مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد:
خلق الله الإنسان مزودًا بالعقل، ومزودا بالقدرة على الاختيار في تصرفاته، فحمل الأمانة، أمانة التفكير وأمانة الإرادة، وهي مناط التكليف والمسئولية، دون الكثير من سائر مخلوقات الله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
وشاءت إرادة الله أن يعمر الإنسان الأرض التي خلق منها، وجعلت له مستقرا في هذه الحياة، ومستودعا إلى يوم القيامة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] .
ولقد خلق الله الإنسان لكي يعبده ويسبح بحمده ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
ولقد خلق الله الإنسان فريدًا في ملكاته، متميزًا عن كثير من مخلوقاته ﴿وَلَقَد
стр. 2
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] .
وكان العلم هو أول فضل أتاه الله للإنسان ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١-٣٣] .
ويكتسب الإنسان العلم بالرؤية والممارسة والتجربة والتفكر ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] .
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
ومن نعم الله على العباد قدرتهم على الكتابة، فإن الكتابة هي التي حفظت العلم، ونقلته من جيل إلى جيل من البشر، وبالكتابة تمكنت البشرية من إضافة المزيد من علم الله؛ بما يتراكم لديها من المعرفة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] .
﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
وقد هدى الله الإنسان إلى النظر فيما حوله من أشياء ومن أحياء، وهداه إلى
стр. 3
النظر في نفسه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] .
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠- ٢١] .
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] .
وحينما أنزل الله القرآن على رسوله محمد ﷺ ، كانت البشرية قد حصلت وقتئذ على قدر معين من العلم بطبيعة الأشياء، وطبيعة الكائنات، وطبيعة الظواهر الطبيعية.
ففي مجال العلم بالفلزات، على سبيل المثال، كانت البشرية قد عرفت الذهب والفضة والنحاس والحديد، وبرغم قدم المعرفة بهذه الفلزات، إلا أن هذ القدم هو قدم نسبي فإن اكتشاف كيفية صهر خامات الحديد للحصول على فلز الحديد، كان أكثرها حداثة بين تلك الفلزات الأربعة، فلم تكن البشرية قد توصلت إليه إلا منذ حوالي ألف ومائتي عام، قبل مولد المسيح ﵇ لذلك فقد جاء ذكر الحديد في القرآن الكريم مباشرًا صريحًا، حيث ألفه الناس في حياتهم اليومية، وصنعوا منه أدوات سلمهم وحربهم.
ومع الحث الدائب على الرؤية والتفكر، فقد اشتمل القرآن الكريم على ذكر عدد وافر من الظواهر الطبيعية: ظواهر ما في السموات من نجوم، وكواكب، وبخاصة الشمس والقمر، وظواهر مرتبطة بالأرض التي يعيش على سطحها بنو
стр. 4
الإنسان، من هواء "رياح" وماء ويابسة كما اشتمل القرآن الكريم على ذكر عدد وافر من ظواهر الحياة على سطح الأرض: الحياة النباتية، والحياة الحيوانية، والحياة البشرية نفسها، ودعا الله البشر إلى التأمل في هذه الظواهر، لتعميق الإحساس بوجود الخالق وبقدرته ووحدانيته، حتى تكون عبادته مقترنة بالإقرار بالعبودية وبالخشية:
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] .
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] .
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] .
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥- ٧٦] .
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] .
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧-٢٨] .
سبحان الله رب العالمين، له الثناء في ذاته وصفاته، هو كما أثنى على نفسه،
стр. 5
وله الأسماء الحسنى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] .
فالله لا إله إلا هو، الخالق، العظيم، الكبير، القوي، المبدئ، المعيد، الواحد، المقتدر، مالك الملك، الباقي، وكما نردد في ركوعنا وسجودنا أثناء الصلاة، فالله أكبر، وسبحان ربي الأعلى، فهو الأكبر وهو الأعلى.
والبشر بما أودع الله فيهم من حواس محدودة الطاقة، يتفاوتون تفاوتا كبيرا في إدراك عظمة الله في صفاته، وفي قدرته، وفي خلقه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] .
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٧٦] .
وشاءت رحمة الله بعباده أن يقرب لهم فهم آياته، وفي كلماته وفي خلقه، فضرب لهم الأمثال لعلهم يرشدون: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا
стр. 6
فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] .
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] .
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] .
ويتلو المسلمون في صلواتهم سورة الفاتحة مع كل ركعة فيرددون قول الحق ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ و"العالمين" جمع عالم، أريد به جميع الكائنات في السماوات والأرض، من كل ما سوى الله ، وهى تذكرة دائبة بقدرة الله وبديع صنعه، ودعوة للاشتغال بفهم أسرار هذا الكون.
ثم يرددون قول الحق: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وهى تذكرة دائبة بيوم القيامة، وهو يوم الحساب وتقترن بهذا اليوم ظواهر كونية تسبقه، وظواهر تتزامن معه، وقد أوضح القرآن الكريم أحوال يوم القيامة في مواضع كثيرة، ففيها أحداث فلكية، وفيها ما يصيب الأرض نفسها من تغيير وتبديل، وقد أوضح الحق بعض تلك الأحداث بالوصف المباشر، وأوضح بعضها بالتشبيه ببعض ما يألفه الإنسان في حياته الدنيا: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] .
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨-٩] .
الإعجاز العلمي للقرآن:
كانت البشرية حين أنزل الله القرآن على رسوله الأمين ﷺ ، قد نالت حظًّا
стр. 7
محدودًا من العلوم المادية، مثل علم الفلك والعلوم التجريبية والتطبيقية، فقد سبق ظهور الإسلام وجود حضارات اهتمت بتلك العلوم، واستمر اهتمام الحضارات المتعاقبة بعد ظهور الإسلام بكل تلك العلوم، وكانت الحضارة الإسلامية سباقة في هذا المضمار، وكان القرآن الكريم حافزًا لأن تتألق هذه الحضارة، لما تضمنته الآيات من الحث على العلم والتعلم، فكان من المسلمين علماء أفاضل في مختلف فروع العلم.
ويعتبر جابر بن حيان١ [١٦١ هـ: ٧٧٨م] أول كيميائي تجريبي في التاريخ الإسلامي، وكان يقول: إنا نثبت في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط، دون ما سمعناه أو قيل لنا، أو قرأناه، بعد أن امتحناه وجربناه، وكان يقول أيضا: عملته بيدي وبعقلي، وبحثته حتى صح، وامتحنته فما كذب.
وكان الكندي٢ [١٧٥-٢٥٢ هـ: ٨٠١-٨٧٨م] عالمًا موسوعيًّا متفقهًا في علوم الدين، خاض في علوم الهندسة والطبيعة والفلك والكيمياء، كما كان فيلسوفا وكان يستند إلى آيات القرآن الكريم في الاستقراء والاستنباط، ومن أمثلة ما كان يستشهد به من الآيات:
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] .
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] .
стр. 8
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٧/ ١٨] .
وكان المسعودي [٣٤٦هـ: ٩٥٦م] عالما في الفلك والجيولوجيا، كما كان مؤرخا جغرافيا.
وكان ابن سينا١ [٣٧٥-٤٣٨هـ] عالما تجريبا شاملًا، بعد أن برز في شبابه في الفقه وألف فيه.
وكان التيفاشي٢ [٦٥١هـ: ١٢٥م] عالما في الجيولوجيا ومن دلائل أمانته العلمية قوله: مع ذلك فمعظم الخواص المذكورة فيه مما خبرته بنفسي، أو وثقت بصحة النقل فيه عن غيري من المتقدمين فأحلت عليه، وقوله: مما اختبرته ووقفت عليه بالعمل، وقوله: وقد وقفت على ذلك بالتجربة.
وكان القزويني٣ [٦٠٥-٦٨٢هـ: ١٢٠٨: ١٢٨٣م] فقيها ومفسرا للقرآن والحديث، وجغرافيا وعالما طبيعيًّا وكان يتمثل دائما بآيات القرآن، ومنها قوله تعالى:
стр. 9
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] .
ومن ملاحظاته تقسيم المعادن أقسامًا ثلاثة: فمنها ما ينطبع كالذهب والفضة والحديد والرصاص، ومنها ما لا ينطبع كالياقوت والفيروز والزبرجد، ومنها معادن الأرض كالنفط والكبريت.
ومنذ القرن السادس عشر الميلادي، تغلبت النزعة العلمية التي تعتمد على التجربة والقياس [كما نعرفها في المناهج العلمية الحالية] بدلًا من النظريات الفلسفية، وانتقل ميزان تلك النهضة العلمية إلى دول أوروبا، وبجانب علم الفلك، فقد قسمت العلوم التجريبية الأخرى إلى مسميات محدودة المفهوم والأداء؛ فكان علم الكيمياء وعلم الطبيعة وعلم النبات، وعلم الحيوان وعلم الرياضة.
كما تحددت معالم علوم الطب بفروعه المتعددة، وأصحبت الجغرافيا علما يعتمد على المشاهدة والتجرية والإحصاء، ولامست أطرافه فروعا أخرى للعلم.
ثم نشأ علم قائم بذاته يبحث في أمور الأرض سمي بعلم الأرض، أو الجيولوجيا Geology واشتقت تسميته من اللغة اللاتينية [علم Logus، الأرض Gro] ثم تعددت فروع علم الجيولوجيا، فصارت علوم الأرض.
وشارك علماء الشعوب الإسلامية في كافة فروع العلم التجريبية، وانتشرت المختبرات العلمية، والمكتبات العلمية مع العلماء المسلمين في معظم الدول الإسلامية، وقرأ فريق من العلماء التجريبيين المسلمين كتاب الله بإيمان كامل، وتمعن في كلمات الله وما تحمله من معان، ووجدوا أن هناك أشياء يمكن أن يضيفوها مما أفاء
стр. 10
الله عليهم من العلم الحديث، مما يلقي المزيد من الأضواء على بعض الجوانب في تفسير بعض الآيات، تلك الجوانب التي لم يلق المفسرون السابقون إليها بالا، ورأى هؤلاء العلماء التجريبيون في إعلان هذه المعاني التي استنبطوها، والتي ترتكز على آخر ما توصل إليه العلم الحديث، توضيحا لعدد من القضايا القرآنية وتثبيتًا للإيمان العميق، كما وجدوا فيه جانبا من الإعجاز أسموه: الإعجاز العلمى للقرآن، فهم يرون أن ثمة إشارات علمية عديدة وردت في ثنايا القرآن الكريم، لها صفة الإعجاز الذي يضع العلماء أنفسهم بمختلف تخصصاتهم موضع الانبهار إزاء تلك الإشارات التي تبين أنها حقائق علمية ساطعة، لم يمض على كشف كنهها سوى بضعة عقود من السنين، ولم يعد هذا الانبهار شعورا فرديا لبعض العلماء في هذا القطر الإسلامي أو ذاك، فقد انتظمت مجموعات من هؤلاء العلماء في تآلف، غرضه التعاون في أبحاث الإعجاز العلمي للقرآن، وعرضه على عامة المسلمين في ندوات ومؤتمرات، ونشره بوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
وقد شهدت الشعوب الإسلامية خلال العقد الأخير عدة ندوات على الصعيدين الوطني، والإقليمي في موضوع الإعجاز العلمى للقرآن، وصدرت مؤلفات كثيرة في هذا الشأن تتناول مختلف التخصصات العلمية.
ونظرا لأهمية الموضوع، فقد اتخذت المؤتمرات طابعا دوليا، فانعقد المؤتمر الدولي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، خلال الفترة من ٢٤ إلى ٢٧ صفر عام ١٤٠٨هـ[من ١٨ إلى ٢١ أكتوبر عام ١٩٨٧م] في مدينة إسلام أباد عاصمة باكستان، نظمت المؤتمر رابطة العالم الإسلامي، وهيئة الإعجاز العلمي في القرآن
стр. 11
والسنة بمكة المكرمة، بالتعاون مع الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد، وتأكد في هذا المؤتمر وما تبعه من مؤتمرات مماثلة، أن قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم تقوم على حقيقتين:
أولاهما: أن الإعجاز العلمي ليس هدفا في ذاته.
ثانيتهما: أن القرآن الكريم كتاب هداية، ومن وسائل هذه الهداية ما تتضمنه آيات الكتاب العزيز من دلائل علمية ذات بال.
القرآن وعلوم الأرض:
نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وهو لغة الفصاحة والدقة في التعبير، ولا بد لمن يريد أن يتفهم معني الآيات الكريمة، أن يكون على إلمام مقبول بمعاني الألفاظ، واستخداماتها وقت نزول القرآن في صدر الإسلام، وتعيننا المعاجم اللغوية المعروفة في هذا الفهم عونا لا غناء عنه.
وقد استحدثت في العلوم التجريبية الحديثة تعبيرات واصطلاحات جديدة، لم تكن موجودة في صدر الإسلام، ولا بد من الإلمام بالفروق في المعني بين العديد من التسميات القديمة والتسميات المستخدمة حاليا.
فقد جاء في الأثر أن الرسول ﷺ قد اقتطع "معدن" القبلية لبلال بن الحارث المزني، وكان لفظ "المعدن"، وجمعه "معادن" يطلق على ما نسميه بتعبيراتنا المعاصرة "منجم" وجمعه "مناجم".
