← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23307

المستشرقون والتراث

عبد العظيم الديب

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

الملاحظة الثانية: أنَّ هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ دائماً يدعون إلى العقل، وتحكيم العقل في الخبر مهما كانت صحة سنده، والسؤال للمستشرق العملاق، هل يقبل عقلُ غافل (أي عاقل)، بله عقل متحضر، بله عقل (مؤلف عالمي) هل يقبل العقل أنْ يمشي رجلان في ثوب واحد؟؟ وكيف؟ وبأي سعة يكون هذا الثوب؟ وأيهما يمشي أولاً؟ وأيهما يمشي ثانيا؟ أم كان هناك إيقاع موسيقي يضبط حركتهما؟؟. وإذا تركنا هذا الإمكان (العلمي)، فهل يقبل العقل أنَّ حاكماً في مثل منزلة هارون الرشيد كان فارغاً لهذا العبث، بل لهذا الفساد؟ وهل يعقل أنَّ من يصل إلى هذا الحد من (السقوط) يمكن أنْ يكون صاحب هذا التارخ الذي زحم الدنيا، من الغزوات والانتصارات والسفارات، والبناء، وقيادة (الدنيا كلها) في طريق الحضارة والنور، هذه الخطوات الفساح التي تمت في عهد الرشيد، هل يقبل عقلُ عاقل أنَّ هارون الرشيد الذي كان يقود الجيوش بنفسه، ويقضي الشهور تلو الشهور في ملابس الميدان، هذا الذي أَذَلَّ أباطرة الروم، ودفع عن ثغور المسلمين دسائسهم ومؤامرتهم، حتى مات مجاهداً ودفن هناك في (طوس) على أطراف دولته، بعيداً عن عاصمته و (قصره) مسيرة أيام، هل يعقل عاقل أنَّ هذا المجاهد يصل إلى هذا المنحدر من السقوط؟؟ إلاَّ في عقل هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ. بل إنَّ جعفر البرمكي هذا كان قائداً مُحَنَّكاً، ولا شك أنَّ مُؤَرِّخَ الحضارة قرأ عن أعماله الحربية العظيمة، وأنَّ هارون الرشيد كان يرمي به في أخطر المآزق، ويلجأ إليه في أشق المضايق، فطالما قمع الفتنة، وردع

стр. 37

العدوان، وَسَدَّ الثغور، وحمى الحصون، جال في أرض العدو وصال. أفمثل هذين العظيمين الطاهرين المجاهدين يكون فارغاً لما يرمز إليه بهمزه ولمزه، ذلك المؤلف العالمي (الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ) (٣٠). متشرق ثالث: فَانْ فلُوتن: يعتبر (فان فلوتن) أحد المُسْتَشْرِقِينَ المعنيين بالتاريخ الإسلامي، خاصة فترة الأمويين والعباسيين، ونستطيع أنْ نجد اسمه يتردَّدُ في كثير من الكتب الجامعية مرجعاً من مراجعهم يباهون به، ويفتخرون بالاعتماد عليه، وهو يغريهم بما ينسبه إلى الطبري، والبلاذري، واليعقوبي، والواقدي، ونحوهم، فَيُخَيَّلُ للباحثين والدارسين أنه (وَثَّقَ) كل أخباره، وأتى بها من منابعها، فيعجبون به، ويطمئنون إليه ز " السيطرة العربية ": لفلوتن كتاب بهذا الاسم، ونظراً لأهميته في مجال التاريخ حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا، فترجمه إلى اللغة العربية سَنَةَ ١٩٣٤ م الدكتور حسن إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم وطبعت الترجمة طبعتين، ثم ترجمه سَنَةَ ١٩٨٠ م مرة ثانية الدكتور إبراهيم بيضون، وفلوتن متخصِّص في تاريخ هذه الفترة حيث كانت أطروحته للدكتوراه في نفس الموضوع، ودراسته ومقالاته تتجه كلها هذه الوجهة. ومن هنا كان لكلامه وزن وقيمة، وكان (لتحريفه) للمصادر و

