← Адаб

Адаб · id 23138

الشعر في خراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي

حسين عطوان

Полный текст (311 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عفان، فخرج إليها، وخرج معه أوس بن ثعلبة التميمي، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، والمهلب بن أبي صفرة، وربيعة بن عسل، أحد بني عمرو بن يربوع، وأخرج معه قوما من الأعراب كانوا يصيبون الطريق ببطن فلج، فيهم مالك بن الريب المازني١. وفي سنة إحدى وستين عين يزيد بن معاوية على خراسان سلم بن زياد، فقدم البصرة، فتجهز وسار إلى خراسان، فشخص معه عمران بن الفصيل البرجمي، وعبد الله بن خازم السلمي، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، والمهلب بن أبي صفرة، وحنظلة بن عرادة، وأبو حزابة الوليد بن نهيك، أحد بني ربيعة بن حنظلة، ويحيى بن معمر العدوي، حليف هذيل، وخلق كثير من فرسان البصرة وأشرافهم. فكان معه منهم ألفان، وقيل ستة آلاف٢. وفي سنة خمس وستين كان من بقي مع الحريش التميمي بعد أن تفرق عنه أصحابه وهو يقاتل عبد الله بن خازم السلمي بمرو الروذ اثني عشر ألفا من بني تميم٣. وإنما أوردنا هذا الخبر لندل به على حقيقة هامة، وهي أن بني تميم كانوا أكبر القبائل العربية بخراسان، لا في هذا الوقت فحسب، بل أيضا على مدار الحكم الأموي لخراسان. وفي سنة سبع وسبعين قضى أمية بن عبد الله الأموي على بكير بن وشاح التميمي، فكتب إلى عبد الملك ابن مروان، فضرب إليه بخراسان بعثا، فتجاعل الناس، فأعطى سليل الأسدي جعالته٤ رجلا من جرم٥.

стр. 37

وقبل سنة تسعين خرج الشمردل بن شريك اليربوعي هو وإخوته حكم، ووائل، وقدامة إلى خراسان، مع وكيع ابن أبي سود التميمي١. وفي سنة خمس وتسعين بعث الحجاج بن يوسف الثقفي جيشا من العراق إلى خراسان، فقدموا على قتيبة ابن مسلم، فغزا فلما كان بالشاش أو كشمهين أتاه موت الحجاج في شوال، فغمه، فقفل راجعا إلى مرو الشاهجان٢. وفي سنة ست وتسعين كان بخراسان من مقاتلة أهل البصرة أربعون ألفا: من أهل العالية تسعة آلاف، ومن بكر سبعة آلاف، رئيسهم الحفين بن المنذر، ومن تميم عشرة آلاف، عليهم ضرار بن حصين الضبي، ومن عبد القيس أربعة آلاف، عليهم عبد الله بن علوان، ومن الأزد عشرة آلاف، رأسهم عبد الله بن حوذان. وكان بها من مقاتلة أهل الكوفة سبعة آلاف. عليهم جهم بن زحر، أو عبيد الله بن علي٣. واعتمادا على الجدول السابق، قدر المستشرق فلهاوزن مجموع العرب بخراسان بمائتي ألف٤. ويبدو لنا أن الأرقام التي وردت في الجدول، والتي استند إليها فلهاوزن في تقديره غير دقيقة، فآية ذلك أن أبا عبيدة، معمر ابن المثنى، الذي كان له كتاب عن خراسان، يذكر أن مقاتلة بني تميم كانوا في تلك الفترة التي سجلت فيها الإحصائية السالفة أربعة وعشرين ألفا٥. ويمكن أن نستنتج من الفرق الكبير بين عدد المقاتلين التميميين الذي ذكره البلاذري، والطبري، وابن الأثير، وبين عددهم الذي ذكره أبو عبيدة أن عدد جنود كل قبيلة من القبائل العربية حينئذ لا بد أن يكون أكبر، وأن جملة الجنود العرب الذين كانوا بخراسان في تلك الفترة كانت أكثر من خمسين ألفا بكثير،

стр. 38

فقد روى خليفة بن خياط أنه كان بخراسان مائة ألف مقاتل، حين اغتيل قتيبة بن مسلم سنة ست وتسعين١. ويحتمل أن الجدول السابق لا يتضمن إلا مقاتلة القبائل المختلفة بمرو الشاهجان وحدها. ومما يقوي هذا الاحتمال أن يزيد بن المهلب غزا جرجان سنة ثمان وتسعين بمائة ألف مقاتل من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ووجوه أهل خراسان والري، سوى الوالي والمماليك والمتطوعين٢وفي بعض الروايات أنه أغار عليها بأكثر من ذلك قال البلاذري: "غزا جرجان في مائة ألف وعشرين ألفا من أهل الشام والجزيرة والمصرين وخراسان"٣. وقال الطبري: "يقال: كان يزيد بن المهلب في عشرين ومائة ألف، معه من أهل الشام ستون ألفا"٤. وإذا افترضنا أن أهل خراسان كانوا يشكلون سدس جيشه، وهم على الترجيح لم يكونوا يشكلون أكثر من هذه النسبة، لأن أبا الصيداء صالح بن طريف شكا إلى عمر بن عبد العزيز سنة مائة من أن عشرين ألفا من الموالي يغزون مع العرب بلا عطاء ولا رزق٥، فإن مجموع جنود القبائل العربية في جيشه كان مائة ألف. ولم تتوقف الهجرات والبعوث عن خراسان بعد ذلك، بل بقيت تتدفق عليها، ففي سنة إحدى عشرة ومائة استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان الجنيد بن عبد الرحمن فقدمها في خمسمائة٦. وبعد ذلك تكبد الجيش العربي خسائر فادحة في معركة الشعب بسمرقند، فاستمد الجنيد هشاما، فبعث إليه بعمرو بن مسلم في عشرة آلاف رجل من البصرة، وبعبد الرحمن بن نعيم في عشرة آلاف من أهل الكوفة٧. ويزعم الشاعر خالد بن المعارك العبدي، المعروف بابن عرس، أن الذين هلكوا

стр. 39

من الجنود العرب سنة اثني عشرة ومائة في موقعة الشعب، والتي دارت بين الجنيد وخاقان، كانوا خمسين ألفا١، وهو رقم لا شك أنه بالغ فيه بعض المبالغة، ولكن المهم هو أن الجيش الذي حارب به الجنيد بسمرقند لم يكن يؤلف جميع الجنود العرب الذين كانوا بخراسان عندئذ، وإنما كان يؤلف قسما منهم، ذلك أن الجنيد تحرك إلى سمرقند في الوقت الذي اتجهت فيه أكثر فرق الجيش العربي إلى طخارستان، فقد وجه الجنيد عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا، وإبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف في وجه آخر، وعبد الرحمن بن مسلم في لواء ثالث إلى النيروز٢، كما كان بخراسان كتائب وألوية أخرى لم تغز طخارستان، ولم تتحرك مع الجنيد إلى سمرقند، وإنما كانت تعسكر بمواقعها مع رؤسائها في مدن خراسان الأخرى، فقد كان البختري بن أبي درهم لا يزال مقيما هو وجنوده بهراة، كذلك لم يحضر إلى الجنيد الجنود الذين كانوا مرابطين بالطالقان٣، ويجب أن نزيد على كل هذه الكتائب والألوية الغازية وغير الغازية فرقا وسرايا أخرى كان بعضها بالمراقب والثغور الهامة لخراسان، وكان جنودها طلائع يراقبون العدو ويحرسون الحدود٤، وكان بعضها ببلاد ما وراء النهر مثل سمرقند، وبخارى، وخوارزم، وبين أيدينا خبر واحد عن عدد المقاتلين الذين كانوا بسمرقند، مع سورة بن الحر التميمي، فقد سار معه منها اثنا عشر ألفا لإغاثة الجنيد بالشعب حين كان محاصرا مجهودا٥ مما يدل من بعض الوجوه على أن الجيش العربي بخراسان لم يقل كثيرا في هذه الفترة عن مائة ألف جندي، وهو مقارب للعدد الذي كان في ولاية يزيد بن المهلب الثانية على خراسان. ويذكر الشاعر الكميت بن زيد الأسدي في قصيدة أرسلها من الكوفة إلى العرب بمرو الشاهجان، سنة سبع عشرة ومائة، حين اكتسح الحارث بن سريج التميمي أكثر

стр. 40

مدن خرسان، وكاد يستولي على مرو الشاهجان، في ولاية عاصم بن عبد الله الهلالي، أنه كان بمرو الشاهجان بمفردها سبعون ألفا١ ولسنا ندري هل كان هذا العدد يمثل الجنود وحدهم، أو أنه كان يشملهم ويشمل عيالاتهم. تلك هي أهم البعوث التي أرسلتها الدولة إلى خراسان منذ فاتحة العهد الأموي إلى خاتمته. وهي بعوث لم يحدد القدماء إلا عدد الجنود النظاميين الذين اشتركوا في كل بعث منها، أما المتطوعة فلم يهتموا بهم، ونحن نظن ظنا أنهم كانوا كثيرين، وأنهم كانوا يرتحلون إلى خراسان للمساهمة في الغزو مع الجيش النظامي، طمعا فيما يفوزون به من الغنائم والأسلاب. ومما يرجح هذا الظن أن الناس كانوا يتدافعون تدافعا، ويزحم بعضهم بعضا للانضمام إلى أحد البعوث، بحيث لم يستطع المشرفون على شؤون التعبئة أن يلبوا رغبة كل من تقدم إليهم للانتظام في ذلك البعث، فاختاروا واحدا من كل أربعة أو خمسة بالقرعة٢. ولا بد أن نضيف إلى تلك البعوث الرسمية موجات أخرى من الهجرات الفردية والجماعية، كانت تحدث من حين إلى حين، إما لزيادة الأهل والأحباب بخراسان، والإقامة عندهم، وإما للاشتغال في المرافق الاقتصادية المتعددة، وإن كان المؤرخون لم يحتفلوا بهذه الموجات من الهجرات إلا نادرا، وآية ذلك أنهم إنما أشاروا إليها مرة واحدة في ولاية الربيع بن زياد الحارثي، إذ نصوا على أن الجنود نقلوا أسرهم إلى خراسان، وسكنوا دون النهر٣. على أن البعوث الرسمية لم يكن كل جنودها يمكثون في خراسان، فقد كان بعضهم يتركونها ويعودون إلى بلدانهم، وخاصة بعد تقلص أمرائهم، كما كان كثيرون منهم يستشهدون في الحروب، ولذلك يصعب أن يعرف عدد من رجعوا منهم إلى أوطانهم، وعدد من استقروا استقرارا دائما، وعدد من قتلوا في المعارك، ويكون من الخطأ أن نجمع البعوث بعضها إلى بعض، ونستخرج منها عدد المقاتلين الكلي.