وإذا ذكر لفظ "الركاز" كما كان مستخدما زمن الرسول الكريم، فعلينا أن
стр. 12
نحدد المعني المقصود منه، ولا نخلط بين هذا المعني ومعنى كلمة "الركاز" في اللغة التقنية الحالية.
وقد وضع هذا الكتاب "القرآن وعلوم الأرض" ليتناول الآيات والألفاظ الواردة في الكتاب الكريم، مما لا علاقة بعلوم الأرض بمفهومنا الحالي، ويعطي هذا التناول شرحا للجوانب العلمية الحديثة بتبسيط يتلاءم مع قدرة استيعاب المسلم المثقف، غير المتخصص في علوم الأرض، فالهدف هو تزويد القارئ المسلم الحريص على تعميق إيمانه بما توصل إليه العلم الحديث في علوم الأرض بما يزيده إدراكا لقدرة الخالق، ويزيد من خشيته ليوم الحساب.
وتتسع علوم الأرض لنوعين من الموضوعات، فهي إما موضوعات لها دلالة أكاديمية خالصة للعلم، وإما موضوعات لها استخدامات تطبيقية مباشرة وغير مباشرة.
ودون الدخول في تفاصيل تقنية، فإنه يمكن إعطاء تعريف مختصر لكل موضوع من موضوعات علم الأرض:
"أ" تحديد نوعيات الصخور التي تتكون منها قشرة الأرض، تحديد النوعيات تفصيلًا ضمن التقسيمين الكبيرين إلى روسوبية ونارية؛ والتقسيم الثالث إلى صخور متحولة بفعل الحرارة والضغط، ويستعان في تحديد نوعيات الصخور، بجانب الرؤية العامة بالنظر، استخدام المجهر "الميكروسكوب" والتحاليل الكيمائية والفيزيائية وبالأشعة السينية وبالامتصاص الذري وغيرها من وسائل معملية، وترسم خرائط جيولوجية بمقاييس رسم متعددة، لتوزيع نوعيات الصخور وتأثير الحركات الأرضية عليها.
"ب" تحدي أعمار الصخور بوسائل متعددة، منها وسيلة التتابع الطبقي للصخور
стр. 13
الرسوبية، ويستفاد بوجود حفريات [أحافير] من بقايا حيوانية ومن بقايا نباتية في تحديد الأعمار النسبية في طبقة من الصخر الرسوبي بالنسبة لطبقة أخرى، وقد استخدمت وسائل لتقدير الأعمار المطلقة في بعض الصخور، ومنها وسيلة الإشعاع الذري لعنصر اليورانيوم وبعض العناصر الأخرى.
"ج" الدراسات التفصيلية للحفريات الحيوانية، والحفريات النباتية في مختلف العصور الجيولوجية، وتحديد خواصها وظروف البيئة التي كانت تحيط بها، ومن ذلك تعرف مراحل ظهور واختفاء مختلف الحيوانات والنباتات، ومن توزيع الحفريات وتوزيع الصخور التي تضمنها، يعرف توزيع اليابسة والبحار "عميقها وضحلها" على سطح الأرض خلال الأعمار الجيولوجية المختلفة.
"د" سبر أغوار ما تحت السطح من صخور غير مرئية: ويستعان بتقنية معينة هي الجيوفيزياء وللجيوفيزياء وسائل متعددة، منها استخدام الأجهزة التي يقوم عملها على استخدام التأثيرات الكهربية، المغناطيسية، الكهربية -المغناطيسية، التثاقلية، الزالزالية، وتستخدم بعض الأجهزة محمولة بالطائرات، ويستعان أحيانًا بصور الفضاء لاستخدامها فيما يسمى بالاستشعار من البعد Remote Sensing.
"هـ" متابعة الحركات الأرضية من ارتفاع أو انخفاض لليابسة، وكذلك الزحزحة القارية الأفقية واستنتاج مدلولاته الحالية ... ، ومدلولاتها خلال الأزمان الجيولوجية السابقة، ومتابعة الحركات الأرضية السريعة العنيفة وهي الزلازل والبراكين، والتعرف على تلك الحركات خلال الأزمنة الجيولوجية السابقة.
стр. 14
"و" متابعة المياه في دورتها ما بين وجودها في السماء المحيطة بقشرة الأرض على شكل بخار، ثم سحاب، ثم سقوطها مطرا؛ ومتابعة تجمع مياه الأمطار في صورة جداول وأنهار وبحيرات، ثما انتهاؤها إلى البحار والمحيطات، وتتبع المياه التي تتغلغل في ثنايا الصخور، والتي قد تظهر في شكل عيون أو تختزن في أحواض تحت سطحية، أو تتسرب هي الأخرى إلى البحار والمحيطات.
"ز" متابعة تأثير المياه والرياح على نحت أو إذابة أجزاء من صخور القشرة، ونقلها وإعادة ترسيبها في أماكن أخرى.
"ح" الكشف عن مصادر الخامات التعدينية، سواء منها الخامات الصلبة أو الخامات السائلة [كالبترول وما إلى ذلك] ، ويستعان بوسائل جيوكيميائية وجيوفيزيائية في عمليات الكشف، كما يستعان بالحفر الآلي للوصول إلى الأعماق التي يراد التأكد من وجود الخامات التعدينية بها.
"ط" استخراج الخامات التعدينية وتنقيتها واستخلاص المفيد منها، وهناك فروع تخصصية في هذا المضمار، منها ما يتبع استخراج البترول وتكريره، واستخراج الغازات البترولية، ومنها ما يتبع استخراج خامات المعادن الفلزية، وتركيز الخامات واستخلاص الفلزات، ومنها ما يتبع استخراج الخامات غير الفلزية مثل خامات مواد البناء وتشكيلها للاستخدام المباشر.
وعلى أساس هذه التعريفات، فإن علوم الجيولوجيا [علوم الأرض] تقسم إلى المسميات التالية:
стр. 15
الجيولوجيا الطبيعية ...
Physical Geology
الجيولوجيا السطحية ...
Surface Geology
الجيولوجيات تحت السطحية ...
Sub - Surface Geology
الجيولوجيا الحقلية ...
Field Geology
الجيولوجيا البنائية ...
Structural Geology
الجيولوجيا التصويرية ...
Phtogeology
الجيولوجيا الديناميكية ...
Dynamic Geology
جيولوجيا الهندسية ...
Engineering Geology
جيولوجيا التطبيقية ...
Applied Geology
جيولوجيا التربة ...
Soil Geology
جيولوجيا زراعية ...
Agricaltural Geology
جيولوجيا عسكرية ...
Military Geology
جيولوجيا اقتصادية ...
Economic Geology
جيولوجيا المياه ...
Hydrogeology
جيولوجيا المناجم ...
Mining Geology
جيولوجيا الفحم ...
Coal Geology
جيولوجيا النفط ...
