← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 23073

رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار

أحمد علي طه ريان

Полный текст (99 стр.). Показаны 71–99 · переход к 76.

стр. 71

الفتح في رمضان وصام حتى إذا بلغ الكديد، الماء الذي بين قديد وعسفان، فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر١. قال مجد الدين تعقيبا على هذا الحديث، ووجه الحجة منه: أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان هكذا جاء في حديث متفق عليه٢. وقد أوضح الشوكاني كيفية الاستدلال بهذا الحديث كما يلي: الأصل في المقيم ألا يفطر لزوال مشقة السفر عنه إلا لدليل يدل على جوازه وقد دل الدليل على أن من كان مقيماً ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها ﷺ بمكة وهي عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات فيقتصر على ذلك ولا يجوز الزيادة إلا بدليل٣. وما قيل في التعقيب على الاستدلال الذي قال به كل من أبي حنيفة وإسحاق يقال هنا: أي أن التحديد الوارد في هذا الحديث لم يكن مقصوداً وإنما حدث اتفاقا وذلك أن رسول الله ﷺ حسبما جاء في هذه الرواية- أن وصل إلى مكة في اليوم التاسع عشر من رمضان وظل في مكة بقية الشهر ليرتب أمورها بعد الفتح، من تعيين حاكم لها وتسليم أصحاب وظائف الكعبة وظائفهم وغير ذلك مما يحتاج إليه في مثل هذه الحالة وقد استغرق ذلك زمناً، منه هذه المدة الباقية من رمضان. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، لو كان ﷺ دخل مكة قبل هذا التاريخ، أي في اليوم العاشر مثلا من رمضان؟ فهل كان سيستمر مفطراً إلى نهاية الشهر أم كان سيقطع الرخصة ويصوم بعد انتهاء مدة العشرة أيام أو الأحد عشر؟. وأرى- والله أعلم- أن هذا الحديث يستدل به على أن الإنسان إذا نزل بمكان ما لأمر ما وفي نيته العزم على استمرار السفر ولا يدرى متى تنتهي مهمته من هذا المكان حتى يواصل سفره- فإن مثل هذا يستمر على فطره ولو قضى الشهر كله في هذا المكان. وموضع الشاهد من الحديث على هذا أن الرسول ﷺ كان في نيته فتح مكة والعودة إلى المدينة ولم يكن في نيته العزم على الإقامة مدة محددة بل كانت إقامته مرهونة باستقرار الأحوال في مكة فمتى استقرت الأحوال وعادت الأمور إلى طبيعتها غادر مكة إلى المدينة أو إلى مكان آخر.

стр. 72

ويقوي ذلك أننا لم نجد في هذا الحديث ولا في أي حديث آخر من الأحاديث الواردة التي اطلعنا عليها في هذا الموضوع قرينة يفهم منها أن الرسول ﷺ صرح أو ألمح إلى عزمه على الإقامة مدة محددة في مكة في هذه الغزوة، بل بالعكس كانت هناك قرائن يستفاد منها أن الرسول ﷺ كان ينوي الخروج من مكة- بعد استقرار الأحوال فيها- في أقرب فرصة. من هذه القرائن، إزالة ما كان يجول في خواطر كثير من الأنصار بل وقد صرح بعضهم به من أن الرسول ﷺ سيستقر في مكة بين أهله وعشيرته بعد أن فتحها الله عليه. ومنها: إزالة الهواجس من نفوس البقية الباقية من المكيين على شركهم والذين لا يزالون يعتقدون، أن محمداً ﷺ إنما يريد أن يكون ملكاً عليهم، ثم من خلالهم على بقية العرب- فرحيله بسرعة عنهم بعد أن يسلم بعضهم مقاليد مدينتهم من شأنه أن يبدد هذه الهواجس ويفتح بدلاً منها نوافذ للتفكير في أمر الدعوة والداعي يصل بهم إلى الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ . ومنها: تلك الأنباء التي كانت ترد تباعاً عن هوازن وثقيف وعزمها على حرب رسول الله ﷺ فكانت الحكمة تقضي بالخروج إليهم بسرعة قبل أن يستكملوا عددهم وعدتهم. وهكذا نجد القرائن تفيد أن إقامة رسول الله ﷺ بمكة مدة محددة لم تكن واردة وإنما كانت الظروف تنبئ بأنه سيغادرها في أول فرصة تسنح له. وعلى ذلك فمهما أقام فهو في سفر ولو أقام شهوراً، وقد قال الترمذي في سننه "أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون"١. وأخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة ٢. كما أخرج أيضا عن نافع عن ابن عمر أنه قال أرتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر وكنا نصلي ركعتين٣.

