← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23579

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (1 926 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وتجاراتهم معهم ثم ما فيه مَنَافِعِ الدِّينِ مِنْ التَّأَهُّبِ لِلْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ وَإِحْدَاثِ التَّوْبَةِ وَالتَّحَرِّي لَأَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ مِنْ أَحَلِّ مَالِهِ ثُمَّ احْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي السَّفَرِ إلَيْهِ وَقَطْعِ الْمَخَاوِفِ وَمُقَاسَاةِ اللُّصُوصِ وَالْمُحْتَالِينَ فِي مَسِيرِهِمْ إلَى أَنْ يَبْلُغُوا مَكَّةَ ثُمَّ الْإِحْرَامِ وَالتَّجَرُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالتَّشَبُّهِ بِالْخَارِجِينَ يَوْمَ النُّشُورِ مِنْ قُبُورِهِمْ إلَى عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّلْبِيَةِ وَاللَّجَأِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَيْتِ والتعلق بأستاره موقتا بِأَنَّهُ لَا مَلْجَأَ لَهُ غَيْرُهُ كَالْغَرِيقِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَا يَرْجُو بِهِ النَّجَاةَ وَأَنَّهُ لَا خَلَاصَ له بِالتَّمَسُّكِ بِهِ ثُمَّ إظْهَارِ التَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللَّهِ الذي من تمسك به نجا وما حَادَ عَنْهُ هَلَكَ ثُمَّ حُضُورِ الْمَوْقِفِ وَالْقِيَامِ عَلَى الْأَقْدَامِ دَاعِينَ رَاجِينَ لِلَّهِ تَعَالَى مُتَخَلِّفِينَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا تَارِكِينَ لَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَهَالِيِهِمْ عَلَى نَحْوِ وُقُوفِهِمْ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ وَمَا فِي سَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مِنْ الذِّكْرِ وَالْخُشُوعِ وَالِانْقِيَادِ لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ سَائِرِ الْقُرَبِ التي هي معروفة في غير الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقُرُبَاتِ وَالذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَمَا لَوْ اسْتَقْصَيْنَا ذِكْرَهُ لَطَالَ بِهِ الْقَوْلُ فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ مَنَافِعِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا قَوْله تَعَالَى ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إخْبَارٌ عَنْ عِلْمِهِ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ شَرِيعَةُ الْحَجِّ مِنْ مَنَافِعِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَدَبَّرَهُ هَذَا التَّدْبِيرَ الْعَجِيبَ وَانْتَظَمَ بِهِ صَلَاحُ الْخَلْقِ مِنْ أَوَّلِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَالِمًا بِالْغَيْبِ وَبِالْأَشْيَاءِ كلها قَبْلَ كَوْنِهَا لَمَا كَانَ تَدْبِيرُهُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ مُؤَدِّيًا إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ صَلَاحِ عِبَادِهِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ فِعْلُ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ عَلَى نِظَامٍ وَتَرْتِيبٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ نَفْعُهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضْبَانَ قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلَّا أَجَبْتُكُمْ فَقَامَ إلَيْهِ رِجْلٌ فَقَالَ أَيْنَ أَنَا فَقَالَ فِي النَّارِ فَقَامَ إلَيْهِ آخَرُ فَقَالَ مَنْ أَبِي فَقَالَ أَبُوك حُذَافَةُ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ رَضِينَا بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَشِرْكٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَنْ آبَاؤُنَا فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وروى إبْرَاهِيمُ الْهِجْرِيُّ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ أَبِي هريرة أنها نزلت حين سئل الحج

стр. 1297

أفي كل عام وعن أُمَامَةَ نَحْوَ ذَلِكَ وَرَوَى عِكْرِمَةُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ مَنْ أَبِي وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَقَالَ مِقْسَمٌ فِيمَا سَأَلَتْ الْأُمَمُ أَنْبِيَاءَهُمْ مِنْ الْآيَاتِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَيْسَ يَمْتَنِعُ تَصْحِيحُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ فَيَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَالَ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلَّا أَجَبْتُكُمْ سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ عَنْ أَبِيهِ مَنْ هُوَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُتَكَلَّمُ فِي نَسَبِهِ وَسَأَلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الَّذِينَ ذُكِرَ عَنْهُمْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ عَلَى اخْتِلَافِهَا فَأَنْزَلَ الله تعالى لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ يَعْنِي عَنْ مِثْلِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَيْهَا فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَدْ كَانَ نَسَبُهُ مِنْ حُذَافَةَ ثَابِتًا بِالْفِرَاشِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ مِنْ ماء من هو منه ولأنه كان يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ فَيَكْشِفُ عَنْ أَمْرٍ قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَهْتِكُ أُمَّهُ وَيَشِينُ نَفْسَهُ بِلَا طَائِلٍ وَلَا فَائِدَةٍ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ نَسَبُهُ حِينَئِذٍ مَعَ كَوْنِهِ من ماء غير ثَابِتٌ مِنْ حُذَافَةَ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ فَلِذَلِكَ قَالَتْ لَهُ لَقَدْ عَقَقْتنِي بِسُؤَالِك فَقَالَ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسِي إلَّا بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ فَهَذَا مِنْ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي كان ضررا لجواب عَنْهَا عَلَيْهِ كَانَ كَثِيرًا لَوْ صَادَفَ غَيْرَ الظَّاهِرِ فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر اللَّهِ فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَةً أَقَمْنَا عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ وَقَالَ لِهُزَالٍ وَكَانَ أَشَارَ عَلَى مَاعِزٍ بِالْإِقْرَارِ بِالزِّنَا لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك كَانَ خَيْرًا لَك وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَنَا قَدْ كَانَ غَنِيًّا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالسِّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا فَهَتَكَ سِتْرَهُ وَقَدْ كَانَ السِّتْرُ أُولَى بِهِ وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ الْآيَاتِ مَعَ ظهور ما ظهر من المعجزات منهى عنها غَيْرُ سَائِغٍ لِأَحَدٍ لِأَنَّ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِأَهْوَاءِ الْكُفَّارِ وَشَهَوَاتِهِمْ فَهَذَا النَّحْوُ مِنْ الْمَسَائِلِ مُسْتَقْبَحَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَأَمَّا سُؤَالُ الْحَجِّ فِي كُلِّ عَامٍ فَقَدْ كَانَ عَلَى سَامِعِ آيَةِ الْحَجِّ الِاكْتِفَاءُ بِمُوجِبِ حُكْمِهَا مِنْ إيجَابِهَا حَجَّةً وَاحِدَةً وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّهَا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ نَعَمْ لَوَجَبَتْ بِقَوْلِهِ دُونَ الْآيَةِ فَلَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ مَعَ إمْكَانِ الِاجْتِزَاءِ بِحُكْمِ الْآيَةِ وَأَبْعَدُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبُحَيْرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ عَنْ مَعْنَى الْبُحَيْرَةِ مَا هُوَ أَوْ عَنْ جَوَازِهَا وَقَدْ كَانَتْ الْبُحَيْرَةُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا أَسْمَاءٌ لِأَشْيَاءَ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يَكُونُوا يَحْتَاجُونَ إلَى الْمَسْأَلَةِ عَنْهَا وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ وَقَعَ عَنْ إباحتها

стр. 1298

وَجَوَازِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ كُفْرًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى أَوْثَانِهِمْ فَمَنْ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ فَقَدْ عَلِمَ بُطْلَانَهُ وَقَدْ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَوْمٌ فِي حَظْرِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَحَرُمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى حَظْرِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِهَا إلَى النَّهْيِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَشْيَاءَ أَخْفَاهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَاسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا وَهُمْ غَيْرُ مُحْتَاجِينَ إلَيْهَا بَلْ عَلَيْهِمْ فِيهَا ضَرَرٌ إنْ أُبْدِيَتْ لَهُمْ كَحَقَائِقِ الْأَنْسَابِ لِأَنَّهُ قَالَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ فَلَمَّا سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ عَنْ حَقِيقَةِ خَلْقِهِ مِنْ مَاءِ مَنْ هُوَ دُونَ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ نِسْبَتِهِ إلَى الْفِرَاشِ نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ أَيْنَ أَنَا لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَى كَشْفِ عَيْبِهِ فِي كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَكَسُؤَالِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي فَحْوَى الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَظْرَ تَعَلَّقَ بِمَا وَصَفْنَا قَوْله تَعَالَى قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ يعنى الآية سَأَلُوهَا الْأَنْبِيَاءَ ﵈ فَأَعْطَاهُمْ اللَّهُ إيَّاهَا وَهَذَا تَصْدِيقُ تَأْوِيلِ مِقْسَمٍ فَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ أَحْكَامٍ غَيْرِ مَنْصُوصَةٍ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي حَظْرِ الْآيَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهُ الْبُدْنَ لِيَنْحَرَهَا بِمَكَّةَ قَالَ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْهَا فَقَالَ انْحَرْهَا وَاصْبُغْ نَعْلَهَا بِدَمِهَا وَاضْرِبْ بِهَا صَفْحَتَهَا وَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِك شَيْئًا وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ سُؤَالَهُ وَفِي حَدِيثِ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ إنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَمَّا يَصْنَعُ فِي عُمْرَتِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي سُؤَالِ قَوْمٍ سَأَلُوهُ عَنْ أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ فِيمَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى أَحَدٍ وَرَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غنم عن معاذ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنى أريد أن أسئلك عَنْ أَمْرٍ وَيَمْنَعُنِي مَكَانُ هَذِهِ الْآيَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ فقال ما هو قلت العمل الذي دخلني الْجَنَّةَ قَالَ قَدْ سَأَلْت عَظِيمًا وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ السُّؤَالَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ الْأَحْنَفِ عن عمر قال تفقهوا قبل أن تسووا وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ يَتَذَاكَرُونَ حَوَادِثَ الْمَسَائِلِ

стр. 1299

في الأحكام على هَذَا الْمِنْهَاجِ جَرَى أَمْرُ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا وَإِنَّمَا أَنْكَرَ هَذَا قَوْمٌ حَشْوٌ جُهَّالٌ قَدْ حَمَلُوا أَشْيَاءَ مِنْ الْأَخْبَارِ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِمَعَانِيهَا وَأَحْكَامِهَا فَعَجَزُوا عَنْ الْكَلَامِ فِيهَا وَاسْتِنْبَاطِ فِقْهِهَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ المنكرة لذلك كمن قال تَعَالَى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا وقوله تعالى إن تبد لكم تسؤكم مَعْنَاهُ إنْ تَظْهَرْ لَكُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِيمَنْ سَأَلَ مِثْلَ سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَالرَّجُلِ الَّذِي قَالَ أَيْنَ أَنَا لِأَنَّ إظْهَارَ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ لَا يَسُوءُ السائلين لأنهم إنما يسئلون عَنْهَا لِيَعْلَمُوا أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا ثُمَّ قال الله تعالى وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم يَعْنِي فِي حَالِ نُزُولِ الْمَلَكِ وَتِلَاوَتِهِ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إنَّ اللَّهَ يظهرها لكم وذلك مما يسؤكم ويضركم وقوله تعالى عفا الله عنها يَعْنِي هَذَا الضَّرْبَ مِنْ الْمَسَائِلِ لَمْ يُؤَاخِذْكُمْ اللَّهُ بِهَا بِالْبَحْثِ عَنْهَا وَالْكَشْفِ عَنْ حَقَائِقِهَا والعفو في هذا الموضوع التَّسْهِيلُ وَالتَّوَسُّعَةُ فِي إبَاحَةِ تَرْكِ السُّؤَالِ عَنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ وَمَعْنَاهُ سَهَّلَ عَلَيْكُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْحَلَالُ ما أحل اللَّهُ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ يَعْنِي تَسْهِيلٌ وَتَوَسُّعَةٌ وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ قَوْله تَعَالَى قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْمُ عِيسَى ﵇ سَأَلُوا الْمَائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا النَّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوهَا وَكَفَرُوا بِهَا وَقَالَ السُّدِّيُّ هَذَا حِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُحَوِّلَ لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا وَقِيلَ إنَّ قَوْمًا سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ وَمَنْ قَالَ أَيْنَ أَنَا فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ سَاءَهُمْ فَكَذَّبُوا بِهِ وَكَفَرُوا قَوْله تَعَالَى مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ الْبُحَيْرَةُ مِنْ الْإِبِلِ يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَالسَّائِبَةُ مِنْ الْإِبِلِ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لَطَوَاغِيتِهِمْ وَالْوَصِيلَةُ كَانَتْ النَّاقَةُ تُبَكِّرُ بِالْأُنْثَى ثُمَّ تُثْنِي بِالْأُنْثَى فَيُسَمُّونَهَا الوصيلة يقولون وصلت اثنتين لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ فَكَانُوا يَذْبَحُونَهَا لَطَوَاغِيتِهِمْ وَالْحَامِي الْفَحْلُ مِنْ الْإِبِلِ كَانَ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ يُقَالُ حَمَى ظَهْرَهُ فَيُتْرَكُ فَيُسَمُّونَهُ الْحَامِيَ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْبُحَيْرَةُ النَّاقَةُ الَّتِي تُشَقُّ أُذُنُهَا يُقَالُ بَحَرْت أُذُنَ النَّاقَةِ أَبَحَرُهَا بَحْرًا وَالنَّاقَةُ مَبْحُورَةٌ وَبُحَيْرَةٌ إذَا شَقَقْتهَا وَاسِعًا وَمِنْهُ الْبَحْرُ لَسَعَتِهِ قَالَ وَكَانَ

