← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23579

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (1 926 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وَبَيْنَهُ حِجَابٌ قَوْله تَعَالَى وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ قِيلَ فِيهِ إنَّهُ مَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَيْلًا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِئَلَّا يُؤْذُوا النَّبِيَّ ﷺ وَقِيلَ جَعَلْنَاهَا بِالْحُكْمِ أَنَّهُمْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ذَمًّا لَهُمْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَفَهُّمِ الْحَقِّ وَالِاسْتِمَاعِ إلَيْهِ مَعَ إعْرَاضِهِمْ وَنُفُورِهِمْ عَنْهُ قَوْله تَعَالَى وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ الْحَسَنُ إنَّ لَبِثْتُمْ إلَّا قَلِيلًا فِي الدُّنْيَا لِطُولِ لُبْثِكُمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قِيلَ كَأَنَّك بِالدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ وَكَأَنَّك بِالْآخِرَةِ لَمْ تزل وقال قتادة أراد به احتقار الدُّنْيَا حِينَ عَايَنُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْله تَعَالَى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ روى عن ابن عباس رواية سعيد بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ قَالُوا رُؤْيَا غَيْرِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَمَّا أَخْبَرَ الْمُشْرِكِينَ بِمَا رَأَى كَذَّبُوا بِهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ أَرَادَ بِرُؤْيَاهُ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ قَوْله تَعَالَى وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهُ أَرَادَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي قَوْلِهِ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مَلْعُونَةَ أَنَّهُ مَلْعُونٌ أَكْلُهَا وَكَانَتْ فِتْنَتُهُمْ بِهَا قَوْلَ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَدُونَهُ النَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تَنْبُتُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ هذا تهديد وَاسْتِهَانَةٌ بِفِعْلِ الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ الْجَزَاءُ عَلَيْهِ وَالِانْتِقَامُ مِنْهُ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ اجْهَدْ جُهْدَكَ فَسَتَرَى مَا يَنْزِل بِك وَمَعْنَى اسْتَفْزِزْ اسْتَزِلَّ يُقَالُ اسْتَفَزَّهُ وَاسْتَزَلَّهُ بمعنى واحد وقوله بِصَوْتِكَ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ الْغِنَاءُ وَاللَّهْوُ وَهُمَا مَحْظُورَانِ وَأَنَّهُمَا مِنْ صَوْتِ الشَّيْطَانِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ الصَّوْتُ الَّذِي يَدْعُو بِهِ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكُلُّ صَوْتٍ دُعِيَ بِهِ إلَى الْفَسَادِ فَهُوَ مِنْ صَوْتِ الشَّيْطَانِ قَوْله تَعَالَى وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْإِجْلَابَ هُوَ السَّوْقُ بِجَلَبَةٍ مِنْ السَّائِقِ وَالْجَلَبَةُ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ وقَوْله تَعَالَى بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ كُلُّ رَاجِلٍ أَوْ مَاشٍ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَهُوَ مِنْ رَجْلِ الشَّيْطَانِ وَخَيْلِهِ وَالرَّجْلُ جَمْعُ رَاجِلٍ كَالتَّجْرِ جَمْعُ تَاجِرٍ وَالرَّكْبُ جَمْعُ رَاكِبٍ قَوْله تَعَالَى وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ قِيلَ مَعْنَاهُ كُنْ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْهُ مَا يَطْلُبُونَهُ بِشَهْوَتِهِمْ وَمِنْهُ مَا يَطْلُبُونَهُ لِإِغْرَائِك بِهِمْ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَوْلَادِ يَعْنِي الزِّنَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَوْءُودَةُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ مِنْ هُوِّدُوا وَنُصِّرُوا وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةُ تَسْمِيَتُهُمْ عَبْدَ الْحَارِثِ وَعَبْدَ شَمْسٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا احْتَمَلَ هَذِهِ الْوُجُوهَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهَا وَكَانَ جَمِيعُهَا

стр. 1577

مُرَادًا إذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لِلشَّيْطَانِ نَصِيبٌ فِي الْإِغْرَاءِ بِهِ وَالدُّعَاءِ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى الْجِنْسِ وَفِيهِمْ الْكَافِرُ الْمُهَانُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَرَّمَهُمْ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَعَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُكَرَّمِ بِالنِّعْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِمْ مَنْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَجْرَى الصِّفَةَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ كَقَوْلِهِ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ لِمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ أَجْرَى الصِّفَةَ عَلَى الْجَمَاعَةِ قَوْله تَعَالَى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قِيلَ إنَّهُ يُقَالُ هَاتُوا مُتَّبِعِي إبْرَاهِيمَ هَاتُوا مُتَّبِعِي مُوسَى هَاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُومُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْأَنْبِيَاءَ وَاحِدًا وَاحِدًا فَيَأْخُذُونَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ثُمَّ يَدْعُو بِمُتَّبِعِي أَئِمَّةِ الضَّلَالِ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ إمَامُهُ نَبِيُّهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ إمَامُهُ كِتَابُ عَمَلِهِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَنْ كَانُوا يَأْتَمُّونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ بإمامهم بكتابهم الذي أنزل الله عليهم فيه الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفَرَائِضِ قَوْله تَعَالَى وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ مَنْ كَانَ فِي أَمْرِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَهِيَ شَاهِدَةٌ لَهُ مِنْ تَدْبِيرهَا وَتَصْرِيفِهَا وَتَقْلِيبِ النِّعَمِ فِيهَا أَعْمَى عَنْ اعْتِقَادِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَاهَا وَهُوَ فِي الْآخِرَة الَّتِي هِيَ غَائِبَةٌ عَنْهُ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا قَوْله تَعَالَى أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيِّ قَالَا دُلُوكُهَا غُرُوبُهَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ قَالُوا إنَّ الدُّلُوكَ الْمَيْلُ وَقَوْلُهُمْ مَقْبُولٌ فِيهِ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَيْلُ لِلزَّوَالِ وَالْمَيْلُ لِلْغُرُوبِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّوَالَ فَقَدْ انْتَظَمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إذْ كَانَتْ هذه أوقات مُتَّصِلَةً بِهَذِهِ الْفُرُوضِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ غَسَقُ اللَّيْلِ غَايَةً لِفِعْلِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ انْتِصَافُهُ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَأَنَّ تَأْخِيرَهَا إلَى مَا بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بَيَانَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي غَسَقِ اللَّيْلِ فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ غَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ وَرَوَى لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ دُلُوكُ الشَّمْسِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إلَى غسق الليل حين تجب

стр. 1578

الشَّمْسُ قَالَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ دُلُوكُ الشَّمْسِ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ هَذَا غَسَقُ اللَّيْلِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَسَقُ اللَّيْلِ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ وَعَنْ الْحَسَنِ غَسَقُ اللَّيْلِ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ غَسَقُ اللَّيْلِ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ غَسَقُ اللَّيْلِ انْتِصَافُهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ تَأَوَّلَ دُلُوكَ الشَّمْسِ عَلَى غُرُوبِهَا فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ غَسَقِ اللَّيْلِ عِنْدَهُ غُرُوبَهَا أَيْضًا لِأَنَّهُ جَعَلَ الِابْتِدَاءَ الدُّلُوكَ وغسق الليل غاية له وغير جائر أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ غَايَةً لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ هُوَ الِابْتِدَاءُ وَهُوَ الْغَايَةُ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالدُّلُوكِ غُرُوبَهَا فَغَسَقُ اللَّيْلِ هُوَ إمَّا الشَّفَقُ الَّذِي هُوَ آخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوْ اجْتِمَاعُ الظُّلْمَةِ وَهُوَ أَيْضًا غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ إلَّا بِغَيْبُوبَةِ الْبَيَاضِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ آخِرَ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ الْمُسْتَحَبِّ وَهُوَ انْتِصَافُ اللَّيْلِ فَيَنْتَظِمُ اللَّفْظُ حِينَئِذٍ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ قَوْله تَعَالَى وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً قَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وَتَقْدِيرُهُ أَقِمْ قُرْآنَ الْفَجْرِ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا قِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ واجبة إلا في صلاة فَإِنْ قِيلَ مَعْنَاهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَجْعَلَ الْقِرَاءَةَ عِبَارَةً عَنْ الصَّلَاةِ لأنه صرف الكلام عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى الْمَجَازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَالثَّانِي قَوْلُهُ فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ وَيَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلًا وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ بِهِ كِنَايَةٌ عَنْ قُرْآنِ الْفَجْرِ الْمَذْكُورِ قبله فثبت أن المراد حقيقة القراءة لإمكان التَّهَجُّدِ بِالْقُرْآنِ الْمَقْرُوءِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَاسْتِحَالَةُ التَّهَجُّدِ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْت لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ قَائِمَةً عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الْقِرَاءَةَ عِبَارَةً عَنْ الصَّلَاةِ إلَّا وَهِيَ مِنْ أَرْكَانِهَا وَفُرُوضِهَا قَوْله تَعَالَى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ رُوِيَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَحْسَبُ أَحَدُكُمْ إذَا قَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ لَا وَلَكِنَّ التَّهَجُّدَ الصَّلَاةُ بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ الصَّلَاةُ بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ الصَّلَاةُ بَعْدَ رَقْدَةٍ وَكَذَلِكَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ الْأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ قَالَا التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ وَالتَّهَجُّدُ فِي اللُّغَةِ السَّهَرُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالْهُجُودُ النَّوْمُ وَقِيلَ التَّهَجُّدُ التَّيَقُّظُ بِمَا يَنْفِي النوم وقوله نافِلَةً لَكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَإِنَّمَا كَانَتْ نَافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تقدم

стр. 1579

مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَكَانَتْ طَاعَاتُهُ نَافِلَةً أَيْ زِيَادَةً فِي الثَّوَابِ وَلِغَيْرِهِ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَقَالَ قَتَادَةُ نَافِلَةٌ تَطَوُّعًا وَفَضِيلَةً وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو غَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ قَالَ إذَا وَضَعْت الطَّهُورَ مواضعه فعدت مَغْفُورًا وَإِنْ قُمْت تُصَلِّي كَانَتْ لَك فَضِيلَةً وَأَجْرًا فَقَالَ لَهُ رِجْلٌ يَا أَبَا أُمَامَةَ أَرَأَيْت إنْ قَامَ يُصَلِّي يَكُونُ لَهُ نَافِلَةً قَالَ لَا إنَّمَا النَّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ نَافِلَةً وَهُوَ يَسْعَى فِي الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا يَكُونُ لَك فَضِيلَةً وَأَجْرًا فَمَنَعَ أَبُو أُمَامَةَ أَنْ تَكُونَ النَّافِلَةُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رُوِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذر قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ قَالَ قُلْت فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهُمْ فَصَلِّهَا مَعَهُمْ لَك نَافِلَةٌ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْوُضُوءُ يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ ثُمَّ تَصِيرُ الصَّلَاةُ نَافِلَةً قِيلَ لَهُ أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَعَمْ غَيْرُ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ وَلَا أَرْبَعٍ وَلَا خَمْسٍ فَأَثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ بهذين الخبرين النافلة لغيره والنافلة هِيَ الزِّيَادَةُ بَعْدَ الْوَاجِبِ وَهِيَ التَّطَوُّعُ وَالْفَضِيلَةُ وَمِنْهُ النَّفَلُ فِي الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَا يَجْعَلُهُ الْإِمَامُ لِبَعْضِ الْجَيْشِ زِيَادَةً عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ سِهَامِهَا بِأَنْ يَقُولَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ قَوْله تَعَالَى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ عَلَى طَبِيعَتِهِ وَقِيلَ عَلَى عَادَتِهِ الَّتِي أَلِفِهَا وَفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنْ إلْفِ الْفَسَادِ وَالْمُسَاكَنَةِ إلَيْهِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ وَقِيلَ عَلَى أَخْلَاقِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ شَاكِلَتُهُ مَا يُشَاكِلُهُ وَيَلِيقُ بِهِ وَيُشْبِهُهُ فَاَلَّذِي يُشَاكِلُ الْخَيِّرَ مِنْ النَّاسِ الْخَيْرُ وَالصَّلَاحُ وَاَلَّذِي يُشَاكِلُ الشِّرِّيرَ الشَّرُّ وَالْفَسَادُ وهو كقوله الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ يَعْنِي الْخَبِيثَاتِ مِنْ الْكَلَامِ لِلْخَبِيثِينَ مِنْ النَّاسِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ يَعْنِي الطَّيِّبَاتِ مِنْ الْكَلَامِ لِلطَّيِّبِينَ مِنْ النَّاسِ وَيُرْوَى أَنَّ عِيسَى ﵇ مَرَّ بِقَوْمٍ فَكَلَّمُوهُ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَدًّا حَسَنًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا يُنْفِقُ كل إنسان ما عنده قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي اُخْتُلِفَ فِي الرُّوحِ الَّذِي سَأَلُوا عَنْهُ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جِبْرِيلُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفِ وَجْهٍ لِكُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ أَلْفِ لِسَانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَقِيلَ إنَّمَا أَرَادَ رُوحَ الْحَيَوَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ قَالَ قَتَادَةُ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْيَهُودِ وَرُوحُ الْحَيَوَانِ جِسْمٌ رَقِيقٌ عَلَى بِنْيَةٍ حَيَوَانِيَّةٍ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ حَيَاةٌ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكُلُّ حَيَوَانٍ فَهُوَ رُوحٌ إلا أن منهم مِنْ الْأَغْلَبِ عَلَيْهِ الْبَدَنُ وَقِيلَ