Petroleum Geology
стр. 16
هذا وأسأل الله أن يكون لما جاء في هذا الكتاب من "علوم الأرض" أثر ملموس في زيادة إدراك القارئ الكريم لقدرة الخالق العظيم، ومدد جديد لتعميق إيمانه.
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] .
стр. 17
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الفصل الأول: ما حول الأرض من نجوم وكواكب
قصور الحواس البشرية:
إن علم الله قد وسع كل ما في الكون فالكون من خلقه ومن صنعه.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠] .
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] .
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] .
وقد هدى الله الإنسان إلى الإحاطة بشيء من علمه سبحانه، وإدراك بعض ظواهر الكون، وهداه إلى التمعن في تلك الظواهر، واستنباط القواعد والقوانين الطبيعية، وتراكم علم الإنسان جيلًا بعد جيل، واستفاد كل جيل بما توصلت إليه الأجيال السابقة من علم.
стр. 18
أما التكليف الإلهي للإنسان فهو حسب قدرة الإنسان، فالإنسان محدود في إدراكه بحواسه التي أتاحها له الخالق جل وعلا.
﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: ٤٢] .
﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢] .
وعندما نتأمل الكون بإعجاب يجب ألا ننسى أننا نتعرف عليه بحواسنا المعروفة، ففي الكون آلاف الإشعاعات والأضواء، ولكن أعيننا لا تستطيع إلا إبصار سبعة منها فقط، وفي الكون عشرات الآلاف من مصادر الأصوات واهتزازاتها، ولكن آذاننا لا تستطيع إلا التقاط عدد محدود منها، وفي الكون حرارة تصل إلى ملايين الدرجات المئوية، بينما حاسة اللمس عند الإنسان تستطيع التمييز بين درجات الحرارة ضمن فرق يتراوح ما بين ١٥-٢٠ مئوية، لذا فقد استعان الإنسان ببعض الأدوات في اجتلاء أسرار الكون، حيث قصرت حواسه المجردة وحدها عن اجتلائها.
وتتمتع البشرية في عهدها المعاصر بنصيب وافر من العلم، ولكنه ليس خاتمة المطاف، فما زال العلم التطبيقي واختراع الآلات، والمعدات التي تدعم هذا العلم تتقدم بخطوات حقيقية ويعلم الله وحده مدى مشيئته في إتاحة المزيد من العلم لبني الإنسان في مستقبل الأيام.
لقد كانت الوسيلة الوحيدة في الأرصاد الفلكية من أقدم العهود إلى أوائل القرن
стр. 19
السابع عشر هي المشاهدة بالعين المجردة، فكانت البحوث الفلكية القديمة محدودة بحدود الرؤية بالعين المجردة.
واخترع أول مرقب "أو منظار فلكي" في عام ١٦٠٨؛ ثم وضع العالم الإيطالي "جاليليو" مرقبا، واستخدمه ابتداء من يناير ١٦١٠، وكان مرقب "جاليليو" ذا قدرة على تجميع الأشعة الضوئية، وتكبير الرؤية مائة مرة قدر ما يرى بالعين المجردة، ومع توالي التحسين في المراقب منذ ذلك الوقت زادت قدرتها بدرجة هائلة، فالمرقب الموجود في جبل ولسن بالولايات المتحدة الأمريكية يبلغ قطره حوالي المترين ونصف المتر، وبمقدوره توصيل أشعة ضوئية للعين تبلغ مائتين وخمسين ألف مرة قدر ما تجمعه العين المجردة.
المجرة:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزحرف: ٩] .
إن المجموعة الشمسية، وهي الشمس وتوابعها من كواكب "ومنها كوكب الأرض" وأقمار، هي جزء من مجموعة هائلة من النجوم وتوابعها، وتعرف مثل هذه المجموعة الهائلة باسم "المجرة Calaxy"، وبواسطة استخدام المراقب الحديثة أمكن التعرف على العديد من المجرات، والمجرة التي تضم شمسنا هي مجرة "الطريق اللبني Milky way" التبانة، وكل ما في هذه المجرة من أجرام "شموس وكواكب، وأقمار وتوابع" تدور في أفلاك منتظمة متناسقة ومتوازنة بعضها مع بعض.
стр. 20
ومن عجائب ما يحدثنا عند علماء الفلك عن بعض النجوم في مجرة درب التبانة وجود ما يسمونه بالنجوم النابضة، التي ترسل نبضات قوية من أشعة جاما، ووجدوا أن أحد هذه النجوم، وهو يقع على أطراف درب التبانة، يدور حول نفسه بسرعة مذهلة، مع أنه أكبر من الشمس، وأثبتت القياسات وتحليلات الكمبيوتر أن هذا النجم يتم ٦٠٠ دورة حول نفسه في الثانية الواحدة، أي ٥١ مليون و ٨٤٠ ألف دورة حول نفسه في اليوم الواحد بحساب أيامنا الأرضية، وأثبتت القياسات أن هذا النجم يندفع خارج المجرة بسرعة ١٣٠٠ كيلو مترا في الثانية، أي أنه بسبيله إلى الخروج تماما من جاذبية المجرة، والتجول في الفضاء الذي يفصل ما بين المجرات، ويقول العلماء: إن أي نجم في مجرة درب التبانة، تزيد سرعته عن ٢٢٠ كيلو مترا في الثانية يمكنه الخروج من جاذبية المجرة.
ويلي مجرتنا "التي تضم شمسنا وأرضنا"، مجرات أخرى لا يعلم عددها إلا الله، وكل مجرة من تلك المجرات تضم هي الأخرى أعدادا هائلة من النجوم والكواكب والتوابع، وأبعد ما أمكن أن تدركه الحواس البشرية من المجرات بواسطة المناظير العملاقة وغيرها من الوسائل، يبعد عنها مسافة قدرت بستة وثلاثين ألف مليون سنة ضوئية، "وسيأتي ذكر السنة الضوئية كمعيار للمسافات البالغة الطول"، ولا يستطيع العلماء بن أوتوا من قدرات، إدراك حدود هذا الكون، وكلما تقدمت وسائلهم اكتشفوا وجود مجرات، وكواكب أبعد مما كان في تقديرهم.
ولا يسع المتأمل في عظمة صنع الله وما خلق من تلك الأجرام السماوية العظيمة، ومواقعها السحيقة إلا أن يردد بخشوع عميق قوله تعالى:
стр. 21
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٥-٨٠] .