стр. 1300

أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ الْبُحَيْرَةَ وَهِيَ أَنْ تُنْتَجَ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ يَكُونُ آخِرُهَا ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَهَا وَحَرَّمُوهَا وَامْتَنَعُوا مِنْ رُكُوبِهَا وَنَحْرِهَا وَلَمْ تُطْرَدْ عَنْ مَاءٍ وَلَمْ تُمْنَعْ عَنْ مَرْعًى وَإِذَا لَقِيَهَا الْمَعْيِيُّ لَمْ يَرْكَبْهَا قَالَ وَالسَّائِبَةُ الْمِخْلَاةُ وَهِيَ الْمُسَيِّبَةُ وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا نَذَرَ الرَّجُلُ لِقُدُومٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ بُرْءٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَالَ نَاقَتِي سَائِبَةٌ فَكَانَتْ كَالْبُحَيْرَةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّخْلِيَةِ وَكَانَ الرجل إذا عتق عَبْدًا فَقَالَ هُوَ سَائِبَةٌ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَقْلٌ وَلَا وَلَاءٌ وَلَا مِيرَاثٌ فَأَمَّا الْوَصِيلَةُ فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَكَرَ أَنَّهَا الْأُنْثَى مِنْ الْغَنَمِ إذَا وَلَدَتْ مَعَ ذَكَرٍ قَالُوا وصلت أخاها فلم يذبحوها وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَتْ الشَّاةُ إذَا وَلَدَتْ أُنْثَى فَهِيَ لَهُمْ وَإِذَا وَلَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ لَآلِهَتِهِمْ فِي زَعْمِهِمْ وَإِذَا وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لَآلِهَتِهِمْ وَقَالُوا الْحَامِي الْفَحْلُ مِنْ الْإِبِلِ إذَا نَتَجَتْ مِنْ صُلْبِهِ عشرة أبطن قالوا حمى ظهره فلا يحتمل عَلَيْهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ مَاءٍ وَلَا مَرْعًى وَإِخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ مَا اعْتَقَدَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْبُحَيْرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ عِتْقِ السَّائِبَةِ عَلَى مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَائِبَةٌ فَلَا وَلَاءَ لَهُ مِنْهُ وَوَلَاؤُهُ جماعة المسلمين أن لأهل الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ فَأَبْطَلَهُ اللَّهُ تعالى بقوله ولا سائبة وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ الْوَلَاءُ لمن أعتق يؤكد ذلك أيضا ونبينه . بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْضَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَبَيْنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَخْبَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ عَنْهُ فِيهِ وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى وُجُوبِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَعْرِضُ أَحْوَالٌ مِنْ التَّقِيَّةِ يَسَعُ مَعَهَا السُّكُوتُ فَمِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ لُقْمَانَ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إن ذلك من عزم الأمور يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاصْبِرْ عَلَى مَا سَاءَك مِنْ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنَّمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى لَنَا ذَلِكَ عَنْ عَبْدِهِ لِنَقْتَدِيَ بِهِ وَنَنْتَهِيَ إلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا مَدَحَ بِهِ سَالِفَ الصَّالِحِينَ مِنْ الصحابة التائبون العابدون- إلَى قَوْلِهِ- الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ والحافظون لحدود الله وَقَالَ تَعَالَى كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لبئس ما كانوا يفعلون وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ

стр. 1301

عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم عن طارق ابن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ عن جرير قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ رِجْلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلَا يُغَيِّرُوا إلَّا أَصَابَهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا فَأَحْكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْضَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَرُبَّمَا ظَنَّ مَنْ لَا فِقْهَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ أَوْ مَقْصُورُ الْحُكْمِ عَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ وَتَأَوَّلَ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتديتم وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ عَلَى مَا يَظُنُّ هَذَا الظَّانُّ لَوْ تَجَرَّدَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَنْ قَرِينَةٍ وَذَلِكَ لأنه قال عليكم أنفسكم يعنى احفظوها لا يضركم مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ وَمِنْ الِاهْتِدَاءِ اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ فِي أَنْفُسِنَا وَفِي غَيْرِنَا فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا إذًا عَلَى سُقُوطِ فَرْضِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةُ الظَّاهِرِ وَهِيَ مُتَّفِقَةٌ فِي الْمَعْنَى فَمِنْهَا مَا حَدَّثَنَا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِي عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي أراكم تأولون هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّ النَّاسَ إذَا عُمِلَ فِيهِمْ بالمعاصي ولم يغيروا أو شك أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِهِ فَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا رُخْصَةَ فِيهَا فِي تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ضَلَالُ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَى هُوَ بِالْقِيَامِ بِفَرْضِ اللَّهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ابن محمد ابْنُ الْيَمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لا يَضُرُّكُمْ من ضل إذا اهتديتم قَالَ يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ ضَلَّ مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَأَنَّهُمَا ذَهَبَا إلى أن هؤلاء قد أقروا بالجزية على كفرهم فلا يضرنا

стр. 1302

كفرهم لأنا أعطيناهم العهد على أن نخليهم وما يعتقدون وَلَا يَجُوزُ لَنَا نَقْضُ عَهْدِهِمْ بِإِجْبَارِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهَذَا لَا يَضُرُّنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْفُسُوقِ وَالظُّلْمِ وَالْجَوْرِ فَهَذَا عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ تَغْيِيرُهُ وَالْإِنْكَارُ عَلَى فَاعِلِهِ عَلَى مَا شَرَطَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي قَدَّمْنَا وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْعَتَكِيُّ قَالَ حدثنا بن الْمُبَارَكِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ حدثني عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ سَأَلْت أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْت يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هذه الآية عليكم أنفسكم فَقَالَ أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك نَفْسَك وَدَعْ عَنْك الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرُ فِيهِ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهَا مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ قَالَ وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ وهذه دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى سُقُوطِ فَرْضِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ إذَا كَانَتْ الْحَالُ مَا ذَكَرَ لِأَنَّ ذِكْرَ تِلْكَ الْحَالِ تُنَبِّئُ عَنْ تَعَذُّرِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ لِشُيُوعِ الْفَسَادِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى الْعَامَّةِ وَفَرْضُ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ إنْكَارُهُ بِالْقَلْبِ كَمَا قَالَ ﵇ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَتْ الْحَالُ إلَى مَا ذَكَرَ كَانَ فَرْضُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ لِلتَّقِيَّةِ وَلِتَعَذُّرِ تَغْيِيرِهِ وَقَدْ يَجُوزُ إخْفَاءُ الْإِيمَانِ وَتَرْكُ إظْهَارِهِ تَقِيَّةً بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان فَهَذِهِ مَنْزِلَةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ عَنْ عَبَّادِ الخواص قال حدثني يحيى بن أبى عمر والشيباني أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ وَكَعْبًا كَانَا جَالِسَيْنِ بِالْجَابِيَةِ فَأَتَاهُمَا آتٍ فَقَالَ لَقَدْ رَأَيْت الْيَوْمَ أَمْرًا كَانَ حَقًّا عَلَى مَنْ يَرَاهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ فَقَالَ رِجْلٌ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتديتم فَقَالَ كَعْبُ إنَّ هَذَا لَا يَقُولُ شَيْئًا ذُبَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَذُبُّ عَنْ عَائِلَتِك حَتَّى يَأْتِيَ تَأْوِيلُهَا فَانْتَبَهَ لَهَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ مَتَى يَأْتِي تَأْوِيلُهَا فَقَالَ إذَا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ دِمَشْقَ وَبُنِيَ

стр. 1303

مكانها مسجد فلذلك من تأويلها وإذا رأيت الكاسيات العاريات فلذلك مِنْ تَأْوِيلِهَا وَذَكَرَ خَصْلَة ثَالِثَةً لَا أَحْفَظُهَا فلذلك مِنْ تَأْوِيلِهَا قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ وَكَانَ هَدْمُ الْكَنِيسَةِ بِعَهْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَدْخَلَهَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَزَادَ فِي سَعَتِهِ بِهَا وَهَذَا أَيْضًا عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ دُونَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ لِلتَّقِيَّةِ وَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ وَلَعَمْرِي إنَّ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْحَجَّاجِ وَالْوَلِيدِ وَأَضْرَابِهِمْ كَانَتْ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا فَرْضُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْيَدِ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ وَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا مَاتَ قَالَ الْحَسَنُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَتَّهُ فَاقْطَعْ عَنَّا سُنَّتَهُ فَإِنَّهُ أَتَانَا أُخَيْفِشُ أُعَيْمِشُ يَمُدُّ بِيَدٍ قَصِيرَةِ الْبَنَانِ وَاَللَّهِ مَا عَرَقِ فِيهَا عِنَانٌ في سبيل الله برجل جَمَّتَهُ وَيَخْطُرُ فِي مِشْيَتِهِ وَيَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَيَهْذِرُ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ لَا مِنْ اللَّهِ يَتَّقِي وَلَا مِنْ النَّاسِ يَسْتَحِيُ فَوْقَهُ اللَّهُ وَتَحْتَهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ لَا يَقُولُ لَهُ قَائِلٌ الصَّلَاةَ أَيُّهَا الرَّجُلُ ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ هَيْهَاتَ وَاَللَّهُ حَالٌ دُونَ ذَلِكَ السَّيْفِ وَالسَّوْطِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ خَرَجَ الْحَجَّاجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْهَاجِرَةِ فَمَا زَالَ يَعْبُرُ مَرَّةً عَنْ أَهْلِ الشَّامِ يَمْدَحُهُمْ وَمَرَّةً عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَذُمُّهُمْ حَتَّى لَمْ نَرَ مِنْ الشَّمْسِ إلا حمرة على شرف المسجد نم أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ فَصَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ ثُمَّ أُذِّنَ فَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ ثُمَّ أُذِّنَ فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ يَوْمَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ السَّلَفُ كَانُوا مَعْذُورِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي تَرْكِ النَّكِيرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَقَدْ كَانَ فُقَهَاءُ التَّابِعِينَ وَقُرَّاؤُهُمْ خَرَجُوا عَلَيْهِ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ إنْكَارًا مِنْهُمْ لَكُفْرِهِ وَظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ تِلْكَ الْحُرُوبُ الْمَشْهُورَةُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ ووطئهم بأهل الشام حتى لم يبقى أَحَدٌ يُنْكِرُ عَلَيْهِ شَيْئًا يَأْتِيهِ إلَّا بِقَلْبِهِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ذَكَرَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتديتم فقال لم يجيء تَأْوِيلُهَا بَعْدُ إنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ حِينَ أُنْزِلَ وَمِنْهُ آيٌ قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ وَكَانَ مِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يسير وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ عِنْدَ السَّاعَةِ وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْحِسَابِ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَالَ فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَاحِدَةً وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تُلْبَسُوا شِيَعًا وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بعض

стр. 1304

فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا اختلف الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ وَلُبِّسْتُمْ شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بعض فأمر أو نفسه عِنْدَ ذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي عَبْدُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ لَمْ يجيء تَأْوِيلُهَا بَعْدُ أَنَّ النَّاسَ فِي عَصْرِهِ كَانُوا مُمَكَّنِينَ مِنْ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ لِصَلَاحِ السُّلْطَانِ وَالْعَامَّةِ وَغَلَبَةِ الْأَبْرَارِ لِلْفُجَّارِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعْذُورًا فِي تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ثُمَّ إذَا جَاءَ حَالُ التَّقِيَّةِ وَتَرْكُ الْقَبُولِ وَغَلَبَتْ الْفُجَّارُ سُوِّغَ السُّكُوتُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَعَ الْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ وَقَدْ يَسَعُ السُّكُوتُ أَيْضًا فِي الْحَالِ الَّتِي قَدْ عَلِمَ فَاعِلُ الْمُنْكَرِ أَنَّهُ يَفْعَلُ مَحْظُورًا وَلَا يُمْكِنُ الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَيُغَلَّبُ فِي الظَّنِّ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إذَا قُتِلَ فَحِينَئِذٍ يَسَعُ السُّكُوتُ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الآية عليكم أنفسكم قَالَ قُولُوهَا مَا قُبِلَتْ مِنْكُمْ فَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فَأَخْبَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فِي سَعَةٍ مِنْ السُّكُوتِ إذَا رُدَّتْ وَلَمْ تُقْبَلْ وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَغْيِيرُهُ بِيَدِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إبَاحَتُهُ تَرْكَ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ إمْكَانِ تَغْيِيرِهِ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بن محمد بن اليمان قال حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جعفر عن عمرو ابن أَبِي عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَعُمَّكُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ قَالَ أَبُو عبيدة وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ جَاءَ رِجْلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إنِّي أَعْمَلُ بِأَعْمَالِ الْخَيْرِ كُلِّهَا إلَّا خَصْلَتَيْنِ قَالَ وَمَا هُمَا قَالَ لَا آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ لَقَدْ طَمَسْت سَهْمَيْنِ مِنْ سهام الإسلام إن شاء غَفَرَ لَك وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَك قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحَّاكِ قَالَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرِيضَتَانِ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى كَتَبَهُمَا اللَّهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَخْبَرُونِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَتْ ابْنُ شُبْرُمَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ فَرَّ مِنْ اثنين فقد فر وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَمْ يَفِرَّ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَأَرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا لَا يَعْجِزُ الرَّجُلُ عَنْ اثْنَيْنِ أَنْ يَأْمُرَهُمَا أَوْ يَنْهَاهُمَا وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْله تَعَالَى

стр. 1305

فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مع الصابرين وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَصْلًا فِيمَا يَلْزَمُ مِنْ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَقَالَ مَكْحُولٌ فِي قَوْله تعالى عليكم أنفسكم إذَا هَابَ الْوَاعِظُ وَأَنْكَرَ الْمَوْعُوظُ فَعَلَيْك حِينَئِذٍ نَفْسَك لَا يَضُرُّك مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شهادة بينكم قد اختلف في معنى الشهادة هاهنا قال قَائِلُونَ هِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَأَجَازُوا بِهَا شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا تُوفِيَ بِدُقُوقَا وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيتِهِ فأشهد رجلين من أهل الكتاب فأحلفهما أبى مُوسَى بَعْدَ الْعَصْرِ بِاَللَّهِ مَا خَانَا وَلَا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غير او أنها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتِرْكَتِهِ فَأَمْضَى أَبُو مُوسَى شَهَادَتَهُمَا وَقَالَ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ حُضُورُ الْوَصِيَّيْنِ مِنْ قَوْلِك شَهِدْته إذَا حَضَرْته وَقَالَ آخَرُونَ إنَّمَا الشَّهَادَةُ هُنَا أَيْمَانُ الْوَصِيَّةِ بِاَللَّهِ إذَا ارْتَابَ الْوَرَثَةُ بِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى إلَى أَنَّهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ وَأَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَرُوِيَ مثله عن شريح هو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَعُبَيْدَةَ وَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ أو آخران من غيركم مِنْ غَيْرِ مِلَّتِكُمْ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ فَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهَا عَلَى الْيَمِينِ دُونَ الشَّهَادَةِ الَّتِي تُقَامُ عِنْدَ الْحُكَّامِ فَقَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةٌ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا أُطْلِقَتْ فَهِيَ الشَّهَادَةُ الْمُتَعَارِفَةُ كقوله تعالى وأقيموا الشهادة لله واستشهدوا شهيدين من رجالكم ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وأشهدوا ذوى عدل منكم كُلُّ ذَلِكَ قَدْ عُقِلَ بِهِ الشَّهَادَاتُ عَلَى الْحُقُوقِ لَا الْأَيْمَانُ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى شَهَادَةُ بينكم الْمَفْهُومُ فِيهِ الشَّهَادَةُ الْمُتَعَارَفَةُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تعالى إذا حضر أحدكم الموت وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَيْمَانَ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ لِأَنَّ حَالَ الْمَوْتِ لَيْسَ حَالًا لِلْأَيْمَانِ ثُمَّ زَادَ بِذَلِكَ بَيَانًا بِقَوْلِهِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غيركم يعنى والله أعلم إن