стр. 73

كما أخرج عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال خرجت مع أبي وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عام أدرج - هكذا- فوقع الوجع بالشام فأقمنا بالسرغ خمسين ليلة ودخل علينا رمضان فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود وأفطر سعد بن أبي وقاص وأبى أن يصوم، فقلت لسعد يا أبا إسحاق أنت صاحب رسول الله ﷺ وشهدت بدراً والمسور يصوم وعبد الرحمن وأنت تفطر، قال سعد: إني أنا أفقه منهم ١. المختار: الواقع أن مجال الاختيار هنا صعب وخصوصاً بين رأي الجمهور الذي يحدد المدة بأربعة أيام وبين اختيار مجد الدين بن تيمية صاحب منتقى الأخبار، بتحديد المدة بعشرة أيام أو أحد عشر. وعنصر الصعوبة في أن رأي الجمهور يستند إلى دليل فيه عنصر القصد لكنه بعيد عن مجال موضع النزاع وإن كان فيه رابط يربط بين الأمرين وهو أن كلا الأمرين وارد في السفر. وكلا الأمرين يتعلق بالإقامة. أما بالنسبة لدليل ابن تيمية، فهو وارد في السفر وفي الصوم الواجب وفي الإقامة الطارئة أثناء السفر لكن ليس فيه عنصر القصد إلى التحديد وإن كان هو أقرب الأمرين إلى السنة. لذا كان هو المختار. إلا أني أرى أن الأحوط هو تبييت نية الصوم لمن أجمع إقامة أربعة أيام. من نوى الصيام في السفر هل يباح له الفطر أثناء النهار؟ وبمعنى آخر من ترك العمل برخصة الفطر وعزم على الصيام من طلوع الفجر فهل يباح له نقض هذه النية والإفطار في بعض أجزاء النهار: لبيان ذلك نقول: إذا أخذ المسلم بالعزيمة وصام من بداية سفره أو من بعض مراحل الطريق ثم بدا له في يوم ما وهو صائم أن يفطر في أثناء النهار، فقد أجاز له الشافعي وأحمد الإفطار بلا أدنى حرج عليه. وعليه أن يقضي هذا اليوم بيوم آخر بعد انتهاء السفر٢ وذلك أخذاً بحديث ابن عباس المتقدم "سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهاراً ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة".

стр. 74

ووجه الاستدلال من الحديث واضح، فرسول الله ﷺ ابتدأ يومه صائماً ثم أفطر في أثناء نهار ذلك اليوم وقد جاء في بعض الأحاديث المتقدمة أن ذلك كان بعد العصر. وقال الحنفية: لا يجوز له الفطر ابتداء ولكن لو أفطر، فلا كفارة عليه لأن السبب المبيح- من حديث الصورة- وهو السفر قائم فأورث شبهة، وبها تندفع الكفارة. وقد أجابوا عن فطره ﷺ في اليوم الذي كان صائماً فيه والذي أشرنا إليه في حديث ابن عباس السابق، بأن الجائز أن يكون ﷺ علم من نفسه بلغ الجهد الشديد من الصيام في هذا اليوم، إلى الحد الذي إذا وصل إليه الصائم المقيم أبيح له الفطر١. وهذا تأويل بعيد لأن بعض الروايات تفيد أنه ﷺ طلب من أصحابه الفطر على أن يستمر هو صائماً وقال: " إني أيسركم إني راكب، فلما أبوا نزل وشرب ما كان يريد أن يشرب". وقد تقدم هذا الحديث بكامله، وهو واضح في رده على تأويل علماء الحنفية لمدلول حديث ابن عباس. أما المالكية: فقد حكى الزرقاني، وجوب الكفارة على من نوى الصيام في يوم سفره، ثم أفطر بعد ذلك في نفس اليوم. وحكى ابن يونس في المسألة قولان، أحدهما بوجوب الكفارة، والآخر بوجوب القضاء فقط. ووجه من أوجب الكفارة، أن المسافر كان مخيراً في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وترك الرخصة، صار من أهل الصيام، وعلى ذلك فيجب عليه ما يجب على أهل الصيام من الكفارة٢. وقد استدل الحنفية والمالكية، بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (سورة محمد الآية رقم ٣٣) فالمسلم الذي اختار أن يعمل عملاً من أعمال العبادة وابتدأه بالفعل، فيجب عليه أن يتمه. لكنه قد نقل عن ابن عبد البر قوله: من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك: النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله

стр. 75

وإن كان هذا القول من ابن عبد البر ﵀ ليس بلازم، إذ عموم اللفظ يتناول إبطال العمل بالرياء، كما يتناول إبطاله بنية إلغائه ونقضه، والعبرة بعموم الألفاظ في النصوص التشريعية إلا لقرينة تفيد التخصيص. والمختار من هذه الآراء، هو رأي من يقول بجواز الفطر لمن كان عزم على الصيام من طلع الفجر سواء كان ذلك بعذر أم لا وذلك لأن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو وإن صلح باعتبار عموم اللفظ إلا أن حديث ابن عباس ﵄ يعتبر نصاً خاصاً وارداً في الموضع فيرفع النزاع ويكون مخصصاً للعموم المستفاد من الآية إن قلنا بشموله لمسألة البحث. والله أعلم. احترز من عدوين هلك بهما أكثر الناس: صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله ومفتون بدنياه ورئاسته١

стр. 76

رُخصَة الِفطر في سَفرَ رمَضَانَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الآثار انتهاء سريان الرخصة: تنتهي رخصة الفطر بانقطاع صفة السفر عن المسافر , وذلك بدخوله إلى المكان الذي يجمع الإقامة به مدة تقطع حكم السفر كما بيناها سابقا , إذ كان دخوله إلى هذا المكان قبل طلوع الفجر , فإذا تحقق هذان الشرطان - وهما: نية الإقامة والدخول قبل الفجر - وجب عليه انشاء نية الصوم لليوم الذي يشهد طلوع فجره مقيما وهذا باتفاق اهل العلم , لأنه شهد بعضاً من الشهر صحيحاً مقيماً وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . فإن علم أنه سيدخل إلى محل الإقامة بعد الفجر فلا يجب عليه أن يبيت نية الصوم بل له أن يدخل إلى دار الإقامة بنية الفطر. وهذا أيضاً باتفاق أهل العلم.. لكن الخلاف بين العلماء فيمن وصل بالفعل إلى دار الإقامة قبل الزوال وكان على نية الفطر , فالمالكية والشافعية , يجيزون له الاستمرار على الفطر بدون كراهة عند المالكية وعلى الأصح عند الشافعية. ووجه هذا القول: أنه كان وقت إنشاء النية - وهو طلوع الفجر - مسافراً , وقد عمل بالرخصة التي تبيح له الفطر , وما دام قد انتهى وقت إنشاء النية , فمن حقه أن يستمر على فطره , وله أن يفعل كل ما يفعله المفطر من أكل وجماع وغير ذلك , إلا أن الشافعية استحبوا له ألا يظهر الفطر عند من يجهل عذره حتى لا يهتم ويعاقب ... ورواية مرجوحة عند أحمد؟ يمنع مثل هذا الشخص من الجماع أثناء فطره هذا.. أما الحنيفية؟ فقد أوجبوا على من وصل إلى دار إقامته قبل الزوال: أن يمسك بقية يومه؟

