على- عن:
أ- سبق القول أن (معنى الإستعلاء) في (على) هو أظهر معانيها، سواء كان الإستعلاء حقيقياً نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: ٢٢) أم مجازياً نحو قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (الشعراء:١٤) ونحو ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (البقرة: ٢٥٢) ونحو ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ (البقرة: ٢٢٨) غير أنها في بعض الأحيان قد تقترض (معنى المجاوزة) من (عن) نحو قول القحيف بن سليم العقيلي:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير ... لعمرو الله أعجبني رضاها
أي إذا رضيت عنىِّ بنو قشير، ويحتمل أن يكون (رضي) ضمن معنى (عطف) من
стр. 37
باب إعطاء الشيء حكم ما أشبهه في معناه، ولهذا تعدت رضي بعلى في البيت المتقدم لما كان (رضي عنه) بمعنى أقبل عليه بوجه وده، وقال الكسائي:" إنما جاز هذا حملاً على نقيضه وهو سخط "١.
ومن مجيء (على) بمعنى (عن) قول عدي بن زيد:
في ليلة لا نرى بها أحداً ... يحكي علينا إلا كواكبها
أي يحكى عنا إلا كواكبها، وقال بعضهم أن (يحكي) ضمن معنى ينم ولذلك عداه بعلي فهو من باب إعطاء الشيء حكم ما أشبهه في المعنى.
ب- (عن) تفيد (معنى المجاوزة) ولا تفيد سواه عند البصريين قد تخرج عن هذا المعنى فتفيد (معنى الإستعلاء) مقترضة إياه من (على) وذلك على رأي غير البصريين. يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِه﴾ (محمد: ٣٨) أي يبخل على نفسه. وقول ذي الأصبع العدواني:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت ديانى فتخزوني
وقد فسر البيت ابن هشام بقوله: أي لله در ابن عمك لا أفضلت في حسب عَلَىَّ ولا أنت مالكي فتسوسني، وذلك لأن المعروف أن يقال: أفضلت عليه ٢، ونحو قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ (ص: ٣٢) أي قدمت الخير على ذكر ربي.
стр. 38
على- اللام:
أ- وإذا كان الإستعلاء في (على) هو أظهر معانيها فإنها أحياناً قد تأتي مفيدة معنى التعليل مقترضة هذا المعنى من (اللام) نحو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٥) أي لهدايته إياكم، ومن ذلك قول عمرو بن معديكرب:
علام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
أي لم تقول الرمح يثقل عاتقي، (فعلى) في البيت بمعنى (اللام) ٣.
стр. 39
ب- وقد تأتي (اللام) مفيدة معنى الإستعلاء الحقيقي والمجازي، مقترضة هذا المعنى من (على) فالإستعلاء الحقيقي نحو قوله تعالى ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ (الإسراء: ١٠٩) أي ويخرون على الأذقان، ونحو قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ (يونس: ١٢) أي دعانا على جنبه، وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات: ١٥٣) أي وتله على الجبن، ونحو قول الأشعث الكندي:
تناولت بالرمح الطويل ثيابه ... فخر صريعاً لليدين والفم
أي فخر صريعاً على اليدين والفم.
والإستعلاء المجازي نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (الإسراء: ٧) أي وإن أسأتم فعليها ونحو قوله ﵊ لعائشة ﵂:"اشترطي لهم الولاء" ١ أي اشترطي عليهم الولاء. وقد أنكر النحاس أن يكون لهم في الحديث بمعنى عليهم، وذهب إلى أن المعنى من أجلهم، فاللام قد جاءت على أصلها في رأيه ٢.
стр. 40
على- في:
أ- وقد تأتى (على) مفيدة (معنى الظرفية) مقترضة هذا المعنى من (في) نحو قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (القصص: ١٥) أي في حين غفلة من أهلها. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (البقرة: ١٥٢) أي ما تتلوا الشياطين في زمن ملكه، ويحتمل أن تكون (على) في الآية حقيقتها إذا ضمن ﴿تَتْلُوا﴾ معنى تقول، فيكون بمنزلة ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ (الحاقة: ٤٤) من مجيء على بمعنى (في) أي مفيدة معنى الظرفية قول الأعشى:
فضل على حين العشيات والضحى ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
أي: فصل في حين العشيات.