стр. 1306

لم توجد ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ وَلَا يَخْتَلِفُ فِي حُكْمِ الْيَمِينِ وُجُودُ ذَوِي الْعَدْلِ وَعَدَمُهُمْ وقَوْله تَعَالَى ولا نكتم شهادة الله يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ الْيَمِينَ مَوْجُودَةٌ ظاهرة غير مكتوبة ثُمَّ ذَكَرَ يَمِينَ الْوَرَثَةِ بَعْدَ اخْتِلَافِ الْوَصِيِّينَ عَلَى مَالِ الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ الَّتِي هِيَ اليمين هي المذكورة في قوله تعالى لشهادتنا أحق من شهادتهما ثُمَّ قَوْلُهُ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا يَعْنِي بِهِ الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَصِيَّةِ إذْ غَيْرُ جائز أن يقول أن يأتوا بِالْيَمِينِ عَلَى وَجْهِهَا وقَوْله تَعَالَى أَوْ يَخَافُوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ شَهَادَةٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الشَّهَادَةَ وَالْيَمِينَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِحَقِيقَةِ لَفْظِهَا فَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ أَوْ آخَرَانِ من غيركم مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ فَلَا مَعْنَى لَهُ وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِلَفْظِ الْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِلْقَبِيلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بينكم ثم قال أو آخران من غيركم يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَجْرِ لِلْقَبِيلَةِ ذِكْرٌ حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهِ الْكِنَايَةُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الكناية إنما ترجع إما إلى الظهر مَذْكُورٍ فِي الْخِطَابِ أَوْ مَعْلُومٍ بِدَلَالَةِ الْحَالِ فما لَمْ تَكُنْ هُنَا دَلَالَةٌ عَلَى الْحَالِ تَرْجِعُ الْكِنَايَةُ إلَيْهَا يَثْبُتُ أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْخِطَابِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَصَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فِي السَّفَرِ وَقَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَشُرَيْحٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وُجُوهٌ مُخْتَلِفَةٌ وَأَشْبَهَهَا بِمَعْنَى الْآيَةِ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رِجْلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيٍّ بْنِ بَدَاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامٌ فِضَّةٌ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَنَّ الْجَامَ لَصَاحِبِهِمْ قَالَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بينكم فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدِيًّا لِأَنَّ الْوَرَثَةَ اتَّهَمُوهُمَا بِأَخْذِهِ ثُمَّ لَمَّا ادَّعَيَا أَنَّهُمَا اشْتَرَيَا الْجَامَ مِنْ الْمَيِّتِ اسْتَحْلَفَ الْوَرَثَةَ وَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُمْ فِي أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ وَأَخَذُوا الْجَامَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ أَبُو مُوسَى فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الذِّمِّيِّينَ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنْذُ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْآنَ هُوَ هَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 1307

وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ حُكْمِ جَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى وَشُرَيْحٍ هِيَ ثَابِتَةٌ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ أو آخران من غيركم إنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا الْآيَةَ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ وَلَا يُحْفَظُ عَنْهُمْ بَقَاءُ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ نَسْخُهُ وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْله تَعَالَى شهادة بينكم قَالَ كَانَ ذَلِكَ فِي رِجْلٍ تُوُفِّيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَالْأَرْضُ حَرْبٌ وَالنَّاسُ كُفَّارٌ إلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالْمَدِينَةِ بِالْوَصِيَّةِ ثُمَّ نُسِخَتْ الْوَصِيَّةُ وَفُرِضَتْ الْفَرَائِضُ وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ نسختها وأشهدوا ذوى عدل منكم وَرَوَى ضَمْرَةَ بْنُ جُنْدُبٍ وَعَطِيَّةَ بْنُ قَيْسٍ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا قَالَ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَاسْتَحَلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرَامٍ فَاسْتَحْرِمُوهُ وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مُيَسَّرَةَ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ فَرِيضَةً وَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ وَقَالَ الْحَسَنُ لَمْ يُنْسَخْ مِنْ الْمَائِدَةِ شَيْءٌ فَهَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ شَيْءٌ مَنْسُوخٌ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْعٌ أَوْ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ بِشَيْءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ هَذَا كُلُّهُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَصِيَّةِ إذَا عَقَدَهُ فِي مَرَضِهِ وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تعالى أجاز شهادتهما عليه الْوَصِيَّةِ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا الْوَصِيَّةَ دُونَ غَيْرِهَا وَحِينَ الْوَصِيَّةِ قَدْ يَكُونُ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ أَوْ بِمَالِ عَيْنٍ وَغَيْرُهُ لَمْ تُفَرِّقْ الْآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهُ ثُمَّ قَدْ رُوِيَ أَنَّ آيَةَ الذين مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنَّ كَانَ قَوْمٌ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمَائِدَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجُمْلَةِ لَا عَلَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَآيَةُ الدَّيْنِ لَا مَحَالَةَ نَاسِخَةٌ لِجَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ لِقَوْلِهِ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أجل مسمى- إلى قوله- واستشهدوا شهيدين من رجالكم وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِاسْمِ الْإِيمَانِ وَلَمْ يُخَصِّصْ بِهَا حَالَ الْوَصِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا فَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْجَمِيعِ ثم قال ممن ترضون من الشهداء وَلَيْسَ الْكُفَّارُ بِمَرْضِيِّينَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَتَضَمَّنَتْ آيَةُ الدَّيْنِ

стр. 1308

نَسْخَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السفر وفي الحضر أو في الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَانْتَظَمَتْ الْآيَةُ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ وَمِنْ حَيْثُ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِهَا عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ فَهِيَ دَالَّةٌ أَيْضًا عَلَى وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ ثُمَّ نُسِخَ فِيهَا جَوَازُهَا عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ بِآيَةِ الدَّيْنِ وَبَقِيَ حُكْمُهَا عَلَى الذِّمِّيِّ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ إذْ كَانَتْ حَالَةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الشَّهَادَاتِ وَعَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ لِأَنَّ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيْهِمَا وَأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى وَصِيتِهِ وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِيمَا فِي يَدِهِ لِلْمَيِّتِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ اُسْتُحْلِفَا وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُمَا شَرَى شَيْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَرَثَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ مِنْهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمْ قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَقْرَبُ أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُبَدِّلُوا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بعد أيمانهم يَعْنِي إذَا حَلَفَا مَا غَيَّرَا وَلَا كَتَمَا ثُمَّ عُثِرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا أَنْ تُجْعَلَ أَيْمَانُ الْوَرَثَةِ أَوْلَى مِنْ أَيْمَانِهِمْ بَدِيًّا أَنَّهُمَا مَا غَيَّرَا وَلَا كَتَمَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءٍ وقَوْله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة فإنه روى عن ابن سيرين وقتادة فاستحلفا بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنَّمَا اُسْتُحْلِفَا بَعْدَ الْعَصْرِ تَغْلِيظًا لِلْيَمِينِ فِي الْوَقْتِ الْمُعَظَّمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قِيلَ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ اسْتَحْلَفَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَقَدْ رُوِيَ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ بِالِاسْتِحْلَافِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُعَظَّمَةِ وَرَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ حَلَفَ عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ أَعْظَمُ مَأْثَمًا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمَوْسُومَةِ لِلْعِبَادَاتِ وَلِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرِهِ فِيهَا تَكُونُ الْمَعَاصِي فِيهَا أَعْظَمَ إثْمًا أَلَا تَرَى أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالزِّنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي الْكَعْبَةِ أَعْظَمُ مَأْثَمًا مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَلَيْسَتْ الْيَمِينُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَفِي الْمَسْجِدِ فِي الدَّعَاوَى بِوَاجِبَةٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّرْهِيبِ وَتَخْوِيفِ الْعِقَابِ وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَا وَبِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْحَضْرَمِيِّ لَك يَمِينُهُ قَالَ إنَّهُ رِجْلٌ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي قَالَ لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَلَمَّا أَدْبَرَ لِيَحْلِفَ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ معرض وبحديث أشعث بْنِ قَيْسٍ وَفِيهِ فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ

стр. 1309

فَقَالُوا قَوْلُهُ مَنْ حَلَفَ عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ قَدْ كَانَتْ تَكُونُ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَسْنُونٌ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ يَجْلِسُ هُنَاكَ فَلِذَلِكَ كَانَ يَقَعُ الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَالْيَمِينُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ أَعْظَمُ مَأْثَمًا إذَا كَانَتْ كَاذِبَةً لِحُرْمَةِ الْمَوْضِعِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَسْتَحْلِفُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ فَقَدْ خَالَفَ الْخَبَرَ عَلَى أَصْلِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ انْطَلَقَ لِيَحْلِفَ وَأَنَّهُ لَمَّا أَدْبَرَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا قَالَ فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَزِيمَةُ وَالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ قَالَ تعالى ثم أدبر واستكبر لَمْ يُرِدْ بِهِ الذَّهَابَ إلَى الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّوَلِّيَ عَنْ الْحَقِّ وَالْإِصْرَارَ عَلَيْهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي الْحَلِفِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ الْحُكُومَةَ هُنَاكَ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ هُنَاكَ أَغْلَظُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لقوله ﷺ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُخَصِّصْهَا بِمَكَانٍ وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ إنْ رَأَى تَغْلِيظَ الْيَمِينِ بِاسْتِحْلَافِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ كما أمر الله بِاسْتِحْلَافِ هَذَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْكُفَّارِ يُعَظِّمُونَهُ وَوَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ. (فَصْلٌ) قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّلَالَةَ عَلَى جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وذلك لأنها قد اقتضت جواز شهاداتهم عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَجْوَزُ فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَلَمَّا نُسِخَ مِنْهَا جَوَازُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجل مسمى فاكتبوه- إلى قوله- واستشهدوا شهيدين من رجالكم بقي بِذَلِكَ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ وَنَسَخَ بذلك قوله أو آخران من غيركم وَبَقِيَ حُكْمُ دَلَالَتِهَا فِي جَوَازِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَإِذَا كَانَ حُكْمُهَا بَاقِيًا فِي جَوَازِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ في الوصية في السفر اقتضى جَوَازَهَا عَلَيْهِمْ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُجِيزُهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَمَنَعَ جَوَازَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ أَجَازَهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيَّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَشُرَيْحٍ وَلَا يُجِيزُونَهَا على الذمي

стр. 1310

فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ قِيلَ لَهُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَاقِيَةٌ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَقَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ وَصَالِحُ وَاللَّيْثُ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَجُوزُ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِهَا وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ يَقْتَضِي تُسَاوَيْ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِلَلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أو آخران من غيركم يَعْنِي غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهِمْ وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الْمِلَلِ وَمِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ وهي دالة عَلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ فِي ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ وَمِمَّا يُوجِبُ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْهُمْ زَنَيَا فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهِمَا وَرَوَى الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُرَّةَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مُحَمَّمٌ فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذَا فَقَالُوا زَنَى فَرَجَمَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرُوِيَ جَابِرٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ائْتُونِي بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ يَشْهَدُونَ فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ فَرَجَمَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وعن الشعبي قال تجوز شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَعَنْ شُرَيْحٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ خَالَفَ مَالِكٌ مُعَلِّمِيهِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ النَّصَارَى بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضِ وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ يُجِيزُونَهَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا سَمِعْت يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ جَمَعْت هَذَا الْبَابَ فما وجد عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدَّ شَهَادَةَ النَّصَارَى بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضِ إلَّا مِنْ رَبِيعَةَ فَإِنِّي وَجَدْت عَنْهُ رَدَّهَا وَوَجَدْت عَنْهُ إجَازَتَهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْآيَةِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيهَا عَنْ السَّلَفِ وَمَا نُسِخَ مِنْهَا وَمَا هُوَ مِنْهَا ثَابِتُ الْحُكْمِ فَلْنَذْكُرْ الْآيَةَ عَلَى سِيَاقِهَا مَعَ بَيَانِ حُكْمِهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ تَرْتِيبُهَا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّ قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ يَعْتَوِرُهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فَحَذَفَ ذِكْرَ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْمُرَادِ وَيَحْتَمِلُ عَلَيْكُمْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ فَهُوَ أَمْرٌ بِإِشْهَادِ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الدَّيْنِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَأَفَادَ الْأَمْرَ بِإِشْهَادِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَصِيَّةِ

стр. 1311

الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ وَكَانَ نُزُولُهَا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءٍ فَذَكَرَ بَعْضَ السَّبَبِ فِي الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الموت فَجَعَلَ شَرْطَ قَبُولِ شَهَادَةِ الذِّمِّيِّينَ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَنْ تَكُونَ فِي حَالِ السَّفَرِ وَقَوْلُهُ حِينَ الوصية قَدْ تَضَمَّنَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدَانِ هُمَا الْوَصِيَّيْنِ لِأَنَّ الْمُوصِيَ أَوْصَى إلَى ذِمِّيَّيْنِ ثُمَّ جَاءَا فَشَهِدَا بِوَصِيَّةٍ فَضَمِنَ ذَلِكَ جَوَازُ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ ثُمَّ قَالَ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الموت يعنى قصة الموت الموصى قال تحبسونهما من بعد الصلاة يَعْنِي لَمَّا اتَّهَمَهُمَا الْوَرَثَةُ فِي حَبْسِ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَأَخْذِهِ عَلَى مَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَلَى مَا قَالَهُ أَبُو مُوسَى فِي اسْتِحْلَافِهِ الذِّمِّيَّيْنِ مَا خانا ولا كذبا فصار مُدَّعًى عَلَيْهِمَا فَلِذَلِكَ اُسْتُحْلِفَا لَا مِنْ حَيْثُ كَانَا شَاهِدِينَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله يَعْنِي فِيمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ وَأَشْهَدَهُمَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا استحقا إثما يَعْنِي ظُهُورَ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فِي أَيْدِيهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ جَامُ الْفِضَّةِ الَّذِي ظَهَرَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَزَعَمَا أنهما كانا اشتريا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فَآخَرَانِ يقومان مقامهما يَعْنِي فِي الْيَمِينِ لِأَنَّهُمَا صَارَا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُدَّعِيَيْنِ لِلشِّرَى فَصَارَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ إلَّا وَارِثَانِ فَكَانَا مُدَّعًى عَلَيْهِمَا فَلِذَلِكَ اُسْتُحْلِفَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ أَوْلَى مِنْ الْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا الْوَصِيَّانِ أَنَّهُمَا مَا خَانَا ولا بد لا لِأَنَّ الْوَصِيَّيْنِ صَارَا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُدَّعِيَيْنِ وصار الوارثان مدعى عليهما وقد كان برئا فِي الظَّاهِرِ بَدِيًّا بِيَمِينِهِمَا فَمَضَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْوَصِيَّةِ فَلَمَّا ظَهَرَ فِي أَيْدِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ صَارَتْ أَيْمَانُ الْوَارِثِينَ أَوْلَى وَقَدْ اختلف في تأويل قوله تعالى الأوليان فَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ مَعْنَى الْأَوْلَيَانِ بِالْمَيِّتِ يَعْنِي الْوَرَثَةَ وَقِيلَ الْأُولَيَانِ بِالشَّهَادَةِ وَهِيَ الْأَيْمَانُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى إيجَابِ الْيَمِينِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ وَإِنَّمَا أَوْجَبَتْ الْيَمِينَ عَلَيْهِمَا لَمَّا ادَّعَى الْوَرَثَةُ عَلَيْهِمَا الْخِيَانَةَ وَأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ فَصَارَ بَعْضُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ الشَّهَادَاتِ أَيْمَانًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْحُقُوقِ لقوله تعالى شهادة بينكم لَا مَحَالَةَ أُرِيدَ بِهَا شَهَادَاتُ الْحُقُوقِ لِقَوْلِهِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ

стр. 1312

أو آخران من غيركم وقوله بعد ذلك فيقسمان بالله لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْيَمِينِ ثُمَّ قَالَ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فيقسمان بالله لشهادتنا يَعْنِي بِهَا الْيَمِينَ لِأَنَّ هَذِهِ أَيْمَانُ الْوَارِثِينَ وقوله أحق من شهادتهما يَحْتَمِلُ مِنْ يَمِينِهِمَا وَيَحْتَمِلُ مِنْ شَهَادَتِهِمَا لِأَنَّ الوصيين قد كان منهما شهادة ويمين وصارت يَمِينُ الْوَارِثِ أَحَقَّ مِنْ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ وَيَمِينِهِمَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا غَيْرُ جَائِزَةٍ وَيَمِينَاهُمَا لَمْ تُوجِبْ تَصْحِيحَ دَعْوَاهُمَا فِي شِرَاءِ مَا ادَّعَيَا شراءه مِنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وجهها يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَأَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يُغَيِّرُوا يَعْنِي أَنَّ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَإِيجَابِهَا تَارَةً عَلَى الشُّهُودِ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْخِيَانَةِ وَتَارَةً عَلَى الْوَرَثَةِ فِيمَا ادَّعَى الشُّهُودُ مِنْ شِرَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُمْ مَتَى عَلِمُوا ذَلِكَ أَتَوْا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَلَا يَقْتَصِرُوا عَلَى أَيْمَانِهِمْ وَلَا يُبَرِّئُهُمَا ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَا كَتَمُوهُ وَادَّعَوْا شِرَاهُ إذَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُورَةُ الأنعام) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بَابُ النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَةِ الظَّالِمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فأعرض عنهم الْآيَةُ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَهِيَ الْقُرْآنُ بِالتَّكْذِيبِ وَإِظْهَارِ الِاسْتِخْفَافِ إعْرَاضًا يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارَ الكراهة لما يكون منهم إلى أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ وَيَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا تَرْكَ مُجَالَسَةِ الْمُلْحِدِينَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ عِنْدَ إظْهَارِهِمْ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إذَا لم يمكننا إنْكَارَهُ وَكُنَّا فِي تَقِيَّةٍ مِنْ تَغْيِيرِهِ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ لِأَنَّ عَلَيْنَا اتِّبَاعَ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ الْمُرَادُ إنَّ أَنْسَاك الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ الشُّغْلِ فَقَعَدْت مَعَهُمْ وَأَنْتَ نَاسٍ لِلنَّهْيِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْك فِي تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظالمين يعنى بعد ما تَذْكُرُ نَهْيَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَقْعُدْ مَعَ الظَّالِمِينَ وَذَلِكَ عُمُومٌ فِي النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَةِ سَائِرِ الظَّالِمِينَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ

стр. 1313

وَأَهْلِ الْمِلَّةِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا وَذَلِكَ إذا كان في تقية مِنْ تَغْيِيرِهِ بِيَدِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الظَّالِمِينَ بِقُبْحِ مَا هُمْ عَلَيْهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مُجَالَسَتُهُمْ مَعَ تَرْكِ النَّكِيرِ سَوَاءٌ كَانُوا مُظْهِرِينَ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِلظُّلْمِ والقبائح أو غير مُظْهِرِينَ لَهُ لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ عَنْ مُجَالَسَةِ الظَّالِمِينَ لِأَنَّ فِي مُجَالَسَتِهِمْ مُخْتَارًا مَعَ تَرْكِ النَّكِيرِ دَلَالَةً عَلَى الرِّضَا بِفِعْلِهِمْ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْآيَاتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَا رُوِيَ فِيهِ وقَوْله تَعَالَى وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النار قَوْله تَعَالَى وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تبسل نفس بما كسبت قَالَ قَتَادَةُ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا المشركين وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ لَكِنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّهَدُّدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَقَوْلُهُ تُبْسَلَ قَالَ الْفَرَّاءُ تُرْتَهَنُ وَقَالَ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ تُسْلَمَ وَقَالَ قَتَادَةُ تُحْبَسَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُفْضَحَ وَقِيلَ أَصْلُهُ الِارْتِهَانُ وَقِيلَ التَّحْرِيمُ وَيُقَالُ أَسَدٌ بَاسِلٌ لِأَنَّ فَرِيسَتَهُ مُرْتَهَنَةٌ بِهِ لَا تَفْلِتُ مِنْهُ وَهَذَا بَسْلٌ عَلَيْك أَيْ حَرَامٌ عَلَيْك لِأَنَّهُ مِمَّا يُرْتَهَنُ بِهِ وَيُقَالُ أُعْطِيَ الرَّاقِي بَسْلَتَهُ أَيْ أُجْرَتَهُ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُرْتَهَنٌ بِالْأُجْرَةِ وَالْمُسْتَبْسَلُ الْمُسْتَسْلَمُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَهَنِ بِمَا أَسْلَمَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا ربى قِيلَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَالٍ نَظَرَهُ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى مَا سَبَقَ إلَى وَهْمِهِ وَغَلَبَ فِي ظَنِّهِ لِأَنَّ قَوْمَهُ قَدْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ عَلَى أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ فَيَقُولُونَ هَذَا صَنَمُ زُحَلَ وَصَنَمُ الشَّمْسِ وَصَنَمُ الْمُشْتَرِي وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَقَبْلَ إكْمَالِ اللَّهِ تَعَالَى عَقْلُهُ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ فَقَالَ ذَلِكَ وَقَدْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهِ الْأُمُورُ وَحَرَّكَتْهُ الْخَوَاطِرُ وَالدَّوَاعِي على الكفر فِيمَا شَاهَدَهُ مِنْ الْحَوَادِثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ وَلَدَتْهُ فِي مَغَارٍ خَوْفًا مِنْ نُمْرُودٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ الْأَطْفَالَ الْمَوْلُودِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْمَغَارِ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ حِينَ شَاهَدَ الْكَوَاكِبَ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَى قَوْمِهِ وَحَذَفَ الْأَلِفَ وَأَرَادَ أَهَذَا رَبِّي قَالَ الشَّاعِرُ: كَذَبَتْك عَيْنُك أَمْ رَأَيْت بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلَامِ مِنْ الرباب خيالا ومعناه أكذبتك وقال آخر: رفونى وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ ... فَقُلْت وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمْ هُمْ

стр. 1314

مَعْنَاهُ أَهُمْ هُمْ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لا أُحِبُّ الآفلين إخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَبٍّ وَلَوْ كَانَ رَبًّا لَأَحْبَبْته وَعَظَّمْته تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال الَّذِي سَلَكَ إبْرَاهِيمُ طَرِيقَهُ مِنْ أَصَحِّ مَا يَكُونُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَأَوْضَحِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْكَوْكَبَ فِي عُلُوِّهِ وَضِيَائِهِ قَرَّرَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يَنْقَسِمُ إلَيْهِ حُكْمُهُ مِنْ كَوْنِهِ رَبًّا خَالِقًا أَوْ مَخْلُوقًا مَرْبُوبًا فَلَمَّا رَآهُ طَالِعًا آفِلًا وَمُتَحَرِّكَا زَائِلًا قَضَى بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ لِمُقَارَنَتِهِ لِدَلَالَاتِ الْحَدَثِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِرَبٍّ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمُحْدَثَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إحْدَاثِ الْأَجْسَامِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ فِيهِ كَمَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ مِنْهُ إذْ كَانَ مُحْدَثًا فَحَكَمَ بِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي جِهَةِ الْحُدُوثِ وَامْتِنَاعِ كَوْنِهِ خَالِقًا رَبًّا ثُمَّ لَمَّا طَلَعَ الْقَمَرُ فَوَجَدَهُ مِنْ الْعِظَمِ والإشراق وانبساط النور على خلاف الكواكب قَرَّرَ أَيْضًا نَفْسَهُ عَلَى حُكْمِهِ فَقَالَ هَذَا ربي فلما رعاه وتأمل حاله وَجَدَهُ فِي مَعْنَاهُ فِي بَابِ مُقَارَنَتِهِ لِلْحَوَادِثِ مِنْ الطُّلُوعِ وَالْأُفُولِ وَالِانْتِقَالِ وَالزَّوَالِ حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ وَأَضْوَأَ مِنْهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَا شَاهَدَ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا مِنْ الْعِظَمِ والضياء من أن يقضى له بِالْحُدُوثِ لِوُجُودِ دَلَالَاتِ الْحَدَثِ فِيهِ ثُمَّ لَمَّا أَصْبَحَ رَأَى الشَّمْسَ طَالِعَةً فِي عِظَمِهَا وَإِشْرَاقِهَا وَتَكَامُلِ ضِيَائِهَا قَالَ هَذَا رَبِّي لِأَنَّهَا بِخِلَافِ الكواكب وَالْقَمَرِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ ثُمَّ لَمَّا رَآهَا آفِلَةً مُنْتَقِلَةً حَكَمَ لَهَا بِالْحُدُوثِ أَيْضًا وَأَنَّهَا في حكم الكواكب وَالْقَمَرِ لِشُمُولِ دَلَالَةِ الْحَدَثِ لِلْجَمِيعِ وَفِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ على قومه أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَعَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْحَشْوِ الْقَائِلِينَ بِالتَّقْلِيدِ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالتَّقْلِيدِ لَكَانَ أَوْلَاهُمْ بِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَلَمَّا اسْتَدَلَّ إبْرَاهِيمُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى قَوْمِهِ ثَبَتَ بِذَلك أَنَّ عَلَيْنَا مِثْلَهُ وَقَدْ قَالَ فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ ذِكْرِهِ إيَّاهُ مَعَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فبهداهم اقتده فَأَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الْكُفَّارِ وَمِنْ حَيْثُ دَلَّتْ أَحْوَالُ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ خَالِقَةٍ وَمَرْبُوبَةٌ غَيْرُ رَبٍّ فَهِيَ دَالَّةٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهَا فِي الِانْتِقَالِ وَالزَّوَالِ وَالْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَبًّا خَالِقًا وَأَنَّهُ يَكُونُ مَرْبُوبًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ وَلَا الزَّوَالُ وَلَا الْمَجِيءُ وَلَا الذَّهَابُ لِقَضِيَّةِ اسْتِدْلَالِ إبْرَاهِيمَ ﵇ بِأَنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَبَدَ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ فَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِاَللَّهِ

стр. 1315

تَعَالَى وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَبَدَ كَوْكَبًا أَوْ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى تَجِبُ بِكَمَالِ الْعَقْلِ قَبْلَ إرْسَالِ الرُّسُلِ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ بِحُجَجِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ قَوْله تَعَالَى وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ على قومه يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُدُوثِ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَأَنَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهَا مِنْ مُقَارَنَةِ الْحَوَادِثِ لَهُ لَا يَكُونُ إلَهًا وَلَمَّا قُرِّرَ ذَلِكَ عندهم قال أى الفريقين أحق بالأمن أَمَّنْ يَعْبُدُ إلَهًا وَاحِدًا أَحَقُّ أَمْ مَنْ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتَّى قَالُوا مَنْ يَعْبُدُ إلَهًا وَاحِدًا فَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَصَارُوا مَحْجُوجِينَ وَقِيلَ إنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لَهُ أَمَا تَخَافُ أَنْ تخبلك آلِهَتُنَا قَالَ لَهُمْ أَمَا تَخَافُونَ أَنْ تَخْبِلَكُمْ بِجَمْعِكُمْ الصَّغِيرِ مَعَ الْكَبِيرِ فِي الْعِبَادَةِ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ حِجَاجُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ رَجَعَ عَلَيْهِمْ مَا أَرَادُوا إلْزَامَهُ إيَّاهُ فَأَلْزَمَهُمْ مِثْلَهُ عَلَى أَصْلِهِمْ وَأَبْطَلَ قَوْلَهُمْ بِقَوْلِهِ قَوْله تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ أَمْرٌ لَنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِمَنْ ذَكَرَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اسْتِدْلَالِ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَيُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ فِي لُزُومِ شَرَائِعِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّهُ لَمْ يُخَصَّصْ بِذَلِكَ الِاسْتِدْلَال عَلَى التَّوْحِيدِ مِنْ الشَّرَائِعِ السَّمْعِيَّةِ وَهُوَ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ قَوْله تَعَالَى لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وهو يدرك الأبصار يُقَالُ إنَّ الْإِدْرَاكَ أَصْلُهُ اللُّحُوقُ نَحْوُ قَوْلِك أَدْرَكَ زَمَانَ الْمَنْصُورِ وَأَدْرَكَ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَدْرَكَ الطَّعَامَ أَيْ لَحِقَ حَالَ النُّضْجِ وَأَدْرَكَ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَةَ وَأَدْرَكَ الْغُلَامَ إذَا لَحِقَ حَالَ الرِّجَالِ وَإِدْرَاكُ الْبَصَرِ لِلشَّيْءِ لُحُوقُهُ لَهُ بِرُؤْيَتِهِ إيَّاهُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَدْرَكْت بِبَصَرِي شَخْصًا مَعْنَاهُ رَأَيْته بِبَصَرِي وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِدْرَاكُ الْإِحَاطَةَ لِأَنَّ الْبَيْتَ مُحِيطٌ بِمَا فِيهِ وَلَيْسَ مُدْرِكًا له فقوله تعالى لا تدركه الأبصار مَعْنَاهُ لَا تَرَاهُ الْأَبْصَارُ وَهَذَا تَمَدُّحٌ بِنَفْيِ رُؤْيَةِ الْأَبْصَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نوم وَمَا تَمَدَّحَ اللَّهُ بِنَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ إثْبَاتَ ضِدِّهِ ذَمٌّ وَنَقْصٌ فَغَيْرُ جَائِزٍ إثْبَاتُ نَقِيضِهِ بِحَالٍ كَمَا لَوْ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُ الصِّفَةِ بلا تأخذه سنة ولا نوم لَمْ يَبْطُلْ إلَّا إلَى صِفَةِ نَقْصٍ فَلَمَّا تَمَدَّحَ بِنَفْيِ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ ضِدِّهِ وَنَقِيضِهِ بِحَالٍ إذْ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ صِفَةِ نَقْصٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مخصوصا بقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة لِأَنَّ النَّظَرَ مُحْتَمِلٌ لِمَعَانٍ مِنْهُ انْتِظَارُ الثَّوَابِ كَمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ لَمْ يَجُزْ الِاعْتِرَاضُ