стр. 38

(خيانته) للمنهج خطر عظيم، وكان هذا منه جُرْماً أي جرم. ونحن نلتزم بهدفنا هنا، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجُّم على الإسلام والمسلمين، الذي لا يعدو أنْ يكون سَبًّا وَشَتْماً (بأسلوب أكاديمي)، وإنما يعنينا هنا جريمته في حق (التراث) وكيف حَرَّفَ المصادر والمراجع وزيفها. وإليك هذا المثال: جاء في ص ٦٧: قوله: «وقد فرضت حالة الترف المتصاعدة هذه [يقصد الترف الذي أصابه المسلمون ثمرة للفتوح] تغطية دائمة لمواجهة متطلبات جديدة، واللجوء إلى الاستدانة كطريقة فَذَّةٍ من أجل إشباع رغباتهم ... » ثم أحالنا على " الطبري ": ١/ ٢٨١١. فماذا نجد في الطبري في هذا الموضع؟ لم نجد في " الطبري " إلاَّ خبراً عن استدانة سعد بن أبي وقاص من بيت مال الكوفة، وكان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود ﵁، وكان سعد والي الكوفة، فاستقضى عبد الله بن مسعود ﵁ سعداً. واشتدَّ في مطالبته، فاستمهله سعد فلم يقبل، وكان بينهما تلاوم، ووصل إلى عثمان بن عفان ﵃ جَمِيعًا -، ملامهما معاص، وقال لهما: أنتما أصحاب رسول الله ﷺ ، فكيف تتلاحيان هكذا أمام الناس، وعزل سعداً، وأقرَّ عبد الله بن مسعود على عمله. هذا هو ما ذكره الطبري، فكيف يفهم منه أيُّ قارئ؟ بَلْهَ باحث ضليع، يقتعد مقعد الأستاذية؟؟ كيف يفهم من هذه الحادثة أنَّ الاستدانة قد صارت ظاهرة في المجتمع؟؟ وأنها أصبحت وسيلة (فَذَّةٍ) لإشباع الترف الذي شاع فيه؟ كيف يفهم هذا؟ وبأي منطق يقال هذا؟ وأي ترف كان في مجتمع الكوفة سنة ٢٦ هـ؟ ثم لو نظر إلى هذه الحادثة بعين مجردة، ودون تعمق ولا (منهج بحث) ولا ... ولا ... ألا يجد فيها فخراً للإسلام والمسلمين؟؟ ألاَ ترى كيف لم يستطع الحاكم (والي الكوفة) أنْ ينال من مال الجماعة إلاَّ قرضاً. ثم الا يرى كيف كانت أمانة خازن بين المال الذي لم يسمعه السكوت عن (الواالي).

стр. 39

واصطناع يَدٍ عنده، وأي (يَدٍ)؟ بالتأجيل فقط طبعاً (لا بالتنازل) ثم ألاَ يرى تلك الحرية التي وسعت (موظفاً) (صرفاً) (خازناً) يلاحي الأمير، ويناصيه، ويغلظ له؟؟!! أية (ديمقراطية) هذه؟؟ ألاَ تهز أعطافه؟ ألاَ تُرَوِّعُهُ؟ ألاَ تُبْهِرُهُ؟. ثم ألاَ يتبادر إلى الذهن أنَّ الحاجة، والفاقة هي التي ألجأت سعداً إلى الاستدانة؟؟ وهذا هو الواقع!! ففيم كان يستدين سعد في ذلك الوقت؟؟ وفي أي مجال كان ينفق فيه في ذلك الحين؟؟ فقد كانوا يعيشون عيش الكفاف!! ثم لو مَدَّ بصره قليلاً لقرأ في الأسطر التالية بقية القصة، وكيف أنَّ سعداً لشدة ألمه من عنف عبد الله بن مسعود، وعدم رفقه وَتَأَنِّيهِ به - رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم رب السماوات والأرض ... فقاطعه عبد الله بن مسعود قائلاً: ويلك!! قُلْ خيراً ولا تلعن. وخاف أنْ يدعو سعدُ عليه، فقال سعدٌ عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك!!! كلمات تقطر تقوى، وتندى بالحب والإخاء، ومواقف تنطق بالطهارة والتعفف. ولو قرأ بقية الصفحة لوجد أنَّ الأمير الذي تولى بعد سعد على الكوفة مكث خمس سنين، وليس على داره باب!!! فأي ترف؟ وأي استدانة؟. ولكن هكذا بهذا التحريف، وبهذا التزييف، استكره النص، واستنطقه ما لا ينطق به، وقال على الطبري ما لم يقل، وقلب الحسنات سيئات. والأمثلة لا تنتهي، ولكننا نكتفي بنموذج آخر من كلام (فلوتن) في نفس الكتاب. في نفس الموضوع جاء في ص ٦٦: «ولقد أصابت الأسر المرموقة في الكوفة ثراءً، فاحشاً كان مصدره (المغانم) والأعطيات السنوية، فكان الكوفي إذا ما ذهب إلى الحرب، يصطحب معه أكثر من ألف من الجمل، عليها متاعه وخدمه» ثم نسب ذلك إلى " الطبري ": ٢/ ٨١٠٦ س ٨. وعلى البديهة ترفض أنْ يكون هذا الكلام في " الطبري "، فنحن نعرف الطبري ﵁ إماماً ورعاً، مُؤَرِّخاً مُحَدِّثاً فَقِيهاً، أو على الأقل (عاقلاً

