← Акыда

Акыда · id 23080

مفهوم الأسماء والصفات

سعد بن عبد الرحمن ندا

Полный текст (160 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والله العليم سبحانه قد كمل في علمه، يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ويعلم ما في السموات والأرض، وهو تعالى بكل شيء عليم. وأن العبد إذا استشعر عظمة علم الله، وسعته، وشموله لكل ما خلق الله جل وعلا، فإنه يعيش دائما يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطلب منه دائما أن يزيده من بالعلم الذي ينفعه في دينه ودنياه تنفيذا لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه آية ١١٤) .

стр. 37

الحكيم: هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعيل) ، ورد في القرآن الكريم سبعا وتسعين مرة١، منها إحدى وثمانون مرة بلفظ (حكيم) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ٣٢) ، وفي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٩) ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران آية ٦) ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام آية ١٨) ومنها ست عشرة مرة٢، بلفظ (حكيما) بالنصب في مثل قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء آية ١١) ، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (الفتح آية ٤) ، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (الإنسان آية ٣٠) . والحكمة هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء. وحكيم بمعنى مُحْكِم، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النحل آية ٨٨) ٣.

стр. 38

التوّاب: هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعَّال) ، ورد في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة٤، منها ثماني مرات بلفظ (توّابٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ٣٧) ، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة آية ١١٨) ، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات آية ١٢) .

стр. 39

البارئ: هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات٢، في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة آية ٥٤) ، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة آية ٥٤) ، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الحشر آية ٢٤) . والبارئ: هو المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها، وقيل: المميز لبعضها عن بعض٣، والبارئ من البَرء. والبَرْء: هو تنفيذ وإبراز ما قدره وقرره الله تعالى إلى عالم الوجود ٤. والبرء: كذلك هو خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، لأن البرء من تبرئة الشيء من الشيء، من قولهم: برأت من المرض، وبرئت من الدين أبرأ منه، فبعض الخلق إذا فُصل من بعض سمي فاعله بارئا، وفي الأيمان: "لا والذي خلق الحبّة، وبرأ النسمة" ٥. وقال أبو علي: هو المعنى الذي به انفصلت الصور بعضها عن بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو، وصورة حمار مفارقة لصورة فرس، فتبارك الله خالقا بارئا ٦. ومعرفة اسم الباري تجعل العبد يؤمن بأنه سبحانه هو الموجد لكل الأشياء من العدم فلا ييأس على ما فاته ولا يفرح بما آتاه، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد آية ٢٢-٢٣) .

стр. 40

البصير: هو اسم من أسماء الله تعالى بصيغة مبالغة على وزن (فعيل) ، ورد في القرآن الكريم اثنتين وأربعين مرة١، منها إحدى وثلاثون مرة٢ بلفظ (بصيرٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة آية ٩٦) ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة آية ١١٠) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران آية ١٥) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة آية ١) ، وقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (الملك آية ١٩) . ومنها تسع مرات٣ بلفظ (بصيرا) بالنصب، في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء آية ٥٨) ، وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (الإسراء آية ١٧) ، وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾ (طه آية ٣٥) ، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (الفتح آية ٢٤) . والبصير بمعنى مبصر، فهو سبحانه يرى كل شيء من خلقه دقَّ أو جلَّ، ظهر أو خفي، لا تحجب رؤيته الحواجب التي تحجب عن خلقه الرؤية، إذ يبصر سبحانه النملة السوداء تدب على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. وإذا استشعر العبد أن ربه البصير يراه ولا يحجب عنه أي شيء من خلقه، فإنه يراقب ربه، ولا يكون دائما إلا في الموضع الذي يجب أن يراه فيه.

стр. 41

الواسع، (الموسع) : (الواسع) : اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، ورد في القرآن الكريم تسع مرات٤ منها ثماني مرات٥ بلفظ (واسعٌ) بالرفع في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١١٥) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦١) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦٨) ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران آية ٧٣) ، وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة آية ٥٤) ، وقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور آية ٣٢) ، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم آية ٣٢) . ومنها مرة واحدة بلفظ (واسعاً) بالنصب في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ (النساء آية ١٣٠) .

стр. 42

ويلاحظ أن اسم (الواسع) اقترن في سبع آيات -من التسع- التي ورد فيها باسم (العليم) ولعل هذا يشير إلى أن الله سبحانه يعطي من فضله الواسع من يشاء عن كمال العلم بمن يستحق هذا العطاء، سواء أكان هذا العطاء رحمة، أو مغفرة، أو ملكا، أو مالا، أو علما، أو أي نوع من أنواع العطاء، وعطاؤه سبحانه -فضلا عن كونه عن كمال العلم- فهو مع كمال الحكمة، وسعة المغفرة، وفي هذا نجد أن اسمه (الواسع) سبحانه جاء مضافا إلى المغفرة مرة واحدة ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وجاء مقترنا باسمه (الحكيم) مرة واحدة كذلك ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ . ومعنى (الواسع) الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل: بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ١ (طه آية ٩٨) . وقال الفراء الواسع: الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء٢. وقيل: الواسع: واسع الفضل يوسع على من يشاء من عباده ٣. وقيل: الواسع: الذي يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال. وقيل الواسع: واسع الفضل والصفات وعظيمهما، ومن سعته وعلمه وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور٤. و (الموسع) : اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مُفْعِل) ورد في القرآن الكريم مرة واحدة بصيغة الجمع، بالرفع، في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات آية ٤٧) . ومعنى (الموسع) : ذو الوسع والسعة، وقيل الموسعون القادرون، فالموسع أي القادر ٥. وقيل الموسع: أي لأرجاء السماء وأنحائها، وأيضا الموسع على عباده بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليه من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها، فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات٦. وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، من قولهم: "وسع كل شيء علما" أي أحاط به٧.