стр. 41

وثمة حقيقة أخرى يجدر التنبيه عليها، وهي أن تميما كانت على امتداد الحكم الأموي لخراسان أكبر قبيلة عربية هناك، ففي نهاية القرن الأول كانت أكثر خراسان عربية١، وفي بداية القرن الثاني كانت كذلك أكثر أهل خراسان٢، ولا جدال في أن الأزد كانت القبيلة الثانية في الضخامة والكبر بخراسان. وإذا سلمنا بأن عدد المقاتلين في نهاية القرن الأول، وفي بداية القرن الثاني، أي في ولاية قتيبة بن مسلم، وولاية يزيد بن المهلب الثانية. وفي ولاية الجنيد بن عبد الرحمن المري كان مائة ألف، وافترضنا أن أسرة كل مقاتل كانت تتألف من أربعة أفراد، فإن جملة العرب بخراسان من المقاتلين والعيالات يمكن أن تكون قاربت نصف مليون نفس. وهو تقدير قد يكون فيه شيء من الزيادة، وقد يكون فيه شيء من النقضان. وأما الأماكن التي سكن فيها العرب بخراسان فالحديث عنها أكثر صعوبة، وأشد تعقيدا، فنحن لا نعرف على وجه الدقة هل كان العرب يستوطنون داخل المدن التي كانوا يفتحونها، أو أنهم كانوا يستقرون على مشارفها. فالأخبار عن ذلك متناقضة، إذ يدل بعضها على أنهم شاركوا أهل البلاد في مدنهم سواء بخراسان أو فيما وراء النهر. ومن ذلك ما يروى من أن عبد الله بن عامر حين صالح مرزبان مرو الشاهجان، كان في الصلح أن يوسع أهلها للعرب في منازلهم٣. ومنه أن قتيبة بن مسلم عندما رأى أهل بخارى يقبلون الإسلام في الظاهر، ويعبدون الأصنام في الباطن، أمرهم أن يعطوا نصف بيوتهم للعرب، ليقيموا معهم، ويطلعوا على أحوالهم، فيظلوا مسلمين بالضرورة٤. ولما فتح المدينة للمرة الرابعة، وسيطر عليها، وأخذ صلحها، قسمها بين العرب والعجم، فأعطى ربيعة ومضر من باب النون إلى باب العطارين، والباقي لأهل اليمن٥. وبنى المسجد الجامع داخل حصنها٦. ومنه أيضا أن أسد بن عبد الله

стр. 42

القسري نقل في مطلع القرن الثاني الجنود العرب الذين كانوا بالبروقان إلى بلخ، فأقطع كل من كان له مسكن بالبروقان بقدر مسكنه، ومن لم يكن له مسكن، أقطعه مسكنا، وأراد أن ينزلهم على الأخماس، فقيل له إنهم يتعصبون، فخلط بينهم١. ويستدل من أخبار أخرى أن أهل البلاد الأصليين كانوا يرفضون مشاطرة العرب لهم في مدنهم، وأنهم كانوا يرون ذلك إجحافا بهم، وطغيانا عليهم، ومما يؤيد ذلك أنه حينما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، وظهر عدله، وفد عليه قوم من أهل سمرقند أملا في عدله، ورفعوا إليه أن قتيبة بن مسلم ظلمهم، واستولى على أرضهم، ودخل مدينتهم، وأسكنها العرب على غدر، فكتب عمر إلى عامله يأمره بأن ينصب قاضيا لهم فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج العرب أخرجوا لتعود الحال إلى ما كانت عليه قبل عهد قتيبة، فحكم القاضي بإخراجهم على أن ينابذوا أهل سمرقند الحرب، وأقروا الحرب، فأقاموا بين أظهرهم٢. وأيا ما كان الأمر، فالذي لا شك فيه أن قسما من العرب نزل بداخل بعض المدن، وأن قسما آخر منهم، ولعله أكثرهم، أقام بالمناطق القريبة منها، لأن تلك المدن لم تكن لتحتمل أهلها الأصليين، والعرب الوافدين، ونحن نرجح ترجيحا أن الجنود كانوا يعسكرون خارج المدن، وعلى حدودها، حيث الأرض الخالية التي تتسع لهم ولعوائلهم ولخيولهم، وحيث المكان الفسيح الذي يلائم أمزجتهم وطبيعة حياتهم. ولما كانت مرو الشاهجان هي الحاضرة، وكان الولاة يتخذونها مركز إدارة مدني وحربي، فلا مفر من أن يكون لهم وجود فيها. غير أن أكثر ما نقل إلينا من الأخبار لا يدل على أنهم اختلطوا بسكانها المحليين، وامتزجوا بهم في فترة مبكرة، ولا يدل كذلك على أنهم كان لهم سككهم وأحياؤهم المستقلة، وإن كانت أخبار الفتنة الأخيرة بين اليمنية والمضرية تفيد أنه كان بالمدينة عدد من الأزد، وبكر، وتميم، وأن الكرماني حين

стр. 43

استولى عليها، هدم دور المضرية بها١. ولكننا لا نرتاب في أن والي خراسان وشرطته وقضاته والحامية التي كانت تقوم على حراسته، وغيرهم من المسؤولين الذين كانوا يشرفون على جمع الجزية والخراج، قد استوطنوا هم وأسرهم داخل المدينة. على أن الأخبار المتأخرة عن العرب بخراسان تشير إلى أنهم استقروا بكثير من القرى المحيطة بمرو الشاهجان، وأن سادتهم وأشرافهم كانوا يملكون أكثر أراضي تلك القرى، بحيث نسبت إليهم، وهي قرى كان معظمها منتشرا في سهل المدينة، وواحتها. وقد حفظ الطبري لنا أسماء بعضها، ومنها قرية لطئ يقال لها بونية٢، وقرية حرب بن عامر٣، وقرية بالين أو اللين٤، وقرية سفيذنج٥، وقرية فنين٦، وكلها لخزاعة. ومنها قرية لكندة، وقرية لبني العنبر٧، وقرية لخالد بن إبراهيم٨. إلى غير ذلك من القرى التي عددها، وسماها بأسمائها٩. وكان العرب الذين سكنوا هذه القرى يمارسون الزراعة ويدفعون الضرائب١٠. وكانت قيس هي الغالبة بنيسابور، في غربي خراسان، وخاصة في أواخر العصر الأموي١١ وكانت بكر تمثل أكبر نسبة من القبائل العربية بهراة في جنوبي خراسان. ومعروف أنها كانت تنزل في أول الأمر بمرو الروذ، وأنها ظلت مقيمة بها حتى قتل عبد الله بن خازم السلمي سليمان بن مرثد فيها، وعمرو بن مرثد بالطالقان، فارتحل البكريون من مرو الروذ إلى هراة، ولحق بهم سائر أبناء قبيلتهم الذين كانوا مبثوثين بنواحي خراسان، فكان لهم بها جمع كثير١٢. وفي شرقي خراسان كانت أرض بكر، وأرض تميم متداخلتين، وكانت القبيلتان تتنازعان على بعض الأماكن، كل منهما تدعي أنها هي التي سبقت إليها واحتلتها قبل

стр. 44

الأخرى١، كما كانت بعض القرى شركة بين قبائل عديدة مثل قرية خلم التي اقتسمها الأزد، وتميم، وقيس٢. وإن كان المقدسي يرى أنها بلاد الأزد٣، ولعله يقصد بذلك أنهم كانوا أكثر القبائل بها. كذلك كان العرب يقيمون بالبروقان التي تبعد فرسخين عن بلخ، وهي أكبر مدن الإقليم الشرقي. وكان الجنود يحتشدون فيها مع أمرائهم٤. وفي نهاية القرن الأول أرسل إليها قتيبة بن مسلم اثني عشر ألف جندي، عليهم أخوه عبد الرحمن، ليقمع بهم ثورة نيزك طخارستان٥. وفي مستهل القرن الثاني كان بها عشائر من قبائل مختلفة، من الأزد، وبكر، وتميم٦. ثم حول أسد بن عبد الله القسري المقاتلة منها إلى بلخ، وبنى لهم فيها دورا، ونقل الدواوين إليها، وعمرها بعد أن كانت خرابا٧. ومنذ ولاية أسد الأولى أهمل العرب البروقان، لأنها مكشوفة غير محصنة، وتجمعوا ببلخ فكان منهم بها سنة ثمانية عشرة ومائة ألفان وخمسمائة جندي من أهل الشام، بجانب الأزديين والبكريين والتميميين٨. وقد نقل اليعقوبي إحصائية موجزة للقبائل العربية بمدن خراسان، تظهر أن العشائر المنتمية إلى غير قبيلة كانت تقيم في المدينة الواحدة، وتظهر أيضا أن العرب كانوا مختلطين بالعجم فيها. وهي إحصائية وإن كانت غير منقولة ولا مسجلة في العصر الأموي، بل في العصر العباسي، فإنها تكشف لنا عن بقايا التجمعات العربية في المدن الخراسانية لعهد بني أمية. ومن تلك المدن التي وصف اليعقوبي سكانها نيسابور، وأهلها

стр. 45

أخلاط من العرب والعجم١، وطوس، وبها قوم من العرب من طيئ وغيرهم، وأكثر أهلها من العجم٢، ومرو الشاهجان، وأهلها أشراف من دهاقين العجم، وبها قوم من العرب، من الأزد وتميم وغيرهم٣، وهراة، وبها قوم من العرب٤، وبوشنج، وبها عرب يسير٥، ويختتم اليعقوبي حديثه عن سكان مدن خراسان، وتحديده لنسبة العرب والعجم فيها، وتعيينه للقبائل العربية التي كانت في كل منها بقوله: "في جميع مدن خراسان قوم من العرب من مضر وربيعة، وسائر بطون اليمن"٦. وأما الأسباب التي كان العرب بخراسان يكتسبون أرزاقهم منها، فالواضح أن المقاتلين المسجلين في ديوان العطاء كانوا يتقاضون رواتب دائمة من الدولة، كما كانت الدولة تفرض عطاء لبعض أفراد أسرهم، كان يشمل زوجة المقاتل وواحدا أو اثنين من أولاده. وكان المقاتلون يفوزون بأسهم، من الغنائم التي كانوا يحتازونها في غزواتهم المستمرة لما وراء النهر. وليس من السهل أن تحدد المبلغ الذي كانت الدولة تدفعه للمقاتل أو لزوجته أو لأولاده، ولكن يمكن أن نستأنس بما كانت تجريه على الجنود وعوائلهم وأطفالهم بالبصرة، لأن الكثرة المطلقة من مقاتلة خراسان كانت منها. فأعلى عطاء كانت الدولة تعطيه للجندي في البصرة ثلاثة آلاف درهم، وأدناه مائتان٧. أما أغلبية الجند فكانت رواتبهم تتراوح ما بين مائتي درهم، وألف وخمسمائة درهم٨. وكان عطاء النساء مائتي درهم، وعطاء الأطفال دون السابعة عشرة مائة درهم. ومن المشكوك فيه أن العطاء كان يخصص لكل الأطفال، لأن الميزانية لم تكن تساعد على ذلك٩.