стр. 77

ووجهتهم على هذا القول؟ أن هذا الشخص قد انقطعت عنه الرخصة بوصوله إلى دار إقامته في وقت يصح فيه إنشاء نية الصوم وهو ما قبل الزوال , لذلك وجب عليه إنشاء نية الصوم ١. مبنى كل من الرأيين: اعتبار علماء الحنفية أن وقت إنشاء نية الصوم لا ينتهي بطلوع الفجر بل يستمر إلى ما قبل الزوال؟ إنما يرجع لحديث عائشة ﵂ " دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال هل عندكم شيء فقلت: لا. قال: فإني صائم , ثم أتانا يوماً آخر , فقلت يا رسول الله أهدى لنا حيس , فقال: "أرينه فلقد أصبحت صائما" فأكل "٢. لكن الفرق شايع بين إنشاء النية في صوم واجب كرمضان وبين إنشائها في صوم التطوع , فإن النية في صيام رمضان يجب أن تكون من طلوع الفجر وتستمر إلى غروب الشمس قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقر: الآية ١٨٧) . فأوجب تعالى الإمساك للصوم من طلوع الفجر. وبما أن صيام رمضان واجب فإن الإمساك من طلوع الفجر فيه واجب.. وهذا بخلاف صوم التطوع؟ فإنه مبني على المسامحة , فقد سئل مجاهد عن المعنى المراد من حديث عائشة ﵂ فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها رواه مسلم في صحيحه , وقد جاء هذا القول مرفوعاً متصلا بحديث عائشة المتقدم عند النسائي عن طريق مجاهد أيضاً ٣.. أما القول بأن النية في صيام رمضان لا بد أن تكون من طلوع الفجر فهو يتمشى مع صريح القران الكريم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ - ومع ما جاء في الحديث الشريف من رواية حفصة ﵂ " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له "٤ قال صاحب التحفة: وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وقال الحاكم في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين , وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري , وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات , وصحح البخاري والنسائي وقفه على ابن عمر.٥

стр. 78

لكن ما قاله صاحب التحفة عن موقف النسائي من هذا الحديث؟ يحتاج إل وقفة: فقد أورد النسائي أربع روايات متصلة مرفوعة عن ابن عمر عن حفصة عن النبي ﷺ , ثم أورد له ست روايات عن ابن عمر عن حفصة , ثم رواية عن حفصة وعائشة برواية ابن شهاب عنهما ثم أورد له روايتين عن ابن عمر١ فلا أدري لماذا اختار أن يعبر عن موقف النسائي من الحديث: بأنه اختار صحة الوقف على ابن عمر مع كل هذه الروايات عن النبي ﷺ وعن حفصة؟ وقال الترمذي تعليقاً على الحديث السابق , وإنما معنى هذا عند بعض أهل العلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان , أو في صيام نذر , إذا لم ينوه من الليل لم يجزه ٢. لذلك كله أقول: إن المختار: هو رأي هذا الفريق الذي يرى ضرورة إجماع النية على الصيام من طلوع الفجر , فإذا ما وصل المسافر بعد طلوع الفجر إلى دار الإقامة فلا يجب عليه الإمساك بقية يومه , بل له ان يستمر مفطرا حنى انتهاء هذا اليوم الذي وصل فيه , كما أن له إن يفطر على ما شاء مما أحله الله له والله أعلم. بيان الآثار المترتبة على الأخذ بهذه الرخصة: اتفق أهل العلم على أن المسافر إذا اجتمعت لديه شروط الأخذ بالرخصة - حسب ما بيناه سابقا - وأفطر تبعا , فإنه يجب عليه قضاء الأيام التي أفطر فيها , إلا أنهم اختلفوا في عدد من المسائل المتعلقة بذلك ... وفيما يلي بيان بأهم المسائل المختلف فيها وآرائهم حولها ومستند كل رأي , بيان مدى قربه أو بعده من السنة المطهرة. ونعقد لذلك عدداً من المطالب نبدؤها بالمطلب الأول فنقول:

стр. 79

هل يجب التتابع في قضاء كل من الأيام التي أفطرها في سفره ... هل يجب التتابع في قضاء الأيام الني أفطرها في سفره: اختلف أهل العلم في وجوب التتابع في قضاء الأيام التي أفطرها المسلم أثناء سفره عملا بالرخصة. على فريقين:

стр. 80

الفريق الأول: يرى وجوب التتابع في القضاء. وقد حكى هذا الرأي , عن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة ابن الزبير والنخعي وداود الظاهري.. وقد نقل عن داود قوله: هو - أي التتابع - واجب غير شرط , بمعنى أن تاركه يأثم لكن مع ذلك يعتد بما صامه شرعا ١.. وأهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي: ١- عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة , قال: قال رسول الله ﷺ : " من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه" ٢. وقد نوقش هذا الاستدلال , بما نقله البيهقي عن يحيى بن معين والنسائي والدارقطني من تضعيفهم لعبد الرحمن بن إبراهيم أحد رجال هذا الحديث ٣.. وقد رد على هذه المناقشة بما نقل عن بعض أصحاب الحديث من توثيقهم لعبد الرحمن هذا , فقد وثقه البخاري في تاريخه كما وثقه ابن معين. ونقل عن أحمد بن حنبل , أنه قال: لا بأس به , وقال أبو زرعة: لا بأس به أحاديث مستقيمة , وعن الدارقطني , أنه وثقه في هذا الحديث وقال ابن عدي: لم يتبين في حديثه ورواياته حديث منكر فأذكره به , وقال ابن القطان: هو مختلف فيه والحديث من روايته حسن٤. وأخيراً قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ متقن ٥. ٢- عن عائشة ﵂ , قالت: نزلت ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فسقطت متتابعات ٦.. فهذا اللفظ (متتابعات) الذي نزل متعلقا بأيام أخر يوضح الحالة التي ينبغي أن يكون عليها قضاء هذه الأيام الأخر وهي: أن يكون القضاء متتابعا..

стр. 81

ولكن يناقش هذا الاستدلال بأن السند الذي روى به هذا القول عن عائشة ﵂ , وهو عبد الرزاق , عن ابن جريح , عن ابن شهاب , وعن عروة , روى به أيضا تأويل قولها "سقطت ": بأنها تريد: نسخت. لا يصح له تأويل وغير ذلك.١ ويرد على هذه المناقشة , بأن النسخ قد يكون نسخا للتلاوة مع بقاء الحكم , وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم معا , وليس في هذه الرواية ما يدل على إرادة أحد هذين الأمرين. ٣- ما روى من قول علي ﵁: من أن " قضاء رمضان متتابعا"٢. ويناقش هذا , بأنه من رواية الحارث الأعور , وهو ضعيف بل وروى عن طريقه أيضاً عن علي ﵁" أنه كان لا يرى به متفرقا بأسا " ٣. ٤- مشابهة القضاء للأداء: أي بما أن الأداء لا يصح الا متتابعا , فالقضاء كذلك , إذ لا فرق بين الأداء والقضاء , كما هو في قضاء الصلاة.. ويناقش هذا الاستدلال , بالفرق بين الأمر الصادر من المشروع بالأداء وبين الأمر الصادر بالقضاء , حيث جاء الأمر بالأداء مقرونا ببيان تحديد الوقت الذي يجب فيه الصيام تحديدا واضحا. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . أما الأمر الصادر بالقضاء فقد جاء بصيغة النكرة الواقعة في سياق الإثبات قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وهذه الأيام الأخر مطلقة.فيجوز القضاء في أي وقت مفرقا أو متتابعا.. كما أنه يفارق الصلاة؟ لأن الصلاة ملاحظ فيها دائما , في الأداء والقضاء قوله ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أصلي ". كما أن الصلاة إذا تركها المرء عددا قليلا من الأوقات كخمس أوقات فأقل فكثير من الفقهاء يوجب الترتيب بينها , أما أكثر من ذلك فلا , وهذا موضع مختلف فيه بين الفقهاء.

стр. 82

الفريق الثاني: نقل عدم وجود التتابع عن عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء , منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبة هريرة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور.١ أهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي: ١- قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وقد أوضحنا وجه الدلالة من هذه الآية قريبا ويتخلص في: أن الله قد أمر بقضاء أيام الفطر بسبب المرض والسفر في أيام أخر بعد انتهاء رمضان دون قيد.. ويرد على هذا الاستدلال , بما جاء من قول عائشة ﵂ السابق من أن هذه الاية كانت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقط لفظ متتابعات.. ويجاب , بأن السقوط , قد فسر بالنسخ , والنسخ محتمل لنسخ الحكم والتلاوة معا ولنسخ التلاوة دون الحكم , ومعلوم أن الدليل إذا تطرق غليه الاحتمال سقط به الاستدلال. وعل ذلك فبقيت الآية محكمة , وقد فهمها الصحابة على هذا النحو: أ – فقد سئل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ عن قضاء رمضان , فقال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه فأحصى العدة واصنع ما شئت ٢.. ب - وسئل معاذ بن جبل ﵁ عن قضاء رمضان , فقال: أحصي العدة وصم كيف شئت. وقد نقل مثل هذا القول وبهذا اللفظ عن ابن محيريز ٣.. ج - وعن ابن عباس ﵄: قال: يقضيه متفرقا , فإن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٤. د - وعن أنس بن مالك , أنه كان لا يرى به بأسا ويقول: إنما قال الله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٥ ونقل مثل هذا القول عن ابن عباس ٦..

стр. 83

قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ .. حيث جاء أسلوب المطالبة بالأداء مغاير لأسلوب المطالبة بالقضاء , فالداء قد حدد فيه زمن الصوم تحديدا كاملا , أما في جانب القضاء , فاكتفى في المر به بذكر المماثلة في العدد بين الأيام الي أفطر فيها والأيام التي سيقضيها بدلا عنها , دون أن يحدد وقت معين لقضاء هذه الأيام.. قد يقال: أن أمر القضاء وان جاء مطلقا في الآية وفإن حديث أبي هريرة قد قيد هذا الاطلاق.. فيجاب بأن ما قيل في سند هذا الحديث حتى مع ترجيح جانب الصحة فيه يجعله غير صالح لتقييد مطلق الكتاب.. المختار: هو قول من يرى عدم وجوب التتابع , لأن الأمر في الرخص مبني على التخفيف والمسامحة , ةلأن فهم الصحابة للآية والذي اتضح من استدلالهم بها على عمومها , أقوى من الاحتمالات الواردة في حديث عائشة ﵂ الا أن الأفضل هو التتابع - كما يقول الجمهور - للجمع بين الأدلة من جهة , وللمسارعة في اسقاط الواجب وإبراء الذمة من جهة أخرى. والله أعلم.