стр. 43

السميع (والمستمع) : هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل) أي سامع١. وقد ورد في القرآن الكريم خمسا وأربعين مرة٢. منها اثنتان وأربعون٣ بصيغة (سميعُ) بالرفع في مثل قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٧) . وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة آية ١٣٧) . وقوله: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام آية ١١٥) ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (لقمان آية ٢٨) ، وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (سبأ آية ٥٠) . ومنها ثلاث مرات٤ بصيغة (سميعاً) بالضم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء آية ٥٨) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء آية ١٣٤) ، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (النساء آية ١٤٨) . ويلاحظ أن اسم (السميع) سبحانه ورد مقترنا باسم (الحليم) اثنتين وثلاثين مرة٥ وتسع مرات٦ مقترنا باسم (البصير) . ومرة واحدة٧ باسم (القريب) . وورد مرتين٨ مضاف إلى (الدعاء) في قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران آية ٣٨) . وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم آية ٣٩) . ويجلِّي لنا تمام سمعه -سبحانه- بكل شيء، ما رواه الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية. والمجادلة هي: خولة بنت ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت، وكان امرءا به لمم، وكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته". وكذلك في رواية أخرى لابن أبي حاتم عن عائشة أنها قالت: "تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهى تقول يا رسول الله: أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٩". أما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (العليم) واسم (البصير) فإن سمعه مع علمه محيط بهم

стр. 44

وبصره نافذ فيهم. فهو مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء١. وأما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (القريب) ، وإضافته إلى الدعاء، فإنه سبحانه وهو فوق عرشه يسمع كل حركة وسكنة ولفظة من خلقه. وكل دعاء من عباده، فيجيب من يدعوه لشدة قربه منهم، فهو عليٌّ في قربه قريب في علوه. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة آية ١٨٦) ، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق آية ١٦) ، وكما يقول رسول الله ﷺ : "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ".

стр. 45

المستمع: وهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مفتعل) . وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة٢ بصيغة الجمع بلفظ (مستمعون) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء آية ١٥) . ومعنى (مستمع) أي سامع لموسى وهارون ﵉ -وسامع لكل خلقه بلا ريب- وذلك كقوله لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه آية ٤٦) أي أنه يسمعهما -وهو فوق عرشه- ماذا يقولان لفرعون ويراهما وهما تحت حفظه وتأييده٣. وقد قيل إن (سمع) تأتي بمعنى أجاب، وذلك في مثل ما يقول المصلي عند رفعه من الركوع: "سمع الله لمن حمده" أي استجاب٤.

стр. 46

العزيز: هو اسم من اسماء الله تعالى على وزن (فعيل) ، وقد ورد في القرآن الكريم تسعا وثمانين مرة٥ منها اثنتان وثمانون٦ بلفظ (العزيز) أو (عزيز) بالرفع، في مثل قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٩) ، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلا َّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران آية ١٨) . وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة آية ٣٨) ، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (هود آية ٦٦) . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (إبراهيم آية ٤٧) . وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء آية ٩) ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر آية ٢٨) . ومنها ست مرات٧ بلفظ (عزيزا) بالنصب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء آية ٥٦) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء آية ١٥٨) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ (الأحزاب آية ٢٥) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (الفتح آية ١٩) .

стр. 47

الرءوف: هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) ، وهو صيغة مبالغة يدل على عظيم رأفته سبحانه بخلقه. وقد ورد في القرآن الكريم عشر مرات٥ في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٤٣) ، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧) . وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة آية ١١٧) ، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد آية ٩) . ومعنى الرءوف كثير الرأفة، وهى أشد من الرحمة. قال أبو عمرو بن العلاء: "الرأفة أكبر من الرحمة والمعنى متقارب"٦ فالرأفة هي المنزلة الثانية، فإذا اشتدت الرحمة كانت رأفة ٧. وقد اقترن اسم (الرءوف) باسم (الرحيم) سبحانه في تسع آيات من العشر المشار إليها، وعدي بالباء إلى العباد في آيتين في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧، وآل عمران آية ٣٠) . ورأفة الله تعالى ورحمته بعباده لا يعدلها رأفة أو رحمة. في الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ : "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه" قالوا: "لا يا رسول الله". قال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" ٨.

стр. 48

الشاكر، و (الشكور) : (الشاكر) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم مرتين١؛ مرة بلفظ (شاكرٌ) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٥٨) ، ومرة بلفظ (شاكراً) بالنصب، في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ (النساء آية ١٤٧) . (والشكور) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات٢، في قوله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٠) ، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٤) ، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (الشورى آية ٢٣) ، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) . ومعنى (الشاكر والشكور) : الذي يشكر القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل. ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب. ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره، ومن تقرب إليه بشيء من الأعمال الصالحة تقرب الله منه أكثر٣. وقيل (الشكور) من أسماء الله وكذلك الشاكر- معناه: أنه يزكو عنده القليل من الأعمال، فيضاعف لهم به الجزاء وكأن الشكر من الله تعالى هو إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة كما قال عز اسمه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٤ (البقرة آية ١٩٤) . ونلاحظ أن اسم (الشاكر) قد اقترن باسم (العليم) سبحانه واقترانه به يفيد أنه تعالى شاكر أي يثيب على القليل بالكثير، مع علمه التام المحيط بقدر الجزاء، فلا يبخس أحدا ثوابه ٥. كما نلاحظ أن اسم (الشكور) قد اقترن ثلاث مرات باسم (الغفور) واقترانه به يفيد أنه غفور لمن عصاه، وشكور لمن أطاعه٦ وقيل: إنه غفور لذنوبهم. شكور للقليل من أعمالهم وقال قتادة: كان مطرف ﵀ إذا قرأ هذه الآية (أي آية فاطر) يقول: "هذه آية القراء"٧ أقول: وحُقَّ لمطرف ﵀ أن يقول هذه القولة. إذ ختم بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٢٩-٣٠) .