وتنبئ الأجهزة التي يستخدمها علماء الفلك بأن المجرات والنجوم والكواكب جميعا في حركة دائبة، وأن هذه الحركة تؤدي إلى تمدد مستمر، وتنبئ الأجهزة بحسابات قد تكون قريبة من الصواب، وقد تكون مخطئة، ومن هذه الحسابات، أن سرعة تمدد الجزء الذي تدركه حواسنا من هذا الكون هي ٢٣٥ مليون ميل في الدقيقة، وأن هذا التمدد قد نشط من ١٨ ألف مليون سنة "من السنين التي نعرفها على الأرض"، وأنه بدأ بانفجار هائل تعارف العلماء على تسميته "بج نانج - Big Bang"، وكل المجرات وما تضمنه من أجرام تتحرك في نظام وتوقيت رباني محكم، بما يؤكد التوزان المطلق الذي شاء الرحمن أن يكون في كل مخلوقاته، كبيرها وصغيرها فهناك تجاذب بين الأجرام السماوية والأرض كالتجاذب بين الأرض، والأجسام الواقعة على سطحها، وهناك توازن بين قوى التجاذب بحيث لا تختل حركة الأجرام في دورانها في أفلاكها، وصدق الحق من قائل:
﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: ١-٨] .
وفي الفضاء الكوني إشعاعات تنتقل على صورة تموجات، وأنواع الإشعاع أو التموجات الأثيرية المعروفة للإنسان حتى الآن:
١- الأشعة الكونية.
стр. 22
٢- أشعة إكس.
٣- الأشعة فوق البنفسجية.
٤- الضوء.
٥- الأشعة تحت الحمراء.
٦- أمواج الراديو "اللاسلكي".
٧- أشعة جاما.
وتنتشر أشعة الضوء بسرعة ٣٠٠ ألف كيلو مترا في الثانية، وبرغم أن أشعة الضوء لا ترى في ذاتها، إلا أنها معروفة بأنها الضوء المرئي، فهي حين تخترق الفضاء الكوني لا نراها، ولكننا نراها في حالتين:
"أ" حينما تتناثر في بعض الأوساط المادية الشفافة مثل الغلاف الجوي.
"ب" حينما تنعكس على بعض الأسطح المادية مثل سطح القمر.
ويمكن تحليل الضوء إلى سبع مكونات، بإمراره خلال منشور زجاجي، وهذه المكونات السبع هي ألوان الطيف التي تشعر بها حاسة الرؤية في الإنسان، ويختلف طول الموجة من لون لآخر؛ فأطولها موجة اللون الأحمر، وأقصرها موجة اللون البنفسجي، وألوان الطيف مرتبة حسب طول موجاتها هي: البنفسجي - النيلي- الأزرق - الأخضر - الأصفر - البرتقالي - الأحمر.
وصدق الله العظيم:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨-٣٩] .
стр. 23
الشمس:
تدور حول الشمس تسعة كواكب، والأرض ثالث هذا الكواكب -بعدا عن الشمس- وتبعد الأرض عن الشمس مسافة ١٥٠× ٦ ١٠ كيلو مترا، وللأرض تابع واحد هو القمر، ويبعد عنها مسافة ٣٨٤٤٠٠ كيلو مترا في المتوسط.
ويبلغ حجم الشمس ١٠٣٣٣ مليون مرة حجم الأرض، والشمس جسم غازي شديد الحرارة، قدرت درجة حرارته "بالدرجات المئوية المتداولة في قياسات أهل الأرض" بمقدار ٥٧٦٠ درجة مئوية على السطح الخارجي، وبمقدار حوالى ١٦-٢٠ مليون درجة مئوية في مركزها، ويرى العلماء أن هذه الحرارة البالغة الارتفاع هي نتيجة تفاعلات نووية لمكونات مادة باطن الشمس، وأهم المكونات غاز الهيدروجين الذي تلتحم ذراته تحت ظروف درجات الحرارة العالية، وتندمج إلى ذرات الهيليوم مع انبعاث طاقة هائلة، وتتعرض الشمس إلى حدوث ما يسمى بالبقع الشمسية مرة كل ١١ عاما "من الأعوام الأرضية" حين تزداد العواصف المغناطيسية على سطح الشمس، وترتفع ألسنة اللهب ممتدة في الفضاء مسافات تصل إلى ٢٠ مليون كيلو متر، وتصل درجات الحرارة داخل ألسنة اللهب هذه إلى مليون درجة مئوية.
وتدل التحاليل الطيفية لضوء الشمس، على أن العناصر الشائعة في القشرة الأرضية لا توجد في الشمس إلا بنسبة ضئيلة، هي حوالي ١% من كتلتها أما باقي الكتلة، وهي ٩٩%، فتتكون من الهيدروجين والهليوم، ويعتقد أن تركيب النجوم لا يختلف كثيرًا عن تركيب الشمس.
стр. 24
وما يصل إلى الأرض من طاقة الشمس لا يتجاوز جزءًا واحدًا من ألف مليون جزء، وما تشعه الشمس في ثانية واحدة من الطاقة يساوي إجمالي ما تحصل عليه الأرض من طاقة الشمس خلال ستين عامًا، ويكفي هذا القدر من الطاقة احتياجات الحياة على سطح الأرض بأنواعها، وهي الحياة النباتية والحياة الحيوانية وحياة الإنسان.
انفصال جسم الأرض:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
انفصل جسم الأرض مستقلا عن بقية أجزاء مجرة الطريق اللبني منذ قديم الزمن، ولعل هذا الانفصال هو ما ذكره الحق بقوله:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
وقد اجتهد علماء الفلك والطبيعة في وضع نظريات متعددة لكيفية حدوث هذا الانفصال، ومنها نظرية الانفجار العظيم، ولا داعي للخوض في تلك النظريات.
واستطاع علماء الجيولوجيا بوسائلهم المتخصصة أن يعطوا تاريخًا مطلقا لبدء وجود الأرض بكيانها المستقل عن بقية الأجرام السماوية، وقدروا أنه كان منذ حوالي أربعة آلاف وخمسمائة مليون عام من أعوامنا المعروفة.
زينة الأرض والسماء:
لقد أودع الله في البشر القدرة على الشعور بالجمال، فالإحساس الصادق
стр. 25
للمؤمن يجعله يشعر بالجوانب الجمالية التي أودعها الله في الأرض وفي السماء، فينشرح صدره ويزداد يقينه.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] .
ففي الجبال جمال كامن في اختلاف ألوانها وفي عظمتها ورهبتها، وفي الجداول والأنهار جمال كامن في أنغام خرير مياهها حين تنساب رقراقة، وفي البحار جمال كامن يدركه البصر حين يتأمل أمواجها تتكسر متهادية على شواطئها، وحين يمد البصر عبر مياهها إلى ما لا نهاية، وفي النبات جمال طالما تغنى به أصحاب القدرة على التعبير شعرًا ونثرًا، وفي أصناف الحيوان من فراشات وأسماك، وطيور وأنعام وغيرها متعة للعين.
كذلك فإن السماء فوقنا زينة بزرقتها وبما حوت من كواكب مضيئة.
﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] .
