Полный текст (1 841 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ وَكَالنَّجَاسَةِ الْمَائِعَةِ الَّتِي لَا جِرْمَ لَهَا بِخِلَافِ الْمَنِيِّ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْخَبَرِ حَتَّى اكْتَفَى بِهِ فِي الثَّوْبِ وَلَهُمَا مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ» الْحَدِيثَ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ صَلْبٌ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ جِرْمِ النَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا تَتَدَاخَلُهُ رُطُوبَتُهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ أَوْ يَجْتَذِبُهُ الْجِرْمُ إذَا جَفَّ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَسْحِ إلَّا قَلِيلٌ وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ فَصَارَ كَالسَّيْفِ وَالْحَدِيدِ الصَّقِيلِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَخَلْخِلَانِ فَيَتَدَاخَلُهُمَا أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ وَبِخِلَافِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ لِينَتَهُ وَرُطُوبَتَهُ وَمَا بِهِ مِنْ الْعَرَقِ يَمْنَعُ مِنْ الْجَفَافِ قَالَ ﵀ (وَإِلَّا يُغْسَلُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِرْمٌ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ تَتَشَرَّبُ فِيهِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَقِيلَ: إذَا مَشَى عَلَى الرَّمْلِ أَوْ التُّرَابِ فَالْتَصَقَ بِالْخُفِّ أَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ تُرَابًا أَوْ رَمْلًا أَوْ رَمَادًا فَمَسَحَهُ يَطْهُرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجِرْمُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، ثُمَّ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْجَفَافِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ جِرْمٌ وَمَا لَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ فَلَيْسَ بِجِرْمٍ.
قَالَ ﵀ (وَبِمَنِيِّ آدَمِيٍّ يَابِسٍ بِالْفَرْكِ، وَإِلَّا يُغْسَلُ) أَيْ إذَا تَنَجَّسَ الْخُفُّ أَوْ الثَّوْبُ بِمَنِيٍّ وَيَبِسَ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَابِسًا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَنِيُّ لَيْسَ بِنَجِسٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَغْسِلُهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «قَالَتْ كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ ﵊ وَهُوَ يُصَلِّي» وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مَعَهُ وَلَمَا اكْتَفَى بِالْفَرْكِ فِيهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﵊ عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَإِنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَمْسَحِيهِ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِإِذْخِرَةٍ»؛ وَلِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ الْبَشَرِ فَصَارَ كَالطِّينِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كُنْت أَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ» الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ عَمَّارٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ وَعَدَّ مِنْهَا الْمَنِيَّ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ إنْ رَأَيْته فَاغْسِلْهُ، وَإِلَّا فَاغْسِلْ الثَّوْبَ كُلَّهُ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ؛ وَلِأَنَّهُ دَمٌ اسْتَحَالَ بِالنُّضْجِ مِنْ حَرَارَةِ الشَّهْوَةِ وَلِهَذَا مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْوِقَاعُ حَتَّى فَتَرَتْ شَهْوَتُهُ يُخْرِجُ دَمًا أَحْمَرَ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِقَوْلِهِ ﵊ «اغْسِلِيهِ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ يَابِسًا»؛ وَلِأَنَّهُ لَزِجٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ أَجْزَاؤُهُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ أَوْ يَقِلُّ وَالْقَلِيلُ مَعْفُوٌّ وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْإِمَاطَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَلِيلًا أَوْ عَلَى أَنَّهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْغَسْلِ وَتَشْبِيهُهُ بِالْمُخَاطِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنْظَرِ فِي الْبَشَاعَةِ لَا فِي الْحُكْمِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ» مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَأَمْرُهُ ﵇ آكَدُ فِي اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ مِنْ خَبَرِهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ لِلْوُجُوبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَتَشَبَّثَ بِثِيَابِهِ وَتُشْغِلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ هَيَّأْت لَهُ الطَّعَامَ وَهُوَ يَأْكُلُ أَيْ يَأْكُلُ بَعْدَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَشَرُ مِنْ النَّجَسِ، ثُمَّ يَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ نَجِسًا وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الطَّاهِرُ كَاللَّبَنِ فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الدَّمِ وَهُوَ أَصْلُهُ فَاعْتَبَرَهُ بِالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يُخْلَقُ مِنْهُمَا الْبَشَرُ وَإِنْ كَانَا نَجِسَيْنِ.
ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ قَبْلَ الْمَذْيِ أَمَّا لَوْ خَرَجَ الْمَذْيُ أَوَّلًا، ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَحْلَ يُمْذِي، ثُمَّ يُمْنِي وَالْمَذْيُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ فَيُجْعَلُ تَبَعًا لَهُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي رَأْسِ ذَكَرِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عِنْدِي أَنَّ الْمَنِيَّ إذَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ وَلَمْ يَنْتَشِرْ عَلَى رَأْسِهِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي هُوَ دَاخِلُ الذَّكَرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَمُرُورُ الْمَنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَشَرَ عَلَى رَأْسِ الْإِحْلِيلِ حَيْثُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي خَارِجَ الْإِحْلِيلِ مُعْتَبَرٌ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ حَتَّى لَوْ بَالَ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْبَوْلُ ثُقْبَ الْإِحْلِيلِ يُكْتَفَى بِالْفَرْكِ وَلَوْ أَصَابَ الْمَنِيُّ شَيْئًا لَهُ بِطَانَةٌ فَنَفَذَ إلَى الْبِطَانَةِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ هُوَ الصَّحِيحُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَلَهُمَا) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِالدَّلْكِ بِلَا غَسْلٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ) أَيْ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا خُفًّا كَانَ أَوْ ثَوْبًا أَيْ بِالْغَسْلِ لَا بِالدَّلْكِ قَالَ الْعَيْنِيُّ لِأَنَّ الدَّلْكَ حِينَئِذٍ يَزِيدُهُ انْتِشَارًا أَوْ تَلَوُّثًا. اهـ. .
(قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ تَبَعًا لَهُ) وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِيَ وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ أَعْنِي اعْتَبَرَهُ مُسْتَهْلِكًا لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْغُسْلِ لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ كَمَا قِيلَ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَرْكِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ فِي زَادِ الْفَقِيرِ وَتَطْهِيرُ الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَتْ صَلْبَةً قَالُوا يُصَبُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ تُنَشَّفُ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهَا كَثِيرًا حَتَّى تَصَرَّفَتْ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يَبْقَ رِيحُهَا وَلَا لَوْنُهَا وَتُرِكَتْ حَتَّى جَفَّتْ طَهُرَتْ اهـ
стр. 72
الْمَنِيُّ غَلِيظًا فَجَفَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَأَسْفَلُهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبِلَّةُ دُونَ الْجِرْمِ، ثُمَّ إذَا فُرِكَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُمَا وَفِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَقِلُّ النَّجَاسَةُ بِالْفَرْكِ وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ حَتَّى لَوْ أَصَابَهُ مَاءٌ عَادَ نَجِسًا عِنْدَهُ وَلَا يَعُودُ عِنْدَهُمَا وَلَهَا أَخَوَاتٌ مِنْهَا أَنَّ الْخُفَّ إذَا أَصَابَهُ نَجَسٌ وَدَلَّكَهُ، ثُمَّ وَصَلَ الْمَاءُ إلَيْهِ وَمِنْهَا الْأَرْضُ إذَا أَصَابَهَا نَجَاسَةٌ وَذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهَا الْمَاءُ وَمِنْهَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ بِالشَّمْسِ أَوْ التَّتْرِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الدَّبَّاغِ الْحُكْمِيِّ، ثُمَّ أَصَابَهُ الْمَاءُ وَمِنْهَا الْبِئْرُ إذَا وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ، ثُمَّ عَادَ فَكُلُّهَا تُحْكَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ الْمَنِيُّ إذَا أَصَابَ الْبَدَنَ لَا يَجْزِي فِيهِ الْفَرْكُ فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِرُطُوبَةِ الْبَدَنِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِي حَقِّهِ أَشَدُّ وَعَنْ الْفَضْلِيِّ أَنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ.
قَالَ ﵀ (وَنَحْوُ السَّيْفِ بِالْمَسْحِ) أَيْ نَحْوُ السَّيْفِ مِنْ الْحَدِيدِ الصَّقِيلِ كَالْمِرْآةِ وَالسِّكِّينِ إذَا تَنَجَّسَ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ لِمَا صَحَّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ، ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ مَعَهَا؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ السَّيْفِ وَالْمِرْآةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُفْسِدُهَا فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَلَا بَيْنَ مَا لَهُ جِرْمٌ وَمَا لَا جِرْمَ لَهُ، ثُمَّ قِيلَ يَطْهُرُ حَقِيقَةً فِي رِوَايَةٍ حَتَّى لَوْ قَطَعَ بِهِ الْبِطِّيخَ أَوْ اللَّحْمَ يَحِلُّ أَكْلُهُ وَقِيلَ تَقِلُّ النَّجَاسَةُ وَلَا يَطْهُرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ صَقِيلًا حَتَّى لَوْ كَانَ خَشِنًا أَوْ مَنْقُوشًا لَا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ.
قَالَ ﵀ (وَالْأَرْضُ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلتَّيَمُّمِ) أَيْ تَطْهُرُ الْأَرْضُ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ مِنْ اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ وَالطَّعْمِ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا دُونَ التَّيَمُّمِ، أَمَّا طَهَارَتُهَا بِالْيُبْسِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ كُنْت فَتًى شَابًّا عَزَبًا أَبِيت فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهَا بِالْجَفَافِ؛ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مِنْ طَبْعِهَا أَنْ تُحِيلَ الْأَشْيَاءَ وَتُنْقِلَهَا إلَى طَبْعِهَا فَتَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ بِخِلَافِ الثَّوْبِ، وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهِ فَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْأَرْضِ فِيهِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ ثَبَتَا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّيَانِ بِمَسْحِ الْأُذُنِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى الْحَطِيمِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأُذُنِ مِنْ الرَّأْسِ وَالْحَطِيمِ مِنْ الْبَيْتِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَقِلُّ بِالْجَفَافِ وَقَلِيلُ النَّجَاسَةِ يَمْنَعُ مِنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْبِئْرُ إذَا وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ، ثُمَّ عَادَ فَكُلُّهَا تُحْكَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَالَ الْكَمَالُ وَظَاهِرُهُ كَوْنُ الظَّاهِرِ النَّجَاسَةَ فِي الْكُلِّ وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ كَمَا اخْتَارَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ فِي الْأَرْضِ وَهِيَ أَبْعَدُ الْكُلِّ إذْ لَا صُنْعَ فِيهَا أَصْلًا لِيَكُونَ تَطْهِيرًا؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ شَرْعًا بِالْجَفَافِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ مَعْنَى الزَّكَاةِ فِي الْآثَارِ وَمُلَاقَاةِ الطَّاهِرِ الطَّاهِرَ لَا تُوجِبُ التَّنْجِيسَ بِخِلَافِ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ لَوْ دَخَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجُسَ عَلَى مَا قَالُوهُ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَمْ يُعْتَبَرْ مُطَهِّرًا فِي الْبَدَنِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ عَلَى رِوَايَةٍ وَالْجَوَازُ بِغَيْرِهِ لِسُقُوطِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ عَفْوًا لَا لِطَهَارَتِهِ فَعَنْهُ أَخَذُوا كَوْنَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي النَّجَاسَاتِ عَفْوًا اهـ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ رَقِيقٌ) أَيْ فَيُلْحَقُ بِنَجَسٍ لَا جِرْمَ لَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَيُصَلُّونَ مَعَهَا) وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ مَا ذُكِرَ لَوْ كَانَ عَلَى ظُفُرِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَحَهَا طَهُرَتْ وَكَذَلِكَ الزُّجَاجَةُ وَالزُّبْدِيَّةُ الْخَضْرَاءُ يَعْنِي الْمَدْهُونَةَ وَالْخَشَبَ الْخَرَّاطِيِّ وَالْبُورِيَّا الْقَصَب. اهـ. كَمَالٌ ﵀.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْأَرْض بِالْيُبْسِ) لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَفَافِ بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ أَوْ الرِّيحِ اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَذَهَابِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْيُبْسِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: لِلصَّلَاةِ) أَيْ لِأَجْلِهَا. اهـ. ع (قَوْلُهُ: دُونَ التَّيَمُّمِ) خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ اخْتَصَّ لِلْإِزَالَةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا وَالزَّكَاةُ الطَّهَارَةُ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّ الطُّهُورِيَّةَ زَائِدَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ دُونَ الطُّهُورِيَّةِ. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ: عَزَبًا) رَجُلٌ عَزَبٌ بِالتَّحْرِيكِ لَا زَوْجَ لَهُ. اهـ. مُغْرِبٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) فَلَوْلَا اعْتِبَارُهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ كَانَ ذَلِكَ تَبْقِيَةً لَهَا بِوَصْفِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ أَلْبَتَّةَ إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَ صِغَرِ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ مَنْ يَتَخَلَّفُ لِلصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ وَكَوْنِ ذَلِكَ يَكُونُ فِي بِقَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَتَبُولُ فَإِنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ يُفِيدُ تَكَرُّرَ الْكَائِنِ مِنْهَا وَلِأَنَّ تَبْقِيَتَهَا نَجِسَةً يُنَافِي الْأَمْرَ بِتَطْهِيرِهَا فَوَجَبَ كَوْنُهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ بِخِلَافِ «أَمْرِهِ ﵊ بِإِهْرَاقِ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ»؛ لِأَنَّهُ كَانَ نَهَارًا وَالصَّلَاةُ فِيهِ تَتَتَابَعُ نَهَارًا، وَقَدْ لَا يَجِفُّ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَأَمَرَ بِتَطْهِيرِهَا بِالْمَاءِ بِخِلَافِ مُدَّةِ اللَّيْلِ أَوْ لِأَنَّ الْوَقْتَ إذْ ذَاكَ قَدْ آنَ أَوَانُهُ إذْ ذَاكَ أَكْمَلُ الطَّهَارَتَيْنِ لِلتَّيَسُّرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِذَا قَصَدَ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ صَبَّ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَجُفِّفَتْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِخِرْقَةٍ، وَكَذَا لَوْ صَبَّ مَاءً بِكَثْرَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَلَا رِيحُهَا فَإِنَّهَا تَطْهُرُ وَلَوْ كَبَسَهَا بِتُرَابٍ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تُوجَدْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ التُّرَابِ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْكِتَابِ هُوَ الْقَطْعُ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا دُونَ الطَّهَارَةِ الْقَطْعِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ تَعَالَى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا قَطْعًا بَلْ الْحَقُّ أَنَّ إقَامَةَ التَّكَالِيفِ تُبْتَنَى عَلَى الظَّنِّ دُونَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يَطَّلِعُ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ مَثَلًا الْمُصَلِّي يُكَلَّفُ بِالْوُضُوءِ بِمَا هُوَ طَاهِرٌ فِي ظَنِّهِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي ظَنِّهِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَكِّيًّا. اهـ. يَحْيَى وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ بِنَصِّ الْكِتَابِ مَا نَصُّهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ طَاهِرًا لَا أَنْ تَكُونَ طَهَارَتُهُ بِالْكِتَابِ مَقْطُوعًا بِهَا بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا ظَنًّا، وَكَذَا فِي إخْوَتِهِ بِتَوَجُّهِ هَذَا النَّظَرِ كَذَا نَقَلْته مِنْ خَطِّ قَارِئٍ الْهِدَايَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ. .
стр. 73
التَّيَمُّمِ دُونَ الصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ نُقْطَةً مِنْ الدَّمِ لَوْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ مَنَعَتْ مِنْ التَّطَهُّرِ بِهِ وَفِي الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةِ الصَّعِيدِ وَطَهُورِيَّتُهُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالصَّلَاةُ تَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةِ الْمَكَانِ لَا غَيْرُ وَبِالْخَبَرِ تَثْبُتُ الطَّهَارَةُ دُونَ الطَّهُورِيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
قَالَ ﵀ (وَعَفَا قَدْرَ الدِّرْهَمِ كَعَرْضِ الْكَفِّ مِنْ نَجَسٍ مُغَلَّظٍ كَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ وَالرَّوْثِ وَالْخِثْيِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ كَكَثِيرِهَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ بِتَطْهِيرِهَا لَمْ تَفْصِلْ إلَّا أَنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ خَارِجٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ كَالذُّبَابِ يَقَعُ عَلَى النَّجَسِ، ثُمَّ عَلَى الثِّيَابِ، وَكَذَا مَوْضِعُ الِاسْتِنْجَاءِ وَهُوَ الْمَخْرَجُ خَارِجٌ عَنْهَا لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ مَعْفُوٌّ إجْمَاعًا فَقَدَّرْنَاهُ بِالدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ مُقَدَّرٌ بِهِ قَالَ النَّخَعِيّ اسْتَقْبَحُوا ذِكْرَ الْمَقْعَدَةِ فِي مَحَافِلِهِمْ فَكَنَّوْهَا بِالدِّرْهَمِ؛ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْمُقْعَدَةَ وَغَيْرَهَا فَيُعْفَى لِلْحَرَجِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الدِّرْهَمِ فَقِيلَ: يُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ وَقِيلَ بِالْمِسَاحَةِ وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الْكَفِّ وَوَفَّقَ أَبُو جَعْفَرٍ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِذِكْرِ الْعَرْضِ تَقْدِيرَ النَّجَاسَةِ الْمَائِعَةِ وَبِذِكْرِ الْوَزْنِ تَقْدِيرَ النَّجَاسَةِ الْمُسْتَجْسَدَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ يُعْتَبَرُ بِدِرْهَمٍ زَمَانُهُ وَقَدْ قَالُوا إذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ دُهْنٌ نَجِسٌ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ ازْدَادَ حَتَّى صَارَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَصَلَّى فِيهِ فَالْأُولَى جَائِزَةٌ وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَرْغِينَانِيِّ
قَالَ ﵀ (وَمَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ مِنْ مُخَفَّفٍ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ وَالْفَرَسِ وَخَرْءِ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ) أَيْ عُفِيَ مَا دُونَ رُبُعِ الثَّوْبِ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهَا بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَلِلرُّبْعِ حُكْمُ الْكُلِّ فِي الْأَحْكَامِ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِهِ فَقِيلَ رُبُعُ جَمِيعِ ثَوْبٍ عَلَيْهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ وَقِيلَ رُبْعُ طَرَفٍ أَصَابَتْهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: مِنْ نَجَسٍ مُغَلَّظٍ كَالدَّمِ) وَالْمُرَادُ بِالدَّمِ غَيْرُ الْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ وَفِي حُكْمِهِ اللَّحْمُ الْمَهْزُولُ إذَا قُطِعَ فَالدَّمُ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ نَجِسًا، وَكَذَا الدَّمُ الَّذِي فِي الْكَبِدِ لَا مِنْ غَيْرِهِ كَذَا قِيلَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ دَمًا فَقَدْ جَاوَرَ الدَّمَ وَالشَّيْءُ يَنْجُسُ بِمُجَاوَرَةِ النَّجَسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْبَاقِي أَنَّهُ مَعْفُوٌّ فِي الْأَكْلِ لَا الثَّوْبِ وَغَيْرُ دَمِ الشَّهِيدِ مَا دَامَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ مُلَطَّخًا بِهِ فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ بِخِلَافِ قَتِيلٍ غَيْرِ الشَّهِيدِ لَمْ يُغَسَّلْ أَوْ غُسِّلَ وَكَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَعَيْنُ الْمِسْكِ قَالُوا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ كَوْنِهِ دَمًا وَلَمْ أَرَ لَهُ تَعْلِيلًا وَذَاكَرْت بَعْضَ الْإِخْوَانِ مِنْ الْمَغَارِبَةِ فِي الزَّبَادِ فَقُلْت لَهُ يُقَالُ أَنَّهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ فَقَالَ مَا يُحِيلُهُ الطَّبْعُ إلَى صَلَاحٍ كَالظَّبْيَةِ يَخْرُجُ عَنْ النَّجَاسَةِ كَالْمِسْكِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالرَّوْثُ وَالْخِثْيِ) وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا شَيْخُهُ السِّيرَامِيُّ ﵀ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ مَا يَكُونُ لِذِي ظِلْفٍ وَيُجْمَعُ عَلَى أَخْثَاءَ وَخَثِيٍّ. اهـ. عَيْنِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
(قَوْلُهُ: فَقَدَّرْنَاهُ بِالدِّرْهَمِ إلَى آخِرِهِ) وَلَا يُعْتَبَرُ نُفُوذُ الْمِقْدَارِ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حِينَئِذٍ وَاحِدٌ فِي الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ مُتَعَدِّدًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَا طَاقَيْنِ لِتَعَدُّدِهَا فَيَمْنَعُ وَعَنْ هَذَا فُرِّعَ الْمَنْعُ لَوْ صَلَّى مَعَ دِرْهَمٍ مُتَنَجِّسِ الْوَجْهَيْنِ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ بَيْنَ وَجْهَيْهِ وَهُوَ جَوَاهِرُ سُمْكِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفُذُ نَفْسُ مَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ فَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ فِيهِمَا مُتَّحِدَةً ثَمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَوْ جَلَسَ الصَّبِيُّ الْمُتَنَجِّسُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي حِجْرِ الْمُصَلِّي وَهُوَ يَسْتَمْسِكُ أَوْ الْحَمَّامُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَى رَأْسِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ فَلَمْ يَكُنْ حَامِلَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلَ مَنْ لَا يَسْتَمْسِكُ حَيْثُ يَصِيرُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَا تَجُوزُ هَذَا وَالصَّلَاةُ مَكْرُوهَةٌ مَعَ مَا لَا يَمْنَعُ حَتَّى قِيلَ لَوْ عَلِمَ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ يَرْفُضُهَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ أَوْ الْجَمَاعَةِ. اهـ. فَتْحٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي الدِّرْهَمِ الَّذِي تَنَجَّسَ جَانِبَاهُ مَشَى عَلَيْهِ الْوَلْوَالِجِيُّ فَقَالَ أَمَّا إذَا كَانَ الثَّوْبُ ذَا طَاقَيْنِ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَتَعَدَّدَتْ النَّجَاسَةُ وَكَذَلِكَ الدِّرْهَمُ فَإِنَّ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ فَاصِلًا فَاعْتُبِرَ كُلُّ جَانِبٍ فِي نَفْسِهِ اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَنَفَذَتْ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ حَيْثُ لَوْ ضُمَّ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ إلَى الْآخَرِ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ هَلْ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الثَّوْبُ ذَا طَاقَيْنِ مَنَعَ أَوْ ذَا طَاقٍ وَاحِدٍ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ اهـ. قَوْلُهُ: وَعَنْ هَذَا فُرِّعَ الْمَنْعُ قَالَ قَاضِي خَانْ إذَا صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ تَنَجَّسَ جَانِبَاهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْكُلَّ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. اهـ. .
(فَرْعٌ) يَحْفَظُ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ مَنْ انْتَهَى إلَى الْقَوْمِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَهُوَ يَخْشَى أَنَّهُ إنْ غَسَلَهُ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَغْسِلُهُ لِأَنَّ غَسْلَهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهِ وَمَتَى دَخَلَ الْجَمَاعَةَ صَارَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ. اهـ. .
وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ قُبَيْلَ بَابِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مَا نَصُّهُ إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ إنْ كَانَ مُقْتَدِيًا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَغَسَلَ النَّجَاسَةَ يُدْرِكُ إمَامَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُدْرِكُ جَمَاعَةً أُخْرَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَغْسِلُ الثَّوْبَ لِأَنَّ قَطْعَ الصَّلَاةِ لِلْإِكْمَالِ وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يُدْرِكُ جَمَاعَةً أُخْرَى مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ) أَيْ أَيُّ ثَوْبٍ كَانَ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرَسُ) أَيْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ وَأَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ رُبُعُ جَمِيعِ ثَوْبٍ عَلَيْهِ) فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ الثَّوْبُ الَّذِي عَلَيْهِ إنْ كَانَ شَامِلًا اُعْتُبِرَ رُبُعُهُ وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ اُعْتُبِرَ رُبُعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْكَثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَابِ. اهـ. فَتْحٌ
стр. 74
النَّجَاسَةُ كَالذَّيْلِ وَالْكُمِّ وَالدِّخْرِيصِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ وَعَنْهُ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ وَمِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقَدَمَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَحُدَّ لِذَلِكَ حَدًّا، وَقَالَ: إنَّ الْفَاحِشَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طِبَاعِ النَّاسِ فَوَقَفَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْغَلِيظَةُ وَالْخَفِيفَةُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْغَلِيظَةُ مَا ثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ بِنَصٍّ لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ يُخَالِفُهُ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ تَعَارُضُ نَصَّيْنِ.
وَالْخَفِيفَةُ مَا تَعَارَضَ النَّصَّانِ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَكَانَ الْأَخْذُ بِالنَّجَاسَةِ أَوْلَى لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ مِثْلَ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﵊ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَخَبَرِ الْعُرَنِيِّينَ يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ فَخَفَّ حُكْمُهُ لِلتَّعَارُضِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَا سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي طَهَارَتِهِ فَهُوَ مُخَفَّفٌ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ حُجَّةٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الرَّوْثِ وَالْخِثْي وَالْبَعْرِ وَنَحْوِهَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ مِنْ «أَنَّهُ أَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إنَّهَا رِكْسٌ» لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ كَمَا فِي بَوْلِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَعَمُّ وَعِنْدَهُمَا مُخَفَّفَةٌ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى طَهَارَتَهَا وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِهَا بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الرَّوْثَ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ حِينَ كَانَ بِالرَّيِّ مَعَ الْخَلِيفَةِ فَرَأَى الطُّرُقَ وَالْخَانَاتِ مَمْلُوءَةً بِهَا وَلِلنَّاسِ فِيهَا بَلْوَى عَظِيمَةٌ فَرَجَعَ إلَيْهِ وَقَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى؛ لِأَنَّ مَمْشَى النَّاسِ وَالدَّوَابِّ فِيهَا وَاحِدٌ وَعِنْدَ ذَلِكَ يُرْوَى رُجُوعُهُ فِي الْخُفِّ إلَى قَوْلِهِمَا إذَا أَصَابَهُ عَذِرَةٌ حَتَّى قَالَ: يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ وَفِي الرَّوْثِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلْكِ عِنْدَهُ لِمَا قُلْنَا.
وَأَمَّا بَوْلُ الْفَرَسِ فَقَدْ تَعَارَضَ فِيهِ نَصَّانِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ كَرَاهَةَ أَكْلِهِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ لِكَرَامَتِهِ كَلَحْمِ الْآدَمِيِّ فَصَارَ مُخَفَّفًا؛ لِأَنَّهُ بَوْلُ بَهَائِمَ طَاهِرَةِ اللَّحْمِ فَيَكُونُ التَّعَارُضُ فِيهِ مَوْجُودًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَأْكُولٌ فَيَكُونُ بَوْلُهُ مُخَفَّفًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ وَخَرْءِ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا مُغَلَّظَةٌ فِي رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَفِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً، وَقِيلَ أَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّخْفِيفِ أَيْضًا فَحَصَلَ لِأَبِي يُوسُفَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ وَلِمُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ وَهُوَ أَنَّ نَجَاسَتَهُ مُخَفَّفَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مُغَلَّظَةٌ وَجْهُ طَهَارَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ نَتِنٌ وَخَبَثٌ رَائِحَةً وَلَا يُنَحَّى شَيْءٌ مِنْ الطُّيُورِ عَنْ الْمَسَاجِدِ فَعِلْمنَا أَنَّ خَرْءَ جَمِيعِ الطُّيُورِ طَاهِرٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: فَوَقَفَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ) وَالْأَوْجَهُ إنْكَالُهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى إنْ اسْتَفْحَشَهُ مَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. زَادُ الْفَقِيرِ.
(قَوْلُهُ: اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ ﵀ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً وَهُوَ عَامٌّ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّعْدِيَةِ لَا لِلتَّبْعِيضِ وَالْبَوْلُ مُحَلَّى بِاللَّامِ لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ بَوْلٍ وَقَدْ أَمَرَ بِطَلَبِ النَّزَاهَةِ مِنْهُ وَالطَّاهِرُ لَا يُؤْمَرُ بِالِاسْتِنْزَاهِ مِنْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى) قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ ﵀ وَمَا قِيلَ أَنَّ الْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ عِنْدَهُ كَبَوْلِ الْإِنْسَانِ مَمْنُوعٌ بَلْ تُعْتَبَرُ إذَا تَحَقَّقَتْ لِلنَّصِّ النَّافِي لِلْحَرَجِ وَهُوَ لَيْسَ مُعَارَضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ وَالْبَلْوَى فِي بَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي الِانْتِضَاحِ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ لَا فِيمَا سِوَاهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِأَغْلَبِيَّةِ عُسْرِ الِانْفِكَاكِ وَذَلِكَ إنْ تَحَقَّقَ فِي بَوْلِ الْإِنْسَانِ فَكَمَا قُلْنَا وَقَدْ رَتَّبْنَا مُقْتَضَاهُ إذْ قَدْ أَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهُ اهـ.
﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةُ وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الشَّاةِ وَبَوْلُ الْآدَمِيِّ تُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ رَجُلٌ رَأَى عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ نَجَاسَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ اشْتَغَلَ بِغَسْلٍ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ مُفِيدٌ وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى كَلَامِهِ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَار لَا يُفِيدُ قَالُوا وَمَشَايِخُنَا قَاسُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى هَذَا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ قَوْلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ مَاءُ فَمِ النَّائِمِ طَاهِرٌ وَفِي السِّغْنَاقِيِّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْفَمِ أَوْ مُنْبَعِثًا مِنْ الْجَوْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ فِيهِ لَوْنُ الدَّمِ فَهُوَ نَجِسٌ وَعِنْدَهُمَا طَاهِرٌ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَاءُ فَمِ الْمَيِّتِ قِيلَ: إنَّهُ نَجِسٌ. اهـ. تَتَارْخَانِيَّةُ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ طَاهِرٌ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْبَلْغَمِ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ مَاءُ فَمِ النَّائِمِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَهُوَ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْبَلْغَمِ أَوْ مُنْبَعِثًا مِنْ الْجَوْفِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْفَمِ حَالَةَ النَّوْمِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْبَلْغَمِ فَيَكُونُ طَاهِرًا كَيْفَمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
(قَوْلُهُ: فَقَدْ تَعَارَضَ فِيهِ نَصَّانِ) نَصُّ جَوَازِ أَكْلِهِ وَنَصُّ النَّهْيِ عَنْهُ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: لِأَبِي يُوسُفَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ) الْوَاقِعُ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ وَمَعَ مُحَمَّدٍ عَلَى رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَحَصَّلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ خَفِيفٌ وَرِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ غَلِيظٌ وَرِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ وَعَنْ مُحَمَّدٍ غَلِيظٌ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. اهـ. فَتْحٌ
стр. 75
حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ وَوَجْهُ التَّغْلِيظِ أَنَّهُ لَا تَكْثُرُ إصَابَتُهُ وَقَدْ غَيَّرَهُ طَبْعُ الْحَيَوَانِ إلَى خَبَثٍ وَنَتِنٍ فَصَارَ كَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَهَذَا مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِمَا لِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا مَرَّ فَكَانَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ وَوَجْهُ التَّخْفِيفِ عُمُومُ الْبَلْوَى وَالضَّرُورَةِ وَهِيَ تُوجِبُ التَّخْفِيفَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ.
قَالَ ﵀ (وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَبَوْلٌ انْتَضَحَ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ) وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَيْ عُفِيَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَدَمُ السَّمَكِ إلَى آخِرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ دَمَ السَّمَكِ وَلُعَابَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْفُوًّا وَالْعَفْوُ يَقْتَضِي النَّجَاسَةَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ السَّمَكَ الْكَبِيرَ إذَا سَالَ مِنْهُ شَيْءٌ فَاحِشٌ يَكُونُ نَجِسًا مُغَلَّظًا وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالتَّغْلِيظِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَعَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الدَّمَوِيَّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَلِهَذَا اكْتَفَى مُحَمَّدٌ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ أَنَّهُ يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ وَالدَّمُ يَسْوَدُّ بِهَا فَلَا يَكُونُ دَمًا، وَأَمَّا لُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَقَدْ مَرَّ فِي الْأَسْآرِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ الْمُنْتَضِحُ قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَمَعْفُوٌّ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ امْتَلَأَ الثَّوْبُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وُجُوبُ غَسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ حَقِيقَةً قُلْنَا: لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَسَقَطَ حُكْمُهُ وَقَوْلُهُ قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْرَ جَانِبِهَا الْآخَرِ يُعْتَبَرُ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ ﵀ (وَالنَّجَسُ الْمَرْئِيُّ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ)؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحِلِّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِمَرَّةٍ إذَا عَصَرَهُ وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ ثَلَاثًا بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ الْتَحَقَ بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ لَمْ تُغْسَلْ قَطُّ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ يُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ الْتَحَقَ بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَتْ مَرَّةً قَالَ ﵀ (إلَّا مَا يَشُقُّ) أَيْ إلَّا مَا يَشُقُّ إزَالَةُ أَثَرِهِ «لِقَوْلِهِ ﵊ لِخَوْلَةِ بِنْتِ يَسَارٍ حِينَ قَالَتْ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ»؛ وَلِأَنَّ فِيهِ حَرَجًا بَيِّنًا فَإِنَّ مَنْ خَضَّبَ يَدَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ بِحِنَّاءَ نَجِسٍ لَا يَزُولُ لَوْنُهُ بِالْغَسْلِ وَفِي قَطْعِهِمَا حَرَجٌ ظَاهِرٌ لَا يَلِيقُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَتَفْسِيرُ الْمَشَقَّةِ أَنْ يَحْتَاجَ لِإِزَالَتِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ سِوَى الْمَاءِ كَالصَّابُونِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ الْمُعَدَّةَ لِقَطْعِ النَّجَاسَةِ الْمَاءُ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ فَلَا يُكَلَّفُ بِالْمُعَالَجَةِ بِهِ.
قَالَ ﵀ (وَغَيْرُهُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَالْعَصْرِ كُلَّ مَرَّةٍ) أَيْ غَيْرُ الْمَرْئِيِّ مِنْ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ عِنْدَهُ غَالِبًا وَلِهَذَا قَالَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا تَكْثُرُ) أَيْ فَلَا يَكُونُ فِيهِ بَلْوَى اهـ.
(قَوْلُهُ: فَكَانَ لِلِاجْتِهَادِ) أَيْ الْمُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ غَيْرِهِمَا اهـ مِنْ خَطِّ قَارِئٍ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَخَرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ نَجَاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَدَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ نَجِسٌ فَقُلْنَا بِخِفَّتِهِ لِذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَبَوْلٌ انْتَضَحَ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ) أَمَّا لَوْ انْتَضَحَ مِثْلُ رُءُوسٍ الْمِسَلَّةِ يَمْنَعُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَ الْجَانِبِ الْآخَرِ يُعْتَبَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ لَا يَعْتَبِرُ الْجَانِبَيْنِ وَإِذَا أَصَابَهُ مَا يَكْثُرُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَالْحِمَارُ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُحَرَّرْ إذْ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمَا تَصَوَّرَ لَنَا سُؤْرٌ مَشْكُوكٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ خَالَطَهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْ لَهُ وَصْفًا فَمِنْ أَيْنَ يَجِيءُ الشَّكُّ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ طَاهِرٌ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ) أَيْ وَأَثَرِهِ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَلَوْ بِمَرَّةٍ إلَى آخِرِهِ) وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَحِلِّ بِمُجَاوَرَةِ الْعَيْنِ وَقَدْ زَالَتْ وَحَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ ضَرُورَةٌ أَنَّهُ مَأْمُورٌ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ وَلِذَا كَانَ مَنْدُوبًا وَلَوْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَانَتْ مُحَقَّقَةً وَكَانَ حُكْمُهُ الْوُجُوبَ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: إلَّا مَا يَشُقُّ إزَالَةُ أَثَرِهِ) أَيْ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ بِالنِّيلِ أَوْ الْعُصْفُرِ النَّجِسِ فَغَسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَهُرَ وَلَا تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ إلَّا بِمَاءٍ مُتَقَاطِرٍ وَإِنْ لَحِسَهُ بِلِسَانِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَلْقَى بُزَاقَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ طَهُرَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ الطِّفْلُ إذَا قَاءَ عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ امْتَصَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَهُرَ. اهـ. (قَوْلُهُ: «فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ») أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ إذَا طَهُرْت فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ قَالَتْ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ قَالَ يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ» فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ.