стр. 49

وقال ابن عباس ﵄: في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات١. وقيل (غفور شكور) : أي يغفر الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات. فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر٢. واقترن اسم (الشكور) باسم (الحليم) مرة واحدة٣ في قوله تعالى ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) واقترانه به يفيد أنه (شكور) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، (حليم) لا يعاجل من عصاه بالعقوبة ٤، بل يمهله ولا يهمله٥. وقيل (شكور) أي يجزي على القليل بالكثير، (حليم) أي يصفح ويتجاوز عن الذنوب والسيئات٦.

стр. 50

الواحد و (الأَحد) : (الواحد) : هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم ست مرات ٧ في قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (يوسف آية ٣٩) ، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد آية ١٦) . وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم آية ٤٨) ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (ص آية ٦٥) ، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر آية ٤) ، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر آية ١٦) . وقد ورد موصوفا به الإله ثلاث عشرة مرة٨، في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ١٦٣) ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (المائدة آية ٧٣) ، وقوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الأنبياء آية ١٠٨) . و (الأحد) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فَعَل) . وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ٩، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص آية ١) . وقيل: إن الفرق بين الواحد وأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني١٠.

стр. 51

قيل: وهمزة أحد بدل من الواو وأصله وحد، وقال أبو البقاء: همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن (أحد) يفيد العموم دون (واحد) . ومما يفيد الفرق بين (أحد) و (واحد) ما قاله الأزهري: أنه لا يوصف بالأحدية غير الله. تعالى، فلا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، بل يقال: رجل واحد، ودرهم واحد١. وقيل: الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير له، ولا نديد له، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ إلا على الله ، لأنه الكامل في جميع صفاته. وأفعاله٢. وقيل (أحد) : أي انحصرت فيه تعالى الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال الذي به الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا. الذي لا نظير له، ولا مثيل. وقيل الواحد الأحد: هو الذي توحد بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك، ويجب على العبيد توحيده عقدا، وقولا، وعملا بأن يعترفوا بكماله المطلق. ويفردوه بالوحدانية. ويفردوه بأنواع العبادة.

стр. 52

الغفور و (الغفَّار والغافر) الغفور: هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، بما يدل على، كثرة الغفر لذنوب عباده التائبين- وقد ورد في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة٣ منها إحدى وسبعون مرة٤ بصيغة (غفورٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٧٣) ، وقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران آية ١٢٩) ، وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (المائدة آية ١٠١) وقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (سبأ آية ١٥) ، وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٠) . ومنها عشرون مرة٥ بصيغة (غفوراً) بالنصب في مثل قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء آية ٩٦) . وقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ (الإسراء آية ٢٥) ، وقوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الأحزاب آية ٧٣) . وقوله: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (فاطر آية ٤١) ، ومعنى الغفور: العظيم الغفر لعباده الذين يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم، ونلاحظ أن اسم (الغفور) سبحانه قد اقترن بأسماء أخرى له : فقد اقترن باسم (الرحيم) أربعا وسبعين مرة٦، واقترانه به يفيد أنه سبحانه يغفر

стр. 53

للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف آية ٢٣) وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود آية ٤٧) . ومن ثم لما سأل الصديق أبو بكر ﵁ رسول الله ﷺ أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته دله على صيغة تتضمن طلب المغفرة والرحمة من الله الغفور الرحيم ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵁ أن أبا بكر ﵁ قال: "يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي". فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". وروى البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة". واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الحليم) ست مرات١، واقترانه به يفيد أن الله سبحانه لا يعاجل بالعقوبة عبده الذي يعصيه، بل يمهله، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر. وقد جاء في الصحيحين: أن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود آية ١٠٢) . وأما إذا أقلع العبد عما هو فيه من كفر وعصيان، ورجع إلى الله وتاب، فإن الله تعالى يتوب عليه، لذا يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء آية ١١٠) . واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الشكور) ثلاث مرات٢ واقترانه به يفيد - كما أسلفت في بيان اسم (الشكور) سبحانه أنه جل وعلا يغفر لعباده الكثير من السيئات، ويشكر لهم اليسير من الحسنات، وهذا من أعظم الفضل وأوسع الرحمة لعباده، إنه بهم رءووف رحيم. واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (العفوّ) أربع مرات٣ واقترانه به يفيد أنه سبحانه يعفو كثيرا عما قصر فيه عباده من أوامره وما ارتكبوه من المعاصي إذا رجعوا إليه - سبحانه وأنابوا، وتابوا مما وقعوا فيه، ويغفر لهم ذنوبهم حسبما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر آية ٥٣) .

стр. 54

واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (العزيز) مرة واحدة١ هي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك آية ٢) . واقترانه به يفيد أنه سبحانه العزيز الذي بعزته يستطيع أن ينتقم من العاصي آن عصيانه، فهو العزيز المنيع الجناب ، ومع ذلك هو- سبحانه- غفور لمن تاب إليه وأناب بعد أن عصاه وخالف أمره. واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الودود) مرة واحدة٢ هي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (البروج آية ١٤) . واقترانه به يفيد أنه جل وعلا عظيم الغفر لمن تاب إليه وأناب. فيستر ذنوبهم ولا يفضحهم بها، كما أنه سبحانه ودود أي يحب عباده المؤمنين أبلغ المحبة، لإنابتهم إليه دائما. ورد كل أمورهم إليه في كل حال، وكذلك هو سبحانه ودود بمعنى أنه محبوب يحبه عباده المؤمنون لدوام تفضله وإنعامه عليهم في كل آن.