стр. 84

هل يجوز للمسافر الصوم قضاء لرمضان سابق عليه ... هل يجوز للمسافر الصوم في قضاء لرمضان سابق عليه؟ يرى ابن حزم للمسافر في شهر رمضان جواز الصيام أثناء سفره قضاء لأيام كانت عليه من رمضان السابق ١.. وجهة ابن حزم في الجواز: يقول ابن حزم: إن الله : منع المسلم المسافر من صيام رمضان أثناء سفره , ولكن لم يمنعه من أي صيام آخر غير هذا الشهر , سواء كان هذا الصيام - الآخر - نذرا أو تطوعا أو قضاء لرمضان سابق عليه وهذا فلا مانع من صيا رمضان السابق , للمسافر خلال رمضان الذي يسافر فيه ولقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهذه الأيام الأخر لم يحدد لها وقت فيجوز آداؤها في كل وقت ٢..

стр. 85

من يرى عدم الجواز: يرى أكثر الفقهاء عدم جواز قضاء رمضان السابق للمسافر خلال سفره في رمضان التالي له. وقد حكى ابن المنذر هذا الرأي عن سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق وأبي ثور , كما أنه رأى مالك والشافعي وجمهور الفقهاء ١.. ولم يذكر مستند لأصحاب هذا الرأي لكني وجدت أثرا منقولا عن عطاء , في رجل أفطر رمضان ثم أقام ولم يقضه حتى ألقاه رمضان المقبل مسافرا , أيفطر إن شاء , قال نعم , ثم يطعم ثلاثين مسكينا ثلاثين مدا ٢.. لكن من الواضح: أن عطاء هنا , أجاز الفطر ولكنه لم عن صيامه قضاء عن رمضان السابق , كما يقول المجيز فليس فيه ما يفيد المنع.. إلا أننا حينما نلاحظ الحكمة من رخصة الفطر للمسافر , وهي تخفيف المعاناة التي يجدها المسافر خلال سفره , ثم نلاحظ أن الأخذ بهذه الرخصة ليس محتما - كما أوضحنا ذلك سابقا - كانت النتيجة: أن من كانت لديه قدرة على تحمل مشقة السفر , أو كانت ظروف سفره تساعد على تخفيف هذه المشقة إلى قدر المحتمل عادة، كان الأولى به , هو صيام الفرض الحاضر اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه , فقد ثبت مما تقدم أنهم كانوا يصومون خلال شهر رمضان وأن هذا الصيام كان عن رمضان الحاضر الذي يكونون فيه , وأما الادعاء بأنهم كانوا يصومون تطوعا أو نذرا أو قضاء لرمضان سابق عليهم فهي دعوى جاءت على خلاف الأصل وعلى مدعيها إقامة الدليل على إثباتها.. ومجمل القول في هذه المسالة , أن القول بجواز قضاء رمضان السابق للمسافر خلال شهر رمضان التالي له في أثناء سفره فيه , هذا القول قد يتفق مع مذهب ابن حزم الذي يمنع المسافر من الصيام خلال سفره في شهر رمضان.. أما عند الجمهور الذين يجيزون الفطر والصوم للمسافر خلال شهر رمضان بل ويعتبرون الصيام أفضل لمن قوى عليه - لحديث أبي سعيد المتقدم وغيره مما أسلفنا - فهذا العمل فيه مخالفة عندهم لما كان عليه ﷺ وأصحابه حيث لم يثبت ذلك عن أحد منهم بالرغم من كثرة أسفارهم. كما أن ابن حزم مع كثرة استيعابه وجمعه للسنن والآثار لم يستطع ايراد سنة واحدة أو أثر واحد يدلل به على ما ذهب إليه , كل ما في المر أنه بنى على رأيه في هذه المسألة على الأصل الذي تثبت به من قبل وهو حرمة الصيام على المسافر

стр. 86

خلال شهر رمضان. ولما وجد كثرة النصوص التي تثبت صيام النبي ﷺ وصيام أصحابه , قام بثنى عنان كل هذه النصوص ,على أن الصيام الثابت فيها لم يكن عن رمضان الحاضر , بل كان عن غيره , من نذر أو تطوع أو قضائه لرمضان السابق وهكذا. غفر الله لنا وله..

стр. 87

هل يجب الإطعام على من فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر ؟ أكثر أهل العلم على أن المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر في سفره خلال شهر رمضان - كله أو بعضه - ثم استمر في سفره - أو شغل عنه بمرض ونحوه من الأعذار القاهرة - حتى أدركه رمضان الثاني , فإنه لا يجب عليه الإطعام وإنما يلزمه بعد انتهاء سفره أو الشفاء من مرضه أن يقضي رمضان السابق ثم التالي له بالترتيب. وقد نقل هذا الرأي عن طاوس والحسن البصري والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي ومالك وإسحاق وأحمد وأبي حنيفة والمزني ودواد ... وقد اختار هذا الرأي البيهقي واستدل له بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١.. وقد حكى عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة , أن مثل هذا الشخص: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر ويفي عن الغائب بإطعام كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه ٢. ولم أجد مستندا لهذا القول. وعموم قوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يرد عليه: إذ عموم الآية يوجب القضاء في أيام أخر ولم يعين وقتاً لهذه الأيام الأخر فهي تشمل العمر كله ... أما من أقام بعد انتهاء سفره ولم يقض الأيام التي أفطرها خلال سفره حتى أدركه رمضان الآخر , فجمهور الفقهاء على أنه يجب عليه حينما يقضي هذه الأيام - من رمضان السابق - أن يطعم مع كل يوم مسكينا وقد قال بذلك: ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد وإسحاق إلا أن الثوري: قال بوجوب مدين عن كل يوم. وقد نقلت بذلك نصوص كثيرة من الصحابة والتابعين في المصنف والسنن الكبرى ٣..