стр. 1580

أَنَّهُ لَمْ يُجِبْهُمْ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوكَلُوا إلَى مَا فِي عُقُولِهِمْ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا لِلِارْتِيَاضِ بِاسْتِخْرَاجِ الْفَائِدَةِ وَرُوِيَ فِي كِتَابِهِمْ أَنَّهُ إنْ أَجَابَ عَنْ الرُّوحِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ فَلَمْ يُجِبْهُمْ اللَّهُ مِصْدَاقًا لِمَا فِي كِتَابِهِمْ وَالرُّوحُ قَدْ يُسَمَّى بِهِ أَشْيَاءَ مِنْهَا الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا سَمَّاهُ رُوحًا تَشْبِيهًا بِرُوحِ الْحَيَوَانِ الَّذِي بِهِ يحيى والروح الأمين جبريل وعيسى بن مَرْيَمَ سُمِّيَ رُوحًا عَلَى نَحْوِ مَا سُمِّيَ بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أَيْ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ رَبِّي وقَوْله تَعَالَى وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا يَعْنِي مَا أُعْطِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَّا قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ بِحَسَبِ حَاجَتِكُمْ إلَيْهِ فَالرُّوحُ مِنْ الْمَتْرُوكِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ النَّصُّ عَلَيْهِ لِلْمَصْلَحَةِ وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ جَوَابِ السَّائِلِ عَنْ بَعْضِ مَا يسئل عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الْفِكْرِ وَالتَّدَبُّرِ وَالِاسْتِخْرَاجِ وَهَذَا فِي السَّائِلِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَاسْتِخْرَاجِ الْمَعَانِي فَأَمَّا إنْ كَانَ مُسْتَفْتِيًا قَدْ بُلِيَ بِحَادِثَةٍ احْتَاجَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فَعَلَى الْعَالِمِ بِحُكْمِهَا أَنْ يُجِيبَهُ عَنْهَا بِمَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ قَوْله تَعَالَى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ الْآيَةُ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى إعْجَازِ الْقُرْآنِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إعْجَازُهُ فِي النَّظْمِ عَلَى حِيَالِهِ وَفِي الْمَعَانِي وَتَرْتِيبُهَا عَلَى حِيَالِهِ وَيَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِتَحَدِّيهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَجَمَ لَا يتحدون مِنْ طَرِيقِ النَّظْمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّحَدِّي لَهُمْ مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي وَتَرْتِيبِهَا عَلَى هَذَا النِّظَامِ دُونَ نَظْمِ الْأَلْفَاظِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ إعْجَازُهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ نَظْمِ الْأَلْفَاظِ وَالْبَلَاغَةِ فِي الْعِبَارَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّ إعْجَازَ الْقُرْآنِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا حُسْنُ النَّظْمِ وَجَوْدَةُ الْبَلَاغَةِ فِي اللَّفْظِ وَالِاخْتِصَارُ وَجَمْعُ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ مَعَ تَعَرِّيهِ من أن يكون فيه لفظ مسخوط ومعنى مَدْخُولٌ وَلَا تَنَاقُضَ وَلَا اخْتِلَافَ تَضَادٍّ وَجَمِيعُهُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ جَارٍ عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ وَكَلَامُ الْعِبَادِ لَا يَخْلُو إذَا طَالَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْأَلْفَاظُ السَّاقِطَةُ وَالْمَعَانِي الْفَاسِدَةُ وَالتَّنَاقُضُ فِي الْمَعَانِي وَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ عُيُوبِ الْكَلَامِ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ اللُّغَاتِ لَا يَخْتَصُّ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ التَّحَدِّي وَاقِعًا لِلْعَجَمِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي الْإِتْيَانِ بِهَا عَارِيَّةً مِمَّا يَعِيبُهَا وَيُهَجِّنُهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْفَصَاحَةَ لَا تَخْتَصُّ بِهَا لُغَةُ الْعَرَبِ دُونَ سَائِرِ اللُّغَاتِ وإن كانت

стр. 1581

لُغَةُ الْعَرَبِ أَفْصَحَهَا وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْقُرْآنَ فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ التَّحَدِّي لِلْعَجَمِ وَاقِعًا بِأَنْ يَأْتُوا بِكَلَامٍ فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ بِلُغَتِهِمْ الَّتِي يَتَكَلَّمُونَ بِهَا قَوْله تَعَالَى وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ قوله فَرَقْناهُ يَعْنِي فَرَقْنَاهُ بِالْبَيَانِ عَنْ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ وقوله تقرأ على الناس على مكث يَعْنِي عَلَى تَثَبُّتٍ وَتَوَقُّفٍ لِيَفْهَمُوهُ بِالتَّأَمُّلِ وَيَعْلَمُوا مَا فِيهِ بِالتَّفَكُّرِ وَيَتَفَقَّهُوا بِاسْتِخْرَاجِ مَا تَضَمَّنَ مِنْ الْحِكَمِ وَالْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ كان ينزل منه شيء ويمكثون مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَنْزِلُ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدٍ الْمَكْتَب قَالَ سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلَيْنِ قَرَأَ أَحَدُهُمَا الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَرَجُلٌ قَرَأَ الْبَقَرَةَ جُلُوسُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَرُكُوعُهُمَا سَوَاءٌ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ ثُمَّ قَرَأَ وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ قِرَاءَةٌ بَيِّنَةٌ وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي حَمْزَة الضُّبَعِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَأَنْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأُرَتِّلُهَا وَأَتَدَبَّرُهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ هَذَا وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَا تَقْرَءُوا الْقُرْآنَ فِي أقل من ثلاث واقرءوا فِي سَبْعٍ وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهُ فِي سَبْعٍ وَالْأَسْوَدُ فِي سِتٍّ وَعَلْقَمَةُ فِي خَمْسٍ وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قرأ القرآن في ليلة وروى ابن أبى ليلى عَنْ صَدَقَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَقْفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَاعْتَكَفَ فِيهِ فِي آخِرِ رَمَضَانَ وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ فَرَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ فَقَالَ إنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَعْلَمْ أَحَدُكُمْ بِمَا يُنَاجِيهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ التَّرْتِيلُ لِأَنَّهُ بِهِ يَعْلَمُ مَا يُنَاجِي رَبَّهُ بِهِ وَيَفْهَمُ عَنْ نَفْسِهِ مَا يَقْرَأهُ. بَابُ السُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لِلْوُجُوهِ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً قَالَ لِلْوُجُوهِ وَقَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ الْحَسَنُ اللِّحَى وَسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ فقال يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَرَوَى طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا أَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا قَالَ طَاوُسٌ وَأَشَارَ إلَى الْجَبْهَةِ

стр. 1582

وَالْأَنْفِ هُمَا عَظْمٌ وَاحِدٌ وَرَوَى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ وَجْهُهُ وَكَفَّاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ جَبْهَتَك وَأَنْفَك مِنْ الْأَرْضِ وَرَوَى وَائِلُ بْن حُجْرٍ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى الطِّينَ فِي أَنْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتَهُ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ وَكَانُوا مُطِرُوا مِنْ اللَّيْلِ وَرَوَى عَاصِمُ الْأَحْوَلُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا سَاجِدًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ إلَّا بِمَسِّ الْأَنْفِ مِنْهَا مَا يَمَسُّ الْجَبِينُ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ هُوَ الْأَنْفُ وَالْجَبْهَةُ جَمِيعًا وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قُلْت لِوَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ يا أبا نعيم مالك لَا تُمَكِّنُ جَبْهَتَك وَأَنْفَك مِنْ الْأَرْضِ قَالَ ذَاكَ لِأَنِّي سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعَرِ وروى أبو الشعثاء قال رأيت عُمَرَ سَجَدَ فَلَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ أَنْفِي مِنْ حُرِّ وَجْهِي وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشِينُ وَجْهِي وَرُوِيَ عَنْ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَسْجُدَانِ عَلَى جِبَاهِهِمَا وَلَا تَمَسُّ أُنُوفُهُمَا الْأَرْضَ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى قِصَاصِ شَعَرِهِ لِعُذْرٍ كَانَ بِأَنْفِهِ تَعَذَّرَ مَعَهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ وَتَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْوُجُوهِ عَلَى اللِّحَى يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ بِالسُّجُودِ على الأنف دون الجهبة وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِعْلُ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ السُّجُودَ عَلَى الذَّقَنِ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَقُولُ ذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَنْفُ لِقُرْبِهِ مِنْ الذَّقَنِ وَمَنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ دُونَ الْجَبْهَةِ أَجْزَأَهُ وقال أبو يوسف ومحمد لا يجزيه وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الْأَنْفِ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَرَوَى الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ إذَا وَقَعَ أَنْفُك عَلَى الْأَرْضِ فَقَدْ سَجَدْت وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ طَاوُسٌ قَالَ الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ مِنْ السَّبْعَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاحِدٌ وَرَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٌ قَالَ إنَّ الْأَنْفَ مِنْ الْجَبِينِ وَقَالَ هُوَ خَيْرُهُ. بَابٌ مَا يُقَالُ فِي السُّجُودِ قَالَ اللَّهُ وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا فَمَدَحَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ السُّجُودِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْنُونَ فِي السُّجُودِ مِنْ الذِّكْرِ هُوَ التَّسْبِيحُ وَرَوَى مُوسَى بْنُ

стр. 1583

أَيُّوبَ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ فَلَمَّا نَزَلَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ وَرَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَفِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ مُطَرَّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ عن عون ابن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثلاثا فإذا فعل ذلك فقدتم رُكُوعُهُ وَذَكَرَ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ الدُّعَاءَ فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت وَبِك آمَنْت فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَاهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ إنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ قبل نزول سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ ذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْعَلَ فِي السُّجُودِ كَمَا رَوَاهُ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَهَا خَمْسًا فِي الرُّكُوعِ وَفِي السُّجُودِ حَتَّى يُدْرِكَ الَّذِينَ خَلْفَهُ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذا أمكن ولم يسبح فهو يجزى عَنْهُ وَكَانَ لَا يُوَقِّتُ تَسْبِيحًا وَقَالَ مَالِكٌ فِي السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ قَوْلُ النَّاسِ فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى لَا أَعْرِفُهُ فَأَنْكَرَهُ وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ دُعَاءً مُوَقَّتًا قَالَ وَلَكِنْ يُمَكِّنُ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَيُمَكِّنُ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ وَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَهُ حَدٌّ. بَابُ الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ومثله قوله تعالى خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَدَحَهُمْ بِالْبُكَاءِ فِي السُّجُودِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سُجُودِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَسَجْدَةِ الشُّكْرِ وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سمعت

стр. 1584

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْت نَشِيجَ عُمَرَ ﵁ وَإِنِّي لَفِي آخِرِ الصُّفُوفِ وَقَرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ يُوسُفَ حتى إذا بلغ نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ نَشَجَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ كَانُوا خَلْفَهُ فَصَارَ إجْمَاعًا وَرُوِيَ عَنْ النبي ﷺ أنه كان يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ وقوله تعالى وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً يَعْنِي بِهِ أَنَّ بُكَاءَهُمْ فِي حَالِ السُّجُودِ يَزِيدُهُمْ خُشُوعًا إلَى خُشُوعِهِمْ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَخَافَتَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى تُؤَدِّيَهُمْ إلَى الْبُكَاءِ دَاعِيَةٌ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ عَلَى مَا يَجِبُ مِنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ نِعَمِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ وَعَائِشَةُ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ لَا تَجْهَرْ بِدُعَائِك وَلَا تُخَافِت بِهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَقَتَادَةَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جَهَرَ وَلَا يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ إذَا خَافَتَ وَذَلِكَ بِمَكَّةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَأَرَادَ بِهِ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ الْحَسَنُ لَا تَجْهَرْ بِالصَّلَاةِ بِإِشَاعَتِهَا عِنْدَ مَنْ يُؤْذِيكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَلْتَمِسُهَا فَكَانَ ذلك عِنْدَ الْحَسَنِ أَنَّهُ أُرِيدَ تَرْكُ الْجَهْرِ فِي حال وترك ذلك المخافتة في أخرى وقيل لا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ كُلِّهَا وَلَا تُخَافِتْ بِجَمِيعِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِأَنْ تَجْهَرَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَتُخَافِتَ بِصَلَاةِ النَّهَارِ عَلَى مَا أَمَرْنَاكَ بِهِ وَرُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَأَلْت عَائِشَةَ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ أَوْ يُخَافِتُ قَالَتْ رُبَّمَا جَهَرَ وَرُبَّمَا خَافَتَ وَرَوَى أَبُو خَالِدِ الْوَالِبِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَخْفِضُ طَوْرًا وَيَرْفَعُ طَوْرًا وَقَالَ هَكَذَا كَانَتْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوِيَ عَنْ ابن عمر أن النبي ﷺ رأى الناس فِي آخِرِ رَمَضَانَ فَقَالَ إنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَعْلَمْ أَحَدُكُمْ بِمَا يُنَاجِيهِ وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يَرْفَعَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا يُغَلِّطُ أَصْحَابَهُ فِي الصَّلَاةِ وَرُوِيَتْ أَخْبَارٌ فِي الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ رَوَى كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي بَعْضِ حُجَرِهِ فَيَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ كَانَ خَارِجًا وَرَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ صَلَّيْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ لَيْلَةً فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ فَيُسْمِعُ أَهْلَ الدار وروى أن أبا بكر إذا صلى