стр. 40

يدري ماذا يقول)!! فكيف يذهب الجندي المقاتل إلى الميدان ومعه أكثر من ألف من الجمال تحمل متاعه وخدمه؟ كيف يقاتل ومعه هذه الحاشية؟ وما يصنع بحمل ألف جمل من المتاع في الميدان؟ وإذا فرضنا أنَّ الجيش كان عشرة آلاف مقاتل (وهذا تقدير متواضع) فكم عدد الجمال التي تحمل متاعهم؟ أليست أكثر من عشرة ملايين من الجمال؟ كيف يتحرك هذا الجيش؟ وأية طرق تسعهم وأية مياه تكفيهم؟ وأية مراع تطعمهم؟ وإذا سقط من الجيش بضعُ مئات أو آلاف قتلى في الميدان، فأين تذهب الملايين من الجمال التي تحمل أمتعتهم؟. لو قرأ أي عاقل هذا الخبر في أصح كتاب لاتَّهَمَ صاحبه، أو على الأقل نسبه إلى الخطأ والوهم، ورفض أنْ يحكي هذا الكلام أو ينقله. ولكن المُسْتَشْرِقَ العظيم في غمرة اجتهاده لإثبات أنَّ فتوحات المسلمين كانت انتهاباً لخيرات وثروات البلاد التي فتحوها راح يجمع الأدلة من هنا وهناك، ويلويها لَيًّا، ويزيفها تزييفاً. إلاَّ أننا ما كنا نتوقع أنْ يخرج بتزييفه إلى حد اختراع هذه الخرافة، التي لا شك لم ينتبه إليها، فقد شهدت عليه لا له. وهل لذلك أصل في " الطبري "؟؟. إنَّ عبارة الطبري تقول على لسان قيس بن الهيثم أحد أصحاب مصعب بن الزبير قبيل التحامه مع جيش عبد الملك بن مروان، يُرَغِّّبُ أهل العراق في القتال، ويبيِّن لهم حسن معاملة ابن الزبير لهم، ورفعه لمنزلتهم ومكانتهم: « ... والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف، وأحدنا على ألف بعير ... ». فالقائل هنا يريد أنْ يوازن لأهل العراق بين معاملة خليفة الشام لأصحابه، فالسيد منهم يقف بالباب. ويعدها تكريماً من الخليفة لو أرسله في حاجته، وبين إكرام حكامهم (الزُبَيْرِيِّينَ) لهم، فالواحد منهم على ألف بعيرٍ. ومعنى على ألف بعير، أي أمير ألف، وكان هذا أكبر لقب في الجيش

стр. 41

بعد القائد العام، أي أنهم في كنف الزُبَيْرِيِّينَ كلهم أمراء (*). وهكذا نختم بهذا النموذج من تحريف المُسْتَشْرِقِينَ وخيانتهم للمراجع والمصادر. ولا يَقُولَنَّ أحد: إنكم بهذا تتصيَّدون للقوم أخطاءهم تصيُّداً!! ومن الذي لا يخطئ؟ بحسبهم فخراً، ويكفيهم نُبْلاً أنْ تُعَدَّ عيوبهم، وأنْ تُحْصَى أخطاؤهم، من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسن فقط؟ لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة. والجواب: أولاً: أنَّ هذه ليست كبوات، وليست هفوات، بل هي عَمْدٌ مع سَبْقِ الإصرار والترصد. ثانياً: أنها حقاً قليلة، لا تساوي شيئاً بالنسبة إلى ما في الكتاب من حقائق صادقة، ومعلومات قيمة، بل لما فيه أحياناً من تمجيد لنا، وثناء على تاريخنا، واعتراف بعظمة ديننا. ولكن ذلك لا يخدع إلاَّ السُذَّجَ، والأغرار، فإنَّ هذا أمر مقصود، مدروس، وكيد محكم وتدبير خبيث، ذلك أنهم لو صارحونا بكل ما في جعبتهم من السهام، وما في فكرهم من سموم لكان لهم منا العناد والإعراض، بل المقاومة والدفاع، والانتقام، يقول العلاَّمة أبو الحسن الندوي - مَدَّ اللهُ في عمره - تحت عنوان: الاستراتيجية الدقيقة: «ومن دَأْبِ كثير من المُسْتَشْرِقِينَ أنهم يعينون لهم غاية ويقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكل طريق، ثم يقومون لها بجمع معلومات - من كل رطب ويابس - ليس لها أي علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ، أو الأدب والشعر، أو الرواية والقصص، أو المجون والفكاهة