стр. 88

والحكمة من قول وجوب الإطعام؟ أن مثل هذا الشخص يعتبر مفرطا في القضاء في الأيام التي يجب عليه القضاء فيها والتي تنتهي بنهاية شهر شعبان التالي له أو هي ما بين الرمضانين , لذلك استحق أن يجازي بإطعام كل يوم مسكينا مع القضاء بالصيام ... ويرى الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود: أن عليه القضاء بالصيام فقط ولا فدية عليه ١.. وقد نقل عن داود قوله في هذا الصدد: من أوجب الفدية على كل من أخر ليس معه حجة من كتاب ولا سنة ولا إجماع ٢. وهو كما قال: إلا أنه يقال أيضاً: أن من نفى وجوب الفدية عليه ليس له مستند من كتاب أو سنة أو إجماع؟. أما العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فهو يفيد جواز القضاء في أي أيام أخر قبل رمضان التالي أو بعده ليس إلا. أما الطعام فهو أمر زائد على القضاء فلا تثنيه الآية ولا تنفيه.. وإذا تساوى القولان من هذه الناحية؟ فإنه ينظر إلى الآثار المروية عن الصحابة ﵃, إذ هم قريبو العهد بالتنزيل وأدرى بمواقع النصوص. فقد روى البيهقي بسنده إلى ابن عباس ﵄ في رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر؟ قال يصوم هذا ويطعم عن ذاك كل يوم مسكينا ويقضيه.. كما روى أيضا بسنده إلى أبي هريرة: أنه قال: في رجل تتابع عليه رمضانان ففرط فيما بينهما , يصوم الذي حضر ويقضي الآخر ويطعم لكل يوم مسكينا ٣... والواقع أن الموقف الذي اتخذه جمهور الفقهاء هنا بالتفرقة بين شخصين: أحدهما شغل عن القضاء بالسفر أو المرض حتى أدركه رمضان الآخر فجعلوه معذورا يكتفي منه بالقضاء فقط. والآخر الذي كانت لديه فسحة من الوقت ولم ينتهزها وفرط في القضاء ولم يهتم بالإسراع لأداء الواجب الذي شغلت به ذمته حتى وافاه رمضان الآخر , فأوجبه عليه الإطعام مع القضاء لرمضان الأول. هذا الموقف يتفق مع النصوص الشرعية ولا يتعارض معها , وهو وإن لم يكن فيه نص صريح في الموضوع لكن نصوص الشريعة متوافرة في التفرقة بين المحسن

стр. 89

والمسىء وقد قال ﷺ فيمن منع زكاة ماله: " إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ..." الحديث١.

стр. 90

الحكم فيمن شغل عن القضاء حتى مات من سافر وأخذ بالرخصة فأفطر ولم يقض ما عليه حنى مات: له حالتان: الحالة الأول: من اتصل عذره بالموت: المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر واستمر في سفره حتى مات أو عاد من سفره ولكن لم تتح له الفرصة للقضاء فاستمر مشغولا بالمرض أو غيره حتى مات , فيرى أهل العلم بما يشبه الاجماع , أنه لا شئ عليه ولا يصام عنه ولا يطعم , لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: الآية ٢٨٦) . كما أنه شبيه بالحج , فمن لم يستطع أداء الحج من وقت بلوغه حتى مات فلا شيء عليه١.وقد نقل عن طاوس وقتادة , أنه يطعم عن كل يوم مسكين لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم. ولكن رد عليهما , بأن الشيخ الهرم عامر الذمة بخلاف الميت الذي تنتهى ذمته بالموت عند أكثر الفقهاء , كما أن الشيخ الهرم من أهل العبادات بخلاف الميت الذي تنقطع أهليته بالموت٢. الحالة الثانية: من فرط بترك القضاء حتى مات: إذا عاد المسافر من سفره صحيحا واستمر كذلك ولم يحدث له مانع يمنعه من القضاء حتى أدركه الموت , فقد قال عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء , أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد. وممن قال بذلك , ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه.

стр. 91

إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك , لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية , ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله ١. أما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة. وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري , أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان ٢. وقد احتج لهذا الفريق الذي يرى الإطعام على من فرط حتى مات بما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقض: قال: "يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر "٣. قال البيهقي - بعد سرده لهذا الحديث - هذا خطأ من وجهين: أحدهما: رفعه الحديث للنبي ﷺ وإنما هو من قول ابن عمر. والآخر: قوله نصف صاع وإنما قال ابن عمر: مدا من حطة ٤. وقد نقل النووي كلام البيهقي هذا واحتج به٥. لكن صاحب الجوهر النقي تعقب كلام في تضعيف هذا الحديث وقال: إن البيهقي فهم: أن محمدا , الذي روى عنه أشعث هو ابن أبي ليلى. وكذا صرح به الترمذي. وقد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في سننه بسند صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. ثم قال: فإن صح هذا فقد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى , فلقائل: أن يمنع الدعوى بوقف هذا الحديث على ابن عمر رضي الله عنهما٦. ورواية ابن ماجة التي أشار إليها صاحب الجوهر النقي , جاءت بلفظ: " من مات وعليه شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين " ٧.