стр. 55

والغفار: اسم من أسماء، الله تعالى على وزن (فعَّال) بصيغة المبالغة، بما يدل على كثرة غفره لعباده التائبين، وقد ورد في القرآن الكريم خمس مرات٣، منها أربع مرات بالرفع٤، في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طه آية ٨٢) ، وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (ص آية ٦٦) . وقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (الزمر آية ٥) ، وقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ (غافر آية ٤٢) . وورد مرة واحدة ٥ بالنصب في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ (نوح آية ١٠) . وقد اقترن اسم (الغفار) سبحانه باسم (العزيز) ثلاث مرات٦، ويفيد اقترانه به أنه تعالى الغالب الذي يقوى بلا ممانع على معاقبة مخالف أمره، لكنه تعالى يمهله، فإذا تاب ستر ذنوبه وغفر سيئاته، وإن لم يتب واستمر في عصيانه أخذه أخذ عزيز مقتدر.

стр. 56

والغافر: اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ٧. مضافا إلى التوب، ومعطوفا عليها (قابل التوب) في قوله سبحانه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر آية ٣) ومعنى هذا أنه يغفر ما سلف من الذنب. ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع له. ثم يأتي بعد قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قوله سبحانه: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي لمن تمرد وطغى. كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر آية٤٩،٥٠) وكثيرا ما يقرن سبحانه هذين الوصفين في مواضع عديدة من القرآن الكريم وسبب ذلك أن يبقى العبد دائما بين الرجاء والخوف.

стр. 57

القريب: هو اسم من أسماء الله تعالى ورد في القرآن ثلاث مرات٢، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة آية ١٨٦) ، وقوله: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (هود آية ٦١) . وقوله: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (سبأ آية.٥) . ومعنى القريب أنه سبحانه ليس قريبا من عبده قرب ذات وإنما قرب صفات، فهو قريب جدا من عبده قرب سمع وبصر وعلم وإحاطة وقهر ونصر وغير ذلك من صفات كماله تعالى، ويشير إلى هذا القرب قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق آية ١٦) . وحبل الوريد هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية الحلق إلى العاتق، وهما وريدان عن يمين وشمال، وقال الحسن: الوريد الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان: أي نحن أقرب إليه من حبل وريده، والإضافة بيانية: أي حبل هو الوريد- وقيل الحبل هو نفس الوريد٣ كما يشير تعالى إلى قربه من عبده بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (الواقعة آية ٨٥) أي أقرب سبحانه من خلقه إلى عبده بعلمه وقدرته ورؤيته، ولكن عباده لا يدركون ذلك لجهلهم فإن الله تعالى أقرب إلى عبده من حبل الوريد٤.

стр. 58

وقد اقترن اسمه (القريب) سبحانه باسمه "المجيب" مرة١، كما اقترن باسمه (السميع) مرة واحدة٢، واقترانه بالمجيب مرة ثم بالسميع مرة أخرى يفيد أنه يسمع وهو فوق عرشه كل شيء من خلقه سواء أعلن أم أخفى، جهر به أم أسر، لأنه قريب جدا منهم قرب سمع ورؤية وعلم وإحاطة وقدرة وقهر ونصر، قريب بصفاته تعالى من خلقه، وهو سبحانه قريب الإجابة لمن دعاه. وقد قال ابن أبي حاتم بسنده عن معاوية بن حيدة القشيري أن أعرابيا قال: "يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه"، فسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية (البقرة آية ١٨٦) ، إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجيب، وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فجعلنا لا نصعد شرفا، ولا نعلو شرفا، ولا نهبط واديا إلا رفعنا صوتنا بالتكبير"، قال: "فدنا منا"، فقال: "يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة. وروى مالك عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" أخرجاه في الصحيحين. من حديث مالك به. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: "وكيف يستعجل؟ " قال: "يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي" رواه الإمام أحمد. وروى ابن مردويه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حدثني جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لا شريك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، أشهد أنك فرد، أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور" ٣. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". وثبت في الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي".

стр. 59

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، "قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ " قال: "يقول: قد دعوت فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء" رواه مسلم، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة بيان بعض الأشخاص الذين تستجاب دعوتهم، من ذلك ما يأتي: ١- دعوة المظلوم: فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار" حديث صحيح أخرجه الحاكم، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب" حديث حسن رواه أحمد. ٢- دعوة المسافر: إذا كان سفر طاعة وخير كالسفر في سبيل الله للدعوة أو للعبادة أو لطلب العلم الذي يتقرب به إلى الله، ولعل سرَّ استجابة دعوة المسافر كونه غريبا، وبعيدا عن أهله وأحبائه، فيشمله الله تعالى برحمته ورعايته، وتكون استجابة دعوته من آثار رحمة الله به، وفضله عليه. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده" حديث صحيح رواه الترمذي. ٢- دعوه الوالد على ولده: وهذا يظهر من الحديث الآنف الذكر، فالوالد إذا دعا بالخير لولده أو بالشر على ولده، استجاب الله له. ٤، ٥، ٦- دعوة الحاج والغازي والمعتمر: وسبب استجابة دعوة هؤلاء الثلاثة أنهم لبوا نداء الله تعالى، واستجابوا لدعوته، فكافأهم تعالى استجابة دعوتهم، فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم" حديث صحيح رواه ابن ماجة. ٧- دعاء الأخ المسلم لأخيه بظهر الغيب: فعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل " رواه مسلم. وعن صفوان بن عبد الله قال: "قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء" فقالت: "أتريد الحج العام؟ " فقلت: "نعم"، قالت: "فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: " دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" رواه مسلم. ولا شك أن المجتمع الذي تكون صفته أن كل أخ يدعو لأخيه بظهر الغيب، يكون مجتمعا يشيع فيه الخير، وتعم فيه الأخوة الصادقة التي ترقى بأفراده وتسمو بهم في مدارج الإيمان. (يتبع)