ويقال: أتيته على عهد فلان. أي أتيته في عهد فلان ٣.
ب- وقد تأتي (في) مفيدة معنى الإستعلاء مقترضة هذا المعنى من (على) قال بذلك الكوفيون وجعلوا من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه: ١٧)
стр. 41
أي على جذوع النخل غير أن البصريين قالوا إن (في) في الآية الكريمة على بابها أي مفيدة معنى الظرفية والمعنى: أن النخلة مشتملة على المصلوب، لأنه إنما يصلب في عراضها لا عليها، فكأنها صارت له وعاء أو اشتملت عليه ١.
ومن مجيء يكفى (في) بمعنى (على) قول سويد بن كاهل أو غيره:
هم صلبوا العبدى في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
أي هم صلبوا العبدى على جذع نخلة.
وقول عنترة بن شداد:
بَطَلُ كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم
والسرحة: الشجرة العظيمة أي ثيابه على شجرة. ونحو قوله تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (الطور: ٣٨) أي يستمعون عليه ٢.
стр. 42
على- من:
وقد تأتى (على) لما مفيدة معنى ابتداء الغاية مقترضة هذا من (من) نحو قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (المطففين: ١، ٢) أي إذا اكتالوا من الناس. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم﴾ (المؤمنون: ٥، ٦) أي إلا من أزواجهم بدليل: "احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك ". وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ﴾ (المائدة: ١٥٧) أي استحق منهم الأوليان. وقول أبى المثلم الهذلى يصف كتيبة: ٣.
متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث
أي من أقطارها، والعلق: الدم الجامد. ونفيث: منفوخ.
ب- وقد تأتى (من) بمعنى (على) أي مفيدة معنى الاستعلاء نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ أي ونصرناه على القوم الذين كذبوا، وقيل: ضمن (نصرناه) معنى منعناه أي منعناهم بالنصر.
стр. 43
وهكذا جاءت (على) في الأساليب بمعنى (من) أي مفيدة معنى ابتداء الغاية، وجاءت (من) بمعنى (على) أي مفيدة معنى الاستعلاء وكل ذلك على سبيل التقارض بينهما في المعاني ١.
стр. 44
عن- اللام:
وقد تترك (عن) معنى المجاوزة إلى إفادة (التعليل) على سبيل الاقتراض من (اللام) نحو قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاه﴾ (التوبة: ١١٤) أي إلا الموعدة وعدها إياه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ (هود: ٥) أي ما نحن بتاركي آلهتنا لقولك، وقد ذهب الزمخشري إلى غير هذا فجوز أن يكون (عن قولك) حالاً من ضمير تاركي أي ما نتركها صادرين عن قولك، فليست عن بمنزلة اللام على رأيه ٢.
ب- وقد تأتى (اللام) بمعنى (عن) أي مفيدة (معنى المجاوزة) نحو قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْه﴾ (الأحقاف: ١١) أي قال الذين كفروا عن الذين آمنوا قال بهذا ابن الحاجب، وذهب ابن مالك وغيره إلى أن اللام في الآية لام التعليل، وقيل هي لام التبليغ والتفت عن الخطاب إلى الغيبة، أو يكون اسم المفعول لهم محذوفاً أي قالوا لطائفة من المؤمنين لما سمعوا إسلام طائفة أخرى، وحيث دخلت اللام على غير المقول له فالتأويل على بعض ما ذكر٣.
стр. 45
عن- من:
أ- وقد تأتى (عن) بمعنى (من) أي مفيدة معنى ابتداء الغاية. نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (الشورى: ٢٥) أي يقبل التوبة من عباده، وقوله تعالى ﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا﴾ (الأحقاف: ١٦) أي يتقبل منهم أحسن ما عملوا بدليل قوله تعالى ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَر﴾ المائدة: ٢٧) وبدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة:١٢٧) .
стр. 46
ب- وقد تأتي (من) مرادفة (لعن) فتفيد معنى المجاوزة على رأي بعضهم نحو قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: ٢٢) أي عن ذكر الله، وقوله تعالى: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ (الأنبياء: ٩٧) أي في غفلة عن هذا، وذكر الهروى:" أنه قيل: حدثني فلان من فلان" أي حدثني فلان عن فلان.