(قَوْلُهُ: بِحِنَّاءَ نَجِسٍ) فَغُسِلَ إلَى أَنْ صَفَا الْمَاءُ يَطْهُرُ مَعَ قِيَامِ اللَّوْنِ وَقِيلَ يُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ لَوْ غَسَلَ يَدَهُ مِنْ دُهْنٍ نَجِسٍ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهِ فَإِنَّمَا عَلَّلَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ قَالَ فَبَقِيَ عَلَى يَدِهِ طَاهِرًا كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الدُّهْنِ يَنْجُسُ يُجْعَلُ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيَعْلُوَا الدُّهْنُ فَيَرْفَعُهُ بِشَيْءٍ هَكَذَا يَفْعَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَطْهُرُ بِمَرَّةٍ كَالْحُكْمِيِّ قُلْنَا: الْحُكْمِيُّ عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالشَّرْعِ وَهُوَ حُكْمُ الشَّرْعِ بِزَوَالِهِ مَرَّةً، وَأَمَّا الْحَقِيقِيُّ عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالْحَقِيقَةِ فَيُعْرَفُ زَوَالُهُ بِالْحَقِيقَةِ وَهَذَا بِتَكْرَارِ الْغُسْلِ. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ: وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْعَصْرِ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ وَيَعْتَبِرُ قُوَّةَ كُلِّ عَاصِرٍ حَتَّى إذَا انْقَطَعَ تَقَاطُرُهُ بِعَصْرِهِ، ثُمَّ قَطَرَ بِعَصْرِ رَجُلٍ آخَرَ
стр. 76
- ﵊ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» الْحَدِيثَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَتْ لَهُ عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِزَوَالِهِ فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الِاجْتِهَادِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ غَالِبًا إلَّا بِالتَّكْرَارِ وَالْعَصْرِ فَشَرَطَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ حَتَّى لَوْ جَرَى الْمَاءُ عَلَى ثَوْبٍ نَجَسٍ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَصْرٌ وَالْمُعْتَبَرُ ظَنُّ الْغَاسِلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ ظَنُّ الْمُسْتَعْمِلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ قَالَ ﵀ (وَبِتَثْلِيثِ الْجَفَافِ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ) أَيْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَبِالتَّجْفِيفِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِيمَا لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ كَالْخَزَفِ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ وَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ بِالنَّجَسِ؛ لِأَنَّ لِلتَّخْفِيفِ أَثَرًا فِي اسْتِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ وَتَفْسِيرُ التَّخْفِيفِ أَنْ يُخَلِّيَهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ التَّقَاطُرُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْيُبْسُ وَعَلَى هَذَا السِّكِّينُ الْمُمَوَّهَةُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ وَاللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِهِ وَالْحِنْطَةُ الْمَبْلُولَةُ بِالنَّجَسِ حَتَّى انْتَفَخَتْ تَطْهِيرُهُ بِأَنْ تَمُوهَ السِّكِّينُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَتُطْبَخَ الْحِنْطَةُ وَاللَّحْمُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَبْرُدَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَطْهُرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَبَدًا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَصِيرُ وَكُلُّ مَا لَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ وَالْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ عِنْدَنَا وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَيْتَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَمْلَحَةِ فَاسْتَحَلَّتْ حَتَّى صَارَتْ مِلْحًا وَالْعَذِرَةِ إذَا صَارَتْ تُرَابًا أَوْ أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ وَصَارَتْ رَمَادًا فَهِيَ نَظِيرُ الْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ أَوْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا لِلِاسْتِحَالَةِ وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ رَأْسَ الشَّاةِ لَوْ أُحْرِقَ حَتَّى زَالَ الدَّمُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَكَذَا الْبِلَّةُ النَّجِسَةُ فِي التَّنُّورِ تَزُولُ بِالْإِحْرَاقِ.
قَالَ ﵀ (وَسُنَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِنَحْوِ حَجَرٍ مُنَقٍّ) لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
أَوْ دُونَهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الثَّوْبُ النَّجِسُ إذَا غُسِلَ ثَلَاثًا وَعُصِرَ مَرَّةً لَا يَطْهُرُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ غُسِلَ ثَلَاثًا وَعُصِرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، ثُمَّ تَقَاطَرَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ فَأَصَابَتْ شَيْئًا إنْ عَصَرَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَبَالَغَ فِيهِ بِحَيْثُ لَوْ عَصَرَهُ لَا يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ فَالْكُلُّ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَمَا تَقَاطَرَ مِنْهُ نَجِسٌ وَمَا أَصَابَ مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَهُ اهـ.
﴿فَرْعٌ﴾ الْوِعَاءُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ الْخَمْرُ هَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ يُنْظَرُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْخَمْرُ إذَا أَصَابَتْ الْحِنْطَةَ فَغَسَلَهَا وَطَحَنَهَا وَخَبَزَهَا فَإِنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهَا إذَا كَانَ لَا يُوجَدُ مِنْهُ طَعْمٌ وَلَا رَائِحَةٌ وَإِنْ يُوجَدُ مِنْهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِذَا انْتَفَخَتْ مِنْهُ الْحِنْطَةُ فَلَا تَطْهُرُ أَبَدًا إلَّا إذَا جَعَلَهَا فِي خَلٍّ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ، وَلَوْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي دُهْنٍ أَوْ وَقَعَ فِيهِ فَأْرَةٌ فَغَسَلَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَطْهُرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى شَيْءٌ مِنْ غَسْلِهِ (قَوْلُهُ: وَالْآجُرُّ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ ﵀ الْآجُرُّ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَتَشَرَّبَتْ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْآجُرُّ قَدِيمًا مُسْتَعْمَلًا يَكْفِيهِ الْغَسْلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا يُغْسَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُجَفَّفُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ مَرَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا السِّكِّينُ الْمُمَوَّهَةُ بِالْمَاءِ النَّجَسِ) قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ مَوَّهَ الْحَدِيدَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ يُمَوِّهُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَطْهُرُ السِّكِّينُ إذَا مُوِّهَ بِمَاءٍ نَجِسٍ لَا تَجُوزُ مَعَهُ الصَّلَاةُ يَعْنِي إذَا كَانَ فَوْقَ الدِّرْهَمِ وَيَجُوزُ قَطْعُ الْبِطِّيخِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ وَلَا يُمْكِنُ إزَالَةُ ذَلِكَ الْمَاءِ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَّا بِالنَّارِ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ يُبَاحُ قَطْعُ الْبِطِّيخِ بِالسِّكِّينِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِوَاسِطَةِ قَطْعِهِ بِهِ لِتَكُونَ إضَاعَةَ الْمَالِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ السِّكِّينِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ مَا شَرِبَهُ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ وَهُوَ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْبِطِّيخِ بِمُجَرَّدِ قَطْعِهِ بِهِ. اهـ. ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ ﵀ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَالْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَطْهُرُ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي رَمَادِ السِّرْقِينِ وَالْخَشَبَةِ النَّجِسَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْعَذِرَةُ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْعَذِرَاتُ إذَا دُفِنَتْ فِي مَوْضِعٍ حَتَّى صَارَتْ تُرَابًا قِيلَ تَطْهُرُ كَالْحِمَارِ الْمَيِّتِ إذَا وَقَعَ فِي مَمْلَحَةٍ وَصَارَ مِلْحًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا غُسِلَتْ خَابِيَةَ الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَطْهُرُ إذَا لَمْ تَبْقَ رَائِحَةُ الْخَمْرِ وَإِنْ بَقِيَتْ لَا إذَا صُبَّ الْمَاءُ فِي الْخَمْرِ، ثُمَّ صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا يَطْهُرُ هُوَ الصَّحِيحُ فَأْرَةٌ وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ وَمَاتَتْ إنْ أُخْرِجَتْ، ثُمَّ تَخَلَّلَتْ صَارَتْ طَاهِرَةً وَإِنْ تَخَلَّلَتْ وَهِيَ فِيهِ إنَّهُ نَجِسٌ الْخَزَفُ الْجَدِيدُ إذَا صُبَّ فِيهِ الْخَمْرُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَطْهُرُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا يُغْسَلُ ثَلَاثًا يَطْهُرُ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُ الْخَمْرِ يُجْعَلُ فِيهِ الْخَلُّ حَتَّى لَا يَبْقَى أَثَرُهَا فَيَطْهُرُ.
(قَوْلُهُ: يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ الْحَرْقُ كَالْغَسْلِ. اهـ. وَلِوَالِجِيٍّ ﵀ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ صُبَّ الْخَمْرُ فِي قِدْرٍ فِيهِ لَحْمٌ قَبْلَ الْغَلَيَانِ يَطْهُرُ اللَّحْمُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغَلَيَانِ لَا يَطْهُرُ وَقِيلَ يُغْسَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَتَجْفِيفُهُ بِالتَّبَرُّدِ وَالْخُبْزُ الَّذِي عُجِنَ بِالْخَمْرِ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ.
[الِاسْتِنْجَاء]
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَسُنَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِنَحْوِ حَجَرٍ مُنَقٍّ) وَهُوَ مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجْوِ أَوْ غَسْلُهُ وَالنَّجْوُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السِّينُ لِلطَّلَبِ أَيْ طَلَبِ النَّجْوِ لِيُزِيلَهُ. اهـ. بَاكِيرٌ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ هُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى السَّبِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُزَالِ بِهِ حُرْمَةٌ أَوْ قِيمَةٌ كُرِهَ كَقِرْطَاسٍ وَخِرْقَةٍ وَقُطْنَةٍ وَخَلٍّ قِيلَ يُوَرِّثُ ذَلِكَ الْفَقْرَ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ إزَالَةُ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِجْمَارُ وَالِاسْتِطَابَةُ عِبَارَاتٌ عَنْ إزَالَةِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ فَسَمَّى الْكَرْخِيُّ إزَالَةَ ذَلِكَ اسْتِجْمَارًا وَهُوَ طَلَبُ الْجَمْرَةِ وَهِيَ الْحَجَرُ الصَّغِيرُ وَالطَّحَاوِيُّ سَمَّاهَا اسْتِطَابَةً وَهِيَ طَلَبُ الطِّيبِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَالْقُدُورِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ سَمَّاهَا اسْتِنْجَاءً وَهُوَ إمَّا مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ حَاجَتِهِ يَسْتَتِرُ بِنَجْوَةٍ أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْت الشَّجَرَةَ وَأَنْجَيْتهَا إذَا قَطَعْتهَا كَأَنَّهُ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ) وَلِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. اهـ. كَمَالٌ
стр. 77
- ﵊ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلِيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ التُّرَابِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ فَرْضٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْأَنْجَاسِ بِالْمَاءِ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِغَيْرِ الْمَاءِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ لِلضَّرُورَةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ بِالْمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِهِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَاءَ آلَةُ التَّطْهِيرِ وَهُوَ مُطَهِّرٌ حَقِيقَةً فَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِالْمُطَهِّرِ فَكَيْفَ يَجِبُ بِغَيْرِهِ فَصَارَ كَالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَقْعَدَةَ لَا يَجِبُ تَطْهِيرُهَا إذْ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ بِالْمَاءِ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَقَوْلُهُ بِنَحْوِ حَجَرٍ أَرَادَ بِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَا تَتَقَوَّمُ كَالْمَدَرِ وَالتُّرَابِ وَالْعُودِ وَالْخِرْقَةِ وَالْقُطْنِ وَالْجِلْدِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَقَوْلُهُ مُنَقٍّ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ سُنَّةً؛ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَكُونُ دُونَهُ سُنَّةً وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مُعْتَادًا أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ فِي الصَّحِيحِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ دَمٌ أَوْ قَيْحٌ يَطْهُرُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَذَا لَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْخَارِجِ يَطْهُرُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهِ وَصِفَةُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ أَنْ يَجْلِسَ مُعْتَمِدًا عَلَى يَسَارِهِ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يُدْبِرُ بِالْأَوَّلِ وَيُقْبِلُ بِالثَّانِي وَيُدْبِرُ بِالثَّالِثِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ هَذَا فِي الصَّيْفِ وَفِي الشِّتَاءِ يُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ وَيُدْبِرُ بِالثَّانِي وَيُقْبِلُ بِالثَّالِثِ؛ لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ مُتَدَلِّيَتَانِ فِي الصَّيْفِ فَيَخَافُ مِنْ التَّلْوِيثِ وَالْمَرْأَةُ تَفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ فِي الشِّتَاءِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّجَاسَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فِي حَقِّ الْعَرَقِ حَتَّى إذَا أَصَابَهُ الْعَرَقُ مِنْ الْمَقْعَدَةِ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَوْ قَعَدَ فِي مَاءِ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ.
قَالَ ﵀ (وَمَا سُنَّ فِيهِ عَدَدٌ) أَيْ لَيْسَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بُدَّ مِنْ التَّثْلِيثِ لِقَوْلِهِ ﵇ «وَلِيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «نَاوَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَجَرَيْنِ وَرَوْثَةً فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ إنَّهُ رِجْسٌ» وَلَوْ كَانَ التَّثْلِيثُ وَاجِبًا لَنَاوَلَهُ ثَالِثًا؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ الْإِنْقَاءُ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الزِّيَادَةِ بِالثَّلَاثِ بَعْدَ حُصُولِهِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ النَّقَاءُ بِالثَّلَاثِ يُزَادُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا لِكَوْنِهِ هُوَ الْمَقْصُودُ وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ وَاحِدٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَأَنْقَى جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَلَعَلَّ ذِكْرَ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ وَالْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ النَّقَاءُ بِهَا غَالِبًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَحَمْلُهُمْ قَوْلَهُ ﵊ «وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجٌ» عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْوِتْرِ بَعْدَ الثَّلَاثِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَصَلَ النَّقَاءُ بِالثَّلَاثِ فَالزِّيَادَةُ بِدْعَةٌ عِنْدَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَوَاجِبَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهَا وَعَلَى جَوَازِ الْإِتْيَانِ بِهَا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ حَتَّى يَجُوزَ الِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا وِتْرٌ حَقِيقَةً.
قَالَ ﵀ (وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَحَبُّ) أَيْ غَسْلُ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يُقْلِعُ النَّجَاسَةَ وَالْحَجَرُ يُخَفِّفُهَا فَكَانَ أَوْلَى وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا أَهْلَ قُبَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيْكُمْ فَمَاذَا تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْغَائِطِ فَقَالُوا نُتْبِعُ الْغَائِطَ الْأَحْجَارَ، ثُمَّ نُتْبِعُ الْأَحْجَارَ الْمَاءَ»، ثُمَّ قِيلَ هُوَ أَدَبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى وَقِيلَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ يَثْلِطُونَ ثَلْطًا وَفِي الْأَوَّلِ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثِ أَحْجَارٍ») قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي أَصَابَتْهُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالَ أَوْ أَقَلَّ سُنَّةً وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ أَدَبٌ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: بِنَحْوِ حَجَرٍ) أَرَادَ بِهِ الْأَشْيَاءَ الطَّاهِرَةَ. اهـ. بَاكِيرٌ بِمَعْنَاهُ قَالَ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ ﵀ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَيَجُوزُ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ الطَّاهِرَةِ إذْ الْمَقْصُودُ إزَالَةُ النَّجْوِ فَمَا صَلَحَ لِذَلِكَ جَازَ بِهِ اهـ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمُحْدِثُ إذَا اسْتَنْجَى فَأَصَابَ الْمَاءُ ذَيْلَهُ أَوْ كُمَّهُ إنْ أَصَابَ الْمَاءُ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّالِثَ يَتَنَجَّسُ نَجَاسَةً غَلِيظَةً وَإِنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ الرَّابِعُ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمِلِ.
(قَوْلُهُ: الَّتِي لَا تَتَقَوَّمُ) فَلَا يَسْتَنْجِي بِنَحْوِ الْيَاقُوتِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهِ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ عَنْ الْغَايَةِ عَنْ الْقُنْيَةِ قَوْلُهُ: إنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: يُدْبِرُ بِالْأَوَّلِ) الْإِدْبَارُ الذَّهَابُ إلَى جَانِبِ الدُّبُرِ وَالْإِقْبَالُ ضِدُّهُ شَرْحُ وِقَايَةٍ (قَوْلُهُ: وَيُقْبِلُ بِالثَّانِي) أَيْ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ أَبْلَغُ فِي التَّنْقِيَةِ اهـ شَرْحُ وِقَايَةٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُنْتَقَى مَنْ لَمْ يُدْخِلْ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ فَلَيْسَ بِتَنْظِيفٍ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَقِيلَ إنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَاسُورَ اهـ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ مُتَدَلِّيَتَانِ) فَلَا يُقْبِلُ احْتِرَازًا عَنْ تَلْوِيثِهِمَا، ثُمَّ يُقْبِلُ، ثُمَّ يُدْبِرُ مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ وَفِي الشِّتَاءِ غَيْرُ مُدَلَّاةٍ فَيُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ أَبْلَغُ فِي التَّنْقِيَةِ، ثُمَّ يُدْبِرُ، ثُمَّ يُقْبِلُ لِلْمُبَالَغَةِ. اهـ. بَاكِيرٌ.
(قَوْلُهُ: وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أَمْرٌ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَحَبُّ) إنْ أَمْكَنَهُ بِلَا كَشْفِ عَوْرَةٍ، وَإِلَّا يُتْرَكُ حَتَّى لَا يَصِيرَ فَاسِقًا. اهـ. بَاكِيرٌ قَالَ الْكَمَالُ وَإِنَّمَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ إذَا وَجَدَ مَكَانًا يَسْتَتِرُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ لَيْسَ فِيهِ سُتْرَةٌ لَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ قَالُوا يَفْسُقُ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْمُصَلِّينَ فِي الْمِيضَأَةِ فَضْلًا عَنْ شَاطِئِ النِّيلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ يَثْلَطُونَ ثَلْطًا) فَتَتَلَوَّثُ الْمَقْعَدَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ اهـ سَرُوجِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ فِي كِتَابِهِ زَادِ الْفَقِيرِ وَيَسْتَنْجِي بِبَطْنِ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَيَحْتَرِزُ عَنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَيُنَشِّفُ الْمَحِلَّ إنْ كَانَ صَائِمًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ كَيْ لَا يُفْسِدَ صَوْمَهُ وَإِنَّمَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ مَوْضِعَ الْمِحْقَنَةِ وَقَلَّمَا يَكُونُ اهـ
стр. 78
وَصِفَةُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى بَعْدَمَا اسْتَرْخَى كُلَّ الِاسْتِرْخَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا وَيُصَعِّدُ أُصْبُعَهُ الْوُسْطَى عَلَى سَائِرِ الْأَصَابِعِ قَلِيلًا فِي ابْتِدَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ وَيَغْسِلُ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ يُصَعِّدُ بِنْصِرَهُ وَيَغْسِلُ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ يُصَعِّدُ خِنْصَرَهُ، ثُمَّ سِبَابَتَهُ فَيَغْسِلُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ بِيَقِينٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَيُبَالِغُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا وَلَا يُقَدَّرُ بِالْعَدَدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ مَرْئِيَّةٌ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا زَوَالُ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَسْوِسًا فَيُقَدَّرُ فِي حَقِّهِ بِالثَّلَاثِ وَقِيلَ بِالسَّبْعِ وَقِيلَ يُقَدَّرُ فِي الْإِحْلِيلِ بِالثَّلَاثِ وَفِي الْمَقْعَدَةِ بِالْخَمْسِ وَقِيلَ بِالتِّسْعِ وَقِيلَ بِالْعَشْرِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِالْمَشْيِ أَوْ بِالتَّنَحْنُحِ أَوْ النَّوْمِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَلَوْ خَرَجَ دُبُرُهُ وَهُوَ صَائِمٌ فَغَسَلَهُ لَا يَقُومُ حَتَّى يُنَشِّفَهُ بِخِرْقَةٍ قَبْلَ رَدِّهِ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ وَقِيلَ تَسْتَنْجِي بِرُءُوسِ أَصَابِعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَطْهِيرِ فَرْجِهَا الْخَارِجِ وَقِيلَ يَكْفِيهَا غَسْلُهُ بِرَاحَتِهَا وَقِيلَ بِعَرْضِ أَصَابِعِهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا أَدْخَلَتْ الْأَصَابِعَ يُخْشَى عَلَيْهَا أَنْ تَجْنُبَ بِسَبَبِ مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ اللَّذَّةِ وَالْعَذْرَاءُ لَا تَسْتَنْجِي بِأَصَابِعِهَا خَوْفًا مِنْ زَوَالِ الْعُذْرَةِ.
قَالَ ﵀ (وَيَجِبُ إنْ جَاوَزَ النَّجَسُ الْمَخْرَجَ) أَيْ يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ إذَا جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ الْمَخْرَجَ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ مِنْ النَّجَاسَةِ إنَّمَا اكْتَفَى فِيهِ بِغَيْرِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمُجَاوِزِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُجَاوِزْ وَكَانَ جُنُبًا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لِوُجُوبِ غَسْلِ الْمَقْعَدَةِ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ، وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا
قَالَ ﵀ (وَيُعْتَبَر الْقَدْرُ الْمَانِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ الْمُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ مَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ مِنْ النَّجَاسَةِ حَتَّى إذَا كَانَ الْمُجَاوِزُ عَنْ الْمَخْرَجِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَمَعَ الَّذِي فِي الْمَخْرَجِ يَزِيدُ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ سَاقِطٌ لِلْعِبْرَةِ وَلِهَذَا لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ وَلَا يُضَمُّ إلَى مَا فِي جَسَدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْمُجَاوِزِ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْتَبَرُ مَعَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى إذَا كَانَ الْمَجْمُوعُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ عِنْدَهُ وَوَجَبَ غَسْلُهُ، وَكَذَا يُضَمُّ مَا فِي الْمَخْرَجِ إلَى مَا فِي جَسَدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ عِنْدَهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَخْرَجَ كَالْبَاطِنِ عِنْدَهُمَا حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ مَا فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ أَصْلًا وَعِنْدَهُ كَالْخَارِجِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَتْ مَقْعَدَتُهُ كَبِيرَةً وَكَانَ فِيهَا نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَمْ تَتَجَاوَزْ مِنْ الْمَخْرَجِ فَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَجْزِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَجْحَارِ وَعَنْ ابْنِ شُجَاعٍ يَجْزِيهِ وَمِثْلُهُ عَنْ الطَّحَاوِيِّ فَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِمَا وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِي الْأَوَّلِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُنْيَةِ أَنَّهُ إذَا أَصَابَ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْخَارِجِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ.
قَالَ ﵀ (لَا بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ وَطَعَامٍ وَيَمِينٍ) أَيْ لَا يَسْتَنْجِي بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ وَيَمِينِهِ وَقَالَ فِي الْعَظْمِ لَا تَسْتَنْجُوا بِهِ فَإِنَّهُ طَعَامُ إخْوَانِكُمْ» يَعْنِي الْجِنَّ فَطَعَامُنَا أَوْلَى أَنْ لَا يُسْتَنْجَى بِهِ؛ وَلِأَنَّ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالطَّعَامِ إضَاعَةَ الْمَالِ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ ﵊ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ الْعَظْمُ وَالرَّجِيعُ وَالرَّوْثُ وَالطَّعَامُ وَاللَّحْمُ وَالزُّجَاجُ وَالْوَرَقُ وَالْخَزَفُ وَوَرَقُ الشَّجَرِ وَالشَّعْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(كِتَابُ الصَّلَاةِ) الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الْعَالِيَةِ الدُّعَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ وَإِنَّمَا عَدَّى بِعَلَى بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْأَعْشَى
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْت مُرْتَحَلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا
وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ الْمَعْهُودَةِ وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ بَقَاءِ مَعْنَى اللُّغَةِ فَيَكُونُ تَغْيِيرًا لَا نَقْلًا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: حَتَّى يُنَشِّفَهُ بِخِرْقَةٍ قَبْلَ رَدِّهِ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَسَى يَدْخُلُ الْمَاءُ جَوْفَهُ الْمُسْتَنْجِي لَا يَتَنَفَّسُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إذَا كَانَ صَائِمًا لِهَذَا. اهـ. وَلِوَالِجِيٍّ (قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي صِفَةِ الِاسْتِنْجَاءِ.
(قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: وَأَمَّا حُكْمُهُ فَقِيلَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ فِي وَجْهَيْنِ فَرْضٌ فِي الْغُسْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ وَفِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَفِي قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَاجِبٌ وَفِيمَا دُونَهُ سُنَّةٌ وَفِيمَا لَمْ يُجَاوِزْ الْمَخْرَجَ وَالْإِحْلِيلَ يُسْتَحَبُّ وَفِي الْبَعْرِ أَدَبٌ وَفِي الرِّيحِ بِدْعَةٌ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الشَّيْخُ بَاكِيرٌ ﵀ وَلَا يَسْتَنْجِي بِالْخِرْقَةِ وَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ الْفَقْرَ بِالْحَدِيثِ وَمَقْطُوعُ الْيُسْرَى يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ إنْ قَدَرَ وَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ يَمْسَحُ ذِرَاعَيْهِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَيُصَلِّي وَلَا يَمَسُّ فَرْجَهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْأَوَّلِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ مَقْعَدَتُهُ صَغِيرَةً.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ. اهـ. .
[الِاسْتِنْجَاء بِالْعَظْمِ والروث]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: لَا بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ)؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ. اهـ. وَلِوَالِجِيٍّ. (قَوْلُهُ: وَطَعَامٍ وَيَمِينٍ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ. اهـ. .
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
(قَوْلُهُ: الْعَالِيَةِ) أَيْ الْمَشْهُورَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْأَعْشَى) وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَبِيدٌ بَدَلُ الْأَعْشَى قَالَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ هَذَا رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ وَقَدْ قَرُبَ مُرْتَحَلُهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ رَاحِلَتُهُ وَهِيَ مَرْكَبُهُ الَّتِي يَضَعُ عَلَيْهَا رَحْلَهُ وَيَرْكَبُهُ فَدَعَتْ ابْنَتُهُ لَهُ وَالْمُضْطَجَعُ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَوْضِعُ الِاضْطِجَاعِ وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا دَعَتْ لَهُ عِنْدَ حُضُورِ وَفَاتِهِ بِالْعَافِيَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَرُبْت مُرْتَحَلًا الِارْتِحَالُ إلَى الْقَبْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: صَلَّيْت) أَيْ دَعَوْت لِأَبِيك اهـ.
(قَوْلُهُ: فَاغْتَمِضِي) أَيْ أَغْمِضِي عَيْنَك لِأَجْلِ النَّوْمِ.
стр. 79
عَلَى مَا قَالُوا وَقَالَ فِي الْغَايَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ لِوُجُودِهَا بِدُونِهِ فِي الْأُمِّيِّ.
قَالَ ﵀ (وَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ الصُّبْحِ الصَّادِقِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا أَوْ كَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك» وَسُمِّيَ الْفَجْرُ الثَّانِي صَادِقًا؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَنْ الصُّبْحِ وَبَيَّنَهُ وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ كَاذِبًا؛ لِأَنَّهُ يُضِيءُ، ثُمَّ يَسْوَدُّ وَيَذْهَبُ النُّورُ وَيَعْقُبُهُ الظَّلَامُ فَكَأَنَّهُ كَاذِبٌ قَالَ ﵊ «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ إنَّمَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ» أَيْ الْمُنْتَشِرُ فِيهِ وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ الصُّبْحُ الصَّادِقُ وَآخِرَهُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ.
قَالَ ﵀ (وَالظُّهْرُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ سِوَى الْفَيْءِ) أَمَّا أَوَّلُهُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْ لِزَوَالِهَا وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَقَالَا آخِرَهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ وَالْمُفِيدِ وَالتُّحْفَةِ والإسبيجابي وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ جَعَلَ رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَجَعَلَ الْمِثْلَيْنِ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ وَجَعَلَ الْمُهْمَلَ رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْهُ وَهَذَا لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَحَدِهِمْ عَنْهُ لَا تَنْفِي رِوَايَةَ غَيْرِهِ عَنْهُ لَهُمَا إمَامَةُ جِبْرِيلَ ﵊ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ بِالنَّبِيِّ ﵊ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ الظُّهْرُ بَاقِيًا لَمَا صَلَّى فِيهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ بِمَعْنَاهُ وَأَشَدُّ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ. وَقَوْلُهُ ﵊ «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ فَأَنْتُمْ هُمْ فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ عَطَاءً» الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمِنْ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مِثْلَ بَقِيَّةِ النَّهَارِ إلَى الْغُرُوبِ فَلَمْ تَكُنْ النَّصَارَى أَكْثَرَ عَمَلًا عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَقْتُ أَطْوَلَ وَلَا يُقَالُ مِنْ وَقْتِ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ وَمِنْ وَقْتِ الْمِثْلِ إلَى الْغُرُوبِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ فَقَدْ وُجِدَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ لِطُولِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا الْقَدْرُ الْيَسِيرُ مِنْ الْوَقْتِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْحِسَابُ وَمُرَادُهُ ﵊ تَفَاوُتٌ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَا رَوَيَاهُ مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ مَوَاقِيت الصَّلَاة]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ الصُّبْحِ الصَّادِقِ) ابْتَدَأَ بِبَيَانِ وَقْتِ الْفَجْرِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِبَيَانِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ أَمَّ فِيهَا جِبْرِيلُ ﵇ إلَّا أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ وَقْتُ مَا اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ فِي صِحَّةِ إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ لِلْمُفْتَرِضِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ كَانَ مُتَنَفِّلًا مُعَلِّمًا وَالنَّبِيُّ ﷺ مُفْتَرِضٌ قُلْنَا هَذِهِ دَعْوَى فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّهُ كَانَ مُتَنَفِّلًا أَوْ مُفْتَرِضًا أَمَّا كَوْنُهُ مُعَلِّمًا فَبَيِّنٌ وَإِنْ قَالُوا لَا تَكْلِيفَ عَلَى مَلَكِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قُلْنَا هَذَا لَا يُعْلَمُ عَقْلًا وَإِنَّمَا عُلِمَ بِالشَّرْعِ وَجِبْرِيلُ مَأْمُورٌ بِالْإِمَامَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُؤْمَرْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ فَكَمَا خُصَّ بِالْإِمَامَةِ جَازَ أَنْ يُخَصَّ بِالْفَرِيضَةِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ كَاذِبًا) وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُهُ بِذَنَبِ السَّرْحَانِ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا طُولُهُ وَالثَّانِي أَنَّ ضَوْءَهُ يَكُونُ فِي الْأَعْلَى دُونَ الْأَسْفَلِ كَمَا أَنَّ الذِّئْبَ يَكْثُرُ شَعْرُ ذَنَبِهِ فِي أَعْلَاهُ لَا فِي أَسْفَلِهِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إلَى آخِرِهِ) فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك وَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ وَقْتًا لِتِلْكَ الْفَرِيضَةِ قُلْنَا وُجِدَ الْبَيَانُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ ﵇ صَلَّى فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَإِنْ أَوَّلَ وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَآخِرَهُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ» وَفِيهِ بَيَانٌ فِي حَقِّهِمَا؛ وَلِأَنَّ إمَامَةَ جِبْرِيلَ ﵇ لَمْ تَكُنْ لِنَفْيِ مَا وَرَاءَ وَقْتِ الْإِمَامَةِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ أَمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهَذَا جَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ احْتِجَاجِهِمَا بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ أَوْ نَقُولُ هَذَا بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ إذْ الْأَدَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مِمَّا يَتَعَسَّرُ عَلَى النَّائِمِينَ فَيُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ وَفِي التَّأْخِيرِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ فَكَانَ الْمُسْتَحَبُّ مَا بَيْنَهُمَا مَعَ قَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا». اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالظُّهْرِ) أَيْ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْفَجْرِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: مِثْلَيْهِ) وَانْتِصَابُهُ بِالْمَصْدَرِ الْمُضَافِ إلَى فَاعِلِهِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ) أَيْ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ كَوْنِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) فَيْحُ جَهَنَّمَ شِدَّةُ حَرِّهَا. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَأَشَدُّ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ) يَعْنِي إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.
(قَوْلُهُ: إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ) إنَّمَا كَانَ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ قِيرَاطَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ زَمَنُ إقَامَةِ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقَالُ) أَيْ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ
стр. 80
صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ ﵉ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَلَا يُقَالُ بِتَدَاخُلِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِيهِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَتَدَاخَلُ وَقْتَا صَلَاةٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى»، ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ مَا دَامَ الْقُرْصُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ فَإِنْ انْحَطَّ يَسِيرًا فَقَدْ زَالَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقُومُ الرَّجُلُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ عَنْ يَسَارِهِ فَهُوَ الزَّوَالُ وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْخَبَّازِيُّ وَهُوَ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ فَمَا دَامَ ظِلُّ الْعُودِ عَلَى النُّقْصَانِ فَهِيَ عَلَى الصُّعُودِ لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ فَإِذَا وَقَفَ وَلَمْ يَنْقُصْ وَلَمْ يَزِدْ فَهُوَ قِيَامُ الظَّهِيرَةِ فَإِذَا أَخَذَ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ زَالَتْ الشَّمْسُ فَخَطَّ عَلَى رَأْسِ مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ خَطًّا فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ إلَى الْعُودِ فِي الزَّوَالِ فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْعُودِ مِثْلَيْ الْعُودِ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ لَا مِنْ مَوْضِعِ غَرْزِ الْعُودِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَبْسُوطِ قَالَ فَيْءُ الزَّوَالِ هُوَ الظِّلُّ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الظِّلَّ لَا يُسَمَّى فَيْئًا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَوْلُهُ سِوَى الْفَيْءِ أَيْ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ عَنْ الْإِضَافَةِ.
قَالَ ﵀ (وَالْعَصْرُ مِنْهُ إلَى الْغُرُوبِ) أَيْ وَقْتُ الْعَصْرِ مِنْ وَقْتِ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَمَّا أَوَّلُهُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ خَرَجَ وَقْتُ الْعَصْرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَيْنَا.