стр. 60

مدخل ... مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الثالثة) سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية أسلفت في حلقتين سابقتين ذكر اثنين وثلاثين اسما من أسماء الله الحسنى، وألقيت الضوء على بعض معانيها، وأشرت إلى عدد المرات التي تكررت فيها هذه الأسماء، وقد بلغت في مجموعها خمس عشرة وسبعمائة وألفي مرة (٢٧١٥) في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، فضلا عن السنة المطهرة، عدا ما سيأتي من الأسماء الحسنى في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى. وكان أكثر هذه الأسماء تكرارا هو لفظ الجلالة (الله) ﷻ ؛ إذ قد تكرر في القرآن الكريم ثمانين وتسعمائة (٩٨٠) مرة. والذي أودّ أن أبرزه أن إيرادي لتلك الأعداد التي تكررت فيها أسماء الله الحسنى ليس من باب التسلية، أو السرد غير الهادف، أو الإحصاء العشوائي، وإنما هدفت من ورائه إلى أن أؤكد حقيقة غاية في الأهمية، تلك الحقيقة هي أن الله تعالى لم يضمن القرآن الكريم هذا الحشد الضخم من أسمائه المباركة إلا لأنه أراد سبحانه أن يلفتنا إلى مدى ضرورة معرفة أسمائه الحسنى التي ذكرها لنا ووردت بها النصوص، ودعانا إلى تعلمها وإحصائها ودعائه بها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) ، وفيما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن لله تسعة وتعين اسما إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر"، (متفق عليه) . أعود فأكد أن تكرار أسماء الله الحسنى بهذا العدد الوفير في القرآن الكريم والسنة المشرفة لهو أقطع دليل على بالغ أهمية تعرف العباد عليها؛ ليدعو الله تعالى بها، وليقفوا على ما تتضمنه من صفات الله وليتعبدوا الله تعالى بها أحق ما تكون العبادة. ولو أن العبد علم الأسماء الحسنى - جل وعلا - وعرف معنى كل اسم من هذه الأسماء وما يتضمنه من المعاني السامية، وملأ بها قلبه؛ لاستغنى بهذه الأسماء الكريمة عن التوجه إلى غير الله تعالى يستجديه ويلتمس عنده قضاء ما لا يقوى عليه إلا الله ، ولصار

стр. 61

الناس جميعا – أمام ناظريه – سواء كأسنان المشط، لا لفضل لعربي منهم على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى؛ إذ هم مثله جميعا عبيد لله رب العالمين. ومن ثم رأيت أن أتم ما بدأت ذكره مما ورد به النص من أسماء الله الحسنى، ملقيا بعض الأضواء على شيء من معانيها بقدر ما ييسر الله تعالى لي، وذلك فيما يلي:

стр. 62

الحيّ: هو اسم من أسماء الله جل وعلا، يتضمن تفرده بصفة الحياة الأبدية التي لا تنتهي، والتي تشمل جميع صفات كمالاته الذاتية؛ بمعنى أن اسم (الحي) يفيد دوام الحياة لله سبحانه، وأنه تعالى الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا١، وقيل: الحي معناه: الباقي، وقيل: الذي لا يزول ولا يحول، وقيل: المصرف للأمور والمقدر للأشياء، وقال الطبري عن قوم أنه يقال: حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه٢، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله (الحي) أي حي لا يموت٣. وقد ذكر شيخ الإسلام فخر الدين الرازي: واعلم أنه تعالى إنما تمدح بكونه حيا، لأن مراده منه كونه حياً لا يموت، ألا ترى أن الحي الذي يجوز عليه الموت حكم عليه بأنه ميت؟ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر آية ٣٠) ٤. أقول: وتسمية نفسه سبحانه باسم (الحي) يفهم منه - وهو جل وعلا دائم الحياة وآثار حيلته منبثة في كل ما خلق - أنه تعالى مصدر حياة كل كائن حي، فهو سبحانه يبدؤها له من حين يشاء، وينهيها منه حين يشاء. وما دام أنه تعالى مصدر حياتنا، فقد لفتنا أن نربط به وحده هذه الحياة، ولا نكل أي أمر من أمورها إلا إليه وحده؛ لأنه هو وحده دائم الحياة، فيدوم تدبيره لأمورنا، فقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ (الفرقان لآية ٥٨) ، ولم يقل (وتوكل على الحي)

стр. 63

فقط، لأن المخلوقين أحياء ولكنهم سيموتون، فإذا توكل بعضهم على بعض، تبددت مصالح المتوكلين بموت المتوكل عليهم، لذا علمنا أن يكون توكلنا على ﴿الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ وهو الله وحده . وقد ذكر الإمام الشوكاني ﵀ أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يتوكل عليه في دفع المضار وجلب المنافع فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ، وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه، دون الأحياء المنقطعة حياتهم، فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم. والتوكل هو اعتماد القلب على الله في كل الأمور١. وقد ورد اسم (الحي) في القرآن خمس مرات وذلك على ما يلي: ١- في قوله تعال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) . ٢- وفي قوله تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (آل عمران آية ١، ٢) . أقول: وقد ورد اسم (الحي) في الآيتين المذكورتين مقترنا باسم (القيوم) بعد إقرار وتجريد توحيد الألوهية لله تعالى سبحانه. ٣- وفي قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ (طه آية ١١١) . أقول: وقد ورد اسم (الحي) في الآية المذكورة مقترنا باسم (القيوم) كذلك، مع بيان أن وجوه الخلائق ذلت وخضعت لجبارها (الحي) الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، ولا قوام لشيء إلا به٢، وكذلك مع بيان أنه من يلقى ربه (الحي القيوم) على شيء من الظلم - وهو الشرك - فإنه يكون خائبا خاسرا ٢. ٤- وفي قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (الفرقان آية ٥٨) . أقول: وقد أسلفت - قبل قليل - بيان لِمَ لَفَتَنا الله جل وعلا إلى أن يكون توكلنا عليه وحده لأنه ﴿الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ؛ فلا أرى داعيا لتكراره.