لقد دعانا الله إلى التمتع بزينة الأرض والسماء، وجعلها مجالًا للتأمل والتفكر في عظمته.
سجود الكائنات وتسبيحها:
أخبرنا الله في محكم كتابه بسجود كل الكائنات المادية والحية وتسبيحها له.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٤٩] .
стр. 26
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] .
وتقصر حواسنا البشرية عن إدراك كنه هذا السجود وهذا التسبيح، ولكن حواسنا تمكننا من التفكير في خلق السموات والأرض، وفي خشوعها لخالقها وانصياعها لإرادته سبحانه.
стр. 27
الفصل الثاني: الغلاف الجوي حول الأرض
السماء لغويا هي كل ما ارتفع فوق رؤوسنا، وامتد إلى آخر ما يمكن أن يدركه الإنسان من أجرام سماوية بحواسه وبأجهزته.
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] .
ونقتصر هنا على ذكر ذلك الجزء من السماء الذي يضم الغلاف الجوي حول الأرض، وهي السماء الدنيا.
يدخل سماء الأرض من أشعة الشمس ما يمكن تقسيمه إلى ثلاث مجموعات:
"أ" ٩% أشعة فوق بنفسجية.
"ب" ٤٥% أشعة منيرة "ضوء".
"جـ" ٤٦% أشعة تحت حمراء "حرارية".
ويمكن للإنسان أن يشعر بالضوء في جزء من سماء الأرض سمكه حوالي ٢٠٠ كيلو مترا ذلك في الجهة التي تكون مواجهة للشمس.
ينتهي الغلاف الجوي المحيط بالأرض عند ارتفاع نحو ألف كيلو متر فوق سطح الأرض، وتتناقص كثافة هذا الغلاف الجوي سريعا بالارتفاع، وذلك أن:
стр. 28
"أ" أكثر من نصف وزن الغلاف كله يتركز في ستة الكيلو مترات الأولى.
"ب" أكثر من ثلاثة أرباع وزنه توجد في الاثني عشر كيلو مترا الأولى.
"ج" كثافة الهواء على ارتفاع ٢٠ كيلو مترا فوق سطح الأرض تساوي نحو جزء واحد من مائة جزء من كثافته عند السطح، بمعنى أن ٩٩% من كتلته توجد في الجزء الممتد من سطح الأرض حتى ارتفاع نحو ٢٠ كيلو مترا.
"د" يشعر الإنسان بضيق الصدر مع الارتفاع، ويكاد يختنق على ارتفاع نحو ١٢ كيلوا مترا وصدق الله تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
ويقسم علماء الطبيعة الغلاف الجوي إلى أربعة نطاقات هي من أسفل إلى أعلى لسطح الأرض.
تروبو سفير Ttopo Sphere
ستراتوا سفير Strato Sphere
ميزو سفير Meso Sphere
ثيرمو سفير Thermo Sphere
فتتناقص درجات الحرارة في نطاق التروبو سفير مع الارتفاع عن سطح الأرض، وفي نطاق الستراتو سفير يتوقف انخفاض الحرارة، وقد ترتفع فيه درجات الحرارة مع امتصاص الأشعة فوق البنفسجية في طبقة الأوزون، التي توجد في هذا النطاق، ثم
стр. 29
تنخفض درجات الحرارة مرة أخرى في نطاق الميزوسفير، ثم ترتفع درجات الحرارة مرة أخرى في نطاق الثيرموسفير.
ويرى السحاب حول الأرض بعين الناظر من الفضاء الخارجي، يغطي حوالي ٥٠% من سماء الأرض، ويساعد السحاب على ارتداد حوالي ٣٥% مما يصل إلى الغلاف الجوي من أشعة الشمس، أما ما يتغلغل في الغلاف الجوي من هذه الأشعة، ومقداره ٦٥% من تلك الأشعة، فإن نطاق التروبوسفير يمتص ١٥% منه، وتستمر ٥٠% من الأشعة لتقع على سطح الأرض.
وللنطاق الجوي القريب من سطح الأرض القدرة على امتصاص الأشعة تحت الحمراء، فيحفظ سطح الأرض بقدر من الحرارة فيصبح متوسط درجة حرارة السطح حوالي ٢٠ درجة مئوية، فإذا لم يحدث هذا، فإن متوسط درجة حرارة السطح تكون حوالي ٢٠ درجة مئوية تحت الصفر، فيتجمد الماء، ولا تصلح حياة.
ويدخل في مجال السماء الأرضي، كل ثانية، حوالي تريليون جسم أولي من الأشعة الكونية المحملة بطاقة هائلة، قادمة من أعماق الفضاء خارج المجموعة الشمسية، وفي الغلاف الجوي الأرضي تصطدم تلك الجسيمات الأولية بمكونات الغلاف الجوي، وينتج عن هذا الاصطدام تولد جسيمات ثانوية، هي التي يمكنها الاستمرار في مسارها إلى أن ترتطم بسطح الأرض، وبالأحياء الموجودة على هذا السطح ومنها الإنسان، ولا تسبب هذه الجسيمات الثانوية أضرارا للجسم البشري الحي، بينما لو كانت الأشعة الكونية الأولية هي التي تصيب أجسام الأحياء على سطح الأرض لقتلتهم.
стр. 30
وتسبح مكونات الغلاف الجوي الأرضي داخل مجال الأرض المغناطيسي، وتعرف باسم الماجنيتوسفير، ويتولد هذا المجال المغناطيسي في قلب الكرة الأرضية نتيجة لتفاعلات تجري بين مكوناتها الفلزية الثقيلة.
ولا توجد فواصل واضحة بين نطاقات الغلاف الجوي، ولكن مكونات هذا الغلاف تتخلخل مع الارتفاع، كما ذكرنا، وعلى ارتفاع يتراوح ما بين خمسمائة وسبعمائة كيلو متر نصل إلى نطاق الإكسو سفير حيث تبدأ الذرات اكتساب القدرة على التغلب على المجال المغناطيسي الأرضي، وتتزايد قدرتها على الهروب إلى الأثير، إلى أن نصل إلى نهاية الغلاف الجوي للأرض.
تطور الغلاف الجوي:
لم يكن تكوين الغلاف الجوي للأرض بمنأى من أحداث اليابسة، والرقعة المائية للأرض، فإن تكوين الغلاف الجوي هو حصيلة التفاعلات المستمرة بين المواد السائلة، والمواد الصلبة للأرض.
وبداية تاريخ الغلاف الجوي لكوكب الأرض تخضع للتخمينات العلمية، فهو لم يكن مشابها للغلاف الجوي الراهن، فهناك احتمال قوي بأنه كان يحتوي نسبة من غازي الهيدروجين والهيليوم، ولكن صفاتهما أتاحت لهما القدرة على الهروب من جاذبية الأرض إلى الفضاء الخارجي.