стр. 1316

عليه بلا مسوغ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ وَالْأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي الرُّؤْيَةِ إنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ لَوْ صَحَّتْ وَهُوَ عِلْمُ الضَّرُورَةِ الَّذِي لَا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ وَلَا تَعْرِضُ فِيهِ الشُّكُوكُ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ مَشْهُورَةٌ فِي اللُّغَةِ قَوْله تَعَالَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما أشركوا مَعْنَاهُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى ضِدِّ الشِّرْكِ مِنْ الْإِيمَانِ قَسْرًا مَا أَشْرَكُوا لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ لَا بِأَنْ لَا يَكُونَ فَمُتَعَلِّقُ الْمَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَشِيئَةِ الْحَالُ الَّتِي تُنَافِي الشرك قسرا بالانقطاع عَنْ الشِّرْكِ عَجْزًا وَمَنْعًا وَإِلْجَاءً فَهَذِهِ الْحَالُ لا يشأها اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ مَنْعٌ مِنْ الطَّاعَةِ وَإِبْطَالٌ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ قَوْله تَعَالَى وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بغير علم قَالَ السُّدِّيُّ لَا تَسُبُّوا الْأَصْنَامَ فَيَسُبُّوا مِنْ أَمْرِكُمْ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَيْبِهَا وَقِيلَ لَا تَسُبُّوا الْأَصْنَامَ فَيَحْمِلُهُمْ الْغَيْظُ وَالْجَهْلُ عَلَى أَنْ يَسُبُّوا مَنْ تَعْبُدُونَ كَمَا سَبَبْتُمْ مَنْ يَعْبُدُونَ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحِقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُفَّ عَنْ سَبِّ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ يَتَسَرَّعُونَ إلَى سَبِّهِ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ لَهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ قَوْله تَعَالَى فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كنتم بآياته مؤمنين ظَاهِرُهُ أَمْرٌ وَمَعْنَاهُ الْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا حللتم فاصطادوا- فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض هَذَا إذَا أَرَادَ بِأَكْلِهِ التَّلَذُّذَ فَهُوَ إبَاحَةٌ يحتمل الترغيب في اعتقاد صحة الإذن فيه فِي أَكْلِهِ لِلِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ آكِلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَأْجُورًا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولَ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مؤمنين يَدُلُّ عَلَى حَظْرِ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِاقْتِضَائِهِ مُخَالَفَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقوله مما ذكر اسم الله عليه عُمُومٌ فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ وَيُحْتَجُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ ذَبْحِ الْغَاصِبِ لِلشَّاةِ الْمَغْصُوبَةِ وَفِي الذبح بسكين مغصوبة أن المالك للشاة أَكْلُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عليه إذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وباطنه قَالَ الضَّحَّاكُ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ إعْلَانَ الزِّنَا إثْمًا وَالِاسْتِسْرَارُ بِهِ غَيْرُ إثْمٍ فَقَالَ الله تعالى وذروا ظاهر الإثم وباطنه وَهُوَ عُمُومٌ فِي سَائِرِ مَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَنَّ عَلَيْهِ تَرْكَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَهُوَ يوجب تحريم الخمر أيضا لقوله تعالى يسئلونك عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْإِثْمِ مَا يَفْعَلُهُ بِالْجَوَارِحِ وَبَاطِنُهُ مَا يَفْعَلُهُ بِقَلْبِهِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْفُصُولِ وَنَحْوِهَا مِمَّا حُظِرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عليه وإنه لفسق

стр. 1317

فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إنْ تَرَكَ الْمُسْلِمُ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا أُكِلَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُؤْكَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي تَارِكِ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ وَطَاوُسٍ قَالُوا لَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا ذَبَحَ وَنَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ عَلِيٌّ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُسْلِمُ ذِكْرُ اللَّهَ فِي قَلْبِهِ وَقَالَ كَمَا لَا يَنْفَعُ الِاسْمُ فِي الشِّرْكِ لَا يَضُرُّ النِّسْيَانُ فِي الْمِلَّةِ وَقَالَ عَطَاءٌ الْمُسْلِمُ تَسْمِيَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْلِمُ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُؤْمِنُ هُوَ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَالْمُؤْمِنُ تَسْمِيَةٌ لَلذَّابِحِ وَرَوَى أَبُو خَالِدٍ الْأَصَمُّ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ غُلَامَا لِابْنِ عُمَر قَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قَالَ قَدْ قُلْت قَالَ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قَالَ قَدْ قُلْت قَالَ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قَالَ قَدْ قُلْت قَالَ فَذَبَحَ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا لَمْ يُؤْكَلْ وَرَوَى يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَتَى عَلَى غُلَامٍ لِابْنِ عُمَرَ قَائِمًا عِنْدَ قَصَّابٍ ذَبَحَ شَاةً وَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَمَرَهُ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَقُومَ عِنْدَهُ فَإِذَا جَاءَ إنْسَانٌ يَشْتَرِي قَالَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ لَمْ يُذَكِّهَا فَلَا تَشْتَرِ وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يَذْبَحُ فَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَأْكُلَ وَظَاهِرُ الْآيَةِ مُوجِبٌ لِتَحْرِيمِ مَا تَرَكَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ نَاسِيًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ عَامِدًا إلَّا أَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ فَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ أَكْلَهُ مَعَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لَحُكْمِهَا بِحَالٍ هَذَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي إيجَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ الذَّبَائِحُ الَّتِي ذَبَحَهَا الْمُشْرِكُونَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى شريك عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ أَمَّا مَا قَتَلَ رَبُّكُمْ فَمَاتَ فَلَا تَأْكُلُونَهُ وَأَمَّا مَا قَتَلْتُمْ أَنْتُمْ وَذَبَحْتُمْ فَتَأْكُلُونَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عليه قَالَ الْمَيْتَةَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ فَإِذَا كَانَتْ الْآيَةُ فِي الْمَيْتَةِ وَفِي ذَبَائِحِ المشركين فهي مقصودة الْحُكْمِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا ذَبَائِحُ الْمُسْلِمِينَ قِيلَ لَهُ نُزُولُ الْآيَةِ عَلَى سَبَبٍ لَا يُوجِبُ الِاقْتِصَارَ بِحُكْمِهَا عَلَيْهِ بَلْ الْحُكْمُ لِلْعُمُومِ إذَا كَانَ أَعُمَّ مِنْ السَّبَبِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَبَائِحَ الْمُشْرِكِينَ لَذَكَرَهَا وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى ذِكْرِ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ سموا

стр. 1318

عَلَى ذَبَائِحِهِمْ لَمْ تُؤْكَلْ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَبَائِحَ الْمُشْرِكِينَ إذْ كَانَتْ ذَبَائِحُهُمْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَمُّوا وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِ ذَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَيْضًا فَلَوْ أَرَادَ ذَبَائِحَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الْمَيْتَةَ لَكَانَتْ دَلَالَةُ الْآيَةِ قَائِمَةً عَلَى فَسَادِ التَّذْكِيَةِ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ إذْ جَعَلَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَمًا لِكَوْنِهِ مَيْتَةً فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّسْمِيَةُ دُونَ ذَبِيحَةِ الْكَافِرِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ إسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ ليوحون إلى أوليائهم قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلَا تَأْكُلُوهُ وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ الله فَكُلُوهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عليه فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُجَادَلَةَ مِنْهُمْ كَانَتْ فِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي إيجَابِهَا لَا مِنْ طَرِيقِ ذَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا الْمَيْتَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ترك التسمية عامدا يفسد الذكاة. قوله تعالى يسئلونك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وما علمتم من الجوارح مكلبين- إلى قوله- واذكروا اسم الله عليه وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْآكِلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ حَالَ الِاصْطِيَادِ وَالسَّائِلُونَ قَدْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَلَمْ يُبَحْ لَهُمْ الْأَكْلُ إلَّا بِشَرِيطَةِ التَّسْمِيَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عليها صواف يعنى في حال النحر لأن الله تعالى قال فإذا وجبت جنوبها وَالْفَاء لِلتَّعْقِيبِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ حِينَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ إذَا أَمْسَكَ عَلَيْك وَإِنْ وَجَدَتْ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تأكله فإنما ذكرت اسم الله على كلبك وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ مُسْلِمًا فَأَمَرَهُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى إرْسَالِ الْكَلْبِ وَمَنَعَهُ الْأَكْلَ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ بِقَوْلِهِ فلا تأكله فإنما ذكرت اللَّهِ عَلَى كَلْبِك وَقَدْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ عَنْ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ أَيْضًا وَيَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وإنه لفسق وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْأَمْرَيْنِ مِنْ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَمِنْ الْأَكْلِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حال تركها عامدا إذا كَانَ النَّاسِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَلْحَقُهُ سِمَةُ الْفِسْقِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ الله

стр. 1319

إنَّ الْأَعْرَابَ يَأْتُونَ بِاللَّحْمِ فَبِتْنَا عِنْدَهُمْ وَهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَا نَدْرِي ذَكَرُوا اسْمَ الله عليه أم لا فقال سموا الله عليه وَكُلُوا فَلَوْ لَمْ تَكُنْ التَّسْمِيَةُ مِنْ شَرْطِ الذَّكَاةِ لَقَالَ وَمَا عَلَيْكُمْ مِنْ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَلَكِنَّهُ قَالَ كُلُوا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ فَلَا تُحْمَلُ عَلَى الْفَسَادِ وَمَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلَالَةٍ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَرْكَ الْمُسْلِمِ التَّسْمِيَةَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْ اسْتَبَاحَ أَكْلَهُ فاسقا لقوله تعالى وإنه لفسق فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ التَّارِكَ لِلتَّسْمِيَةِ عَامِدًا غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ بِسِمَةِ الْفِسْقِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَيْتَةُ أَوْ ذَبَائِحُ الْمُشْرِكِينَ قيل له ظاهر قوله وإنه لفسق عَائِدٌ عَلَى الْجَمِيعِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَقِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى خُصُوصِ بَعْضِهِمْ غَيْرُ مَانِعٍ بَقَاءَ حُكْمِ الْآيَةِ فِي إيجَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الذَّبِيحَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّا نَقُولُ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا مَعَ اعْتِقَادِهِ لِوُجُوبِهَا هُوَ فَاسِقٌ وَكَذَلِكَ مَنْ أَكَلَ مَا هَذَا سَبِيلُهُ مَعَ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا فَقَدْ لَحِقَتْهُ سِمَةُ الْفِسْقِ وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَيْتَةِ أَوْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الشِّرْكِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَاسِقًا لِزَوَالِهِ عِنْدَ حُكْمِ الْآيَةِ بِالتَّأْوِيلِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَمَّا كَانَتْ التَّسْمِيَةُ ذِكْرًا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي اسْتِدَامَتِهِ وَلَا فِي انْتِهَائِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا فِي ابْتِدَائِهِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَاسْتَوَى فِيهِ الْعَامِدُ وَالنَّاسِي قِيلَ لَهُ أَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ دَعْوَى مَحْضٌ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَى أَصْلٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ عَلَى أَنَّهُ منتقض بالإيمان والشهادتين وكذلك في التلبية والاستيذان وَمَا شَاكَلَ هَذَا لِأَنَّ هَذِهِ إذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي اسْتِدَامَتِهَا وَانْتِهَائِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الذَّكَاةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عليه خِطَابٌ لِلْعَامِدِ دُونَ النَّاسِي وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تعالى في نسق التلاوة وإنه لفسق وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةٌ لِلنَّاسِي وَلِأَنَّ النَّاسِيَ فِي حَالِ نِسْيَانِهِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلتَّسْمِيَةِ وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بن عمير عن عبد الله ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لِلتَّسْمِيَةِ فَقَدْ أَوْقَعَ الذَّكَاةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُفْسِدُهُ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ وَغَيْرُ جَائِزٍ إلْزَامُهُ ذَكَاةً أُخْرَى لِفَوَاتِ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ نِسْيَانِ تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ أَوْ نِسْيَانِ الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ بَعْدَ الذِّكْرِ هُوَ فَرْضٌ آخَرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَهُ فَرْضٌ آخَرُ فِي الذَّكَاةِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ مِنْ شرائط الذكاة

стр. 1320

لَمَا أَسْقَطَهَا النِّسْيَانُ كَتَرْكِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَهَذَا السُّؤَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ مَنْ أَسْقَطَ التَّسْمِيَةَ رَأْسًا وَمَنْ أَوْجَبَهَا فِي حَالِ النِّسْيَانِ فَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَهَا فَإِنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَيْنَا بِاتِّفَاقِنَا عَلَى سُقُوطِهَا فِي حال النسيان وشرائط الزكاة لَا يُسْقِطُهَا النِّسْيَانُ كَتَرْكِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ فَدَلَّ على أن التسمية ليست بشرطها فِيهَا وَمَنْ أَوْجَبَهَا فِي حَالِ النِّسْيَانِ يُشَبِّهُهَا بِتَرْكِ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ نَاسِيَا أَوْ عَامِدًا أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الذَّكَاةِ فَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَ فَرَضَ التَّسْمِيَةِ رَأْسًا فَإِنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَا يَصِحُّ لَهُ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ فِعْلُ الطَّهَارَةِ وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ شُرُوطِهَا ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ تَارِكِ الطَّهَارَةِ نَاسِيًا وَبَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا وَكَذَلِكَ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ وَتَرْكُ الأكل أيضا شرط فيه صِحَّتِهِ وَلَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ نَاسِيًا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ فَهَذَا سُؤَالٌ يَنْتَقِضُ عَلَى أَصْلِ هَذَا السَّائِلِ وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهَا فِي حَالِ النِّسْيَانِ وَاسْتَدَلَّ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ قَطْعَ الْأَوْدَاجِ هُوَ نَفْسُ الذَّبْحِ الَّذِي يُنَافِي مَوْتَهُ حَتْفَ أَنْفِهِ وَيَنْفَصِلُ بِهِ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالتَّسْمِيَةُ مَشْرُوطَةٌ لِذَلِكَ لَا عَلَى أَنَّهَا نَفْسُ الذَّبْحِ بَلْ هِيَ مَأْمُورٌ بِهَا عِنْدَهُ فِي حَالِ الذِّكْرِ دُونَ حَالِ النِّسْيَانِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ مِنْ وُجُودِ الذَّبْحِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَا قَوْله تَعَالَى وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نصيبا الْآيَةُ الْحَرْثُ الزَّرْعُ وَالْحَرْثُ الْأَرْضُ الَّتِي تُثَارُ لِلزَّرْعِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ عَمَدَ أُنَاسٌ من أهل الضلالة فجزؤوا من حروثهم ومواشيهم جزأ لله تعالى وجزأ لِشُرَكَائِهِمْ فَكَانُوا إذَا خَالَطَ شَيْءٌ مِمَّا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ مَا جَزَّءُوا لِلَّهِ تَعَالَى رَدُّوهُ عَلَى شُرَكَائِهِمْ وَكَانُوا إذَا أَصَابَتْهُمْ السَّنَةُ اسْتَعَانُوا بِمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ تَعَالَى وَوَفَّرُوا مَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ وَقِيلَ إنَّهُمْ كَانُوا إذَا هَلَكَ الَّذِي لِأَوْثَانِهِمْ أَخَذُوا بَدَلَهُ مِمَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَقِيلَ إنَّهُمْ كَانُوا يَصْرِفُونَ بَعْضَ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى أَوْثَانِهِمْ وَلَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا جَعَلُوهُ لِلْأَوْثَانِ وإنما جعل الأوثان شركائهم لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ يُنْفِقُونَهَا عَلَيْهَا فَشَارَكُوهَا فِي نِعَمِهِمْ قَوْله تَعَالَى وَقَالُوا هذه أنعام وحرث حجر قَالَ الضَّحَّاك الْحَرْثُ الزَّرْعُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِأَوْثَانِهِمْ وَأَمَّا الْأَنْعَامُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلًا فَهُوَ مَا جَعَلُوهُ لِأَوْثَانِهِمْ كَمَا جَعَلُوا الْحَرْثَ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهَا فِي سَدَنَتِهَا وَمَا يَنُوبُ مِنْ أَمْرِهَا وَقِيلَ مَا جُعِلَ مِنْهَا قُرْبَانًا لِلْأَوْثَانِ وَأَمَّا الْأَنْعَامُ الَّتِي ذُكِرَتْ ثَانِيًا فَإِنَّ الْحَسَنَ وَمُجَاهِدًا قَالَا هِيَ السَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامِي وَأَمَّا الَّتِي ذُكِرَتْ ثالثا فإن