стр. 64

٥- وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر آية ٥٦) . أقول: وقد ورد اسم (الحي) في هذه الآية مع إقرار تجريد توحيد الألوهية لله تعالى سبحانه، مع أمرنا أن ندعوه وحده مخلصين له قلوبنا في كل دعائنا. وقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: هو الأول والآخر والظاهر والباطن، الذي لا معبود إلا هو سبحانه. وذكر في قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بألوهيته وربوبيته، كما ذكر أنه روي عن ابن عباس قوله: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. وذكر الإمام الشوكاني في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي الباقي الذي لا يفنى، المنفرد بالألوهية، وفي قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي الطاعة والعبادة. وذكر أنه أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا الله فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .١ وقد ذكر الإمام الشوكاني معنى ﴿ادْعُونِي﴾ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر آية ٦٠) : قال أكثر المفسرين: (والمعنى: وحدوني واعبدوني، أتقبّل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضر، قيل: الأول أولى، لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة. قلت: بل الثاني أولى، لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعا هو الطلب، فإن استعمل في غير ذلك فهو مجاز، على أن الدعاء في نفسه باعتبار معناه الحقيقي هو العبادة، بل مخ العبادة، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فالله سبحانه قد أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق، وما يبدل القول لديه، ولا يخلف الميعاد، ثم صرح سبحانه بأن الدعاء - باعتبار معناه الحقيقي وهو الطلب - هو من عبادته فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي ذليلين

стр. 65

صاغرين، وهذا وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، وفيه لطف بعباده عظيم، وإحسان إليهم جليل حيث توعد من ترك طلب الخير منه واستدفاع الشر به بهذا الوعيد البالغ، وعاقبه بهذه العقوبة العظيمة، فيا عباد الله وجهوا رغباتكم، وعولوا في كل طلباتكم على من أمركم بتوجيهها إليه، وأرشدكم إلى التعويل عليه، وكفل لكم الإجابة به بإعطاء الطلبة، فهو الكريم المطلق الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاجه من أمور الدنيا والدين٢. أقول: ومن ثم فإن اسم (الحي) - وهو من أسماء الله تعالى الحسنى - يتضمن معنى تفرد الله بالبقاء الدائم الذي لا فناء معه على الإطلاق، فمن علم أنه هكذا، وأنه يتضمن جميع صفات الكمال الذاتية، وآمن أن الله تعالى وحده هو مصدر كل حياة؛ فإنه لابد أن يجعل اللجأ إليه وحده سبحانه، ضارعا إليه أن يرزقه الحياة الطيبة التي يحس فيها بسعادة العيش، حياة الجسم المعافى من كل داء، وحياة القلب المعافى من كل سوء.

стр. 66

القيوم: هو من أسماء الله تعالى، ورد بصيغة المبالغة على وزن (فيعول) من قام، يقوم بمعنى يدوم، والقيوم: الدائم، وكان من قراءة عمر بن الخطاب ﵁: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٣. يقول الرازي: إن القيوم مبالغة من القيام، وكمال المبالغة إنما عند الاستغناء به عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه؛ فثبت بهذا البرهان أنه سبحانه هو (القيوم) الحق بالنسبة إلى كل الموجودات١. ويقول: إن تأثيره - سبحانه - في غيره بالإيجاد، والموجد بالقصد والاختيار لابد وأن يكون متصورا ماهية ذلك الشيء الذي يقصد إلى إيجاده، فثبت أن المؤثر في العالم فعال درّاك، ولا معنى للحي إلا ذاك، فثبت أنه سبحانه حي، فلهذا قال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ، دل بقوله: ﴿الْحَيُّ﴾ على كونه عالما، وبقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على كونه قائما بذاته، مقوما لغيره، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد٢.

стр. 67

ويقول: واعلم أنه لما ثبت كونه سبحانه قيوما، فهذه القيومية لها لوازم، ويجملها في خمس، أوجزها فيما يلي: اللازمة الأولى: أن واجب الوجود واحد، وهو الله تعالى، بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، إذ لو كانت كذلك لافتقرت إلى كل جزء منها، وكل جزء غيره سبحانه، والمركب متقوم بغيره، فلا يكون إذا متقوما بذاته، ولا مقوما لسواه، ومن ثم لا يكون على الإطلاق قيوما. اللازمة الثانية: أن لا يكون سبحانه في محل، فيكون حالا، والحال مفتقر إلى المحل، وإذا كان مفتقرا فلا يكون على الإطلاق قيوما. اللازمة الثالثة: ما دام أنه سبحانه قيوم، فهو قائم بنفسه، عالم بذاته، وذاته مؤثرة في غيره، وهذا يقتضي علمه بكل الموجودات، فكان قيوما عليها. اللازمة الرابعة: ما دام أنه سبحانه قيوم على كل ما سواه، فكل ما سواه متقوم به، أي موجود بإيجاده. اللازمة الخامسة: وما دام أنه سبحانه قيوم بالنسبة إلى كل الممكنات، استند كل الممكنات إليه. وإذا عرفت هذا، فالقيوم من حيث إنه يدل على تقومه بذاته يدل على وجوده الخاص به، ويدل على استغنائه عن غيره٣. أقول: يخلص من كلام الرازي أن اسم (القيوم) يعني تفرد الله جل وعلا بذاته وقيوميته على كل ما سواه، بحيث تكون جميعها متقومة به، ومفتقرة افتقارا كاملا دائما إليه سبحانه، فضلا عن أنه متقوما بذاته، وغني غنى كاملا عمن سواه. وقد ورد اسم (القيوم) في القرآن الكريم ثلاث مرات٤، على النحو التالي: ١- في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) .