قَالَ ﵀ (وَالْمَغْرِبُ مِنْهُ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ) أَيْ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مِنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَعَنْ أَبِي مُوسَى «أَنَّهُ ﵊ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَقْدِيرِهِ فِي الْجَدِيدِ بِمُضِيِّ قَدْرِ وَضُوءِ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ وَلَا يُعَارِضُهُ إمَامَةُ جِبْرِيلَ ﵇ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ بَدَأَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَذْكُرْ وَقْتَ الْفَرَاغِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرَاغُ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَيَكُونُ قَوْلُ جِبْرِيلَ ﵇ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك إشَارَةً إلَى ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَإِلَى انْتِهَائِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى «أَنَّهُ ﵊ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي يَوْمَيْنِ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِهِ أَنَّهُ ﵊ دَعَا السَّائِلَ، ثُمَّ قَالَ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ مَنْسُوخًا بِمَا رَوَيْنَا؛ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ ﵇ مُتَقَدِّمٌ أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ احْتِرَازًا عَنْ الْكَرَاهِيَةِ قَالَ ﵀ (وَهُوَ الْبَيَاضُ) أَيْ الشَّفَقُ هُوَ الْبَيَاضُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَنَسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَائِشَةَ وَرِوَايَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ الْمُبَرِّدُ وَثَعْلَبٌ اللُّغَوِيَّانِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَفَاهَمُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ وَالْأَزْهَرِيِّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً إلَى آخِرِهِ) هَذَا التَّفْسِيرُ عَزَاهُ فِي الْغَايَةِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ قَالَ الرَّازِيّ وَالزَّوَالُ ظُهُورُ زِيَادَةِ الظِّلِّ لِكُلِّ شَخْصٍ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ. اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ ظِلًّا وَقْتَ الزَّوَالِ إلَّا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ فَإِنَّ الشَّمْسَ فِيهَا تَأْخُذُ الْحِيطَانَ الْأَرْبَعَةَ. اهـ. كَاكِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) أَيْ فِي تَفْسِيرِ الْفَيْءِ بِالظِّلِّ. (قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى فَيْئًا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ) لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ أَيْ رَجَعَ وَالْفَيْءُ الرُّجُوعُ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْعَصْرُ) ذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَالشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ الأخلاطي فِي شَرْحِ كِتَابِ مُسْلِمٍ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ كَشْفِ الْمُغَطَّى فِيهَا سَبْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا وَسُمِّيَتْ الْعَصْرُ الْوُسْطَى؛ لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ وَصَلَاتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ اهـ سَرُوجِيٌّ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) أَيْ لَوْ كَانَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مُمْتَدًّا كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَأَمَّ جِبْرِيلُ بِهِ ﷺ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَفِي آخِرِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَيَانًا لِأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَمَّا صَلَّى بِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ فَيَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ قُلْنَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلٌ فَيَقْدَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ فَقَطْ أَيْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الْيَوْمَيْنِ كَانَ وَاحِدًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اتِّحَادُ آخِرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: الشَّفَقُ هُوَ الْبَيَاضُ) أَيْ الْبَاقِي فِي الْأُفُقِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْحُمْرَةِ. اهـ. بَاكِيرٌ (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَعِنْدَ زُفَرَ أَيْضًا. اهـ. ع (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ) وَبِهِ قَالَ الثَّلَاثَةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى. اهـ. عَيْنِيٌّ ﵀ -
стр. 81
وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ الْفَرَّاءُ تَقُولُ الْعَرَبُ عَلَى فُلَانٍ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأَنَّهُ الشَّفَقُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا اسْوَدَّ الْأُفُقُ»؛ وَلِأَنَّ الشَّفَقَ مِنْ الرِّقَّةِ وَمِنْهُ شَفَقَةُ الْقَلْبِ وَهِيَ رِقَّتُهُ وَيُقَالُ ثَوْبٌ شَفِيقٌ إذَا كَانَ رَقِيقًا وَهُوَ بِالْبَيَاضِ أَلْيَقُ؛ لِأَنَّهُ أَرَقُّ مِنْ الْحُمْرَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﵊ بِقَوْلِهِ «وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» إذْ النُّورُ يُطْلَقُ عَلَى الْبَيَاضِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ الْعِشَاءَ تَقَعُ بِمَحْضِ اللَّيْلِ فَلَا تَدْخُلُ مَا دَامَ الْبَيَاضُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَثَرِ النَّهَارِ وَلِهَذَا يَخْرُجُ بِطُلُوعِ الْبَيَاضِ الْمُعْتَرِضِ مِنْ الْفَجْرِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَكَذَا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فَلَا تَخْرُجُ الْمَغْرِبُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لَا تَدْخُلُ الْعِشَاءُ بِالشَّكِّ وَمَا رُوِيَ عَنْ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ رَاعَيْت الْبَيَاضَ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةً فَمَا ذَهَبَ إلَّا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَاضِ الْجَوِّ وَذَلِكَ يَغِيبُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَأَمَّا بَيَاضُ الشَّفَقِ وَهُوَ رَقِيقُ الْحُمْرَةِ فَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا إلَّا قَلِيلًا قَدْرَ مَا يَتَأَخَّرُ طُلُوعُ الْحُمْرَةِ عَنْ الْبَيَاضِ فِي الْفَجْرِ.
قَالَ ﵀ (وَالْعِشَاءُ وَالْوِتْرُ مِنْهُ إلَى الصُّبْحِ) أَيْ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ مِنْ غُرُوبِ الشَّفَقِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ أَمَّا أَوَّلُهُ فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَدْخُلُ بِمَغِيبِ الشَّفَقِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الشَّفَقِ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَلِإِجْمَاعِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَبْقَى إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ إذَا طَهُرَتْ بِاللَّيْلِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْلَا أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقْتَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَاحِدًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَمَا صَلَّى الْعِشَاءَ وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا سُنَّةٌ عَلَى مَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ.
قَالَ ﵀ (وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْعِشَاءِ لِلتَّرْتِيبِ) أَيْ لَا يُقَدَّمُ الْوِتْرُ عَلَى الْعِشَاءِ لِأَجْلِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ لَا لِأَنَّ وَقْتَ الْوِتْرِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى لَوْ نَسِيَ الْعِشَاءَ وَصَلَّى الْوِتْرَ جَازَ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَهُ فَصَارَا كَفَرْضَيْنِ اجْتَمَعَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَالْقَضَاءَيْنِ أَوْ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةُ الْعِشَاءِ فَيَكُونُ تَبَعًا لَهَا فَلَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا قَبْلَ أَدَاءِ الْعِشَاءِ لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهَا لَا لِلتَّرْتِيبِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ نَاسِيًا أَوْ صَلَّاهُمَا وَظَهَرَ فَسَادُ الْعِشَاءِ دُونَ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْوِتْرُ وَيُعِيدُ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِمِثْلِ هَذَا الْعُذْرِ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ حَتَّى لَا تَجُوزَ صَلَاةُ الْفَجْرِ مَا لَمْ يُصَلِّ الْوِتْرَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُمَا لَمْ يَجِبَا) أَيْ مَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ بِأَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فِيهِ كَمَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ لَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ لِعَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ الشَّيْخَ بُرْهَانَ الدِّينِ الْكَبِيرَ أَفْتَى بِأَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ أَنَّهُ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ فِي الصَّحِيحِ لِفَقْدِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِدُونِ السَّبَبِ لَا يُعْقَلُ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْقَضَاءَ يَكُونُ أَدَاءَ ضَرُورَةٍ وَهُوَ فَرْضُ الْوَقْتِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يَخْرُجُ) أَيْ لِكَوْنِهِ مِنْ أَثَرِ النَّهَارِ.
(قَوْلُهُ: فَلِإِجْمَاعِ السَّلَفِ إلَى آخِرِهِ) وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «وَأَخَّرَ وَقْتَ الْعِشَاءِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ». اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْعِشَاءِ لِلتَّرْتِيبِ) الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً إلَى صَلَاتِكُمْ أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فِيهِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ ﵀ وَيُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ بُلْغَارَ لَا يَجِدُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَقْتَ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإِنَّ الشَّمْسَ كَمَا تَغْرُبُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ يَظْهَرُ الْفَجْرُ مِنْ الْمَشْرِقِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَفْتَى بِأَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى آخِرِهِ) وَرُدَّتْ هَذِهِ الْفَتْوَى مِنْ بُلْغَارَ عَلَى شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ فَأَفْتَى بِقَضَاءِ الْعِشَاءِ ثَمَّ وَرَدَتْ بِخُوَارِزْمَ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ سَيْفِ السُّنَّةِ الْبَقَّالِيِّ فَأَفْتَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَبَلَغَ جَوَابُهُ الْحَلْوَانِيَّ فَأَرْسَلَ مَنْ يَسْأَلُهُ فِي عَامَّتِهِ بِجَامِعِ خُوَارِزْمَ مَا تَقُولُ فِيمَنْ أَسْقَطَ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَاحِدَةً هَلْ يَكْفُرُ فَأَحَسَّ بِهِ الشَّيْخُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ قُطِعَ يَدَاهُ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ رِجْلَاهُ مِنْ الْكَعْبَيْنِ كَمْ فَرَائِضُ وُضُوئِهِ؟ قَالَ: ثَلَاثٌ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الرَّابِعِ قَالَ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ الْخَامِسَةُ فَبَلَغَ الْحَلْوَانِيُّ جَوَابُهُ فَاسْتَحْسَنَهُ وَوَافَقَهُ فِيهِ. اهـ. مُجْتَبَى قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا يَرْتَابُ مُتَأَمِّلٌ فِي ثُبُوتِ الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَبَيْنَ سَبَبِهِ الْجَعْلِيِّ الَّذِي جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى الْوُجُوبِ الْخَفِيِّ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَجَوَازِ تَعَدُّدِ الْمُعَرَّفَاتِ لِلشَّيْءِ فَانْتِفَاءُ الْوَقْتِ انْتِفَاءٌ لِلْمُعَرَّفِ وَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءً لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ مَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الْإِسْرَاءِ مِنْ فَرْضِ اللَّهِ الصَّلَاةَ خَمْسًا بَعْدَمَا أُمِرُوا أَوَّلًا بِخَمْسِينَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى الْخَمْسِ شَرْعًا عَامًّا لِأَهْلِ الْآفَاقِ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ قُطْرٍ وَقُطْرٍ وَمَا رُوِيَ «ذَكَرَ الدَّجَّالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا مَا لُبْثُهُ فِي الْأَرْضِ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا كَسَنَةٍ وَيَوْمٍ كَشَهْرٍ وَيَوْمٍ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَيَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ لَا أَقْدِرُوا لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَدْ أَوْجَبَ فِيهِ ثَلَثَمِائَةِ عَصْرٍ قَبْلَ صَيْرُورَةِ الظِّلِّ مِثْلًا أَوْ مِثْلَيْنِ وَقِسْ عَلَيْهِ فَاسْتَفَدْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ خَمْسٌ عَلَى الْعُمُومِ غَيْرَ أَنَّ تَوْزِيعَهَا عَلَى تِلْكَ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ وُجُودِهَا فَلَا يَسْقُطُ بِعَدَمِهَا الْوُجُوبُ، وَكَذَا قَالَ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ» وَمَنْ أَفْتَى بِوُجُوبِ الْعِشَاءِ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ الْوِتْرُ اهـ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ أَدَاءَ ضَرُورَةٍ) أَيْ لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ اهـ
стр. 82
إذْ لَا يَبْقَى وَقْتُ الْعِشَاءِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إجْمَاعًا وَقَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُمَا لَمْ يَجِبَا أَيْ لَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ فَحَذَفَ الْعَائِدَ عَلَى مَنْ وَهُوَ لَا يَسُوغُ حَذْفُهُ فِي مِثْلِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْ مَوْصُولَةً أَوْ شَرْطِيَّةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً فَلِأَنَّهَا مُبْتَدَأٌ أَوْ مَا بَعْدَهَا صِلَتُهَا وَلَمْ يَجِبَا خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرُ مَتَى كَانَ جُمْلَةً لَا بُدَّ مِنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمُبْتَدَإِ وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلَّا إذَا كَانَ مَنْصُوبًا فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ
وَخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتُنَا
أَيْ يَحْمَدُهُ أَوْ كَانَ مَجْرُورًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤَدِّي إلَى تَهْيِئَةِ الْعَامِلِ لِلْعَمَلِ وَقَطْعِهِ عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ أَيْ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا أَدَّى فَلَا يَسُوغُ حَذْفُهُ لَا يُقَالُ زَيْدٌ مَرَرْت وَهَذَا مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ شَرْطِيَّةً فَلِأَنَّ اسْمَ الشَّرْطِ أَوْ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ لَا بُدَّ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ جَوَابًا لَهُ مِنْ ضَمِيرٍ عَائِدٍ عَلَيْهِ فَتَقُولُ مَنْ يَقُمْ أَقُمْ مَعَهُ وَغُلَامُ مَنْ تُكْرِمُ أُكْرِمُهُ وَلَا يَجُوزُ مَنْ يَقُمْ أَقُمْ وَلَا غُلَامُ مَنْ تُكْرِمُ أُكْرِمُ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ ﵀ (وَنُدِبَ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ وَلَا يُؤَخِّرُهَا بِحَيْثُ يَقَعُ الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ بَلْ يُسْفِرُ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ صَلَاتِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ وَقِيلَ يُؤَخِّرُهَا جِدًّا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مَوْهُومٌ فَلَا يُتْرَكُ الْمُسْتَحَبُّ لِأَجْلِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْأَفْضَلُ التَّعْجِيلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ لَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ وَوَسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ»، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْمَغْرِبِ بِجَمْعٍ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا بِغَلَسٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي دَاوُد بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُصَلِّي بِنَا الْفَجْرَ وَنَحْنُ نَتَرَاءَى الشَّمْسَ مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ قَدْ طَلَعَتْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَذَكَرَهُ فِي الْإِلْمَامِ؛ وَلِأَنَّ فِي الْإِسْفَارِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ وَتَوْسِيعَ الْحَالِ عَلَى النَّائِمِ وَالضَّعِيفِ فِي إدْرَاكِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَلَسِ فِيهِ غَلَسُ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ ﵊ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصَابِيحُ وَقْتَ الصُّبْحِ أَلَا تَرَى إلَى مَا يُرْوَى مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَصَابِيحُ لَعُرِفَ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ وَالْغَلَسُ فِي الْأَبْنِيَةِ يَسْتَمِرُّ إلَى وَقْتِ الْإِسْفَارِ جِدًّا يُقَالُ هَذَا بَيْتٌ غَلَسٌ بِالنَّهَارِ فَمَا ظَنُّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَلَفَّعَتْ بِمُرُوطِهَا لَا تُعْرَفُ فِي النَّهَارِ فَمَا ظَنُّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعَدَمُ مَعْرِفَتِهِنَّ وَبَقَاءُ الْغَلَسِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﵊ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ غَلَسُ الْمَسْجِدِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ «وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا بِغَلَسٍ» وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ غَلَسِ الْمَسْجِدِ لَوَقَعَ التَّنَاقُضُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ؛ وَلِأَنَّ مَا رَوَاهُ فِعْلٌ وَمَا رَوَيْنَاهُ قَوْلٌ وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إعْلَامًا لِلْجَوَازِ فَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ الثَّانِي لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْرَاهِيمَ بْنَ زَكَرِيَّا وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ وَلَئِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] أَيْ الْفَضْلَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ أَلْيَقُ هُنَا مِنْ مَعْنَى التَّجَاوُزِ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يُبَاحُ وَفِي الْفَضْلِ رِضْوَانٌ فَلَا تَنَافِي وَحَمْلُهُمْ الْإِسْفَارَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَلَى بَيَانِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَظُهُورِهِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْجَوَازَ مَعَ زِيَادَةِ الْأَجْرِ بِالْإِسْفَارِ وَلَا يُقَالُ بِأَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى نِيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَيَكُونُ أَجْرُ الْإِسْفَارِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّهُ ﵊ رَتَّبَ الْأَجْرَ عَلَى الصَّلَاةِ لَا عَلَى النِّيَّةِ فَيَكُونُ أَجْرُ الْإِسْفَارِ أَفْضَلَ مَعَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَهْيِئَةِ الْعَامِلِ لِلْعَمَلِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَجْرُورِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْهُ) أَيْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مِنْهُ.
[الْأَوْقَات الَّتِي يُسْتَحَبّ فِيهَا الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ: أَيْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ صَيْفًا أَوْ شِتَاءً. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ: يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَهَا) أَيْ وَيُعِيدَ الْوُضُوءَ. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ: أَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ أَيْ أَنَّهُ (قَوْلُهُ: مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ) تَلَفَّعَتْ الْمَرْأَةُ بِالثَّوْبِ تَسَتَّرَتْ بِهِ وَالْمِرْطُ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ ﵊ «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانٌ» إلَخْ) وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى أَحَبُّ مِنْ عَفْوِهِ وَسَبَبُ الْأَحَبِّ أَفْضَلُ اهـ.
(قَوْلُهُ: عَفْوُ اللَّهِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ الرِّضْوَانُ لِلْمُحِبِّينَ وَالْعَفْوُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُقَصِّرِينَ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ إلَى آخِرِهِ») وَالْوُجُوبُ لَيْسَ بِمُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ اهـ رَازِيٌّ وَأَسْفَرَ الْفَجْرُ أَضَاءَ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ اُدْخُلُوا صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا صَلَاتَيْنِ إلَى آخِرِهِ) الْمَغْرِبُ وَالْفَجْرُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَاتٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ مِيقَاتِهَا) وَمَعْنَاهُ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ فِعْلُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَا عِنْدَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِهِ وَلَا حَالَ طُلُوعِهِ إجْمَاعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً لَهُ ﵊ بَلْ الْمُعْتَادُ تَأْخِيرَ الصُّبْحِ وَأَنَّهُ عَجَّلَ بِهَا يَوْمَئِذٍ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الْغَلَسُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ يَدُلُّ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ مَعَ الْغَلَسِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الصَّلَاةِ مَعَ الْغَلَسِ إلَّا يَوْمًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحَمْلُهُمْ الْإِسْفَارَ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ وَآخِرُ الْوَقْتِ عَفْوُ اللَّهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: مَعَ زِيَادَةِ الْأَجْرِ بِالْإِسْفَارِ) قَدْ يُقَالُ زِيَادَةُ الْأَجْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. اهـ. .
стр. 83
اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجَوَازِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ فَإِنَّهُ ﵊ قَالَ ذَلِكَ لِتَعْظِيمِ أَجْرِهِ لَا لِتَجْوِيزِ صَلَاتِهِ.
قَالَ ﵀ (وَظُهْرُ الصَّيْفِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلْإِبْرَادِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ أَنْ يَكُونَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَأَنْ يَكُونَ فِي بِلَادٍ حَارَّةٍ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ وَأَنْ يَقْصِدَهَا النَّاسُ مِنْ بَعِيدٍ، وَإِلَّا فَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ خَبَّابُ أَنَّهُ قَالَ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْنَا لَهُ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يَشْكُنَا أَيْ فَلَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ ﵊ أَبْرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ أَبْرِدْ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ فَقَالَ ﵊ أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَإِذَا اشْتَدَّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» لَمْ يَفْصِلْ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ نَسْخَهُ وَهُوَ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ حَرَّ الرَّمْضَاءِ لَا يَزُولُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ وَقْتُ الظُّهْرِ بَلْ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْذُرْهُمْ أَوْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ لَمْ يَشْكُنَا بِمَعْنَى أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُحْوِجْنَا إلَى الشَّكْوَى بَلْ أَمَرَنَا بِالْإِبْرَادِ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.
قَالَ ﵀ (وَالْعَصْرُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ) أَيْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَعَنْ أَنَسٍ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا وَنُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا قَالَ نَعَمْ فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قُطِعَتْ، ثُمَّ طَبَخَ مِنْهَا، ثُمَّ أَكَلْنَا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِثْلَهُ وَقَدْ اشْتَهَرَتْ الْأَخْبَارُ عَنْهُ ﵊ وَعَنْ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ؛ وَلِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ تَوْسِعَةً لِوَقْتِ النَّوَافِلِ فَيَكُونُ فِيهِ تَكْثِيرُهَا فَيُنْدَبُ وَفِي التَّعْجِيلِ قَطْعُهَا لِكَرَاهِيَةِ النَّفْلِ بَعْدَهَا فَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ وَغَيْرَهُ قَالَ أَدْنَى الْعَوَالِي مِيلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَيُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ وَيَأْتِي الْعَوَالِي وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ كَذَا فِي الْغَايَةِ، وَكَذَا لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يَقُلْ قَالَ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ أَنَّهُ ﵊ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِعُذْرٍ أَوْ لِيُعْلِمَ أَنَّ التَّقْدِيمَ جَائِزٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ التَّغْيِيرِ قِيلَ هُوَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الشُّعَاعُ عَلَى الْحِيطَانِ وَقِيلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ بِصُفْرَةٍ أَوْ حُمْرَةٍ، وَقِيلَ إذَا بَقِيَ مِقْدَارُ رُمْحٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ وَدُونَهُ قَدْ تَغَيَّرَتْ وَقِيلَ يُوضَعُ طَسْتٌ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ فَإِنْ ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ عَلَى جَوَانِبِهِ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي جَوْفِهِ لَمْ تَتَغَيَّرْ وَقِيلَ إنْ كَانَ يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَى الْقُرْصِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ، وَإِلَّا فَلَا وَالصَّحِيحُ أَنْ يَصِيرَ الْقُرْصُ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ.
قَالَ ﵀ (وَالْعِشَاءُ إلَى الثُّلُثِ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ التَّأْخِيرَ إلَيْهِ مُسْتَحَبٌّ وَفِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ أَنَا أُعْلِمُ النَّاسَ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ «صَلَاةُ الْعِشَاءِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا حِينَ يَسْقُطُ الْقَمَرُ لِثَالِثَةٍ»؛ وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهَا تَعْرِيضَهَا لِلْفَوَاتِ فَيُكْرَهُ وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَامَ النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا الْعِشَاءَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ ﵊ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﵊ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَنَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي».
وَجْهُ مَا ذَكَرُوهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ إلَى آخِرِهِ) وَفِي الْمُفِيدِ وَالْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ تَأْخِيرُ وَقْتِ الظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ. اهـ. سَرُوجِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ) أَيْ يُقِيمَ إذْ الْإِقَامَةُ تُسَمَّى أَذَانًا.
(قَوْلُهُ: فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ اُدْخُلُوا صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي سَاعَةِ الْبَرْدِ اهـ. .
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ) وَالتَّأْخِيرُ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ. اهـ. هِدَايَةٌ وَفِي الْقُنْيَةِ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ اهـ. قَوْلُهُ: وَالتَّأْخِيرُ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ أَيْ دُونَ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَا يَسْتَقِيمُ الْكَرَاهَةُ لِلشَّيْءِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا تُحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ) أَيْ ذَهَبَ ضَوْءُهَا فَلَا يَتَحَيَّرُ فِيهِ الْبَصَرُ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ عَنْ الْمُغْرِبِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ الشَّعْبِيِّ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ أَخَذْنَا بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ اعْتِبَارُ تَغَيُّرِ الْقُرْصِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي النَّوَادِرِ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الضَّوْءِ يَحْصُلُ بَعْدَ الزَّوَالِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: مُسْتَحَبٌّ وَفِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ إلَى آخِرِهِ) قَالَ ابْنُ فِرِشْتَا ﵀ وَالتَّوْفِيقُ بِأَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ إلَى الثُّلُثِ مُسْتَحَبًّا فِي الشِّتَاءِ وَإِلَى مَا قَبْلَهُ فِي الصَّيْفِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ فِيهِ اهـ
стр. 84
هُنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ قَوْلُ عَائِشَةَ «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ وَرَدَ فِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ وَلَوْ أَوْرَدْنَاهَا لَطَالَ الْكِتَابُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ كَانَ يُصَلِّيهَا حِينَ يَسْقُطُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الثَّالِثِ وَهُوَ لَيْسَ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَوْلُهُ فِي تَأْخِيرِهَا تَعْرِيضُهَا لِلْفَوَاتِ قُلْنَا الْأَصْلُ عَدَمُ الْعَارِضِ وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَمِنَ الْفَوَاتَ؛ وَلِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ قَطْعَ السَّمَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تُؤَخَّرَ الْعِشَاءُ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا» وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِنَّمَا كَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى سَهَرٍ يَفُوتُ بِهِ الصُّبْحُ أَوْ لِئَلَّا يَقَعَ فِي كَلَامِهِ لَغْوٌ فَلَا يَنْبَغِي خَتْمُ الْيَقَظَةِ بِهِ أَوْ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ قِيَامُ اللَّيْلِ لِمَنْ لَهُ بِهِ عَادَةٌ وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَدِيثُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ مُهِمَّةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرُ وَحِكَايَةُ الصَّالِحِينَ وَمُذَاكَرَةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثُ مَعَ الضَّيْفِ وَعَنْ عُمَرَ «كَانَ ﵊ يَسْمَرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنَّمَا كَرِهَ النَّوْمَ قَبْلَهَا لِمَنْ خَشَى عَلَيْهِ فَوْتَ وَقْتِهَا أَوْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ وَكَّلَ لِنَفْسِهِ مَنْ يُوقِظُهُ فِي وَقْتِهَا فَمُبَاحٌ لَهُ النَّوْمُ، ثُمَّ قِيلَ تَأْخِيرُهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ وَإِلَى مَا بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ وَقِيلَ تَأْخِيرُهَا إلَى مَا بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْعِشَاءِ فِي الصَّيْفِ لِقِصَرِ اللَّيَالِي فَيَغْلِبُ عَلَيْهِمْ النَّوْمُ فَيُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ ﵀ (وَالْوِتْرُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ لِمَنْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاهِ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُ الْوِتْرِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ إذَا كَانَ يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَنْتَبِهُ لِيُصَلِّيَ لِيَكُونَ الْوِتْرُ خَتْمًا لِقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِانْتِبَاهِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لِيَرْقُدْ وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ «وَقَالَ ﵊ لِأَبِي بَكْرٍ: مَتَى تُوتِرُ؟ قَالَ: أَوَّلَ اللَّيْلِ بَعْدَ الْعَتَمَةِ؛ فَقَالَ أَخَذْت بِالْوُثْقَى، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ: مَتَى تُوتِرُ؟ قَالَ: آخِرَ اللَّيْلِ، قَالَ أَخَذْت بِالْقُوَّةِ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ حَذِرٌ هَذَا وَلِعُمَرَ قَوِيٌّ هَذَا.
قَالَ ﵀ (وَتَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الظُّهْرِ فِي الشِّتَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَمَا نَدْرِي أَمَا ذَهَبَ مِنْ النَّهَارِ أَكْثَرُ أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﵊ إذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ» وَإِنَّمَا أَخَّرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ ذِكْرَ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي الشِّتَاءِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْعَصْرِ، وَكَذَا أَخَّرَ تَعْجِيلَ الْمَغْرِبِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ صِنْفًا وَمَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ صِنْفًا فَقَدَّمَ مَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ شَرَعَ فِيمَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ.
قَالَ ﵀ (وَالْمَغْرِبِ) أَيْ نُدِبَ تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَأَنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاشْتِبَاكُهَا كَثْرَتُهَا وَلِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵊ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَلَوْلَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَصَلَّاهَا فِي وَقْتَيْنِ كَمَا فَعَلَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَقُولُ تَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُؤَخَّرُ لِعُذْرِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ لِلْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فِعْلًا وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمَا أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَا يُبَاحُ لَهُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ إلَى تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ صَلَّاهَا عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ عَلَى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: قَطْعَ السَّمَرِ) السَّمَرُ الْمُسَامَرَةُ وَهُوَ الْحَدِيثُ بِاللَّيْلِ وَقَدْ سَمَرَ يَسْمُرُ فَهُوَ سَامِرٌ. اهـ. مَجْمَعٌ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ) أَيْ تَحْضُرُهَا الْمَلَائِكَةُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: أَمَا ذَهَبَ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَمَا مَوْصُولَةٌ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: نُدِبَ تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ إلَى آخِرِهِ) وَهُوَ بِأَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا بِجِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ أَوْ سَكْتَةٍ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَيَأْتِي وَتَأْخِيرُهَا لِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مَكْرُوهٌ وَهِيَ خِلَافِيَّةٌ وَسَنَذْكُرُهَا فِي النَّوَافِلِ، قَالَ فِي الْقُنْيَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا وَمَا رَوَى الْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى بَدَا نَجْمٌ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَلِيلَ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَرَاهَةٌ هُوَ مَا قَبْلَ ظُهُورِ النَّجْمِ، وَفِي الْمُنْيَةِ لَا يُكْرَهُ فِي السَّفَرِ وَلِلْمَائِدَةِ أَوْ كَانَ يَوْمَ غَيْمٍ وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ أَخَّرَهَا بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ خِلَافٌ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ وَلَا يَبْعُدُ وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ التَّشَبُّهُ بِالْيَهُودِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبَيْنَ عِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فِعْلًا) بِأَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْجَمْعِ وَقْتًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
стр. 85
مَا بَيَّنَّا وَهُوَ عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ امْتِدَادِ الْوَقْتِ.
قَالَ ﵀ (وَمَا فِيهَا عَيْنٌ يَوْمِ غَيْمٍ) أَيْ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِهَا عَيْنٌ يَوْمَ غَيْنٍ وَهِيَ الْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ احْتِمَالَ وُقُوعِهَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَفِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ تَقْلِيلَ الْجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَطَرِ وَالطِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ قَالَ ﵀ (وَيُؤَخَّرُ غَيْرُهُ فِيهِ) أَيْ يُؤَخَّرُ غَيْرُ مَا فِي أَوَّلِهِ عَيْنٌ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ وَهِيَ الْفَجْرُ وَالظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ لَا كَرَاهِيَةَ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ وَالْمَغْرِبُ يُخَافُ وُقُوعُهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِشِدَّةِ الِالْتِبَاسِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ فِي الْكُلِّ يَوْمَ الْغَيْمِ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ تَرَدُّدًا بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَفِي التَّعْجِيلِ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَكَانَ التَّأْخِيرُ أَوْلَى.
قَالَ ﵀ (وَمُنِعَ عَنْ الصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْغُرُوبِ إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ) لِقَوْلِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «ثَلَاثُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ وَعِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تَضِيفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَنْ نَقْبُرَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ إذْ الدَّفْنُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَالْمُرَادُ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مَا تَلَاهَا قَبْلَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ.
وَأَمَّا إذَا تَلَاهَا فِيهَا جَازَ أَدَاؤُهَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُهَا لِيُؤَدِّيَهَا فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ بِخِلَافِ الْعَصْرِ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَا حَضَرَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَإِنْ حَضَرَتْ فِيهَا جَازَتْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ كَمَا وَجَبَتْ إذْ الْوُجُوبُ بِالْحُضُورِ وَهُوَ أَفْضَلُ وَالتَّأْخِيرُ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثٌ لَا يُؤَخَّرْنَ وَذَكَرَ مِنْهَا الْجِنَازَةَ» وَقَوْلُهُ إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ أَيْ لَا يَمْنَعُ عَصْرَ يَوْمِهِ وَلَا يُكْرَهُ الْأَدَاءُ فِي وَقْتِ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: تَرَدُّدًا بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ) أَيْ بِالْوُقُوعِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ) أَيْ بِالْوُقُوعِ قَبْلَ الْوَقْتِ.
[الْأَوْقَات الَّتِي يَكْرَه فِيهَا الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَمُنِعَ عَنْ الصَّلَاةِ) أَيْ الْمُكَلَّفُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ. اهـ. عَيْنِيٌّ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ اسْتَعْمَلَ الْكَرَاهَةَ هُنَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَتَشْمَلُ عَدَمَ الْجَوَازِ وَغَيْرَهُ مِمَّا هُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ أَوْ هُوَ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لِمَا عُرِفَ مِنْ النَّهْيِ الظَّنِّيِّ الثُّبُوتُ غَيْرُ الْمَصْرُوفِ مِنْ مُقْتَضَاهُ يُفِيدُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا أَفَادَ التَّحْرِيمَ فَالتَّحْرِيمُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَرْضِ فِي الرُّتْبَةِ وَكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ وَالتَّنْزِيهِ بِرُتْبَةِ الْمَنْدُوبِ وَالنَّهْيِ الْوَارِدِ مِنْ الْأَوَّلِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِهِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ إنْ كَانَ لِنُقْصَانٍ فِي الْوَقْتِ مَنَعَتْ أَنْ يَصِحَّ فِيهِ مَا تَسَبَّبَ عَنْ وَقْتٍ لَا نَقْصَ فِيهِ لَا لِأَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ بَلْ لِعَدَمِ تَأَدِّي مَا وَجَبَ كَامِلًا نَاقِصًا، فَلِذَا قَالَ عَقِيبَ تَرْجَمَتِهِ بِالْكَرَاهَةِ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَى آخِرِهِ، لَكِنْ إنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَالصَّلَاةُ عَامٌّ لَمْ يَصْدُقْ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي نَفْلٍ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ صَحَّ شُرُوعُهُ حَتَّى وَجَبَ قَضَاؤُهُ إذَا قَطَعَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَيَجِبُ قَطْعُهُ وَقَضَاؤُهُ فِي غَيْرِ وَقْتٍ مَكْرُوهٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ أَتَمَّهُ خَرَجَ مِنْ عُهْدَةِ مَا لَزِمَهُ بِالشَّرْعِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ الْقَطْعُ أَفْضَلُ وَالْأَوَّلُ هُوَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ الْحِلِّ كَانَ أَعَمَّ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ خُصُوصُ مَا هُوَ حُكْمُ الْقَضَاءِ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْإِفَادَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الثَّانِي وَلِذَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الثَّابِتِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضِيفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» وَهُوَ إنَّمَا يُفِيدُ عَدَمَ الْحِلِّ فِي جِنْسِ الصَّلَاةِ دُونَ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي بَعْضِهَا بِخُصُوصِهِ.
وَالْمُفِيدُ لَهَا إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَالنَّسَائِيُّ فَإِنَّهُ أَفَادَ كَوْنَ الْمَنْعِ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْوَقْتِ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ فِعْلَ الْأَرْكَانِ فِيهِ التَّشَبُّهُ بِعِبَادَةِ الْكُفَّارِ وَهَذَا الْمَعْنَى بِنُقْصَانِ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَالْوَقْتُ لَا نَقْصَ فِيهِ نَفْسِهِ بَلْ هُوَ الْوَقْتُ كَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ إنَّمَا النَّقْصُ فِي الْأَرْكَانِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا مَا وَجَبَ كَامِلًا فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قِيلَ لَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ أَنَّهَا نَاقِصَةٌ تَأَدَّى بِهَا الْكَامِلُ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبَاتِ لَا يُدْخِلُ النَّقْصَ فِي الْأَرْكَانِ الَّتِي هِيَ الْمُقَوَّمَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ فِعْلِ الْأَرْكَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِقَوْلِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إلَى آخِرِهِ) رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ وَهُوَ الَّذِي يَصْلُحُ لُغَةً عَرَبِيَّةً لِحَذْفِ التَّاءِ فِي ثَلَاثِ وَلَوْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ أَوْقَاتٍ لَقَالَ ثَلَاثَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحِينَ تَضِيفُ) أَيْ تَمِيلُ مِنْهُ سُمِّيَ الضَّيْفُ ضَيْفًا لِإِمَالَتِهِ إلَيْك اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ) أَيْ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا. اهـ. نِهَايَةٌ عَنْ التُّحْفَةِ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ) فَقَدْ ذُكِرَ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْجُزْءَ الْمُقَارِنَ لِلْأَدَاءِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَآخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ وَقْتٌ نَاقِصٌ إذْ هُوَ وَقْتُ عِبَادَةِ الشَّمْسِ فَوَجَبَ نَاقِصًا فَإِذَا أَدَّاهُ أَدَّاهُ كَمَا وَجَبَ فَإِذَا اعْتَرَضَ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ لَا تَفْسُدُ وَفِي الْفَجْرِ كُلُّ وَقْتِهِ وَقْتٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ لَا تُعْبَدُ قَبْلَ الطُّلُوعِ فَوَجَبَ كَامِلًا فَإِذَا اعْتَرَضَ الْفَسَادُ بِالطُّلُوعِ يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا وَجَبَتْ فَإِنْ قِيلَ هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْفَجْرِ قَبْلَ الطُّلُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَجْرَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» قُلْنَا: لَمَّا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ النَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ رَجَعْنَا إلَى الْقِيَاسِ كَمَا هُوَ حُكْمِ التَّعَارُضِ وَالْقِيَاسُ رَجَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَحَدِيثَ النَّهْيِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَأَمَّا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَجُوزُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ لِحَدِيثِ النَّهْيِ فِيهَا إذْ لَا مُعَارِضَ اهـ شَرْحُ وِقَايَةٍ
стр. 86
كَمَا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ آخِرُ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يُؤَدِّ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَالْجُزْءُ الْمُتَّصِلُ بِالْأَدَاءِ فَأَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ فَلَا يُكْرَهُ فِعْلُهَا فِيهِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ وَهَذَا كَالْقَضَاءِ لَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ بَعْدَمَا خَرَجَ الْوَقْتُ.