стр. 1585

خَفَضَ صَوْتَهُ وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا صَلَّى رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ لِمَ تَفْعَلُ هَذَا قَالَ أُنَاجِي رَبِّي وَقَدْ عَلِمَ حَاجَتِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنْت وَقَالَ لِعُمَرَ لم تفعل هذا فقال أوقظ النومان وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ فَقَالَ أَحْسَنْت فَلَمَّا نَزَلَ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ الْآيَةَ قَالَ لِأَبِي بِكْرٍ ارْفَعْ شَيْئًا وَقَالَ لِعُمَرَ اخْفِضْ شَيْئًا وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَقَدْ أوتى أبو موسى مزمارا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْسَجَةَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ حَسِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ طَاوُسٌ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً قَالَ الَّذِي إذَا سَمِعْت قِرَاءَتَهُ رَأَيْت أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ آخِرَ سُورَةِ بنى إسرائيل. سُورَةِ الْكَهْفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ مَا جَعَلَهُ زِينَةً لَهَا مِنْ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ سَيَجْعَلُهُ صَعِيدًا جُرُزًا وَالصَّعِيدُ الْأَرْضُ وَالصَّعِيدُ التُّرَابُ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إحَالَتِهِ مَا عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ زِينَةٌ لَهَا صَعِيدًا هُوَ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ مِنْ طَبْعِ الْأَرْضِ إذْ كُلُّ مَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ نَبَاتٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ يَسْتَحِيلُ تُرَابًا فَإِذَا كَانَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَا عَلَيْهَا يُصَيِّرُهُ صَعِيدًا جُرُزًا وَأَبَاحَ مَعَ ذَلِكَ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ وَجَبَ بِعُمُومِ ذَلِكَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الَّذِي كَانَ نَبَاتًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِهِ تَعَالَى الْأَمْرَ بِالتَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّة قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي النَّجَاسَاتِ إذَا اسْتَحَالَتْ أَرْضًا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ أَرْضٌ لَيْسَتْ بِنَجَاسَةٍ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي نَجَاسَةٍ أُحْرِقَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا أنه طَاهِرٌ لِأَنَّ الرَّمَادَ فِي نَفْسِهِ طَاهِرٌ وَلَيْسَ بِنَجَاسَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَمَادِ النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ رمادا لخشب الطَّاهِرِ إذْ النَّجَاسَةُ هِيَ الَّتِي تُوجَدُ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ عَنْهَا بِالْإِحْرَاقِ وَصَارَتْ إلَى ضَرْبِ الِاسْتِحَالَةِ الَّتِي لَا تُوجِبُ التَّنْجِيسَ وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ إذَا اسْتَحَالَتْ خَلًّا فَهُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ لَيْسَ

стр. 1586

بِخَمْرٍ لِزَوَالِ الِاسْتِحَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِكَوْنِهَا خَمْرًا قَوْله تَعَالَى إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَهْرُبَ بِدِينِهِ إذَا خَافَ الْفِتْنَةَ فِيهِ وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِإِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّقِيَّةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْهَرَبَ بِدِينِهِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ أَنْ يَدْعُوَ بِالدُّعَاءِ الَّذِي حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ وَأَجَابَ دُعَاءَهُمْ وَحَكَاهُ لَنَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِمَا كَانَ مِنْهُمْ قَوْله تَعَالَى لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً مَعْنَاهُ لِيَظْهَرَ الْمَعْلُومُ فِي اخْتِلَافِ الْحِزْبَيْنِ فِي مُدَّةِ لَبْثِهِمْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِبْرَةِ قَوْله تَعَالَى لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا مَا أَلْبَسَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْهَيْبَةِ لِئَلَّا يَصِلَ إلَيْهِمْ أَحَدٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ فِيهِمْ وَيَنْتَبِهُوا مِنْ رَقْدَتِهِمْ وَذَلِكَ وَصْفُهُمْ فِي حَالِ نَوْمِهِمْ لَا بَعْدَ الْيَقَظَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَان مُوحِشٍ مِنْ الْكَهْف أَعْيُنِهِمْ مَفْتُوحَةٌ يَتَنَفَّسُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ وَالثَّالِثُ أَنَّ أَظْفَارَهُمْ وَشُعُورُهُمْ طَالَتْ فَلِذَلِكَ يَأْخُذُ الرُّعْبُ مِنْهُمْ قَوْله تَعَالَى قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لَمَّا حَكَى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ غَيْرَ مُنْكِرٍ لِقَوْلِهِمْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُصِيبِينَ فِي إطْلَاقِ ذَلِكَ لِأَنَّ مَصْدَرَهُ إلَى مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ مِقْدَارِ اللَّبْثِ وَفِي اعْتِقَادِهِمْ لَا عَنْ حَقِيقَةِ اللَّبْثِ فِي الْمَغِيبِ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي قَوْلِهِ فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَلَمْ يُنْكِرْ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا عِنْدَهُ وَفِي اعْتِقَادِهِ لَا عَنْ مَغِيبِ أَمْرِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُوسَى ﵇ لِلْخَضِرِ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً- ولَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً يَعْنِي عِنْدِي كَذَلِكَ وَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حِينَ قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصَرْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ قَوْله تَعَالَى فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْآيَةَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ خَلْطِ دَرَاهِمِ الْجَمَاعَةِ وَالشِّرَى بِهَا وَالْأَكْلِ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ يَأْكُلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْكُلُ غَيْرُهُ وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْمُنَاهَدَةَ وَيَفْعَلُونَهُ فِي الْأَسْفَارِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَأَضَافَ الْوَرِقَ إلَى الْجَمَاعَةِ وَنَحْوُهُ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فَأَبَاحَ لَهُمْ بِذَلِكَ خَلْطَ طَعَامِ الْيَتِيمِ بِطَعَامِهِمْ وَأَنْ تَكُونَ يَدُهُ مَعَ أَيْدِيهِمْ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ أَكْلًا مِنْ غَيْرِهِ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ بِالشِّرَى لِأَنَّ الَّذِي بَعَثُوا بِهِ كَانَ وَكِيلًا لهم.

стр. 1587

باب الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الضَّرْبُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ يَدْخُلُ لِرَفْعِ حُكْمِ الْكَلَامِ حَتَّى يَكُونَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَدَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِئَلَّا يَصِيرَ كَاذِبًا بِالْحَلِفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ مَا وَصَفْنَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ حَاكِيًا عَنْ مُوسَى ﵇ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً فَلَمْ يَصْبِرْ وَلَمْ يَكُ كَاذِبًا لِوُجُودِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي كَلَامِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا مِنْ دُخُولِهِ فِي الْكَلَامِ لِرَفْعِ حُكْمِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ فِي دُخُولِهِ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ أَوْ عَلَى الْعَتَاقِ وَقَدْ رَوَى أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ حلف على يَمِينٍ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَقَدْ اسْتَثْنَى قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ فَهُوَ عَلَى جَمِيعِهَا وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود من قوله مثله وعطاء وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ قَالُوا الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكٍ اللَّخْمِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ حُرٌّ وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَتْ بِطَالِقٍ وَهَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ وَاهِي السَّنَدِ غَيْرُ مَعْمُولٍ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ إذَا اسْتَثْنَى بَعْدَ سَنَةٍ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ يَجُوزُ الاستثناء مادام فِي الْمَجْلِسِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ وَيَسْتَثْنِي فِي نَفْسِهِ قَالَ لَا حَتَّى يَجْهَرَ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا جَهَرَ بِيَمِينِهِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ اسْتَثْنَى وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَقَدْ سُمِعَ مِنْهُ الْيَمِينُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بمنزلة الشرط والشرط لا يصلح وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ مَا سَكَتَ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَعَلُّقَ الطَّلَاقِ بِالدُّخُولِ وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقُولَ بَعْدَ سَنَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَبْطُلُ الطَّلَاقُ وَلَا تَحْتَاجُ إلَى زَوْجٍ ثَانٍ فِي إبَاحَتِهَا لِلْأَوَّلِ وَفِي

стр. 1588

تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ دَلَالَةٌ عَلَى بُطْلَانِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ السُّكُوتِ وَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ فِي الْإِيقَاعِ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْيَمِينِ وَأَيْضًا قَالَ الله تعالى في شأن أيوب حين حلف عَلَى امْرَأَتِهِ أَنَّهُ إنْ بَرَأَ ضَرَبَهَا فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ ضِغْثًا وَيَضْرِبَ بِهِ وَلَا يَحْنَثُ وَلَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَرَاخِيًا عَنْ الْيَمِينِ لَأَمَرَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ ضَرْبِهَا بِالضِّغْثِ وَغَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَرَاخِيًا عَنْ الْيَمِينِ لَأَمَرَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْكَفَّارَةِ وَقَالَ ﷺ إنِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَلَمْ يَقُلْ إلَّا قُلْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ قِيلَ رَوَى قَيْسٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى بَعْدَ السُّكُوتِ قِيلَ لَهُ رَوَاهُ شَرِيكٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلَاثًا ثم قال في آخر هن إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى فِي آخِرِهِنَّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اتِّصَالَهُ بِالْيَمِينِ وَهُوَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي هَذَا الْخَبَرِ دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِأَيْمَانٍ كَثِيرَةٍ ثُمَّ اسْتَثْنَى فِي آخِرِهِنَّ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إلَى الْجَمِيعِ وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي إجَازَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَرَاخِيًا عَنْ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ فتأولوا قوله وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَهَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّ قَوْله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُبْتَدَأً مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ وَغَيْرُ جَائِزٍ فِيمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ تَضْمِينُهُ بِغَيْرِهِ وَقَدْ رَوَى ثَابِتٌ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قَالَ إذَا غَضِبْتَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْأَمْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يَفْزَعَ إلَيْهِ عِنْدَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَقَدْ رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّمَا نَزَلَ فِيمَا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ سَأُخْبِرُكُمْ فَأَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ ﵉ أَيَّامًا ثُمَّ أَتَاهُ بخبرهم وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يُطْلِقَ الْقَوْلَ عَلَى فِعْلٍ يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي نَحْوِ ذَلِكَ مَا رَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد وَاَللَّهِ لَأَطُوفَنَّ

стр. 1589

اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ فَتَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَدَتْ نِصْفَ إنْسَانٍ قَوْله تَعَالَى وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ هَذَا حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ الْيَهُودِ لِأَنَّهُ قَالَ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ إنَّهُ إخْبَارٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ هَذَا كَانَتْ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ قُلْ إنْ حَاجَّكَ أَهْلُ الْكِتَابِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا وَقِيلَ فِيهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا إلَى الْوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فيه القرآن بها وَقِيلَ قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا إلَى أَنْ مَاتُوا فَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ أَخْبَارِ اللَّهِ إلَى أَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي الْكِتَابِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَادَ مِنَّا الِاعْتِبَارَ وَالِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى عَجِيبِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفَاذِ مَشِيئَتِهِ قَوْله تَعَالَى وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قِيلَ فِي مَا شَاءَ اللَّهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ فَحُذِفَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَحُذِفَ مِنْهُ فَافْعَلْ وَالثَّانِي هُوَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ أَفَادَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ مِنَّا مَا شَاءَ اللَّهُ يَنْتَظِمُ رَدَّ الْعَيْنِ وَارْتِبَاطَ النعمة وترك الكبر لأن فيه إخبار أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يُصِبْهَا مَا أَصَابَ قَوْله تَعَالَى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ الْجِنِّ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ فَهُوَ جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَ جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْجِنِّ وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَصْلُهُمْ مِنْ الرِّيحِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ بَنِي آدَمَ مِنْ الْأَرْضِ وَأَصْلُ الْجِنِّ مِنْ النار قوله تعالى نَسِيا حُوتَهُما وَالنَّاسِي لَهُ كَانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَأَضَافَ النِّسْيَانَ إلَيْهِمَا كَمَا يُقَالُ نَسِيَ الْقَوْمُ زَادَهُمْ وَإِنَّمَا نَسِيَهُ أَحَدُهُمْ وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَلِابْنِ عَمٍّ لَهُ إذَا سَافَرْتُمَا فَأْذَنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أحدكما وإنما يؤذن ويقيم أحدهما وقال امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ الْإِنْسِ قَوْله تَعَالَى لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ إظْهَارِ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ عند ما يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ نَصَبٌ أَوْ تَعَبٌ فِي سَعْيٍ فِي قُرْبَةٍ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِكَايَةٍ مَكْرُوهَةٍ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ مَعَ الْخَضِرِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ فِعْلَ الْحَكِيمِ لِلضَّرَرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْكَرَ إذَا كَانَ فِيهِ تَجْوِيزُ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْمَصْلَحَةِ وَأَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ الْحَكِيمِ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَقَعُ مِنْ السَّفِيهِ وَهُوَ مِثْلُ الصَّبِيِّ الَّذِي

стр. 1590

إذَا حُجِمَ أَوْ سُقِيَ الدَّوَاءَ اسْتَنْكَرَ ظَاهِرَهُ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِحَقِيقَةِ مَعْنَى النَّفْعِ وَالْحِكْمَةِ فِيهِ فَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ مِنْ الضَّرَرِ أَوْ مَا يَأْمُرُ بِهِ غَيْرُ جَائِزٍ اسْتِنْكَارُهُ بَعْدَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ صَوَابٌ وَحِكْمَةٌ وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ في هذا الباب والخضر ﵇ لَمْ يَحْتَمِلْ مُوسَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْعَالِمِ احْتِمَالُ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ تَرْكُ احْتِمَالِهِ. في الْكَنْزِ مَا هُوَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عِلْمٌ وَقَالَ عِكْرِمَةُ مَالٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا كَانَ بِذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَإِنَّمَا كَانَ عِلْمًا صُحُفًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ صُحُفٌ مِنْ عِلْمٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قَالَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَلَمَّا تَأَوَّلُوهُ عَلَى الصُّحُفِ وَعَلَى الْعِلْمِ وَعَلَى الذَّهَبِ وَعَلَى الْفِضَّةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْكَنْزِ يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ لَوْلَاهُ لَمْ يَتَأَوَّلُوهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَخَصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ إذَا كَثُرَتْ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إذَا كَانَتْ مُرْصَدَةً لِلنَّمَاءِ والذهب والفضة تجب فيهما وإن كانا مكنوزين غَيْرَ مُرْصَدَيْنِ لِلنَّمَاءِ قَوْله تَعَالَى وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما الْآيَةَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ الْأَوْلَادَ لِصَلَاحِ الْآبَاءِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظَ الْمُؤْمِنَ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَفِي الدُّوَيْرَاتِ حَوْلَهُ وَنَحْوُهُ قَوْله تَعَالَى وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً فَأَخْبَرَ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْ الْكُفَّارِ لِكَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِمْ وَنَحْوُهُ قَوْله تَعَالَى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ آخر سورة الكهف. سُورَةِ مَرْيَمَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا فَمَدَحَهُ بِإِخْفَاءِ الدُّعَاءِ وَفِيهِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إخْفَاءَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجَهْرِ بِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وروى سعد