стр. 68

وقد ذكر الإمام ابن كثير في هذه الآية أن معنى (القيوم) : القيم لغيره، ولا قوم للموجودات بدون أمره١. وذكر الإمام الشوكاني في الآية المذكورة أن (القيوم) : القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره. وقيل: القائم بتدبير الخلق وحفظه. وقيل: هو الذي لا ينام. وقيل: الذي لا بديل له٢. ١- وفي قوله تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (آل عمران آية ١، ٢) . وقد ذكر الإمام الشوكاني في هذه الآية أن ابن جرير وابن أبي حاتم أخرجا في معنى (القيوم) : القائم الذي لا بديل له، كما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في قوله (القيوم) : القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القيوم الذي لا زوال له٣. ٢- وفي قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ (طه آية ١١١) . وقد ذكر الإمام ابن كثير في هذه الآية أن (القيوم) هو الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، ولا قوام لشيء إلا به٤. أقول: وقد اقترن اسم (القيوم) في هذه الآيات الثلاث باسم (الحي) واقترانهما له دلالة عظيمة، ذلك أن اسم (الحي) يشمل جميع صفات الكمال الذاتية لله ، واسم (القيوم) يشمل جميع صفات الكمال الفعلية له سبحانه، وجمع النوعين من صفات الكمال الذاتية والفعلية، جمع لكل صفات الكمال المطلقة بصورها المتعددة؛ لهذا كان من دعاء الله جل وعلا بهذين الاسمين (الحي القيوم) له من الأهمية البالغة ما لو علمه العبد لما انقطع من الدعاء بها البتة؛ فقد ذكر الإمام ابن كثير عن أبي أمامة مرفوعا: (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: البقرة، وآل عمران، وطه) ٥.

стр. 69

وذكر الإمام الرازي أنه روي عن ابن عباس أنه كان يقول: (أعظم أسماء الله: الحي القيوم) ٦. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآتين - ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ، و ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - إن فيهما اسم الله الأعظم) ١. كما ذكر الإمام الرازي أن قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ كالينبوع لجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم بلغت الآيات المشتملة على هذين اللفظين في الشرف إلى المقصد الأقصى٢. وقد ورد الاسمان الكريمان (الحي القيوم) أول ما وردا في كتاب الله العزيز في أعظم آية منه، فقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم"؟ قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا، ثم قال: "آية الكرسي"، قال: "ليهنك العلم أبا المنذر؛ والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش"، وقد رواه الإمام مسلم، وليس عنده زيادة "والذي نفسي بيده.."٣. وروى الإمام أحمد عن أبي ذر جندب بن جنادة – في بعض حديث له: ( ... قلت: يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي": ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ) ، ورواه النسائي٤. وأخرج الإمام البخاري في تاريخه، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكر (أن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجرين ... فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي ﷺ : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ، حتى انفضت الآية) . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ".

стр. 70

وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه؛ آية الكرسي"، قال الحاكم: صحيح الإسناد٥. وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى اله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قال: قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالا؛ فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى اله عليه وسلم إنه سيعود؛ فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى اله عليه وسلم: "يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله! شكا حاجة وعيالا؛ فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود؛ فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها! قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .. حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح؛ فخليت سبيله، فأصبحت؛ فقال لي رسول الله ﷺ : "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها؛ فخليت سبيله، قال: "وما هي؟ "، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير؛ فقال النبي ﷺ : "أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قلت: لا، قال: "ذاك شيطان"١. أقول: يخلص مما سبق أن الاسمين الكريمين - (الحي) و (القيوم) - قد وردا في القرآن الكريم مقترنين في مواضع ثلاث من سور البقرة، وآل عمران، وطه؛ ليفيدا

стр. 71

اتصاف الله جل وعلا - وهما كلمتان فحسب - بصفتي الحياة والقيومية؛ فالأولى تثبت له تعالى جميع صفات الكمال الفعلية المطلقة، ومن ثم وصفها الرسول ﷺ بأنهما يعبران عن اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، فنسألك اللهم (يا حي يا قيوم) أن ترينا الحق حقا وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلا وترزقنا اجتنابه، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وأن تثبت قلوبنا على دينك، وأن تصرفها على طاعتك، وأن تختم لنا بخاتمة الإيمان.