قال ابن هشام:
وزعم ابن مالك أن (من في نحو: زيد أفضل من عمرو للمجاوزة، وكأنه قيل: جاوز زيد عمراً في الفضل قال: وهو أولى من قول سيبويه وغيره أنها لابتداء الارتفاع في نحو: أفضل منه، وابتداء الانحطاط في نحو: شرمنه إذ لا يقع بعدها إلى، وقد رُدَّ على ابن مالك أنها لو كانت للمجاوزة في المثال المتقدم لصح في موضعها عن ١.
стр. 47
في - اللام:
أ- (في) تفيد معنى الظرفية. قال أبو على الفارسي:"وفى معناها الوعاء وذلك نحو: المال في الكيس واللص في الحبس ويتسع فيها فيقال: زيد ينظر في العلم وأنا في حاجتك " وقد تخرج عن هذا المعنى إلى مرادفة (اللام) فتفيد معنى التعليل أو السببية نحو قوله تعالى ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه﴾ (يوسف: ٣٢) أي لمتنني لأجله. وقوله تعالى ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ (النور: ١٤) أي لأجل إفاضتكم فيه، ومن ذلك حديث الرسول عظيم:" دخلت امرأة النار في هرة حبستها " ٢ أي لأجل هرة فالهرة هي العلة والسبب في دخول المرأة النار.
ب- (واللام) التي تفيد معنى (التعليل) قد تخرج عنه إلى إفادة معنى الظرفية على سبيل الاقتراض من (في) نحو قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الأنبياء: ١١) أي ونضع الموازين في يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو﴾ (الأعراف: ١٨٧) أي لا يجليها في وقتها إلا هو، قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٤) أي في حياتي. وقولهم: مضى لسبيله أي مضى في سبيله ٣.
стр. 48
في- من:
أ- وقد تأتى (في) بمعنى (من) أي تأتي مقترضة معنى ابتداء الغاية أو التبعيض من (من) نحو قول امرىء القيس: ١
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
أي من كان من العصر الخالي وثلاثين شهراً من ثلاثة أحوال.
ب- وقد تأتى (من) بمعنى (في) أي تفيد معنى الظرفية على وأي بعضهم نحو قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ (فاطر: ٤٠) أي ماذا خلقوا في الأرض، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٩) أي نودي للصلاة في يوم الجمعة.
وقد ذهب ابن هشام إلى أن: "من في الآية الكريمة لبيان الجنس وليست بمعنى في" ٢.
стр. 49
اللام- من:
أ- وقد تخرج (اللام) عن معنى التعليل فتأتى بمعنى (من) أي تفيد معنى ابتداء الغاية نحو قولهم: "سمعت له صراخاً " أي سمعت منه صراخاً. ونحو قول جرير: ٣
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي ونحن أفضل منكم يوم القيامة ٤.
ب- وقد تخرج (من) عن إفادة ابتداء الغاية فتأتي بمعنى (اللام) أي تفيد معنى التعليل نحو قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (نوح: ٢٥) أي لأجل خطيئاتهم أغرقوا. ونحو قول امرىء القيس:٥
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
стр. 50
أي وذلك لأجل نبأ جاءني.
ونحو قول الفرزدق: ١
يُغْضِي حياءً وُيغضِي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبسم
أي ويغضي لأجل مهابته ٢.
стр. 51
أو- الواو:
أ- (أو) حرف عطف يفيد معنى الشك أو الإبهام أو التخيير أو الإباحة، وفي بعض الأحيان قد يأتي هذا الحرف مفيداً معنى (الواو) أي يفيد معنى الجمع المطلق قال بذلك الكوفيون والأخفش والجرمى واحتجوا بقول توبه بن الحُميرِّ:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
أي لنفسي تقاها وعليها فجورها (فأو) بمعنى (الواو) . قال المالقى: وهو قليل لا يقاس عليه ٣. وقيل (أو) في البيت للإبهام أي جاءت على بابها.
واحتجوا أيضاً بقول جرير في مدح عمر بن عبد العزيز: ٤
جاء الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى موسى ربه على قدر
(فأو) في الشطر الأول لمطلق الجمع كالواو.
ويقول النابغة الذبياني: ٥
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
(فأو) في البيت لمطلق الجمع كالواو.
ويقول حميد بن ثور: ٦
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
فأو في الشطر الثاني لمطلق الجمع كالواو. والسافع: هو الآخذ بناصية الفرس من غير لجام.