стр. 46

على أننا لا نعرف شيئا يذكر عن بقية العرب الذين نزحوا إلى خراسان، ولم يكونوا يقبضون أعطيات من الدولة، لأنهم لم يكونوا من الجند. ومن المحتمل أن نفرا منهم اشتغلوا بالتجارة، غير أننا لا نملك شاهدا واحدا يعطينا فكرة ما عن ثرواتهم وتجاراتهم وأرباحهم. ومن المؤكد أن كثيرين من العرب من الأزد، وبكر، وتميم، وقيس، تعاطوا الزراعة، وارتبطوا بالأرض، ويلاحظ أنهم لم يسكنوا القرى، ولم يعملوا في الزراعة بشكل واسع في القرن الأول، إذ لا يذكر من القرى التي نزلوا بها في هذا الزمن إلا عدد ضئيل١. أما في الربع الأول من القرن الثاني فازدادت ممارستهم للزراعة ازديادا كبيرا، يستخلص من كثرة القرى التي استقروا فيها والتي أحصينا بعضها قبل قليل. ويلاحظ كذلك أن القرى التي استقروا بها لم تكن مقصورة على إقليم بعينه، وإنما كانت منتشرة في سائر الأقاليم، سواء في منطقة مرو الشاهجان، أو في هراة٢. ويروى أن بعض الولاة كان يفرض عليهم ضرائب باهظة، ويستوفيها منهم بالعنف، فكانوا يضجون بمر الشكوى، ويرفعون أصواتهم بالنقد، وخاصة في عهد أمية ابن عبد الله، إذ كان التميميون يرددون أنه أخذ الناس بالخراج، واشتد عليهم فيه، وأنه سلط عليهم الدهاقين في الجباية٣. وهذه الصيحة المدوية ضد سياسية أمية المالية، إنما كان القصد منها الإساءة إلى أمية، وإثارة الناس عليه، وحملهم على مناوأته، أكثر من النقد الصحيح لسياسته المالية، لأن زعماء بني تميم، وعلى رأسهم بكير بن وشاح، وبحير بن ورقاء أرادوا أن يستبدوا بحكم خراسان، وأن يتصرفوا في شؤونها وفق مشيئتهم، لأن عبد الملك بن مروان تعهد لهم بذلك، قبل أن تخضع خراسان له، وهي بقبضة عبد الله بن خازم السلمي، فلما عرف أمية حقيقة نواياهم ومآربهم ضيق عليهم، فراحوا يتسقطون زلاته، ويختلقون الأخطاء له اختلاقا، ويلصقونها به إلصاقا، هذا من ناحية، ومن

стр. 47

ناحية أخرى فإن هذه هي المرة الوحيدة التي رفع فيها العرب شكوى على عامل من عمالهم على مدار العصر الأموي، بسبب سياسته المالية الجائرة. ويبدو أن لهذه الشكوى سببا آخر، وهو أن الحجاج بن يوسف فرض الخراج على الأرض التي امتلكها العرب بالعراق وخراسان، فصارت أرضا عشرية، وكانت قبل امتلاكهم لها أرضا خراجية، وإنما اضطر الحجاج إلى اتخاذ هذا الإجراء، لانكسار خراج العراق. وبذلك ارتفعت الضريبة التي أصبح على العرب أن يدفعوها للدولة. فنددوا بتدبير الحجاج وقاوموه، وثاروا عليه في العراق، مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، وأحرقوا السجلات، وادعوا بعد إخماد الثورة أن أرضهم كانت في الأصل عشرية، لا خراجية١. وأما تنظيم العرب الاجتماعي والعسكري بخراسان فكان قائما على أساس الأخماس، وهو مماثل للترتيب الذي كان متبعا في البصرة، ومن المعلوم أن زياد بن أبي سفيان أعاد تنظيم مدينة البصرة، فقسمها بين خمس قبائل، كان كل منها يسمى خمسا، وكان يشتمل على عدد من العشائر، وكان عليه رئيس له سلطات واسعة، وكانت الغاية الأولى، من إيجاد نظام الأخماس عسكرية٢. وهذا النظام نفسه هو الذي كان سائدا بخراسان، لأنها كانت من فتوح أهل البصرة، ولأن أكثر من هاجر إليها وسكن فيها، كان منهم، ولأن معظم ولاتها كانوا يختارون من بينهم. أما أهل الكوفة وأهل الشام الذين كان عمال العراق، أو الخلفاء بدمشق يوجهونهم إلى خراسان في فترات متباعدة، على شكل أمداد، فكانوا قلة قليلة بالقياس إلى أهل البصرة، وهم على كل حال لم يدمجوا في أهل البصرة، ولم يفرقوا على أخماسهم الأساسية، وقبائلهم الكبرى، وهم كذلك لم يقسموا وفق النظام الذي كانوا مصنفين عليه في الكوفة أو في الشام، وإنما كان أهل الكوفة مجموعة قائمة برأسها،

стр. 48

وأهل الشام مجموعة منفردة بذاتها، ونراهم دائما يوصفون في أحداث خراسان بأنهم أهل الكوفة١، وأهل الشام٢. وتتضمن الأخبار المتأخرة عن أهل الشام بخراسان الإشارة إلى المدن والبلدان التي جاءوا منها، وتتضمن أسماء رؤسائهم، فحين لقي أسد بن عبد الله القسري خاقان الترك، والحارث بن سريج، خرج إليه في إحدى المعارك عامله على الجوزجان المقدام بن عبد الرحمن بن نعيم الغامدي في مقاتلته، "فجعل الأزد، وبني تميم، والجوزجان بن الجوزجان وشاكريته ميمنته، وأضاف إليهم أهل فلسطين، عليهم مصعب بن عمرو الخزاعي، وأهل قنسرين، عليهم مغراء بن أحمر، وجعل ربيعة ميسرته، عليهم يحيى بن حضين، وضم إليم أهل حمص، عليهم جعفر بن حنظلة البهراني، وأهل الأزد، عليهم سليمان بن عمرو المقري من حمير، وعلى المقدمة منصور بن مسلم البجلي، وأضاف إليهم أهل دمشق، عليهم حملة بن نعيم الكلبي، وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد"٣. ويتردد ذكر الأخماس، أي القبائل الخمس العامة بخراسان في سنوات متعاقبة، وخاصة في أثناء الاستعداد للقتال، وغزوها وراء النهر٤. ويظن الدكتور صالح العلي أن المصادر لا تذكر الأخماس بعد عهد أسد بن عبد القسري. ذاهبا إلى أن ذلك قد يرجع إلى نقص ما وردنا من الأخبار، أو لتعديل هذا النظام نتيجة لاندماج أهل الكوفة وأهل الشام والموالي. فحلت ربيعة محل عبد القيس وبكر، واليمن محل الأزد وغيرهم، ومضر محل تميم وأهل العالية. إذ نجد ربيعة واليمن ومضر تتكرر في أحداث الدعوة العباسية. ويظهر أنه لم يستقص أخبار العرب بخراسان بعد ولاية أسد بن عبد الله القسري، وإلا فإن المؤرخين أشاروا إلى الأخماس في ولاية نصر بن سيار سنة إحدى وعشرين

стр. 49

ومائة، حين غزا ما وراء النهر، وقتل كورصول١. ويوجب تطور الأحداث بخراسان بعد هذا التاريخ أن يختفي ذكر الأخماس، لأن نصر بن سيار توقف عن الإغارة على ما وراء النهر، وشغل بالأمور الداخلية إلى آخر أيامه، ولأن القدماء لم يذكروا الأخماس بخراسان قبل ذلك إلا في وقت الحرب، فقد كان الجيش العربي يتكون منها، وكانت كل قبيلة من القبائل الخمس تشارك في الغزو بعدد من الجنود حسب حجمها. ولكن هذا التغير الذي طرأ على الأخماس والذي لاحظه الدكتور صالح العلي صحيح، وهو يعود من جهة أخرى إلى انصهار قبائل كل حلف من القبائل الخمس المتنافسة، بحكم اتحاد مصالحها، وتطاول السنين على اجتماعها وتآلفها. والباحث يرى بوضوح أن المؤرخين مثل اليعقوبي٢، والدينوري٣ والطبري٤، وابن الأثير٥، أخذوا يذكرون، منذ نهاية العقد الثالث من القرن الثاني، أهل اليمن، وربيعة، ومضر، بدلا من الأزد، وبكر، وتميم، على التوالي. وكانت أخماس أهل البصرة بخراسان تتألف من خمس قبائل هي: أهل العالية، وبكر، وتميم، وعبد القيس، والأزد٦. وكانت تميم أكبر الأخماس عددا، وأشدها قوة٧، وكانت الأزد هي القبيلة الثانية المقابلة لتميم، والمزاحمة لها. وكان لكل خمس أو قبيلة رئيس، غير أن القدماء لم يحتفظوا بأسماء عدد كبير من رؤسائها، إما لأن تلك الوظيفة كانت محدثة، وإما لأن دور صاحبها كان ضعيفا، وإما لأن العرب توزعوا بخراسان في مناطق متباعدة٨. وقد أحصى الدكتور صالح العلي رؤساء كل خمس، وتحدث عن بعضهم حديثا مفصلا، ووقف عند قبائلهم،

стр. 50

وخاصة بكرا، وتميما، وأهل العالية، والأزد، وترك الكلام على عبد القيس لقلة الأخبار عنها١. وليس من غرضنا أن نعيد القول فيما عرض له، لأنه أدخل في البحث التاريخي الخالص ولأننا لن نزيد فيه شيئا جديدا كثيرا. وكل متتبع لأخبار العرب بخراسان يلاحظ بقوة أنهم افترقوا إلى كتلتين تتنافسان وتتصارعان طويلا، وتتوادعان وتتصافيان قليلا وقبل سنة خمس وستين لم يكن شيء من الخلاف قد دب بينهم، لأن قبائلهم لم تكن كثيرة وكبيرة، ولأنهم كانوا مهتمين بتأمين حياتهم، وسلامتهم في وطنهم الجديد، إلى أن كانت الفتنة بين بكر وعبد الله بن خازم السلمي، فانشقوا إلى مجموعتين، أما المجموعة الأولى فكانت تتكون من بكر، وأما المجموعة الثانية فكانت تتألف من تميم وقيس. وبعد سنة ثمان وسبعين كثر الأزد بخراسان، وعظم نفوذهم بمجيء المهالبة. وتوليهم مقاليد الحكم، وانحازوا إلى بكر بحكم ما كان يربط بين القبيلتين في البصرة من تحالف، فتغير ميزان القوة بين الحزبين المتسابقين، إذ أصبحت الأزد وبكر وعبد القيس في صف، وظلت تميم وقيس في الصف المعارض. ونحن نرجح أن ما انعقد بين قبائلهم بخراسان من معاهدات ومحالفات، وما نشب بينها من خصومات ومشاجرات يرجع إلى سببين أساسين، كان لكل منهما دوره في إثارة العصبية القبلية والحزبية، وفي إذكاء المنافسات السياسية. أما السبب الأول فهو اجتماعي وثقافي. فهو يعود من ناحية إلى تركيب المجتمع الأموي السكاني. فقد كان المجتمع الأموي مجتمعا بدويا قبليا٢، لأن القبيلة كان وحدته الرئيسة في البادية والمدينة، وفي بلاد العرب والمدن التي استحدثوها، والبلاد التي فتحوها٣. وقد أدرك الباحثون العرب القدماء هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، ولعل أحدا منهم لم يعرفها معرفة

