوَ يَتَحَرَّكُ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَرَجَ الْأَقَلُّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ ﵀ (وَإِلَّا لَا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْجُزْءِ وَلِهَذَا لَمْ يَرِثْ وَاخْتَلَفُوا فِي غُسْلِهِ وَتَسْمِيَتِهِ فَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُسَمَّ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُسَمَّى قَالَ ﵀ (كَصَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) أَيْ كَمَا لَا يُصَلَّى عَلَى صَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَوْلُودَ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا لَا يُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ الْمَسْبِيِّ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سُبِيَ مَعَ أَحَدِهِمَا صَارَ تَبَعًا لَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ» الْحَدِيثَ. قَالَ ﵀: (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا)؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَهُمَا دِينًا فَيُصَلَّى عَلَيْهِ تَبَعًا لَهُ قَالَ ﵀ (أَوْ هُوَ) أَيْ أَوْ يُسْلِمُ هُوَ يَعْنِي الصَّبِيَّ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ صَحِيحٌ إذَا كَانَ مُسْتَدِلًّا عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي السِّيَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ﵀: (أَوْ لَمْ يُسْبَ أَحَدُهُمَا مَعَهُ) أَيْ إذَا لَمْ يُسْبَ مَعَ الصَّبِيِّ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَحِينَئِذٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ تَبَعًا لِلسَّابِي أَوْ لِلدَّارِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَبَوَيْنِ تَنْقَطِعُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي تَقْدِيمِ تَبَعِيَّةِ الدَّارِ أَوْ السَّابِي بَعْدَ الْأَبَوَيْنِ فَقَالَ فِي الْغَايَةِ: التَّبَعِيَّةُ عَلَى مَرَاتِبَ أَقْوَاهَا تَبَعِيَّةُ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الدَّارُ ثُمَّ الْيَدُ، وَكَذَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ رَتَّبَ تَبَعِيَّةَ الدَّارِ عَلَى تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَهَذَا يَجُوزُ إدْخَالَ الْمَيِّتِ فِيهِ، وَحَاجَةُ النَّاسِ مَاسَّةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَيْهِمْ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُصَلَّى الْعِيدِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مَسْجِدٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَسْجِدٌ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ انْفَصَلَتْ الصُّفُوفُ؛ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ إلَخْ)، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي الْمُخْتَلَفَاتِ وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ بِالْمَسْجِدِ إلَّا عَنْ عُذْرٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُنِيَتْ لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ فَلَا يُقَامُ غَيْرُهَا فِيهَا قَصْدًا إلَّا بِعُذْرٍ، وَفِيمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا يَجُوزُ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَجُوزُ لِلْمَعْنَى الثَّانِي. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ إلَخْ) فِي الْخُلَاصَةِ مَكْرُوهٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ الْإِمَامُ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْقَوْمُ الْبَاقُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ وَالْقَوْمُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ هَكَذَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى قَالَ هُوَ الْمُخْتَارُ خِلَافًا لِمَا أَوْرَدَهُ النَّسَفِيُّ ﵀. اهـ. وَهَذَا الْإِطْلَاقُ فِي الْكَرَاهَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَتَوَابِعِهَا مِنْ النَّوَافِلِ وَالذِّكْرِ وَتَدْرِيسِ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِاحْتِمَالِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَوْفَقُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الْمُصَنِّفُ. اهـ كَمَالٌ ﵀. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ أُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ لِكَرَامَةِ بَنِي آدَمَ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَيْنَا وَيُغَسَّلُ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ. وَقَوْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا قَالَ الْكَمَالُ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ كَفَى فِي نَفْيِهِ كَوْنُهُ نَفْسًا مِنْ وَجْهٍ جُزْءٍ مِنْ الْحَيِّ مِنْ وَجْهٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا فَأَعْمَلْنَا الشَّبَهَيْنِ فَقُلْنَا يُغَسَّلُ عَمَلًا بِالْأَوَّلِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عَمَلًا بِالثَّانِي وَرَجَّحْنَا خِلَافَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي غُسْلِ السِّقْطِ الَّذِي لَمْ تَتِمَّ خِلْقَةُ أَعْضَائِهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ. اهـ. كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ، وَقِيلَ لَا يُغَسَّلُ بَلْ يُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَيُدْفَنُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَيُحْشَرُ هَذَا السِّقْطُ، وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ إذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ يُحْشَرُ، وَإِلَّا فَلَا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ يُحْشَرُ إذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ السَّابِي بَعْدَ الْأَبَوَيْنِ إلَخْ) وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَوْ لَا. اهـ. بَاكِيرٌ (قَوْلُهُ: تَبَعِيَّةُ الْأَبَوَيْنِ إلَخْ) أَوْ أَحَدِهِمَا أَيْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَا فِي الْعُقْبَى فَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّ أَطْفَالَهُمْ فِي النَّارِ أَلْبَتَّةَ بَلْ فِيهِ خِلَافٌ قِيلَ يَكُونُونَ خَدَمَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ إنْ كَانُوا قَالُوا بَلَى يَوْمَ أَخْذِ

стр. 244

فِي كِتَابِ السِّيَرِ: الدِّينُ يَثْبُتُ بِالتَّبَعِيَّةِ، وَأَقْوَى التَّبَعِيَّةِ تَبَعِيَّةُ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ لِوُجُودِهِ ثُمَّ تَبَعِيَّةُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ فِي يَدِهِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْيَدِ تُعْتَبَرُ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّقِيطَ الْمَوْجُودَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمٌ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ - عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي اللَّقِيطِ أَيْضًا قِيلَ يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ، وَقِيلَ الْوَاجِدُ، وَقِيلَ الْأَنْفَعُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ﵀: (وَيُغَسِّلُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ الْكَافِرَ وَيُكَفِّنُهُ وَيَدْفِنُهُ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَمَا هَلَكَ أَبُوهُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَمَّك الضَّالَّ قَدْ مَاتَ فَقَالَ ﵊ اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ، وَكَفِّنْهُ وَوَارِهِ» الْحَدِيثُ لَكِنْ يُغَسَّلُ غُسْلَ الثَّوْبِ النَّجَسِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا بُدَاءَةٍ بِالْمَيَامِنِ، وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَتُحْفَرُ لَهُ حَفِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سُنَّةِ التَّكْفِينِ وَاللَّحْدِ وَيُلْقَى، وَلَا يُوضَعُ. وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ، وَلَهُ أَبٌ كَافِرٌ هَلْ يُمَكَّنُ أَنْ يُجَهِّزَهُ قَالَ فِي الْغَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ إذَا مَاتَ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يُوجَدْ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ قَالَ تُعَلِّمُ النِّسَاءُ الْكَافِرَ فَيُغَسِّلُهُ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ قَالَ ﵀: (وَيُؤْخَذُ سَرِيرُهُ بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ) يَعْنِي وَقْتَ الْحَمْلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَحْمِلُهَا رَجُلَانِ يَضَعُ السَّابِقُ عَلَى أَصْلِ عُنُقِهِ وَالثَّانِي عَلَى أَعْلَى صَدْرِهِ؛ لِأَنَّ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حُمِلَتْ كَذَلِكَ، وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﵁ إذَا تَبِعَ أَحَدُكُمْ الْجِنَازَةَ فَلْيَأْخُذْ بِقَوَائِمِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ ثُمَّ لْيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ فَلْيَذْرِ أَيْ فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَى الْحَامِلِينَ وَصِيَانَةً عَنْ السُّقُوطِ وَالِانْقِلَابِ، وَزِيَادَةَ الْإِكْرَامِ لِلْمَيِّتِ، وَالْإِسْرَاعَ بِهِ، وَتَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِحَمْلِ الْمَتَاعِ وَلِهَذَا يُكْرَهُ عَلَى الظَّهْرِ وَالدَّابَّةِ، وَمَا رَوَاهُ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ ﵀: (وَيُعَجَّلُ بِهِ بِلَا خَبَبٍ) أَيْ يُسْرَعُ بِالْمَيِّتِ وَقْتَ الْمَشْيِ بِلَا خَبَبٍ وَحَدُّهُ أَنْ يُسْرِعَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَضْطَرِبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ أَعْنَاقِكُمْ»، وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ «مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ جِنَازَةٌ تَمْخَضُ مَخْضَ الزِّقِّ فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ»، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «سَأَلْنَا نَبِيَّنَا ﵊ عَنْ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ فَقَالَ مَا دُونَ الْخَبَبِ»، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْرَعَ بِتَجْهِيزِهِ كُلِّهِ. قَالَ ﵀ (وَجُلُوسٍ قَبْلَ وَضْعِهَا) أَيْ بِلَا جُلُوسٍ قَبْلَ وَضْعِ الْجِنَازَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ قَبْلَ وَضْعِهَا، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ تَبِعَ الْجِنَازَةَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ»؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّعَاوُنِ، وَالْقِيَامُ أَمْكَنُ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ حَضَرُوا إكْرَامًا، وَفِي الْجُلُوسِ قَبْلَ الْوَضْعِ ازْدِرَاءٌ بِهِ هَذَا فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ يَمْشِي مَعَ الْجِنَازَةِ، وَأَمَّا الْقَاعِدُ عَلَى الطَّرِيقِ إذَا مَرَّتْ بِهِ أَوْ الْقَاعِدُ عَلَى الْقَبْرِ فَلَا يَقُومُ لَهَا، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ لَهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ»، وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» فَصَارَ مَا رَوَوْهُ مَنْسُوخًا. قَالَ ﵀: (وَمَشْيٍ قُدَّامَهَا) أَيْ بِلَا مَشْيٍ قُدَّامَ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَشْيُ قُدَّامَهَا أَفْضَلُ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»؛ وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ فِي الْعَادَةِ، وَلَنَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ»، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ، وَعَدَّ مِنْهَا اتِّبَاعَ الْجِنَازَةِ»، وَعَنْهُ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «وَمَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ» الْحَدِيثَ. وَالِاتِّبَاعُ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّالِي، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَمْشِي خَلْفَهَا، وَقَالَ إنَّ فَضْلَ الْمَاشِي خَلْفَهَا عَلَى الْمَاشِي أَمَامَهَا كَفَضْلِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ لَكِنَّهُمَا سَهْلَانِ يُسَهِّلَانِ عَلَى النَّاسِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَشَى خَلْفَ الْجِنَازَةِ فَسَأَلَهُ نَافِعٌ كَيْفَ الْمَشْيُ فِي الْجِنَازَةِ خَلْفَهَا أَمْ أَمَامَهَا؟. فَقَالَ أَمَا تَرَانِي أَمْشِي خَلْفَهَا، وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» وَبِهَذَا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] الْعَهْدِ عَنْ اعْتِقَادٍ فَفِي الْجَنَّةِ، وَإِلَّا فَفِي النَّارِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِمْ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وَهَذَا نَفْيٌ لِهَذَا التَّفْصِيلِ وَتَوَقَّفَ فِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَبَعِيَّةُ الْيَدِ إلَخْ)، وَفِي الْمُحِيطِ عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ يَكُونُ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْيَدِ وَعِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْيَدِ يَكُونُ تَبَعًا لِلدَّارِ، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى فَإِنَّ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ صَبِيٌّ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِصَاحِبِ الْيَدِ. اهـ كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وَيُغَسِّلُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ الْكَافِرَ إلَخْ) أَطْلَقَ الْوَلِيَّ يَعْنِي الْقَرِيبَ فَيَشْمَلُ ذَوِي الْأَرْحَامَ كَالْأُخْتِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ ثُمَّ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ كَافِرٌ فَإِنْ كَانَ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مِنْ بَعِيدٍ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ كُفْرُهُ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - بِارْتِدَادِهِ فَإِنْ كَانَ يُحْفَرُ لَهُ حَفِيرَةٌ وَيُلْقَى فِيهَا كَالْكَلْبِ، وَلَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِهِمْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ سَرِيرُهُ بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ إلَخْ)، وَفِي الذَّهَابِ بِالْجِنَازَةِ يُقَدَّمُ الرَّأْسُ فَإِذَا انْتَهَوْا لِلْمُصَلَّى فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَرْضًا رَأْسُهُ عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَرِجْلَاهُ عَلَى يَسَارِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يُصَلَّى عَلَيْهِ. اهـ. طَحَاوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَيُعَجَّلُ بِهِ بِلَا خَبَبٍ) أَيْ، وَلَوْ مَشَوْا بِهِ الْخَبَبَ كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْمَيِّتِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَمَشَى قُدَّامَهَا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَالْأَفْضَلُ لِلْمُشَيِّعِ لِلْجِنَازَةِ الْمَشْيُ خَلْفَهَا وَيَجُوزُ أَمَامُهَا إلَّا أَنْ يَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَوْ يَتَقَدَّمَ الْكُلُّ فَيُكْرَهُ، وَلَا يَمْشِي عَنْ يَمِينِهَا وَلَا عَنْ شِمَالِهَا وَيُكْرَهُ لِمُشَيِّعِهَا

стр. 245

عُلِمَ أَنَّ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا فَضِيلَةً، وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالْفِعْلِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَلِهَذَا مَشَى ابْنُ عُمَرَ خَلْفَهَا، وَهُوَ الرَّاوِي لِمَشْيِ النَّبِيِّ ﵊ أَمَامَهَا؛ وَلِأَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَمْكَنُ لِلْمُعَاوَنَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا أَوْ إذَا نَابَتْ نَائِبَةٌ فَكَانَ أَوْلَى. وَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُمْ إنَّ الشَّفِيعَ يَتَقَدَّمُ عَادَةً؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُمْ يَتَأَخَّرُونَ عِنْدَهَا؛ وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَادَةً إذَا خِيفَ عَلَيْهِ بَطْشُ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ الشَّفِيعُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ هُنَا قَالَ ﵀: (وَضَعْ مُقَدَّمَهَا عَلَى يَمِينِك ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا ثُمَّ مُقَدَّمَهَا عَلَى يَسَارِك ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا)، وَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ عِنْدَ كَثْرَةِ الْحَامِلِينَ إذَا تَنَاوَبُوا فِي حَمْلِهَا يَبْتَدِئُ الْحَامِلُ مِنْ الْيَمِينِ الْمُقَدَّمِ لِلْمَيِّتِ، وَهُوَ يَمِينُ الْحَامِلِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ بِالْمُؤَخَّرِ الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ بِالْمُقَدَّمِ الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ بِالْمُؤَخَّرِ الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ إيثَارًا لِلتَّيَامُنِ وَالْمُقَدَّمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشْرَ خُطُوَاتٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كُفِّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً». قَالَ ﵀: (وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ) وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْقِهِ قِيلَ نِصْفُ الْقَامَةِ، وَقِيلَ إلَى الصَّدْرِ، وَإِنْ زَادُوا فَحَسَنٌ قَالَ ﵀ (وَيُلْحَدُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا»، وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً فَلَا بَأْسَ بِالشَّقِّ وَاِتِّخَاذِ التَّابُوتِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ حَدِيدٍ وَيُفْرَشُ فِيهِ التُّرَابُ قَالَ ﵀: (وَيُدْخَلُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُوضَعُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ رِجْلُ الْمَيِّتِ ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ ﵊ سُلَّ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ ﵊ أَخَذَ الْمَيِّتَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ»، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﵊ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، وَأَخَذَ الْمَيِّتَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ»؛ وَلِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ أَشْرَفُ فَكَانَ أَوْلَى، وَقَدْ اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَةُ فِي إدْخَالِهِ ﵊ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ رَوَى أَنَّهُ ﵊ أُخِذَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُسَلَّ سَلًّا، وَلَئِنْ صَحَّ السَّلُّ لَمْ يُعَارِضْ مَا رَوَيْنَا؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَمَا رَوَيْنَاهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﵊ سُلَّ لِأَجْلِ ضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ لِخَوْفِ أَنْ يَنْهَارَ اللَّحْدُ لِرَخَاوَةِ الْأَرْضِ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ. قَالَ ﵀: (وَيَقُولُ وَاضِعُهُ بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا وَضَعَ مَيِّتًا فِي قَبْرِهِ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ ﵀ (وَيُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ ﵀: (وَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِسَمُرَةَ، وَقَدْ مَاتَ لَهُ ابْنٌ أَطْلِقْ عُقَدَ رَأْسِهِ، وَعُقَدَ رِجْلَيْهِ»؛ وَلِأَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ الِانْتِشَارِ قَالَ ﵀ (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَيْهِ وَالْقَصَبُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ اللَّبِنَ» وَرُوِيَ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ، وَالْمُهَاجِرُونَ كَانُوا يَسْتَحْسِنُونَ الْقَصَبَ. قَالَ ﵀: (لَا الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ)؛ لِأَنَّهُمَا لِإِحْكَامِ الْبِنَاءِ، وَالْقَبْرُ مَوْضِعُ الْبِلَى؛ وَلِأَنَّ بِالْآجُرِّ أَثَرُ النَّارِ فَيُكْرَهُ تَفَاؤُلًا، وَلِهَذَا يُكْرَهُ الْإِجْمَارُ بِالنَّارِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، وَمَحَلُّ الْمِحَنِ بِخِلَافِ الْبَيْتِ حَيْثُ لَا يُكْرَهُ فِيهِ الْإِجْمَارُ، وَلَا غَسْلُهُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ. قَالَ ﵀: (وَيُسَجَّى قَبْرُهَا لَا قَبْرُهُ) أَيْ يُسَجَّى قَبْرُ الْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَيْهِ لَا قَبْرُ الرَّجُلِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ قَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ ثَوْبًا فَجَذَبَهُ، وَقَالَ إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا لِلنِّسَاءِ؛ وَلِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ، وَمَبْنَى حَالِ الرِّجَالِ عَلَى الْكَشْفِ. قَالَ ﵀: (وَيُهَالُ التُّرَابُ) سَتْرًا لَهُ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَى التُّرَابِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْ الْقَبْرِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ التُّرَابَ مِنْ قِبَلِ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَيَذْكُرُ فِي نَفْسِهِ. اهـ. وَعَلَى مُشَيِّعِي الْجِنَازَةِ الصَّمْتُ وَيُكْرَهُ لَهُمْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ مَنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ الصُّمَاتُ مُخَالِفًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ. اهـ. طَحَاوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَضَعْ مُقَدَّمَهَا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَكَيْفِيَّةُ الْحَمْلِ أَنْ تَضَعَ مُقَدَّمَ الْجِنَازَةِ عَلَى يَمِينِك هُوَ حِكَايَةُ خِطَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَبِي يُوسُفَ وَالْمُرَادُ بِمُقَدَّمِ الْجِنَازَةِ يَمِينُهَا وَيَمِينُ الْجِنَازَةِ بِمَعْنَى الْمَيِّتِ هُوَ يَسَارُ السَّرِيرِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَالْحَاصِلُ أَنْ تَضَعَ يَسَارَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَ عَلَى يَمِينِك ثُمَّ يَسَارَهُ الْمُؤَخَّرَ ثُمَّ يَمِينَهُ الْمُقَدَّمَ عَلَى يَسَارِك ثُمَّ يَمِينَهُ الْمُؤَخَّرَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا إيثَارًا لِلتَّيَامُنِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً) أَيْ فَيَخَافُ أَنْ يَنْهَارَ اللَّحْدُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ بِالشَّقِّ إلَخْ) بَلْ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ الْأَرْضِينَ مِنْ الرِّمَالِ يَسْكُنُهَا بَعْضُ الْأَعْرَابِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا الشَّقُّ أَيْضًا بَلْ يُوضَعُ الْمَيِّتُ، وَيُهَالُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، قَالَهُ الْكَمَالُ (قَوْلُهُ: وَيُدْخَلُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ) أَيْ وَذَلِكَ أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْقَبْرِ، وَيُحْمَلُ الْمَيِّتُ مِنْهُ فَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ فَيَكُونُ الْآخِذُ لَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَالَ الْأَخْذِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَالسَّلُّ إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ الشَّيْءِ بِجَذْبٍ وَأُرِيدَ هُنَا إخْرَاجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْجِنَازَةِ إلَى الْقَبْرِ. اهـ فِي الْبَدَائِعِ. وَصُورَةُ السَّلِّ أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَيُجْعَلُ رِجْلَا الْمَيِّتِ إلَى الْقَبْرِ طُولًا ثُمَّ يُؤْخَذُ بِرِجْلَيْهِ وَيُدْخَلُ رِجْلَاهُ فِي الْقَبْرِ وَيُذْهَبُ بِهِ إلَى أَنْ يَصِيرَ رِجْلَاهُ إلَى مَوْضِعِهِمَا وَيُدْخَلُ رَأْسُهُ الْقَبْرَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَرُوِيَ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ الطُّنُّ بِالضَّمِّ حُزْمَةُ الْقَصَبِ وَالْقَصَبَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْحُزْمَةِ طُنَّةٌ. اهـ. فَرْعٌ: قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ: الْمَرْأَةُ إذَا مَاتَتْ، وَلَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ فَأَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْ جِيرَانِهَا يَلِي دَفْنَهَا، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ الْقَبْرَ؛ لِأَنَّ مَسَّ الْأَجْنَبِيِّ إيَّاهَا فَوْقَ الثَّوْبِ يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْوَفَاةِ. اهـ. فَرْعٌ آخَرُ: لَا يَضُرُّ وِتْرٌ دَخَلَهُ أَوْ شَفْعٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السُّنَّةُ هِيَ الْوِتْرُ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الْكَفَنِ وَالْغُسْلِ وَالْإِجْمَارِ، وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 246

رَأْسِهِ ثَلَاثًا» قَالَ ﵀: (وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ، وَلَا يُرَبَّعُ، وَلَا يُجَصَّصُ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسَنَّمًا، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﵊، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مُسَنَّمَةً، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: رَأَيْت قُبُورَ شُهَدَاءِ أُحُدٍ مُسَنَّمَةً، وَسَنَّمَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَبْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُسَنَّمُ قَدْرَ الشِّبْرِ، وَقِيلَ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ حِفْظًا لِتُرَابِهِ عَنْ الِانْدِرَاسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَرِهَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّطْيِينِ وَيَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ أَوْ يَنَامَ عَلَيْهِ أَوْ يُوطَأَ عَلَيْهِ أَوْ يُقْضَى عَلَيْهِ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ يُعَلَّمَ بِعَلَامَةٍ مِنْ كِتَابَةٍ وَنَحْوِهِ أَوْ يُصَلَّى إلَيْهِ أَوْ يُصَلَّى بَيْنَ الْقُبُورِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵊ «نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوطَأَ عَلَيْهِ»، وَقَالَ ﵊ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» «وَنَهَى ﵊ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ». وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ أَوْ وَضْعِ الْحَجَرِ لِيَكُونَ عَلَامَةً لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ وَضَعَ حَجَرًا عَلَى قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» وَحَمَلَ الطَّحَاوِيُّ الْجُلُوسَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ. قَالَ ﵀: (وَلَا يُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ) يَعْنِي لَا يُخْرَجُ الْمَيِّتُ مِنْ الْقَبْرِ بَعْدَ مَا أُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ نَبْشِهِ. قَالَ ﵀: (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً) فَيُخْرَجَ لِحَقِّ صَاحِبِهَا إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ سَوَّاهُ مَعَ الْأَرْضِ وَانْتَفَعَ بِهِ زِرَاعَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَلَوْ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ مَتَاعٌ لِإِنْسَانٍ قِيلَ لَمْ يُنْبَشْ بَلْ يُحْفَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَتَاعِ وَيُخْرَجُ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِنَبْشِهِ وَإِخْرَاجِهِ. وَلَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ فِيهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ أَوْ جُعِلَ رَأْسُهُ فِي مَوْضِعِ رِجْلَيْهِ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ لَمْ يُنْبَشْ، وَلَوْ سُوِّيَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ، وَلَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ نُزِعَ اللَّبِنُ، وَرُوعِيَ السُّنَّةُ، وَلَوْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ وَزَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) وَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَةِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الصَّبْرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» وَيَقُولُ لَهُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ لَهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ وَالْأَطْعِمَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ عِنْدَ السُّرُورِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ»، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَعْقِرُ عِنْدَ الْقَبْرِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَّخَذَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ»، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] أَدْخَلَهُ الْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٌّ وَصُهَيْبٌ وَقِيلَ فِي الرَّابِعِ إنَّهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقِيلَ إنَّهُ أَبُو رَافِعٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّفْعَ سُنَّةٌ؛ وَلِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الْقَبْرِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْوَضْعِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ الشَّفْعُ وَالْوِتْرُ فِيهِ سَوَاءٌ؛ وَلِأَنَّهُ مِثْلُ حَمْلِ الْمَيِّتِ. اهـ بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ: أَوْ يُعَلَّمُ بِعَلَامَةٍ مِنْ كِتَابَةٍ وَنَحْوِهِ إلَخْ)، وَهَلْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقُبُورِ مَكْرُوهَةٌ؟. تَكَلَّمُوا فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُكْرَهُ. اهـ. وَمَشَايِخُنَا أَخَذُوا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ رَجُلٌ مَاتَ فَأَجْلَسَ وَارِثُهُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى قَبْرِهِ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَلِهَذَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْعِيَاضِيِّ ﵀ أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمَا أَوْصَى بِهِ. اهـ. ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْكَرَاهِيَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً أَوْ يَأْخُذُهَا شَفِيعٌ) وَلِذَا لَمْ يُحَوَّلْ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ دُفِنُوا بِأَرْضِ الْحَرْبِ إذْ لَا عُذْرَ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: زِرَاعَةً أَوْ غَيْرَهَا إلَخْ) فَإِنَّ حَقَّهُ فِي ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا فَإِنْ شَاءَ تَرَكَ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَقِيَ فِي الْقَبْرِ مَتَاعٌ) قَالَ الْكَمَالُ وَمِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يَسْقُطَ فِي اللَّحْدِ مَالٌ ثَوْبٌ أَوْ دِرْهَمٌ لِأَحَدٍ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشَايِخِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا، وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا ذَلِكَ فَتَجْوِيزُ شَوَاذِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَلَمْ نَعْلَمْ خِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ وَقَدْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ بِلَا صَلَاةٍ فَلَمْ يُبِيحُوهُ لِتَدَارُكِ فَرْضٍ لَحِقَهُ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِهِ أَمَّا إذَا أَرَادُوا نَقْلَهُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَتَسْوِيَةِ اللَّبِنِ فَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهِ نَحْوَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ؛ لِأَنَّ الْمَسَافَةَ إلَى الْمَقَابِرِ قَدْ تَبْلُغُ هَذَا الْمِقْدَارَ، وَقَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ قَوْلُ سَلَمَةَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَقْلَهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ مَكْرُوهٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْفَنَ كُلٌّ فِي مَقْبَرَةِ الْبَلْدَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَنُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَ مَاتَ بِالشَّامِ وَحُمِلَ مِنْهَا لَوْ كَانَ الْأَمْرُ فِيكَ إلَيَّ مَا نَقَلْتُكَ، وَلَدَفَنْتُكَ حَيْثُ مِتَّ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ فِي النَّقْلِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا إثْمَ لِمَا نُقِلَ أَنَّ يَعْقُوبَ ﵇ مَاتَ بِمِصْرَ فَنُقِلَ إلَى الشَّامِ وَمُوسَى ﵇ نَقَلَ تَابُوتَ يُوسُفَ ﵇ بَعْدَ مَا أَتَى عَلَيْهِ زَمَانٌ مِنْ مِصْرَ إلَى الشَّامِ لِيَكُونَ مَعَ آبَائِهِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَتَوَفَّرْ فِيهِ كَوْنُهُ شَرْعًا لَنَا إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ مَاتَ فِي ضَيْعَةٍ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ إلَيْهَا قَوْلُهُ: وَمِنْ الْأَعْذَارِ أَيْ لِنَبْشِهِ. اهـ. [فَصَلِّ تعزية أَهْل الْمَيِّت] (قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ بِتَعْزِيَةِ أَهْلِ الْمَيِّتِ إلَخْ)، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنْ يُعَزَّى إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ يُتْرَكُ لِئَلَّا يَتَجَدَّدَ الْحُزْنُ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». اهـ. أَبُو الْبَقَاءِ (قَوْلُهُ: وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) أَيْ صَبَّرَك. اهـ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ عِنْدَ السُّرُورِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصُنْعَهُمْ الطَّعَامَ مِنْ النِّيَاحَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُتَّخَذَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَيُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالْأَقْرِبَاءِ الْأَبَاعِدِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﵊ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا») الْحَدِيثَ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ

стр. 247

(بَابٌ الشَّهِيدُ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُهُ إكْرَامًا لَهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ قَالَ ﵀: (هُوَ) أَيْ الشَّهِيدُ (مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَالْبَغْيِ، وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا، وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ)، وَكَذَا إذَا قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ، وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ شُهَدَاءُ أُحُدٍ وَكُلُّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ طَاهِرٍ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَرْتَثَّ، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُمْ، وَقَوْلُهُ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ يَتَنَاوَلُ مَنْ قَتَلُوهُ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسْبِيبًا؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ مُضَافٌ إلَيْهِمْ حَتَّى لَوْ أَوْطَئُوا دَابَّتَهُمْ مُسْلِمًا أَوْ نَفَّرُوا دَابَّةَ مُسْلِمٍ فَرَمَتْهُ أَوْ رَمَوْهُ مِنْ السُّورِ أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ رَمَوْا بِنَارٍ فَأَحْرَقُوا سُفُنَهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ فَمَاتَ بِهِ مُسْلِمٌ كَانَ شَهِيدًا لِمَا قُلْنَاهُ، وَلَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّةُ مُشْرِكٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَوَطِئَتْ مُسْلِمًا أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إلَى الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا أَوْ نَفَرَتْ دَابَّةُ مُسْلِمٍ مِنْ سَوَادِ الْكُفَّارِ أَوْ نَفَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فَأَلْجَؤُهُمْ إلَى خَنْدَقٍ أَوْ نَارٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ جَعَلُوا حَوْلَهُمْ الْحَسَكَ فَمَشَى عَلَيْهَا مُسْلِمٌ فَمَاتَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَيْهِمْ. وَإِنْ طَعَنُوهُمْ حَتَّى أَلْقَوْهُمْ فِي النَّارِ يَكُونُوا شُهَدَاءَ إجْمَاعًا قَوْلُهُ وَبِهِ أَثَرٌ أَيْ أَثَرٌ يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى الْقَتْلِ كَالْجُرْحِ وَسَيَلَانِ الدَّمِ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ إذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ وَجُرْحٍ فِي الْبَاطِنِ عَادَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ أَوْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ دُبُرِهِ لَا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَخَارِقِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ عَادَةً إذْ الْإِنْسَانُ يُبْتَلَى بِالرُّعَافِ وَيَبُولُ الْجَبَانُ دَمًا وَصَاحِبُ الْبَاسُورِ يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْ دُبُرِهِ، وَقَدْ يَمُوتُ الْجَبَانُ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ فَزَعًا، وَكَوْنُهُ فِي الْمَعْرَكَةِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِقَتْلِهِ بِلَا إصَابَةٍ فَلَمْ يَقَعْ مَقَامَ الْقَتْلِ، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ فَإِنْ ارْتَقَى مِنْ الْجَوْفِ، وَكَانَ صَافِيًا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ لَا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ رُعَافٌ خَرَجَ مِنْ جَانِبِ الْفَمِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ جَامِدًا لَا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ أَوْ صَفْرَاءُ احْتَرَقَتْ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ أَيْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ حَتَّى لَوْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِالصُّلْحِ أَوْ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ أَوْ شَخْصًا ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ؛ وَلِأَنَّهُ بِرٌّ وَمَعْرُوفٌ وَيُلِحُّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ فَإِنَّ الْحُزْنَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَيَضْعُفُونَ. اهـ كَمَالٌ. [بَابٌ الشَّهِيدُ] الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ الشَّهِيدَ لَمَّا كَانَ مَيِّتًا بِأَجَلِهِ يَلِيقُ إيرَادُ بَابِ الشَّهِيدِ بَعْدَ الْجَنَائِزِ أَوْ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الشَّهِيدِ إلَى الْمَيِّتِ كَنِسْبَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فَلَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ الْمَيِّتِ الْمُطْلَقِ عَقَّبَهُ بِبَيَانِ حُكْمِ الْمَيِّتِ الْمُقَيَّدِ أَيْضًا كَذَا فِي مُشْكِلَاتِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّمَا ذَكَرَ الشَّهِيدَ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ يُخَالِفُ حُكْمَ سَائِرِ الْمَوْتَى فِي حَقِّ التَّكْفِينِ وَالْغُسْلِ فَإِنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالسِّلَاحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْكَفَنِ، وَلَا