стр. 1321

السُّدِّيَّ وَغَيْرَهُ قَالُوا هِيَ الَّتِي إذَا وَلَّدُوهَا أَوْ ذَبَحُوهَا أَوْ رَكِبُوهَا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ هِيَ الَّتِي لا يحجون عليها وقوله تعالى حجر قال قتادة يعنى حراما وَأَصْلُهُ الْمَنْعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَقُولُونَ حِجْرًا محجورا أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا قَوْله تَعَالَى وَقَالُوا مَا في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنُونَ اللَّبَنَ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا الْبَحَائِرُ كَانَتْ لِلذُّكُورِ دُونَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً اشْتَرَكَ فِيهَا ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ قَوْله تَعَالَى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ قَالَ قَتَادَةُ يَعْنِي الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِي تَحْرِيمًا مِنْ الشَّيْطَانِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ يَعْنِي بِهَا الْأَجِنَّةَ وَقَالَ غَيْرُهُمْ أَرَادَ بِهَا الْأَلْبَانَ وَالْأَجِنَّةَ جَمِيعًا وَالْخَالِصُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ كَالذَّهَبِ الْخَالِصِ وَمِنْهُ إخْلَاصُ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أَنَّثَ خَالِصَةً عَلَى الْمُبَالَغَةِ في الصفة كالعلامة والرواية وَقِيلَ عَلَى تَأْنِيثِ الْمَصْدَرِ نَحْوُ الْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ ومنه بخالصة ذكرى الدار وَقِيلَ لِتَأْنِيثِ مَا فِي بُطُونِهَا مِنْ الْأَنْعَامِ وَيُقَالُ فُلَانٌ خَالِصَةٌ فُلَانٌ وَخُلْصَانُهُ وقَوْله تَعَالَى وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء يَعْنِي أَجِنَّةَ الْأَنْعَامِ إذَا كَانَتْ مَيْتَةً اسْتَوَى ذكورهم وَأُنْثَاهُمْ فِيهَا فَأَكَلُوهَا جَمِيعًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْق الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى قَوْلِهِ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كانوا مهتدين قَوْله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وغير معروشات- إلى قوله تعالى- وآتوا حقه يوم حصاده قال ابن عباس والسدى معروشات مَا عَرَشَ النَّاسُ مِنْ الْكُرُومِ وَنَحْوِهَا وَهُوَ رَفْعُ بَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى بَعْضٍ وَقِيلَ إنَّ تَعْرِيشَهُ أَنْ يُحْظَرَ عَلَيْهِ بِحَائِطٍ وَأَصْلُهُ الرَّفْعُ ومنه خاوية على عروشها أَيْ عَلَى أَعَالِيهَا وَمَا ارْتَفَعَ مِنْهَا وَالْعَرْشُ السَّرِيرُ لِارْتِفَاعِهِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الزَّرْعَ وَالنَّخْلَ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ثُمَّ قَالَ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ إيجَابَ الْحَقِّ فِي سَائِرِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الْمَذْكُورَةِ على الْآيَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وآتوا حقه يوم حصاده فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومحمد بن الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ وَزَيْدِ بن

стр. 1322

أَسْلَمَ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهُ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَمُحَمَّدِ بن الْحَنَفِيَّةِ وَالسُّدِّيِّ وَإِبْرَاهِيمَ نَسَخَهَا الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ نَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ وَقَالَ الضَّحَّاكُ نَسَخَتْ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عِنْدَ الصِّرَامِ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ جِدَادِ اللَّيْلِ وَعَنْ صِرَامِ اللَّيْلِ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا لِأَجْلِ الْمَسَاكِينِ كَيْ يَحْضُرُوا قَالَ مُجَاهِدٌ إذَا حَصَدْت طَرَحْت للمساكين منه وكذلك إذا ظننت وإذا أكدست وَيُتْرَكُونَ يَتَّبِعُونَ آثَارَ الْحَصَّادِينَ وَإِذَا أَخَذْت فِي كَيْلِهِ حَثَوْت لَهُمْ مِنْهُ وَإِذَا عَلِمْت كَيْلَهُ عزلت زكاته وإذا أخذت في جدد النَّخْلِ طَرَحْت لَهُمْ مِنْهُ وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذْت فِي كَيْلِهِ وَإِذَا عَلِمْت كَيْلَهُ عَزَلْت زَكَاتَهُ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حصاده مَنْسُوخٌ بِالْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ يُبَيِّنُ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ تجويز نسخ القرآن بالسنة وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الصِّنْفِ الْمُوجَبِ فِيهِ والآخر في مقداره. ذكر الخلاف في الموجب فيه قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ فِي جَمِيعِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ الْعُشْرُ إلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ إلَّا مَا كَانَ لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ وَقَالَ مَالِكٌ الْحُبُوبُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ وَالْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبْيَاءُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ وَفِي الزَّيْتُونِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ زَكَاةٌ إلَّا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنُ صَالِحٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا يَيْبَسُ وَيُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ مَأْكُولًا وَلَا شَيْءَ فِي الزَّيْتُونِ لِأَنَّهُ إدَامٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخُضَرِ صَدَقَةٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ دَسَاتِجِ الْكُرَّاثِ الْعُشْرَ بِالْبَصْرَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حصاده وَفِي بَقَاءِ حُكْمِهِ أَوْ نَسْخِهِ وَالْكَلَامُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا هَلْ الْمُرَادُ زَكَاةُ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَهُوَ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ أَوْ حَقٌّ آخِرُ غَيْرُهُ وَهَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ غَيْرُ مَنْسُوخٍ فَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ

стр. 1323

عَلَى وُجُوبِ الْحَقِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَهُوَ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ وَمَتَى وَجَدْنَا حُكْمًا قَدْ اسْتَعْمَلَتْهُ الْأُمَّةُ وَلَفْظُ الْكِتَابِ يَنْتَظِمُهُ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْهُ فَوَاجِبٌ أَنْ يُحْكَمَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ إنَّمَا صَدَرَ عَنْ الْكِتَابِ وَأَنَّ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ هُوَ الْحُكْمُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ وَغَيْرُ جَائِزٍ إثْبَاتُهُ حَقًّا غَيْرَهُ ثُمَّ إثبات نسخه بقوله ﷺ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ إذْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَقُّ هُوَ الْعُشْرُ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ بَيَانًا لِلْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حصاده كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دراهم بيان لقوله تعالى وآتوا الزكاة وَقَوْلُهُ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لكم من الأرض وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَآتُوا حَقَّهُ يوم حصاده مَنْسُوخًا بِالْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَقَعُ بِمَا لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا فَأَمَّا مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا مَعًا فَغَيْرُ جَائِزٍ وُقُوعُ النَّسْخِ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَهُوَ الْعُشْرُ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِهِ وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ هَذَا الْحَقَّ ثَابِتَ الْحُكْمِ غَيْرَ مَنْسُوخٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ حَقٌّ آخَرُ غَيْرُ الْعُشْرِ يَجِبُ عِنْدَ الْحَصَادِ وَعِنْدَ الدِّيَاسِ وَعِنْدَ الْكَيْلِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو قَوْلُهُ هَذَا مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ عِنْدَهُ الْوُجُوبَ أَوْ النَّدْبَ فَإِنْ كَانَ نَدْبًا عِنْدَهُ لَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ صَرْفُ الْأَمْرِ عَنْ الْإِيجَابِ إلَى النَّدْبِ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَإِنَّ رَآهُ وَاجِبًا فَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ لَوَجَبَ أَنْ يَرِدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَوَاتِرًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَكَانَ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَقْلُهُ فِي نَقْلِ وُجُوبِ الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ فَلَمَّا لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ عَامَّةُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ هُوَ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ الَّذِي بينه ﷺ فَإِنْ قِيلَ الزَّكَاةُ لَا تُخْرَجُ يَوْمَ الْحَصَادِ وَإِنَّمَا تُخْرَجُ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ قِيلَ لَهُ الْحَصَادُ اسْمٌ لِلْقَطْعِ فَمَتَى قَطَعَهُ فَعَلَيْهِ إخْرَاجُ عُشْرِ مَا صَارَ فِي يَدِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْخُضَرُ كُلُّهَا إنَّمَا يَخْرُجُ الْحَقُّ مِنْهَا يَوْمَ الْحَصَادِ غَيْرَ مُنْتَظَرٍ بِهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَقِيلَ إنَّ قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده لَمْ يَجْعَلْ الْيَوْمَ ظَرْفًا لِلْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ ظَرْفٌ لَحِقَهُ كَأَنَّهُ قَالَ وَآتُوا الْحَقَّ الَّذِي وَجَبَ يَوْمَ حَصَادِهِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمَّا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ هُوَ الْعُشْرُ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الزَّرْعَ بِلَفْظِ عُمُومٍ يَنْتَظِمُ لِسَائِرِ أَصْنَافِهِ وَذَكَرَ

стр. 1324

النَّخْلَ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وَآتُوا حقه يوم حصاده وَهُوَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ فَمَنْ ادَّعَى خُصُوصَ شَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوَجَبَ بِذَلِكَ إيجَابُ الْحَقِّ فِي الْخُضَرِ وَغَيْرِهَا وَفِي الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْحَقَّ فِيمَا ذَكَرَ يَوْمَ حَصَادِهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ اسْتِحْكَامِهِ وَمَصِيرِهِ إلَى حَالٍ تَبْقَى ثَمَرَتُهُ فَأَمَّا مَا أُخِذَ مِنْهُ قَبْلَ بُلُوغِ وَقْتِ الْحَصَادِ مِنْ الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ لَا يُحْصَدَانِ فَلَمْ يَدْخُلَا فِي عُمُومِ اللَّفْظِ قِيلَ لَهُ الْحَصَادُ اسْمٌ لِلْقَطْعِ وَالِاسْتِيصَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حتى جعلناهم حصيدا خامدين وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّة تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ اُحْصُدُوهُمْ حَصْدًا فَيَوْمَ حَصَادِهِ هُوَ يَوْمُ قَطْعِهِ فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِي الْخُضَرِ وَفِي كُلِّ مَا يُقْطَعُ مِنْ الثِّمَارِ عَنْ شَجَرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ أَخْضَرَ رَطْبًا وَأَيْضًا قَدْ أَوْجَبَ الْآيَةُ الْعُشْرَ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ بقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ يَوْمُ قَطْعِهِ لِشُمُولِ اسْمِ الْحَصَادِ لِقَطْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الحصاد هاهنا أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ وَاجِبٍ إخْرَاجُهُ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ وَبُلُوغِهِ حَتَّى يَحْصُلَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أن الحق قد يلزمه بِخُرُوجِهِ قَبْلَ قَطْعِهِ وَأَخْذِهِ فَأَفَادَ بِذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ مَا حَصَلَ فِي يَدِهِ دُونَ مَا تَلِفَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ فِي يَدِهِ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِ الْخَارِجِ قَوْله تَعَالَى أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ومما أخرجنا لكم من الأرض وَذَلِكَ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ الْخَارِجِ فَإِنْ قِيلَ النَّفَقَةُ لَا تُعْقَلْ مِنْهَا الصَّدَقَةُ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ النَّفَقَةَ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا غَيْرُ الصَّدَقَةِ وَبِهَذَا وَرَدَ الْكِتَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ منه تنفقون وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَقَالَ تَعَالَى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وعلانية الْآيَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيِ الْمُوجِبَةِ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ أمر وهو يقتضى الوجوب وليس هاهنا نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ إذْ النَّفَقَةُ عَلَى عِيَالِهِ وَاجِبَةٌ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّفَقَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ مَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلَى الْأَمْرِ فَلَا مَعْنَى لِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ فَلَا يُصْرَفُ إلَى النَّدْبِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ

стр. 1325

تغمضوا فيه قَدْ دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّ الْإِغْمَاضَ إنَّمَا يَكُونُ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَكُلُّ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ فَهُوَ فَضْلٌ وَرِبْحٌ فَلَا إغْمَاضَ فِيهِ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ مُعَاذٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا سقت السماء ففيه العشر وما سقى بالساقية فَنِصْفُ الْعُشْرِ وَهَذَا خَبَرٌ قَدْ تَلْقَاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ وَاسْتَعْمَلُوهُ فَهُوَ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ وَعُمُومُهُ يُوجِبُ الْحَقَّ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِ الْخَارِجِ فَإِنَّ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ قِيلَ لَهُ قَدْ قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ إنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَقُولُ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ ضَعِيفٌ قَالَ يَحْيَى وَقَدْ رَوَى عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ مُرْسَلًا وَعَبْدُ السَّلَامِ ثِقَةٌ وَإِنَّمَا أَصْلُ حَدِيثِ مُوسَى ابن طَلْحَةَ مَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بن عثمان ابن مُوهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ بَعَثَ إلَيْهِ فِي صَدَقَةِ أَرْضِهِ فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضُ خُضَرٍ وَرِطَابٍ إنَّ مُعَاذًا إنَّمَا أَمَرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّخْلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعِنَبِ فَهَذَا أَصْلُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ وَهُوَ تَأْوِيلٌ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْأَخْذِ مِنْ الْأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ عَمَّا سِوَاهَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أن يكون معاذا إنَّمَا اسْتَعْمَلَ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ دُونَ غَيْرِهَا وأيضا فلو استقام سند موسى ابن طَلْحَةَ وَصَحَّتْ طَرِيقَتُهُ لَمْ يَجُزْ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى خَبَرِ مُعَاذٍ فِي الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ وَاسْتَعْمَلُوهُ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي اسْتِعْمَالِ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ وَمَتَى وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَانِ فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِعْمَالِ الْآخَرِ كَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ قَاضِيًا عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْهُمَا خَاصًّا كَانَ ذَلِكَ أَوْ عَامًّا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ قَاضِيًا عَلَى خَبَرِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ وَأَيْضًا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا يمر به على العشر عَلَى مَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ وَيَكُونُ خَبَرُ مُعَاذٍ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْجَمِيعِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْأَرْضَ يُقْصَدُ طَلَبُ نَمَائِهَا بِزِرَاعَتِهَا الْخَضْرَاوَاتِ كَمَا يُطْلَبُ نَمَاؤُهَا بِزِرَاعَتِهَا الْحَبَّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْعُشْرُ كَالْحُبُوبِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْحَطَبُ

стр. 1326

وَالْقَصَبُ وَالْحَشِيشُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْبُتُ فِي الْعَادَةِ إذَا صَادَفَهُ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ زِرَاعَةٍ وَلَيْسَ يَكَادُ يُقْصَدُ بِهَا الْأَرْضُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ وَلَا خِلَافَ فِي نَفْيِ وُجُوبِ الْحَقِّ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَأْكُلُهُ رَبُّ النَّخْلِ مِنْ التَّمْرِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا أَكَلَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا أَكَلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَأَطْعَمَ جَارَهُ وَصَدِيقَهُ أُخِذَ مِنْهُ عُشْرُ مَا بَقِيَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ الصَّاعُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِمَّا أَكَلَ أَوْ أَطْعَمَ وَلَوْ أَكَلَ الثَّلَاثَمِائَةِ صَاعٍ وَأَطْعَمَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُشْرٌ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ عُشْرُ مَا بَقِيَ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ وَقَالَ اللَّيْثُ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ يُبْدَأُ بِهَا قَبْلَ النَّفَقَةِ وَمَا أَكَلَ مِنْ فَرِيكٍ هُوَ وَأَهْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الرُّطَبِ الَّذِي يُتْرَكُ لِأَهْلِ الْحَائِطِ مَا يَأْكُلُهُ هُوَ وَأَهْلُهُ لَا يُخْرَصُ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُتْرَكُ الْخَارِصُ لِرَبِّ الْحَائِطِ مَا يَأْكُلُهُ هُوَ وَأَهْلُهُ لَا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِ وَمَنْ أَكَلَ مِنْ نَخْلِهِ وَهُوَ رُطَبٌ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَقِّ فِي جَمِيعِ الْمَأْخُوذِ وَلَمْ يُخَصِّصْ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَكَلَهُ هُوَ وَأَهْلُهُ فَهُوَ عَلَى الْجَمِيعِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا أُمِرَ بِإِيتَاءِ الْحَقِّ يَوْمَ الْحَصَادِ فَلَا يَجِبُ الْحَقُّ فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ قَبْلَ الْحَصَادِ قِيلَ لَهُ الْحَصَادُ اسْمٌ لِلْقَطْعِ فَكُلَّمَا قَطَعَ مِنْهُ شَيْئَا لَزِمَهُ إخْرَاجُ عُشْرِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عَمَّا أُخِذَ قَبْلَ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ وَآتُوا حَقَّ الْجَمِيعِ يَوْمَ حَصَادِهِ الْمَأْكُولِ مِنْهُ وَالْبَاقِي وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَحْتَسِبْ بِالْمَأْكُولِ بِمَا رَوَى شُعْبَةُ عن حبيب بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ إلَى مَجْلِسِنَا فَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعَوْا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَالرُّبْعَ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا حَثْمَةَ خَارِصًا فَجَاءَهُ رِجْلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا حَثْمَةَ قَدْ زَادَ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن ابْنَ عَمِّك يَزْعُمُ أَنَّك قَدْ زِدْت عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْت لَهُ قَدْرَ عَرِيَّةِ أَهْلِهِ وَمَا يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ وَمَا يُصِيبُ الرِّيحُ فَقَالَ قَدْ زَادَك ابْنُ عَمِّك وَأَنْصَفَك وَالْعَرَايَا هِيَ الصَّدَقَةُ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ الثُّلُثِ صَدَقَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ مَكْحُولٍ الشَّامِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ خَفِّفُوا فِي الْخَرْصِ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ وَالْوَصِيَّةَ فَجَمَعَ بَيْنَ الْعَرِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الصَّدَقَةَ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ

стр. 1327

لَيْسَ فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ فَلَمْ يُوجِبْ فِيهَا صدقة لأن العارية نَفْسَهَا صَدَقَةٌ وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْخَبَرِ أَنَّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ صَاحِبُ الْعُشْرِ يُحْتَسَبُ لَهُ وَلَا تجب فيها صدقة ولا يضمنها. ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَقُّ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ يَجِبُ الْعُشْرَ فِي قَلِيلِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ وَكَثِيرِهِ إلَّا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ حَتَّى يَبْلُغَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَقُّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَقُّ مَكِيلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْوَسْقِ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إلَّا فِي الْعَسَلِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ عَشْرَ قِرَبٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يَدْخُلُ فِي الْوَسْقِ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَيُعْتَبَرُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ خَمْسَةَ أمثاله وَذَلِكَ نَحْوُ الزَّعْفَرَانِ فَإِنَّ أَعْلَى مَقَادِيرِهِ مَنًّا فَيُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ خَمْسَةَ أَمْنَاءٍ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمَنِّ فَإِنَّهُ يُضَاعَفُ أَوْ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَيُقَالُ مَنَوَانِ وَثَلَاثَةٌ وَنِصْفُ مَنٍّ وَرُبْعُ مَنٍّ وَيُعْتَبَرُ فِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ لِأَنَّ الْحِمْلَ أَعْلَى مَقَادِيرِهِ وَمَا زَادَ فَتَضْعِيفٌ لَهُ وَفِي الْعَسَلِ خَمْسَةُ أَفِرَاقَ لِأَنَّ الْفِرَقَ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ وَيُحْتَجُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ بقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده وَذَلِكَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ عُمُومٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُجْمَلًا فِي الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ لأن قوله حقه مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ وَقَدْ وَرَدَ الْبَيَانُ فِي مِقْدَارِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ وَيُحْتَجُّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرض وَذَلِكَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْخَارِجِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ الْحَوْلِ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْمِقْدَارِ كَالرِّكَازِ وَالْغَنَائِمِ وَاحْتَجَّ مُعْتَبِرُو الْمِقْدَارِ بِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ قَالَ أخبرنا عمرو ابن دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا صَدَقَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ أَوْ الْكَرْمِ أَوْ النَّخْلِ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَرَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَرَوَاهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ وجوه أحدها

стр. 1328

أَنَّهُ إذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَانِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالْآخَرُ خَاصٌّ وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِعْمَالِ الْآخَرِ فَالْمُتَّفَقُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ قَاضٍ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ خَبَرُ الْعُشْرِ مُتَّفَقًا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي خَبَرِ الْمِقْدَارِ كَانَ اسْتِعْمَالُ خَبَرِ الْعُشْرِ عَلَى عُمُومِهِ أَوْلَى وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَحْمُولًا عَلَى مَعْنَى لَا يُنَافِي شَيْئَا مِنْ خَبَرِ الْعُشْرِ وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ عَامٌّ فِي إيجَابِهِ فِي الْمَوْسُوقِ وَغَيْرِهِ وَخَبَرُ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ خَاصٌّ فِي الْمَوْسُوقِ دُونَ غَيْرِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمِقْدَارِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِجَمِيعِ مَا اقْتَضَى الْبَيَانُ فَلَمَّا كَانَ خَبَرُ الْأَوْسَاقِ مَقْصُورًا عَلَى ذِكْرِ مِقْدَارِ الْوَسْقِ دُونَ غَيْرِهِ وَكَانَ خَبَرُ الْعُشْرِ عُمُومًا في الموسق وَغَيْرِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَوْرِدَ الْبَيَانِ لِمِقْدَارِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا يُوسَقُ يُعْتَبَرُ فِي إيجَابِ الْحَقِّ بُلُوغُ مِقْدَارِهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَمَا لَيْسَ بِمَوْسُوقٍ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ولقوله ﵇ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفَقْدُ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ مِقْدَارِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْأَوْسَاقِ وهذا قول مطروح والقائل به ساقط مرزول لِاتِّفَاقِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى خِلَافِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كقوله ﷺ فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعَشْرِ وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ زَكَاةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الرِّقَةِ إلَّا وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْوَزْنِ وَالْأَوَاقِي مَذْكُورَةٌ لِلْوَزْنِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمِقْدَارِ جَمِيعِ الرِّقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلَّهِ حُقُوقًا وَاجِبَةً فِي الْمَالِ غَيْرَ الزَّكَاةِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالزَّكَاةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالضَّحَّاكِ قَالَا نَسَخَتْ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّقْدِيرُ مُعْتَبَرًا فِي الْحُقُوقِ الَّتِي كَانَتْ وَاجِبَةً فَنُسِخَتْ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ إذَا حَصَدْت طَرَحْت لِلْمَسَاكِينِ وَإِذَا كَدَّسْت وَإِذَا نَقَّيْت وَإِذَا عَلِمْت كَيْلَهُ عَزَلْت زَكَاتَهُ وَهَذِهِ الْحُقُوقُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ الْيَوْمَ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا رُوِيَ مِنْ تَقْدِيرِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي تِلْكَ الْحُقُوقِ وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ الْآيَةِ وَالْأَثَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى نَقْلِهِ بِهِ وَأَيْضًا فَقَدْ رُوِيَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ زَكَاةٌ فَجَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ زَكَاةَ التِّجَارَةِ بِأَنْ يَكُونَ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقِ طَعَامٍ أَوْ تَمْرٍ لِلتِّجَارَةِ فَأَخْبَرَ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ لِقُصُورِ قِيمَتِهِ عَنْ النِّصَابِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَنَقَلَ الرَّاوِي كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرَكَ ذكر السبب

стр. 1329

كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ. ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي اجْتِمَاعُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَشَرِيكٌ وَالشَّافِعِيُّ إذَا كَانَتْ أَرْضُ خَرَاجٍ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ وَالْخَرَاجُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا فَتَحَ السَّوَادَ وَضَعَ عَلَى الْأَرْضِ الْخَرَاجَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْعُشْرَ مِنْ الْخَارِجِ وَذَلِكَ بمشاورة الصحابة وبموافقتهم إيَّاهُ عَلَيْهِ فَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْ السَّلَفِ وَعَلَيْهِ مَضَى الْخَلَفُ وَلَوْ جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا لَجَمَعَهُمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵌ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّاضِحِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَذَلِكَ إخْبَارٌ بِجَمِيعِ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَوْ وَجَبَ الْخَرَاجُ مَعَهُ لَكَانَ ذَلِكَ بَعْضَ الْوَاجِبِ لِأَنَّ الْخَرَاجَ قَدْ يَكُونُ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ وَقَدْ يَكُونُ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵌ قدر الْعُشْرَ إلَى النِّصْفِ لِأَجْلِ الْمُؤْنَةِ الَّتِي لَزِمَتْ صَاحِبَهَا فَلَوْ لَزِمَ الْخَرَاجُ فِي الْأَرْضِ لَزِمَ سُقُوطُ نِصْفِ الْعُشْرِ الْبَاقِي لِلُزُومِ مُؤْنَةِ الْخَرَاجِ وَلَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ مَا تَغْلُظُ فيه المؤنة وما تخلف فِيهِ كَمَا خَالَفَ النَّبِيُّ ﵌ بَيْنَ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَبَيْنَ مَا سُقِيَ بِالنَّاضِحِ لِأَجْلِ الْمُؤْنَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سهيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا وَمَعْنَاهُ سَتَمْنَعُ وَلَوْ كَانَ الْعُشْرُ وَاجِبًا لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَالْعُشْرُ غَيْرَ مَمْنُوعٍ لِأَنَّ مَنْ مَنَعَ الْخَرَاجَ كَانَ لِلْعُشْرِ أَمْنَعَ وَفِي تَرْكِهِ ذِكْرَ الْعُشْرِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا عُشْرَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ وَرُوِيَ أَنَّ دِهْقَانَةَ نَهْرِ الْمُلْكِ أَسْلَمَتْ فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا الْخَرَاجُ إنْ اخْتَارَتْ أَرْضَهَا وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ رَفِيلًا أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ إنْ أَقَمْت عَلَى أَرْضِك أَخَذْنَا مِنْك الْخَرَاجَ ولو كان العشر واجبا مع ذلك لا خبرا بِوُجُوبِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُمَا فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ حَقَّيْنِ للَّه تَعَالَى لَمْ يَجُزْ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى امْتِنَاعِ وُجُوبِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ وَزَكَاةِ التِّجَارَةِ فَإِنْ قيل إن الخراج كَذَلِكَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ مُبْقَاةٌ عَلَى حُكْمِ الْفَيْءِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِزَارِعِهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا بِالْخَرَاجِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْعُشْرِ مَعَ الخراج قيل