стр. 51

عميقة، ولم يشر إليها إشارة دقيقة كالجاحظ، فإنه وصف الدولة الأموية بأنها "دولة عربية أعرابية"١. وهو يعود من ناحية أخرى إلى ثقافة ذلك المجتمع المزدوجة، فقد ساد فيه تياران ثقافيان متناقضان، تيار الثقافة الجاهلية القبلية الموروث، الذي ظل العرب عامة يتمسكون به، ويخضعون له في تفكيرهم وسلوكهم خضوعا نسبيا متفاوتا٢. وتيار الثقافة الإسلامية الحديث، الذي تغلغل في ضمائرهم قسم منهم، فآمنوا به، وحثوا على اتباعه. ومن أجل ذلك كان من الطبيعي أن ينتج عن هذا التركيب الاجتماعي البدوي، وعن هذه الثقافة الجاهلية الواسعة الثابتة ضعف إيمان العرب في هذه المرحلة التاريخية بمبدأ الأمة الواحدة، وقلة إدراكهم لفكرة الدولة، وضآلة استجابتهم لها، وإذعانهم لقوانينها، لأن كل هذه المبادئ والأفكار لم تكن قد تغلغلت في نفوسهم، ولا اتضحت في أذهانهم، ولم تكن قد رسخت في قلوبهم، ولا نفذت إلى وجدانهم، لجدة عهدهم بها، وحداثة ممارستهم لها، ولقربهم من الحياة الجاهلية، واستبداد تقاليدها ومثلها بعقولهم وأفئدتهم. ولذلك بقيت كل قبيلة منهم تستشعر كيانها ومصالحها، ومنافع حلفائها، وتحرص على أن تكون الرئاسة فيها والسيادة لها، تشبثا بالسلطة، وحبا فيما تجلبه من فوائد مادية ومعنوية. وأما السبب الثاني فسياسي، وهو يرد إلى موقف الخلفاء الأمويين من القبائل العربية التي عدت -كما دعا القرآن- أمة واحدة، فقد استعانوا بها على أنها جماعات قبلية متحاسدة، لا على أنها أمة واحدة متساوية في الحقوق، متكافئة في الواجبات. وكان الخليفة منهم إذا مال إلى القبائل اليمنية، أو القيسية يحابيها، ويقدمها ويغلبها وينيط برجالها أهم الوظائف في معظم الولايات، ومنها خراسان. فأدى هذا الأسلوب في معاملة القبائل والاعتماد عليها بقصد أو بغير قصد، إلى إحساس كل قبيلة

стр. 52

منها بذاتها، وسعيها للمحافظة على وجودها، كما زاد من تعصبها لنفسها، ومنافستها لغيرها. والأمثلة الدالة على هذه السياسة بخراسان كثيرة، فعندما قضى عبد الملك بن مروان على مناوئيه من القيسيين والزبيريين، وحد من خطر الخوارج بمساندة القبائل اليمنية له، حاول بسط سلطانه على خراسان، فعين عليها أمية بن عبد الله الأموي، لأن القبائل هناك أهابت به أن يولي قيادتها رجلا قرشيا لا يحسد، ولا يتعصب عليه، لما قاست من سياسة عبد الله بن خازم الغاشمة. ولما نشأ عن قتل بحير بن ورقاء التميمي له من تفكك ومصادمات وسخائم وثارات بين عشائر بني تميم١. ولكنه لم يلبث أن عزله عنها، ووكل إدارتها للحجاج بن يوسف، أمير العراق، فبعث إليها كارها المهلب بن أبي صفرة، فعلت مكانة الأزد وحلفائها علوا بعيدا، وانحطت مكانة قيس وتميم انحطاطا شديدا، مما آذى الحجاج. ومع ذلك فإنه ظل عاجزا عن صرف المهلب عن خراسان٢، لأنه كان يعلم مبلغ تقدير عبد الملك له، لما أسدى إليه من فضل لا ينكر بصده الخوارج عن العراق، وتحطيمه لهم بفارس. فلما توفي عبد الملك، وخلفه ابنه الوليد، وكان هواه مع قيس، أطلق يد الحجاج المغلولة، فكان أول ما فعله أن نحى يزيد بن المهلب عن خراسان، وولى عليها قتيبة بن مسلم الباهلي، فقبض على المهالبة، وأشخصهم للحجاج فحبسهم وعذبهم٣. وفي عهد سليمان بن عبد الملك ارتفعت منزلة الأزد وحلفائها، وانخفضت منزلة تميم وقيس، لأنه نقم من الحجاج موافقته الوليد بن عبد الملك على إبعاده عن ولاية العهد، واختياره ابنه عبد العزيز لها. فقرب يزيد بن المهلب، ودفع إليه أصحاب الحجاج وأمره أن ينكل بهم، ففكر قتيبة بن مسلم في خلع سليمان، فلقي مصرعه، وعين سليمان على

стр. 53

خراسان يزيد بن المهلب١. وفي ولاية يزيد بن عبد الملك تعاظم نفوذ قيس لأنه كان منحازا لها، فأسند ولاية العراق إلى عمر بن هبيرة الفزاري، فاستعمل على خراسان غير قيسي٢، فضيقوا على الأزد وأعوانهم. وفي زمن هشام بن عبد الملك انكسرت شوكة قيس بالعراق وخراسان، إذ عزل هشام عن العراق ابن هبيرة، وولاها خالد بن عبد الله القسري، فبعث إلى خراسان أخاه أسدا، ولم يلبث هشام أن أقصاه عنها، ثم أعاده إليها، فتعصب للأزد، وتشدد على قيس وتميم٣. وفي أيام الوليد بن يزيد استردت قيس سلطانها، فقد ولي العراق يوسف بن عمر بن هبيرة، فثبت نصر بن سيار على خراسان٤. وما هي إلا أن يطيح يزيد بن الوليد بابن عمه الوليد بن يزيد حتى استرجعت القبائل اليمنية نفوذها، وحتى دبر يزيد لإقصاء نصر بن سيار عن خراسان، فامتنع عليه٥. وفي عهد مروان بن محمد استأثرت قيس بالسلطة، إذ كان يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق، ونصر بن سيار على خراسان٦. فحابى المضرية في مطلع ولايته، وعادى اليمنية. ويصح أن نضيف إلى السببين السابقين سببا ثالثا، وهو طبيعة العلاقة التي كانت تربط في البصرة بين القبائل المضرية والقيسية، وبين القبائل اليمنية والربعية، ولما كانت العلاقة بينها سيئة متوترة، بسبب تباين أهوائها ومواقفها ومنافعها القبلية والسياسية والاقتصادية، فقد كان من شأنها أن تؤثر تأثيرا قويا في عشائرها وفروعها التي رحلت إلى خراسان. ومعروف أن الشقاق في البصرة بدأ بين بكر وتميم، ثم انضمت عبد القيس إلى بكر. ومع ذلك ظلت القبائل المضرية تكثر القبائل الربعية. وعندما هاجر أزد عمان

стр. 54

في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد إلى البصرة، لم تبادر تميم إليهم، لأن سيدها الأحنف بين قيس رفض أن يسارع إليهم، ويتحالف معهم، لأنه كان يعتقد أنه إذا أتاهم أصبح قومه أذنابا لهم. فاستقبلهم مالك بن مسمع رئيس بكر، فتعاقدت الأزد وبكر، وأحيت القبيلتان ما كان بينهما من حلف في الجاهلية١. فآذن ذلك بتبدل الموقف بين القوتين المتنافستين في البصرة، فقد قويت بكر بانضمام الأزد إليها، وظلت قوة تميم على حالها. وحدث أن مات يزيد بن معاوية سنة خمس وستين، وكان على العراق عبيد الله بن زياد، فدعا أهل البصرة إلى مبايعته، حتى ينجلي الأمر، ويختار الناس خليفة لهم، فبايعوه، ثم إنهم تمردوا عليه وخلعوه، فاستجار بمسعود بن عمرو زعيم الأزد، فأجاره ومنعه إلى حين، ثم خرج ابن زياد إلى الشام، واستخلف على البصرة مسعود بن عمرو الأزدي، فرفضته تميم وقيس، وأصرت القبيلتان على أن يتولى أمرهم رجل ترضاه الجماعة، ودخل مسعود دار الإمارة فثارت ثائرة بني تميم، فلما دخل المسجد هاجوا فقتلوه. فاجتمعت الأزد وعليها زياد بن عمرو العتكي وخرج إليها مالك بن مسمع في بكر، واجتمعت تميم إلى الأحنف بن قيس، ومالت قيس إليها، واقتتل الفريقان، وقتل منهم خلق كثير، فرأى الأحنف بن قيس أن يجعلوا بينهم كتاب الله، وأن يحكموا بينهم من يرتضونه جميعا، وأن تدفع تميم دية مسعود إن كان للأزد عليه بينة. فاصطلحوا وودت تميم مسعودا بعشر ديات٢. وهكذا اتسعت شقة الخلاف بين هاتين المجموعتين المتزاحمتين من القبائل بالبصرة، وأصبحت الأزد وبكر وعبد القيس في جانب، وتميم وقيس في جانب آخر، وكان لما شجر بينهما من صدام أثره فيمن انتقل منهم إلى خراسان، إذ اتحدت هنالك قبائل كل مجموعة وتنافست، على نحو ما تكتلت في البصرة وتنابذت. حتى إذا توفي يزيد بن معاوية، واضطربت الأمصار، وبلغت وفاته العرب بخراسان، ثاروا، فاضطر سلم بن زياد إلى إعلانها وتوثيقها، ثم ناشدهم أن يطيعوه حتى يجتمع الناس على خليفة،

стр. 55

ويستقيم له الأمر. فأطاعوه شهرين، ثم نكثوا به، فخرج عن خراسان، وخلف عليها المهلب بن أبي صفرة. فلما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد البكري، فسأله عمن استخلف؟ فقال له: المهلب بن أبي صفرة، فقال سليمان: ضاقت عليك نزار حتى وليت رجلا من أهل اليمن. فولاه مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان، وولى أوس بن ثعلبة البكري هراة. ومضى فلما صار بنيسابور لقيه عبد الله بن خازم السلمي، فقال له من وليت على خراسان؟ فأخبره، فقال له ابن خازم: أما وجدت في مضر رجلا تستعمله، حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل، ومزون عمان. وسأله أن يكتب له عهدا عليها. فأبى سلم. فألح ابن خازم عليه، فأجابه إلى ما سأل. وأقبل ابن خازم على مرو الشاهجان، وعلم المهلب بن أبي صفرة بقدومه إليها. فتركها وأناب عليها رجلا من بني جشم من تميم، فلما وصل ابن خازم إليها، منعه الجشمي من دخولها، فجرت بينهما مناوشة جرح الجشمي فيها، ثم غلب ابن خازم على مرو الشاهجان. وسار إلي سليمان بن مرثد البكري، وهو بمرو الروذ فاحتلها وقتله، ثم اتجه إلى عمرو بن مرثد، البكري، وهو بالطالقان، فاقتحمها وصرعه، ثم رجع إلى مرو الشاهجان. وفر أصحاب عمرو بن مرثد البكري من الطالقان، والتحقوا بأوس بن ثعلبة البكري بهراة، وأسرع إليه البكريون الذين كانوا بمدن خراسان الأخرى، والتفوا حوله, وحرضوه على أن يسير إلى ابن خازم ويطرد مضر من خراسان. فاتهمهم بالتعصب والتقلب، وطلب إليهم أن يكتفوا بهراة إن أبقاهم ابن خازم بها. ولكن بني صهيب لم يقتنعوا بنصيحته. فقد هتفوا أنهم يستحيل عليهم أن يكونوا مع المضريين في بلد واحد، بعد أن قتلوا بني مرثد، وهددوه بالعزل وانتخاب رئيس غيره لهم، إذا هو لم ينفذ رغباتهم، فأذعن لهم. فزحف ابن خازم نحوهم، فخندقوا خندقا دون هراة استعدادا لملاقاته، وقبل أن يهجم عليهم سفر السفراء بينه وبينهم، لأن التميميين أجبروه على مفاوضتهم، فتشدد البكريون، وأصروا على إخراج جميع مضر من خراسان كلها، فهاجمهم، فانهزم البكريون، وقتلوا قتلا ذريعا، ولاذ أوس بن ثعلبة بسجستان، وبه جراحات فمات بها، وعين ابن خازم محمدا على هراة١. وإنما سقنا هذه الحادثة على طولها لكي نوضح أن النزاع بين بكر بن وائل وبين