стр. 72

العلي: هم اسم من أسماء الله تعالى، وهو على وزن (فعيل) بمعنى فاعل، أي العالي، هو الذي ليس فوقه شيء٢. أقول: وصفة العلو لله تعالى التي تؤخذ من اسمه (العلي) سبحانه، ثابتة بالكتاب والسنة، ومفهومها - على ما سأبين إن شاء الله تعالى عند بيان صفات الله سبحانه - أنه جل وعلا عال فوق عرشه، فهو مستو سبحانه بذاته استواء يليق به، بائن عن جميع خلقه، والعرش واحد من خلقه، وهو رغم ذلك مع خلقه، وأقرب ما يكون إليهم بعلمه، وإحاطته، وقدرته، وقهره، وسمعه، وبصره، وباقي صفاته المطلقة في الكمال، فهو سبحانه قريب في علوه، عال في دنوه، فضلا عن ذلك فالله - جل وعلا - علي في ذاته، وعلي في أسمائه، وعلي في صفاته، وعلي في أفعاله. وقد ورد اسم (العلي) في القرآن الكريم ثماني مرات١ على النحو التالي: ورد مرتين٢ مقترنا باسم (العظيم) ، وذلك في قوله تعالى: ١- ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) . ٢- وفي قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (الشورى آية ٤) . أقول: وفي هاتين الآيتين نجد أن اسم (العلي) بما يتضمنه من صفة العلو في

стр. 73

الذات، والأسماء، والصفات، والأفعال، الأمر الذي يدل على انفراده سبحانه بالكمال المطلق، وقد اقترن باسم (العظيم) بما يتضمنه من صفة العظمة في الذات والأسماء، والصفات، والأفعال، الأمر الذي يدل عل انفراده - سبحانه - بالقدرة المطلقة، اقتران بلغت العقول والقلوب إلى أن الله في علاه فوق عرشه بما لا يطلع عليه أحد من خلقه في هذه الحياة الدنيا البتة، عظيم عظمة تتضمن القدرة على كل شيء، وتذل أمامها الخلائق فتنصاع صاغرة لعظمة الله (العلي العظيم) ؛ إذ إنه خالق ومالك ما في السموات وما في الأرض. وقد ورد اسم (العلي) في القرآن الكريم مقترنا باسم (الكبير) خمس مرات ٣، على النحو التالي: ١- في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج آية ٦٢) . أقول: في هذه الآية سبق الاسمان الكريمان (العلي الكبير) بإقرار قضية التوحيد لعظيم أهميتها، فقررت أن الله تعالى هو الإله الحق الذي لا ينبغي أن تصرف أي عبادة إلا له وحده، إذ إن صرف أي شيء منها، ودعاء غيره سبحانه هو الباطل الذي يجب أن ينأى عنه المسلم، ثم تقرر الآية أن الإله الحق الواجب تجريد العبادة له هو الله العلي الكبير. ويقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: إن الله هو الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأن كل ما عبد من دونه فهو باطل، لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا، وأن الله هو العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا٤. ويقول الإمام الشوكاني في تفسيرها: أي هو سبحانه ذو الحق؛ فدينه حق، وعبادته حق، ونصره لأوليائه على أعدائه حق، ووعده حق، فهو في نفسه وأفعاله وصفاته حق، وأن الذين يدعونه إلها من الأصنام١ هو الباطل الذي لا ثبوت له، ولا لكونه إلها،

стр. 74

وأن الله هو العالي على كل شيء بقدرته، المتقدس على الأشباه والأنداد، المتنزه عما يقول الظالمون من الصفات، وأنه سبحانه ذو الكبرياء، وهو عبارة عن كمال ذاته، وتفرده بالإلهية٢. ١- وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (لقمان آية ٣٠) . أقول: وما أقوله عن هذه الآية الكريمة من اقتران اسم (العلي) باسم (الكبير) ، ومن تصدر الآية بإقرار توحيد الله وتجريد العبادة له سبحانه، هو ما أقوله في هذه الآية، لتماثلها مع الآية السابقة. ٢- وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبا آية ٢٣) . وهنا ترى الاسمين الكريمين (العلي الكبير) سُبقا بما بين الله جل وعلا من أن الملائكة حين يزول فَزَع قلوبهم من سماعهم كلام الله تعالى بالوحي يتساءلون عن قول الله ، فيقول بعضهم لبعض الحق الذي قال، وأقروا بأن الله هو العلي الكبير، فلا قول بعد قوله سبحانه. وقد ذكر ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: أنه إذا خلي عن قلوبهم، وزال الفزع عنها، سأل بعضهم: ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم للذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٣. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان يَنْفُذُهم ذلك، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فيسمعها مسترق السمع - ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض؛ وَصَفَه سفيان بكفه: فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" ١.

стр. 75

وروى ابن أبي حاتم - بسنده - عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي أخَذَت السموات منه رجفة - أو قال رعدة - شديدة؛ خوفا من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله من السماء والأرض". ١- وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (غافر آية ١٢) . أقول: في هذه الآية الكريمة، نجد أنه قد ورد قبل الاسمين الكريمين (العلي الكبير) تقرير وتأكيد لأهمية توحيد الله ، وتوبيخ لأصحاب النار الذين يطلبون من ربهم أن يعيدهم إلى الدنيا ليعملوا صالحا غير الذي كانوا يعملون، لأنهم لم يقبلوا توحيد الله في الدنيا، بل كانوا إذا دعوا إلى توحيده يكفرون، وإن يشرك به تعالى يؤمنون، فكان الحكم القاطع بعدم إجابتهم من الله العلي الذي ليس أعلى منه أحد، الكبير الذي ليس أكبر منه أحد، ومن ثم فلا حكم بعد حكمه سبحانه. وقد ذكر الإمام الشوكاني في هذه الآية أن الله سبحانه بين لهم السبب الباعث على عد إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء، ثم ذكر في قوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ أي أنه وحده دون غيره، وهو الذي حكم عليهم بالخلود في النار وعدم الخروج منها، وفي قوله: (العلي) أنه المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته ولا صفاته، وفي قوله: (الكبير) الذي كبر عن أن يكون له مثل، أو صاحبة، أو ولد، أو شريك٢. أقول: ومن هنا يبين لنا أن الآية تدور حول بيان مدى أهمية قضية توحيد الله ، وجزاء من رفض توحيده سبحانه وأن الله (العلي الكبير) إذا حكم فلا معقب لحكمه.
следующие страницы →