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ تَفْوِيتُهُ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ قَضَاءُ عَصْرِ أَمْسِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَانَ السَّبَبُ نَاقِصًا فَإِذَا قَضَاهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ قُلْنَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ يُضَافُ الْوُجُوبُ إلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ إذْ لَيْسَ بَعْضُ الْوَقْتِ بِالْإِضَافَةِ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا يُضَافُ الْوُجُوبُ إلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا وَجَمِيعُهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فَلَا يَكُونُ فِيهِ نَاقِصًا، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ قَضَاؤُهُ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي لِاسْتِحَالَةِ إضَافَةِ الْوُجُوبِ إلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ فِي حَقِّهِ قُلْنَا قَالَ الْبَزْدَوِيُّ لَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَضَى الْوَقْتُ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ كَانَ بِسَبَبِ الْوَقْتِ وَقَدْ زَالَ فَيَرْتَفِعُ النُّقْصَانُ وَثَبَتَتْ كَامِلَةً إذْ الْوُجُوبُ فِي الذِّمَّةِ وَلَا نَقْصَ فِيهَا بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إذَا تَلَاهَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَلَمْ يُؤَدِّهَا فِيهِ حَتَّى دَخَلَ وَقْتٌ آخَرُ مَكْرُوهٌ مِثْلُهُ أَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِيهِ فَأَفْسَدَهُ، ثُمَّ قَضَاهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ مِثْلِهِ حَيْثُ يَجُوزُ وَالْفَرْقُ أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ لَيْسَتْ بِقَضَاءٍ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِالتِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الزَّمَانِ لَهَا، ثُمَّ مَعَ هَذَا لَوْ أَدَّاهَا فِي وَقْتِ الْقِرَاءَةِ جَازَتْ فَكَذَا فِي وَقْتٍ آخَرَ مِثْلِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَا الَّذِي شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ إلَّا لِصِيَانَةِ مَا مَضَى، وَالصِّيَانَةُ تَحْصُلُ بِالْأَدَاءِ فِي مِثْلِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ كَامِلٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ حَتَّى يُضَافَ الْوُجُوبُ إلَيْهِ فَيَكُونُ الْقَضَاءُ فِيهِ كَالْمُضِيِّ فِي وَقْتِ الشُّرُوعِ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ جَازَ لَهُ الْأَدَاءُ فِيهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهُ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فِي الصَّلَاةِ وَمَضَى فِيهَا جَازَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيُؤَدِّيَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ غَيْرِ مَكْرُوهٍ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ جِنْسُ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَنَا إلَّا مَا وَجَبَ نَاقِصًا فَأَدَّاهُ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا كُلَّ مَا لَهُ سَبَبٌ كَالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ بِمَكَّةَ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إلَّا بِمَكَّةَ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» وَلَنَا حَدِيثُ عُقْبَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو وَابْنِ عَبَسَةَ «فَأَقْصِرْ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ فَتَعُمُّ الْجَمِيعَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا رَوَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وَالثَّانِي ضَعَّفَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَلَا يُعَارِضُ الصِّحَاحَ الْمَشَاهِيرَ.
قَالَ ﵀ (وَعَنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ) (لَا عَنْ قَضَاءِ فَائِتَةٍ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ) أَيْ نَهَى عَنْ التَّنَفُّلِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فِي نَفْلٍ لَهُ سَبَبٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَمُسْلِمٌ وَالنَّهْي لِمَعْنًى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: يُضَافُ الْوُجُوبُ إلَى آخِرِهِ) فَإِنْ قِيلَ لَوْ أُضِيفَ الْوُجُوبُ إلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَبَعْضُهُ نَاقِصٌ فِي الْعَصْرِ يَكُونُ الْوَاجِبُ نَاقِصًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ قَضَاؤُهُ فِي وَقْتٍ مِثْلِهِ قُلْنَا السَّبَبُ كَامِلٌ مِنْ وَجْهٍ نَاقِصٌ مِنْ وَجْهٍ وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ فَلَا يَتَأَدَّى فِي الْوَقْتِ النَّاقِصِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْغَنِيُّ إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَوْ قَضَى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَوَقَعَ آخِرُهُ فِي الْوَقْتِ النَّاقِصِ كَانَ جَائِزًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ إنَّ الْوَقْتَ الْكَامِلَ أَكْثَرُ مِنْ النَّاقِصِ فَكَانَ الْكُلُّ كَامِلًا تَغْلِيبًا. اهـ. جَامِعُ الْأَسْرَارِ. (قَوْلُهُ كَمَا وَجَبَتْ) كَالْمَنْذُورَةِ فِيهِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. اهـ. غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: لِاسْتِوَائِهِمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى) أَيْ وَهُوَ الْوُجُوبُ بِالتِّلَاوَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ) أَيْ إذْ لَا دَخْلَ لِلْوَقْتِ فِي وُجُوبِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ كَمَالُهُ وَنُقْصَانُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَجُوزُ جِنْسُ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهِ) الْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ فِيمَا يَكُونُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا لَا ضَرُورِيًّا وَيَكُونُ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ كَامِلٍ وَالشُّرُوعُ سَبَبٌ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ وَلِذَا كَانَ دُونَ النَّذْرِ فَلَا فَرْقَ فِي النَّفْلِ بَيْنَ أَدَائِهِ وَقَضَائِهِ فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ يَجُوزُ فِيهِ الْأَدَاءُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الصِّيَانَةُ وَقَوْلُهُمْ مَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يُؤَدَّى نَاقِصًا فِي غَيْرِ النَّفْلِ لِأَنَّهُ بَابٌ وَاسِعٌ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ فَيَحْتَمِلُ فِيهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ فِي غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ فِي النَّفْلِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا صِيَانَةُ عَمَلِهِ مِنْ الْبُطْلَانِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ لِإِكْمَالِهَا وَإِذَا أَتَى بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الصِّيَانَةُ وَلَوْ نَاقِصًا خَرَجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ فَيَصِحُّ (قَوْلُهُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) أَيْ كَرَكْعَتَيْ الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ: وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو) كُنْيَتُهُ أَبُو نَجِيحٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُمْنَعْ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ إلَى آخِرِهِ) وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصْلُ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى فِعْلِهِ كَالْمَنْذُورِ وَقَضَاءِ التَّطَوُّعِ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَسَجْدَةِ السَّهْوِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَجُوزُ اهـ
стр. 87
فِي غَيْرِ الْوَقْتِ وَهُوَ جَعْلُ الْوَقْتِ كَالْمَشْغُولِ فِيهِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ حُكْمًا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فَرْضٍ آخَرَ مِثْلِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ فِيهِ فَرْضَ الْوَقْتِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَلَوْ كَانَ لِعَيْنِهِ لَمَنَعَ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأَوْقَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَضَاءُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ رَجُلَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَا مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ «مَا صَلَّيَا الْفَجْرَ» مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَمْرِ وَكُلُّ مَا كَانَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ كَالْمَنْذُورِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَاَلَّذِي شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ مُلْحَقٌ بِالنَّفْلِ حَتَّى لَا يُصَلِّيَهَا فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا فِي حَقِّ الْوَقْتِ أَوْ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِغَيْرِهَا وَهُوَ صِيَانَةُ الْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ وَخَتْمِ الطَّوَافِ وَإِيفَاءِ النَّذْرِ فَلَا يَكُونُ كَالْوَاجِبِ لِعَيْنِهِ فِي الْقُوَّةِ.
قَالَ ﵀ (وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ) أَيْ يُكْرَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ الْفَرْضِ بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ أَلَا لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ ﵊ «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا صَلَاةَ إلَّا رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَقَالَتْ حَفْصَةُ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا تُصَلُّوا إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِصِيغَةِ النَّهْيِ وَلَوْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، ثُمَّ طَلَعَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَقُومُ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَلَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِيهِ كَانَ لَا عَنْ قَصْدٍ وَلَوْ صَلَّى الْقَضَاءَ فِي هَذَا الْوَقْتِ جَازَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّنَفُّلِ فِيهِ لِحَقِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ حَتَّى يَكُونَ كَالْمَشْغُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهَا حَتَّى لَوْ نَوَى تَطَوُّعًا كَانَ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنْهُ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهَا.
قَالَ ﵀ (وَقَبْلَ الْمَغْرِبِ) أَيْ مُنِعَ مِنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَهَا وَالنَّبِيُّ ﵊ يَرَاهُمْ فَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنْهَا» قُلْنَا كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ لِيُعْرَفَ أَنَّ وَقْتَ الْكَرَاهِيَةِ قَدْ خَرَجَ بِالْغُرُوبِ وَلِهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ بَعْدَهُمْ قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ النَّخَعِيّ هِيَ بِدْعَةٌ وَإِذَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ ضَعْفِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَمَا ظَنُّك بِفِعْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ﵀ (وَوَقْتِ الْخُطْبَةِ) أَيْ نَهَى عَنْ التَّنَفُّلِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ أَطْلَقَ الْخُطْبَةَ لِيَدْخُلَ فِيهَا جَمِيعُ الْخُطَبِ كَخُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: كَالْمَشْغُولِ فِيهِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ) أَيْ كَالْوَقْتِ الَّذِي شُغِلَ فِيهِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ وَمَا ثَبَتَ لِحَقِّ الْفَرْضِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِيقَةِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَغْلَ الْوَقْتِ بِالْفَرْضِ التَّقْدِيرِيِّ أَوْلَى مِنْ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ الْحَقِيقِيِّ فَيَظْهَرُ الشَّغْلُ فِي حَقِّ النَّفْلِ فَيَمْنَعُهُ دُونَ الْفَرْضِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي الْوُجُوبِ لِعَيْنِهِ بِمَعْنَى ثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى فِعْلِ الْعَبْدِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالسَّمَاعِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَمَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ الْمَنْذُورُ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ وَمَا شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَأَقُولُ سَيَأْتِي فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ أَنَّ الْمَنْذُورَةَ وَمَا شَرَعَ فِيهَا، ثُمَّ أَفْسَدَهَا مُلْحَقَتَانِ بِالْفَرَائِضِ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَدَاؤُهُمَا عَلَى الدَّابَّةِ وَيُمْكِنُ دَفْعُ التَّنَاقُضِ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْإِلْحَاقِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ بَيَانُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ فِيهِمَا لَمَّا كَانَ ضَعِيفًا لِلْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الشَّرْحِ نَظَرْنَا إلَى ضَعْفِهِ فَقُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ هُنَا وَنَظَرْنَا إلَى ثُبُوتِهِ فَقُلْنَا بِعَدَمِ الْجَوَازِ هُنَاكَ أَوْ نَقُولُ فِي الَّذِي شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ أَنَّهُ نَفْلٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَوَاجِبٌ لِغَيْرِهِ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ هُنَا وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي قُلْنَا بِعَدَمِ الْجَوَازِ هُنَاكَ وَإِنَّمَا لَمْ يَعْكِسُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي ارْتِفَاعَ الْكَرَاهَةِ هُنَا وَثُبُوتَ الْجَوَازِ هُنَاكَ فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاحْتِيَاطُ هَذَا غَايَةُ مَا يُقَالُ فِي دَفْعِ التَّنَاقُضِ وَهُوَ يُعَدُّ مَحَلَّ نَظَرٍ فِي قَضَاءِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الْجَوَازِ هُوَ الْوُجُوبُ الْمُطْلَقُ وَالْوُجُوبُ الثَّابِتُ بِالشُّرُوعِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا ثَبَتَ ضَرُورَةَ صِيَانَةِ الْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ فَلَا يَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِتْيَانِ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي رِوَايَةِ بَيَانِ النَّازِلِ إذَا رَكِبَ وَلَمْ يَعْتَبِرْ جِهَةَ الْوُجُوبِ فِي الْأَدَاءِ فَكَذَا الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَحْكِي حِكَايَتَهُ وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُغْنِي أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ قَضَاءَ مَا شَرَعَ فِيهِ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ فِي مِثْلِهِ نَقْضًا عَلَى كَوْنِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتٍ نَاقِصٍ يَجِبُ بَعْدَ خُرُوجِهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَأَجَابَ بِأَنَّ بَابَ النَّفْلِ أَوْسَعُ فَيُعْفَى فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ وَبَابُ لُزُومِ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَلُزُومُ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْإِفْسَادِ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةَ صَوْنِ الْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ فَلَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِ الصَّوْنِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ اشْتِرَاطِ كَمَالِ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ وَلِإِكْمَالِ الْقَضَاءِ فِي الْمَآلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الصِّيَانَةُ لِإِكْمَالِهَا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ عَدَمِ كَرَاهَةِ أَدَاءِ الْمَنْذُورِ وَمَا شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إلْحَاقًا لَهُمَا بِالْوَاجِبِ بِعَيْنِهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ أَوْ يُحْمَلُ نَفْيُ الْجَوَازِ عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهَةِ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّ مُرَادَهُ الْكَرَاهَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوَافِلِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي شُرُوحِهِ وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ لَا تَجُوزُ النَّوَافِلُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُرَادُ هُوَ الْكَرَاهَةُ. اهـ. مُجْتَبَى. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَوْقَاتِ) أَيْ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِيهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَضَاءُ أَيْضًا) أَيْ لِأَنَّهُ وَقْتٌ نَاقِصٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي شَرَعَ فِيهِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ أَمَّا النَّفَلُ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ مِثْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ فِي الصَّفْحَةِ الْمُقَابِلَةِ لِهَذِهِ. اهـ.
стр. 88
وَالْخُطَبِ الَّتِي فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُصَلِّي الدَّاخِلُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَخْطُبُ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَأَمَرَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» وَلَنَا النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي فَرْضِيَّةِ الِاسْتِمَاعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَالتَّنَفُّلُ يُخِلُّ بِالِاسْتِمَاعِ فَيَحْرُمُ فَلَا يُعَارِضُهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضٌ وَهُوَ يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» فَمَا ظَنُّك بِالنَّفْلِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحَرِّمَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُبِيحِ فَوَجَبَ تَرْكُهُ وَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَخْطُبُ وَقْتَ مَا صَلَّى بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﵊ أَمْسَكَ عَنْهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ تَكَلَّمَ مَعَهُ حِينَ أَمَرَهُ بِهَا وَالْأَمْرُ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ يُنَافِي الْخُطْبَةَ فَكَانَ ﵊ أَرَادَ أَنْ يُشْهِرَهُ لِيُرَى حَالُهُ مِنْ الْفَاقَةِ وَالْبَذَاذَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِ أَوْ لِيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَأَمْهَلَهُ حَتَّى يَفْرُغَ فَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ فَلَا يُتْرَكُ الْمَقْطُوعُ بِهِ بِالْمُحْتَمِلِ.
قَالَ ﵀ (وَعَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ بِعُذْرٍ) يَعْنِي مَنَعَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِسَبَبِ الْعُذْرِ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي وَقْتٍ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِعْلًا بِأَنْ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا بِأَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ جَمْعٌ فِي حَقِّ الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا فِي الْوَقْتِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِعُذْرٍ عَنْ الْجَمْعِ فِي عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ لِحَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «أَنَّهُ ﵊ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا مَعَ الْعَصْرِ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سَارَ وَكَانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. وَيَقُولُ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا عَجَّلَ السَّيْرَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَيُقَدِّمُ الْعَصْرَ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَيُقَدِّمُ الْعِشَاءَ» وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ وَلَنَا النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ بِتَعْيِينِ الْأَوْقَاتِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مِثْلِهِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ «وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً قَطُّ إلَّا لِوَقْتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَطُّ فِي السَّفَرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً»؛ وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْأُولَى وَتَدْخُلُ الثَّانِيَةُ تَفْرِيطٌ وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ بِأَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إلَى وَقْتِ الْأُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمُسَافِرَ وَالْمُقِيمَ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَجْمَعْ احْتِرَازًا عَنْ التَّفْرِيطِ وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ مِنْ الْجَمْعِ إنْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ «صَلَّى الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ، وَكَذَا فَعَلَ بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» فَيَصِيرُ جَامِعًا فِعْلًا لَا وَقْتًا وَيُحْمَلُ تَصْرِيحُ الرَّاوِي بِخُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ لِقُرْبِهِ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] أَيْ قَارَبْنَ بُلُوغَ الْأَجَلِ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِمْسَاكِ بَعْدَ بُلُوغِ الْأَجَلِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي ظَنَّ ذَلِكَ.
وَنَظِيرُهُ مَا رُوِيَ عَنْ «إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ عَصْرَ أَمْسٍ» أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ ظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُمَا وَقَعَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رَوَى ابْنُ جَابِرٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ خَرَجْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرِهِ وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَلَمَّا أَبْطَأَ قُلْت الصَّلَاةَ يَرْحَمُك اللَّهُ فَالْتَفَتَ إلَيَّ وَمَضَى حَتَّى إذَا كَانَ فِي آخِرِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَخْطُبُ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ) الْبَذَاذَةُ التَّوَاضُعُ فِي اللُّبْسِ وَعَدَمُ الزِّينَةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْبَذَاذَةُ مِنْ الْإِيمَانِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: مِثْلَ مَا صَنَعْت وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ أَصْرَحُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالِانْتِظَارِ اهـ. (قَوْلُهُ: تُحْرَجَ أُمَّتُهُ) أَيْ تَقَعُ فِي الْحَرَجِ.
стр. 89
الْعِشَاءَ وَقَدْ تَوَارَى الشَّفَقُ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ صَنَعَ هَكَذَا» وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا وَقَالَ نَافِعٌ؛ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ إنَّ مُؤَذِّنَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ الصَّلَاةَ قَالَ سِرْ حَتَّى إذَا كَانَ قَبْلَ غُيُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْت» وَهَذَا أَصْرَحُ مِنْ الْأَوَّلِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَلْفَاظٌ فِي وَقْتِ الْجَمْعِ وَذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ كُلَّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي وَقْتِ جَمْعِهِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَلَكِنْ فِيهِ وَهْمٌ. وَالصَّحِيحُ مِنْهَا رِوَايَةُ ابْنِ جَابِرٍ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا وَقَدْ رَوَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ هُوَ غَرِيبٌ وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْوَقْتِ حَدِيثٌ قَائِمٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثُ أَبِي الطُّفَيْلِ مَوْضُوعٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ كَانَ كَثِيرًا مَا يَصِلُ الْحَدِيثَ بِكَلَامِهِ حَتَّى يُوهِمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِالْجَمْعِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَحَدِيثُهَا الْمُتَقَدِّمُ حُجَّةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا ذِكْرُ التَّأْخِيرِ وَالتَّقْدِيمِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» قِيلَ لَهُ مَا أَرَادَ بِذَلِكَ قَالَ أَنْ لَا تُحْرَجَ أُمَّتُهُ وَعَنْهُ «أَنَّهُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» وَلَا يَرَى الشَّافِعِيُّ الْجَمْعَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكُلُّ جَوَابٍ لَهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَهُوَ جَوَابُنَا عَنْ كُلِّ مَا يَرْوِيهِ فِي الْجَمْعِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْكَرَ تَأْوِيلَنَا فَقَالَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمْعَ لِلْمُسَافِرِ رُخْصَةٌ، وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنْ مُرَاعَاةِ آخِرِ الْأَوَّلِ وَأَوَّلِ الثَّانِي لَكَانَ ذَلِكَ ضِيقًا وَأَكْثَرَ حَرَجًا مِنْ إتْيَانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْسَعُ وَمُرَاعَاتُهُ أَمْكَنُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيْ الْوَقْتَيْنِ وَقَالَ أَيْضًا إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَمْعٍ إذَا كَانَ يَأْتِي بِكُلِّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ لَمَّا جَاءَ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِهِ أَوَّلَهُ بِمَا أَوَّلْنَاهُ وَقَالَ الرُّخْصَةُ فِي التَّأْخِيرِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَقَدْ أَوَّلَهُ بِمَا أَنْكَرَهُ عَلَى خَصْمِهِ فَقُلْنَا إذَا كَانَ الْمُقِيمُ يَتَرَخَّصُ بِالتَّأْخِيرِ فَالْمُسَافِرُ أَوْلَى عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِنْكَارَ خَرَجَ مِنْهُ عَنْ سَهْوٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَرَجِ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ تَأْخِيرُ الْأُولَى إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَتَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ وَإِنَّمَا نَقُولُ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ وَيُؤَخِّرَ إنْ شَاءَ رُخْصَةً فَانْتَفَى الْحَرَجُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ الْأَذَانِ) الْأَذَانُ الْإِعْلَامُ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ ﵊ «اهْتَمَّ لِلصَّلَاةِ كَيْف يُعْلِمُونَ بِهَا فَذُكِرَ لَهُ رَايَةٌ فَلَمْ يُعْجِبْهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ بَابُ الْأَذَانِ]
(بَابُ الْأَذَانِ) (قَوْلُهُ: الْأَذَانُ الْإِعْلَامُ) هَذَا فِي اللُّغَةِ وَشَرْعًا إعْلَامٌ مَخْصُوصٌ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ اهـ ع وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ وَبِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَأَنْ يَكُونَ جَهِيرَ الصَّوْتِ أَسْمَعَ لِلْجِيرَانِ وَالْمُوَاظِبُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الَّذِي لَا يُوَاظِبُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ اهـ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَكَذَا الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ وَقَوْلُ عُمَرَ لَوْلَا الْخَلِيفِيِّ لَأَذِنْت لَا يَسْتَلْزِمُ تَفْضِيلَهُ عَلَيْهَا بَلْ مُرَادُهُ لَأَذِنْت مَعَ الْإِمَامَةِ لَا مَعَ تَرْكِهَا فَيُفِيدُ أَنَّ الْأَفْضَلَ كَوْنُ الْإِمَامِ هُوَ الْمُؤَذِّنُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَخْبَارِهِ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ الْأَذَانُ أَفْضَلُ اهـ.
وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ اهـ فَإِنْ قُلْت هَلْ أَذَّنَ النَّبِيُّ ﷺ قُلْت رَوَى التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ فِي سَفَرٍ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَهُمْ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ السَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلِهِمْ» وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ وَخَرَّجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَذَا فِي شَرْحِ مُغَلْطَاي قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِينَ عِنْدَ الْأَذَانِ فَالْوَاجِبُ الْإِجَابَةُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَرْبَعَةٌ مِنْ الْجَفَاءِ مَنْ بَالَ قَائِمًا وَمَنْ مَسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَمَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَلَمْ يُجِبْ وَمَنْ سَمِعَ ذِكْرِي وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» وَالْإِجَابَةُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» فَيَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ إلَّا قَوْلَهُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَكَانَهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّ إعَادَةَ ذَلِكَ يُشْبِهُ الْمُحَاكَاةَ وَالِاسْتِهْزَاءَ، وَكَذَا إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ لَا يُعِيدُهُ السَّامِعُ لِمَا قُلْنَا وَلَكِنَّهُ يَقُولُ صَدَقْت وَبَرَرْت أَوْ مَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ السَّامِعُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَشْتَغِلَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ سِوَى الْإِجَابَةِ وَلَوْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ وَيَشْتَغِلَ بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِجَابَةِ كَذَا قَالُوا فِي الْفَتَاوَى
стр. 90
فَذُكِرَ لَهُ الشَّبُّورُ فَقَالَ هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ فَقَالَ هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى فَذُكِرَ لَهُ النَّارُ فَقَالَ هُوَ لِلْمَجُوسِ فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّهِ ﵊ فَأُرِيَ الْأَذَانَ فَغَدَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ ﵊ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى بِلَالٍ» قَالَ ﵀ (سُنَّ لِلْفَرَائِضِ) أَيْ الْأَذَانُ وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَكَذَا الْإِقَامَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» أَمْرٌ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ وَاحِدٌ لَضَرَبْته وَحَبَسْته عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِ الْفُرُوضِ وَقِيلَ لَا يَدُلُّ قَوْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ.
فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ تَرَكُوا سُنَّةً مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهَا وَلَوْ تَرَكَ وَاحِدٌ ضَرَبْته وَقِيلَ عَنْ مُحَمَّدٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ يُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ فَرْضٌ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ وَأَوْجَبَهُ مَالِكٌ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ كَيْفَ يُصَلِّي وَذَكَرَ لَهُ الْوُضُوءَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَأَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا لَهُ، وَلَوْ كَانَا فَرْضًا لَذَكَرَهُ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ لِلِاسْتِحْبَابِ وَالسُّنَّةُ تَثْبُتُ بِالْمُوَاظَبَةِ قَالَ ﵀ (بِلَا تَرْجِيعٍ وَلَحْنٍ) أَمَّا كَوْنُهُ بِلَا تَرْجِيعٍ فَمَذْهَبُنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ التَّرْجِيعُ لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُ ﵊ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيعٍ وَأَذَانُ بِلَالٍ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﵊ حَضَرًا وَسَفَرًا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيعٍ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ ﵊ وَتَلْقِينُهُ ﷺ لِأَبِي مَحْذُورَةَ كَانَ تَعْلِيمًا فَظَنَّهُ هُوَ تَرْجِيعًا، وَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ فِي يَوْمِ أَسْلَمَ أَخْفَى كَلِمَةَ الشَّهَادَتَيْنِ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْقِصَّةِ فَقَالَ لَهُ ﵊ ارْجِعْ فَمُدَّ بِهَا صَوْتَك؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْإِخْفَاءِ فَصَارَ كَسَائِرِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ، وَأَمَّا اللَّحْنُ الْمُرَادُ بِهِ التَّطْرِيبُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنٌ يُطْرِبُ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ» وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ إنِّي لَأُحِبُّك فِي اللَّهِ فَقَالَ لَهُ أَنَا أَبْغَضُك فِي اللَّهِ إنَّك تَتَغَنَّى فِي أَذَانِك أَيْ تُطْرِبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَاحِبِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: فَذُكِرَ لَهُ الشَّبُّورُ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ شَيْءٌ يُنْفَخُ فِيهِ وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَأُرِيَ الْأَذَانَ إلَى آخِرِهِ) وَلَا اسْتِبْعَادَ فِي ثُبُوتِ الْأَذَانِ بِالرُّؤْيَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّهَا الرُّؤْيَا حَقٌّ» وَالرُّؤْيَا الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَقِيقَتِهَا مُلْحَقَةٌ بِالْوَحْيِ وَقَدْ تَأَيَّدَتْ رُؤْيَا ابْنِ زَيْدٍ بِرُؤْيَا مَنْ تَنْطِقُ السَّكِينَةُ عَلَى لِسَانِهِ وَهُوَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ السُّهَيْلِيُّ مَا حَاصِلُهُ: إنَّ الْحِكْمَةَ فِي ثُبُوتِهِ بِالرُّؤْيَا دُونَ الْوَحْيِ أَنَّ تَعْظِيمَ الْإِنْسَانِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ أَعْظَمُ وَأَقْرَبُ إلَى الْقَبُولِ فَإِظْهَارُهُ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَقِظَةِ؛ لِأَنَّهُ وَحْيٌ وَالْوَحْيُ مُخْتَصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَنَامِ وَكَانَ ﷺ سَمِعَ الْأَذَانَ فِي السَّمَاءِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْأَرْضِ وَبِهَذِهِ الرُّؤْيَا تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا أَرَاهُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فِي الْأَرْضِ وَقِيلَ: إنَّهُ ثَبَتَ بِأَذَانِ الْمَلَكِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ الْحِجَابِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَقِيلَ بِتَأْذِينِ جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ بِالْمَدِينَةِ وَالْإِسْرَاءُ كَانَ بِمَكَّةَ فَكَيْفَ تَأَخَّرَ وَكَيْفَ اهْتَمُّوا لِتَعْيِينِ الْعَلَامَةِ وَاخْتَلَفَ آرَاؤُهُمْ فِيهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْمَلَكِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ الْبَشَرِ فَتَأَخَّرَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ وَحْيًا أَوْ رُؤْيَا صَادِقَةً مُلْحَقَةً بِالْوَحْيِ.
هَكَذَا وَجَدْت بِخَطِّ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ نِظَامِ الدِّينِ يَحْيَى السِّيرَامِيِّ ﵀ وَكَتَبْت مِنْ خَطِّهِ ﵀ مَا نَصُّهُ أَقُولُ ثُبُوتُ الْأَذَانِ وَهُوَ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ بِالرُّؤْيَا فِيهِ فَوَائِدُ الدَّلَالَةِ، عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا خَيَالٌ بَاطِلٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَظُهُورُ ثُبُوتِهِ مَنَامًا كَمَا ظَهَرَتْ يَقِظَةً وَتَعْظِيمُ شَأْنِ الدِّينِ رُئِيَ هَذِهِ الرُّؤْيَا حَيْثُ ثَبَتَ بِهَا مَا هُوَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا لَهُ) أَيْ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ (قَوْلُهُ: لِلِاسْتِحْبَابِ) أَيْ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: تَثْبُتُ بِالْمُوَاظَبَةِ) أَيْ لَا بِالْأَمْرِ (قَوْلُهُ: بِلَا تَرْجِيعٍ) التَّرْجِيعُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ خَفَضَ بِهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَلَحْنٍ) قَالَ الشَّيْخُ بَاكِيرُ ﵀ عِنْدَ قَوْلِهِ بِلَا تَرْجِيعٍ وَلَحْنٍ يُقَالُ لَحَنَ فِي الْقِرَاءَةِ طَرِبَ وَتَرَنَّمَ مَأْخُوذٌ مِنْ أَلْحَانِ الْأَغَانِي فَلَا يُنْقِصُ شَيْئًا مِنْ حُرُوفِهِ وَلَا يَزِيدُ فِي أَثْنَائِهِ حَرْفًا، وَكَذَا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْحُرُوفِ كَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْمَدَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِتَحْسِينِ الصَّوْتِ فَأَمَّا مُجَرَّدُ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِلَا تَغْيِيرٍ فَإِنَّهُ حَسَنٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ) فَإِنْ قِيلَ أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي أَوَّلِ شَرْعِ الْأَذَانِ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا قِيلَ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَبِلَالٌ يُؤَذِّنُ مَعَهُ وَبِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَا تَرْجِيعٍ فَقَدْ أَقَرَّهُ ﵊ عَلَى الْأَذَانِ الَّذِي هُوَ أَذَانُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؛ وَلِأَنَّ مَا يَخْفِضُ بِهِ صَوْتَهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ فَائِدَةُ الْأَذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ فَلَا يُعْتَبَرُ. اهـ. سَرُوجِيٌّ (قَوْلُهُ: حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ إلَى آخِرِهِ) وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ فَإِنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ كَانَ أَخْلَصَ فِي إيمَانِهِ مِنْ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ حَيَاءٌ مِنْ قَوْمِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: ارْجِعْ فَمُدَّ بِهَا صَوْتَك) وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ فَكَرِهَهُ وَمَنَعَهُ فَقِيلَ لَهُ لِمَ فَقَالَ لِلسَّائِلِ مَا اسْمُك قَالَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ أَيُعْجِبُك أَنْ يُقَالَ لَك يَا مُوحَامَدُ وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ هَذَا فِي الْأَذَانِ فَفِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْلَى اهـ فَتْحٌ
стр. 91
الْكِتَابِ الْخَطَأَ فِي الْإِعْرَابِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا، وَكَذَا لَا يَحِلُّ التَّرْجِيعُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا التَّطْرِيبُ فِيهِ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِفِعْلِ الْفَسَقَةِ فِي حَالِ فِسْقِهِمْ وَهُوَ التَّغَنِّي وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لِلْفَرَائِضِ عَنْ التَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالْمَنْذُورِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالضُّحَى وَالْأَفْزَاعِ وَالْوِتْرِ؛ لِأَنَّ أَذَانَ الْعِشَاءِ لَا يَقَعُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ﵀ (وَيَزِيدُ بَعْدَ فَلَاحٍ أَذَانِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ «بِلَالًا جَاءَ إلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ بَعْدَ الْأَذَانِ فَقَالَ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَتْ لَهُ إنَّ الرَّسُولَ نَائِمٌ فَقَالَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَلَمَّا انْتَبَهَ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَاسْتَحْسَنَهُ ﵊ وَقَالَ اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك»؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَخُصَّ بِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ.
قَالَ ﵀ (وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْأَذَانِ فِي عَدَدِ الْكَلِمَاتِ قَالَ ﵀ (وَيَزِيدُ بَعْدَ فَلَاحِهَا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِمَا وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهَا فُرَادَى لِمَا رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا أُمِرَ بِأَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ وَلَنَا مَا اُشْتُهِرَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ كَانَ يُثَنِّي الْإِقَامَةَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَالْمَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ أَقَامَ كَذَلِكَ وَقَالَ أَبُو مَحْذُورَةَ «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» وَإِنَّمَا قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً بِالتَّرْجِيعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ النَّخَعِيّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَقَصَ الْإِقَامَةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ أَبُو الْفَرْجِ كَانَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مَثْنًى مَثْنًى فَلَمَّا قَامَ بَنُو أُمَيَّةَ أَفْرَدُوا الْإِقَامَةَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ كَانَتْ الْإِقَامَةُ مِثْلَ الْأَذَانِ حَتَّى كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ فَجَعَلُوهَا وَاحِدَةً لِلسُّرْعَةِ إذَا خَرَجُوا، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ كَانَ بِلَالٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤَذِّنُ مَثْنًى وَيُقِيمُ مَثْنًى بِتَوَاتُرِ الْآثَارِ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فُرَادَى لَأَفْرَدَ، قَوْلُهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ إذْ هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا وَمَا سُمِّيَتْ الْإِقَامَةُ إلَّا لِأَجْلِهَا تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ وَلَا حُجَّةَ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا رَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَمْرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ غَيْرَ النَّبِيِّ ﵊ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ بِلَالًا امْتَثَلَ لِأَمْرِهِ أَيْضًا بَلْ نَقَلَ إلَيْنَا مُخَالَفَتَهُ فِعْلًا فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْمُتَوَاتِرَ عَنْهُ.
[كَيْفِيَّة الْأَذَان وَالْإِقَامَة]
قَالَ ﵀ (وَيَتَرَسَّلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْأَذَانِ (وَيَحْدُرُ فِيهَا) أَيْ فِي الْإِقَامَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «يَا بِلَالُ إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ فِي أَذَانِك وَإِذَا أَقَمْت فَأَحْدِرْ وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ» وَالتَّرَسُّلُ التَّمَهُّلُ يُقَالُ عَلَى رِسْلِك وَجَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ وَالْحَدْرُ الْإِسْرَاعُ يُقَالُ حَدَرَ فِي قِرَاءَتِهِ وَحَدُّهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَتِي الْأَذَانِ بِسَكْتَةٍ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ وَيُسَكِّنُ كَلِمَاتِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ شَيْئَانِ يُجْزَمَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا الْآذَانُ وَالْإِقَامَةُ يَعْنِي عَلَى الْوَقْفِ لَكِنْ فِي الْأَذَانِ حَقِيقَةً وَفِي الْإِقَامَةِ يَنْوِي الْوَقْفَ.
قَالَ ﵀ (وَيُسْتَقْبَلُ بِهِمَا الْقِبْلَةُ)؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَالْمَلَكُ النَّازِلُ أَذَّنَ وَأَقَامَ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُمَا مُشْتَمِلَانِ عَلَى الثَّنَاءِ وَأَحْسَنُ أَحْوَالِ الذَّاكِرِينَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَلَوْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَيُكْرَهُ لِتَرْكِهِ الْمُتَوَارَثَ.
قَالَ ﵀ (وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِمَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُوَالَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ كَالْخُطْبَةِ وَيُكْرَهُ رَدُّ السَّلَامِ فِيهِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَرُدُّ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَالْأَذَانُ سُنَّةٌ قُلْنَا يُمْكِنُهُ الرَّدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ وَالتَّأْخِيرِ لِعُذْرِ الْأَذَانِ.