стр. 56

قيس وتميم كان عصبيا سياسيا. فقد كان البكريون يريدون الانفراد بالسلطان، والسيطرة على خراسان، في حين كان ابن خازم والتميميون يبتغون الاستئثار بالحكم من دونهم. وسقناها لكي نبين أن الخلاف كان إلى هذا التاريخ بين ربيعة ممثلة في بكر، وبين قيس وتميم، الأولى ممثلة في سليم، والثانية في تميم. أما الأزد فلم ينحازوا إلى بكر، ولم يشتركوا في القتال، لأنه لم يكن لهم قوة كبيرة مؤثرة، ولذلك فضل زعيمهم المهلب بن أبي صفرة السلامة، فنزل عن خراسان وعاد إلى البصرة. وتستقر الأوضاع بخراسان، ولا تشتبك القبائل العربية في معارك عنيفة إلا بعد أربعين عاما. ولكن ميزان القوى اختلف هذه المرة اختلافا كبيرا، فقد تكاثر الأزد بخراسان، بعد ولاية المهلب بن أبي صفرة، وولاية ولديه يزيد والمهلب من بعده، ومالوا بثقلهم إلى بكر، لما كان يجمع بينهم وبينها من تحالف في البصرة، فأصبح الصراع بين الأزد وبكر من جهة، وبين قيس وتميم من جهة ثانية. ففي سنة ست ومائة كانت وقعة البروقان بين اليمنية والربعية، وبين المضرية، وذلك أن الأزد وبكر ثاروا ببللخ، وتأخروا عن اللحاق بمسلم بن سعيد بن زرعة الكلابي أمير خراسان، وقد قطع النهر على رأس حملة إلى فرغانة، متذرعين في الظاهر بأنه لم يدفع لهم أعطياتهم، ومضمرين في الحقيقة التمرد والعصيان. فوجه إليهم نصر بن سيار، فأجرى عليهم رواتبهم. وأمرهم بالسير إلى أميرهم. فرفضوا، حينئذ دارت معركة حامية بينه وبينهم، انتهت بهزيمتهم هزيمة نكراء١. وتهدأ الأحوال بخراسان ثانية، ولا تجدد الحرب فيها إلا بعد عشرين عاما، ولم تنحصر أطراف الأزمة في عناصرها التقليدية من اليمن وربيعة ومضر، بل انضاف إليها، واندس بينها طرف ثالث جديد، وهو أبو مسلم الخراساني، الذي استغل تناحر العرب وضعفهم، وعمل في توسيع الخلاف بينهم، واستطاع في النهاية أن يطيح بآخر ولاة بني أمية على خراسان. ففي سنة ست وعشرين ومائة ثارت الفتنة بمرو بين الأزد وبكر، وبين مضر، وكان

стр. 57

من أسبابها أن نصر بن سيار تباطأ في دفع العطاء إلى مقاتلة الأزد وبكر، فهاجوا وتذمروا، فدفع لهم جزءا من أعطياتهم، ونهاهم عن الفوضى، ودعاهم إلى نبذ خلافاتهم، وذكرهم بأنهم أشبه بكتيبة متقدمة تقف على خط المواجهة الأمامي مع العدو، وأن أي شرخ في صفوفهم يفقدهم قوتهم وهيبتهم، ويطمع أعداءهم فيهم، فلم يستبن جديع بن علي الكرماني الرشد، بل أعمته الأحقاد الشخصية، وضللته العصبية القبلية١، فمضى يزاحم نصرا ومضر على الرئاسة. ثم إنه حالف الحارث بن سريج بعد أن عاد من بلاد الترك إلى مرو الشاهجان، وقاتلا نصرا، وسيطرا على المدينة. ففر نصر إلى نيسابور. وعلى الرغم من غاراته العديدة، واستغاثته المتكررة بابن هبيرة، ومروان بن محمد، ومناوراته الإعلامية الكثيرة، فإنه لم يستطع حصر الأزمة، وحل المعضلة. فقد تدهور الموقف تدهورا شديدا، وبعد قتل الكرماني للحارث، واغتيال ابن الحارث له، وانتهاز أبي مسلم للوضع، وسعيه للاستيلاء على المدينة. ومع أن العرب التفتوا إلى خطره الداهم، ووادع بعضهم بعضا، من أجل التصدي له والقضاء عليه، فإنه أوقع في روع ابن الكرماني أن نصرا تآمر على أبيه وقتله، فرجع إلى معاداة نصر ومحاربته. وبذلك تمكن أبو مسلم من احتلال المدينة، وباحتلاله لها انهارت الدولة الأموية، وقامت الدولة العباسية٢. وبجانب الوقائع الحربية التي دارت بين قبائل الجانبين الساعيين إلى الزعامة، والمتسابقين إلى السلطة بخراسان، مظاهر أخرى للعصبية القبلية السياسية، لم يشهر فيها السيف، وهي تتضح في أن كلا منهما كان حينما تسند إليه الولاية يملأ المراكز الكبيرة بالموظفين من إخوانه وأبنائه، وأقربائه، وحلفائه، ويحرم الطرف الثاني المعارض منها، ويظلمه ظلما شديدا، ويعنف به عنفا زائدا. فعندما ولي المهلب بن أبي صفرة خراسان، ووليها أبناؤه من بعده كانت الوظائف الهامة بأيديهم٣. وليس أدل على استبداد المهالبة والأزد بالمناصب والمنافع من قول يزيد بن المهلب للأزد، وقد عين على خراسان بعد مقتل قتيبة بن مسلم، وانتخاب

стр. 58

الأزد وغيرهم وكيع بن أبى سود التميمى أميرا: يا معشر الأزد،كنتم أذل خمس بخرسان، حتى إن الرجل من الحي الآخر ليشتري الشئ فيتسخركم فتحملونه له، حتى قدم المهلب، وقدمت، فلم ندع موضعا يستخرج منه درهم إلا استعملناكم عليه، وحملناكم على رقاب الناس، حتى صرتم وجوها ١ ولما تقلد أسد بن عبد الله القسرى خراسان صنع صنيع المهالبة، إذ تعصب للأزد تعصبا كبيرا ٢. وفي مقابل ذلك كان القيسيون والتميميون حين يلون الحكم يجردون الأزد وربيعة من الوظائف، ومن أبرزها يروى في هذا الصدد أن سعيد بن عبد العزيز الأموي، عندما استعمل على خراسان، في خلافة يزيد بن عبد الملك، ضيق على الأزد إذ سعى إليه عبيد بن الله بن عبد الحميد الأموي بجهم بن زحر بن قيس الجعفي، وبعده من اليمانية، وقال: إنهم ولوا ليزيد بن المهلب، وعندهم أموال احتجنوها واختانوها، وسماهم له. فأرسل إليهم، فحبسهم في قهندز مرو الشاهجان. فقيل له: إنهم لا يؤدون بالحبس دون البسط عليهم. فأمر بإحضار جهم، ثم دفعه وجماعة من اليمانية إلى الزبير بن نشيط، مولى باهلة ليستأديهم، فعذبهم، فمات جهم في الحبس ٣ ويقال إن الجنيد بن عبد الرحمن المري لم يستعمل إلا مضريا على الكور بخراسان ٤. ويبالغ الدينورى ٥، واليعقوبي ٦، في اتهام نصر بن سيار بالعصبية إذ يقولان: إنه كان متعصبا على اليمانية، مبغضا لهم فكان لا يستعين بأحد منهم، وعادى ربيعة بميلها إلى اليمانية. والصحيح أنه تحامل عليهم في السنوات الأولى من ولايته، ثم عدل عن ذلك ٧. على أن التحالف بين القبائل في كل مجموعة من المجموعتين المتنافستين كان عرضة

стр. 59

للتفسخ في أحيان كثيرة، كما كان التمزق يصيب عشائر القبيلة الواحدة، وكان التسابق إلى السيادة، والتحاسد على المنافع الشخصية. والطمع في الفوائد المادية وراء كل تصدع في صفوفهم، سواء في قبائل الحلف الواحد، أو في عشائر القبيلة الواحدة. فقد خالفت تميم عبد الله بن خازم السلمي في السنة التي ناصرته فيها على بكر بن وائل، لأنه جفاها، وعين ابنه محمدا على هراة، ووظف بكير بن وشاح التميمي على شرطته، وأمره بصدها إذا هي حاولت اقتحام المدينة، فلما عزمت على دخولها أغراها ابن وضاح بذلك، ودفع لها أموالا طائلة فزادها تصرفه تزمتا وتعنتا، فاحتلت هراة، وقتلت محمد بن عبد الله بن خازم بها١. وخرجت إلى مرو الروذ، فقاتلها ابن خازم لسنتين، فتفرقت جماعات وبقيت جماعة منها بقصر فرتنا بالقرب من المدينة، فحاصرها حصارا شديدا حتى استسلمت له، فقتل كل من وقع بيديه منها٢. فناصبته تميم العداء، وانتفضت عليه بنيسابور، وكان يقودها بحير بن ورقاء الصريمي. فاستخلف ابن خازم على مرو الروذ ابن وشاح وسار إلى نيسابور، وبينما كان يقارع بحير بن ورقاء، أرسل إليه عبد الملك بن مروان أن يبايع له، على أن يطعمه خراسان سبع سنين، فاستشاط غضبا، ووبخ حامل الرسالة. فكتب عبد الملك إلى ابن وشاح بولاية خراسان، فقبلها، فضعف موقف ابن خازم ووقر في نفسه أنه عاجز عن مصارعة ابن وشاح، وابن ورقاء معا، فقرر اللحاق بابنه موسى في الترمذ، وكان يحثه إليها قبل مسيره إلى نيسابور. وعندما كان يحاول الفرار أدركه ابن ورقاء فقتله٣، فانتحل ابن وشاح قتله، وقيد ابن ورقاء، فكان ذلك سببا في افتراق تميم، إذ تعصبت مقاعس والبطون لابن ورقاء، وانحاز بنو عوف والأبناء لابن وشاح، واصطدم الفريقان، ولم تزل الأحوال مضطربة بخراسان حتى عين عبد الملك عليها أمية بن عبد الله الأموي، فتلطف إلى ابن وشاح، وعرض عليه أن يوليه قائدا لشرطته، فرفض، فأعطى المنصب لابن ورقاء، فاستاء ابن وشاح، وتمرد على أمية، وهو بالغزو، فرجع إلى مرو