стр. 1330

لَهُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَة لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَمَتَى لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ سَقَطَ عَنْهُ الْعُشْرُ فَكَانَ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ الْآخِذِ لِلْأُجْرَةِ فَهَذَا الْإِلْزَامُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَقَوْلُ الْقَائِلِ إنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِأَهْلِهَا وَإِنَّهَا مُبْقَاةٌ عَلَى حُكْمِ الْفَيْءِ خَطَأٌ لِأَنَّهَا عِنْدَنَا مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا وَالْكَلَامُ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَوْلُهُ إنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةٌ خَطَأٌ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لا يجوز استيحار النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَرَاجَ يُؤَدَّى عَنْهُمَا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَرْبَابِ أَرَاضِي الْخَرَاجِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَتْ أَرْض الْخَرَاجِ وَأَهْلُهَا مُقِرُّونَ عَلَى حُكْمِ الْفَيْءِ فَغَيْرُ جائز أن يؤخذ منهم جزية رؤسهم لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَمِمَّا يَدُلُّ على انتفاء اجتماع الخراج والعشر تنافى سببهما وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَرَاجَ سَبَبُهُ الْكُفْرُ لِأَنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْجِزْيَةِ وَسَائِرُ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالْعُشْرِ سَبَبُهُ الإسلام فلما تنافى سبباهما تَنَافَى مُسَبِّبَاهُمَا قَوْله تَعَالَى وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وفرشا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ وَالْحَسَنِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَمُجَاهِدٍ قَالُوا الْحَمُولَةُ كِبَارُ الْإِبِلِ وَالْفَرْشُ الصِّغَارُ وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَالْحَسَنُ رِوَايَةً الْحَمُولَةُ مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةً أُخْرَى قَالَ الْحَمُولَةُ كُلُّ مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ فَأَدْخَلَ فِي الْأَنْعَامِ الْحَافِرَ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِأَنَّ اسْمَ الْأَنْعَامِ لَا يَقَعُ عَلَى الْحَافِرِ وَكَانَ قَوْلُ السَّلَفِ فِي الْفَرْشِ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ إمَّا صِغَارُ الْإِبِلِ وَإِمَّا الْغَنَمُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَرَادَ بِالْفَرْشِ مَا خَلَقَ لَهُمْ مِنْ أَصْوَافِهَا وَجُلُودِهَا الَّتِي يَفْتَرِشُونَهَا وَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا وَلَوْلَا قَوْلُ السَّلَفِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَكَانَ هَذَا الظَّاهِرُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِأَصْوَافِ الْأَنْعَامِ وَأَوْبَارِهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ أُخِذَتْ مِنْهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِاقْتِضَاءِ الْعُمُومِ لَهُ إلَّا أَنَّهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالْجُلُودِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ وَحُكْمُ الْآيَةِ ثَابِتٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ وقوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا فِيهِ إضْمَارٌ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا قَوْله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين إلى الظالمين قوله ثمانية أزواج بدل من قوله حمولة وفرشا لِدُخُولِهِ فِي الْإِنْشَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْشَأَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ

стр. 1331

الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ ذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا يُسَمَّى زَوْجًا وَيُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ أَيْضًا كَمَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ خَصْمٌ وَلِلِاثْنَيْنِ خَصْمٌ فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ أَحَلَّ لِعِبَادِهِ هَذِهِ الْأَزْوَاجَ الثَّمَانِيَةَ وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَرَّمُوا مِنْهَا مَا حَرَّمُوا مِنْ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي وَمَا جَعَلُوهُ لِشُرَكَائِهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ لِيُضِلُّوا النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَالَ نَبِّئُونِي بعلم إن كنتم صادقين ثُمَّ قَالَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ الله بهذا لِأَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ إمَّا الْمُشَاهَدَةُ أَوْ الدَّلِيلُ الَّذِي يَشْتَرِك الْعُقَلَاءُ فِي إدْرَاكِ الْحَقِّ بِهِ فَبَانَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ فِي تَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طاعم يطعمه الْآيَةُ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ أَشْيَاءَ وَيُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ فَقَالَ اللَّه تَعَالَى قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى محرما مما تستحلون إلا أن يكون ميتة الْآيَةُ وَسِيَاقَةُ الْمُخَاطَبَةِ تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ طَاوُسٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه قَدْ قَدَّمَ ذِكْرَ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَ مِنْ الْأَنْعَامِ وَذَمَّهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ وَعَنَّفَهُمْ وَأَبَانَ بِهِ عَنْ جَهْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ حَرَّمُوا بِغَيْرِ حُجَّةٍ ثُمَّ عَطَفَ قَوْله تَعَالَى قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أوحى إلى محرما يعنى مما تُحَرِّمُونَهُ إلَّا مَا ذُكِرَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ الْآيَةِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى إبَاحَةِ مَا خَرَجَ عَنْ الْآيَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْمَائِدَةِ تَحْرِيمُ الْمُنْخَنِقَةِ والموقوذة وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي الْمَيْتَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ فِي قوله حرمت عليكم الميتة ثُمَّ فَسَرَّ وُجُوهَهَا وَالْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِكَوْنِهَا مَيْتَةً فقد اشتمل اسم الميتة على الْوَقْتِ إلَّا مَا قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْمَائِدَةُ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْ إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ ثَبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَلَى حيالها وَأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي تَخْيِيرًا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أو لحم خنزير قَدْ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حِيَالِهِ وَقَدْ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ فِي إبَاحَةِ مَا عَدَا الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِهَا فَمِنْهَا لُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ قُلْت لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أن النبي ﵌ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ قَالَ قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وسلم

стр. 1332

وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ يَعْنِي عَبْدَ اللَّه بْنَ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية وروى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى بِلُحُومِ السِّبَاعِ وَالدَّمِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَعْلَى الْعُرُوقِ بَأْسًا وَقَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طاعم يطعمه الْآيَةُ فَأَمَّا لُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا وَمَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ وَالشَّافِعِيَّ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إبَاحَتِهِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ مِنْهَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّه ابني محمد بن الحنيفة عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ نَهَى رَسُولُ اللَّه ﵌ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَعَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ سالم عن عبد الرحمن ابن الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ عَلِيًّا يَرْوِي النَّهْيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ رَجَعَ عَمَّا كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ وَعَبْدُ اللَّه عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّه ﵌ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُر الْأَهْلِيَّةِ وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ محمد بن علي عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرَوَاهُ حماد بن زيد عن عمرو ابن دينار عن محمد بن علي عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نهى عن لحوم الْأَهْلِيَّةِ وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ سَمِعَهُ مِنْهُ قَالَ أَصَبْنَا حُمُرًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَطَبَخْنَاهَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّه ﵌ أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ وَرَوَى النَّهْيَ عَنْهَا عن رسول اللَّه ﵌ ابْنُ أَبِي أَوْفَى وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فِي آخَرِينَ فِي بَعْضِهَا ابْتِدَاءُ نَهْيٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ وَبَعْضُهَا ذِكْرُ قِصَّةِ خَيْبَرَ وَالسَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَهَى عَنْهَا فَقَالَ قَائِلُونَ إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ نُهْبَةً انْتَهَبُوهَا وَقَالَ آخَرُونَ لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ إنَّ الْحُمْرَ قَدْ قَلَّتْ وَقَالَ آخَرُونَ لِأَنَّهَا كَانَتْ جَلَّالَةً فَتَأَوَّلَ مَنْ أَبَاحَهَا نَهْيَ النَّبِيِّ ﵌ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَنْ حَظَرَهَا أَبْطَلَ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِأَشْيَاءَ أَحَدُهَا مَا رَوَاهُ جماعة عن النبي ﵌ أَنَّهُ قَالَ لَا يَحِلُّ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ منهم المقدام بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَالثَّانِي مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﵌ خيبر أصابوا حمرا فطبخوها مِنْهَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّه ﵌ أَلَّا إنَّ اللَّه وَرَسُولَهُ

стр. 1333

يَنْهَاكُمْ عَنْهَا فَإِنَّهَا نَجَسٌ فَاكْفَئُوا الْقُدُورَ وَرَوَى عبد الوهاب الثقفي عن أيوب بإسناد مِثْلَهُ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﵌ مُنَادِيًا فَنَادَى إنَّ اللَّه وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ قَالَ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ وَهَذَا يُبْطِلُ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ النَّهْيَ عَلَى النُّهْبَةِ وَتَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى خَوْفِ فَنَاءِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِالذَّبْحِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهَا نَجَسٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ عَيْنِهَا لَا لَسَبَبٍ غَيْرَهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ لِأَجْلِ مَا ذَكَرُوا لَأَمَرَ بِأَنْ يُطْعَمَ الْمَسَاكِينُ كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهَا بِأَنْ يُطْعَمَ الْأَسْرَى وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّه ﵌ عَمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا تَأْكُلُ الْحِمَارَ الْأَهْلِيَّ وَلَا كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السباع فهذا أَيْضًا يَبْطُلُ سَائِرُ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ مبيحيها وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ النبي ﵌ نهى عن الحوم الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ فَإِنْ صَحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ لِلنَّهْيِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ يَوْمَ خَيْبَرَ فَإِنَّ خَبَرَ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَغَيْرَهُ فِي سُؤَالِهِمْ عَنْهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ خَيْبَرَ يُوجِبُ إيهَامَ تَحْرِيمِهَا لَا لِعِلَّةٍ غَيْرِ أَعْيَانِهَا وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ يُرْوَى عن عبد الرحمن بن مغفل عن رجال من مزينة فقال بعضهم غالب بن الأبحر وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُرُّ بْنُ غَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّه إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِي شَيْءٌ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُطْعِمَ فِيهِ أَهْلِي غَيْرَ حُمُرَاتٍ لِي قَالَ فَأَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ مَالِكِ فَإِنَّمَا كَرِهْت لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ فَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ بِهَذَا الْخَبَرِ وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهَا لِأَنَّهُ قَالَ كَرِهْت لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ وَالْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ كُلُّهَا جَوَّالُ الْقُرَى وَالْإِبَاحَةُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا انْصَرَفَتْ إلَى الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ إذَا دُجِّنَ فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ إذَا دُجِّنَ وَأُلِفَ إنَّهُ جَائِزٌ أَكْلُهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا دُجِّنَ وَصَارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا يُعْمَلُ عَلَى الْأَهْلِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَحْشَ الْأَهْلِيَّ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ جِنْسِهِ فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ كَذَلِكَ مَا أُنِسَ مِنْ الْوَحْشِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُؤْكَلُ سِبَاعُ الْوَحْشِ وَلَا الْهِرُّ الْوَحْشِيُّ وَلَا الْأَهْلِيُّ وَلَا الثَّعْلَبُ وَلَا الضَّبُعُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ السِّبَاعِ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ الرُّخْمِ وَالْعُقْبَانِ وَالنُّسُورِ وَغَيْرِهَا مَا أَكَلَ الْجِيَفَ مِنْهَا وَمَا لَا يَأْكُلُ وَقَالَ

стр. 1334

الْأَوْزَاعِيُّ الطَّيْرُ كُلُّهُ حَلَالٌ إلَّا أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الرَّخْمَ وَقَالَ اللَّيْثُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْهِرِّ وَأَكْرَهُ الضَّبُعَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُؤْكَلُ ذُو ناب مِنْ السِّبَاعِ الَّتِي تَعْدُو عَلَى النَّاسِ الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ وَيُؤْكَلُ الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ وَلَا يُؤْكَلُ النِّسْرُ وَالْبَازِيُّ وَنَحْوُهُ لِأَنَّهَا تَعْدُو عَلَى طُيُورِ النَّاسَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عَنْ الْغُرَابِ قَالَ دَجَاجَةٌ سَمِينَةٌ وَسُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ نَعْجَةٌ سَمِينَةٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إدريس الخولاني عن أبيس ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﵌ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبوعوانة عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عن ابن عياض قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّه ﵌ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ ورواه على بن أبى طالب والمقدام بن معد يكرب وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا فَهَذِهِ آثَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ فِي تَحْرِيمِ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ وَالثَّعْلَبِ وَالْهِرِّ وَالنِّسْرِ وَالرَّخْمُ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِثْنَاءِ شَيْءِ مِنْهَا إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ وَلَيْسَ فِي قَبُولِهَا مَا يُوجِبُ نَسْخَ قَوْله تَعَالَى قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طاعم يطعمه لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُحَرَّمُ غَيْرَ الْمَذْكُورِ وَأَنَّ مَا عَدَاهُ كَانَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَكَذَلِكَ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ هَذَا حُكْمُهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خَاصَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ في الآية فجاز قبول أخبار الْآحَادِ فِي تَخْصِيصِهَا وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَلَمْ يَكْرَهُوا الْغُرَابَ الزَّرْعِيَّ لِمَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ خَمْسُ فَوَاسِقَ يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِمُ فِي فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَذَكَرَ أَحَدُهَا الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ فضح الْأَبْقَعَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَصَارَ أَصْلًا في كراهة أشباهه مما يأكل الجيف قوله ﵇ خَمْسٌ يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِمُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ هَذِهِ الْخَمْسِ وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَقْتُولَةً غَيْرَ مُذْكَاةٍ وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَأَمَرَ بِذَبْحِهَا وَذَكَاتِهَا لِئَلَّا تَحْرُمَ بِالْقَتْلِ فَإِنْ قِيلَ بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُسْلِمٍ قال حدثني إسماعيل

стр. 1335

ابن أمية عن أبى الزبير قال سألت جابر أهل يُؤْكَلُ الضَّبُعُ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَصَيْدٌ هِيَ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ نَعَمْ قِيلَ لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ قَاضٍ عَلَى ذَلِكَ لِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ عَلَى استعماله اختلافهم فِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ فَكَرِهَهُ أَصْحَابُنَا وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا مَا رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْن وَهْبِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ فَطَبَخْنَا مِنْهَا فَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي بِهَا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّه ﵌ فَقَالَ مَا هَذَا فَقُلْنَا ضِبَابٌ أَصَبْنَاهَا فَقَالَ إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ الْأَرْضِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا وَهَذَا يَقْتَضِي حَظْرَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُبَاحَ الْأَكْلِ لَمَا أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ لِأَنَّهُ ﵌ نهى عن إضاعة المال وحدثنا محمد ابن بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ الطَّائِيُّ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﵌ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبّ وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهَا ضَبٌّ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رسول اللَّه ﵌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَكْلِهِ فَنَهَاهَا عَنْهُ فَجَاءَ سائل فقامت تناوله إياها فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّه ﵌ أَتُطْعِمِينَهُ مَا لَا تَأْكُلِينَ فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ وَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ الضَّبِّ وَأُكِلَ عَلَى مائدة رسول اللَّه ﵌ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّه ﵌ إنَّمَا تَرَكَ أَكْلَهُ تَقَذُّرًا وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَكَلَهُ بحضرة رسول اللَّه ﵌ فَلَمْ يَنْهَهُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ عُمَرُ إنَّ هَذِهِ الضِّبَابَ طَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ وَإِنَّ اللَّه لَيَمْنَعُ غَيْرَ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ عِنْدِي مِنْهَا شَيْءٌ لَأَكَلْته إنَّ رَسُولَ اللَّه ﵌ لَمْ يُحَرِّمْهُ وَلَكِنَّهُ قَذِرُهُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا بَحْرُ عَنْ أَبِي هَارُونَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ إنْ كَانَ أَحَدُنَا لَتُهْدَى إلَيْهِ الضِّبَّةُ الْمَكْنُونَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الدَّجَاجَةِ السَّمِينَةِ فَاحْتَجَّ مُبِيحُوهُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى حَظْرِهِ لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ تَرَكَهُ تَقَذُّرًا وَأَنَّهُ قَذِرَهُ وَمَا قَذِرَهُ النبي ﵌ فَهُوَ نَجِسٌ وَلَا يَكُونُ نَجِسًا إلَّا وهو
следующие страницы →