стр. 1591

ابن أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ يَدْعُوَ الْإِمَامُ فِي الْقُنُوتِ وَيُؤَمِّنَ مَنْ خَلْفَهُ وَكَانَ لَا يُعْجِبُهُ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى قَوْمًا قَدْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ فَقَالَ إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمًّا وَلَا غَائِبًا إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلَيْكُمْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قَوْله تَعَالَى وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَبِي صَالِحٍ وَالسُّدِّيِّ أَنَّ الْمَوَالِيَ الْعُصْبَةُ وَهُمْ بَنُو أَعْمَامِهِ خَافَهُمْ عَلَى الدِّينِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا شِرَارَ بَنِي إسْرَائِيلَ قَوْله تَعَالَى فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا ذَكَرًا يَلِي أُمُورَ الدِّينِ وَالْقِيَامَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِخَوْفِهِ مِنْ بَنِي أَعْمَامِهِ عَلَى تَبْدِيلِ دينه بعد وفاته وروى قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْله تَعَالَى يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ قَالَ نُبُوَّتَهُ وَعِلْمَهُ وَرَوَى خُصَيْفٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عَقِيمًا لَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ فَسَأَلَ رَبَّهُ الْوَلَدَ فَقَالَ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ مِثْلُهُ فَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَرِثُ الْمَالَ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ فَقَدْ أَجَازَ إطْلَاقَ اسْمِ الْمِيرَاثِ عَلَى النُّبُوَّةِ فكذلك يجوز أن يعنى بقوله يَرِثُنِي يَرِثُ عِلْمِي وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ يَعْنِي بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِنْ إرْثِ إبْرَاهِيمَ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يقول لَا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَنْشُدُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ قَالُوا نَعَمْ فَقَدْ ثَبَتَ بِرِوَايَةِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُوَرِّثُونَ الْمَالَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَكَرِيَّا لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ يَرِثُنِي الْمَالَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْسَفَ عَلَى مَصِيرِ مَالِهِ بَعْدِ مَوْتِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا خَافَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ بَنُو أَعْمَامِهِ عَلَى عُلُومِهِ وَكِتَابِهِ فَيُحَرِّفُونَهَا وَيَسْتَأْكِلُونَ بِهَا فَيُفْسِدُونَ دِينَهُ وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْهُ قَوْله تَعَالَى إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا فيه الدلالة على تَرْكَ الْكَلَامِ وَاسْتِعْمَالَ الصَّمْتِ قَدْ كَانَ قُرْبَةً لولا ذلك لما نذرته مريم ﵍ وَلَمَا فَعَلَتْهُ بَعْدَ النَّذْرِ وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ

стр. 1592

إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً قَالَ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ صَمْتًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهَا الصَّمْتُ قَوْلُهَا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَمْتِ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ وَقَالَ السُّدِّيُّ كَانَ مَنْ صَامَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ فَأَذِنَ لَهَا فِي هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْكَلَامِ وَقَدْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَبَسَ زَكَرِيَّا عَنْ الْكَلَامِ ثَلَاثًا وَجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لَهُ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُخْلَقُ لَهُ فِيهِ الْوَلَدُ فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ وَلَا خَرَسٍ قَوْله تَعَالَى فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمِحْرَابُ صَدْرُ الْمَجْلِسِ وَمِنْهُ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ إنَّ الْمِحْرَابَ الْغُرْفَةُ وَمِنْهُ قوله تعالى إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ وَقِيلَ الْمِحْرَابُ الْمُصَلَّى وقَوْله تَعَالَى فَأَوْحى إِلَيْهِمْ قِيلَ فِيهِ إنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِمْ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ فَقَامَتْ الْإِشَارَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَقَامَ الْقَوْلِ لِأَنَّهَا أَفَادَتْ مَا يُفِيدُهُ الْقَوْلُ وَهَذَا يَدُلُّ على أن إشارة الأخرس معمول عَلَيْهَا قَائِمَةٌ فِيمَا يَلْزَمُهُ مَقَامَ الْقَوْلِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْفُقَهَاءُ أَنَّ إشَارَةَ الصَّحِيحِ لَا تَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْأَخْرَسِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالْعَادَةِ وَالْمِرَانِ وَالضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهَا قَدْ علم بها ما لا يُعْلَمُ بِالْقَوْلِ وَلَيْسَ لِلصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَيُعْمَلُ عَلَيْهَا وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ فَأَوْمَأَ وَأَشَارَ بِوَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَادَةٌ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ حَتَّى يَكُونُ فِي مَعْنَى الْأَخْرَسِ قَوْله تَعَالَى قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قَالَ قَائِلُونَ إنَّمَا تَمَنَّتْ الْمَوْتَ لِلْحَالِ الَّتِي دُفِعَتْ إلَيْهَا مِنْ الْوِلَادَةِ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ هَذِهِ حَالٌ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ ابْتَلَاهَا بِهَا وَصَيَّرَهَا إلَيْهَا وَقَدْ كَانَتْ هِيَ رَاضِيَةٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا بِذَلِكَ مُطِيعَةً لِلَّهِ وَتَسَخُّطُ فِعْلِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ مَعْصِيَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ صَوَابٌ وَحِكْمَةٌ فَعَلِمْنَا أَنَّهَا لَمْ تَتَمَنَّ الْمَوْتَ لِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا تَمَنَّتْهُ لِعِلْمِهَا بِأَنَّ النَّاسَ سَيَرْمُونَهَا بِالْفَاحِشَةِ فَيَأْثَمُونَ بِسَبَبِهَا فَتَمَنَّتْ أَنْ تَكُونَ قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْصِيَ النَّاسُ اللَّهَ بِسَبَبِهَا قَوْله تَعَالَى فَناداها مِنْ تَحْتِها قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ جِبْرِيلُ ﵇ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ الَّذِي نَادَاهَا عِيسَى ﵇ وقَوْله تَعَالَى وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ قَالَ مُجَاهِدٌ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ وَقَالَ غَيْرُهُ جَعَلَنِي نَفَّاعًا وقَوْله تَعَالَى وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا قِيلَ إنَّهُ عَنَى زَكَاةَ الْمَالِ وَقِيلَ أَرَادَ التَّطْهِيرَ مِنْ الذُّنُوبِ قَوْله تَعَالَى وَبَرًّا بِوالِدَتِي- إلَى قَوْلِهِ- وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ

стр. 1593

يَصِفَ نَفْسَهُ بِصِفَاتِ الْحَمْدِ وَالْخَيْرِ إذَا أَرَادَ تَعْرِيفَهَا إلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى جِهَةِ الِافْتِخَارِ وَهُوَ أَيْضًا مِثْلُ قَوْلِ يُوسُفَ ﵇ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ تَعْرِيفًا لِلْمَلِكِ بِحَالِهِ قَوْله تعالى وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيِّ قَالُوا دَهْرًا طَوِيلًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ مَلِيًّا سَوِيًّا سَلِيمًا مِنْ عُقُوبَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ مَلِيٌّ بِهَذَا الْأَمْرِ إذَا كَانَ كَامِلَ الْأَمْرِ فِيهِ مُضْطَلِعًا بِهِ قَوْله تَعَالَى أَضاعُوا الصَّلاةَ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَضَاعُوهَا بِتَأْخِيرِهَا عَنْ مَوَاقِيتِهَا وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ إنَّمَا التَّفْرِيطُ أَنْ يَدَعَهَا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أَضَاعُوهَا بِتَرْكِهَا قَوْله تَعَالَى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا قال ابن عباس ومجاهد وابن جريح مَثَلًا وَشَبِيهًا وقَوْله تَعَالَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ تَلِدْ مِثْلَهُ الْعَوَاقِرُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ مِثْلًا وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ قَبْلَهُ بِاسْمِهِ وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى إلَهًا غَيْرُهُ وقَوْله تَعَالَى إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ سَامِعَ السَّجْدَةِ وَتَالِيهَا سَوَاءٌ فِي حُكْمِهَا وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا يَسْجُدُونَ لِأَنَّهُ مَدَحَ السَّامِعِينَ لَهَا إذَا سَجَدُوا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَلَا سَجْدَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَر فَنَزَلَ وَسَجَدَهَا وَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ المسيب قالوا السجدة على من سمع وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ حَنْظَلَةَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ قَرَأْتُ عِنْدَ ابْنَ مَسْعُودٍ سَجْدَةً فَقَالَ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ أَوْجَبَا السَّجْدَةَ عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ لِلسَّجْدَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَهَا إذْ كَانَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لَهَا هُوَ السَّمَاعُ ثُمَّ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا فِي الْوُجُوبِ بِالنِّيَّةِ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ لَا يُفْسِدُهَا قَوْله تَعَالَى وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْوَالِدِ لَا يَبْقَى عَلَى وَلَدِهِ فَيَكُونُ عَبْدًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ وَأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ فَنَفَى بِإِثْبَاتِهِ الْعُبُودِيَّةَ النُّبُوَّةَ وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ بِالشِّرَى وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﷺ النَّاسُ غَادِيَانِ فَبَائِعٌ

стр. 1594

نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا وَمُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنْ يَبْتَدِئَ لِنَفْسِهِ عِتْقًا بَعْدَ الشِّرَى وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مُعْتِقُهَا بِالشِّرَى فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ وَهُوَ كَقَوْلِهِ فَيَشْتَرِيَهُ فَيَمْلِكَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِئْنَافَ مِلْكٍ آخَرَ بَعْدَ الشِّرَى بَلْ يملكه وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الشِّرَى أَنَّ وَلَدَ الْحُرِّ مِنْ أَمَتِهِ حُرُّ الْأَصْلِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عِتْقٍ وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لِابْنِهِ لِأَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ الْمُشْتَرِي لِابْنِهِ إلَى اسْتِئْنَافِ عِتْقٍ لَاحْتَاجَ إلَيْهِ أَيْضًا الِابْنُ الْمَوْلُودُ مِنْ أَمَتِهِ إذْ كَانَتْ الْأَمَةُ مَمْلُوكَةً فَإِنْ قِيلَ إنَّ وَلَدَ أَمَتِهِ مِنْهُ حُرُّ الْأَصْلِ فَلَمْ يَحْتَجْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إلَى اسْتِئْنَافِ عِتْقٍ وَالْوَلَدُ الْمُشْتَرَى مَمْلُوكٌ فَلَا يَعْتِقُ بِالشِّرَى حَتَّى يَسْتَأْنِفَ لَهُ عِتْقًا قِيلَ لَهُ اخْتِلَافُهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَمْنَعُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْقَى لَهُ مِلْكٌ عَلَى وَلَدِهِ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْقَى لَهُ مِلْكٌ عَلَى وَلَدِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ مِنْ أَمَتِهِ رَقِيقًا إلَى أَنْ يُعْتِقَهُ وَإِنَّمَا اختلف الولد والمولود مِنْ أَمَتِهِ وَالْوَلَدُ الْمُشْتَرَى فِي كَوْنِ الْأَوَّلِ حُرَّ الْأَصْلِ وَكَوْنِ الْآخَرِ مُعْتَقًا عَلَيْهِ ثَابِتَ الْوَلَاءِ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَلَدَ الْمُشْتَرَى قَدْ كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ وُقُوعِ الْعَتَاقِ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ إيقَاعُ الْعِتْقِ فِي مِلْكِ بَائِعِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْعَتَاقُ فِي مِلْكِهِ لَبَطَلَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا وُقُوعُهُ فِي حَالِ الْبَيْعِ لِأَنَّ حُصُولَ الْعِتْقِ يَنْفِي صِحَّةَ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا فَوَجَبَ أَنْ يَعْتِقَ فِي الثَّانِي مِنْ مِلْكِهِ وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا وُقُوعُ الْعَتَاقِ فِي حَالِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ يَكُونُ إيقَاعُ عِتْقٍ لَا فِي مِلْكٍ فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَعْتِقَ فِي الثَّانِي مِنْ مِلْكِهِ وَأَمَّا الْوَلَدُ الْمَوْلُودُ فِي مِلْكِهِ مِنْ جَارِيَتِهِ فَإِنَّا لَوْ أَثْبَتْنَا لَهُ مِلْكًا فِيهِ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ فِي حَالِ الْمِلْكِ فَلَا جَائِزَ أَنْ يَثْبُتَ مِلْكُهُ مَعَ وُجُودِ مَا يُنَافِيهِ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْعَتَاقِ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَكَانَ حُرَّ الْأَصْلِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِلْكٌ فِيهِ وَلَوْ ثَبَتَ مِلْكُهُ ابْتِدَاءً فِيهِ لَكَانَ مُسْتَحَقَّا بِالْعِتْقِ فِي حَالِ مَا يُرِيدُ إثْبَاتَهُ لِوُجُودِ سَبَبِهِ الْمُوجِبِ لَهُ وَهُوَ مِلْكُهُ لِلْأُمِّ وَغَيْرُ جَائِزٍ إثْبَاتُ مِلْكِ يَنْتَفِي فِي حَالِ وُجُودِهِ وَاخْتِلَافُهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ لِوَلَدِهِ فِي الْحَالَيْنِ مُوجِبًا لِعِتْقِهِ وَحُرِّيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْآخِرَةِ يُحِبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَحَبَّةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وُدًّا فِي الدُّنْيَا آخِرَ سُورَةِ مريم.