стр. 60

الشاهجان، وعفا عنه، ثم صح له أن يحرض الناس للثورة عليه، فحبسه وأعدمه١. وفي سنة ست وتسعين خالفت أغلبية القبائل قتيبة بن مسلم، وشاركت في قتله، ذلك أنه كان عامل الحجاج على خراسان، فلما توفي الوليد بن عبد الملك، وكان قيسيا لحما ودما، وبويع سليمان بن عبد الملك، وكان يمني الهوى، انتقم سليمان لنفسه من خصومه الذين وافقوا الوليد على إقصائه عن ولاية العهد، فقبض على عمال الحجاج، وساقهم إلى يزيد بن المهلب، وألبه يزيد على قتيبة. وعلم قتيبة بما جرى، وكان غازيا بفرغانة، فخشي أن يعزل ويعذب ويقتل، فشهر بسليمان بن عبد الملك، وبيزيد بن المهلب، وذكر العرب بما حققه لهم، وما أصابوه في عهده من الخير والغنى، ودعا الجيش إلى تأييده ومساعدته، فنفروا جميعا منه، وخافوا مغبة سياسته، فاغتاظ، وخطبهم خطبة طويلة، لام فيها كل القبائل، وأهانها، ونال من شرفها، فانفضت من حوله، وأخذت تدبر لخلعه، ووجد الأزد أن الوقت مناسب للتخلص منه، لأنه كان شديد الوطأة عليهم، ولأنه صفى مكاسبهم التي فازوا بها أيام المهالبة، فاتفقوا مع حلفائهم من ربيعة على خلعه، ثم فاوضوا تميما. لأنها كانت حاقدة بدورها عليه، لأنه قتل نفرا من بني الأهتم، ولأنه صرف وكيع بن أبي سود عن رئاستها، وولاها رجلا من ضبة. وهكذا التقت كافة القبائل على عزله، وتزعمها وكيع بن أبي سود التميمي، وقتل قتيبة٢. وقام وكيع بولاية خراسان، ولم يزل عليها حتى أبعده سليمان بن عبد الملك عنها وأسندها إلى يزيد بن المهلب. وبذلك أسهمت تميم أكبر الإسهام في قتل قتيبة، وهو الذي رفعها بعد أن ذلت في ولاية المهالبة. أما قيس فلم يكن لها ضلع في التآمر عليه، بل إنها وقفت عاجزة عن الأنصار له والدفاع عنه. وواضح أن القبائل القيسية والتميمية التي كانت مجتمعة في حلف واحد كانت كلمتها تتفرق، وصفوفها تتمزق، كما كانت تلتحم في معارك طاحنة على السلطة،

стр. 61

وكانت القبيلة الواحدة منها تتصدع وتتوزع شعبا يعادي بعضها بعضا. أما الحلف الذي كان مؤلفا من الأزد وبكر وعبد القيس فلم ينقل المؤرخون أنها اختلفت هذا الاختلاف، ولا أنها اصطدمت هذا الاصطدام. وأكبر الظن أنهم أغفلوا بعض منافراتها وحروبها. وآية ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر أن الأزد وعبد القيس تنابذوا في ولاية المهلب، واقتتلوا قتالا عنيفا، وأن شعراءهم تهاجوا هجاء فاحشا، حتى توسط المهلب بينهم، فتوقف فرسانهم عن الحرب، وكف شعراؤهم عن التهاجي١. ولكن المحقق أن تلك القبائل كان بعضها يحسد بعضا ويسيء إليه. وأن كل قبيلة منها كانت تود أن تكون مستقلة بشئونها الداخلية، محفوظة الحقوق، مرعية الجانب من حلفائها. والأدلة على تباغضها وتصارعها كثيرة، ومنها أن يزيد بن المهلب ولى رجلا من اليحمد الزم بشط جيحون، فلقيه كعب الأشقري الأزدي، فقال له: أنت شيخ الأزد يوليك الزم، ويلي ربيعة الأعمال السنية، وهجاه٢. ومنها أن نهار بن توسعة البكري ندد بيزيد بن المهلب حين رآه يصد عن قبيلته ويهملها ويقرعها٣. ومنها أن أبا البريد البكري انتقد الأزد وأسدا القسري اليمني عندما أبصرهم يتنكرون لبكر، ويحتازون المراكز والمنافع من دونها٤. وكأنما كانت خراسان بركانا يغلي بالقبائل العربية، فيثور ثم يهدأ، ولا يلبث أن يثور وهكذا. وكان التناحر على النفوذ، والتنافس في الرئاسة، والتزاحم على المنفعة حمم ذلك البركان التي كانت تزيد وتلتهب في بعض الأحيان، فيضيق بها فتتفجر تارة منازعات دامية، وتارة اضطهادات سياسية. ولكن الظاهرة اللافتة للنظر بقوة، هي أن الأزد وبكرا كانوا ضائقين بوضعهم في خراسان أكثر من القبائل الأخرى، لأن الولاة لم يكونوا منهم في الأغلب، بل من قيس. وكان الأزد خاصة قلقين متبرمين، لأنهم كانوا يكونوا منهم في الأغلب، بل من قيس. وكان الأزد خاصة قلقين متبرمين، لأنهم كانوا يشعرون بأنهم غبنوا دورهم وحقهم السياسي، فأثر ذلك في نفوسهم تأثيرا سيئا. وكان البكريون يحسدون المضريين، لأن الخلافة كانت فيهم، فعكر هذا الحسد أمزجتهم،

стр. 62

وجعلهم يحالفون الأزد في البصرة وخراسان، ويشكلون معهم جبهة معارضة للمضريين، لم تكتف بمنافستهم منافسة عملية نزيهة، وإنما دأبت على مناهضتهم مناهضة شديدة حاقدة. والملاحظ أيضا أن بعض ولاة خراسان من أهل اليمن، ولا سيما المهالبة، كانوا دهاة بارعين. فنجحوا في إخفاء أحاسيسهم وغاياتهم السياسية، ونهوا المتطرفين من أبناء قبيلتهم عن إعلان همومهم وأهدافهم، وحاولوا كبح جماح المتهورين منهم، لأنهم كانوا يؤثرون العمل سرا لتحقيق مطالبهم ومآربهم. ولكن بعض الشعراء الأزد كانوا متسرعين متعجلين١، فكانوا لذلك لا يكتمون عواطفهم القبلية ولا يتسترون على مطامعهم السياسية٢. وعلى الرغم من انقسام العرب بخراسان، وتصارعهم بها على السلطان، فإنهم كانوا يتحدون اتحادا مؤقتا، يدعوهم إليه المصير الواحد، والضرورة العامة، والمنفعة العاجلة، مثلما كانوا يختلفون ويقتتلون بسبب تصادم مصالحهم القبلية والسياسية تصادما حادا. ولكنهم على كل حال لم يكونوا يحسون فكرة المواطنة وأنهم غرباء في أرض نائية عن وطنهم الأصلي، يحيط بها الأعداء إلا إحساسا ضعيفا متقطعا، كما أنه كان لبعض قبائلهم أهداف سياسية من مواقفها التي كانت تزعم أن شعورها بمصلحة الأمة، وطاعة الخليفة هو الذي حفزها على اتخاذها. ومن أشهر المواقف التي تنم عن اعتقادهم بالوحدة وأهميتها مبادرة كافة زعماء القبائل إلى مطالبة عبد الملك بن مروان أن يتدارك الوضع المتفجر بخراسان، ويرسل إليهم واليا قرشيا محايدا، حين اشتد النزاع بين فرعي تميم على الزعامة، بعد مقتل عبد الله بن خازم، لأنهم قدروا خطورة استمرارهم في التنازع، وما قد ينجم عنه من انهيار نفوذهم كله بخراسان. فاستجاب عبد الملك لهم، وبعث إليهم أمية بن عبد الله الأموي٣. ولقبيلة بكر موقفان آخران مماثلان بادأت بهما حين تدهور الأمر بخراسان في فترتين

стр. 63

متباعدتين، وادعت أن إيمانها بوحدة العرب، ومستقبل وجودهم هو الذي أداها إلى اتخاذها، وهما موقفان يستحقان الذكر والنظر، لأننا نعتقد بأنها تصرفت فيها تصرفا قبليا سياسيا، موهته بما أذاعته في كل منهما من أن حرصها على مصلحة الجماعة ومصيرها، وموالاتها للخلافة، وتأييدها لها، وحفاظها عليها هي التي دفعتها إليها دفعا قويا. أما الموقف الأول فعمدت إليه عندما صالح عاصم بن عبد الله الهلالي الحارث بن سريج التميمي بمرو الروذ، على أن يسألا هشام بن عبد الملك العمل بالكتاب والسنة، فإن أبى اجتمعا عليه، ووافقهما أكثر رؤساء القبائل، وختموا الكتاب الذي بعثاه إلى هشام. فقد رفض يحيى بن الحضين، سيد بكر التوقيع على الكتاب، وأشاع أن الصلح الذي تم بين عاصم والحارث لا يصون عزة الأمة وكرامتها، ولا يحفظ للخلافة حقها وحرمتها١. ومع أن موقفه نقل إلى الخليفة، فحظي به عنده، وزاد في عطائه، وفرض لأهل بيته، وبلغ الدرجة الرفيعة٢. وأصبح بعده أثيرا عند بني أمية٣، فإننا نظن أنه اتخذه كيدا للمضرية من قيس وتميم، وإيقاعه بهم عند هشام. وأما الموقف الثاني فسارعت إلى إعلانه بعد اغتيال جديع الكرماني، وتمادى ابنه علي في معاداة نصر بن سيار، واحتدم الخلاف بين القبائل العربية، واستفادة أبي مسلم الخراساني من تفككها. فقد انسحب يحيى بن نعيم البكري، أضخم خلفاء الأزد من صفوفهم، وعطل تحالفه معهم٤، ونادى بالموادعة بين القبائل المتنابذة المتقاتلة، حتى تتمكن من ملاقاة أبي مسلم، الذي أخذ يهدد كيانها، ولك أبسط ما نسجله عليه أنه تأخر كثيرا في الانفصال عن الأزد، والاتصال بنصر ومضر، بحيث لم يغن قراره النهائي شيئا. ومن مظاهر إحساسهم القصير بأنهم أمة واحدة، وأن مصيرهم مشترك أن القبيلة

стр. 64

المنافرة لقبيلة أخرى كانت تساهم في الدفاع عنها إذا حاصرها الأعداء، وأحكموا الطوق عليها، يشهد لذلك أنه عندما أغار الترك على قصر الباهلي من أعمال سمرقند، وضيقوا الخناق على العرب المقيمين فيه، وكان أكثرهم من تميم، اشترك بعض الأزد، وفيهم ثابت قطنة، مع المسيب بن بشر الرياحي التميمي في تحرير تميم، ورد الترك عنهم١. ومع أن غاراتهم على ما وراء النهر تدل على اتحادهم وتضامنهم، لأن كل قبيلة منهم كانت تنضم إلى القبائل الأخرى الغازية في أكثر الحملات، وكانت تجهد جهدها لتقوم بدورها خير قيام، كما كانت تفوز بنصيب من الأسلاب والغنائم، فإن النصر كان يحسب لقبيلة الوالي القائد، ومن أجل ذلك كان شعراء الأزد وبكر خاصة ينقسمون على الولاة القيسيين انتصاراتهم في غزواتهم. وما اكتسبوا بها من مآثر، كما كانوا إذا مجدوا فتوحات الولاة القيسيين في أثناء حكمهم لا يلبثون أن يتخلوا عن تمجيدهم لها بعد عزلهم أو موتهم. وأما سكان خراسان الأصليون فكانوا في جملتهم من الجنس الآري، فهم يتصفون بتمام الخلقة، وقوة البنية، وطول القامة، وعرض الصدر، وكثاقة الشعر، وحسن الوجوه٢. وقد أخذ عليهم بخلهم، وربما كان الجاحظ هو الوحيد الذي رماهم به، معتمدا على رواية حملها عن ثمامة بن أشرس، أحد المعتزلة البصريين، وهي أن ديكة مرو الشاهجان تطرد الدجاج عن الحب، وتنزعه من أفواها٣ وهذه الرواية إن كانت صحيحة غير موضوعة، فإنها تختص بديكة مرو الشاهجان، لا بأهلها، كما أنه لا يجوز تعميم هذا المأخذ على جميع أهل خراسان. ومن أجل ذلك انبرى بعض القدماء للرد عليه، ذاهبين إلى أن ما رواه كذب ظاهر، لأن ديكة مرو الشاهجان كالديكة في