وتلت هذه المرحلة، مرحلة أخرى، للنشاط البركاني دور كبير فيه، فأخرجت كميات من: ثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، والهيدروجين،
стр. 31
والنيتروجين، والماء، والميثان، والأمونيا، وذلك مما كانت تختزنه كتلة المادة الأرضية في داخلها، ومن الغازات التي أضيفت للغلاف الجوي من داخل كتلة الأرض: غاز الهيليوم، وغاز الأرجون، وهما من مخلفات تحلل المواد الإشعاعية.
ويظن علميا أنه منذ ثلاثة بايين عام، كانت غالبية ثاني أكسيد الكربون قد امتصته مياه المحيطات؛ وأصبحت تركيبة الغلاف الجوي من غاز الميثان وغيره من مركبات الكربون والهيدروجين، أما الأكسجين فكانت نسبته ضعيفة، لذلك لم تكن للأرض طبقة من الأوزون في جوه، ومع تغلغل الأشعة فوق البنفسجية دون مقاومة تذكر، تفاعل الميثان مع الموجود من الأكسجين وبذلك خرج الميثان من مكونات الجو، وتأثر ما تبقى من الأكسجين بالأشعة فوق البفنسجية، وبدأ الأوزون في التكوين، بينما صار للنتروجين النسبة العالية، ومنذ بليوني عام من عمر الأرض وكان الغطاء النباتي فوق سطح الأرض بوفرة أتاحت الظروف لتزويد الغلاف الجوي بالمزيد من الأكسجين.
واستمرت الزيادة في نسبة الأكسجين في بطء وإصرار، فمنذ بليون عام وصلت نسبة الأكسجين في الجو إلى حوالي ١٠% من نسبته المعروفة في الجو الراهن، ومنذ حوالي ٦٠٠ مليون عام كان الأكسيجين قد زاد زيادة كبيرة أوصلته إلى النسبة المعروفة حاليًا تقريبًا، ثم ساد الغلاف الجوي توازن في مكوناته دام حتى الآن.
ويمكن القول بصفة عامة إن الغلاف الجوي للأرض يتركيب كيميائيا من المواد الغازية التالية في الوقت الحاضر:
نيتروجين ٧٨.٠٨٤%
أكسيجين ٢٠.٩٣٤%
стр. 32
أرجون ٩٣٤. %
ثاني أكسيد الكربون ٠.٠٣٣%
بخار الماء غير محدد
غازات أخرى ٠.٠٠٢٦٨%
وقد حسبت مكونات مجموعة الغازات الأخرى على النحو التالي:
نيون ٠.٠٠١٨٢%
هيليوم ٠.٠٠٠٥٣%
كريبتون ٠.٠٠٠١٢%
زينون ٠.٠٠٠٠٩%
هيدروجين ٠.٠٠٠٠٥%
ميثاق ٠.٠٠٠٠٢%
أكسيد نيتروز ٠.٠٠٠٠٥%
ويؤدي الغلاف الجوى منافع للأحياء على سطح الأرض كما يلي:
- يمدهم بغاز الأكسيجين للتنفس.
-يحميهم من التعرض للأشعة فوق البنفسجية بكميات تسبب الإيذاء للأحياء.
- يؤدي وظيفة الغشاء الحراري الذي يحتفظ لسطح الأرض بحرارة مناسبة.
الأوزون:
توجد طبقة الأوزون ضمن نطاق الستراتو سفير على ارتفاع يتراوح ما بين
стр. 33
العشرين والثلاثين كيلو مترا، وللأوزون دور خطير في الحفاظ على وجود الحياة على سطح الأرض، ويتركب جزيء الأوزون من ثلاث ذرات من الأكسيجين، وتحول طبقة الأوزون دون وصول كميات زائدة غير مرغوبة من الإشعاعات فوق البنفسجية، وقد شاءت قدرة الله أن يكون تصميم جسم الإنسان بحيث لا يتحمل إلا قدرًا محسوبًا من الأشعة فوق البنفسجية، ولو تعرض الإنسان لقدر أكبر من هذه الأشعة، فإن جلده يصيبه أذى مؤكد، وإذا زاد قدر هذه الأشعة لمدة طويلة فقد يقتل الإنسان.
ومن أوائل الثمانينيات تأكد علماء الطبيعة من وجود تآكل في بعض أجزاء الغلاف الجوي في أحد مكوناته الهامة، وهو غاز الأوزون، وتبلغ شدة هذا التآكل فوق المنطقتين المتجمدتين الشمالية والجنوبية، ويشغل التآكل فوق المنطقة القطبية الجنوبية مساحة تزيد عن مساحة قارة أمريكا الشمالية، ويزيد تآكل الأوزون من احتمالات زيادة التعرض لحدة الأشعة فوق البنفسجية، الأمر الذي يضر بعملية التمثيل الضوئي التي يقوم بها النبات، ويهدد سلامة البشر، ويسهم في ارتفاع في حرارة الجو مما يهدد بكوارث طبيعية لا يعلم مداها إلا الله .
ووجد أن إسراف البشر في استخدام مركبات الكلوروفلورو كربون من ضمن الأسباب الرئيسية لهذا التآكل، وهي مركبات غازية صناعية تستخدم بغزارة في إنتاج جميع أنواع الثلاجات، وأجهزة التكييف والمنظفات الصناعية ومواد التجميل، واستخدمت الدول الصناعية هذه المركبات الغازية منذ سنوات عديدة قبل أن تعرف مخاطرها، وبدأت الدول النامية في استخدامها بغزارة لسهولة الحصول عليها ورخص أسعارها.
стр. 34
ومن ناحية أخرى، فمع إطلاق كل صاروخ من صواريخ الاستكشاف، والصواريخ الصناعية التي يصحبها إطلاق كميات هائلة من غازات دفع الصواريخ، يحدث تدمير لحوالي مليون طن من غاز الأوزون.
وكمية الأوزون الموجودة في الغلاف الجوي، كمية محدودة قدرها العلماء بحوالي ثلاثة آلاف مليون طن، وهو قدر صغير مقارنا بكميات المكونات الأخرى للغلاف الجوي، وقد تأكد للعلماء خلال الثمانينيات جدية التآكل في الأوزون الذي يستمر بمعدلات مخيفة عاما بعد عام.
وقد استغرق تاريخ الكرة الأرضية مئات الملايين من السنين لتثبيت نسبة الأوزون في الغلاف الجوي مما مكن للحياة النباتية، والحيوانية أن تزدهر، أما التآكل السريع الذي يحدث حاليًا بفعل البشر فلا يمكن تعويضه خلال فترة زمنية تكفل الأمان للحياة على سطح الأرض، فحينما تتطاير في الجو غازات الكلوروفلورو كربون ترتفع إلى طبقة الأوزون، وتسبب في تكسير جزيء الأوزون إلى أكسيجين في تفاعل متسلسل، ويستمر تأثيرها المدمر لمدة ٧٥- ١١٠ سنة.