يُغَسَّلُ. اهـ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُهُ) أَيْ تَشْهَدُ مَوْتَهُ فَهُوَ مَشْهُودٌ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ) أَوْ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ قَالَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا إلَخْ)، وَلَوْ قُتِلَ بِشَيْءٍ لَا يُوصَفُ بِالظُّلْمِ كَمَا إذَا انْهَدَمَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ أَوْ سَقَطَ مِنْ الْجَبَلِ أَوْ غَرِقَ فِي الْمَاءِ أَوْ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ. اهـ طَحَاوِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ ظُلْمًا مَا نَصُّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. (قَوْلُهُ: أَوْ جَعَلُوا حَوْلَهُمْ الْحَسَكَ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ قَتِيلُ الْحَسَكِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُغَسَّلَ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ تَسْبِيبٌ لِلْقَتْلِ قُلْنَا مَا قُصِدَ بِهِ الْقَتْلُ يَكُونُ تَسْبِيبًا وَمَا لَا فَلَا، وَهُمْ قَصَدُوا بِهِ الدَّفْعَ لَا الْقَتْلَ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: كَالْجُرْحِ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ جَرَحَهُ جَرْحًا وَالِاسْمُ الْجُرْحُ بِالضَّمِّ. اهـ. وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ كَالْجُرْحِ أَوْ رَضٍّ ظَاهِرٍ. اهـ. كَمَالٌ بِمَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀: وَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ مِنْ الْفَمِ فَقَالُوا إنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ صَافِيًا غُسِلَ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ مِنْ جِرَاحَةٍ فِيهِ فَلَا يُغْسَلُ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ الْمُرْتَقِيَ مِنْ الْجَوْفِ قَدْ يَكُونُ عَلَقًا فَهُوَ سَوْدَاءُ بِصُورَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ رَقِيقًا مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ مِنْ جِرَاحَةٍ حَادِثَةٍ بَلْ هُوَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ حِينَئِذٍ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا يَصْعَدُ مِنْ الْجَوْفِ لَا يَكُونُ صَافِيًا أَلْبَتَّةَ فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ إلَخْ) وَكَانَ مُرْتَقِيًا مِنْ الْجَوْفِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ شَخْصًا) يَعْنِي أَوْ قَتَلَ الْأَبُ شَخْصًا آخَرَ وَوَارِثُ ذَلِكَ الشَّخْصِ ابْنُ الْقَاتِلِ. اهـ. كَذَلِكَ بِخَطِّ الشَّارِحِ حَانُوتِيٌّ (فَرْعٌ)، وَإِذَا قُتِلَ فِي قِتَالٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا فِي الْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ. الثَّانِي فِي الْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْخَوَارِجِ. الثَّالِثُ فِي الْقِتَالِ مَعَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ مِنْ هَذَا بَعْدَ أَنْ قُتِلَ بِفِعْلٍ مَنْسُوبٍ إلَى الْعَدُوِّ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَارٍ أَوْ قُتِلَ مِنْ وَطْءِ دَوَابِّهِمْ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلٍ مَنْسُوبٍ إلَيْهِمْ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمُبَاشَرَةِ مِنْهُمْ أَوْ بِالتَّسَبُّبِ لَا يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ مَالٌ فَيَكُونُ الْمَقْتُولُ شَهِيدًا كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ. اهـ. بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ «السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ») قَالَ الْكَمَالُ ﵀ ذَكَرُوهُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ حَدِيثًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَإِنَّمَا مُعْتَمَدُ الشَّافِعِيِّ ﵀ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ». اهـ. اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ الْبَائِعُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْجَنَّةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وَالْبَاءُ تَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَتَكُونُ الْجَنَّةُ ثَمَنًا، وَقَدْ عُرِفَ

стр. 248

آخَرَ وَوَارِثُهُ ابْنُهُ يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَتْلِ لَمْ يُوجِبْ الدِّيَةَ بَلْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا سَقَطَ بِالصُّلْحِ أَوْ بِالشُّبْهَةِ. قَالَ ﵀: (فَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ»؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ، وَهُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ تَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِخِلَافِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ فَلَا يُمْكِنُ التَّرْغِيبُ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، عِنْدَ اللَّهِ، وَالصَّلَاةُ شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْأَمْوَاتِ، وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ مَعَ حَمْزَةَ، وَكَانَ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ تِسْعَةٍ وَحَمْزَةُ عَاشِرُهُمْ فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ» الْحَدِيثَ، وَقَدْ صَلَّى ﵊ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَعْطَى أَعْرَابِيًّا نَصِيبَهُ، وَقَالَ قَسَمْتُهُ لَك فَقَالَ مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنْ اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إلَى حَلْقِهِ فَأَمُوتَ، وَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ ثُمَّ أُتِيَ بِالرَّجُلِ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ وَكُفِّنَ فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى عَلَيْهِ» الْحَدِيثَ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁ «إنَّهُ ﵊ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ شُرِعَتْ إكْرَامًا لَهُ، وَالطَّاهِرُ مِنْ الذَّنْبِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا كَالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ نَافٍ، وَمَا رَوَيْنَاهُ مُثْبِتٌ فَكَانَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ مَا رَوَيْنَاهُ يُوَافِقُ الْأُصُولَ، وَمَا رَوَاهُ يُخَالِفُ فَالْأَخْذُ بِمَا يُوَافِقُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ جَابِرًا كَانَ مَشْغُولًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ أَبُوهُ، وَعَمُّهُ وَخَالُهُ فَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لِيُدَبِّرَ كَيْفَ يَحْمِلُهُمْ إلَيْهَا ثُمَّ سَمِعَ مُنَادِي، رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُدْفَنَ الْقَتْلَى فِي مُصَارِعِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا حِينَ صَلَّى عَلَيْهِمْ فَرَوَى عَلَى مَا عِنْدَهُ، وَفِي ظَنِّهِ، وَمَنْ لَمْ يَغِبْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ «أَنَّهُ ﵊ دَخَلَ الْبَيْتَ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ لِطَلَبِ الْمَاءِ» وَرَوَى بِلَالٌ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى فِيهِ»، وَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَغِبْ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِمْ لَنَبَّهَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَعِلَّةِ سُقُوطِهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَى تَرْكِ الْغُسْلِ وَعِلَّةِ سُقُوطِهِ «؛ وَلِأَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى غَيْرِ قَتْلَى أُحُدٍ» مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ، وَهُمْ مُسْتَغْنَوْنَ، عَنْهَا فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ لَهُ، وَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ الدُّعَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَأَعْلَى دَرَجَةً وَيُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ، وَهُوَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ قَطُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ قُلْنَا تِلْكَ الْحَيَاةُ لَيْسَتْ حَيَاةَ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هِيَ حَيَاةُ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ وَتِلْكَ لَا تَمْنَعُ مِنْ إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمَوْتَى عَلَيْهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ وَتُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَتَعْتَدُّ نِسَاؤُهُمْ وَتُعْتَقُ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمْ، وَمُدَبَّرُوهُمْ وَتَحِلُّ دُيُونُهُمْ الْمُؤَجَّلَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ. قَالَ ﵀: (وَيُدْفَنُ بِدَمِهِ وَثِيَابِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، وَقَالَ ﵊ فِيهِمْ لَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ ﵀ (إلَّا مَا لَيْسَ مِنْ الْكَفَنِ) كَالْفَرْوِ وَالْحَشْوِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالسِّلَاحِ وَالْخُفِّ فَإِنَّهَا تُنْزَعُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ. قَالَ ﵀: (وَيُزَادُ وَيُنْقَصُ) يَعْنِي يُزَادُ عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ إذَا كَانَتْ دُونَ كَفَنِ السُّنَّةِ، وَيُنْقَصُ إذَا كَانَتْ أَزْيَدَ مُرَاعَاةً لِلسُّنَّةِ. قَالَ ﵀: (وَيُغَسَّلُ إنْ قُتِلَ جُنُبًا أَوْ صَبِيًّا)، وَكَذَا إنْ قُتِلَ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] أَنَّ الدَّائِنَ إذَا مَلَكَ الْعَبْدَ الْمَدْيُونَ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا، وَهُنَا قَدْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَمَّا قُتِلَ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الدُّيُونُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ «السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ» ثُمَّ الْمَبِيعُ إنَّمَا يَصِحُّ عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ فَلِهَذَا يُغْسَلُ الصَّبِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، وَإِذَا اُرْتُثَّ يَسْقُطُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الِارْتِثَاثَ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِ الْبَائِعِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالشَّفَاعَةُ وَالتَّكْرِيمُ تُسْتَفَادُ إرَادَتُهَا مِنْ إيجَابِ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فَنَقُولُ إذَا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ تَكْرِيمًا فَلَأَنْ يُوجِبَهَا عَلَى الشَّهِيدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ الْكَرَامَةَ أَظْهَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى النَّبِيِّ كَانَ أَوْلَى فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَبَوَيْهِ هَذَا وَلَوْ اخْتَلَطَ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلَى الْكُفَّارِ أَوْ مَوْتَاهُمْ بِمَوْتَاهُمْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَيَنْوِي أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِيهَا بِالدُّعَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ») قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْكَلْمُ الْجِرَاحَةُ وَالْجَمْعُ كُلُومٌ. اهـ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَا يُغْسَلُ عَنْ الشَّهِيدِ دَمُهُ، وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ لِمَا، رَوَيْنَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ﷺ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ»: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ غَسْلِ الدَّمِ عَنْ الشَّهِيدِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَزْعِ الثِّيَابِ، وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ». اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَيُغَسَّلُ إنْ قُتِلَ جُنُبًا) قَالَ فِي الْكَافِي، وَلَهُ أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُسْلِمَ طَاهِرٌ، وَإِنَّمَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَالشَّهَادَةُ مَانِعَةُ نَجَاسَةٍ ثَبَتَتْ بِالْمَوْتِ بِسَبَبِ احْتِبَاسِ الدِّمَاءِ السَّيَالَةِ فِيهِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَهَا دِمَاءٌ سَائِلَةٌ وَالشَّهَادَةُ مَانِعَةٌ مِنْ الِاحْتِبَاسِ فَلَا تَثْبُتُ نَجَاسَةُ الْمَوْتِ غَيْرَ رَافِعَةٍ نَجَاسَةً ثَابِتَةً وَحَاجَتُنَا إلَى الرَّفْعِ لِقِيَامِ الْجَنَابَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِالشَّهَادَةِ كَالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ إجْمَاعًا حَتَّى يُغْسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ

стр. 249

مَجْنُونًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا يُغَسَّلُ لِعُمُومِ مَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ لِانْتِهَاءِ التَّكْلِيفِ وَالثَّانِي لَمْ يَجِبْ لِلشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّ الشَّهِيدَ إنَّمَا لَا يُغَسَّلُ لِتَطَهُّرِهِ عَنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ أَطْهَرُ فَكَانَا أَحَقَّ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَ ﵊ «إنِّي رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِمَاءِ الْمُزْنِ فِي صَحَائِفِ الْفِضَّةِ». وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ «فَذَهَبْنَا وَنَظَرْنَا إلَيْهِ فَإِذَا رَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ خَرَجَ، وَهُوَ جُنُبٌ»، وَأَوْلَادُهُ يُسَمَّوْنَ أَوْلَادَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً لَا رَافِعَةً فَلَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَيْسَا فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ كَفَى عَنْ الْغُسْلِ فِي حَقِّهِمْ لِوُقُوعِهِ طُهْرَةً، وَلَا ذَنْبَ لَهُمَا فَتَعَذَّرَ الْإِلْحَاقُ بِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَائِضُ إذَا اُسْتُشْهِدَتْ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَكَذَا قَبْلَهُ بَعْدَ اسْتِمْرَارِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الصَّحِيحِ وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِي الْجُنُبِ قَالَ ﵀ (أَوْ اُرْتُثَّ بِأَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ تَدَاوَى أَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ، وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ نُقِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ أَوْ أَوْصَى)؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَصِيرُ خَلِقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ وَيَنَالُ شَيْئًا مِنْ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَيُغَسَّلُ؛ لِأَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ مَاتُوا عِطَاشًا وَالْكَأْسُ يُدَارُ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ الشَّهَادَةِ إلَّا إذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الْخَيْلُ؛ لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ، وَقَوْلُهُ أَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَعْقِلُ أَيْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَجِبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهَا فَيَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقِيلَ إنْ بَقِيَ يَوْمًا كَامِلًا أَوْ لَيْلَةً كَامِلَةً غُسِّلَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ إنْ بَقِيَ يَوْمًا، وَلَيْلَةً غُسِّلَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فَلَا تُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ لَا يُغَسَّلُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ نُقِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ فَكَانَ كَالْمَيِّتِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ أَوْصَى يَتَنَاوَلُ الْوَصِيَّةَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَبِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ مُرْتَثًّا بِالْوَصِيَّةِ، وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَفِي الْوَصِيَّةِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ لَا يَكُونُ مُرْتَثًّا إجْمَاعًا، وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَفِي أُمُورِ الدُّنْيَا يَكُونُ مُرْتَثًّا إجْمَاعًا، وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَمُحَمَّدٌ لَا يُخَالِفُهُ فِيهَا وَجَوَابُ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُخَالِفُهُ فِيهَا، وَمِنْ الِارْتِثَاثِ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وَقِيلَ بِكَلِمَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُنْقِصُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَيُغَسَّلُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا وُجِدَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَأَمَّا قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا يَكُونُ مُرْتَثًّا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ ﵀: (أَوْ قُتِلَ فِي الْمِصْرِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا)؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ فَخَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَيُغَسَّلُ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ فِي الْمِصْرِ، وَعُلِمَ قَاتِلُهُ لَمْ يُغَسَّلْ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِصَاصَ، وَهُوَ عُقُوبَةٌ شُرِعَ لِتَشَفِّي الْأَوْلِيَاءِ، وَلَيْسَ بِعِوَضٍ لِعَدَمِ عَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا عِوَضٌ عَنْهُ وَلِهَذَا تَعُودُ مَنْفَعَتُهَا إلَيْهِ حَتَّى يُقْضَى بِهَا دُيُونُهُ فَبَقِيَ كَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ وَجْهٍ بِإِخْلَافِ بَدَلِهِ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ دَلِيلُ خِفَّةِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ، وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ دَلِيلُ نِهَايَةِ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالشُّبْهَةِ. قَالَ ﵀: (أَوْ قُتِلَ بِحَدٍّ أَوْ قَوَدٍ)؛ لِأَنَّهُ بَاذِلٌ نَفْسَهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُمْ فَيُغَسَّلُ قَالَ ﵀: (لَا لِبَغْيٍ، وَقَطْعِ طَرِيقٍ) أَيْ لَا مِنْ قُتِلَ لِأَجْلِ بَغْيٍ بِأَنْ كَانَ مَعَ الْبُغَاةِ، وَلَا مَنْ قُتِلَ لِأَجْلِ قَطْعِ طَرِيقِ فَإِنَّهُمَا لَا يُغَسَّلَانِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا أَيْضًا إهَانَةً لَهُمَا، وَقِيلَ يُغَسَّلَانِ، وَلَا يُصَلَّى ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] وَالْجَنَابَةُ كَانَتْ مَانِعَةً لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ إدْخَالَهُ، وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَلَأَنْ يَمْنَعَ إدْخَالَهُ فِي الْقَبْرِ لِلْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى. وَأَمَّا الْحَدَثُ فَلَا حُكْمَ لَهُ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْعَرْضِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ قُتِلَ جُنُبًا فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا غَسَّلُوا إذْ غُسْلُهُمْ لِلتَّعْلِيمِ كَمَا فِي آدَمَ ﵊ فَإِنْ قِيلَ الْوَاجِبُ غُسْلُ الْآدَمِيِّينَ لَا غُسْلُ الْمَلَائِكَةِ قُلْنَا الْوَاجِبُ هُوَ الْغُسْلُ فَأَمَّا الْغَاسِلُ فَيَجُوزُ مَنْ كَانَ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ غُسْلَ الْجُنُبِ وَجَبَ وَجَبَ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّا مُخَاطَبُونَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّمَا أُمِرُوا فِي الْبَعْضِ إظْهَارًا لِلْفَضِيلَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ:؛ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ سَقَطَ إلَخْ)؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لِوُجُوبِ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ، وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ فَيَسْقُطُ الْغُسْلُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ أَطْهُرُ فَكَانَا أَحَقَّ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ) أَيْ، وَهُوَ سُقُوطُ الْغُسْلِ فَإِنَّ سَقُوطَهُ لِإِبْقَاءِ أَثَرِ الْمَظْلُومِيَّةِ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَظْلُومِيَّتَهُ أَشَدُّ حَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ خُصُومَةُ الْبَهِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ مِنْ خُصُومَةِ الْمُسْلِمِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَائِضُ إلَى آخِرِهِ) احْتِرَازًا عَنْ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ وَاجِبًا عَلَيْهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ إذْ لَا يَجِبُ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ بِالْمَوْتِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْجُنُبِ إذْ قَدْ صَارَ أَصْلًا مُعَلَّلًا بِالْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. اهـ فَتْحٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ اُرْتُثَّ بِأَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ تَدَاوَى أَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ اُرْتُثَّ غُسِّلَ، وَهُوَ مَنْ صَارَ خَلِقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخِفُّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ قَوْلُهُ: لِنَيْلِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ خَلِقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ وَحُكْمُ الشَّهَادَةِ أَنْ لَا يُغَسَّلَ، وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ خَلِقًا فِي نَفْسِ الشَّهَادَةِ بَلْ هُوَ شَهِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ . اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ إلَى آخِرِهِ)

стр. 250

عَلَيْهِمَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّهِيدِ، وَقِيلَ هَذَا إذَا قُتِلَا فِي حَالَةِ الْمُحَارَبَةِ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَأَمَّا إذَا قُتِلَا بَعْدَ ثُبُوتِ يَدِ الْإِمَامِ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا يُغَسَّلَانِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمَا، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ أَخَذَ بِهِ الْكِبَارُ مِنْ الْمَشَايِخِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَتْلُ الْبَاغِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلسِّيَاسَةِ أَوْ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَى الْعَامَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُغَسَّلَانِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمَا كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ بِحَقٍّ فَصَارَ كَمَنْ قُتِلَ بِالْقِصَاصِ أَوْ بِالْحَدِّ، وَلَنَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَصْحَابِ النَّهْرَوَانِ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ فَقِيلَ لَهُ أَكُفَّارٌ هُمْ فَقَالَ أَخِوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا فَأَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ، وَهِيَ الْبَغْيُ وَعَلِيٌّ ﵁ هُوَ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي السِّيَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَلِأَنَّهُ قُتِلَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ كَالْحَرْبِيِّ فَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ كَالْمَصْلُوبِ يُتْرَكُ عَلَى الْخَشَبَةِ عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا مَنْ يَقْتُلُ بِالْخَنْقِ غِيلَةً؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَحُكْمُ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ حُكْمُ الْبُغَاةِ، وَمَنْ قَتَلَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إهَانَةً لَهُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ غَيْرُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَإِنْ كَانَ بَاغِيًا عَلَى نَفْسِهِ كَسَائِرِ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بَابٌ: الصَّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ) قَالَ ﵀: (صَحَّ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِيهَا، وَفَوْقَهَا) أَيْ صَحَّ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَنَفْلُهَا فِي الْكَعْبَةِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ لِحَدِيثِ بِلَالٍ «أَنَّهُ ﵊ دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى فِيهِ وقَوْله تَعَالَى» ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ إذْ لَا مَعْنَى لِتَطْهِيرِ الْمَكَانِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَجُوزُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ شَطْرِهِ لَا اسْتِيعَابُهُ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِيمَنْ صَلَّى فِيهَا أَوْ فَوْقَهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ هِيَ الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ دُونَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُحَوَّلُ وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَلَا بِنَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ فَوْقَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ. قَالَ ﵀: (وَمَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ إمَامِهِ فِيهَا) أَيْ فِي الْكَعْبَةِ (صَحَّ)؛ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَ بِمُتَقَدِّمٍ عَلَى إمَامِهِ، وَلَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّحَرِّي، وَكَذَا إذَا جَعَلَ وَجْهَهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ بِلَا حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الصُّورَةِ، وَلَوْ جَعَلَ وَجْهَهُ إلَى جَوَانِبِ الْإِمَامِ تَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ ﵀ (وَإِلَى وَجْهِهِ لَا) أَيْ مَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى إمَامِهِ. قَالَ ﵀: (وَإِنْ تَحَلَّقُوا حَوْلَهَا) أَيْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ (صَحَّ لِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْكَعْبَةِ (مِنْ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِهِ)؛ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ لَا يَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ. وَلَوْ قَامَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَتَحَلَّقَ الْمُقْتَدُونَ حَوْلَهَا جَازَ إذَا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِأَنَّهُ كَقِيَامِهِ فِي الْمِحْرَابِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ ــ [حاشية الشِّلْبِيِّ] تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ قَالَ الْكَمَالُ: ﵀ كَوْنُ هَذَا فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ هَذَا إذَا قُتِلَا إلَى آخِرِهِ) هَذَا الْقَيْدُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْوَلْوَالِجِيُّ فَقَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ إذَا قُتِلُوا فِي الْحَرْبِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَوْ قُتِلُوا بَعْدَمَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا صُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَكَذَا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ إذَا قُتِلُوا فِي حَالِ حَرْبِهِمْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَخَذَهُمْ الْإِمَامُ وَقَتَلَهُمْ صَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا دَامُوا فِي الْحَرْبِ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَقَدْ تَرَكُوا الْبَغْيَ وَمَشَايِخُنَا جَعَلُوا حُكْمَ الْمَقْتُولِينَ بِالْعَصَبِيَّةِ حُكْمَ أَهْلِ الْبَغْيِ حَتَّى قَالُوا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: غِيلَةً) وَالْغِيلَةُ بِالْكَسْرِ الِاغْتِيَالُ يُقَالُ قَتَلَهُ غِيلَةً، وَهُوَ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ فَإِذَا صَارَ إلَيْهِ قَتَلَهُ. اهـ مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. . [بَابٌ الصَّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ] وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي إيرَادِ هَذَا الْبَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْكَعْبَةِ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيْتَ مَأْمَنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالْقَبْرُ مَأْمَنٌ لِقَالَبِ الْمَيِّتِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الْكَعْبَةِ مُسْتَقْبِلٌ مِنْ وَجْهٍ وَمُسْتَدْبِرٌ مِنْ وَجْهٍ وَكَذَلِكَ الشَّهِيدُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ مَيِّتٌ عِنْدَ النَّاسِ. اهـ. (قَوْلُهُ:؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ شَطْرِهِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ جُزْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ غَيْرِ عَيْنٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْجُزْءُ قِبْلَةً لَهُ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وَمَتَى صَارَ قِبْلَةً فَاسْتِدْبَارُهَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ يَكُونُ مُفْسِدًا فَأَمَّا الْأَجْزَاءُ الَّتِي لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهَا لَمْ تَصِرْ قِبْلَةً فِي حَقِّهِ فَاسْتِدْبَارُهَا لَا يَكُونُ مُفْسِدًا، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ رَكْعَةً إلَى جِهَةٍ وَرَكْعَةً إلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَدْبِرًا عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي صَارَتْ قِبْلَةً فِي حَقِّهِ بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ النَّائِي عَنْ الْكَعْبَةِ إذَا صَلَّى بِالتَّحَرِّي إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ بِأَنْ صَلَّى رَكْعَةً إلَى جِهَةٍ ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَصَلَّى رَكْعَةً إلَيْهَا هَكَذَا جَازَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ الِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ الَّتِي تَحَرَّى إلَيْهَا مَا صَارَتْ قِبْلَةً لَهُ بِيَقِينٍ بَلْ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فَمَتَى تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى صَارَتْ قِبْلَتَهُ هَذِهِ الْجِهَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يَبْطُلْ مَا أَدَّى بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى بِالِاجْتِهَادِ لَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ فَصَارَ مُصَلِّيًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إلَى الْقِبْلَةِ فَلَمْ يُوجَدْ الِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ بِيَقِينٍ فَهُوَ الْفَرْقُ. اهـ [كِتَابُ الزَّكَاةِ] وَتُسَمَّى صَدَقَةً أَيْضًا قَالَ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] مِنْ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ؛ لِأَنَّ دَافِعَهَا مُصَدِّقٌ بِوُجُوبِهَا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: يُقَالُ زَكَا الزَّرْعُ إذَا زَادَ) قَالَ الْكَمَالُ، وَفِي هَذَا الِاسْتِشْهَادِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ الزَّكَاءُ بِالْمَدِّ بِمَعْنَى النَّمَاءِ يُقَالُ زَكَا زَكَاءً فَيَجُوزُ كَوْنُ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ مِنْهُ لَا مِنْ الزَّكَاةِ بَلْ كَوْنُهَا مِنْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ عَيْنِ لَفْظِ الزَّكَاةِ فِي مَعْنَى النَّمَاءِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهَا نَفْسُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُتَعَلَّقَ الْإِيتَاءِ هُوَ الْمَالُ، وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ نَفْسُ فِعْلِ الْإِيتَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ يَصِفُونَهُ بِالْوُجُوبِ وَمُتَعَلَّقُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ وَمُنَاسَبَةُ اللُّغَوِيِّ أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ إذْ يَحْصُلُ بِهِ النَّمَاءُ بِالْخَلَفِ مِنْهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ وَالطَّهَارَةُ لِلنَّفْسِ مِنْ دَنَسِ الْبُخْلِ وَالْمُخَالَفَةِ وَلِلْمَالِ بِإِخْرَاجِ حَقِّ الْغَيْرِ مِنْهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ أَعْنِي الْفُقَرَاءَ ثُمَّ هِيَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ وَسَبَبُهَا الْمَالُ الْمَخْصُوصُ أَعْنِي النِّصَابَ النَّامِيَ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا وَلِذَا تُضَافُ إلَيْهِ فَيُقَالُ زَكَاةُ الْمَالِ وَشَرْطُهَا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْفَرَاغُ مِنْ الدَّيْنِ، وَالْأَفْضَلُ فِي الزَّكَاةِ الْإِعْلَانُ بِخِلَافِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَعَنْ الطَّهَارَةِ أَيْضًا) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣] أَيْ طَهَارَةً، وَفِي حَدِيثِ الْبَاقِرِ «زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» أَيْ طَهَارَتُهَا مِنْ النَّجَاسَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ. اهـ. غَايَةٌ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَتِهِ فِي بَابِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَا نَصُّهُ، وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» يُرِيدُ طَهَارَتَهَا مِنْ النَّجَاسَةِ. اهـ. وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ عَلَى طَهَارَةِ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ لَكِنَّهُمْ رَفَعُوهُ، وَقَدْ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ فِي الْفَتْحِ: وَحَدِيثُ «زَكَاةِ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَثَرًا عَنْ عَائِشَةَ وَبَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ جُفُوفُ الْأَرْضِ طُهُورُهَا وَرَفَعَهُ الْمُصَنِّفُ. اهـ. (قَوْلُهُ: عَنْ الْمُمَلِّكِ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهُوَ الدَّافِعُ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: لِلَّهِ تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَمْلِيكٌ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ تَمْلِيكُ الْمَالِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ، وَلَوْ قَالَ تَمْلِيكُ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ لَكَانَ أَحْسَنَ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الزَّكَاةَ يَجِبُ فِيهَا تَمْلِيكُ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْإِيتَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] يَقْتَضِي إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ قِيلَ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَقِيلَ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعُمُرِ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَلِهَذَا لَا يُضْمَنُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ التَّفْرِيطِ. اهـ. قَوْلُهُ: ثُمَّ قِيلَ هُوَ إلَى آخِرِهِ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ الدَّعْوَى مَقْبُولَةٌ، وَهِيَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَالدَّلِيلُ الْمَقْبُولُ عَلَى غَيْرِ مَقْبُولٍ فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَلَا التَّرَاخِيَ بَلْ مُجَرَّدُ طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ كُلٌّ مِنْ التَّرَاخِي وَالْفَوْرِ فِي الِامْتِثَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ الْفِعْلَ مُقَيَّدًا بِأَحَدِهِمَا فَيَبْقَى عَلَى خِيَارِهِ فِي الْمُبَاحِ الْأَصْلِيِّ، وَالْوَجْهُ الْمُخْتَارُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ مَعَهُ قَرِينَةُ الْفَوْرِ، وَهِيَ أَنَّهُ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ، وَهِيَ مُعَجَّلَةٌ فَمَتَى لَمْ تَجِبْ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِيجَابِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَى التَّرَاخِي لِمَا قُلْنَا إنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ فَيَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ تَأْخِيرُهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلتَّرَاخِي لَا أَنَّهُمْ يَعْنُونَ إلَى التَّرَاخِي مُقْتَضَاهُ قُلْنَا إنْ لَمْ يَقْتَضِهِ فَالْمَعْنَى الَّذِي عَيَّنَّاهُ يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فَرِيضَةً، وَفَوْرِيَّتُهَا وَاجِبَةٌ فَيَلْزَمُ بِتَأْخِيرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ الْإِثْمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَرْخِيُّ وَالْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى، وَهُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ هِيَ الْمَحَلُّ عِنْدَ إطْلَاقِ اسْمِهَا عَنْهُمْ وَلِذَا رَدُّوا شَهَادَتَهُ إذَا تَعَلَّقَتْ بِتَرْكِ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّهُمَا فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِتَأْخِيرِهِمَا حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ مُفَسِّقٌ، وَإِذَا أَتَى بِهِ وَقَعَ أَدَاءً؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ لَمْ يُوَقِّتْهُ بَلْ سَاكِتٌ عَنْهُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ لَا الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالزَّكَاةُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَكْسُهُ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الثَّلَاثَةِ وُجُوبُ الْفَوْرِيَّةِ عَنْ الثَّلَاثَةِ. وَالْحَقُّ تَعْمِيمُ رَدِّ شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ رَدَّهَا مَنُوطٌ بِالْأَثَرِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ فِي الْحَجِّ أَيْضًا مَا يُوجِبُ الْفَوْرَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ الصِّيغَةِ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا ذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى التَّرَاخِي يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّظَرِ إلَى دَلِيلِ الِافْتِرَاسِ أَيْ دَلِيلِ الِافْتِرَاضِ لَا يُوجِبُهَا، وَهُوَ لَا يَنْفِي وُجُودَ دَلِيلِ الْإِيجَابِ، وَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّهُ إذَا شَكَّ هَلْ زَكَّى أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى أَمْ لَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الزَّكَاةِ الْعُمْرُ فَالشَّكُّ حِينَئِذٍ فِيهَا كَالشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ وَالشَّكُّ فِي الْحَجِّ مِثْلُهُ فِي الزَّكَاةِ، هَذَا وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَمْعَنَ التَّأَمُّلَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ دَفْعُ الْحَاجَةِ مَعَ دَفْعِ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُتَرَاخِيً
следующие страницы →