قَالَ ﵀ (وَيَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَوَّلَ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ؛ وَلِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْقَوْمِ فَيُوَاجِهُهُمْ فِيهِ وَلَا يُحَوِّلُ وَرَاءَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَلَا أَمَامَهُ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِهَا مِنْ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: إذَا كَانَ وَحْدَهُ لَا يُحَوِّلُ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَحِلُّ التَّرْجِيعُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) لَعَلَّهُ التَّلْحِينُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ «قَرَأَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيهَا» اهـ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَلَا بَأْسَ بِالتَّطْرِيبِ فِي الْأَذَانِ وَهُوَ تَحْسِينُ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ فَإِنْ تَغَيَّرَ بِلَحْنٍ أَوْ مَدٍّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كُرِهَ وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْ الْأَذْكَارِ أَمَّا فِي قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَا بَأْسَ بِهِ بِإِدْخَالِ مَدٍّ وَنَحْوِهِ اهـ.
وَفِيهِ قَبِيلَ فَصْلِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي صَلَاتِهِ بِالْأَلْحَانِ إنْ غَيَّرَ الْكَلِمَةَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِمَا عُرِفَ فَإِنْ كَانَ فِي حَرْفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ وَهِيَ الْيَاءُ وَالْأَلِفُ وَالْوَاوُ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى إلَّا إذَا فَحُشَ وَإِنْ قَرَأَ بِالْأَلْحَانِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ كَرِهُوا ذَلِكَ وَكَرِهُوا الِاسْتِمَاعَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْفَسَقَةِ بِمَا يَفْعَلُونَهُ فِي فِسْقِهِمْ، وَكَذَا التَّرْجِيعُ بِالْأَذَانِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ اهـ فَقَوْلُهُ: وَكَذَا التَّرْجِيعُ بِالْأَذَانِ مُرَادُهُ بِهِ التَّلْحِينُ وَالتَّطْرِيبُ وَفِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنْ الْخُلَاصَةِ مَا نَصُّهُ وَفِي الْمُنْتَقَى التَّرْجِيعُ بِالْقِرَاءَةِ هَلْ يُكْرَهُ كَأَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِالْأَلْحَانِ وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجِبُ الِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى يُكْرَهُ هَذَا النَّوْعُ فِي الْأَذَانِ اهـ وَهُوَ كَمَا تَرَى يُفِيدُ أَنَّ التَّرْجِيعَ هُوَ التَّلْحِينُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَيَحْدُرُ فِيهَا) هُوَ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﵊ يَا بِلَالُ إلَى آخِرِهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ عَدِيٍّ «وَإِذَا أَقَمْت فَأَحْدِرْ» بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَسْرِعْ اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْأَذَانِ حَقِيقَةٌ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ فَيَثْبُتُ الْوَقْفُ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: لِتَرْكِهِ الْمُتَوَارَثَ) أَيْ الْمَعْهُودَ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ رَدُّ السَّلَامِ فِيهِ) أَيْ وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ بَعْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَلَا يُحَوِّلُ وَرَاءَهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَوْمٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا أَمَامَهُ) أَيْ لَا يَأْتِي بِهِمَا أَمَامَهُ اهـ
стр. 92
لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحَوِّلُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سُنَّةَ الْأَذَانِ فَلَا يُتْرَكُ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي الْيَمِينِ وَالْفَلَاحُ فِي الشِّمَالِ، وَقِيلَ: إنَّ الصَّلَاةَ فِي الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالْفَلَاحُ كَذَلِكَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَالَ ﵀ (وَيَسْتَدِيرُ فِي صَوْمَعَتِهِ) هَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ بِأَنْ كَانَتْ الصَّوْمَعَةُ مُتَّسِعَةً فَيَسْتَدِيرُ وَيُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْهَا لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِهِ، وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ فَلَا يَسْتَدِيرُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ أَذَانِ بِلَالٍ.
قَالَ ﵀ (وَيَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِبِلَالٍ اجْعَلْ إصْبَعَيْك فِي أُذُنَيْك فَإِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ أَصْلِيَّةٍ إذْ لَيْسَ هُوَ فِي أَذَانِ صَاحِبِ الرُّؤْيَا وَلَمْ يُشْرَعْ لِأَصْلِ الْإِعْلَامِ بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ وَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ بِقَوْلِهِ «فَإِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» وَإِنْ جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ وَوَضَعَهَا عَلَى أُذُنَيْهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ جَعَلَ إحْدَى يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ فَحَسَنٌ.
قَالَ ﵀ (وَيُثَوِّبُ) وَمَعْنَاهُ الْعَوْدُ إلَى الْإِعْلَامِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْبَلْخِيّ وَأَبُو يُوسُفَ عَنْ أَصْحَابِنَا قَالَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ فِي نَفْسِ أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ أَنَّ التَّثْوِيبَ الْأَوَّلَ كَانَ فِي الْفَجْرِ بَعْدَ الْأَذَانِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَأَحْدَثَ النَّاسُ هَذَا التَّثْوِيبَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ وَهُوَ حَسَنٌ وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بَعْدَ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الرُّجُوعِ وَالْعَوْدِ إلَى الْإِعْلَامِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَتَثْوِيبُ كُلِّ بِلَادٍ عَلَى مَا تَعَارَفَ أَهْلُهَا وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْفَجْرِ، ثُمَّ يَقْعُدَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ عِشْرِينَ آيَةً، ثُمَّ يُثَوِّبَ، ثُمَّ يَقْعُدَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُقِيمَ وَهُوَ فِي الْفَجْرِ خَاصَّةً وَكُرِهَ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي حَقِّ أُمَرَاءِ زَمَانِهِ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ أُمَرَاءُ زَمَانِنَا مِثْلَهُمْ فَلَا يُخَصُّونَ بِشَيْءٍ وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَلِهَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْكِتَابِ.
قَالَ ﵀ (وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الْمَغْرِبِ) أَيْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَا رَوَيْنَا وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِبِلَالٍ اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك نَفَسًا يَفْرُغُ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ مَهْلًا وَالْمُتَعَشِّي مِنْ عَشَائِهِ»؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِيَتَأَهَّبَ السَّامِعُونَ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا لِيَحْصُلَ بِهِ الْمَقْصُودُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارَ الْفَصْلِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ عِشْرِينَ آيَةً وَفِي الظُّهْرِ قَدْرَ مَا يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ وَفِي الْعَصْرِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا عِشْرِينَ آيَةً وَالْعِشَاءِ كَالظُّهْرِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ ﵊ «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ إنْ شَاءَ» وَفِي الْمَغْرِبِ لَا يَجْلِسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً؛ لِأَنَّ الْوَصْلَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحْصُلُ الْفَصْلُ بِالسَّكْتَةِ لِوُجُودِهَا بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ فَيَجْلِسُ كَمَا بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَكَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهٌ فَيَكْتَفِي بِأَدْنَى الْفَصْلِ احْتِرَازًا عَنْهُ بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ فِيهَا مُتَّحِدٌ، وَكَذَا النَّغْمَةُ فِيهَا مُتَّحِدَةٌ وَفِي مَسْأَلَتِنَا كِلَاهُمَا مُخْتَلِفٌ وَهَذَا لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ فِي الْمَنَارَةِ وَالْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَتَرَسَّلَ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ فِي الْإِقَامَةِ وَمِقْدَارُ السَّكْتَةِ عِنْدَهُ قَدْرُ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ وَرُوِيَ عَنْهُ قَدْرُ مَا يَخْطُو ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ وَعِنْدَهُمَا يَجْلِسُ مِقْدَارَ الْجِلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا
قَالَ ﵀ (وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «قَضَى الْفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ وَالضَّابِطُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ فَرْضٍ كَانَ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً يُؤَذَّنُ لَهُ وَيُقَامُ سَوَاءٌ أَدَّاهُ مُنْفَرِدًا أَوْ بِجَمَاعَةٍ إلَّا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّ أَدَاءَهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مَكْرُوهٌ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ ﵀ (وَكَذَا الْأُولَى الْفَوَائِتُ) يَعْنِي، وَكَذَا إذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى مِنْهَا وَيُقِيمُ لِمَا رَوَيْنَا وَلِمَا نَرْوِي قَالَ ﵀ (وَخُيِّرَ فِيهِ) أَيْ فِي الْأَذَانِ (لِلْبَاقِي) أَيْ فِيمَا عَدَا الْأُولَى إنْ شَاءَ أَذَّنَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحَوِّلُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سُنَّةَ الْأَذَانِ) حَتَّى قَالُوا فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ لِلْمَوْلُودِ يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً عِنْدَ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. اهـ. ابْنُ فِرِشْتَا وَفِي الْبُسْتَانِ لَا يُحَوِّلُ فِي الْإِقَامَةِ إلَّا لِإِنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ، ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ) أَيْ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْأَذَانُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ سَائِرَ الْجَوَانِبِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ) أَيْ مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ بِأَنْ كَانَتْ صَوْمَعَتُهُ صَغِيرَةً. اهـ. .
(قَوْلُهُ: فَحَسَنٌ) أَيْ الْأَذَانُ حَسَنٌ لَا تَرْكُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ ﷺ بِلَالًا فَلَا يَلِيقُ أَنْ يُوصَفَ تَرْكُهُ بِالْحَسَنِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: أَصَابِعُهُ الْأَرْبَعُ) أَيْ الْإِبْهَامُ وَالسَّبَّابَةُ مِنْ كُلِّ يَدٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ أُمَرَاءُ زَمَانِنَا إلَى آخِرِهِ) أَيْ لِأَنَّهُمْ يَشْتَغِلُونَ بِأُمُورِ دُنْيَاهُمْ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) هُوَ مِنْ التَّغْلِيبِ إذْ الْمُرَادُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَصْلَ) أَيْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
[التأذين للفائتة]
(قَوْلُهُ: إلَّا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أَيْ، وَإِلَّا مَا تُؤَدِّيهِ النِّسَاءُ أَوْ تَقْضِيهِ بِجَمَاعَتِهِنَّ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَمَّتْهُنَّ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ حِينَ كَانَتْ جَمَاعَتُهُنَّ مَشْرُوعَةً وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَةَ أَيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُمَا لَمَّا كَانَ هُوَ السُّنَّةُ حَالَ شَرْعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ كَانَ حَالَ الْإِفْرَادِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَلِمَا رُوِيَ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ اهـ
стр. 93
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «شَغَلَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ»؛ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ لِلِاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَوْ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأُولَى تُقْضَى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَالْبَاقِي بِالْإِقَامَةِ لَا غَيْرُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ إنَّ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ هُوَ قَوْلُ الْكُلِّ وَالْمَذْكُورُ فِي الظَّاهِرِ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ لَا خِلَافَ فِيهَا.
قَالَ ﵀ (وَلَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ وَقْتٍ وَيُعَادُ فِيهِ) أَيْ يُعَادُ فِي الْوَقْتِ إذَا أَذَّنَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ يَجُوزُ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِأَذَانِ الصُّبْحِ لَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَأَهَّبُوا، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «يَا بِلَالُ لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ فِي الْإِمَامِ وَرِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ » وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهُ مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ قَالَ اسْتَيْقَظْت وَأَنَا وَسْنَانُ فَظَنَنْت أَنَّ الْفَجْرَ طَلَعَ فَأَمَرَهُ ﵊ أَنْ يُنَادِيَ إنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ» وَلَيْسَ لَهُمَا فِيمَا رَوَيَاهُ حُجَّةٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا إخْبَارُهُ ﵇ بِفِعْلِ بِلَالٍ وَنَهَاهُ أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ وَفِعْلُهُ لَا يُعَارِضُ نَهْيَهُ ﵊.
وَالثَّانِي - أَنَّ أَذَانَهُ كَانَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ طَالِعٌ وَلِهَذَا عَتَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَكَى وَقَالَ لَيْتَ بِلَالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إلَّا مِقْدَارُ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَصْعَدُ هَذَا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا يَقْصِدَانِ وَقْتًا وَاحِدًا وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ فَيُصِيبُهُ أَحَدُهُمَا وَيُخْطِئُهُ الْآخَرُ.
وَالثَّالِثُ - قَالَ صَاحِبُ الْإِمَامِ قَوْلُهُ ﵊ إنَّ «بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ» لَمْ يَكُنْ فِي سَائِرِ الْعَامِّ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ قُلْنَا هَذَا لَمْ يَكُنْ أَذَانًا وَإِنَّمَا كَانَ تَذْكِيرًا وَتَسْحِيرًا كَالْعَادَةِ الْفَاشِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي رَمَضَانَ وَإِنْكَارُ السَّلَفِ عَلَى مَنْ أَذَّنَ بِلَيْلٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بِسَنَدِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ قَالُوا لَهُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَعِدْ أَذَانَك وَسَمِعَ عَلْقَمَةُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ كَانَ نَائِمًا لَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَأَمْثَالُهُ كَثِيرَةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ وَلِأَنَّ جَوَازَهُ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ يُؤَدِّي إلَى الْتِبَاسِ أَذَانِ الْفَجْرِ بِأَذَانِ الْمَغْرِبِ وَإِلَى وُقُوعِ أَذَانِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَهَذَا مُحَالٌ فَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ فَسَادُهُ وَهَذِهِ التَّوْقِيتَاتُ الَّتِي وَقَّتُوهَا مِنْ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ وَجَمِيعِ اللَّيْلِ مُخْتَرَعَةٌ لَمْ تُرْوَ عَنْهُ ﵊ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ ﵀ (وَكُرِهَ أَذَانُ الْجُنُبِ وَإِقَامَتُهُ وَإِقَامَةُ الْمُحْدِثِ وَأَذَانُ الْمَرْأَةِ وَالْفَاسِقِ وَالْقَاعِدِ وَالسَّكْرَانِ) أَمَّا أَذَانُ الْجُنُبِ وَإِقَامَتُهُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ»؛ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إلَى مَا لَا يُجِيبُ بِنَفْسِهِ فَيُكْرَهَانِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَيُعَادَانِ فِي رِوَايَةٍ وَلَا يُعَادَانِ فِي أُخْرَى وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُعَادَ الْأَذَانُ دُونَ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ دُونَ الْإِقَامَةِ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ الْأَذَانُ وَالصَّلَاةُ، وَأَمَّا إقَامَةُ الْمُحْدِثِ فَلِمَا رَوَيْنَا وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ لَا تُكْرَهُ إقَامَتُهُ وَفِي كَرَاهِيَةِ أَذَانِ الْمُحْدِثِ رِوَايَتَانِ كَإِقَامَتِهِ وَالْفَرْقُ عَلَى إحْدَاهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَابَةِ أَنَّ لِلْأَذَانِ شَبَهًا بِالصَّلَاةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: يَوْمَ الْخَنْدَقِ) أَيْ وَهُوَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: أَوْ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ إنْ شَاءَ مَالَ إلَى إيقَاعِ الْقَضَاءِ عَلَى وَفْقِ الْأَدَاءِ فَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ وَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى كَوْنِ الْأَذَانِ لِلِاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ فَيَكْتَفِي بِالْإِقَامَةِ قِيلَ إذَا كَانَ الرِّفْقُ مُتَعَيِّنًا فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا كَقَصْرِ الصَّلَاةِ لِلْمُسَافِرِ وَالرِّفْقُ هُنَا مُتَعَيَّنٌ فِي مُجَرَّدِ الْإِقَامَةِ فَلَا يَتَخَيَّرُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ فِي الْفَرَائِضِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ سُنَّةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: هُوَ قَوْلُ الْكُلِّ وَالْمَذْكُورُ) أَيْ مِنْ التَّخْيِيرِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الظَّاهِرِ) أَيْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ فِيهَا) أَيْ فِي أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ بِلَا تَخْيِيرٍ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ إلَى آخِرِهِ) ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَازِمًا وَلَكِنَّهُ لَمَّا حَجَّ مَعَ الرَّشِيدِ رَأَى وُقُوفَ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا رَجَعَ فَأَفْتَى بِلُزُومِ الْوَقْفِ وَرَجَعَ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ إحْدَاهُمَا هَذِهِ وَالثَّانِيَةُ تَقْدِيرُهُ الصَّاعَ بِثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ وَالثَّالِثَةُ أَذَانُ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي رَوَّادٍ) كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَصَوَابُهُ ابْنُ. (قَوْلُهُ: إنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ) أَيْ قَدْ أَذَّنَ فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ. اهـ. رَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّ فِي بَصَرِهِ شَيْئًا». اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: مَا يَنْزِلُ هَذَا) أَيْ بِلَالٌ (قَوْلُهُ: وَيَصْعَدُ هَذَا) أَيْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ (قَوْلُهُ: فَيُصِيبُهُ أَحَدُهُمَا) وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْجَمَاعَةُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَيُخْطِئُهُ الْآخَرُ) وَهُوَ بِلَالٌ لِمَا لَمْ يُبْصِرْهُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ إنْكَارِ السَّلَفِ. اهـ. .
[أَذَان الجنب وَالْمَرْأَة والمحدث والسكران]
(قَوْلُهُ: إلَّا مُتَوَضِّئٌ) فَالْإِقَامَةُ أَوْلَى لِاتِّصَالِهَا بِالصَّلَاةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعِدْ) أَيْ الْأَذَانَ (قَوْلُهُ: مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ اهـ
стр. 94
مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُشْتَرَطُ لَهُ دُخُولُ الْوَقْتِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَشَبَهًا بِغَيْرِهَا فَيُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ عَنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَأَمَّا أَذَانُ الْمَرْأَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ حِينَ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِنَّ فَيَكُونُ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ انْتِسَاخِ جَمَاعَتِهِنَّ؛ وَلِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ وَيُؤَذِّنَ عَلَى الْمَكَانِ الْعَالِي وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ وَالْمَرْأَةُ مَنْهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِهَذَا «جَعَلَ النَّبِيُّ ﵊ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ» وَيُعَادُ أَذَانُهَا اسْتِحْبَابًا لِوُقُوعِهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ، وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُوثَقُ بِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا فَلَمْ يُوجَدْ الْإِعْلَامُ، وَأَمَّا الْقَاعِدُ فَلِأَنَّ الْمَلَكَ النَّازِلَ أَذَّنَ قَائِمًا؛ وَلِأَنَّ الْقَائِمَ أَبْلَغُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِنَفْسِهِ قَاعِدًا مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ الْأَذَانِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْإِعْلَامِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلِفِسْقِهِ أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهُ قَالَ ﵀ (لَا أَذَانُ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَابِيِّ) أَيْ لَا يُكْرَهُ أَذَانُ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ مَقْبُولٌ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَيَكُونُ مُلْزِمًا فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ.
قَالَ ﵀ (وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا لِلْمُسَافِرِ) أَيْ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ «إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا»؛ وَلِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ فَلَا يُسْقِطُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهَا وَلَا يُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُ الْأَذَانِ وَيُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُ الْإِقَامَةِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ الْمُسَافِرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ وَلَمْ يُؤَذِّنْ؛ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِيَحْضُرَ الْمُتَفَرِّقُونَ فِي أَشْغَالِهِمْ وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ وَالْإِقَامَةُ لِإِعْلَامِ الِافْتِتَاحِ وَهُمْ إلَيْهِ مُحْتَاجُونَ قَالَ ﵀ (لَا لِمُصَلٍّ فِي بَيْتِهِ فِي الْمِصْرِ) أَيْ لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُمَا لِمَنْ يُصَلِّي فِي الْمِصْرِ إذَا وُجِدَا فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ قَدْ وَجَدَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ فِي حَقِّهِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَذَانُ الْحَيِّ يَكْفِينَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَصَّبُوا مُؤَذِّنًا صَارَ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِمْ حُكْمًا بِالِاسْتِنَابَةِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْمٍ صَلَّوْا فِي الْمِصْرِ فِي مَنْزِلٍ وَاكْتَفَوْا بِأَذَانِ النَّاسِ أَجْزَأَهُمْ وَقَدْ أَسَاءُوا فَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ ﵀ (وَنُدِبَا لَهُمَا لَا لِلنِّسَاءِ) أَيْ نُدِبَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ فِي بَيْتِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ لَا لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَعَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ كَرَاهِيَتُهُمَا لَهُنَّ وَلَيْسَ عَلَى الْعَبِيدِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ وَجَمَاعَتُهُمْ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَلِهَذَا لَمْ يُشْرَعْ التَّكْبِيرُ عَقِيبَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ)
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إلَى آخِرِهِ) أَيْ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِهَا فَبِالنَّظَرِ إلَى الْحَقِيقَةِ قُلْنَا لَا يُكْرَهُ مَعَ الْحَدَثِ وَبِالنَّظَرِ إلَى الشَّبَهِ قُلْنَا يُكْرَهُ مَعَ الْجَنَابَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُعْكَسْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ الشَّبَهُ فِي الْحَدَثِ وَقُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَفِي الْجَنَابَةِ تَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَيَلْغُو الْعَمَلُ بِجَانِبِ الْحَقِيقَةِ اهـ (قَوْلُهُ: وَشُبِّهَا بِغَيْرِهَا) أَيْ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ اهـ (قَوْلُهُ: فَيُشْتَرَطُ لَهُمَا) أَيْ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (قَوْلُهُ: وَيُعَادُ أَذَانُهَا اسْتِحْبَابًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ أَذَانِ أَرْبَعَةٍ الْجُنُبُ وَالْمَرْأَةُ وَالسَّكْرَانُ وَالْمَجْنُونُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِنَفْسِهِ قَاعِدًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ الشَّيْخُ بَاكِيرٌ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ رَاكِبًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ رَاكِبًا فِي السَّفَرِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْأَذَانَ أَصْلًا فِي السَّفَرِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ رَاكِبًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَيَنْزِلَ لِلْإِقَامَةِ اهـ، ثُمَّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَذَانُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنَّ أَذَانَ الرَّجُلِ أَفْضَلُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا لِلْمُسَافِرِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ اكْتَفَى بِالْإِقَامَةِ جَازَ قَالَ الْكَمَالُ لَمَّا ثَبَتَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ سُقُوطُ الْأَذَانِ دُونَ الْإِقَامَةِ كَمَا بَعْدَ أُولَى الْفَوَائِتِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ وَثَانِي الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ صَرَّحَ ظَهِيرُ الدِّينِ فِي الْحَوَاشِي بِأَنَّ الْإِقَامَةَ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ نَقْلًا مِنْ الْمَبْسُوطِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا أَيْ لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ لِلْأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ؛ وَلِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ فَلَا تَسْقُطُ لَوَازِمُهَا الشَّرْعِيَّةُ أَعْنِي دُعَاءَهُمْ فَالتَّرْكُ لِلْكُلِّ حِينَئِذٍ تَرْكٌ لِلْجَمَاعَةِ صُورَةً وَتَشَبُّهًا إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَتَرْكُ الْمَجْمُوعِ لَوَازِمُهَا إنْ كَانَتْ بِجَمَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ تَارِكِهِمَا فِي بَيْتِهِ فِي الْمِصْرِ حَيْثُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ أَذَانَ الْمَحَلَّةِ وَإِقَامَتَهَا كَأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ) الصَّوَابُ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ وَابْنُ عَمٍّ لَهُ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى آخِرِهِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَقَالَ يَكْفِينَا أَذَانُ الْحَيِّ وَإِقَامَتُهُمْ؛ وَلِأَنَّ مُؤَذِّنَ الْحَيِّ نَائِبٌ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَصَّبُوهُ لِلْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَكَانَ أَذَانُهُ وَإِقَامَتُهُ كَأَذَانِ الْكُلِّ وَإِقَامَتِهِمْ وَعَنْ هَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُسَافِرِ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ
стр. 95
قَالَ ﵀ (هِيَ) أَيْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ (طَهَارَةُ بَدَنِهِ مِنْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «اغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي».
قَالَ ﵀ (وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أَيْ مَحَلُّ زِينَتِكُمْ وَالْمُرَادُ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ فِي الْأَوَّلِ وَعَكْسُهُ فِي الثَّانِي وَلِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» أَيْ الْبَالِغَةِ، وَالثَّوْبُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِفُ مَا تَحْتَهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ مَعْنًى وَشَرَطَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ سَتْرَ عَوْرَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ رَأَى فَرْجَهُ مِنْ زِيقِهِ أَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَرَاهُ لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَلْتَصِقْ بِصَدْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ وَسَتَرَ بِهَا يَجُوزُ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ السِّتْرِ بِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا تَجُوزُ وَعَامَّتُهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا السَّتْرَ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مَسُّهَا وَالنَّظَرُ إلَيْهَا.
وَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ نَصًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْلُولَ الْجَيْبِ فَنَظَرَ إلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتَهُ لَكِنْ لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ إنْسَانٌ مِنْ تَحْتِهِ رَأَى عَوْرَتَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَاشِفٍ لِلْعَوْرَةِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الصَّلَاةُ فِي السَّرَاوِيلِ وَحْدَهَا تُشْبِهُ فِعْلَ أَهْلِ الْجَفَاءِ قَالَ ﵀ (وَهِيَ مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ) أَيْ مَا بَيْنَهُمَا هُوَ الْعَوْرَةُ لِقَوْلِهِ ﵊ «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ» وَيُرْوَى مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ رُكْبَتَهُ، وَكَلِمَةُ إلَى نَحْمِلُهَا عَلَى كَلِمَةِ مَعَ عَمَلًا بِكَلِمَةِ حَتَّى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: مِنْ حَدَثٍ) أَيْ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ اهـ ع قِيلَ: إنَّمَا قَدَّمَ الْحَدَثَ لِأَنَّهُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ لَيْسَ بِعَفْوٍ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ مِنْ النَّجَسِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْقَطْرَةَ مِنْ الْخَمْرِ أَوْ الدَّمِ أَوْ الْبَوْلِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ تَنَجَّسَ وَالْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَا يَنْجُسُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ (فَرْعٌ) النَّفَلُ وَالْفَرْضُ فِي شَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا سَوَاءٌ إلَّا فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةٍ فِي الْفَرْضِ وَثَلَاثَةٍ فِي السُّنَّةِ فَأَمَّا الْفَرْضُ فَتَرْكُ الْقِيَامِ فِيهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَوَازُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالْإِيمَاءِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ وَجَوَازُهَا بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَرَاهَةُ فِعْلِهَا فِي جَمَاعَةٍ وَأَنْ لَا يُؤَذِّنَ لَهَا وَأَنْ يَقْعُدَ فِي تَشَهُّدِهَا كَيْفَ شَاءَ كَالْمَرِيضِ لَا يُسَنُّ لَهُ قُعُودٌ دُونَ قُعُودٍ اهـ صَلَاةٌ جَلَّابِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَخَبَثٍ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ النَّجَاسَةُ مُغَلَّظَةً كَانَتْ أَوْ مُخَفَّفَةً اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَمَكَانُهُ) فَهَلْ يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ مَكَانِ الْمَيِّتِ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يُنْظَرُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى الْهَامِشِ.
(مَسْأَلَةٌ) صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ وَعَلَى جَانِبِهِ نَجَاسَةٌ كَثِيرَةٌ وَقِيَامُهُ عَلَى الطَّاهِرِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ صَغِيرًا كَانَ الْبِسَاطُ أَوْ كَبِيرًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الْبِسَاطُ كَبِيرًا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَالْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ هُوَ أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ أَحَدَ طَرَفَيْهِ لَا يَتَحَرَّكُ الطَّرَفُ الْآخَرُ فَهُوَ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ الطَّرَفُ الْآخَرُ فَهُوَ صَغِيرٌ وَاسْتَدَلُّوا بِمَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الزِّيَادَاتِ قَالَ إنْ كَانَ ثَوْبٌ طَوِيلٌ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ نَجَاسَةٌ كَثِيرَةٌ وَتَوَشَّحَ بِطَرَفِهِ الطَّاهِرِ وَصَلَّى وَطَرَفُهُ النَّجَسُ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الطَّرَفُ النَّجَسُ الْمُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ يَتَحَرَّكُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ فَجَعَلُوا حُكْمَ الْبِسَاطِ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. طح.
(قَوْلُهُ: إطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ) أَيْ لِأَنَّ أَخْذَ عَيْنِ الزِّينَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فَأُرِيدَ مَحَلُّهَا وَهُوَ الثَّوْبُ. اهـ. كَافِي (قَوْلُهُ: وَعَكْسُهُ فِي الثَّانِي) أَيْ فَإِنَّ السِّتْرَ لَا يَجِبُ لِعَيْنِ الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الطَّوَافِ عُرْيَانًا فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ سِتْرَهُ لِلصَّلَاةِ لَا لِأَجْلِ النَّاسِ حَتَّى لَوْ صَلَّى وَحْدَهُ وَلَمْ يَسْتُرْ عَوْرَتَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحَدٌ فَإِنْ قِيلَ الْآيَةُ وَرَدَتْ فِي الطَّوَافِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهَا قُلْنَا الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَهَا هُنَا اللَّفْظُ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فَيُمْنَعُ الْقَصْرُ عَلَى مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ وَرَدَتْ الْآيَةُ فِي سَبَبٍ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا سِوَاهُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَإِنْ عَمَّ اللَّفْظُ وَهَا هُنَا تَنَاوَلَتْ الطَّوَافَ الَّذِي وَرَدَتْ لِأَجْلِهِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا الِافْتِرَاضِ حَتَّى لَوْ طَافَ عُرْيَانًا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ قُلْنَا الْأَمْرُ يُحْمَلُ عَلَى الِافْتِرَاضِ إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِهِ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ السِّتْرِ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ وَلَا دَلِيلَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَيَبْقَى الْأَمْرُ فَرْضًا. اهـ. كَاكِيٌّ.
قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِجْمَاعُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَمْنُوعَةٌ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: الْبَالِغَةُ) هُوَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ إذْ الْحَيْضُ أَحَدُ أَسْبَابِ الْبُلُوغِ أَوْ ذَكَرَ الْمَلْزُومَ وَأَرَادَ بِهِ اللَّازِمَ فَإِنَّ كُلَّ حَائِضٍ بَالِغَةٌ وَلَا يَنْعَكِسُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ وَتَجُوزُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ تَحْتَهُ نَجَاسَةٌ وَفِيهِ خِلَافٌ. اهـ. قُنْيَةٌ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ) أَيْ إزَارٌ وَرِدَاءٌ (قَوْلُهُ: أَهْلُ الْجَفَاءِ) أَيْ الْغِلْظَةُ وَالْمُرَادُ الْعَوَامُّ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَهِيَ مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ) وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ الْفَضْلِيُّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى نَبَاتِ الشَّعْرِ مِنْ الْعَانَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لِتَعَامُلِ الْعُمَّالِ فِي الْإِبْدَاءِ عَنْهُ عِنْدَ الِاتِّزَارِ وَفِي الْمَنْعِ عَنْ الْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ نَوْعُ حَرَجٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ إذْ التَّعَامُلُ بِخِلَافِ النَّصِّ لَا يُعْتَبَرُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: عَمَلًا بِكَلِمَةِ حَتَّى) أَيْ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ وَحَدِيثُ حَتَّى يُجَاوِزَ رُكْبَتَهُ لَمْ يُعْرَفْ وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَكَلِمَةٌ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ تَمَامَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى كَوْنِ حَدِيثِ الرُّكْبَةِ مِمَّا يُحْتَجُّ وَلَهُ طَرِيقَانِ مَعْنَوِيَّانِ وَهُمَا أَنَّ الْغَايَةَ قَدْ تَدْخُلُ وَقَدْ تَخْرُجُ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ فَحَكَمْنَا بِدُخُولِهَا احْتِيَاطًا وَأَنَّ الرُّكْبَةَ مُلْتَقَى عَظْمِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا فَاجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَا مُمَيِّزَ وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ وَجْهُ كَوْنِ الْمَوْضِعِ مَوْضِعَ الِاحْتِيَاطِ. اهـ. كَمَالٌ
стр. 96
أَوْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊ «الرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ» وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ وَالرُّكْبَةَ مِنْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَالَ ﵀ (وَبَدَنُ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وَالْمُرَادُ مَحَلُّ زِينَتِهِنَّ وَمَا ظَهَرَ مِنْهَا الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَاسْتَثْنَى فِي الْمُخْتَصَرِ الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ لِلِابْتِلَاءِ بِإِبْدَائِهَا؛ وَلِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى الْمُحْرِمَةَ عَنْ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ» وَلَوْ كَانَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ مِنْ الْعَوْرَةِ لَمَا حَرُمَ سَتْرُهُمَا بِالْمِخْيَطِ وَفِي الْقَدَمِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ لِلِابْتِلَاءِ بِإِبْدَائِهَا.
قَالَ ﵀ (وَكَشْفُ رُبْعِ سَاقِهَا يَمْنَعُ) يَعْنِي جَوَازَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ رُبْعَ الشَّيْءِ يَحْكِي حِكَايَةَ الْكُلِّ كَمَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَامِ حَتَّى يَصِيرَ بِهِ حَلَالًا فِي أَوَانِهِ وَيَلْزَمُهُ الدَّمُ قَبْلَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ انْكِشَافُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُوصَفُ بِالْكَثْرَةِ إذَا كَانَ مَا يُقَابِلُهُ أَقَلَّ مِنْهُ وَفِي النِّصْفِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَمْنَعُ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الْقِلَّةِ وَلَا يُمْنَعُ فِي أُخْرَى لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ قَالَ ﵀ (وَكَذَا الشَّعْرُ وَالْبَطْنُ وَالْفَخِذُ وَالْعَوْرَةُ الْغَلِيظَةُ) يَعْنِي رُبْعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَمْنَعُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عُضْوٌ كَامِلٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْمُرَادُ بِالشَّعْرِ مَا اُسْتُرْسِلَ مِنْ الرَّأْسِ هُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ مَا عَلَى الرَّأْسِ لَا مَا اُسْتُرْسِلَ مِنْهُ وَالْغَلِيظَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ وَمَا حَوْلَهُمَا وَالْخَفِيفَةُ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَقَدْ سَوَّى فِي الْمُخْتَصَرِ بَيْنَ الْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ فِي اعْتِبَارِ الرُّبْعِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ يُعْتَبَرُ فِي الْغَلِيظَةِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ اعْتِبَارًا بِالنَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَهَذَا غِلَظٌ؛ لِأَنَّ تَغْلِيظَهُ يُؤَدِّي إلَى تَخْفِيفِهِ أَوْ إلَى الْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ مَا لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّ كَشْفَ جَمِيعِ الْغَلِيظَةِ أَوْ أَكْثَرِهَا لَا يَمْنَعُ وَرُبْعُ الْخَفِيفَةِ يَمْنَعُ فَهَذَا أَمْرٌ شَنِيعٌ.