стр. 92

وقد نقل السندي تعليقا للمزي في الأطراف جاء فيه: قوله - يشير إلى ابن ماجه - عن محمد بن سيرين: وهم , فإن الترمذي: رواه ولم ينسبه ثم قال الترمذي. وهو عندي محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ١. ولا أدري هل المزي هو الواهم في نسبته ابن ماجه إلى الوهم , حيث اعتمد على تصريح الترمذي , بأن روايته للحديث عن طريق محمد بن عبد الرحمن ن فاعتبر أن كل طرقه تدور عليه وأن من روى خلاف ذلك , يعتبر واهما. وقد يكون الأمر على خلاف ذلك , بأن يكون ابن ماجه رواه عن طريق محمد بن سيرين , فيكون متابعا , وقد قال ابن ماجه قد وهم في نسبته إلى محمد بن سيرين. والله أعلم بالصواب. ٢- عن عبادة بن نسى ﵁ قال النبي ﷺ :" من مرض في رمضان فلم يزل مريضا حتى مات لم يطعم عنه وان صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه "٢. هذا الحديث في سنده ابن أرطأة وهو مدلس , فلا يصلح للاحتجاج به. ٣- عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح قال في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضا حتى يموت , قال: ليس عليه شىء فإن صح فلم يصم حتى مات أطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة٣. ٤- روى الإطعام بسند صحيح عن عمر بن الخطاب والزهري والحسن والنخعي وعطاء٤. أن الشخص المفرط في القضاء حتى مات مثله مثل الشيخ الفاني الذي عجز عن الصيام في آخر عمره فإنه يجب في حقه الإطعام ويسقط عنه الصوم وإنما جازت المماثلة هنا

стр. 93

لأن قضاء الصيام عن التراخي باتفاق أكثر الفقهاء ما عدا داود. الا أن بعضهم يوجب الفدية في حالة التفريط وبعضهم لا يوجبها١. مقدار الفدية: الفدية عند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضا عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر ٢. أما الفدية عند أكثر الفقهاء , فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد , وسواء كان التأخير لعام أو لعامين , وهناك وجه عند الشافعية , أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم, اذا كان قد مضى عليه رمضانان , وصححه المتاخرون منهم ٣. أما الفرق الثاني: فيرى: أن من فرط في قضاء الصيام , فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه. وقد قال بذلك: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود , وهو قول الشافعي في مذهبه القديم , وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية ٤. وقد استدل لهذا الفريق بما يلي: ١- حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : " من مات وعليه صيام , صام عنه وليه " ٥. وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث بما روى عن عمارة بن عمير عن امرأة عن عائشة في امرأة ماتت وعليها الصوم , قالت: يطعم عنها وروى عنها من وجه آخر عن عائشة أنها قالت: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم٦. وقد أجاب البيهقي , بأن ما ذكر لا يوجب ضعفا في الحديث , فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه , وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر٧.

стр. 94

وقد عقب صاحب الجوهر على دعوى البيهقي في قوله: وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر , فقال قد صح ذلك عنها , ثم ذكر ما جاء عند أبي جعفر الطحاوي بسنده إلى عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة أن أمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها , فقالت: لا ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك , ثم قال: هذا سند صحيح١. وقد قال بعض أهل العلم إذا أفتى الصحابي بغير ما روى عن رسول الله ﷺ فالعبرة بروايته لا بفتواه. وعلى ذلك فإرشاد عائشة ﵂ إلى الإطعام بدلا عن الصيام أو نهيها عن الصيام وأمرها بالإطعام لا يؤثر على صحة الحديث. وعلى قوة الاحتجاج به. ٢- عن ابن عباس ﵄ قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها , فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها". قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى " ٢. وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أيضا: " أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فقال: "أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق بالقضاء " ٣. وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث , بما رواه عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه ٤. وبما رواه البيهقي بسنده إلى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عباس في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر نذر. وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس ورواية أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في صيام شهر رمضان أطعم عنه وفي النذر قضى عنه وليه.

стр. 95

ثم قال البيهقي: وفي نسبة ذلك إلى ابن عباس نظر١. وقد أجاب صاحب الجوهر , على تشكك البيهقي حول نسبة الإطعام إلى ابن عباس بدلا من الصيام , بما رواه النسائي في سننه.. عن عطاء عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد , ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة. ثم قال: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين خلا ابن عبد الأعلى فإنه على شرط مسلم٢. ومن جهة أخرى , فإن الشافعي , قد اعتذر عن العمل بحديث ابن عباس الوارد في القضاء بالصيام عن الميت , وقال: إنه أشبه ألا يكون محفوظا. وذلك لأن الزهري قد حدث عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ : نذرا ولم يسمه ٣. مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس.فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس يغير ما في حديث عبيد الله , أشبه ألا يكون محفوظا , فإن قيل أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن ابن عباس وقيل نعم٤.. فقد أجيب عن ذلك بأن الظاهر تعدد القصة , أي أن القصة التي سئل فيها ﷺ عن الصوم تصريحا , غير قصة سعد بن عبادة التي سأل فيها عن المنذر مطلقا.ويتأيد ذلك بحديث عائشة في الصحيحين والذي أوردنا في صدر أدلة هذا الفريق. ٣- عن بريدة قال: بينا أنا جالس عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة , فقالت: يا رسول الله: إني تصدقت على أبي بجارية , وأنها ماتت. فقال: "وجب أجرك وردها عليك بالميراث". قالت: يا رسول الله , انه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها ". قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها " ٥. ٤- عن ابن عباس ﵄: " أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا فنجاها الله , فلم تصم حتى ماتت , فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها " ورجاله رجال الصحيح٦.