стр. 1595

سُورَةِ طَه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى قَالَ الْحَسَنُ اسْتَوَى بِلُطْفِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَقِيلَ اسْتَوْلَى وقوله تعالى فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ السِّرُّ مَا حَدَّثَ بِهِ الْعَبْدُ غَيْرَهُ فِي خَفَى وَأَخْفَى مِنْهُ مَا أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ غَيْرَهُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ السِّرُّ مَا أَضْمَرَهُ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ وَأَخْفَى مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ وَلَا أَضْمَرَهُ أَحَدٌ قَوْله تعالى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ أَمَرَهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ لِيُبَاشِرَ بِقَدَمِهِ بَرَكَةَ الْوَادِي الْمُقَدَّسِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً فتقديره اخلع نعليك لأنك بالواد الْمُقَدَّسِ وَقَالَ كَعْبٌ وَعِكْرِمَةُ كَانَتْ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ فِي النَّعْلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ إنْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلُ فَالْمَعْنِيُّ فِيهِ مُبَاشَرَةُ الْوَادِي بِقَدَمِهِ تَبَرُّكًا بِهِ كَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلِهِ تَبَرُّكًا بِهِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِخَلْعِ النَّعْلِ مَقْصُورًا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي الْمُقَدَّسِ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ التَّأْوِيلُ هُوَ الثَّانِي فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ مَحْظُورًا لُبْسُ جِلْدِ الْحِمَارِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ مَدْبُوغًا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَنْسُوخٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُمَا فِي الصَّلَاةِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ مَا لَكُمْ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ قَالُوا خَلَعْت فَخَلَعْنَا قَالَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا فَلَمْ يكره النبي ﷺ الصَّلَاةَ فِي النَّعْلِ وَأَنْكَرَ عَلَى الْخَالِعِينَ خَلْعَهَا وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إنَّمَا خَلَعَهَا لِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَهُ أَنَّ فِيهَا قَذَرًا وَهَذَا عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَجَاسَةً يَسِيرَةً لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَاسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ قوله تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ لِتَذْكُرَنِي فِيهَا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّعْظِيمِ وَقِيلَ فِيهِ لَأَنْ أَذْكُرَكَ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشمس وقال إن الله يقول أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَرَوَى هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا لا كفارة لها إلا ذلك وتلا أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وهذا يدل على أن قوله أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَدْ أُرِيدَ بِهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ الْمَتْرُوكَةِ وَكَوْنُ ذلك مرادا بالآية «٤- أحكام مس»

стр. 1596

لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ الْمَعَانِي الَّتِي تَأَوَّلَهَا عَلَيْهَا الْآخَرُونَ مُرَادَةً أَيْضًا إذْ هِيَ غَيْرُ مُتَنَافِيَةٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَقِمْ الصَّلَاةَ إذَا ذَكَرْتَ الصَّلَاةَ الْمَنْسِيَّةَ لِتَذْكُرَنِي فِيهَا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّعْظِيمِ لَأَنْ أَذْكُرَكَ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ فَيَكُونُ جَمِيعُ هَذِهِ الْمَعَانِي مُرَادَةً بِالْآيَةِ وَهَذَا الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ مِنْ إيجَابِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ عِنْدَ الذِّكْرِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيهِ قَوْلٌ شَاذٌّ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فَرَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ سَعْدٍ قَالَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا وَلْيُصَلِّ مِثْلَهَا مِنْ الْغَدِ وَرَوَى الْجَرِيرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ إذَا فَاتَتْ الرَّجُلَ الصَّلَاةُ صَلَّاهَا مِنْ الْغَدِ لِوَقْتِهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ صَلِّهَا إذَا ذَكَرْتهَا وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ خِلَافُ مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَمْرِهِ بِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ صَلَاةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا وَتِلَاوَةُ النَّبِيُّ ﷺ قَوْله تَعَالَى أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي عَقِيبَ ذِكْرِ الْفَائِتَةِ وَبَعْدَ قَوْلِهِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْآيَةِ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فِي الْفَوَائِتِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَأْمُورًا بِفِعْلِ الْفَائِتَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَهُوَ مَنْهِيٌّ لَا مَحَالَةَ عَنْ فِعْلِ صَلَاةِ الْوَقْتِ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ فَسَادَ صَلَاةِ الْوَقْتِ إنْ قَدَّمَهَا عَلَى الْفَائِتَةِ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَصْحَابُنَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَمَا دُونَهُمَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ لِلْفَائِتَةِ وَلِصَلَاةِ الْوَقْتِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ وَالنِّسْيَانُ يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ عِنْدَهُمْ أَعْنِي نِسْيَانَ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَإِنْ نَسِيَ الْفَائِتَةَ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ إنْ كَانَتْ الْفَوَائِتُ كَثِيرَةً بَدَأَ بِصَلَاةِ الْوَقْتِ ثُمَّ صَلَّى مَا كَانَ نَسِيَ وَإِنْ كَانَتْ الْفَوَائِتُ خَمْسًا ثُمَّ ذَكَرَهُنَّ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّاهُنَّ قَبْلَ الصُّبْحِ وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ الصُّبْحِ وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ صَلَّى مَا نَسِيَ فَإِذَا فَرَغَ أعاد الصبح مادام فِي الْوَقْتِ فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ لَمْ يُعِدْ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِأَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّهُ يَشْفَعُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَسْتَقْبِلُ الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَاهُمَا إسْقَاطُ التَّرْتِيبِ وَفِي الْأُخْرَى إيجَابُهُ وَقَالَ اللَّيْثُ إذَا ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً فَإِنْ

стр. 1597

كَانَ مَعَ إمَامٍ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ حَتَّى إذَا سَلَّمَ صَلَّى الَّتِي نَسِيَ ثُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَهُ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إذَا صَلَّى صَلَوَاتٍ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ نَامَ عَنْهُنَّ قَضَى الْأُولَى فَالْأُولَى فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ صَلَاةٍ تَرَكَهَا وَصَلَّى مَا قَبْلَهَا وَإِنْ فَاتَهُ وَقْتُهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الِاخْتِيَارُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَائِتَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَبَدَأَ بِصَلَاةِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَذَكَرَهَا وَهُوَ خَلْفَ إمَامٍ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الَّتِي نَسِيَ ثُمَّ يُصَلِّي الأخرى وروى عباد بن العوام عن هشام عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ قَالَ أَقْبَلْنَا حَتَّى دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ وَقَدْ غَابَتْ الشَّمْسُ وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُؤَخِّرُونَ الْمَغْرِبَ فَرَجَوْتُ أَنْ أُدْرِكَ مَعَهُمْ الصَّلَاةَ فَأَتَيْتهمْ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ وَأَنَا أَحْسَبُهَا الْمَغْرِبَ فَلَمَّا صَلَّى الْإِمَامُ قُمْتُ فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ ثُمَّ صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ سَأَلْتُ عَنْ الَّذِي فَعَلْتُ فَكُلُّهُمْ أَخْبَرُونِي بِاَلَّذِي صَنَعْتُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بها يومئذ متوافرين وقال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ فَهَؤُلَاءِ السَّلَفُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ إيجَابُ التَّرْتِيبِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِمْ خِلَافٌ فَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْ السَّلَفِ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْفَوَائِتِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ قَالَ جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ما صليت الْعَصْرِ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُ بَعْدُ فَنَزَلَ وتوضأ ثم صلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغرب بعد ما صَلَّى الْعَصْرَ وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ حَتَّى كَانَ هُوِيٌّ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَلَمَّا صَلَّاهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ اقْتَضَى ذَلِكَ إيجابه والوجه الآخر أن فرض الصلاة تحل من الْكِتَابِ وَالتَّرْتِيبُ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِ الصَّلَاةِ وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ إذَا وَرَدَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ فَلَمَّا قَضَى الْفَوَائِتَ عَلَى التَّرْتِيبِ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بيانا للفرض المحمل فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوُجُوبِ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ أَيْضًا أَنَّهُمَا صَلَاتَانِ فَرْضَانِ قَدْ جَمَعَهُمَا وَقْتٌ وَاحِدٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَأَشْبَهَتَا صَلَاتَيْ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ التَّرْتِيبِ فِيهِمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الْفَوَائِتِ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنِّي مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1598

ولم يأمر بِالْإِعَادَةِ . فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ قوله تعالى وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي يَعْنِي أَنِّي جَعَلْتُ مَنْ رَآك أَحَبَّكَ حَتَّى أَحَبَّكَ فِرْعَوْنُ فَسَلِمْت مِنْ شَرِّهِ وَأَحَبَّتْكَ امْرَأَتُهُ آسية بنت مزاحم فثبتتك قوله تعالى وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي قال قتادة لتغذى على محبتي وإرادتى قوله تعالى وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عن قوله تعالى وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَقَالَ اسْتَأْنِفْ لَهَا نَهَارًا يَا ابْنَ جُبَيْرٍ ثُمَّ ذَكَرَ فِي مَعْنَاهُ وُقُوعَهُ فِي مِحْنَةٍ بعد محنة أخلصه اللَّهُ مِنْهَا أَوَّلُهَا أَنَّهَا حَمَلَتْهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ الْأَطْفَالَ ثُمَّ إلْقَاؤُهُ فِي الْيَمِّ ثُمَّ مَنْعُهُ الرَّضَاعَ إلَّا مِنْ ثَدْيِ أُمِّهِ ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتَّى ثم بِقَتْلِهِ ثُمَّ تَنَاوُلُهُ الْجَمْرَةَ بَدَلَ الدُّرَّةِ فَدَرَأَ ذَلِكَ عَنْهُ قَتْلَ فِرْعَوْنَ ثُمَّ مَجِيءُ رِجْلٍ مِنْ شِيعَتِهِ يَسْعَى لِيُخْبِرَهُ عَمَّا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً مَعْنَاهُ خَلَّصْنَاكَ خَلَاصًا وقَوْله تَعَالَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي فإن الاصطناع الإخلاص بالألطاف ومعنى لنفسي لِتُصْرَفَ عَلَى إرَادَتِي وَمَحَبَّتِي قَوْله تَعَالَى وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها قِيلَ فِي وَجْهِ سُؤَالِ مُوسَى ﵇ عَمَّا فِي يَدِهِ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ لَهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ عَصًا ليقع المعجز بها بَعْدَ التَّثَبُّتِ فِيهَا وَالتَّأَمُّلِ لَهَا فَإِذًا أَجَابَ مُوسَى بِأَنَّهَا عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِعْيَاءِ وَيَنْفُضُ بِهَا الْوَرَقَ لِغَنَمِهِ وَأَنَّ لَهُ فِيهَا مَنَافِعُ أُخْرَى فِيهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إعْلَامَ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا اقْتَضَى السُّؤَالُ مِنْهُ جَوَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ الْإِجَابَةِ بِذِكْرِ مَنَافِعِ الْعَصَا إقْرَارًا مِنْهُ بِالنِّعْمَةِ فِيهَا وَاعْتِدَادًا بِمَنَافِعِهَا وَالْتِزَامًا لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الشُّكْرِ لَهُ وَمِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ لَهُ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسى فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْمَسْأَلَةُ عَنْ مَاهِيَّتِهَا وَلَمْ تَقَعْ عَنْ مَنَافِعِهَا وَمَا تَصْلُحُ لَهُ فَلِمَ أَجَابَ عما لم يسئل مِنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا وَهُوَ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ بَدِيًّا بِقَوْلِهِ هِيَ عَصَايَ ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ الْمَنَافِعِ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ وَإِظْهَارِ الشُّكْرِ عَلَى مَا مَنَحَهُ اللَّهُ مِنْهَا وكذلك سبيل أنبياء الله تعالى المؤمنين عِنْدَ مِثْلِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالنِّعْمَةِ وَنَشْرِهَا وَإِظْهَارِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

стр. 1599

سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الْمَرْوَزِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ الجرجاني قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عن قتادة نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ قَالَ فِي حَرْثِ قَوْمٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ النَّفْشُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ وَالْهَمْلُ بِالنَّهَارِ وَقَالَ قَتَادَةُ فَقَضَى أَنْ يَأْخُذُوا الْغَنَمَ فَفَهَّمَهَا اللَّهُ سُلَيْمَانَ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِقَضَاءِ دَاوُد ﵇ قَالَ لَا وَلَكِنْ خُذُوا الْغَنَمَ فَلَكُمْ مَا خَرَجَ مِنْ رَسْلِهَا وَأَوْلَادِهَا وَأَصْوَافِهَا إلَى الْحَوْلِ وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُرَّةَ عن مسروق وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ قَالَ كَانَ الْحَرْثُ كَرْمًا فَنَفَشَتْ فِيهِ لَيْلًا فَاجْتَمَعُوا إلَى دَاوُد فَقَضَى بِالْغَنَمِ لِأَصْحَابِ الْحَرْثِ فَمَرُّوا بِسُلَيْمَانَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَوَّلًا تدفع الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها قوم هؤلاء حَرْثِهِمْ حَتَّى إذَا عَادَ كَمَا كَانَ رَدُّوا عليهم فنزلت فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الْأَحْنَفِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إذَا نَفَشَتْ لَيْلًا فِي زَرْعِ رِجْلٍ فَأَفْسَدَتْهُ أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ ضَمَانَ مَا أَفْسَدَتْ وَإِنْ كَانَ نَهَارًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَأَصْحَابُنَا لَا يَرَوْنَ فِي ذَلِكَ ضَمَانًا لَا لَيْلًا وَلَا نهارا إذ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْغَنَمِ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهَا فِيهَا وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَضِيَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﵉ وَاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى إيجَابِ الضَّمَانِ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حرام ابن مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رِجْلٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ حَرَامُ بْنُ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ وَذَكَرَ