وَالِانْكِشَافُ الْكَثِيرُ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، حَتَّى لَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ كُلُّهَا وَغَطَّاهَا فِي الْحَالِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَالْقَلِيلُ مُقَدَّرٌ بِمَا لَا يُؤَدِّي فِيهِ الرُّكْنَ وَإِنْ أَحْرَمَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِيهَا، وَكَذَا مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ وَالذَّكَرُ يُعْتَبَرُ بِانْفِرَادِهِ، وَكَذَا الْأُنْثَيَانِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الدِّيَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُضَمُّ الذَّكَرُ إلَى الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِيلَادُ وَاخْتَلَفُوا فِي الدُّبُرِ هَلْ هُوَ عَوْرَةٌ مَعَ الْأَلْيَتَيْنِ أَوْ كُلِّ أَلْيَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ عَلَى حِدَةٍ وَالدُّبُرُ ثَالِثُهُمَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ثَالِثُهُمَا وَالرُّكْبَةُ تُعْتَبَرُ بِانْفِرَادِهَا فِي رِوَايَةٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَبَعٌ لِلْفَخِذِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُضْوٍ عَلَى حِدَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مُلْتَقَى عَظْمِ الْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ فَيَغْلِبُ الْمُحَرَّمُ عِنْدَ تَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ وَثَدْيُ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ نَاهِدَةً فَهِيَ تَبَعٌ لِصَدْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُنْكَسِرَةً فَهِيَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊ «الرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ») هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْكَمَالُ وَعُقْبَةُ هَذَا هُوَ الْيَشْكُرِيُّ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ظَهْرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَفِي الدِّرَايَةِ، وَاعْتُرِضَ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكَفِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ظَهْرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لُغَةً يَتَنَاوَلُ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ وَلِهَذَا يُقَالُ ظَهْرُ الْكَفِّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَفَّ عُرْفًا وَاسْتِعْمَالًا يَتَنَاوَلُ ظَهْرَهُ اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْلَ الْقَائِلِ الْكَفُّ يَتَنَاوَلُ ظَاهِرُهُ أَغْنَاهُ عَنْ تَوْجِيهِ الدَّفْعِ إذْ إضَافَةُ الظَّاهِرِ إلَى مُسَمَّى الْكَفِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ اهـ وَفِي الدِّرَايَةِ وَفِي مُخْتَلِفَاتِ قَاضِي الْغِنَى ظَاهِرُ الْكَفِّ وَبَاطِنُهُ لَيْسَ بِعَوْرَتَيْنِ إلَى الرُّسْغِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ظَاهِرُ الْكَفِّ عَوْرَةٌ بَاطِنُهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ ذِرَاعَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ كَذَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ وَالْكَاكِيِّ وَفِي الْمَبْسُوطِ فِي الذِّرَاعِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَوْرَةٌ اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ كَوْنِهِ لَيْسَ عَوْرَةً وَجَوَازِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَحِلُّ النَّظَرِ مَنُوطٌ بِعَدَمِ خَشْيَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعَوْرَةِ وَلِذَا حَرُمَ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَوَجْهُ الْأَمْرَدِ إذَا شَكَّ فِي الشَّهْوَةِ وَلَا عَوْرَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْآيَةِ مَا ظَهَرَ) أَيْ فَالْقَدَمُ لَيْسَ مَوْضِعَ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ عَادَةً وَلِذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي قَرْعَ الْخَلْخَالِ قَالَ فَأَفَادَ أَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: بِالْمِخْيَطِ) لَيْسَ لَهُ مَعْنًى اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: انْكِشَافُ الْأَكْثَرِ) أَيْ أَكْثَرُ السَّاقِ (قَوْلُهُ: لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الْقِلَّةِ) لِأَنَّ الْمَعْفُوَّ هُوَ الْقَلِيلُ وَالنِّصْفُ لَيْسَ بِقَلِيلٍ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُهُ لَيْسَ بِكَثِيرٍ فَلَا يَكُونُ عَفْوًا. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ) أَيْ لِأَنَّ النِّصْفَ لَيْسَ بِكَثِيرٍ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُهُ لَيْسَ بِكَثِيرٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عُضْوٌ كَامِلٌ أَيْ وَلِهَذَا لَوْ حَلَقَ شَعْرَهَا وَلَمْ يَنْبُتْ تَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ وَفِي الْخَبَّازِيَّةِ جَعَلَ الشَّعْرَ مِنْ الْأَعْضَاءِ لِلتَّغْلِيبِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْآدَمِيِّ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: مَا اُسْتُرْسِلَ) أَيْ وَهُوَ مَا نَزَلَ تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ، وَأَمَّا الَّذِي عَلَى الرَّأْسِ فَتَابِعٌ لَهُ (قَوْلُهُ: لَا مَا اُسْتُرْسِلَ مِنْهُ) أَيْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْبَعْضِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ سَوَّى فِي الْمُخْتَصَرِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ حَيْثُ قَالَ وَكَشْفُ رُبْعِ سَاقِهَا يَمْنَعُ (قَوْلُهُ: مَا لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ) وَهُوَ الدُّبُرُ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْثَرُهَا لَا يَمْنَعُ) وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ قِيلَ إنَّ الْغَلِيظَةَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مَعَ مَا حَوْلَهُمَا فَيَجُوزُ كَوْنُهُ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ. اهـ. فَتْحٌ وَالِانْكِشَافُ الْقَلِيلُ فِي الزَّمَنِ الْكَثِيرِ أَيْضًا لَا يُفْسِدُ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) أَيْ وَإِنْ كَشَفَهَا بِفِعْلِهِ فَسَدَتْ فِي الْحَالِ. اهـ. قُنْيَةٌ (قَوْلُهُ: وَالرُّكْبَةُ تُعْتَبَرُ بِانْفِرَادِهَا) أَيْ فَكَشْفُ رُبْعِهَا يَمْنَعُ (قَوْلُهُ: وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ) أَيْ فَخِذُ الرَّجُلِ عَوْرَةٌ وَسَاقُهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَالرُّكْبَةُ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا جُعِلَتْ تَبَعًا لِلْفَخِذِ دُونَ السَّاقِ فَجُعِلَتْ عَوْرَةً تَغْلِيبًا لِلْمُحَرَّمِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَيَغْلِبُ الْمُحَرَّمُ) أَيْ فَتُجْعَلُ الرُّكْبَةُ مِنْ الْفَخِذِ لَا مِنْ السَّاقِ
стр. 97
أَصْلٌ بِنَفْسِهَا وَأُذُنُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ بِانْفِرَادِهَا وَإِنْ انْكَشَفَتْ الْعَوْرَةُ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ تَجْمَعُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ امْرَأَةً صَلَّتْ وَانْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهَا وَشَيْءٌ مِنْ ظَهْرِهَا وَشَيْءٌ مِنْ فَرْجِهَا وَشَيْءٌ مِنْ فَخِذِهَا وَلَوْ جُمِعَ بَلَغَ رُبْعَ أَدْنَى عُضْوٍ مِنْهَا مَنَعَ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَكَذَا الطِّيبُ الْمُتَفَرِّقُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَالنَّجَاسَةُ الْمُتَفَرِّقَةُ (قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ) يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَدْنَى يُؤَدِّي إلَى أَنَّ الْقَلِيلَ يَمْنَعُ وَلَمْ يَبْلُغْ رُبْعَ الْمُنْكَشِفِ بَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ انْكَشَفَ نِصْفُ ثُمُنِ الْفَخِذِ مَثَلًا وَنِصْفُ ثُمُنِ الْأُذُنِ يَبْلُغُ رُبْعَ الْأُذُنِ وَأَكْثَرَ وَلَمْ يَبْلُغْ رُبْعَ جَمِيعِ الْعَوْرَةِ الْمُنْكَشِفَةِ وَمِثْلُهُ نِصْفُ عُشْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَبُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ.
قَالَ ﵀ (وَالْأَمَةُ كَالرَّجُلِ) يَعْنِي فِي الْعَوْرَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ أَلْقِ عَنْك الْخِمَارَ يَا دَفَارِ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ؛ وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ لِحَاجَةِ مَوْلَاهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا عَادَةً فَاعْتُبِرَ حَالُهَا بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ قَالَ ﵀ (وَظَهْرُهَا وَبَطْنُهَا عَوْرَةٌ)؛ لِأَنَّ لَهُمَا مَزِيَّةً كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَلِهَذَا لَوْ جَعَلَ امْرَأَتَهُ كَظَهْرِ أُمِّهِ الْأَمَةِ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا وَالظِّهَارُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ فَإِذَا حَرُمَ عَلَى الِابْنِ فَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَوْلَى أَنْ يَحْرُمَ وَيَدْخُلَ فِي هَذَا الْجَوَابِ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُسْتَسْعَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِوُجُودِ الرِّقِّ وَلَوْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي صَلَاتِهَا أَوْ بَعْدَ مَا أَحْدَثَتْ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَتَوَضَّأَ أَوْ بَعْدَهُ تَقَنَّعَتْ بِعَمَلٍ رَفِيقٍ مِنْ سَاعَتِهَا وَبَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا وَإِنْ أَدَّتْ رُكْنًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعِتْقِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا وَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا كَالْعُرْيَانِ إذَا وَجَدَ ثَوْبًا فِي صَلَاتِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ فَرْضَ السَّتْرِ لَزِمَهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ أَتَتْ بِهِ وَالْعُرْيَانُ لَزِمَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فَيَسْتَقْبِلُ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ فِيهَا مَاءً قَالَ ﵀.
(وَلَوْ وَجَدَ ثَوْبًا رُبْعُهُ طَاهِرٌ وَصَلَّى عُرْيَانًا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ رُبْعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ طَاهِرًا قَالَ ﵀ (وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الطَّاهِرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ يَلِي الْأَوَّلَ فِي الْفَضْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَتْرِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَأُذُنُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الْأُذُنَيْنِ عُضْوٌ عَلَى حِدَةٍ كَذَا فِي الْقَنِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ جَمْعٌ بَلَغَ رُبْعَ أَدْنَى عُضْوٍ إلَخْ) أَيْ أَقَلُّ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الَّتِي انْكَشَفَ أَبْعَاضُهَا. اهـ. (قَوْلُهُ: قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ ﵀ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت أَقُولُ إنْ اُعْتُبِرَ أَدْنَى عُضْوٍ مِنْ الْمُنْكَشِفِ لَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ وَهُوَ الْمُرَادُ؛ لِأَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْبُطْلَانِ وَعَدَمِهِ فَيَبْطُلُ احْتِيَاطًا. اهـ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ صَلَّيْت صَلَاةً صَحِيحَةً فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهَا فَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ إنْ كَانَتْ فِي حَالِ عَجْزِهَا عَنْ السُّتْرَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَعَتَقَتْ وَإِنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى السُّتْرَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَلَا تُعْتَقُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ عَتَقَتْ لَصَارَتْ حُرَّةً قَبْلَ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ لَا تُعْتَقُ فَإِثْبَاتُ الْعِتْقِ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِهِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ فَبَطَلَ الْعِتْقُ وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ وَعِنْدَنَا فِي التَّعْلِيقَاتِ الْمَحْضَةِ يُقْتَصَرُ الْعِتْقُ عَلَى الشَّرْطِ وَلَا يَتَقَدَّمُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ صَلَاتُهَا وَتُعْتَقُ بَعْدَ وُجُودِ الصَّلَاةِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي الْجَامِعِ. اهـ. غَايَةُ السُّرُوجِيِّ (قَوْلُهُ: أَنْ يَعْتَبِرَ بِالْأَجْزَاءِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ بِأَجْزَاءِ الْعَوْرَاتِ الْمُنْكَشِفَةِ لَا بِأَدْنَى عُضْوٍ مِنْهَا فَلَوْ بَلَغَ الْمَجْمُوعُ قَدْرَ رُبْعِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ مَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. (قَوْلُهُ: بَيَانُهُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ بَيَانُ كَوْنِهِ مُؤَدِّيًا إلَى ذَلِكَ الْمَحْذُورِ اهـ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ انْكَشَفَ نِصْفُ ثَمَنِ الْفَخِذِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْقَنِيَّةِ نَقْلًا مِنْ الرِّوَايَاتِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهَا فِي صَلَاتِهَا وَمِنْ فَخِذِهَا شَيْءٌ وَمِنْ سَاقِهَا شَيْءٌ وَمِنْ ظَهْرِهَا شَيْءٌ وَمِنْ بَطْنِهَا فَلَوْ جُمِعَ يَكُونُ قَدْرَ رُبْعِ شَعْرِهَا أَوْ رُبْعِ فَخِذِهَا أَوْ رُبْعِ سَاقِهَا لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّهَا عَوْرَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ ﵁ هَذَا نَصٌّ عَلَى أَمْرَيْنِ وَالنَّاسُ عَنْهُمَا غَافِلُونَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ لَا يُعْتَبَرُ بِالْأَجْزَاءِ كَالْأَسْدَاسِ وَالِاتِّسَاعِ بَلْ بِالْقَدْرِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَكْشُوفَ مِنْ الْكُلِّ لَوْ كَانَ قَدْرَ رُبْعِ أَصْغَرِ الْأَعْضَاءِ الْمَكْشُوفَةِ يَمْنَعُ الْجَوَازُ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ مِنْ الْأُذُنِ تُسْعُهَا وَمِنْ السَّاقِ تُسْعُهَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَكْشُوفَ قَدْرُ رُبْعِ الْأُذُنِ اهـ قَوْلُهُ: كُلُّهَا عَوْرَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَوْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ بَلَغَ الْمَجْمُوعُ رُبْعَهُ فَيُمْنَعُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَبْلُغْ رُبْعَ جَمِيعِ الْعَوْرَةِ) وَهُوَ جَمِيعُ الْفَخِذِ وَالْأُذُنِ اهـ (قَوْلُهُ: نِصْفُ عُشْرِ كُلٍّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَعْضَاءِ اهـ: (قَوْلُهُ: يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ) وَهِيَ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِانْكِشَافِ رُبْعِ الْجَمِيعِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِ عُمَرَ إلَى آخِرِهِ) هَذَا الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ قَالَ السُّرُوجِيُّ لَمْ أَجِدْهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْكَمَالُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: يَا دَفَارِ) أَيْ يَا مُنْتِنَةِ (قَوْلُهُ: مَهْنَتُهَا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا الْخِدْمَةُ مِنْ مَهَنَ الْقَوْمُ خَدَمَهُمْ وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ كَذَا فِي الصِّحَاحِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهُمَا مَزِيَّةً) أَيْ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ فِي الِاشْتِهَاءِ اهـ (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَسْعَاةُ) الْمُسْتَسْعَاةُ الْمَرْهُونَةُ إذَا أَعْتَقَهَا الرَّاهِنُ وَهُوَ مُعْسِرٌ حُرَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. سَرُوجِيٌّ (قَوْلُهُ: تَقَنَّعَتْ) هُوَ جَوَابٌ وَقَوْلُهُ: بِعَمَلٍ رَفِيقٍ أَيْ بِأَنْ تَقَنَّعَتْ بِيَدِهَا الْوَاحِدَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَجَدَ ثَوْبًا رُبْعُهُ طَاهِرٌ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَلَوْ وَجَدَ ثَوْبًا حَرِيرًا لَا يُصَلِّي عُرْيَانًا بَلْ يُصَلِّي فِيهِ إلَّا عِنْدَ أَحْمَدَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَصَلَّى عُرْيَانًا إلَى آخِرِهِ) ذَكَرَ فِي الْغَايَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ عُرْيَانَ مَعَهُ ثَوْبُ دِيبَاجٍ وَثَوْبُ كِرْبَاسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَتَعَيَّنُ الصَّلَاةُ فِي الدِّيبَاجِ. اهـ. (قَوْلُهُ: إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ) أَيْ أَوْ كَانَ كُلُّهُ نَجَسًا. اهـ. غَايَةٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَلَوْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ بِجِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ وَصَلَّى مَعَهُ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْجِلْدِ أَغْلَظُ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَزُولُ بِالْغُسْلِ ثَلَاثًا بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الثَّوْبِ اهـ
стр. 98
الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ وَفِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عُرْيَانًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ مُؤَمِّيًا بِهِمَا إمَّا قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي لَا يَجِدُ ثَوْبًا فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَفِي الْقِيَامِ أَدَاءُ هَذِهِ الْأَرْكَانِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَوْ كَانَ الْإِيمَاءُ جَائِزًا حَالَةَ الْقِيَامِ لَمَا اسْتَقَامَ هَذَا الْكَلَامُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّطَهُّرِ سَقَطَ عَنْهُ لِعَجْزِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ خِطَابُ السَّتْرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الطَّاهِرِ فِي حَقِّهِ وَلَنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ السَّتْرُ بِالطَّاهِرِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ سَقَطَ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا يُقَالُ فِي الصَّلَاةِ عُرْيَانًا تَرْكُ فُرُوضٍ وَهُوَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَفِي الصَّلَاةِ فِيهِ تَرْكُ فَرْضٍ وَاحِدٍ وَهُوَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نَمْنَعُهُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا قَائِمًا وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَقَدْ أَتَى بِبَدَلِهَا وَهُوَ الْإِيمَاءُ فَلَا يَكُونُ تَارِكًا لَهَا لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ يَأْخُذُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ اخْتَلَفَا يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَرَامِ لَا تَجُوزُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ مِثَالُهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُرْحٌ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ جَائِزٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ، ثُمَّ قَعَدَ وَأَوْمَأَ لِلسُّجُودِ جَازَ لِمَا قُلْنَا وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ.
وَكَذَا شَيْخٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا وَيَقْدِرُ عَلَيْهَا قَاعِدًا يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ فِي الْفَصْلَيْنِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجَاسَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَتَخَيَّرُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُهُمَا رُبْعَ الثَّوْبِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْعِ وَلَوْ كَانَ دَمُ أَحَدِهِمَا قَدْرَ الرُّبْعِ وَدَمُ الْآخَرِ أَقَلَّ يُصَلِّي فِي أَقَلِّهِمَا دَمًا وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ الرُّبْعِ أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ الرُّبْعِ صَلَّى فِي أَيِّهِمَا شَاءَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَقَلِّهِمَا نَجَاسَةً وَلَوْ كَانَ رُبْعُ أَحَدِهِمَا طَاهِرًا وَالْآخَرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ يُصَلِّي فِي الَّذِي هُوَ رُبْعُهُ طَاهِرٌ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً لَوْ صَلَّتْ قَائِمَةً يَنْكَشِفُ مِنْ عَوْرَتِهَا قَدْرُ مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَّتْ قَاعِدَةً لَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا شَيْءٌ فَإِنَّهَا تُصَلِّي قَاعِدَةً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ أَهْوَنُ وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ يُغَطِّي جَسَدَهَا وَرُبْعَ رَأْسِهَا فَتَرَكَتْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ يُغَطِّي أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ لَا يَضُرُّهَا تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ وَمَا دُونَهُ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ تَقْلِيلًا لِلِانْكِشَافِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ عُدِمَ ثَوْبًا صَلَّى قَاعِدًا مُؤَمِّيًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵊ انْكَسَرَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ فَخَرَجُوا عُرَاةً فَكَانُوا يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إيمَاءً بِرُؤْسِهِمْ؛ وَلِأَنَّ السَّتْرَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ تَابَعَهُ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْأَسْرَارِ وَلَكِنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا. اهـ. (قَوْلُهُ: أَنَّ مَنْ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ السُّرُوجِيُّ ﵀ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّ صَوَابَهُ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ بَلِيَّتَيْنِ أَوْ ابْتَلَى بِإِحْدَى بَلِيَّتَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ؛ لِأَنَّ مَنْ ابْتَلَى بِهِمَا لَا يَسْلَمُ مِنْهُمَا فَكَيْفَ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَإِنْ قَامَ أَوْ قَعَدَ سَلِسَ بَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَلْقَى لَمْ يَسْلُسْ يُصَلِّي قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا مَعَ الْبَوْلِ وَإِنْ اسْتَوَى الْكُلُّ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ لَكِنْ فِيمَا قُلْنَا إحْرَازُ الْأَرْكَانِ وَلِهَذَا يُصَلِّي الْعُرْيَانُ قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ وَلَا يَجُوزُ مُسْتَلْقِيًا وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الِاسْتِلْقَاءِ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا عِنْدَ الْعُذْرِ وَلَا تُعْتَبَرُ مَعَ الْحَدَثِ فَكَانَ هَذَا أَيْسَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ. اهـ. غَايَةٌ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ (قَوْلُهُ: فِي الْفَصْلَيْنِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ صَلَّى مَنْ بِهِ جُرْحٌ قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ أَوْ صَلَّى الشَّيْخُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا بِلَا قِرَاءَةٍ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الْقُنْيَةِ نَقَلَ عَنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ كَانَ بِهِ وَجَعُ السِّنِّ بِحَيْثُ لَا يُطِيقُهُ إلَّا بِإِمْسَاكِ الْمَاءِ أَوْ الدَّوَاءِ فِي فَمِهِ وَضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَقْتَدِي بِإِمَامٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُصَلِّي بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيُعْذَرُ. اهـ. يَحْيَى وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا الْفَرْعُ فِي الْغَايَةِ وَالدِّرَايَةِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالسِّتْرُ أَفْضَلُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا يَضُرُّهَا تَرْكُهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَوْ عُدِمَ ثَوْبًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ نَفْسَهُ مِنْ الْحَشِيشِ وَالْكَلَأِ وَالنَّبَاتِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ لَوْ وَجَدَ طِينًا يُلَطِّخُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ وَلَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ وَيَسْتُرُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ قَاعِدًا مُؤَمِّيًا إلَى آخِرِهِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى آخِرِهِ) وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْعُرَاةُ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا قُعُودًا بِالْإِيمَاءِ وَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً جَازَتْ لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَقَامَ الْإِمَامُ وَسَطَهُمْ وَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ لِإِحْرَازِ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ جَازَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مُكْتَسٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً وَيَتَقَدَّمَهُمْ الْإِمَامُ الْمُكْتَسِي وَتَكُونُ الْعُرَاةُ صَفًّا وَاحِدًا إنْ أَمْكَنَ وَصَلَاةُ الْعُرَاةِ فُرَادَى أَفْضَلُ كَالنِّسَاءِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي الْوَجْهُ الثَّانِي هُمَا سَوَاءٌ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ عَارِيَّة الثَّوْبِ تَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا كَإِبَاحَةِ الْمَاءِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي لُزُومِ شِرَاءِ الثَّوْبِ بِخِلَافِ
стр. 99
آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فِي النَّفْلِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ دُونَ السَّتْرِ، وَكَذَا السَّتْرُ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ وَالْقِيَامُ يَخْتَصُّ بِهَا فَكَانَ أَقْوَى وَكَيْفِيَّةُ الْقُعُودِ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ فِي الْقِبْلَةِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ ذَكَرَهُ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ.
قَالَ ﵀ (وَالنِّيَّةُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَيَحْتَاجُ هُنَا إلَى ثَلَاثِ نِيَّاتٍ: نِيَّةِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا. وَنِيَّةِ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَنِيَّةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْجُرْجَانِيِّ وَفِي الْمَبْسُوطِ الصَّحِيحُ أَنَّ اسْتِقْبَالَهَا يُغْنِي عَنْ النِّيَّةِ وَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ الْمَرْغِينَانِيُّ وَقِيلَ إنْ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ لَا يُشْتَرَطُ وَفِي الصَّحْرَاءِ يُشْتَرَطُ قَالَ ﵀ (بِلَا فَاصِلٍ) يَعْنِي بِلَا فَاصِلٍ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْفَاصِلُ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ فِي الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِذَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ يَلِيقُ فِي الصَّلَاةِ مِثْلُ الْوُضُوءِ وَالْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَضُرُّهُ حَتَّى لَوْ نَوَى، ثُمَّ تَوَضَّأَ أَوْ مَشَى إلَى الْمَسْجِدِ فَكَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَ لِعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ لَا يَلِيقُ فِي الصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ وَلَا يَعْتَدُّ بِالنِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ التَّكْبِيرِ إلَّا عِنْدَ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى لَمْ يَقَعْ عِبَادَةً وَفِي الصَّوْمِ جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ فِي الْحَجِّ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَأَحْرَمَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَ، وَكَذَا الزَّكَاةُ تَجُوزُ بِنِيَّةٍ وُجِدَتْ عِنْدَ الْإِفْرَازِ قَالَ ﵀ (وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي) وَأَدْنَاهُ أَنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُجِيبَ مِنْ غَيْرِ فِكْرَةٍ، وَأَمَّا التَّلَفُّظُ بِهَا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنْ يَحْسُنُ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ.
قَالَ ﵀ (وَيَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ لِلنَّفْلِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّرَاوِيحِ) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي أَوْقَاتِهَا يُغْنِي عَنْ التَّعْيِينِ وَبِهِ صَارَتْ سُنَّةً لَا بِالتَّعْيِينِ قَالَ ﵀ (وَلِلْفَرْضِ شَرْطُ تَعْيِينِهِ كَالْعَصْرِ مَثَلًا)؛ لِأَنَّ الْفُرُوضَ مُتَزَاحِمَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يُرِيدُ أَدَاءَهُ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ؛ وَلِأَنَّ فَرْضًا مِنْ الْفُرُوضِ لَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ فَرْضٍ آخَرَ فَوَجَبَ التَّعْيِينُ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ الْوَقْتِ مَثَلًا أَوْ فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِوُجُودِ التَّعْيِينِ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِهِ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى مَا عَلَيْهِ وَهُوَ مَخْلَصٌ لِمَنْ يَشُكُّ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ وَالْخَطَأُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ لَا يَضُرُّهُ حَتَّى لَوْ نَوَى الْفَجْرَ أَرْبَعًا وَالظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا جَازَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْمَاءِ. اهـ. غَايَةٌ وَفِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ يُصَلِّي الْعُرَاةُ وُحْدَانًا مُتَبَاعِدِينَ فَإِنْ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ تَوَسَّطَهُمْ الْإِمَامُ وَيُرْسِلُ كُلُّ وَاحِدٍ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ فَخِذَيْهِ يُومِئُ إيمَاءً وَإِنْ أَوْمَأَ الْقَاعِدُ أَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ الْقَاعِدُ جَازَا هـ سَيِّدٌ.
(قَوْلُهُ: نِيَّةُ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهِ) فِي جُمَلِ النَّوَازِلِ لَكِنْ لَا يَقُولُ نَوَيْت؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَذِبًا إنْ لَمْ يَنْوِ وَيَقَعُ إخْبَارًا عَنْ الْمُحَقِّقِ إنْ كَانَ نَوَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَكِنْ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ لَك كَذَا فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا وَرَدَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إذَا نَوَى فَرْضًا وَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَظَنَّهُ تَطَوُّعًا فَأَتَمَّهُ عَلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ فَهُوَ فَرْضٌ مُسْقِطٌ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ قِرَانُهَا بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ إذَا شَرَعَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَأَتَمَّهَا عَلَى ظَنِّ الْمَكْتُوبَةِ فَهِيَ تَطَوُّعٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَبَّرَ حِينَ شَكَّ يَنْوِي التَّطَوُّعَ فِي الْأَوَّلِ أَوْ الْمَكْتُوبَةَ فِي الثَّانِي حَيْثُ يَصِيرُ خَارِجًا إلَى مَا نَوَى ثَانِيًا لَقَرَانِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِالنِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ إلَى آخِرِهِ) وَعَنْ الْكَرْخِيِّ تَجُوزُ بِالْمُتَأَخِّرَةِ مَا دَامَ فِي الثَّنَاءِ وَقِيلَ إلَى التَّعَوُّذِ وَقِيلَ إلَى مَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَقِيلَ إلَى الرُّكُوعِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَهُوَ وَقْتُ انْفِجَارِ الصُّبْحِ فَلَوْ شُرِطَتْ وَقْتَ الشُّرُوعِ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ وَلَا كَذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ شُرُوعِهَا وَقْتُ انْتِبَاهٍ وَيَقَظَةٍ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ) أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ نِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْوِيُّهُ مَعْلُومًا عِنْدَهُ لَا أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا بِلِسَانِهِ فَانْدَفَعَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَفْسِيرَ النِّيَّةِ بِالْعِلْمِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ) أَيْ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ جَمَاعَةٍ إنَّهُ لَا يَكْفِيهِ لِأَدَاءِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ كَوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَا تَحْصُلُ بِمُطْلَقِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا وَتَحْقِيقُ الْوَجْهِ فِيهِ أَنَّ مَعْنَى السُّنِّيَّةِ كَوْنُ النَّافِلَةِ مُوَاظِبًا عَلَيْهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ قَبْلَهَا فَإِذَا أَوْقَعَ الْمُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ الْمُسَمَّى سُنَّةً فَالْحَاصِلُ أَنَّ وَصْفَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ إنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ عَلَى مَا سَمِعْت فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَنْوِي السُّنَّةَ بَلْ الصَّلَاةَ لِلَّهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ وَصْفٌ ثَبَتَ بَعْدَ فِعْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ تَسْمِيَةً بِمَا لِفِعْلِهِ الْمَخْصُوصِ لَا أَنَّهُ وَصْفٌ يَتَوَقَّفُ حُصُولُهُ عَلَى نِيَّتِهِ وَقَدْ حَصَلَتْ مُقَاوَلَةٌ فِي كِتَابَةِ بَعْضِ أَشْيَاخِ حَلَبَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي تُصَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ يَنْوِي بِهَا آخِرَ ظُهْرٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ وَلَمْ أَرَهُ بَعْدُ فِي مَوْضِعٍ يَشُكُّ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ إذَا ظَهَرَتْ صِحَّةُ الْجُمُعَةِ تَنُوبُ عَنْ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ وَاسْتُفْتِيَ بَعْضُ أَشْيَاخِ مِصْرَ ﵀ فَأَفْتَى بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَقُلْت هَذِهِ الْفَتْوَى تَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ السُّنَّةِ فِي النِّيَّةِ وَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ بِنَاءٌ عَلَى التَّحْقِيقِ فَإِنَّهُ إذَا نَوَى آخِرَ ظُهْرٍ فَقَدْ نَوَى أَصْلَ الصَّلَاةِ بِوَصْفٍ فَإِذَا انْتَفَى الْوَصْفُ فِي الْوَاقِعِ وَقُلْنَا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ بُطْلَانَ الْوَصْفِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ أَصْلِ الصَّلَاةِ بَقِيَ نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَبِهَا يَتَأَدَّى السُّنَّةُ، ثُمَّ رَاجَعْت الْمُفْتِيَ الْمِصْرِيَّ وَذَكَرْت لَهُ هَذَا فَرَجَعَ دُونَ تَوَقُّفٍ هَذَا الْأَمْر الْجَائِزُ فَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ فَإِنَّهُ يَنْوِي فِي السُّنَّةِ الصَّلَاةَ مُتَابَعَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَخْفَى تَقْيِيدُ وُقُوعِهَا مِنْ السُّنَّةِ إذَا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ظُهْرٌ فَائِتٌ. اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ) أَيْ وَهُوَ الْعَصْرُ (قَوْلُهُ: يَجُوزُ مُطْلَقًا) أَيْ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ اهـ
стр. 100
وَتَلْغُو نِيَّةُ التَّعْيِينِ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَنْوِ ظُهْرَ الْوَقْتِ وَلَا ظُهْرَ الْيَوْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ آخَرُ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّمْيِيزُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ فِي الْوَقْتِ وَالْقَضَاءُ عَارِضٌ فَكَانَ الْمَشْرُوعُ فِيهِ أَوْلَى وَتَعْيِينُ قَضَاءِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَالنَّذْرُ وَالْوِتْرُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَفِي الْغَايَةِ أَنَّهُ لَا يَنْوِي فِيهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
قَالَ ﵀ (وَالْمُقْتَدِي يَنْوِي الْمُتَابَعَةَ أَيْضًا)؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ إمَامِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ حَتَّى يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِالْمُصَلِّي وَلَوْ نَوَاهُ حِينَ وَقَفَ الْإِمَامُ مَوْقِفَ الْإِمَامَةِ جَازَ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِغَيْرِ الْمُصَلِّي وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الظُّهْرَ أَوْ نَوَى الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ لَا غَيْرُ قِيلَ: لَا يُجْزِيهِ لِتَنَوُّعِ الْمُؤَدَّى وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَيَنْصَرِفُ إلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْتَدِي عِلْمٌ بِهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ حَيْثُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِهِ بَلْ عَيَّنَ صَلَاتَهُ وَالْأَفْضَلُ لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَقُولَ: اقْتَدَيْت بِمَنْ هُوَ إمَامِي أَوْ بِهَذَا الْإِمَامِ وَلَوْ قَالَ مَعَ هَذَا الْإِمَامِ جَازَ وَلَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَزَيْدٌ هُوَ أَمْ عَمْرٌو جَازَ وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو جَازَ وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْغَائِبِ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْجِنَازَةِ يَنْوِي الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ)؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ وَإِخْلَاصُهُ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ ﵀ (وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ نَحْوَهُ وَجِهَتَهُ قَالَ ﵀ (فَلِلْمَكِّيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا) أَيْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا بِيَقِينٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ حَائِلٌ مِنْ جِدَارٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى لَوْ اجْتَهَدَ وَصَلَّى وَبَانَ خَطَؤُهُ يُعِيدُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيّ ﵀ وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ قَالَ وَهُوَ الْأَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ فَلَا يُكَلَّفُ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا إذَا صَلَّى فِي مَوْضِعٍ عَرَفَ الْقِبْلَةَ فِيهِ بِيَقِينٍ بِالنَّصِّ كَالْمَدِينَةِ قَالَ ﵀ (وَلِغَيْرِهِ إصَابَةُ جِهَتِهَا) أَيْ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ الْفَرْضُ إصَابَةُ عَيْنِهَا فِي حَقِّ الْغَائِبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَصْلَ فِي النَّصِّ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ؛ وَلِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْبَيْتِ لِحُرْمَةِ الْبُقْعَةِ وَذَلِكَ فِي الْعَيْنِ دُونَ الْجِهَةِ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ لَوْ كَانَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَتَلْغُو نِيَّةُ التَّعْيِينِ) فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى التَّغْيِيرُ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ) وَفِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِيهِ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَتَعْيِينُ قَضَاءِ مَا شَرَعَ فِيهِ) أَيْ وَشَرْطُ تَعْيِينٍ وَفِي نُسْخَةٍ وَيُعَيِّنُ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَالْمُقْتَدِي يَنْوِي الْمُتَابَعَةَ) إلَّا فِي الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْغَايَةِ وَلَوْ نَوَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ قِيلَ: تُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ نَوَى الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ ﵀ وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ يَنْوِي صَلَاتَهُ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهَا الظُّهْرُ أَوْ الْجُمُعَةُ أَجْزَأَهُ أَيُّهُمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ بَنَى صَلَاتَهُ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْإِمَامِ فَالْعِلْمُ فِي حَقِّ الْأَصْلِ يُغْنِي فِي حَقِّ التَّبَعِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْتَدِي عِلْمٌ) قَالَ فِي الْفَتْحِ قُبَيْلَ بَابِ الْحَدَثِ لَوْ شَرَعَ نَاوِيًا أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِتَنَوُّعِ الْمُؤَدِّي) أَيْ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ (قَوْلُهُ: بَلْ عَيَّنَ صَلَاتَهُ) كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ وَقَامَ مَقَامَ نِيَّتَيْنِ وَبِهِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَالْكَرْمَانِيُّ وَالْجَلَّابِيُّ. اهـ. كَاكِيٌّ قَوْلُهُ: كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَيْ وَالْخُلَاصَةِ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْغَائِبِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ كَانَ يَرَى شَخْصَهُ فَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ فَإِذَا خَلَفَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَهُ بِالْإِشَارَةِ فَلَغَتْ التَّسْمِيَةُ اهـ وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَوْ قَالَ نَوَيْت الِاقْتِدَاءَ بِهَذَا الشَّابِّ فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِفَرْضِيَّتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالشَّيْخِ فَإِذَا هُوَ شَابٌّ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَلِلْمَكِّيِّ فَرْضُهُ) أَيْ فَرْضُ الِاسْتِقْبَالِ اهـ ع (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إصَابَةُ عَيْنِهَا إلَى آخِرِهِ) أَيْ إصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ بِأَنَّهُ لَوْ أُخْرِجَ خَطٌّ مُسْتَقِيمٌ مِنْهُ وَقَعَ عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا إذْ الْقِبْلَةُ هِيَ الْعَرْصَةُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ حَتَّى لَوْ رَفَعَ الْبِنَاءَ وَصَلَّى إلَى هَوَائِهِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ جَازَ وَهُوَ أَعْلَى مِنْ الْبِنَاءِ وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ بِأَنَّهُ لَوْ أُخْرِجَ خَطٌّ مُسْتَقِيمٌ مِنْهُ وَقَعَ عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا أَوْ مُنْحَرِفًا عَنْهَا إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ. اهـ. يَحْيَى وَكَتَبَ أَيْضًا ﵀ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ: إصَابَةُ عَيْنِهَا أَيْ حَتَّى لَوْ صَلَّى مَكِّيٌّ فِي بَيْتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَتْ الْجُدْرَانُ يَقَعُ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى شَطْرِ الْكَعْبَةِ بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ كَذَا فِي الْكَافِي وَفِي الدِّرَايَةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ الْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالْغَائِبِ وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ أَصْلِيًّا كَالْجَبَلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْعَدَ لِيَصِلَ إلَى الْيَقِينِ وَفِي النَّظْمِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةُ مَنْ بِالْمَسْجِدِ.
وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةُ مَنْ بِمَكَّةَ وَمَكَّةُ قِبْلَةُ الْحَرَمِ وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ الْعَالَمِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ هَذَا يُشِيرُ إلَى مَنْ كَانَ بِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ فَالشَّرْطُ إصَابَةُ عَيْنِهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِمُعَايَنَتِهَا فَالشَّرْطُ إصَابَةُ جِهَتِهَا هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ هَذَا عَلَى التَّقْرِيبِ، وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةُ الْعَالَمِ اهـ وَعِنْدِي فِي جَوَازِ التَّحَرِّي مَعَ إمْكَانِ صُعُودِهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَتَرْكِ الْقَاطِعِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَجُوزُ وَمَا أَقْرَبَ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ الِاسْتِخْبَارُ فَوْقَ التَّحَرِّي فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى الظَّنِّيِّ مَعَ إمْكَانِ ظَنِّيٍّ أَقْوَى مِنْهُ فَكَيْفَ يَتْرُكُ الْيَقِينَ مَعَ إمْكَانِهِ لِلظَّنِّ. اهـ. فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ اجْتَهَدَ) أَيْ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَائِلِ اهـ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى الِاخْتِلَافِ. اهـ. (قَوْلُهُ: الْفَرْضُ إصَابَةُ عَيْنِهَا) أَيْ نِيَّةً لَا تَوَجُّهًا وَسَيَأْتِي اهـ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ لَا يَكْفُرُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ جِهَةِ الْكَعْبَةِ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ اهـ
стр. 101
هُوَ الْجِهَةَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ اجْتِهَادٍ إلَى يَقِينٍ فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُ الْعَيْنُ وَقَدْ انْتَقَلَ مِنْ اجْتِهَادٍ إلَى اجْتِهَادٍ وَجْهُ قَوْلِ الْعَامَّةِ قَوْلُهُ ﵊ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»؛ وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ الْبَيْتُ قِبْلَةُ مَنْ يُصَلِّي فِي مَكَّةَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْبَطْحَاءِ وَمَكَّةَ قِبْلَةُ أَهْلِ الْحَرَمِ وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ الْآفَاقِيِّ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْرِقُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالْمَغْرِبُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْجَنُوبُ قِبْلَةُ أَهْلِ الشِّمَالِ وَالشِّمَالُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْجَنُوبِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ فِي حَقِّ الْغَائِبِ، أَوْ نِيَّةُ الْجِهَةِ تَكْفِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ النِّيَّةِ.
قَالَ ﵀ (وَالْخَائِفُ يُصَلِّي إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ) لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ حَتَّى إذَا خَافَ أَنْ يَرَاهُ إذَا تَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ وَلَوْ خَافَ أَنْ يَرَاهُ الْعَدُوُّ إنْ قَعَدَ صَلَّى مُضْطَجِعًا بِالْإِيمَاءِ، وَكَذَا الْهَارِبُ مِنْ الْعَدُوِّ رَاكِبًا يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ عَلَى خَشَبَةٍ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ يَخَافُ الْغَرَقَ إذَا انْحَرَفَ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَوْ كَانَ فِي طِينٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ جَازَ لَهُ الْإِيمَاءُ عَلَى الدَّابَّةِ وَاقِفَةً إذَا قَدَرَ، وَإِلَّا فَسَائِرَةً وَيَتَوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ نَزَلَ وَأَوْمَأَ قَائِمًا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ دُونَ السُّجُودِ أَوْمَأَ قَاعِدًا وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ نَدِيَّةً مُبْتَلَّةً لَا يَغِيبُ وَجْهُهُ فِي الطِّينِ صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ تَحَرَّى) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]» وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ قِبْلَةُ الْمُتَحَرِّي جِهَةُ قَصْدِهِ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ. إقَامَةً لِلْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَكَانِ عَالِمٍ بِالْقِبْلَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْبَارَ فَوْقَ التَّحَرِّي لِكَوْنِ الْخَبَرِ مُلْزِمًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَالتَّحَرِّي مُلْزِمٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا يُصَارُ إلَى الْأَدْنَى مَعَ إمْكَانِ الْأَعْلَى وَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَ الْمَحَارِيبِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يُعِدْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُعِيدُ إذَا اسْتَدْبَرَهَا؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ صَلَّى الْفَرْضَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ اجْتِهَادٍ إلَى يَقِينٍ) أَيْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ الْجِهَةِ يَقِينًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ انْتَقَلَ مِنْ اجْتِهَادٍ إلَى اجْتِهَادٍ) إذْ لَا يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ يَقِينًا. اهـ. (قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ النِّيَّةِ) أَيْ نِيَّةَ الْعَيْنِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْخَائِفُ يُصَلِّي إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ) وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي خِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْجِهَةِ فَيَسْتَحِيلُ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ فَابْتَلَانَا بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ لَا أَنَّ الْعِبَادَةَ لَهَا حَتَّى لَوْ سَجَدَ لِلْكَعْبَةِ يَكْفُرُ فَلَمَّا اعْتَرَاهُ الْخَوْفُ تَحَقَّقَ الْعُذْرُ فَأَشْبَهَ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ فِي تَحَقُّقِ الْعُذْرِ فَيَتَوَجَّهُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَمْ تُعْتَبَرْ لِعَيْنِهَا بَلْ لِلِابْتِلَاءِ فَيَتَحَقَّقُ الْمَقْصُودُ بِالتَّوَجُّهِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ. اهـ. كَاكِيٌّ فَتَحَرَّرَ أَنَّ جِهَةَ الِاسْتِقْبَالِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَجِهَتِهَا وَجِهَةِ التَّحَرِّي وَأَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ وَالْكُلُّ فِي حَالَةِ الْأَمْنِ إلَّا الْأَخِيرُ فَإِنَّهُ حَالَةُ الْخَوْفِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ، وَكَذَا الْمَرِيضُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلَيْهَا اهـ (قَوْلُهُ: يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ) أَيْ بِالْإِيمَاءِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: إذَا انْحَرَفَ إلَى الْقِبْلَةِ) أَيْ فَيُصَلِّي حَيْثُمَا كَانَ وَجْهُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ) لَيْسَ فِي مُسَوَّدَةِ الشَّارِحِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ تَحَرَّى إلَى آخِرِهِ) لَوْ تَحَرَّى وَلَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ وَقِيلَ يُصَلِّي إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ اهـ زَادَ الْفَقِيرُ (قَوْلُهُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ فِي سَفَرِهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: عَلَى حِيَالِهِ) أَيْ قِبَالَتِهِ اهـ مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أَيْ قِبْلَتُهُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا وَارْتَضَى بِهَا ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ وَفِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَيْ فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى آخِرِهِ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ بْنِ سَعِيدٍ السَّمَّانِ وَهُوَ مُضَعَّفٌ فِي الْحَدِيثِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ إلَى آخِرِهِ) فِي التَّقْيِيدِ بِحَضْرَتِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ اهـ قَالَ فِي الْغَايَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَنَّ أَعْمَى صَلَّى رَكْعَةً لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَسَوَّاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَاقْتَدَى بِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ دُونَ الْمُقْتَدِي قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْأَعْمَى مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ أَمَّا إذَا وَجَدَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أُنَاسٌ فَلَمْ يَسْأَلْهُمْ حَتَّى تَحَرَّى وَصَلَّى إلَى الْجِهَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا تَحَرِّيهِ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ الْقِبْلَةِ فَلَمْ يَعْلَمُوا أَيْضًا جِهَةَ الْقِبْلَةِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي السُّؤَالِ فَتَرْكُ السُّؤَالِ لَمْ يُغَيِّرْ الْحُكْمَ وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ نَظَرٌ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا يُعِيدُ وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَا فِي مَوْضِعِهِ وَلَوْ سَأَلَهُمْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَلَمْ يُخْبِرُوهُ فَتَحَرَّى وَصَلَّى إلَى جِهَةٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الصَّلَاةِ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَا يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ السُّؤَالُ. اهـ. طح (قَوْلُهُ: مُلْزِمًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا فِي خَبَرِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ. اهـ. غَايَةٌ
стр. 102
دَخَلَ أَوْ صَامَ قَبْلَ أَوَانِهِ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجَسٍ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجَسٍ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادٍ فِي قَضِيَّةٍ، ثُمَّ وَجَدَ نَصًّا بِخِلَافِهِ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْأَثَرِ؛ وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ مُقَيَّدٌ بِالْوُسْعِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَقْصَى غَايَةَ الِاسْتِقْصَاءِ لَعَلِمَ حَقِيقَتَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ جَهْلَ الْقَاضِي بِالنَّصِّ كَانَ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ، وَكَذَا الْجَهْلُ بِالنَّجَسِ وَالْوَقْتِ لِإِمْكَانِهِ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ مِمَّنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْأَلَ مِمَّنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ عِلْمَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى عِلْمِ الْعَلَامَاتِ مِنْ النُّجُومِ وَنَحْوِهِ فَإِذَا زَالَتْ بِالْغَيْمِ عَمَّ الْعَجْزُ الْجَمِيعَ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَيْثُ لَا تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ لِعَجْزِهِ وَالذِّمِّيُّ لَوْ أَسْلَمَ يَلْزَمُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّحْصِيلِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْعِلْمِ.
فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ كَانَ التَّقْصِيرُ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يُعْذَرُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَأَلَ غَيْرَهُ وَأَخْبَرَهُ لَأَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ مِثْلِ اجْتِهَادِهِ لَا عَنْ يَقِينٍ فَلَا تَقْصِيرَ مِنْ جِهَتِهِ وَلَوْ عَرَفَ بَعْدَمَا صَلَّى إنَّمَا يَعْرِفُ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ لَا يَنْقُضُ مَا مَضَى مِنْ الِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ الْقِبْلَةَ تَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ جِهَةٍ إلَى جِهَةٍ كَمَا فِي حَالَةِ الرُّكُوبِ وَالْخَوْفِ فَكَذَا فِي حَالَةِ الِاشْتِبَاهِ فَلَا يُعِيدُ قَالَ ﵀ (فَإِنْ عَلِمَ بِهِ فِي صَلَاتِهِ) أَيْ عَلِمَ بِالْخَطَأِ (اسْتَدَارَ) لِأَنَّ تَبَدُّلَ الِاجْتِهَادِ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ النُّسَخِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ إلَى الشَّامِ فَأُخْبِرُوا بِتَحَوُّلِ الْقِبْلَةِ فَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ إذْ لَا نَصَّ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الْقُرْآنِ فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْكِتَابِ وَعَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ وَعَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ.
ثُمَّ مَسَائِلُ جِنْسِ التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ لَا تَخْلُو إمَّا إنْ لَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ أَوْ شَكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ أَمَّا إذَا لَمْ يَشُكَّ وَصَلَّى إلَى جِهَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ حَتَّى يَظْهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ أَوْ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ ظَاهِرِ حَالِ الْمُسْلِمِ أَدَاءَ الصَّلَاةِ إلَيْهَا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْجَوَازِ وَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَلَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ يَرْتَفِعُ بِالدَّلِيلِ إذْ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ فَوْقَ مَا ثَبَتَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ وَتَحَرَّى فَحُكْمُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ فَيَفْسُدُ بِتَرْكِهِ إلَّا إذَا عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ مَا افْتَرَضَ لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ لَا غَيْرُ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَإِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ يَسْتَقْبِلُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَبْنِي لِمَا ذَكَرْنَا وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ حَالَتَهُ قَوِيَتْ بِالْعِلْمِ وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ فَصَارَ كَالْأُمِّيِّ إذَا تَعَلَّمَ سُورَةً وَالْمُومِئِ إذَا قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجَسٍ أَوْ تَوَضَّأَ إلَى آخِرِهِ) فَإِنْ قِيلَ إذَا تَحَرَّى فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، فَهَلْ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ هُنَا قُلْنَا الْأَصْلُ إنَّ مَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَأَمْرُ الْقِبْلَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَحَوَّلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ مِنْهَا إلَى جِهَتِهَا وَمَا لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ بَعْدَ الثُّبُوتِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَطَهَارَةُ الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ لَا تَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ وَهَذَا لِأَنَّ مَا يَحْتَمِلُ التَّحَوُّلَ يَجِبُ الْقَوْلُ بِالتَّحَوُّلِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا كَذَلِكَ مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّحَوُّلَ. اهـ. سَيِّدٌ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا التَّوَجُّهَ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي) فَتَعَيَّنَتْ قِبْلَةً لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْجِهَةُ حَالَةَ الْعَجْزِ مَنْزِلَةَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَالْمِحْرَابِ حَالَ الْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا عُرِفَ التَّحَرِّي شَرْطًا نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لَا لِأَصْلِ الْقِبْلَةِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا أَخْطَأَ قِبْلَةً؛ لِأَنَّ قِبْلَتَهُ جِهَةُ التَّحَرِّي وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَاكَ هُوَ الصَّلَاةُ بِالثَّوْبِ الطَّاهِرِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ أَمَرَهُ بِإِصَابَتِهِ بِالتَّحَرِّي فَإِذَا لَمْ يُصِبْ انْعَدَمَ الشَّرْطُ فَلَمْ تَجُزْ.
أَمَّا هُنَا فَالشَّرْطُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَقِبْلَتُهُ هَذِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَدْ اسْتَقْبَلَهَا فَهُوَ الْفَرْقُ. اهـ. بَدَائِعُ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ فِي كِتَابِ التَّحَرِّي وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ فِي الْقِبْلَةِ فَقَدْ قِيلَ لَا يُصَلِّي وَقَدْ قِيلَ يُصَلِّي إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ وَقِيلَ يُخَيَّرُ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى رَكْعَةً بِالتَّحَرِّي إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَكَذَا فِي حَالَةِ الِاشْتِبَاهِ إلَى آخِرِهِ) بِخِلَافِ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْمَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ الِانْتِقَالَ فَيُعِيدُ. اهـ. (قَوْلُهُ: عَلِمَ بِالْخَطَأِ اسْتَدَارَ) أَيْ وَيُتِمُّ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَرَّى فِي الثَّوْبَيْنِ فَصَلَّى فِي أَحَدِهِمَا، ثُمَّ تَحَوَّلَ تَحَرِّيهِ إلَى ثَوْبٍ آخَرَ وَكُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي الثَّوْبِ الْأَوَّلِ جَازَتْ دُونَ الثَّانِي. اهـ. ظَهِيرِيَّةٌ (قَوْلُهُ: بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ النَّسْخِ) أَيْ وَهُوَ لَا يُبْطِلُ الْمَاضِيَ؛ لِأَنَّ أَثَرَ النَّسْخِ يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي (قَوْلُهُ: فَأُخْبِرُوا بِتَحَوُّلِ الْقِبْلَةِ إلَى آخِرِهِ) وَتَحَوُّلُ الْقِبْلَةِ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي رَجَبٍ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ فِي شَعْبَانَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ تَحَوُّلِ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى جَوَازِ نَسْخِ) وَعَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ بِالِاجْتِهَادِ. اهـ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ الْمُكَلَّفَ) إذْ لَوْ ثَبَتَ قَبْلَهُ مِنْ وَقْتِ نُزُولِ النَّاسِخِ لَاسْتَأْنَفُوا صَلَاتَهُمْ اهـ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا شَكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ التَّحَرِّي بَعْدَمَا شَكَّ إنْ أَصَابَ أَيْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ جَازَتْ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا افْتَرَضَ) أَيْ وَهُوَ التَّحَرِّي. اهـ. (قَوْلُهُ: لِغَيْرِهِ) أَيْ وَهُوَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ) أَيْ أَنَّ التَّحَرِّيَ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِ إلَّا لِتَحْصِيلِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَإِذَا حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ حَصَلَ الْمَقْصُودُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَبْنِي) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَإِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ لِمَا قُلْنَا وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَسْتَقْبِلُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ النَّسْخِ اهـ
стр. 103
وَالسُّجُودِ وَإِنْ تَحَرَّى وَوَقَعَ تَحَرِّيهِ إلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَا تُجْزِيهِ أَصَابَ أَوْ لَمْ يُصِبْ أَمَّا إذَا لَمْ يُصِبْ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إذَا أَصَابَ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ الَّتِي أَدَّى إلَيْهَا اجْتِهَادُهُ صَارَتْ قِبْلَةً لَهُ قَائِمَةً مَقَامَ الْكَعْبَةِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ يَقُولُ إنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَجَوَابُهُ مَا بَيَّنَّا وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ نَجَسٌ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ صَلَّى وَعِنْدَهُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ صَلَّى الْفَرْضَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الدُّخُولِ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ تَحَرِّيهِ فَلَا تَنْقَلِبُ جَائِزَةً وَإِنْ ظَهَرَ بِخِلَافِهِ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ تَحَرَّى قَوْمٌ جِهَاتٍ وَجَهِلُوا حَالَ إمَامِهِمْ يُجْزِيهِمْ) أَيْ تَحَرَّى جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَصَلَّى إمَامُهُمْ إلَى جِهَةٍ وَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ إلَى جِهَةٍ وَلَا يَدْرُونَ مَا صَنَعَ الْإِمَامُ يُجْزِيهِمْ إذَا كَانُوا خَلْفَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ وَهِيَ جِهَةُ التَّحَرِّي وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ لَا تُمْنَعُ كَمَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ حَالَ إمَامِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَأِ، وَكَذَا إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمَقَامِ وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ تَحَرَّى الْقِبْلَةَ فَأَخْطَأَ فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ وَقَدْ عَلِمَ حَالَتَهُ الْأُولَى لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الدَّاخِلِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ وَعَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ عَلَى الْخَطَأِ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَلَوْ قَامَ اللَّاحِقُ لِلْقَضَاءِ فَعَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ كَانَ عَلَى الْخَطَأِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) قَالَ ﵀ (فَرْضُهَا التَّحْرِيمَةُ) أَيْ فَرْضُ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] وَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي هَذَا الْبَابِ لِاتِّصَالِهَا بِالْأَرْكَانِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ رُكْنُ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ كَالْقِرَاءَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَهِيَ آيَةُ الرُّكْنِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ صَلَاةٍ بِتَحْرِيمَةِ صَلَاةٍ أُخْرَى وَلَوْلَا أَنَّهَا مِنْ الْأَرْكَانِ لَجَازَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] عَطَفَ الصَّلَاةَ عَلَى الذِّكْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمَةُ وَمُقْتَضَى الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ إذْ الشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ وَقَالَ ﵊ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» فَأَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى الصَّلَاةِ وَالْمُضَافُ غَيْرُ الْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُضَافُ إلَى نَفْسِهِ وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّ التَّسْبِيحَ لَيْسَ بِرُكْنٍ إجْمَاعًا أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ وَقَوْلُهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ فَأَلْقَاهُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا أَوْ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ فَسَتَرَهَا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّكْبِيرِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ أَوْ شَرَعَ فِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: هُوَ يَقُولُ: إنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَصَارَ كَمَا إذَا تَحَرَّى فِي الْأَوَانِي فَتَوَضَّأَ بِغَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ التَّحَرِّي، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ تَحَرِّيهِ كَذَا هَذَا. اهـ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا هُوَ التَّوَضُّؤُ بِالطَّاهِرِ حَقِيقَةً وَقَدْ وُجِدَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ صَلَّى وَعِنْدَهُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ إلَى آخِرِهِ) أَيْ كَمَا إذَا تَحَرَّى فِي الْأَوَانِي فَتَوَضَّأَ بِغَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ التَّحَرِّي. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ لَا تَمْنَعُ) أَيْ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَامَ اللَّاحِقُ إلَى آخِرِهِ) هَذَا الْفَرْعُ كَتَبَهُ عَلَى هَامِشِ الصَّفْحَةِ السَّابِقَةِ نَقْلًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ: كَانَ عَلَى الْخَطَأِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ لِأَنَّ اللَّاحِقَ وَهُوَ النَّائِمُ يُصَلِّي مِثْلَ مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ كَأَنَّهُ خَلَفَهُ وَلَوْ أَمَرْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ مِثْلَ مَا صَلَّى الْإِمَامُ لَكَانَ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَوْ أَمَرْنَاهُ أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ إلَى آخِرِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَ إمَامٍ فَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُ إمَامِهِ عَلَى الْخَطَأِ. اهـ. .
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) الْمُرَادُ بِصِفَةِ الصَّلَاةِ أَرْكَانُهَا؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الْأَرْكَانُ غَالِبًا وَإِنْ ذُكِرَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ اسْتِطْرَادًا كَالتَّحْرِيمَةِ وَالْقُعُودِ الْأَخِيرِ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الصِّفَةَ عَلَى الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ فِي ذَاتِهَا لِكَوْنِهَا أَعْرَاضًا قَائِمَةً بِالْمُصَلِّي. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَرْضُهَا التَّحْرِيمَةُ إلَى آخِرِهِ) التَّحْرِيمُ جَعْلُ الشَّيْءِ مُحَرَّمًا نَقْلٌ لِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ؛ لِأَنَّهَا تُحَرِّمُ مَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَأُلْحِقَ بِهِ تَاءُ النَّقْلِ تَنْبِيهًا عَلَى النَّقْلِ كَتَاءِ الْحَقِيقَةِ وَتُسَمَّى تَاءُ الِاسْمِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلتَّكْبِيرَةِ وَقَدْ كَانَ مَصْدَرًا فَفِيهِ تَحْقِيقٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى اسْمِيَّتِهِ. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ: فَرْضُ الصَّلَاةِ) الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْفَرَائِضُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمَةُ) أَيْ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ سَائِرَ التَّكْبِيرَاتِ لَيْسَ بِفَرْضٍ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ هَذَا لِلْفَرِيضَةِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَعْطِيلِ النَّصِّ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: إذْ الشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ نَظِيرَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لَكِنَّ جَوَازَهُ لِنُكْتَةٍ بَلَاغِيَةٍ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا. اهـ. فَتْحٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ إنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَجْعَلْ التَّحْرِيمَةَ نَفْسَ الصَّلَاةِ بَلْ جُزْأَهَا، وَالْجُزْءُ لَيْسَ عَيْنَ الْكُلِّ فَلَا يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْعَطْفُ يَقْتَضِي خُرُوجَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْ الْمَعْطُوفِ وَبِالْعَكْسِ فَلَا يَجُوزُ عَطْفُ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَلَا الْعَكْسُ وَخُرُوجُ الْمُضَافِ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَبِالْعَكْسِ وَلِذَا اسْتَدَلَّ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ بِعَطْفِ عَمَلِ الصَّالِحَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَبِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْهُ لَكِنْ يَرِدُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ: عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا جَازَ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رُكْنٌ اهـ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ فَيَجِبُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنْ لَا تَصِحَّ هَذِهِ الْفُرُوعُ اهـ
стр. 104
التَّكْبِيرِ قَبْلَ ظُهُور الزَّوَالِ مَثَلًا، ثُمَّ ظَهَرَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا أَوْ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ فَاسْتَقْبَلَهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا جَازَ وَلَئِنْ سَلَّمَ فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْأَدَاءِ لَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ صَلَاةٍ بِتَحْرِيمَةِ صَلَاةٍ أُخْرَى مَمْنُوعٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ النَّفَلَ بِتَحْرِيمَةِ صَلَاةٍ أُخْرَى إجْمَاعًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَأَدَاءُ فَرْضٍ بِتَحْرِيمَةِ فَرْضٍ آخَرَ يَجُوزُ عِنْدَ صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى الظَّاهِرِ لَعَارَضَهُمْ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ وَلَيْسَتْ مِنْ الْأَرْكَانِ بِالْإِجْمَاعِ وَمَعَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ صَلَاةٍ أُخْرَى إجْمَاعًا فَكَذَا التَّحْرِيمَةُ وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقَدَ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَدَاءِ.
قَالَ ﵀ (وَالْقِيَامُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَهُوَ رُكْنٌ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ قَالَ ﵀ (وَالْقِرَاءَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» وَعَلَى فَرْضِيَّتِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ قَالَ ﵀ (وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِيَّتِهِمَا.
قَالَ ﵀ (وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ) وَهُوَ فَرْضٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ هُوَ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ آخِرِ السُّجُودِ فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ» إذَا هُوَ أَحْدَثَ وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ «أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ إلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ قَالَ إذَا فَعَلْت هَذَا أَوْ قُلْت هَذَا فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُك إنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» عَلَّقَ تَمَامَ الصَّلَاةِ بِهِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْفَرْضُ إلَّا بِهِ فَهُوَ فَرْضٌ وَلَا يُقَالُ: إنَّ كَلِمَةَ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إذَا قُلْت هَذَا وَلَمْ تَقْعُدْ أَوْ قَعَدْت وَلَمْ تَقُلْ فَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى مَا قُلْتُمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ لَوْ وُجِدَتْ فِي غَيْرِ حَالِ الْقُعُودِ لَا تُعْتَبَرُ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَا وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إذَا قُلْت هَذَا وَأَنْتَ قَاعِدٌ أَوْ قَعَدْت وَلَمْ تَقُلْ.
قَالَ ﵀ (وَالْخُرُوجُ بِصُنْعِهِ) أَيْ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَرْدَعِيِّ أَخَذَهُ مِنْ الِاثْنَى عَشْرِيَّةَ قَالَ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ فَرْضٌ لِمَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِيهَا وَعَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: عِنْدَ صَدْرِ الْإِسْلَامِ) أَيْ وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِهِ اهـ (قَوْلُهُ: لَعَارَضَهُمْ بِالنِّيَّةِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ نَقْضٌ إجْمَالِيٌّ يَرُدُّ عَلَى دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ لَا مُعَارَضَةٌ وَقَدْ يُقَالُ أَرَادَ بِهَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أَيْ مُطِيعِينَ وَلَمْ يَجِبْ الْقِيَامُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إجْمَاعًا فَيَجِبُ فِيهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَعْطِيلِ النَّصِّ اهـ رَازِيٌّ وَقِيلَ سَاكِتِينَ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ وَقِيلَ خَاشِعِينَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ رُكْنٌ فِي الْفَرْضِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ ﵀ عِنْدَ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ ﵀ وَيُصَلِّي الْقَائِمُ خَلْفَ الْقَاعِدِ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فِي الْفَرَائِضِ كَانَ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهَكَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ الدِّرَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي غَيْرِهَا فَتَجِبُ فِيهَا. اهـ. رَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي قَدْرِ الْفَرْضِ مِنْ الْقَعْدَةِ قِيلَ قَدْرُ مَا يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَدْرُ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْعِيَّتَهَا لِقِرَاءَتِهِ وَأَقَلُّ مَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ اسْمُ التَّشَهُّدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا يَنْشَأُ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ مَا شُرِعَ لِغَيْرِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ غَيْرُهُ يَكُونُ آكَدَ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ مِمَّا لَمْ يُعْهَدْ بَلْ وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ فَإِذَا كَانَ شَرْعِيَّةُ الْقَعْدَةِ لِلذِّكْرِ أَوْ السَّلَامِ كَانَتْ دُونَهُمَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَيِّنَ سَبَبَ شَرْعِيَّتِهَا الْخُرُوجُ. اهـ.
وَفِي الدِّرَايَةِ عَنْ الْمُجْتَبَى وَلَوْ شَرَعَ الْمُقْتَدِي فِي قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ وَفَرَغَ عَنْهُ قَبْلَ إمَامِهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ وَذَهَبَ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ عَقْدُهُ الْإِمَامَةَ فِي حَقِّهِ وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ أَوْ تَكَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمُقْتَدِي التَّشَهُّدَ يُتِمُّ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ أَجْزَأَهُ. اهـ. مَعَ حَذْفٍ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ) إلَى قَوْلِهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ فَرْضٌ إلَى آخِرِهِ) قِيلَ إنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ وَهُوَ مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوَاتِهِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِرُكْنٍ إلَى آخِرِهِ) أَيْ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَاهِيَةِ عَلَيْهَا شَرْعًا؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَعْدَةِ فَعَلِمَ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْخُرُوجِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْعَالٌ وُضِعَتْ لِلتَّعْظِيمِ وَلَيْسَ الْقُعُودُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا سِوَاهُ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ سُنَّةٌ إلَى آخِرِهِ) لَكِنْ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا عِنْدَهُ كَذَا فِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ (قَوْلُهُ: وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَدِّبَ وَلَدَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إذَا عَقَلَهُمَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغُوا سَبْعًا وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا إذَا بَلَغُوا عَشْرًا وَلَا تُفْتَرَضُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ» وَلَوْ احْتَلَمَ الصَّبِيُّ بِاللَّيْلِ، ثُمَّ انْتَبَهَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَضَى صَلَاةَ الْعِشَاءِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ حُكِمَ بِبُلُوغِهِ بِالِاحْتِلَامِ وَقَدْ انْتَبَهَ وَالْوَقْتُ قَائِمٌ فَيَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا وَإِنْ لَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: إذَا قُلْت إلَى آخِرِهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ وَالْحَقُّ أَنَّ غَايَةَ الْإِدْرَاجِ هُنَا أَنْ تَصِيرَ مَوْقُوفَةً وَالْمَوْقُوفُ فِي مِثْلِهِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ. اهـ. فَتْحٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قِيلَ هَذَا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَشْهُورٌ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى نَصِّ الْكِتَابِ وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَنَصُّ الْكِتَابِ مُجْمَلٌ فَيُلْحَقُ بِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ بَيَانًا قِيلَ فَيَلْحَقُ قَوْلُهُ: ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» بَيَانًا فَيَكُونُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَرْضًا (وَأُجِيبَ) بِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ الْفَضِيلَةَ فَلَا يَصْلُحُ بَيَانًا وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ مُحْكَمٌ فَنَصُّ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ جَمِيعَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ: أَوْ قَعَدَتْ وَلَمْ تَقُلْ إلَى آخِرِهِ) فَصَارَ التَّخْيِيرُ فِي الْقَوْلِ لَا فِي الْفِعْلِ إذْ الْفِعْلُ ثَابِتٌ فِي الْحَالَيْنِ. اهـ.
стр. 105
قَالَ ﵀ (وَوَاجِبُهَا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَضَمُّ سُورَةٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ رُكْنٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» وَقَالَ مَالِكٌ قِرَاءَتُهُمَا رُكْنٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا» هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ خِلَافَ مَالِكٍ فِي السُّورَةِ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ ضَمَّ السُّورَةِ وَاجِبٌ وَخَطَّأَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فِيهِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ وَلَكِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ فَقُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ رُكْنًا لَعَلَّمَهُ إيَّاهَا لِجَهْلِهِ بِالْأَحْكَامِ وَحَاجَتِهِ إلَيْهَا وَقَوْلُهُ «لَا صَلَاةَ» مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ كَقَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَقَوْلُهُ ﵊ «فَهِيَ خِدَاجٌ» لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ بِدُونِهَا بَلْ عَلَى النَّقْصِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
قَالَ ﵀ (وَتَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ) لِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَيَيْنِ قِرَاءَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ التَّخْيِيرُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ.
قَالَ ﵀ (وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ فِي فِعْلٍ مُكَرَّرٍ) أَيْ مُكَرَّرٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسُّجُودِ أَوْ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَوَاجِبُهَا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَضَمُّ سُورَةٍ) وَهَلْ وُجُوبُ الضَّمِّ فِي الْفَرْضِ فَقَطْ أَمْ فِيهِ وَغَيْرُهُ فَاَلَّذِي كَانَ يُفِيدُهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ الْغَزِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ فِي وُجُوبِ الضَّمِّ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقَاتِ الْمَشَايِخِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالْفَرْضِ وَقَدْ وَقَفْت فِي الْقُنْيَةِ عَلَى مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالْفَرْضِ قَالَ فِيهَا فِي بَابِ السُّنَنِ مَا نَصُّهُ وَلَوْ خَافَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ بِوَجْهِهَا تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ وَلَوْ اقْتَصَرَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَتَسْبِيحَةٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُدْرِكُهَا فَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ جَائِزٌ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ فَتَرْكُ سُنَّةِ السُّنَّةِ أَوْلَى وَعَنْ الْقَاضِي الزرنجري لَوْ خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ يُصَلِّي السُّنَّةَ وَيَتْرُكُ الثَّنَاءَ وَالتَّعَوُّذَ وَسُنَّةَ الْقِرَاءَةِ وَيَقْتَصِرُ عَلَى آيَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَهُمَا، وَكَذَا فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ. اهـ.
وَفِي الْيَتِيمَةِ سُئِلَ عَبْدُ الرَّحِيمِ عَمَّنْ نَسِيَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ التَّطَوُّعِ هَلْ يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ فَقَالَ يَلْزَمُهُ قِيلَ لَهُ فَلَوْ تَرَكَهَا عَامِدًا قَالَ يُكْرَهُ. اهـ. تَتَارْخَانِيَّةُ وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ أَوْ ثَلَاثُ آيَاتٍ كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا وَشَرْحًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ. اهـ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ أَنْ رَقَّمَ لِمَجْدِ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيِّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ السُّورَةُ وَاجِبَةٌ لَكِنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْجَبُ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا فِي الصَّلَاةِ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَلَوْ تَرَكَ السُّورَةَ لَمْ يُؤْمَرْ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةٍ» إلَى آخِرِهِ) قِيلَ هَذَا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَشْهُورٌ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى نَصِّ الْكِتَابِ وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَنَصُّ الْكِتَابِ مُجْمَلٌ فَيَلْحَقُ بِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ بَيَانًا قِيلَ فَيَلْحَقُ قَوْلُهُ: ﷺ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» بَيَانًا فَتَكُونُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَرْضًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِنَفْيِ الْفَضِيلَةِ فَلَا يَصِحُّ بَيَانًا وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ مُحْكَمٌ فَنَصُّ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ جَمِيعَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا. اهـ. يَحْيَى (قَوْلُهُ: وَخَطَّأَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إلَى آخِرِهِ) لَمْ يُخَطِّئْ السُّرُوجِيُّ ﵀ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بَلْ قَالَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ ضَمَّ السُّورَةِ إلَى الْفَاتِحَةِ رُكْنٌ فِيمَا عَلِمْته وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّخْطِئَةُ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسُّجُودِ إلَى آخِرِهِ) الْمَشْرُوعُ فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا أَنْوَاعُ مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَالْقَعْدَةِ وَمَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَمَا يَتَعَدَّدُ فِي الصَّلَاةِ كَالرَّكَعَاتِ وَمَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسَّجْدَةِ مَنْبَعٌ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ إذَا أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ نَامَ خَلْفَهُ أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَسَبَقَهُ الْإِمَامُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ عَادَ مِنْ وُضُوئِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِهِ، ثُمَّ يُتَابِعُ إمَامَهُ لِمَا نَذْكُرُ وَلَوْ تَابَعَ إمَامَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ قَضَى بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ جَازَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ زَحَمَهُ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَدَاءِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَبَقِيَ قَائِمًا وَأَمْكَنَهُ أَدَاءُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَأَدَّى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْأُولَى، ثُمَّ قَضَى الْأُولَى بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ تَذَكَّرَ سُجُودًا فِي الرُّكُوعِ وَقَضَاهُ أَوْ سَجْدَةً فِي السَّجْدَةِ وَقَضَاهَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ الَّذِي هُوَ فِيهِمَا وَلَوْ اعْتَدَّ بِهِمَا وَلَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَدَّ بِهِمَا.
وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ فَإِذَا أَتَى بِهِ قَبْلَهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَلَا يَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ كَمَا إذَا قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ السُّجُودِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَمَرَ بِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فِيمَا أَدْرَكَ بِحَرْفِ الْفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْقِيبِ بِلَا فَصْلٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِقَضَاءِ الْفَائِتِ وَالْأَمْرُ دَلِيلُ الْجَوَازِ وَلِهَذَا يَبْدَأُ الْمَسْبُوقُ بِمَا أَدْرَكَ الْإِمَامُ لَا بِمَا سَبَقَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَقَدْ أَخَّرَهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَمْرِ بِحَرْفِ الْوَاوِ وَأَنَّهُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَأَيُّهُمَا فَعَلَ يَقَعُ مَأْمُورًا بِهِ فَصَارَ مُعْتَدًّا بِهِ إلَّا أَنَّ الْمَسْبُوقَ صَارَ مَخْصُوصًا بِقَوْلِهِ ﷺ «سَنَّ لَكُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ سُنَّةً حَسَنَةً فَاسْتَنُّوا بِهَا».
وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ بِظَاهِرِهِ وَبِضَرُورَتِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَإِسْقَاطُ التَّرْتِيبِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ إسْقَاطٌ فِيمَا هُوَ مِنْ أَجْزَائِهَا ضَرُورَةً إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِالسُّجُودِ قَبْلَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لِتَقْيِيدِ الرَّكْعَةِ بِالسَّجْدَةِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. اهـ. بَدَائِعُ
стр. 106
حَتَّى لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَضَاهَا فِي آخِرِ الصَّلَاةِ جَازَ وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا لَمَا جَازَ، وَكَذَا مَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ عِنْدَنَا وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا لَكَانَ آخِرًا، وَأَمَّا مَا شُرِعَ غَيْرُ مُكَرَّرٍ فِي رَكْعَةٍ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ أَوْ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَالْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَالتَّرْتِيبُ فِيهِ فَرْضٌ حَتَّى لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْقِيَامِ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً أَوْ نَحْوَهَا بَطَلَ الْقُعُودُ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ فَرْضٌ وَإِنَّمَا كَانَ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا اتَّحَدَتْ شَرْعِيَّتُهُ يُرَاعَى وُجُودُهُ صُورَةً وَمَعْنًى فِي مَحَلِّهِ تَحَرُّزًا عَنْ تَفْوِيتِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ جُزْءًا أَوْ كُلًّا إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ جُزْءًا أَوْ كُلًّا مِنْ جِنْسِهِ لِضَرُورَةِ اتِّحَادِهِ فِي الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِفْرَادُ بِالشَّرْعِيَّةِ دَلِيلُ تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ ﵀ (وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ) وَهُوَ تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَأَدْنَاهُ مِقْدَارُ تَسْبِيحَةٍ وَهَذَا تَخْرِيجُ الْكَرْخِيِّ وَفِي تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِتَكْمِيلِ الْأَرْكَانِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِذَاتِهِ فَيَكُونُ سُنَّةً وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شُرِعَ لِتَكْمِيلِ رُكْنٍ فَيَكُونُ وَاجِبًا كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ ﵊ لِمَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ «صَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» وَقَالَ ﵊ «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ إلَى أَنْ قَالَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْكَعَ فَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَيَسْتَرْخِيَ» الْحَدِيثُ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] أُمِرْنَا بِالرُّكُوعِ وَهُوَ الِانْحِنَاءُ لُغَةً وَبِالسُّجُودِ وَهُوَ الِانْخِفَاضُ لُغَةً فَتَتَعَلَّقُ الرُّكْنِيَّةُ بِالْأَدْنَى مِنْهُمَا وَفِي آخِرِ مَا رَوَاهُ سَمَّاهُ صَلَاةٌ فَقَالَ لَهُ «إذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك وَإِذَا انْتَقَصْت مِنْهَا شَيْئًا انْتَقَصَ مِنْ صَلَاتِك وَلَمْ تَذْهَبْ كُلُّهَا» وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ وَضْعَ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَالثَّنَاءَ وَالتَّسْمِيعَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَرْضًا بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ ﵀ (وَالْقُعُودُ الْأَوَّلُ) وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ هُوَ سُنَّةٌ وَقَدْ عُرِفَ فِي الْمُطَوَّلَاتِ قَالَ ﵀ (وَالتَّشَهُّدُ وَلَفْظُ السَّلَامِ وَقُنُوتُ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ) هُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى يَجِبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَذْكَارِ كَالتَّعَوُّذِ وَالثَّنَاءِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ دُونَ الْأَذْكَارِ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ لِلسَّهْوِ إلَّا فِي الْأَفْعَالِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الْأَذْكَارَ تُضَافُ إلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ يُقَالُ تَشَهُّدُ الصَّلَاةِ وَقُنُوتُ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ فَصَارَتْ مِنْ خَصَائِصِهَا بِخِلَافِ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ حَيْثُ تُضَافُ إلَى الرُّكُوعِ فَقَطْ فَلَا يَجِبُ الْجَابِرُ بِتَرْكِهَا.
قَالَ ﵀ (وَالْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِيمَا يَجْهَرُ وَيُسِرُّ) وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ هُمَا سُنَّتَانِ حَتَّى لَا يَجِبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَقْصُودَيْنِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْقِرَاءَةُ فَصَارَا كَالْقَوْمَةِ.
قَالَ ﵀ (وَسُنَنُهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ وَنَشْرُ أَصَابِعِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «كَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ نَاشِرًا أَصَابِعَهُ» وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ لَا يَضُمَّ كُلَّ الضَّمِّ وَلَا يُفَرِّجَ كُلَّ التَّفْرِيجِ بَلْ يَتْرُكُهَا عَلَى حَالِهَا مَنْشُورَةً.
قَالَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: بَطَلَ الْقُعُودُ) فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْقُعُودَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: جُزْءًا أَوْ كُلًّا) حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا تَعَلَّقَ؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْمُتَّحِدِ كُلُّ الصَّلَاةِ كَالْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ أَوْ جُزْؤُهَا وَهُوَ الرَّكْعَةُ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّحِدَ لَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِهِ فِي مَحَلِّهِ فَإِنْ فَاتَ فَاتَ أَصْلًا فَيَفُوتُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ جُزْءِ الصَّلَاةِ أَوْ كُلِّهَا بِخِلَافِ الْمُتَكَرِّرِ فَإِنَّهُ لَوْ فَاتَ أَحَدُ فِعْلَيْهِ بَقِيَ الْفِعْلُ الْآخَرُ مِنْ جِنْسِهِ فَلَمْ يَفُتْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ كَمَا لَوْ أَتَى بِإِحْدَى السَّجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَتَرَكَ الْأُخْرَى وَإِنَّمَا قَالَ يُرَاعَى وُجُودُهُ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ أَحَدَ فِعْلِي الْمُتَكَرِّرِ لَوْ فَاتَ عَنْ مَحَلِّهِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ الْتَحَقَ بِمَحَلِّهِ الْأَوَّلِ فَكَانَ مَوْجُودًا فِيهِ مَعْنًى وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ صُورَةً بِخِلَافِ الْمُتَّحِدِ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْتَحِقْ بِمَحَلِّهِ الْأَوَّلِ حَيْثُ فَاتَ بِفَوَاتِهِ فَلَمْ يُوجَدْ صُورَةً وَمَعْنًى. اهـ. يَحْيَى.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ فَرْضٌ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ هُوَ فَرْضٌ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ مَنْ تَرَكَ الِاعْتِدَالَ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَلَوْ أَعَادَ يَكُونُ الْفَرْضُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ لُزُومَ الْإِعَادَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى أَنَّ الْفَرْضَ أَيُّهُمَا. اهـ. كَذَا فِي الدِّرَايَةِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذْ هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَيَكُونُ جَابِرًا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ وَبِجَعْلِهِ الثَّانِيَ يَقْتَضِي عَدَمَ سُقُوطِهِ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ لَازِمُ تَرْكِ الرُّكْنِ لَا الْوَاجِبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ امْتِنَانٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يُحْتَسَبُ الْكَامِلُ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْفَرْضِ لِمَا عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَيُوقِعُهُ. اهـ. مِنْهُ وَفِي الْإِسْبِيجَابِيِّ الطُّمَأْنِينَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا فَرْضٌ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِي الْكِتَابِ وَلَكِنْ تَلَقَّيْنَاهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: لِمَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِهِ) اسْمُهُ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: سَمَّاهُ صَلَاةً) وَالْبَاطِلَةُ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ أَوْ يُقَالُ وَصْفُهَا بِالنَّقْصِ وَالْبَاطِلَةُ إنَّمَا تُوصَفُ بِالِانْعِدَامِ فَعُلِمَ أَنَّهُ ﷺ إنَّمَا أَمَرَهُ بِإِعَادَتِهَا لِيُوقِعَهَا عَلَى غَيْرِ كَرَاهَةٍ لَا لِلْفَسَادِ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: انْتَقَصَ مِنْ صَلَاتِك) مِنْ زَائِدَةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالتَّشَهُّدُ) أَيْ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فِي الْأُولَى وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ اهـ ع.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ إلَى آخِرِهِ) لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمَا وَهَذَا إذَا كَانَ إمَامًا أَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. اهـ. رَازِيٌّ.
[سُنَن الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَسُنَنُهَا إلَى آخِرِهِ) هِيَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ عَلَى مَا ذُكِرَ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: لِلتَّحْرِيمَةِ) أَيْ وَتُعَيَّنُ لَفْظَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ. اهـ. كُنُوزٌ.
стр. 107
- ﵀ (وَجَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ) لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِعْلَامِ بِالدُّخُولِ وَالِانْتِقَالِ وَلِهَذَا سُنَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ أَيْضًا.
قَالَ ﵀ (وَالثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ وَالتَّأْمِينُ سِرًّا) لِلنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ سِرًّا رَاجِعٌ إلَى الْأَرْبَعَةِ.
قَالَ ﵀ (وَوَضْعُ يَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَضَعُ عَلَى الصَّدْرِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَضَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ»؛ وَلِأَنَّ الْوَضْعَ عَلَى الصَّدْرِ أَقْرَبُ إلَى الْخُضُوعِ مِنْ الْوَضْعِ عَلَى الْعَوْرَةِ وَلَنَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ كَمَا بَيْنَ يَدِي الْمُلُوكِ وَوَضْعُهَا عَلَى الْعَوْرَةِ لَا يَضُرُّ فَوْقَ الثِّيَابِ فَكَذَا بِلَا حَائِلٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْعَوْرَةِ فِي حَقِّهِ وَلِهَذَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا عَلَى صَدْرِهَا وَإِنْ كَانَ عَوْرَةً.
قَالَ ﵀ (وَتَكْبِيرُ الرُّكُوعِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ «يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ» قَالَ ﵀ (وَالرَّفْعُ مِنْهُ) أَيْ الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ سُنَّةٌ وَإِعْرَابُ الرَّفْعِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى التَّكْبِيرِ وَلَا يَجُوزُ خَفْضُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَإِنَّمَا يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْهُ فَرْضٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِقَالُ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ بِأَنْ يَنْحَطَّ مِنْ رُكُوعِهِ.
قَالَ ﵀ (وَتَسْبِيحُهُ ثَلَاثًا) أَيْ تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ السُّنَّةِ أَوْ الْفَضِيلَةِ قَالَ ﵀ (وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ وَتَفْرِيجُ أَصَابِعِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِأَنَسٍ «إذَا رَكَعْت فَضَعْ يَدَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِك».
قَالَ ﵀ (وَتَكْبِيرُ السُّجُودِ) لِمَا رَوَيْنَا وَلَوْ قَالَ (وَتَكْبِيرُ السُّجُودِ وَالرَّفْعُ مِنْهُ) كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ سُنَّةٌ، وَكَذَا الرَّفْعُ نَفْسُهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ فَرْضُ وَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِقَالُ وَقَدْ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ بِأَنْ سَجَدَ عَلَى الْوِسَادَةِ، ثُمَّ تُنْزَعُ وَيَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ ثَانِيًا وَلَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا إلَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الرَّفْعَ حَتَّى يَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْجُلُوسِ قَالَ ﵀ (وَتَسْبِيحُهُ ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا» قَالَ ﵀ (وَوَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ) يَعْنِي وَضْعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ حَالَةَ السُّجُودِ لِقَوْلِهِ ﵊ أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمَ وَعَدَّ مِنْهَا الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لِتَحَقُّقِ السُّجُودِ بِدُونِ وَضْعِهِمَا، وَأَمَّا وَضْعُ الْقَدَمَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ فَرْضٌ فِي السُّجُودِ قَالَ ﵀ (وَافْتِرَاشُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبُ الْيُمْنَى) يَعْنِي فِي حَالَةِ الْقُعُودِ لِلتَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ ﵀ (وَالْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ) أَيْ الْقَوْمَةُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهُمَا سُنَّتَانِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْوَجْهُ فِي تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِعْلَامِ) أَيْ لِيَعْلَمَ الْأَعْمَى. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا سُنَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ) أَيْ لِيَعْلَمَ الْأَصَمُّ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الرَّازِيّ ﵀، وَأَمَّا الثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ وَالتَّأْمِينُ سِرًّا مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ مُنْفَرِدًا فَلِلنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالتَّسْمِيَةُ) سَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّهُ يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: سِرًّا) وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ وَالتَّقْدِيرُ تُسَرُّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ سِرًّا أَوْ يُسِرُّهَا الْمُصَلِّي سِرًّا. اهـ. ع.
قَوْلُهُ: وَلَنَا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ إلَى آخِرِهِ لَمْ يُجِبْ عَنْ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ: بِالتَّسْمِيعِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ ذِكْرٌ فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ لَفْظُ التَّكْبِيرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَيَلْزَمُ عَلَى وَجْهِ الرَّفْعِ تَكْرَارُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَالْقَوْمَةُ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ يُرَادَ مِنْ الْقَوْمَةِ الْقَوْمَةُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. اهـ. بَاكِيرٌ.
(قَوْلُهُ: إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ) ظَاهِرُهُ وَهُوَ الْوُجُوبُ مَتْرُوكٌ إجْمَاعًا. اهـ. .
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﵊ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ» إلَى آخِرِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ» أَيْ أَعْضَاءٍ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا وَضْعُ الْقَدَمَيْنِ إلَى آخِرِهِ) وَسَمَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَظْمًا بِاعْتِبَارِ الْجُمْلَةِ وَإِنْ اشْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى عِظَامٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْجُمْلَةِ بِاسْمِ بَعْضِهَا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ فَرْضٌ إلَى آخِرِهِ) وَفِي الْجَلَّابِيِّ مَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَفَعَ أَحَدَ قَدَمَيْهِ لَا يَجُوزُ وَقَدْ رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ وَضَعَ إحْدَى رِجْلَيْهِ يَجُوزُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَرَاهَةَ وَذَكَرَ الْكَرَاهَةَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَعَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَ تَرْكِ وَضْعِ الرِّجْلَيْنِ وَفِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ لَوْ لَمْ يَضَعْ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ جَازَ. اهـ. كَاكِيٌّ مَعَ حَذْفٍ قَالَ الْكَمَالُ، وَأَمَّا افْتِرَاضُ وَضْعِ الْقَدَمِ فَلِأَنَّ السُّجُودَ مَعَ رَفْعِهِمَا بِالتَّلَاعُبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَيَكْفِيهِ وَضْعُ إصْبَعٍ وَاحِدَةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي حَالَةِ الْقُعُودِ لِلتَّشَهُّدِ) أَيْ فِي الْقَعْدَتَيْنِ. اهـ. ع.
(قَوْلُهُ: وَهُمَا سُنَّتَانِ) أَيْ بِاتِّفَاقِ الْمَشَايِخِ بِخِلَافِ الطُّمَأْنِينَةِ عَلَى مَا سَمِعْت مِنْ الْخِلَافِ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ وَاجِبَتَيْنِ لِلْمُوَاظَبَةِ وَلِمَا رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَعَلَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إيجَابُ سُجُودِ السَّهْوِ فِيهِ فِيمَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ مَا يُوجِبُ السَّهْوَ قَالَ الْمُصَلِّي إذَا رَكَعَ وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ حَتَّى خَرَّ سَاهِيًا سَاجِدًا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَيْهِ السَّهْوُ وَيُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا فَرَائِضُ عَلَى الْفَرَائِضِ الْعَمَلِيَّةِ وَهِيَ الْوَاجِبَةُ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ. اهـ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) أَيْ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْفَرْضِيَّةِ. اهـ.
стр. 108
وَفِي قَوْلِهِ الْقَوْمَةُ نَوْعُ إشْكَالٍ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَرِيبٍ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ سُنَّةٌ وَهُوَ الْقَوْمَةُ فَيَكُونُ تَكْرَارًا.
قَالَ ﵀ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءُ) يَعْنِي بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ بِالدُّعَاءِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلَا تَجِبُ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَتْ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرْكُ الْأَمْرِ وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ فَرَائِضَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ، وَكَذَا لَمْ يُرْوَ فِي تَشَهُّدِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ أَوْجَبَهَا فَقَدْ خَالَفَ الْآثَارَ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ يُقْتَدَى بِهِ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بَلْ يَجِبُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً كَمَا اخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ أَوْ كُلَّمَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ قَدْ وَفَّيْنَا بِمُوجِبِ الْأَمْرِ بِقَوْلِنَا السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ فَلَا يَجِبُ ثَانِيًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ إذْ لَوْ وَجَبَ لَمَا تَفَرَّغَ لِعِبَادَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْلُو عَنْ ذِكْرِهِ ﵊ فَيَكْتَفِي بِمَرَّةٍ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ.
قَالَ ﵀ (وَآدَابُهَا) أَيْ آدَابُ الصَّلَاةِ (نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) أَيْ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَفِي حَالَةِ الرُّكُوعِ إلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ وَفِي سُجُودِهِ إلَى أَرْنَبَتِهِ وَفِي قُعُودِهِ إلَى حِجْرِهِ وَعِنْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى إلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَعِنْدَ الثَّانِيَةِ إلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخُشُوعُ وَتَرْكُ التَّكَلُّفِ فَإِذَا تَرَكَهُ وَقَعَ بَصَرُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ قَالَ ﵀ (وَكَظْمُ فَمِهِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ) أَيْ إمْسَاكُ فَمِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ سَدُّهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ بِيَدِهِ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» قَالَ ﵀ (وَإِخْرَاجُ كَفَّيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ)؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَأَبْعَدُ إلَى التَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ وَأَمْكَنُ مِنْ نَشْرِ الْأَصَابِعِ قَالَ ﵀ (وَدَفْعُ السُّعَالِ مَا اسْتَطَاعَ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَيَجْتَنِبُهُ مَا أَمْكَنَهُ الِاجْتِنَابُ عَنْهُ قَالَ ﵀ (وَالْقِيَامُ حِينَ قِيلَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ)؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ فَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ حَاضِرًا لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِمْ وَيَقِفَ مَكَانَهُ فِي رِوَايَةٍ وَفِي أُخْرَى يَقُومُونَ إذَا اخْتَلَطَ بِهِمْ وَقِيلَ يَقُومُ كُلُّ صَفٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَإِنْ دَخَلَ مِنْ قُدَّامَ وَقَفُوا حِينَ يَقَعُ بَصَرُهُمْ عَلَيْهِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَقُومُونَ حِينَ قِيلَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ الْأُولَى وَيُحْرِمُونَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ قُلْنَا هَذَا إخْبَارٌ عَنْ قِيَامِ الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقِيَامِ قَبْلَهُ لِيَكُونَ صَادِقًا فِي إخْبَارِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِ الْقَوْمَةُ نَوْعُ إشْكَالٍ إلَى قَوْلِهِ تَكْرَارًا) لَيْسَ هُوَ ثَابِتٌ فِي خَطِّ الشَّارِحِ ﵀ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ الَّتِي لَيْسَتْ بِخَطِّ الشَّارِحِ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ قُلْت وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فِي خَطِّ الشَّارِحِ فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمَةِ حَقِيقَتُهَا وَبِالرَّفْعِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّفْعِ لَا حَقِيقَةُ الْقِيَامِ وَبِمَا ذَكَرْنَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وَدَعْوَى التَّكْرَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْقَوْمَةُ فَيَكُونُ تَكْرَارًا إلَى آخِرِهِ) تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: كَمَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ) أَيْ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ ذَكَرْت عِنْدَهُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَقَدْ جَفَانِي». اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرُ السَّوْقِ التَّقَابُلُ بَيْنَ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ وَالْقَوْلِ بِالْمَرَّةِ وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مَرَّةٌ مُرَادُ قَائِلِهِ الِافْتِرَاضُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ عَلَيْهِ كَمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ مُسْتَنِدَهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ فِي أَنَّهُ لَا إكْفَارَ بِجَحْدٍ مُقْتَضَاهُ بَلْ التَّفْسِيقُ بَلْ التَّقَابُلُ بَيْنَ الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهِ إذَا ذَكَرُوا قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ وَالْأَوْلَى قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَجَعَلَ فِي الْفِقْهِ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ أَصَحَّ وَاخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ قَوْلَ الْكَرْخِيِّ بَعْدَ النَّقْلِ عَنْهُمَا ظَاهِرٌ فِي اعْتِبَارِ التَّقَابُلِ، ثُمَّ التَّرْجِيحُ وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا قُلْنَا. اهـ. فَتْحٌ قَالَ الْكَمَالُ ﵀ وَمُوجِبُ الْأَمْرِ الْقَاطِعِ الِافْتِرَاضُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَقُلْنَا بِهِ. اهـ. وَاعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَخْلُ عَنْ ذِكْرِهِ فَلَوْ وَجَبَتْ كُلَّمَا ذُكِرَ لَا نَجِدُ فَرَاغًا عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُدَّةَ عُمْرِنَا وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْفَرَاغَ يُوجَدُ بِالتَّدَاخُلِ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ هَذَا الْجَوَابَ بِأَنَّ التَّدَاخُلَ يُوجَدُ فِي حَقِّ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حَقُّهُ وَفِي قَوْلِهِ جَفَانِي دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَلَا تَدَاخُلَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَلِهَذَا قَالُوا مَنْ عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ يَنْبَغِي لِلسَّامِعِ أَنْ يُشَمِّتَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَيُجِيبُ عَنْ اعْتِرَاضِهِ بِأَنْ نَقُولَ الْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُوجِبِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ الذِّكْرُ الْمَسْمُوعُ فِي غَيْرِ ضِمْنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كُلَّمَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. ابْنُ فِرِشْتَا.
[آدَاب الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ: وَآدَابُهَا) هِيَ سِتَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. اهـ. ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ التَّشَهُّدِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي حَالِ الْقِيَامِ فَقَطْ. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ: وَفِي قُعُودِهِ إلَى حِجْرِهِ) قَالَ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت وَفِي التَّشَهُّدِ إلَى مَسْجِدِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِخْرَاجُ كَفَّيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ) أَيْ الْأَوَّلِ إلَّا عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ الْبَرْدِ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) أَيْ وَحَصَلَتْ مِنْهُ حُرُوفٌ. اهـ. ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْقِيَامُ) أَيْ قِيَامُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ. اهـ. ع قَالَ فِي الْوَجِيزِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْمُبْتَغَى. اهـ.
стр. 109
قَالَ ﵀ (وَشُرُوعُ الْإِمَامِ مُذْ قِيلَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَشْرَعُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِقَامَةِ مُحَافَظَةً عَلَى فَضِيلَةِ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ وَإِعَانَةً لِلْمُؤَذِّنِ عَلَى الشُّرُوعِ مَعَهُ لَهُمَا أَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَمِينٌ وَقَدْ أَخْبَرَ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ فَيَشْرَعُ عِنْدَهُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْكَذِبِ وَفِيهِ مُسَارَعَةٌ إلَى الْمُنَاجَاةِ وَقَدْ تَابَعَ الْمُؤَذِّنَ فِي الْأَكْثَرِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا الْمُتَابَعَةُ فِي الْأَذَانِ دُونَ الْإِقَامَةِ
(فَصْلٌ) قَالَ ﵀ (وَإِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) لِمَا تَلَوْنَا وَلِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ يَقُولُ يَكُونُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا وَفِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ نَوَى الْأَخْرَسُ وَالْأُمِّيُّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ شَيْئًا يَكُونُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّحْرِيكُ بِاللِّسَانِ قَالَ ﵀ (وَرَفْعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا رَوَيْنَا وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَقْتَضِي الْمُقَارَنَةَ وَلَا الْمُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَقَالَ الصَّفَّارُ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ سُنَّةُ التَّكْبِيرِ فَيُقَارِنُهُ كَتَكْبِيرَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْفَعُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ نَفْيُ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتِي أُذُنَيْهِ وَبِرُؤْسِ الْأَصَابِعِ فُرُوعَ أُذُنَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَى هَذَا تَكْبِيرَةُ الْقُنُوتِ وَالْأَعْيَادُ لَهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ» وَلَنَا حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَأَنَسٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ «إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ»؛ وَلِأَنَّ رَفْعَ الْيَدِ لِإِعْلَامِ الْأَصَمِّ وَهُوَ بِمَا قُلْنَا وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّ وَائِلًا قَالَ: ثُمَّ أَتَيْته مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَعَلَيْهِمْ الْأَكْسِيَةُ وَالْبَرَانِسُ فَكَانُوا يَرْفَعُونَ فِيهَا إلَى مَنَاكِبِهِمْ فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرِ الْبَرْدِ وَلَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى رَفَعَهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَسْنُونِ وَلَا يَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ عَمَّا زَادَ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الرَّفْعِ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ يَدَهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَرْفَعُ إلَى مَنْكِبَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّسْبِيحِ أَوْ بِالتَّهْلِيلِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ صَحَّ كَمَا لَوْ قَرَأَ بِهَا عَاجِزًا) أَيْ لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ بِالْفَارِسِيَّةِ عَاجِزًا عَنْ الْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ شَرَطَ الْعَجْزَ لِتَصِحَّ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا الِافْتِتَاحُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ بِالتَّكْبِيرِ وَهَلْ يُكْرَهُ الشُّرُوعُ بِغَيْرِهِ أَمْ لَا ذَكَرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ لَمْ يَجُزْ إلَّا اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ الْأَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ كَبِيرٌ أَوْ اللَّهُ الْكَبِيرُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فَيَشْرَعُ) أَيْ الْمُصَلِّي وَهُوَ الْإِمَامُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَهُمَا إلَى آخِرِهِ) هَذَا كُلُّهُ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ مُحَافَظَةً عَلَى فَضِيلَةِ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ وَبَقِيَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ وَإِعَانَةً لِلْمُؤَذِّنِ عَلَى الشُّرُوعِ. اهـ.
[فَصْلٌ الشروع فِي الصَّلَاة وَبَيَان إحرامها وأحوالها]
(فَصْلٌ) أَيْ فِي بَيَانِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَبَيَانِ إحْرَامِهَا وَأَحْوَالِهَا. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِذَا أَرَادَ) أَيْ الْمُكَلَّفُ. اهـ. ع (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ. اهـ. ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: كَبَّرَ) إلَّا أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ أَوْ أُمِّيًّا لَا يُحْسِنُ شَيْئًا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا. اهـ. ع (قَوْلُهُ: حُجَّةً عَلَى مَنْ يَقُولُ يَكُونُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَطَائِفَةٌ. اهـ. غَايَةٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَلَا يَصِحُّ الِافْتِتَاحُ إلَّا فِي حَالَةِ الْقِيَامِ حَتَّى لَوْ كَبَّرَ قَاعِدًا، ثُمَّ قَامَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا وَلَوْ جَاءَ إلَى الْإِمَامِ فَحَنَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَإِنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ يَصِحُّ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ التَّحْرِيكُ بِاللِّسَانِ) أَيْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ حَرَكَةٌ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ فَإِذَا تَعَذَّرَ نَفْسُ الْوَاجِبِ لَا يُحْكَمُ بِوُجُوبِ غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ) أَيْ يَجْعَلُ بَاطِنَ كَفَّيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْفَعُ أَوَّلًا إلَى آخِرِهِ) وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُكَبِّرَ أَوَّلًا، ثُمَّ يَرْفَعَ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَحِينَئِذٍ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ نَفْيَ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ رَفْعُ الْيَدِ فِي الْعُرْفِ يُفِيدُ الْإِنْكَارَ وَالنَّفْيَ فَالْمُصَلِّي بِفِعْلِهِ يَنْفِي الْكِبْرِيَاءَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِقَوْلِهِ يُثْبِتُهُ لَهُ تَعَالَى وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتِي أُذُنَيْهِ) قَالَ قَاضِيخَانْ فِي فَتَاوَاهُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ وَيَمَسُّ طَرَفَ إبْهَامَيْهِ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ بِأَصَابِعِهِ فَوْقَ أُذُنَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَرْفَعُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ بَعْدَ أَنْ رَقَّمَ لِشَرْحِ الْبَقَّالِيِّ تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي التَّكْبِيرِ إلَى مَنْكِبَيْهَا حِذَاءَ ثَدْيَيْهَا قِيلَ هُوَ السُّنَّةُ فِي الْحُرَّةِ فَأَمَّا الْأَمَةُ فَكَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ كَفَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّسْبِيحِ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ عِوَضَ اللَّهُ أَكْبَرُ. اهـ. ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: أَوْ بِالتَّهْلِيلِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ خداي بذرك بِمَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَذَا سَائِرُ لُغَاتِ الْعَجَمِ مِثْلُ السُّرْيَانِيَّةِ وَالْعِبْرَانِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي. اهـ. (قَوْلُهُ: ذَكَرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ) أَيْ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ. اهـ. غَايَةٌ قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ الْأَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ) أَيْ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَنَبِيُّنَا مِنْ جُمْلَتِهِمْ. اهـ. كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ اللَّهُ كَبِيرٌ إلَى آخِرِهِ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْجَلَالَةِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ رُوِيَ الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَلَوْ قَالَ أَكْبَرُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ وَالثَّانِي لَيْسَ بِلَازِمٍ
стр. 110
إلَّا بِالْأَوَّلَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ ﵊ وَالتَّعْلِيلُ لِلتَّعْدِيَةِ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ الْمَنْقُولِ فَلَا يَجُوزُ وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ زِيَادَةَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ لَا تُزِيدُهُ إلَّا تَأْكِيدًا فَيَجُوزُ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ أَفْعَلَ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ بَعْدَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ إيَّاهُ فِي الصِّفَةِ وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ فَكَانَ بِمَعْنَى فَعِيلٍ إذْ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ بِمَعْنَى فَعِيلٍ قَالَ الشَّاعِرُ
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
أَيْ عَزِيزٌ طَوِيلٌ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] أَيْ الشَّقِيُّ وَقَالَ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] أَيْ التَّقِيُّ وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أَيْ هَيِّنٌ عَلَيْهِ وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ شَارِعًا بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ إذَا كَانَ يُرَادُ بِهِ التَّعْظِيمُ وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَارِسِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّ لِلْعَرَبِيَّةِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] أَيْ فَعَظِّمْ وَهُوَ يَحْصُلُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ وَالْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّلَةً لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَالصَّلَاةِ التَّعْظِيمُ وَقَدْ حَصَلَ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْمُعَيَّنِ مَعَ عِلْمِنَا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لِعَيْنِهِ فَصَارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ ﵊ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَلَوْ آمَنَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ جَازَ إجْمَاعًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
وَكَذَا التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ يَجُوزُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا هَذَا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْخُطْبَةُ وَالْقُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ الْمُتَعَارَفُ، ثُمَّ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا أَنَّ مَا تَجَرَّدَ لِلتَّعْظِيمِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ الِافْتِتَاحُ بِهِ نَحْوَ اللَّهُ إلَهٌ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَا كَانَ خَبَرًا لَمْ يَجُزْ نَحْوَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ فَكَأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي وَقِيلَ يَصِيرُ شَارِعًا وَلَوْ ذَكَرَ الِاسْمَ دُونَ الصِّفَةِ بِأَنْ قَالَ اللَّهُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَوْ الرَّبُّ أَوْ الْكَبِيرُ أَوْ أَكْبَرُ أَوْ الْأَكْبَرُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ إلَّا بِالِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَمُرَادُهُ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ، وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ قَالَ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إجْمَاعًا وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ بِالرَّحْمَنِ يَصِيرُ شَارِعًا وَبِالرَّحِيمِ لَا؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ.
وَلَوْ افْتَتَحَ بِاللَّهُمَّ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ أَمِنَّا بِخَيْرٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَيَصِيرُ شَارِعًا فِي أُخْرَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ فَيَكُونُ تَعْظِيمًا خَالِصًا، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَجَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِمَنْظُومٍ عَرَبِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢].
وَالْمُرَادُ نَظْمُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِهَذَا النَّظْمِ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٩] فَصُحُفُ إبْرَاهِيمَ كَانَتْ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَصُحُفُ مُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَدَلَّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ قُرْآنًا وَمَا تَلَيَاهُ لَا يَنْفِي كَوْنَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
بَلْ لَوْ قَالَ كَبِيرٌ أَوْ الْكِبَارُ جَازَ عِنْدَهُ أَيْضًا. اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ زِيَادَةَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ لَا تَزِيدُ إلَّا تَأْكِيدًا) أَيْ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ جَاءَ) أَيْ أَفْعَلُ (قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] أَيْ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّلَةً) أَيْ وَالتَّعَبُّدُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّكْبِيرِ إلَى آخِرِهِ) حَتَّى يَقْتَصِرَ عَلَى لَفْظِ " أَكْبَرُ " بَلْ الْوَاجِبُ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ كَبَّرَ مُتَعَجِّبًا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّعْظِيمَ لَمْ يَجُزْ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَى آخِرِهِ) ثُمَّ لَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا الرَّحْمَنُ أَوْ الْعَزِيزُ كَانَ مُسْلِمًا فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ فَفِي فُرُوعِهِ أَوْلَى. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَنْ مَا تَجَرَّدَ لِلتَّعْظِيمِ) أَيْ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ آخَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَا كَانَ خَبَرًا) أَيْ عَنْ أَمْرٍ غَيْرِ التَّعْظِيمِ. اهـ. (قَوْلُهُ: يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْبَدَائِعِ أَنَّ صِحَّةَ الشُّرُوعِ بِالِاسْمِ وَحْدَهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا وَاعْتُبِرَ الِاسْمُ مَعَ الصِّفَةِ فِيهِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: إلَّا بِالِاسْمِ وَالصِّفَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْخَبَرِ وَالتَّعْظِيمُ حُكْمٌ عَلَى الْمُعَظَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ تَظْهَرُ فِي حَائِضٍ طَهُرَتْ وَفِي الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الِاسْمَ فَقَطْ تَجِبُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا. اهـ. فَتْحٌ قَالَ الْعَيْنِيُّ ﵀ وَلَوْ أَبْدَلَ الْكَافَ قَافًا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ بِالرَّحْمَنِ يَصِيرُ شَارِعًا) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ فِي كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَصِيرُ شَارِعًا فِي أُخْرَى إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ) لِأَنَّ الْمِيمَ بَدَلٌ مِنْ حَرْفِ النِّدَاءِ. اهـ. غَايَةٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ قَالَ شَيْخِي ﵀ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اقْصِدْنَا بِالْخَيْرِ لَفَسَدَ مَعْنَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّ سُؤَالَ الْعَذَابِ مَعَ قَوْلِهِمْ اقْصِدْنَا بِالْخَيْرِ مُتَنَاقِضٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَصُحُفُ إبْرَاهِيمَ كَانَتْ بِالسُّرْيَانِيَّةِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ ابْنُ سَلَّامٍ إنَّمَا سُمِّيَتْ اللُّغَةُ سُرْيَانِيَّةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ عَلَّمَهُ سِرًّا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْطَقَهُ بِهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ إنَّمَا نَطَقَ إبْرَاهِيمُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ حِينَ عَبَرَ النَّهْرَ فَارًّا مِنْ نُمْرُودَ وَقَدْ كَانَ نُمْرُودُ قَالَ لِلَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ خَلْفَهُ إذَا رَأَيْتُمْ فَتًى يَتَكَلَّمُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَرُدُّوهُ فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ اسْتَنْطَقُوهُ فَحَوَّلَ اللَّهُ لِسَانَهُ عِبْرَانِيًّا وَذَلِكَ حِينَ عَبَرَ النَّهْرَ فَسُمِّيَتْ لِذَلِكَ عِبْرَانِيَّةً أَوَّلُ ش بُخَارِيٌّ لِلْعَيْنِيِّ
следующие страницы →