стр. 96

أما الفريق الثالث: فيرى أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه , فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان. وقد قال بهذا الرأي: أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس١. ومن أهم الأدلة استند إليها هذا الفريق: ١- ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من مات وعيه صيام صام عنه وليه" وقد أشرنا من قبل إلى أنه مروى في الصحيحين. إلا أن موضع الشاهد هنا: أن أبا داود بعد أن ذكر هذا الحديث في سننه عقبه بقوله: هذا في النذر وهو قول أحمد بن حنبل٢. وهذا القول منه , تخصيص لعموم الحديث حتى يتفق مدلوله مع الأدلة الأخرى التي نص فيها على أن الميت إن كان عليه صيام نذر صام عنه وليه والأصل في النصوص الشرعية العامة أنها تبقى على عمومها حنى تقوم قرينة تفيد التخصيص. ٢- عن ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله , إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها , فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ " قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" وقد أشرنا من قبل إلى أن هذه الرواية متفق عليها بين الشيخين بنفس اللفظ. أما رواية ابن عباس الثانية " أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال: "أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق بالقضاء ". وهذه الرواية جاءت في صحيح مسلم بهذا اللفظ إلا أنها عند البخاري - تعليقا - إن أمي ماتت وعليها صوم نذر"٣ وفي السنن الكبرى للبيهقي: عن ابن عباس: أن سعد بن

стр. 97

عبادة استفتى رسول الله ﷺ , فقال: أن أمي ماتت وعليها نذر , فقال النبي ﷺ : " اقضه عنها " ١. والشاهد هنا , أن رواية البخاري , جاءت مبينة لنوع الصوم الذي كان يسأل عنه: وقد أمر بقضائه , وهو صوم النذر أي أن هذه الرواية بينت الإجمال الموجود في الرواية الأولى عند كل من البخاري ومسلم وأيضا الرواية عند مسلم. ٣- عن ابن عباس ﵄ قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح "ولم يصم" أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء , وإن نذر (وإن نذر نذرا) (وإن كان عليه نذر) قضى عنه وليه ٢ وقد أشرنا من قبل إلى هذا القول المنسوب إلى ابن عباس وإلى أن هذا النقل صحيح عنه , وأوضح أنه موقوف عليه. المختار: هو رأي الفريق الثالث: الذي يرى , أن من مات وعليه صيام من رمضان فإنه يطعم عنه. أما ان كان عليه صيام نذر فإنه يقضيه عنه وليه , وذلك لأنه رواية البخاري التي نص فيها على النذر وكذلك الرواية التي أخرجها البيهقي في قصة سعد بن عبادة وهي صريحة في السؤال عن صيام النذر , ثم ما روى ابن عباس وعائشة في هذا السبيل كل ذلك يعتبر مبينا للإجمال الموجود في حديث بريدة , كما أنه بهذا الرأي يمكن الجمع بين كل الدلة الواردة في الموضوع , والجمع بين الدلة والعمل بها كلها أولى من العمل ببعضها وإهدار بعضها الآخر. كما أنه بهذا القول , يمكن تفادي ما يترتب على القول الثاني: من دخول النيابة في صيام شهر رمضان وهو عبادة بدنية محضة واجبة من الشارع بخلاف النذر فقد أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه والدين تدخله النيابة. ولهذا قال ابن القيم عن هذا الأي: وهذا أعدل القوال وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول الإشكال ٣. والله أعلم.

стр. 98

النتائج ١- لكل مسافر حق الأخذ برخصة الفطر في السفر سواء شهد بداية الشهر مقيما أو حاضرا. ٢-مقدار المسافة التي تتحقق بها رخصة الفطر هي أربعة برد وتقدر الآن بأربعة وثمانين كيلو مترا.

стр. 99

٣-الفطر في السفر رخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والصيام عملا بالعزيمة. ٤-الأفضل الفطر لمن يشق عليه الصيام أما من لم يشق عليه فالأفضل في حقه الصيام. ٥-تتحقق رخصة الفطر في كل سفر إلا سفر المعصية ما لم يتب المسافر منها فإن تاب تحققت في حقه. ٦-يبدأ العمل بالرخصة متى تحقق وصف السفر بالشخص مريد السفر , فمن حقه الفطر قبيل تحركه من دار إقامته إذا كان قد أخذ أهبته للسفر وان كان الأحوط أن يتم ذلك بعد مغادرة البيوت. ٧-من أجمع على إقامة عشرة أيام وجب عليه تبييت نية الصوم وإن كان الأحوط تبييت هذه النية لمن أجمع على إقامة أربعة أيام. ٨-من أخذ بالعزيمة وصام في سفره , فله حق الفطر أخذ بالرخصة في أي وقت شاء. ٩-تنتهي الرخصة إذا وصل المسافر إلى دار إقامته قبيل طلوع الفجر حيث يجب عليه إنشاء نية الصوم فإن وصل بعد طلوع الفجر فإنه يستمر على فطره إلى نهاية اليوم. ١٠-من أخذ بالرخصة وافطر فإنه يجب عليه القضاء فيما بين رمضان الذي سافر فيه إلى رمضان التالي سواء كان القضاء مفرقا أو متتابعا وان كان القضاء متتابعا أفضل. ١١-من أخذ بالرخصة وأفطر في سفره فلا يحق له الصيام بنية القضاء عن أيام سابقة عليه من رمضان الفائت. ١٢-من شغل عن قضاء ما عليه من رمضان حتى وافاه رمضان التالي , فإنه يقضيه بعد انتهاء رمضان الحاضر ولا فدية عليه أما من لم يشغل عن القضاء وفرط فيه حتى وافاه رمضان التالي له فإنه يلزم بالفدية مع كل يوم يقضيه عن رمضان السابق. ١٣-من شغل عن القضاء حنى مات فإن اتصل عذره بالموت فلا شئ عليه ومن فرط في القضاء فإن كان عليه صيام نذر صام عنه وليه وان كان عن رمضان أطعم عنه عن كل يوم مد من طعام.