стр. 65

جميع الأرض، ولأن أهل خراسان كان فيهم الأجواد المبرزون، والأنجاد المشهورون الذين لا يجارون، ولا يبلغ شأوهم١. ومعلوم أن خراسان كانت تابعة للدولة الساسانية قبل فتح العرب لها، وأنه كان بكل ولاية من ولاياتها حاكم فارسي يعرف بالمرزبان. أما الشؤون المحلية والمالية فكانت توكل في الأعم إلى الدهاقين من أهل خراسان، وهم أصحاب الضياع والمزارع الكبيرة٢، وكان الفرس يكلفون الزراع بدفع ضريبة التاج، وبدفع ضريبة أخرى ترمز إلى عبوديتهم وخضوعهم للغالب٣. ويحاول فان فلوتن جاهدا أن يثبت أن العرب أساءوا إلى أهل خراسان بعد فتحهم لبلادهم، وأنهم ظلموهم ظلما فادحا، سواء بإرهاقهم بالضرائب الباهظة، أو بمعاملتهم شر المعاملة٤، وهو يبرهن على ذلك بقليل من المخالفات التي ارتكبها بعض العمال، الذين تشددوا في استخراج الجزية، ومضوا يجمعونها ممن أسلم منهم وذلك بين في شكاية أبي الصيداء إلى عمر بن عبد العزيز حين قدم إليه من خراسان، وتظلم من أن عشرين ألفا من الموالي يغزون مع العرب بلا عطاء ولا رزق، وأن مثلهم قد أسلموا من أهل الذمة تؤخذ منهم الجزية، كما استغاث به من جفاء الأمير وعصبيته٥ ويبرهن عليه بثورة الحارث بن سريج التميمي، وباتباع جماعة من الموالي له، ومناصرتهم إياه٦. ويحتج له أيضا بما أصاب أهل سمرقند من إجحاف، لأن العرب فرضوا عليهم خراجا عاليا، واستمروا يجبون الجزية من مسلميهم٧. وأهم ما يؤخذ على فان فلوتن في كل ما ذهب إليه، ودلل عليه أنه يفرط في التعميم، ويتوسع في استنتاج الأحكام، بحيث يتخذ من المخالفة اليسيرة وسيلة إلى

стр. 66

التهويل والتضخيم، ويحكم بها لا على فترة بعينها، ولا على عامل بمفرده، بل على كل العهود، وعلى جميع الولاة. ومما يؤخذ عليه أنه يقيس أحوال خراسان بأحوال سمرقند وبخارى قياسا فاسدا مردودا، لأن سمرقند١ وبخارى تختلفان كل الاختلاف عن خراسان، إذ كانتا مصدر شغب لا ينقطع، وموطن ثورة دائمة. بحيث اضطر معظم عمال خراسان إلى تسيير الحملات المتكررة إليها، لإعادة فتحها، والتمكين للوجود العربي فيهما تمكينا شديدا، وكان من نتائج ذلك أن تجبر العرب على أهلها، وتعسفوا بعض التعسف في جمع الجزية والخراج من سكانها، كما أن من أسلموا من هذين المصرين من أهل الذمة لم يسلموا حبا في الإسلام، بل رغبة في أن تسقط الجزية عنهم. أما الحال بخراسان فكانت مباينة لذلك أوضح المباينة إذ لم يتمرد أهلها، ولم يتظلموا إلا قليلا، بل نادرا، مما كان يستدعي بالضرورة أن يترفق العرب بهم، ويتسامحوا معهم. وثمة ملاحظتان أخريان جديرتان بالتنويه، الأولى أن العرب لم يفرضوا على أهل خراسان ضرائب جديدة، وإنما اتبعوا النظام الذي كان مطبقا في أثناء حكم الفرس لهم، فضريبة التاج التي كان ملاك الأرض يدفعونها للفرس تساوي الخراج الذي كانوا يدفعوه للعرب، وضريبة الرأس التي كانوا يؤدونها للفرس تقابل الجزية التي كانوا يؤدونها للعرب، فكأن العرب لم يستحدثوا شيئا، ولم يكلفوا أهل خراسان أكثر مما كلفهم به الفرس٢. يضاف إلى ذلك أنهم كانوا إذا فتحوا مقاطعة أو مدينة يستبقون ملكها أو دهقانها عليها، ويعهدون إليه بتصريف أمورها، مع تعيين عامل عربي لها٣. ويشبه أن يكون هذا التدبير إجراء إداريا مؤقتا، قصد منه إلى تيسير حكم العرب لخراسان، عند فتحهم لها، ولا يرتفع إلى أن يكون حلا سليما تاما دائما لمشكلات أهل خراسان الموروثة. وكان على العرب، بعد استقرارهم بخراسان، وطال عهدهم بها، وعرفوا مشكلات أهلها، أن يصلحوا قوانينها الاقتصادية، وأن يغيروا تقاليدها الاجتماعية، وفقا لمبادئ الإسلام السديدة، وتعاليمه الرشيدة.

стр. 67

وأما الملاحظة الثانية فهي أن بعض الولاة إذا كانوا قد تسلطوا على أهل خراسان، فقد كان بعض الخلفاء يستجيبون لشكواهم، ويعملون جادين لرفع الظلم عنهم، وأصدق مثال على ذلك أن عمر بن عبد العزيز حينما تشكى إليه أبو الصيداء، أمر بإعفاء الموالي الذين كانوا يحاربون مع العرب من الجزية، كما خصص لهم أعطيات وأرزاقا، وأمر كذلك بوضع الجزية عمن أسلم، وكتب إلى عامله يعده بإرسال الأموال إليه إن كان خراج خراسان لا يفي بنفقاتها ومصروفاتها١. وقد تكررت هذه المحاولة الإصلاحية في ولاية نصر بن سيار٢. ثم إن الحيف الذي كان نفر من العمال يوقعونه على أهل خراسان، لم يكن مقصورا عليهم، وإنما كان يمتد إلى العرب أنفسهم٣. إلى ما كان يلحق الأزد وبكرا من ضيم العمال القيسيين، وما كان يصيب قيسا وتميما من أذى العمال الأزديين. ومن عجيب الأمر إن فان فلوتن وحده هو الذي بالغ في اتهام العرب بالتعدي على أهل خراسان، مع أن أغلب الباحثين من القدماء والمحدثين٤ يجمعون على أنهم تساهلوا لا مع أهل خراسان فحسب، بل أيضا مع جميع أهالي البلدان التي فتحوها، وأن أهل خراسان كانوا بصفة خاصة هادئين مسالمين. وفي ذلك يقول ابن قتيبة: "خراسان أهل الدعوة، وأنصار الله، لما أتى الله بالإسلام كانوا فيه أحسن الأمم رغبة، وأشدهم إليه مسارعة، منا من الله عليهم، أسلموا طوعا، ودخلوا فيه أفواجا، وصالحوا عن بلادهم صلحا، فخف خراجهم، وقلت نوائبهم، ولم يجر عليهم سبي، ولم يسفك فيما بينهم دم، مع قدرتهم على القتال، وكثرة العدد، وشدة البأس"٥. ولقول ابن قتيبة أهمية كبيرة، لا لأنه يدعم ما نرجحه، بل لأنه لم يصدر فيه عن ميل وهوى، ولم يحاول الدفاع به عن الإسلام، ولأنه يتفق مع الوقائع التاريخية، فكل

стр. 68

من يستقرئ تاريخ الحكم العربي لخراسان في العصر الأموي يستخلص ما قرره ابن قتيبة، فقد كان أهل خراسان، وادعين طائعين لولاتهم، فلم يثوروا عليهم، ولم يثبوا بهم، كما أن الولاة كانوا بدورهم يجنحون إلى سياسة هينة لينة، لا استبداد فيها ولا استعباد ولا اضطهاد. ولعل أحدا من الدارسين لم يحكم حكما عادلا على العلاقة بين العرب وسكان خراسان مثل فلهاوزن. وهو حكم لم يتعجل فيه، ولم يطلقه مستندا إلى بضعة من الأخبار اختطفها اختطافا، مثل فان فلوتن، وإنما أصدره بعد أن توفر على دراسة تاريخ العرب في العصر الأموي زمنا، وعكف على المصادر والأصول حينا، فجاء حكمه لذلك دقيقا منصفا. وهو يقول: "لم يكن العرب والأعاجم منفصلين في الحياة الظاهرة. وقد بقي في مدن الجيوش العربية مثل نيسابور، وأبيورد، وسرخس، ونسا، ومرو الروذ، وهراة سكانها الأصليون، أما القلاع والحصون فاحتلها الفاتحون. وأيضا لم يظل العرب متجمعين في نقط قليلة خاصة لهم، وهم لم يكونوا يعيشون فقط في المدن التي كانوا قد اختاروها لتكون بمثابة مستعمرات حربية، بل كانت لهم أملاك وضياع، وأهل في القرى، ومنهم من كانوا يقطنون هناك خصوصا في واحة مرو الشاهجان. وكان للعرب بطانة وموال من الأعاجم، كما أنهم تزوجوا نساء أعجميات. وقد تأقلم العرب في وطنهم الجديد، وكانوا يشعرون أنه لا فرق بيهم وبين أبناء البلاد في الوطن المشترك بينهم، فكانوا يحسون أنهم خراسانيون، وكانوا يلبسون السراويل، كما يلبسها أهل خراسان، وكانوا يشربون النبيذ، ويحتفلون بعيد النيروز والمهرجان، وأخذ أشراف العرب يظهرون بمظهر المرازبة وأسلوبهم في الحياة، وكان الاشتراك في الحياة العلمية مما دعا إلى التفاهم بين العرب والأعاجم، حتى كانت الفارسية في الكوفة والبصرة لغة يتكلمها الناس في السوق، كما يتكلمون العربية على الأقل. كذلك لم يقف الأعاجم من جانبهم إزاء العرب في خراسان كتلة واحدة، ولا هم وقفوا من العرب موقف العداء أو النفور، ولم يكن تأثر الأعاجم بعملية المزج بين العنصرين أقل من تأثر العرب بها، وخصوصا أن الفتح لم يغير أحوال المغلوبين، وهو لم

стр. 69

يزدها سوءا. وقد أفلح العرب في حماية البلاد من الخارج من غزو الترك، أحسن مما أفلح في ذلك ملوك الساسانيين. ولم يتدخل العرب كثيرا في الأمور الداخلية، بل تركوا إدارة البلاد في أيدي المرازبة والدهاقنة، وأيضا ظلت السلطات المحلية السابقة في المدن العسكرية العربية، وفي حواضر الدولة باقية إلى جانب السلطات العربية. وكان للسلطات المحلية جباية الخراج بنوع خاص، وكانت هي المسؤولة أمام الفاتحين عن دخوله بيت المال على المقدار الصحيح، المتفق عليه، أما سواد الشعب البائس الذي كان عليه أن يدفع فلاشك أنه لم يكن يدفع من الخراج في عهد الساسانيين أقل مما كان يدفع في عهد العرب. هذا إلى أن العرب لم يتدخلوا في المسائل الدينية للأعاجم، فقد كان الأساس في المعاهدات التي يفرض فيها دفع إتاوات أن يبقى أهل البلاد على دينهم، بل كان للأعاجم أن يبقوا على دينهم حتى في المدن التي كان يسكنها العرب"١. ولكننا لا ننكر أن العرب فرقوا بين أنفسهم وبين أهل خراسان، إذ كانت السلطة بأيديهم، وكانت المناصب الأساسية لهم. وهذه السياسة على ما فيها من مجافاة لتعاليم الإسلام، ومنافاة لمبدأ العدل والمساواة بين الناس، الذي نادى به الإسلام، فإنها تبدو طبيعية، لأن الفاتح الغالب له السيادة والنفوذ، وله أرفع الوظائف، وهو دائما لا يستعين إلا بأبناء جلدته، وإلا بمن يثق فيهم، ويطمئن إليهم من أهل البلاد المفتوحة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن تلك السياسة العربية تبدو طبيعية مع ظروف العرب السياسية والفكرية في الفترة الأموية٢. على أن أهل خراسان كانت لهم فرقة خاصة في الجيش العربي، كان لها في قادتها، وكانت تشترك مع العرب في غزوها وراء النهر، ومجاهدة الترك. ومن أشهر قادتها حريث بن قتبة٣ وأخوه ثابت٤، وحيان النبطي٥، وابنه مقاتل٦.