стр. 52
وقال الرماني:١ "ذهب قوم من الكوفيين إلى أن (أو) بمعنى (الواو) وجعلوا من ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (المرسلات: ٦) ومثله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ (طه: ٤٤) . وفى قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (الواقعة: ٤٧، ٤٨) ذهب المالقي إلى أن (أو) في الآية بمعنى (الواو) على قراءة من سكن الواو٢ في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ١٤٧) (أو) بمعنى الواو أي مائة ألف ويزيدون. في قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ (النور: ٦١) ذكر ابن مالك:" أن (أو) في الآية بمعنى (ولا) ". قال ابن هشام:" إن (أو) في الآية بمعنى (الواو) وإنما جاءت (لا) في الآية توكيداً للنفي السابق ومانعة من توهم تعليق النفي بالمجموع لا بكل واحد، وذلك مستفاد من دليل خارج عن اللفظ وهو الإجماع" ٣.
ب- وقد تخرج (الواو) عن إفادة (مطلق الجمع) فتأتي بمعنى (أو) أي تفيد الإباحة أو التخيير وقالوا إن مجيء (الواو) بمعنى (أو) على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون بمعنى (أو) في التقسيم نحو قولك: الكلمة اسم وفعل وحرف أي الكلمة اسم أو فعل أو حرف، ونحو قول عمرو بن براقة:
وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم
(فالواو) في الشطر الثاني بمعنى (أو) وذهب ابن هشام: إلى أن الواو جاءت على أصلها لمطلق الجمع.
الثاني: أن تكون (الواو) بمعنى (أو) في إفادة الإباحة وعلى ذلك الزمخشري، وزعم أنه يقال: جالس الحسن وابن سيرين أي جالس أحدهما، وأنه لهذا قيل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٢) بعد ذكر ثلاثة وسبعة لئلا يتوهم إرادة الإباحة وقد رد ابن هشام ما ذهب إليه الزمخشري ٤.
الثالث: أن تكون (الواو) بمعنى (أو) في إفادة التخيير، واستدلوا بقول كثير عزه: ٥
وقالوا نأت فاختر لها الصبر والبكا
فقلت: البكا أشفى إذن لغليلي
أي فاختر لها الصبر أو البكاء أي أحدهما، إذ لا يجتمع البكاء مع الصبر.
стр. 53
مع- بعد:
أ- (مع) اسم يدل على الظرفية ويستعمل مضافاً ومفرداً فيستعمل مفرداً نحو قول جندل بن عمرو:
أفيقوا بني حرب وأهواؤنا معاً ... وأرماحنا موصولة لم تقضب
وحين يستعمل مضافاً فإنه يفيد ثلاثة معان:
أحدها: موضع الإجتماع ولهذا يخبر به عن الذوات نحو: الكتاب معك.
والثاني: زمان الإجتماع نحو: جئتك مع الظهر.
والثالث: بمعنى (عند) كقراءة بعضهم: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي﴾ (الأنبياء: ٢٤) وكما تأتي في الأسلوب موافقة لعند فقد ذكر الهروي أنها قد تأتي بمعنى (بعد) واستدل بقول الله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (الانشراح: ٥) معناه: فإن بعد العسر يسر. ولما ذكر العسر بالألف واللام ثم أعاد ذكره، يوجب أن العسر الثاني هو الأول وصار المعنى: إن مع العسر يسرين، ومنه الحديث:"لا يغلب عسر واحد يسرين " ١.
ب- (بعد) هو أحد الظروف الذي لا يلازم البناء، فهو يبنى في بعض الأحوال ويعرب في بعضها الآخر كقيل ودون وأول والجهات الست، ويأتي هذا الظرف أي (بعد) في مقابل (قبل) نحو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (الروم: ٤) وقد يخرج عن معنى مقابلة قبل فيأتي بمعنى (مع) نحو قول الله : ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم: ١٣) أي عتل مع ذلك زنيم.
وهكذا يلاحظ أن مع وبعد تقارضاً المعاني فيما بينهما ٢.
وبعد فلعلي أكون قد ألممت بما يجب أن يقال في (ظاهرة التقارض في النحو العربي) ، وربما فاتني منها القليل أو الكثير أرجو الله أن يهديني إليها في قابل الزمان، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.