стр. 42

، وإنْ كانت هذه المواد تافهة لا قيمة لها، ويقدمونها بعد التمويه بكل جرأة، ويبنون عليها نظرية ليس لها وجود إلاَّ في نفوسهم وأذهانهم. إنهم في أغلب الأحيان يذكرون عيباً واحداً، ويجوِّدون لتمكينه في النفوس بذكر عشرة محاسن، ليست لها أهمية كبيرة، وذلك كي يق القارئ خاشعاً أمام سعة قلوبهم وسماحتهم، ويسيغ ذلك العيب الواحد الذي يكفي لطمس جميع المحاسن. وكثير من هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ يَدُسُّونَ في كتاباتهم مقداراً خاصاً من " السُمِّ " ويحترسون في ذلك، فلا يزيد على النسبة المعينة لديهم، حتى لا يستوحش القارئ، ولا يثير ذلك فيه الحذر، ولا يضعف ثقته بنزاهة المؤلف. إنَّ كتابات هؤلاء أشد خطراً على القارئ من كتابات المؤلفين الذين يكاشفون العداء، ويشحنون كتبهم بالكذب والافتراء، ويصعب على رجل متوسط في عقليته أنْ يخرج منها، أو ينتهي في قراءتها دون الخضوع لها» (٣١).

стр. 43

الخاتمة: الآن نستطيع أنْ نقول بالنتائج التالية، بعضها بالتحقيق، وبعضها بالتقريب: ١ - إنَّ حجم عمل المُسْتَشْرِقِينَ في مجال نشر التراث، وتحقيقه، لا يكاد يذكر (٣٢). ٢ - إنهم عُنُوا بالنشر في اتجاهين: * تراث الفرق، والإحن، وكل ما يؤدي إشاعته ونشره إلى تجديد النزاع بكل صوره، الفكري، والمذهبي والسياسي. * كل ما يفقدنا الثقة بماضينا وأمجادنا، ورجالنا، وقادتنا، ويكفيهم " ألف ليلة "، و " الأغاني ". ٣ - إنهم يلبسون طيلسان البحث العلمي، ويرفعون لواء (الأكاديميات) وهم مُضَلِّلُونَ، خائنون للعلم، و (المنهج) و (الأمانة) و (طرق البحث) البحث. ٤ - إنَّ عنايتهم بالتراث، كانت، وما زالت، وستظل، من باب (أعرف عدُوَّك) فهذه الكتب (التراثية) هي الخرائط، والصور، لعقولنا، وعواطفنا، ومشاعرنا، واتجاهاتنا، واهتماماتنا، وحبنا، وبغضنا،

стр. 44

وغضبنا، ورضانا. فهي المفاتيح التي عرفوا بها كيف يُخَطِّطُونَ لتدميرنا ثقافياً، واجتماعياً، وفكرياً، وعلمياً، بعد ما حَطَّمُونَا عسكرياً، وحربياً، وسياسياً. ٥ - ومن أعجب العجب أنْ تجد أُمَّةً - مثل أُمَّتِنَا - تشكر، وتُمَجِّدُ وتعظم أمر سارقي وثائقها، لمجرَّد أنهم احتفظوا بها، أو قَدَّمُوا إليها صورة منها، وعهدي بالدول الواعية، أنها تفضل حرق وثائقها من أنْ تقع في يد أعدائها. واللهَ أسأل: أنْ تعود أُمَّتُنَا إلى مجدها وَعِزِّهَا، وأنْ يعيننا على قول الحق ويجعله خالصاً لوجهه.

стр. 45

المحتويات: الموضوع ------------------------------------------------------ الصفحة مدخل إلى القضية ......................................................... ٥ اتجاهات النشر عند المُسْتَشْرِقِينَ ........................................ ٧ الاتجاه الفكري للمُسْتَشْرِقِينَ ............................................. ١٤ هذه آثارهم ................................................................ ٢٣ خيانة المنهج ............................................................. ٢٦ الخاتمة ................................................................... ٤٣