стр. 70

وأخطر ما يسجل على العرب أنهم لم يعملوا على تحسين نظام الضرائب، ولم يهدموا الفوارق الطبقية بين الدهاقين وجماهير الفلاحين والحرفيين. ويجب أن لا يحتج لهم بأنهم لم يبتدعوا ضرائب أخرى، وبأنهم لم يزيدوا قيمة الضرائب التي فرضوها على امتداد وجودهم بخراسان، ولا بأنهم لم يتدخلوا في الأحوال الاجتماعية لأهل خراسان، لأن الخطأ لا يسوغ بمثله، بل يصحح بإلغائه، وبإيجاد نظام سليم بديل منه. ولو أصلح العرب النظم المالية، وخففوا الضرائب على الزراع والصناع، وساووا بين الطبقات، لما أسرع بعض الخراسانيين إلى الانضمام إلى دعاة العباسيين، ولما تكتموا على أخبارهم وتجمعاتهم وتحركاتهم، ولما قاتلوا بني أمية معهم، ولما أدالوا منهم لبني العباس. وعسى أن يعطي ما قدما صورة واضحة بعض الوضوح عن خراسان وأقاليمها ومدنها، وعن فتح العرب لها، وولاتهم عليها، وسياستهم الداخلية، وغزواتهم الخارجية، وعن عدد العرب بها، ومنازلهم فيها، ووسائل رزقهم وتنظيمهم السياسي والعسكري، وما نشب بينهم من خلافات وتكتلات ومصادمات، وعن صلتهم بالأعاجم، ومعاملتهم لهم.

стр. 71

الفصل الثاني: موضوعات الشعر وخصائصه تصوير الأحوال السياسية: لم يترك الشعراء العرب حادثة صغيرة ولا كبيرة وقعت بخراسان إلا ألموا بها، وبينوا مواقف قبائلهم منها، فقد كانوا يقظين على الأحداث الداخلية وتطوراتها، بصيرين بخفايا السياسة الأموية ونتائجها، مقدرين لانعكاساتها على قبائلهم وحلفائهم، عارفين بتأثيراتها في مقدرتهم الذاتية، إزاء القوى الخارجية التركية التي كانت تتحين الفرص للانقضاض عليهم، والفتك بهم، بحيث لا نبالغ إذا قلنا: إنهم عرضوا لكل المسائل الإدارية والسياسية، والمشكلات العصبية والقبلية، والفتن الداخلية، بكل تفاصيلها ودقائقها، سواء كانوا من أنصار الوحدة والتضامن، أو من دعاة الفرقة والتطاحن. ونحن نورد كل ما ظفرنا به من أشعارهم في هذا الجانب، مرتبا على السنوات لا مبوبا في موضوعات، حتى يتسق مع القضايا التي أحطنا بها في الفصل السابق، ويكون موضحا لها. ولما كان الوجود العربي بخراسان لم يتأكد ولم يتوطد إلا بعد أن انتهى النزاع بين علي ومعاوية على الحكم، وصفا الجو لمعاوية، وفاز بالخلافة، وسير ولاته على الأمصار، وازداد عدد العرب من القبائل المختلفة بخراسان، ونظموا تنظيما سياسيا وعسكريا، وأصبح لكل منهم دوره الإداري والحربي، كما أصبح لكل منهم أطماعه في السلطة والنفوذ، فقد خلت الفترة الأولى من أي شعر فيه إشارة إلى الأوضاع الداخلية التي لم تكن صورتها قد استقرت، ولم تكن اتجاهاتها قد تحددت. أما بعد ذلك فيكثر الشعر، ويحمل في تضاعيفه كل ما دار من أحداث.

стр. 72

ففي سنة إحدى وخمسين مات الحكم بن عمرو الغفاري١ عامل خراسان لزياد بن أبي سفيان، أمير العراق، وكان قد استخلف قبل وفاته أنس بن أبي أناس الكناني٢ وكتب بذلك إلى زياد، فعزل أنسا، ووليد خليد بن عبد الله الحنفي، فغضب أنس غضبا شديدا، وهتف بهذه الأبيات مصورا سخطه على سياسة زياد، ورأيه في بني حنيفة، وكيف أنهم لم يكونوا يصلحون للولاية والحكومة، بل للحرث والزرع وفيها يقول٣: ألا من مبلغ عني زيادا ... مغلغلة يخب بها البريد٤ أتعزلني وتطعمها خليدا ... لقد لاقت حنيفة ما تريد عليكم باليمامة فاحرثوها ... فأولكم وآخركم عبيد ولما توفي يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وقتل يزيد بن زياد بسجستان، وأسر أخوه أبو عبيدة بها أيضا٥، أخفى سلم بن زياد هذه الأخبار السيئة عن العرب بخراسان، لكيلا يموجوا ويضطربوا. فبلغت بعضهم، ومنهم ابن عرادة الشاعر، فصاح بمقطوعة أخذ فيها على سلم إخفاءه الأخبار والأسرار عنهم، وإيصاده بابه من دونهم، وأعلمه أنهم يعرفون كل ما وقع، وما بدا معه، أن دولة بني أمية انتقضت أركانها انتقاضا، إذ يقول له فيها٦: يا أيها الملك المغلق بابه ... حدثت أمور شأنهن عظيم قتلى بجنزة والذين بكابل ... ويزيد أعلن شأنه المكتوم٧

стр. 73

أبني أمية إن آخر ملككم ... جسد بحوارين ثم مقيم١ طرقت منيته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم٢ ومرنة تبكي على نشوانه ... بالصنج تقعد مرة وتقوم٣ وكان من نتائج إذاعة هذا الشعر في الناس، وانتشاره بينهم، أن أظهرهم سلم على ما حجبه عنهم، وفاوضهم في مبايعته ومساندته حتى يجتمع العرب على خليفة. فوالوه وأيدوه شهرين، ثم وثبوا به، فرجع إلى دمشق، وخلف عليهم المهلب بن أبي صفرة. وفي سنة خمس وستين قاومت بكر بن وائل عبد الله بن خازم٤ حين هجم عليها بهراة، بعد أن قتل سليمان بن مرثد بمرو الروذ، وأخاه عمرا بالطالقان، وكان بنو تميم يساعدونه في هجومه عليها، فاحتل المدينة، وقتل من بكر مقتلة عظيمة. وفي ذلك يقول المغيرة بن حبناء التميمي معيرا بكرا بانهزامها ومذلتها، وبفتك ابن خازم بعليتها وسراتها٥: وفي الحرب كنتم في خراسان كلها ... قتيلا ومسجونا بها ومسيرا ويوم احتواكم في الحفير ابن خازم ... فلم تجدوا إلا الخنادق مقبرا ويوم تركتم في الغبار ابن مرثد ... وأوسا تركتم حيث سار وعكسرا٦ وسرعان ما تضاربت مصالح بني تميم الاقتصادية والسياسية مع مصالح عبد الله بن خازم، فقد منعهم من الاستقرار بهراة استقرار الفاتحين٧. فخرجوا عليه في السنة

стр. 74

التي أيدوه فيها على بكر، واجتاحوا المدينة، وقتلوا ابنه محمدا، واستمروا ينازعونه عليها، ويناهضونه فيها سنتين كاملتين١ فقال موسى٢ بن عبد الله بن خازم يتحسر لاغتيال تميم أخاه محمدا، وما نجم له من تفرق صفوف تميم وقيس وتناحرهم، بعد أن كانوا متحالفين متعاونين على خصومهم من بكر، ويحتج كذلك لاقتصاص أبيه منهم، وملاحقته لهم، فإنهم هم الذين نكثوا العهد، ونقضوا الحلف، وهم الذين عادوه وقاتلوه، وهم الذين أصروا على مخالفتهم له ومنازعتهم إياه. وهو لذلك حين ينتقم منهم، فإنه لا يجور عليهم، بل يجزيهم سوءا بسوء٣: ومن عجب الأيام والدهر أصبحت ... تميم وقيس بالرماح تشاجر وكنا يدا حتى سعى الدهر بيننا ... ففرقنا والدهر فيه الدوائر٤ يفرق ألافا ويترك عالة ... أناسا لهم وفر من المال وافر٥ هم بدأونا بالقطيعة وارتضوا ... له خطة لا يرتضيها المعاشر٦

стр. 75

فما كان ظلما قتلنا القوم إذ بغوا ... وضاقت عليهم في البلاد المصادر١ وللأبيات أهمية تاريخية كبيرة، لأنها تكشف كشفا دقيقا عن تحالف قيس وتميم في هذه الفترة المبكرة، لاتفاق مصالحهم المختلفة، ولأنها تبين عن معاداتهم جميعا لبكر، ومما لم يطلعنا عليه المؤرخون. بمثل هذا الوضوح المطلق. وعندما ضيق ابن خازم على بني تميم بهراة، تفرقوا في مدن خراسان، فمضى بحير بن ورقاء إلى نيسابور، واتجه دثار بن شماس العطاردي ناحية أخرى، وقيل: أتى سجستان، وأخذ عثمان بن بشر بن المحتفر إلى فرتنا، فنزل قصرا بها، وسار الحريش بن هلال ناحية مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم، فلحقه بقرية من قراها يقال لها: قرية الملحمة، أو قصر الملحمة، فتنازلا طويلا، صمد الحريش لابن خازم صمودا شديدا، وصده صدا عنيفا. وفي ذلك يقول الخريش يصف قوة بأسه وصلابته، وحسن بلائه في مقارعته لابن خازم عامين متصلين، ويصف سهره وحذره، وامتشاقه لرمحه، وسله لسيفه، ومعالجته لفرسه٢: أزال عظم يميني عن مركبة ... حمل الرديني في الإدلاج والسحر٣ حولين ما اغتمضت عيني بمنزلة ... إلا وكفي وساد لي على حجر بزي الحديد وسربالي إذا هجعت ... عني العيون محال القارح الذكر٤
следующие страницы →