ويؤكد العلماء على حتمية الكف عن استخدام الغازات الضارة بطبقة الأوزون.
ارتفاع حرارة الجو:
منذ آخر فترة جليدية [قبل ١٨ ألف عام] لم ترتفع درجة حرارة الجو عاليا أكثر من ٤ درجات مئوية، وقد أعلن علماء الأرصاد الجوية أن نسبة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون قد زادت في الهواء المحيط بالأرض منذ بداية القرن العشرين بنسبة ٢٥%، ففي كل عام ينتشر نحو خمسة مليارات طن من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف
стр. 35
الجوي للأرض، وهي تأتي في الغالب من احتراق أنواع الوقود العضوية والكربونية، وهذه الكمية من ثاني أكسيد الكربون أكبر مما يمكن امتصاصه عن طريق نمو الأشجار والنباتات الأخرى.
فالمعالجة آثار انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون من محطة طاقة تدار بالفحم قدرتها ١٠٠٠ ميجاوات، يلزم زراعة غابة حولها مساحتها ١٠٠٠ كيلو متر مربع، لامتصاص كافة الغازات المنبعثة، فالزيادة المطردة لوجود غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو يؤدي إلى سرعة تأثير ظاهرة الصوبة الزجاجية Green House Effect، ويؤدي بالتالي إلى رفع درجة الحرارة على سطح الكوكب بمقدار يتراوح ما بين ١.٥-٤.٥ مئوية مع بداية القرن الواحد والعشرين، وينتج عن هذا الوضع تغير سريع في توازن مكونات الغلاف الجوي في غير صالح الحياة على سطح الأرض، فتتغير موازين تراكم الثلوج في المنطقتين القطبيتين، وتتغير موازين مناطق سقوط الأمطار، وتتغيير مناسيب سطح البحار والمحيطات ويزداد احتمال غمرها لمساحات كبيرة من اليابسة المتاخمة للماء.
ويؤكد العلماء على ضرورة استخدام الطاقة النظيفة حفاظا على البيئة الطبيعية، ومحطات الطاقة النووية هي الوحيدة التي لا ينتج عن تشغيلها أكاسيد كربونية أو أزوتية ضارة بالبيئة.
الرياح:
سبب هبوب الرياح هو الدفع تحت تأثير فروق الضغط الجوي، وتنشأ هذه الفروق بسبب اختلاف ميل أشعة الشمس على سطح الكرة الأرضية، ومن ثم اختلاف
стр. 36
معدلات التسخين، فكلما تعامدت الأشعة على السطح، زاد التسخين، كما هو الحال بين المدارين [مدار السرطان ومدار الجدي] ، وكلما زاد الميل قل التسخين، كما هو الحال حول القطبين حيث تكاد تسقط أشعة الشمس موازية للسطح، وازدياد التسخين معناه قلة الكثافة، ومن ثم نقص الضغط الجوي، والعكس بالعكس.
ومن الرياح ما يحمل النفع للناس، ففيها تحريك للساريات المواخر للبحار تنقل الناس والتجارة، ومن الرياح ما يحمل السحاب ويسوق المطر.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨] .
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣] .
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] .
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء: ٨١] .
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] .
﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشوري: ٣٣] .
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: ٤٦] .
والرياح العاتية تنعكس من الأرض إلى السماء على هيئة مخروط ضخم، ويكون الإعصار غالبًا على هيئة قمع يتدلى من السحب الركامية إلى سطح الأرض، وقد يحدث في جداره تفريغ كهربي مستمر، يجعله يبدو كأنما يشتعل نارًا.
﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: ٦٦] .
وقد تصل سرعة الإعصار إلى ٥٠٠ كيلو متر في الساعة الواحدة، فتجتاح كل ما تصادف من أبنية وزرع وإحياء، وتحدث دمارًا شاملًا على امتداد مسارها.
بعض الظواهر الجوية:
الرعد والبرق:
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] .
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] .
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الروم: ٢٤] .
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] .
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] .
يتكون البرد في طبقات عليا باردة من الجو، ثم يهبط البرد الذي تكون في أعالي
стр. 39
السحب إلى أسفل بفعل الجاذبية، وتكون هذه الحركة بمثابة المولد الكهربائي، حيث تشحن الأجزاء العليا الهابطة شحنة سالبة بينما تشحن الأجزاء السفلى من السحابة شحنة موجبة، ويكون التفريغ بين الشحنتين على هيئة برق.
وينجم عن التسخين المفاجئ الذي سببه الرد أن يتمدد الهواء في موضع البرق فجأة أيضا، ويتمزق الهواء في صوت هادر هو صوت الرعد.
وقد يتكرر حدوث البرق داخل السحاب في موقع واحد عددا من المرات، وقد يصل هذا العدد في أحوال نادرة إلى ٤٠ إبراقا في الدقيقة الواحدة في الموقع الواحد، وقد دلت الإحصاءات العالمية للأرصاد على أن عدد عواصف الرعد التي تحدث في جو الأرض في اليوم الواحد أكثر من ٤٠ ألفا، وتتولد من العاصفة الواحدة في المتوسط كمية من الكهرباء قدرها نحو ٢.٢ مليون كيلوا وات ساعة.
الصاعقة:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] .
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] .
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] .
﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] .
стр. 40
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] .
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] .
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] .
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩] .
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣] .
والتفسير العلمي لهذه الظاهرة، هو أنه عند حدوث تفريغ كهربي بين أجزاء السحاب فهو البرق، أما إذا حدث التفريغ الكهربي بين سحابة وأي جسم بارز على سطح الأرض، فإن هذا التفريغ الكهربي يسمى صاعقة.
وتحرق الصاعقة وتدمر ما تسقط عليه، سواء كان جمادا، أو نباتا، أو حيوانا، أو إنسانا، وقد أرسل الله الصواعق عقابًا لأقوام خلت، وهو إنذار رباني بالعذاب يصيب به من يشاء.
قوس قزح:
هي ظاهرة ضوئية تصحب سقوط الأمطار مع سطوع الشمس، فإذا وقف الإنسان ناظرًا إلى السماء حيث تتساقط الأمطار، وكانت وقفته في موضع يتوافق فيه تغلغل ضوء الشمس بزاوية معينة في غلالة الأمطار، فإنه يرى تحلل الضوء المرئي إلى عناصر ألوانه السبعة منتشرا في شكل قوس، وهو المعروف باسم قوس قزح Rain bow، وقد يكتمل هذا القوس في نصف دائرة، ولا يستمر بقاء قوس قزح مرئيا وقتا طويلا في