стр. 1600

فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامُ بْنُ مُحَيِّصَةَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ضَمَانَ مَا أَصَابَتْ الْمَاشِيَةُ لَيْلًا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحِفْظَ فَقَطْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اضْطِرَابِ الْحَدِيثِ بِمَتْنِهِ وَسَنَدِهِ وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ فَقَالَ وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَيْئًا ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حُكْمَ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ بِمَا حَكَمَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَاوُد ﵇ حَكَمَ بِدَفْعِ الْغَنَمِ إلَى صَاحِبِ الْحَرْثِ وَحَكَمَ سُلَيْمَانُ لَهُ بِأَوْلَادِهَا وَأَصْوَافِهَا وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ نَفَشَتْ غَنَمُهُ فِي حَرْثِ رِجْلٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْغَنَمِ وَلَا تَسْلِيمُ أَوْلَادِهَا وَأَلْبَانِهَا وَأَصْوَافِهَا إلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا مَنْسُوخَانِ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﷺ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَضَمَّنَتْ الْقِصَّةُ معاني مِنْهَا وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ وَمِنْهَا كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا الْمَنْسُوخُ مِنْهُ كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الضَّمَانَ نَفْسَهُ مَنْسُوخٌ قِيلَ لَهُ قَدْ ثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَبَرٍ قَدْ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ وَاسْتَعْمَلُوهُ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِعْمَالِ هَذَا الْخَبَرِ فِي الْبَهِيمَةِ الْمُنْفَلِتَةِ إذَا أَصَابَتْ إنْسَانًا أَوْ مَالًا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا إذَا لَمْ يُرْسِلْهَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الْجَمِيعِ وَكَانَ عُمُومُهُ يَنْفِي ضَمَانَ مَا تُصِيبُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخُ مَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﵉ وَنُسِخَ مَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الْبَرَاءِ أَنَّ فِيهَا إيجَابَ الضَّمَانِ لَيْلًا وَأَيْضًا سَائِرُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْحُكْمُ بِالنَّهَارِ وَاللَّيْلِ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ أَوْ نَفْيِهِ فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى نَفْيِ ضَمَانِ مَا أَصَابَتْ الْمَاشِيَةُ نَهَارًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهَا لَيْلًا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا أَوْجَبَ الضَّمَانَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ إذَا كَانَ صَاحِبُهَا هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهَا فِيهِ وَيَكُونُ فَائِدَةُ الْخَبَرِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ السَّائِقَ لَهَا بِاللَّيْلِ بَيْنَ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ لَا يَخْلُو مِنْ نَفْشِ بَعْضِ غَنَمِهِ فِي زُرُوعِ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَأَبَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ حكمهما إذَا أَصَابَتْ زَرْعًا وَيَكُونُ فَائِدَةُ الْخَبَرِ إيجَابَ الضَّمَانِ بِسَوْقِهِ وَإِرْسَالِهِ فِي الزُّرُوعِ وَإِنْ لَمْ يعلم بذلك وبين ما تَسَاوِي حُكْمِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ فِيهِ وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ قَضِيَّةُ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ كَانَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِأَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَرْسَلَهَا لَيْلًا وَسَاقَهَا وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِنَفْشِهَا فِي حَرْثِ الْقَوْمِ فَأَوْجَبَا عَلَيْهِ الضَّمَانَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ

стр. 1601

الْخِلَافِ وَقَدْ تَنَازَعَ الْفَرِيقَانِ مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ فِي حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْحَادِثَةِ الْقَائِلُونَ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي جَمِيعِ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ فَاسْتَدَلَّ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ زَعَمُوا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ تَعَالَى فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ فَخَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الْمُصِيبُ لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ دُونَ دَاوُد إذْ لَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي قَوْلَيْهِمَا لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ دُونَ دَاوُد مَعْنًى وَقَالَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لَمَّا لَمْ يُعَنَّفْ دَاوُد عَلَى مَقَالَتِهِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِتَخْطِئَتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا جَمِيعًا كَانَا مُصِيبَيْنِ وَتَخْصِيصُهُ لِسُلَيْمَانَ بِالتَّفْهِيمِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَاوُد كَانَ مُخْطِئًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ أَصَابَ حَقِيقَةَ الْمَطْلُوبِ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالتَّفْهِيمِ وَلَمْ يُصِبْ دَاوُد عَيْنَ الْمَطْلُوبِ وَإِنْ كَانَ مُصِيبًا لِمَا كُلِّفَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ حُكْمَ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ جَمِيعًا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ لَا مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ وَلَكِنَّ دَاوُد لَمْ يَكُنْ قَدْ أَبْرَمَ الْحُكْمَ وَلَا أَمْضَى الْقَضِيَّةَ بِمَا قَالَ أَوْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْفُتْيَا لَا عَلَى جِهَةِ إنْفَاذِ الْقَضَاءِ بِمَا أَفْتَى بِهِ أَوْ كَانَتْ قَضِيَّةً مُعَلَّقَةً بِشَرِيطَةٍ لَمْ تُفَصَّلْ بَعْدُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى سُلَيْمَانَ بِالْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وَنُسِخَ بِهِ الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ دَاوُد أَرَادَ أَنْ يُنْفِذَهُ قَالُوا وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ قَالُوا وَقَوْلُهُ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ يَعْنِي بِهِ تَفْهِيمَهُ الْحُكْمَ النَّاسِخَ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لَا يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ والرأى وإنما يقوله مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ آخِرَ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ. سُورَةُ الْحَجِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ الْحَجِّ أَنَّهَا مَوْضِعُ سُجُودٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّانِيَةِ مِنْهَا وَفِي الْمُفَصَّلِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا سُجُودُ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً مِنْهَا الأولى من الحج وسجود المفصل في ثلاث مَوَاضِعَ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ وَقَالَ اللَّيْثُ أَسْتَحِبُّ أَنْ يُسْجَدَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ وَسُجُودِ الْمُفَصَّلِ وَمَوْضِعِ السُّجُودِ مِنْ حم إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سُجُودُ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً سِوَى سَجْدَةِ [ص] فَإِنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَاعْتُدَّ بِآخِرِ الْحَجِّ سُجُودًا وَقَدْ روى

стр. 1602

عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَجَدَ فِي [ص] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سجدة حم أسجد بِآخِرِ الْآيَتَيْنِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَرَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي النَّجْمِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّجْمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَيْسَ فِيمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ ترك النبي ﷺ السجود فِي النَّجْمِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فيه ذلك لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ لَا يَكُونَ سَجَدَ لِأَنَّهُ صَادَفَ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ السُّجُودِ فِيهَا فَأَخَّرَهُ إلَى وَقْتٍ يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهِ وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ التِّلَاوَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَأَخَّرَهُ لِيَسْجُدَ وَهُوَ طَاهِرٌ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ- واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْحَجِّ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَمَّارٍ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ وَقَالُوا إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ بِسَجْدَتَيْنِ وَرَوَى خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْحَجِّ سَجْدَةٌ وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْأُولَى عَزْمَةٌ وَالْآخِرَةُ تَعْلِيمٌ وَرَوَى مَنْصُورٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْحَجِّ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الْأُولَى عَزْمَةٌ وَالثَّانِيَةَ تَعْلِيمٌ وَالْمَعْنَى فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْأُولَى هِيَ السَّجْدَةُ الَّتِي يَجِبُ فِعْلُهَا عِنْدَ التِّلَاوَةِ وَأَنَّ الثَّانِيَةَ كَانَ فِيهَا ذِكْرُ السُّجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيمُ للصلاة الَّتِي فِيهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَهُوَ مِثْلُ مَا رَوَى سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ السَّجْدَةُ الَّتِي فِي آخِرِ الْحَجِّ إنَّمَا هي موعظة وليس بسجدة قال الله تعالى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا فَنَحْنُ نَرْكَعُ وَنَسْجُدُ فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ السَّلَفِ أَنَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ إنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ فِيهِ ذِكْرَ السُّجُودِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَنَّ الْوَاجِبَةَ هِيَ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ أَنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُ الرُّكُوعَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَخْصُوصٌ بِهِ الصَّلَاةُ فَهُوَ إذًا أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ مَعَ انْتِظَامِهَا لِلسُّجُودِ لَيْسَ بِمَوْضِعِ سجود ألا ترى أن قوله أَقِيمُوا الصَّلاةَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلسُّجُودِ وَقَالَ تَعَالَى يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وَلَيْسَ ذَلِكَ سَجْدَةً وَقَالَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ

стр. 1603

وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَلَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ قوله تعالى مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ قَالَ قَتَادَةُ تَامَّةِ الْخَلْقِ وَغَيْرِ تَامَّةِ الْخَلْقِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُصَوَّرَةٍ وَغَيْرِ مُصَوَّرَةٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا وَقَعَتْ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ فَقَالَ يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً كُتِبَ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ السَّقَطُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْله تَعَالَى مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَكُونَ الْمُضْغَةُ إنْسَانًا كَمَا اقْتَضَى ذَلِكَ فِي الْعَلَقَةِ وَالنُّطْفَةِ وَالتُّرَابِ وَإِنَّمَا نَبَّهَنَا بِذَلِكَ عَلَى تَمَامِ قُدْرَتِهِ وَنَفَاذِ مَشِيئَتِهِ حِينَ خَلَقَ إنْسَانًا سَوِيًّا مُعَدَّلًا بِأَحْسَنِ التَّعْدِيلِ مِنْ غَيْرِ إنْسَانٍ وَهِيَ الْمُضْغَةُ وَالْعَلَقَةُ وَالنُّطْفَةُ الَّتِي لَا تَخْطِيطَ فِيهَا وَلَا تَرْكِيبَ ولا تعديل للأعضاء فَاقْتَضَى أَنْ لَا تَكُونَ الْمُضْغَةُ إنْسَانًا كَمَا أَنَّ النُّطْفَةَ وَالْعَلَقَةَ لَيْسَتَا بِإِنْسَانٍ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ إنْسَانًا لَمْ تَكُنْ حَمْلًا فَلَا تَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ إذْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهَا الصُّورَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ وَتَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ إذْ هُمَا لَيْسَتَا بِحَمْلٍ وَلَا تَنْقَضِي بِهِمَا الْعِدَّةُ بِخُرُوجِهِمَا مِنْ الرَّحِمِ وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا وَقَعَتْ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ فَقَالَ يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا فَأَخْبَرَ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي تَقْذِفُهُ الرَّحِمُ لَيْسَ بِحَمْلٍ وَلَمْ يُفَرِّقْ مِنْهُ بَيْنَ مَا كَانَ مُجْتَمِعًا عَلَقَةً أَوْ سَائِلًا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَلَيْسَ بِحَمْلٍ وَأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِهِ إذْ لَيْسَ هُوَ بِوَلَدٍ كَمَا أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالنُّطْفَةَ لَمَّا لَمْ تَكُونَا وَلَدًا لَمْ تَنْقَضِ بِهِمَا الْعِدَّةُ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ حَدَّثَنَا رسول الله ﷺ وهو الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ ثُمَّ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَوْ أَلْقَتْهُ عَلَقَةً لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلَمْ تَنْقَضِ بِهِ الْعِدَّةُ وَإِنْ كَانَتْ الْعَلَقَةُ مُسْتَحِيلَةً مِنْ النُّطْفَةِ إذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صُورَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْمُضْغَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهَا صُورَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَقَةِ وَالنُّطْفَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يَتَبَيَّنُ الْإِنْسَانُ مِنْ الْحِمَارِ

стр. 1604

وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وُجُودُهُ عَلَى هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْبِنْيَةِ وَالشَّكْلِ وَالتَّصْوِيرِ فَمَتَى لَمْ يَكُنْ لِلسِّقْطِ شَيْءٌ مِنْ صُورَةِ الْإِنْسَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَلَدٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَقَةِ وَالنُّطْفَةِ سَوَاءٌ فَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ لِعَدَمِ كَوْنِهِ وَلَدًا وَأَيْضًا فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا أَسْقَطَتْهُ مِمَّا لَا تَتَبَيَّنُ لَهُ صُورَةُ الْإِنْسَانِ دَمًا مُجْتَمِعًا أَوْ دَاءً أَوْ مُدَّةً فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ نَجْعَلَهُ وَلَدًا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَأَكْثَرُ أَحْوَالِهِ احْتِمَالُهُ لَأَنْ يَكُونَ مِمَّا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ وَلَدًا فَلَا نَجْعَلُهَا مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ بِهِ بِالشَّكِّ وَعَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ ما يجوز أن يكون منه ولدا ولا يَكُونُ مِنْهُ وَلَدًا سَاقِطٌ لَا مَعْنَى لَهُ إذْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا بِنَفْسِهِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا وَلَدٌ وَكَذَلِكَ النُّطْفَةُ وَقَدْ تَشْتَمِلُ الرَّحِمُ عَلَيْهِمَا وتضمهما وقد قال ﷺ أَنَّ النُّطْفَةُ تَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْ أَحَدٌ الْعَلَقَةَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَزَعَمَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ قَوْمًا ذَهَبُوا إلَى أَنَّ السِّقْطَ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَلَا تَعْتِقُ بِهِ أُمُّ الْوَلَدِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَنَا أَنَّ الْمُضْغَةَ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ قَدْ دَخَلَتْ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ كَمَا ذَكَرَ الْمُخَلَّقَةَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ الْوَلَدُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَهُوَ حَمْلٌ وَقَالَ تَعَالَى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ والذي ذكره إسماعيل ومعلوم إغْفَالٌ مِنْهُ لِمُقْتَضَى الْآيَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْبِرْ أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ وَلَدٌ وَلَا حَمْلٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَنَا مِنْ الْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَنَا مِنْ النُّطْفَةِ وَمِنْ التُّرَابِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ حِينَ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ خَلَقَنَا مِنْ الْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ فَقَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ نُطْفَةً وَلَا عَلَقَةً وَلَا مُضْغَةً لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ وَالنُّطْفَةُ وَلَدًا لَمَا كَانَ الْوَلَدُ مَخْلُوقًا مِنْهَا إذْ مَا قَدْ حَصَلَ وَلَدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ قَدْ خُلِقَ مِنْهُ وَلَدٌ وَهُوَ نَفْسُهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُضْغَةَ الَّتِي لَمْ يَسْتَبِنْ فِيهَا خَلْقُ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِوَلَدٍ وَقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ أَعْلَمَنَا أَنَّ الْمُضْغَةَ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ قَدْ دَخَلَتْ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ كَمَا ذَكَرَ الْمُخَلَّقَةَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا اسْتِدْلَالًا صَحِيحًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ فِي النُّطْفَةِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَهَا فِيمَا ذَكَرَ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ كَمَا ذَكَرَ الْمُضْغَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النُّطْفَةُ حَمْلًا وَوَلَدًا لِذِكْرِ اللَّهِ لَهَا فِيمَا خَلَقَ النَّاسَ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ خَلَقَنَا مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ وَالْمُخَلَّقَةُ هِيَ الْمُصَوَّرَةُ وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ غَيْرُ الْمُصَوَّرَةِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَقُولَ خَلَقَكُمْ مِنْ مُضْغَةٍ مُصَوَّرَةٍ مَعَ كَوْنِ الْمُصَوَّرَةِ وَلَدًا لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمُصَوَّرَةِ

стр. 1605

ولدا مع قوله مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ قِيلَ لَهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْمُخَلَّقَةِ مَا ظَهَرَ فِيهِ بَعْضُ صُورَةِ الْإِنْسَانِ فأدار بِقَوْلِهِ خَلَقَكُمْ مِنْهَا تَمَامَ الْخَلْقِ وَتَكْمِيلِهِ فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُخَلَّقَةٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّطْفَةِ لِعَدَمِ الصُّورَةِ فِيهَا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ خَلَقَكُمْ مِنْهَا أَنَّهُ أَنْشَأَ الْوَلَدَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا قَبْلَ ذَلِكَ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ وَأَمَّا قَوْلِهِ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَهُ وَضْعُ الْوَلَدِ فَمَا لَيْسَ بِوَلَدٍ فَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَهَذَا لَا يُشْكَلُ عَلَى أَحَدٍ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ وَقَالَ إسْمَاعِيلُ أيضا لا تخلوا هَذِهِ الْمُضْغَةُ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ الْعَلَقَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَلَدًا أَوْ غَيْرَ وَلَدٍ فَإِنْ كَانَتْ وَلَدًا قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ فَحُكْمُهَا قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ بِوَلَدٍ إلَى أَنْ يُخْلَقَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ الْوَلَدُ أَبَاهُ إذَا مَاتَ حِينَ تَحْمِلُ بِهِ أُمُّهُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا إغْفَالٌ ثَانٍ وَكَلَامٌ مُنْتَقَضٌ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا مَاتَ عَنْ امْرَأَتِهِ وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسَنَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَيْنِ أَوْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ أَكْثَرَ الْحَمْلِ أَرْبَعَ سِنِينَ أَنَّ الْوَلَدَ يَرِثُهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ نُطْفَةً وَقْتَ وَفَاةِ الْأَبِ وَقَدْ وَرِثَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ النُّطْفَةَ لَيْسَتْ بِحَمْلٍ وَلَا وَلَدٍ وَأَنَّهُ لَا تَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ وَلَا تَعْتِقُ بِهَا أُمُّ الولد فبان ذلك فساد اعتلاله وَانْتِقَاضُ قَوْلِهِ وَلَيْسَتْ عِلَّةُ الْمِيرَاثِ كَوْنَهُ وَلَدًا لأن الولد الميث هو ولد تنقضي بها الْعِدَّةُ وَيَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِيلَادُ فِي الْأُمِّ وَقَدْ لَا يَكُونُ مِنْ مَائِهِ فَيَرِثُهُ إذَا كَانَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالْفِرَاشِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ مِنْ الزِّنَا لَمْ يَلْحَقْ نَسَبُهُ بِالزَّانِي وَكَانَ ابْنًا لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ فَالْمِيرَاثُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ لَا بِأَنَّهُ مِنْ مَائِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا لَا يَرِثُ الزَّانِيَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَائِهِ فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ ثُبُوتَ الْمِيرَاثِ لَيْسَ بِمُتَعَلِّقٍ بِكَوْنِهِ وَلَدًا مِنْ مَائِهِ دُونَ حُصُولِ النِّسْبَةِ إلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ إسْمَاعِيلُ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا وَرِثَ أَبَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ حِينَ صَارَ حَيًّا يَرِثُ وَيُورَثُ قِيلَ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ وَإِنْ تَمَّ خَلْقُهُ حَتَّى يَخْرُجَ حَيًّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا تخليط وكلام في هذه الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ خَصْمَهُ لَمْ يَجْعَلْ وُجُوبَ الْمِيرَاثِ عِلَّةً لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَكَوْنِ الْأُمِّ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْمَيِّتَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَلَا يَرِثُ وَقَدْ يَرِثُ الْوَلَدُ وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ إذَا كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدَانِ فَوَضَعَتْ أَحَدَهُمَا وَرِثَ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ أَبِيهِ وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ الْآخَرَ فَإِنْ وضعته ميتا

стр. 1606

لَمْ يَرِثْهُ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِهِ فَلَمَّا كَانَ الميراث قد يثبت للولد ولا تنقضي به الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ وَقَدْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَلَا يَرِثُ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَصْلٍ لِلْآخَرِ وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِهِ ثُمَّ قَالَ إسْمَاعِيلُ فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ حَمْلٌ وَلَكِنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ اللَّهُ بِحُكْمٍ لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ وَالنِّسَاءُ يَعْرِفْنَ ذَلِكَ وَيُفَرِّقْنَ بَيْنَ لَحْمٍ أَوْ دَمٍ سَقَطَ مِنْ بَدَنِهَا أَوْ رَحِمِهَا وَبَيْنَ الْعَلَقَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا الْوَلَدُ وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ لَحْمُ الْمَرْأَةِ وَدَمُهَا مِنْ الْعَلَقَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِنَّ مَنْ يَعْرِفُ فَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّهَا عَلَقَةٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا إنَّهَا إذا أسقطت علقة أو مضغة لم تستبن شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ يُرَى النِّسَاءَ فَإِنْ قُلْنَ كَانَ يَجِيءُ مِنْهَا الْوَلَدُ لَوْ بَقِيَتْ انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ وَيَثْبُتُ بِهَا الِاسْتِيلَادُ وَإِنْ قُلْنَ لَا يَجِيءُ مِنْ مِثْلِهَا وَلَدٌ لَمْ تَنْقَضِ بِهِ الْعِدَّةُ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الِاسْتِيلَادُ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ إسْمَاعِيلُ إنَّمَا أَخَذَ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مِنْ أَظْهَرِ الْكَلَامِ اسْتِحَالَةً وَفَسَادًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعَلَقَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا الْوَلَدُ وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ مِنْهَا الْوَلَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَاهَدَ عَلَقًا كَانَ مِنْهُ الْوَلَدُ وَعَلَقًا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ الولد فيعرف بالعبادة الفرق بين ما كان منه ولد وبين ما لم يكن معه وَلَدٌ بِعَلَامَةٍ تُوجَدُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ وَأَكْثَرِ الظَّنِّ كَمَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعْرَابِ السَّحَابَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا الْمَطَرُ وَالسَّحَابَةَ الَّتِي لَا يَكُونُ مِنْهَا الْمَطَرُ وَذَلِكَ بِمَا قَدْ عَرَفُوهُ مِنْ الْعَلَامَاتِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُخْلِفُ فِي الْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ فَأَمَّا الْعَلَقَةُ الَّتِي كَانَ مِنْهَا الْوَلَدُ فَمُسْتَحِيلٌ أَنْ يُشَاهِدَهَا إنْسَانٌ قَبْلَ كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهَا مُتَمَيِّزَةً مِنْ الْعَلَقَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مِنْهَا وَلَدٌ وَذَلِكَ شَيْءٌ قَدْ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ إلَّا مَنْ أَطْلَعَ عَلَيْهِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ حِينَ يَأْمُرُهُ بكتب رزقه وأجله وعمله شقي أَوْ سَعِيدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وقال وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وهو عالم بكل شيء وَلَكِنَّهُ خَصَّ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ بِالْأَرْحَامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إعْلَامًا لَنَا أَنَّ أَحَدًا غَيْرَهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَمَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ بَيْعِ أَرَاضِي مَكَّةَ وَإِجَارَةِ بُيُوتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ

стр. 1607

رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مُنَاخٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا وَرَوَى سعيد بن جبير عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانُوا يَرَوْنَ الْحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدًا سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قَالَ مَنْ يَجِيءُ مِنْ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِينَ سَوَاءٌ فِي الْمَنَازِلِ يَنْزِلُونَ حَيْثُ شَاءُوا غَيْرَ أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنْ بَيْتِهِ سَاكِنَهُ قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال العاكف فيه أهله والباد مَنْ يَأْتِيهِ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى وَأَهْلُهُ فِي الْمَنْزِلِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْبَادِي إجَارَةَ الْمَنْزِلِ وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةُ حَرَّمَهَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلَا إجَارَةُ بُيُوتِهَا وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ وروى عيسى ابن يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ كَانَتْ رِبَاعُ مَكَّةَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَمَانِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ تُسَمَّى السَّوَائِبَ مَنْ احْتَاجَ سَكَنَ وَمَنْ اسْتَغْنَى سَكَنَ وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ وَرَوَى عبيد الله عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ نَهَى أَهْلَ مَكَّة أَنْ يُغْلِقُوا أَبْوَابَ دُورِهِمْ دُونَ الْحَاجِّ وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ مَنْ أَكَلَ كِرَاءَ بُيُوتِ مَكَّةَ فَإِنَّمَا أَكَلَ نَارًا فِي بَطْنِهِ وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ يُكْرَهُ بَيْعُ بُيُوتِ مَكَّةَ وَكِرَاؤُهَا وَرَوَى لَيْثٌ عَنْ الْقَاسِمِ قَالَ مَنْ أَكَلَ كِرَاءَ بُيُوتِ مَكَّةَ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ نَارًا وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَبِيعُوا شَيْئًا مِنْ رِبَاعِ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا وَرُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَا وَصَفْنَا مِنْ كَرَاهَةِ بَيْعِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ إبَاحَةُ بَيْعِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَكِرَاؤُهَا وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عن هشام بن حجير كَانَ لِي بَيْتٌ بِمَكَّةَ فَكُنْتُ أُكْرِيهِ فَسَأَلْتُ طَاوُسًا فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قَالَا سَوَاءٌ فِي تَعْظِيمِ الْبَلَدِ وَتَحْرِيمِهِ وَرَوَى عمر وبن دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ قَالَ اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ دَارَ السِّجْنِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ

стр. 1608

فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يرض عمر فلصفوان أربع مائة دِرْهَمٍ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَعْمَرٍ فَأَخَذَهَا عُمَرُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَأَكْرَهُ بَيْعَ أَرَاضِيهَا وَرَوَى سُلَيْمَانُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ أَكْرَهُ إجَارَةَ بُيُوتِ مَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ وَفِي الرَّجُلِ يُقِيمُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَأَمَّا الْمُقِيمُ وَالْمُجَاوِرُ فَلَا نَرَى بِأَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَأْسًا وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ جَائِزٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عَلَى الحرم كله إلا ولا اسم شَامِلٌ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ الْآيَةَ عَلَى مَعْنًى لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا وُقُوعَ اسْمِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْحَرَمِ مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْمُرَادُ فِيمَا رُوِيَ الْحُدَيْبِيَةُ وَهِيَ بَعِيدَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ قَرِيبَةٌ مِنْ الْحَرَمِ وَرُوِيَ أَنَّهَا عَلَى شَفِيرِ الْحَرَمِ وَرَوَى الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَضْرِبُهُ فِي الْحِلِّ وَمُصَلَّاهُ فِي الْحَرَمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْجِدِ الحرام هاهنا الحرم كله ويدل عليه قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْمُرَادُ إخْرَاجُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ حِينَ هَاجَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عِبَارَةً عَنْ الْحَرَمِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْحَرَمِ كُلِّهِ قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ والمراد به انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ بِالظُّلْمِ فِيهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ اقْتَضَى قَوْلُهُ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ تَسَاوِيَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فِي سُكْنَاهُ وَالْمُقَامِ بِهِ فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي وُجُوبِ اعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ وَحُرْمَتِهِ قِيلَ لَهُ هُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ اعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ وَحُرْمَتِهِ وَمِنْ تَسَاوِيهِمْ فِي سُكْنَاهُ وَالْمُقَامِ بِهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ لِأَنَّ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي سُكْنَاهُ كَمَا لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَصِحُّ لِلْمُشْتَرِي تَسَلُّمُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَسَبَ الِانْتِفَاعِ بِالْأَمْلَاكِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَأَمَّا إجَارَةُ الْبُيُوتِ فَإِنَّمَا أَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْبِنَاءُ مِلْكًا لِلْمُؤَاجِرِ فَيَأْخُذُ أُجْرَةَ مِلْكِهِ فَأَمَّا أُجْرَةُ الْأَرْضِ فَلَا تَجُوزُ وَهُوَ مِثْلُ بِنَاءِ الرَّجُلِ فِي أَرْضٍ لِآخَرَ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ إجَارَةُ الْبِنَاءِ وَقَوْلُهُ الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّ الْعَاكِفَ أَهْلُهُ وَالْبَادِيَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ فَإِنَّ الْإِلْحَادَ هُوَ الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ اللَّحْدُ فِي الْقَبْرِ لِأَنَّهُ مَائِلٌ إلَى شِقِّ

стр. 1609

الْقَبْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ وقال لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ أى لسان الذي يؤمنون إليه والباء في قوله بِإِلْحادٍ زائدة كقوله تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أَيْ تُنْبِتُ الدُّهْنَ وقَوْله تَعَالَى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ ظُلْمُ الخادم فيما فَوْقَهُ بِمَكَّةَ إلْحَادٌ وَقَالَ عُمَرُ احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إلْحَادٌ وَقَالَ غَيْرُهُ الْإِلْحَادُ بِمَكَّةَ الذُّنُوبُ وَقَالَ الْحَسَنُ أَرَادَ بِالْإِلْحَادِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِلْحَادُ مَذْمُومٌ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَيْلِ عَنْ الْحَقِّ وَلَا يُطْلَقُ فِي الْمَيْلِ عَنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ فَالْإِلْحَادُ اسْمٌ مَذْمُومٌ وَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَمَ بِالْوَعِيدِ فِي الْمُلْحِدِ فِيهِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُتَأَوِّلُونَ لِلْآيَةِ أَنَّ الْوَعِيدَ فِي الْإِلْحَادِ مُرَادٌ بِهِ مَنْ أَلْحَدَ فِي الْحَرَمِ كُلِّهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهِ الْمَسْجِدُ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْحَرَمُ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ هَذِهِ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنْ الْحَرَمِ وَلَيْسَ لِلْحَرَمِ ذكر متقدم إلا قوله وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ فثبت أن المراد بالمسجد هاهنا الحرم كله وقد روى عمارة ابن ثَوْبَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إلْحَادٌ وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إلْحَادٌ وَلَيْسَ الْجَالِبُ كَالْمُقِيمِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الذُّنُوبِ مُرَادًا بِقَوْلِهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ فَيَكُونُ الِاحْتِكَارُ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الظُّلْمُ وَالشِّرْكُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ فِي الْحَرَمِ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَرِهَ الْجِوَارَ بِمَكَّة ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الذُّنُوبُ بِهَا تَتَضَاعَفُ عُقُوبَتُهَا آثَرُوا السَّلَامَةَ فِي تَرْكِ الْجِوَارِ بِهَا مَخَافَةَ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ الَّتِي تَتَضَاعَفُ عُقُوبَتُهَا وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يُلْحِدُ بِمَكَّةَ رِجْلٌ عَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ عَذَابِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ رَجُلٌ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ وَرَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتله ورجل قتل بدخول الْجَاهِلِيَّةِ قَوْله تَعَالَى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ رَوَى مُعْتَمِرٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ وَكَيْفَ أُؤْذِنُهُمْ قَالَ تَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا قَالَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا فَصَارَتْ التَّلْبِيَةُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا ابْتَنَى إبْرَاهِيمُ ﵇ الْبَيْتَ قَالَ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ إنَّ رَبَّكُمْ قَدْ اتَّخَذَ بَيْتًا وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُّوهُ فَاسْتَجَابَ لَهُ مَا سَمِعَهُ مِنْ صَخْرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ

стр. 1610

أَكَمَةٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ شَيْءٍ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِدُعَاءِ النَّاسِ إلَى الْحَجِّ وَأَمْرُهُ كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْحَجِّ بَاقِيًا إلَى أَنْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نُسِخَ عَلَى لِسَانِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَجَّتَيْنِ وَحَجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحُجُّونَ عَلَى تَخَالِيطَ وَأَشْيَاءَ قَدْ أَدْخَلُوهَا فِي الْحَجِّ وَيُلَبُّونَ تَلْبِيَةَ الشِّرْكِ فَإِنْ كَانَ فَرْضُ الْحَجِّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ إبْرَاهِيمَ فِي زمن إبراهيم بَاقِيًا حَتَّى بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حجتين بعد ما بعثه الله وقبل الْهِجْرَةِ وَالْأُولَى فِيهِمَا هِيَ الْفَرْضُ وَإِنْ كَانَ فَرْضُ الْحَجِّ مَنْسُوخًا عَلَى لِسَانِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَهُ فِي التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَقِيلَ إنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَرُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّا لَا نَظُنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ تَأْخِيرَ الْحَجِّ الْمَفْرُوضِ عَنْ وَقْتِهِ الْمَأْمُورِ فِيهِ إذْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مُسَارَعَةً إلَى أَمْرِ اللَّهِ وَأَسْبَقِهِمْ إلَى أَدَاءِ فُرُوضِهِ وَوَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَنْبِيَاءَ السَّالِفِينَ فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِمُسَابِقَتِهِمْ إلَى الْخَيْرَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ فَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ ليختلف عَنْ مَنْزِلَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْمُسَابَقَةِ إلَى الخيرات بل كان حظه منها أو في مِنْ حَظِّ كُلِّ أَحَدٍ لِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي دَرَجَاتِ النُّبُوَّةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُظَنَّ بِهِ تَأْخِيرُ الْحَجِّ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِتَعْجِيلِهِ فِيمَا رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ لِيَأْمُرَ غَيْرَهُ بِتَعْجِيلِ الْحَجِّ وَيُؤَخِّرَهُ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُؤَخِّرْ الْحَجَّ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ فَإِنْ كَانَ فَرْضُ الْحَجِّ لَزِمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ تَارِيخُ نُزُولِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ سَنَةِ عَشْرٍ فَإِنْ كَانَ نُزُولُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ وَهُوَ أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ اتَّفَقَ عَلَى مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَحُجُّهُ مِنْ إدْخَالِ النَّسِيءِ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ وَاقِعًا فِي وَقْتِ الْحَجِّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ فَلِذَلِكَ أَخَّرَ الْحَجَّ عَنْ تِلْكَ السَّنَةِ لِيَكُونَ حَجُّهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهِ الْحَجَّ لِيَحْضُرَ النَّاسُ فَيَقْتَدُوا بِهِ وَإِنْ كَانَ نُزُولُهُ فِي سَنَةِ عَشْرٍ فَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنْ كَانَ فَرْضُ الْحَجِّ بَاقِيًا مُنْذُ زَمَنِ إبْرَاهِيمَ ﵇ إلَى زَمَنِ النَّبِيِّ

стр. 1611

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الْحَجَّ الَّذِي فَعَلَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَانَ هُوَ الْفَرْضُ وَمَا عَدَاهُ نَفْلٌ فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ الْحَجَّ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَنْ أَوَّلِ أَحْوَالِ الْإِمْكَانِ. باب الحج ماشيا روى موسى بن عبيد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَا آسَى عَلَى شَيْءٍ إلَّا أَنِّي وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ حَجَجْتُ مَاشِيًا لِأَنَّ اللَّهَ تعالى يقول يَأْتُوكَ رِجالًا وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ حَجَّا مَاشِيَيْنِ وَرَوَى القاسم بن الحكم العربي عن عبد اللَّهِ الرُّصَافِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا ندمت على شيء فاتنى في شبيبتى إلا أنى لَمْ أَحُجَّ رَاجِلًا وَلَقَدْ حَجَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ حَجَّةً مَاشِيًا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ وَإِنَّ النَّجَائِبَ لَتُقَادُ مَعَهُ وَلَقَدْ قَاسَمَ اللَّهَ مَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إنَّهُ لَيُعْطِي النَّعْلَ وَيُمْسِكُ النَّعْلَ وَيُعْطِي الْخُفَّ ويمسك الخف وروى عبد الرزاق عن عمر وبن زرا عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانُوا يَحُجُّونَ وَلَا يَرْكَبُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وَتُقَادُ دَوَابُّهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْله تَعَالَى يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْحَجِّ مَاشِيًا وَرَاكِبًا وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا وَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ السَّلَفِ فِي اخْتِيَارِهِمْ الْحَجَّ مَاشِيًا وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا أَفْضَلُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ أُمَّ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ قُرْبَةٌ قَدْ لَزِمَتْ بِالنَّذْرِ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا هَدْيًا عِنْدَ تَرْكِهَا الْمَشْيَ قَوْله تَعَالَى يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ رَوَى جُوَيْبِرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عميق قَالَ بَلَدٌ بَعِيدٌ وَقَالَ قَتَادَةُ مَكَانٌ بَعِيدٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَجُّ الطَّرِيقُ فَكَأَنَّهُ قَالَ مِنْ طَرِيقٍ بَعِيدٍ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ الْعُمْقُ الذَّاهِبُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَالْعُمْقُ الذَّاهِبُ فِي الْأَرْضِ قَالَ رُؤْبَةُ: وَقَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ فَأَرَادَ بِالْعُمْقِ هَذَا الذَّاهِبَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَالْعَمِيقُ الْبَعِيدُ لِذَهَابِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ «٥- أحكام مس»

стр. 1612

قَالَ الشَّاعِرُ: يَقْطَعْنَ نُورَ النَّازِحِ الْعَمِيقِ يَعْنِي الْبَعِيدَ وَقَدْ رَوَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أُمَيَّةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ أَهَلَّ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَحْرَمَ مِنْ الْكُوفَةِ بِعُمْرَةٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الشَّامِ فِي الشِّتَاءِ وَأَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَعِمْرَانُ بن حصين أحرم من البصرة وروى عمر وبن مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ قَوْله تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ قَالَ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ وَقَالَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ مَا أَرَى أَنْ يَعْتَمِرَ إلَّا مِنْ حَيْثُ ابْتَدَأَ وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ الرَّجُلُ يُحْرِمُ مِنْ سَمَرْقَنْدَ أَوْ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ الْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ فَقَالَ يَا لَيْتَنَا نَسْلَمُ مِنْ وَقْتِنَا الَّذِي وُقِّتَ لَنَا فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا يَخَافُ مِنْ مُوَاقَعَةِ مَا يَحْظُرُهُ الْإِحْرَامُ لَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ. بَابُ التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ التِّجَارَةَ وَمَا يُرْضِي اللَّهَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَوَى عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَسْوَاقٌ كَانَتْ مَا ذَكَرَ الْمَنَافِعَ إلَّا لِلدُّنْيَا وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَغْفِرَةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ظَاهِرُهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُرِيدَ بِهِ مَنَافِعُ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ التِّجَارَةُ جَائِزَةً أَنْ تُرَادَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ دُعُوا وَأُمِرُوا بِالْحَجِّ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنَافِعَ الدُّنْيَا خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الدُّعَاءُ إلَى الْحَجِّ وَاقِعًا لِمَنَافِعِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا الْحَجُّ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَنَحْرُ الْهَدْيِ وَسَائِرُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَيَدْخُلُ فِيهَا مَنَافِعُ الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ وَالرُّخْصَةِ فِيهَا دُونَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقْصُودَةَ بِالْحَجِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَجَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَةً فِي التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ فِيهِ فِي سُورَةِ البقرة. بَابُ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ قَالَ اللَّهُ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ

стр. 1613

الْأَنْعامِ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَاذْبَحْ فِي أَيُّهَا شِئْتَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيِّ الْقَاضِي قَالَ كَتَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ الطُّوسِيُّ إلَى أَبِي يوسف يسئله عَنْ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ فَأَمْلَى عَلَيَّ أَبُو يُوسُفَ جَوَابَ كِتَابِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا أَيَّامُ النَّحْرِ وَإِلَى ذَلِكَ أَذْهَبُ لِأَنَّهُ قَالَ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ أَيَّامُ الْعَشْرِ وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تعالى وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ الْقَارِيّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الْعَشْرُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ يَوْمُ الْأَضْحَى وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الْعَشْرُ وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَاَلَّذِي رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْهُمْ أَصَحُّ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا قِيلَ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٌ لِأَنَّهَا قَلِيلَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَأَنَّهُ سَمَّاهَا مَعْدُودَةً لِقِلَّتِهَا وَقِيلَ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ مَعْلُومَاتٌ حَثًّا عَلَى عِلْمِهَا وَحِسَابِهَا مِنْ أَجْلِ أن وقت الحج في آخرها فكأنه أمر نا بِمَعْرِفَةِ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَطَلَبِ الْهِلَالِ فِيهِ حَتَّى نَعُدَّ عَشَرَةً وَيَكُونَ آخِرُهُنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَيُحْتَجُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ فِي أَنَّ تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ مَقْصُورٌ عَلَى أَيَّامِ الْعَشْرِ مَفْعُولٌ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَهُمَا مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا قَالَ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَيَّامُ النَّحْرِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قِيلَ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كَمَا قال لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَمَعْنَاهُ لِمَا هَدَاكُمْ وَكَمَا تَقُولُ اُشْكُرْ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ وَمَعْنَاهُ لِنِعَمِهِ وَأَيْضًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَكُونَ قَوْله تَعَالَى عَلى ما رَزَقَهُمْ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَبِتَكْرَارِ السِّنِينَ عَلَيْهِ تَصِيرُ أَيَّامًا وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَبْحَ سَائِرَ الْهَدَايَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ تَطَوُّعٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَرُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنَا عَنْ عَلِيٍّ وابن عباس وابن عمر وأنس

стр. 1614

ابن مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ النَّحْرَ يَوْمَانِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ النَّحْرُ يَوْمٌ وَاحِدٌ وَرَوَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَا الْأَضْحَى إلَى هِلَالِ الْمُحَرَّمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ثَبَتَ عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَاسْتَفَاضَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ بَعْدَهُمْ خِلَافُهُمْ إذْ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ نظرائهم خلافه فثبت حُجَّتُهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ سَبِيلَ تَقْدِيرِ أَيَّامِ النَّحْرِ التَّوْقِيفُ أَوْ الِاتِّفَاقُ إذْ لَا سَبِيلَ إلَيْهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ فَلَمَّا قَالَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالثَّلَاثَةِ صَارَ ذَلِكَ تَوْقِيفًا كَمَا قُلْنَا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَتَقْدِيرِ الْمَهْرِ وَمِقْدَارِ التَّشَهُّدِ فِي إكْمَالِ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي طَرِيقُ إثْبَاتِهَا التَّوْقِيفُ أَوْ الِاتِّفَاقُ إذَا قَالَ بِهِ قَائِلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَكَانَ ذَلِكَ تَوْقِيفًا وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَيَّامِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَكَانَ ذِكْرُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ يَنُوبُ عَنْ الْآخَرِ فلما وجدنا الرمي في أيام النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَوَجَدْنَا النَّحْرَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَقَالَ قَائِلُونَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقُلْنَا نَحْنُ يَوْمَانِ بَعْدَهُ وَجَبَ أَنْ نُوجِبَ فَرْقًا بَيْنَهُمَا لِإِثْبَاتِ فَائِدَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَا لَيْسَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِهَا وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَ النَّحْرَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مطعم عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كل عرفات موقف وارتفعوا عن عرفة وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ وهذا حديث قد ذكر عن أحمد ابن حَنْبَلٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ مِنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ وَأَكْثَرُ رِوَايَتِهِ عَنْ سَهْوٍ وَقَدْ قِيلَ إنَّ أَصْلَهُ مَا رَوَاهُ مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حُسَيْنٍ يُخْبِرُ عن عطاء عن أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءٍ يَسْمَعُ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ فَهَذَا أَصْلُ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ وَأَيْضًا لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّحْرَ فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَيَّامِ وَكَانَ أَقَلَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةً وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ الثَّلَاثَةُ وَمَا زَادَ لم تقم عليه

стр. 1615

الدلالة فلم يثبت. في التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَذَا الذِّكْرِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ الذَّكَاةِ لِأَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ- إلَى قَوْلِهِ- لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ فَكَانَتْ الْمَنَافِعُ هِيَ أَفْعَالُ الْمَنَاسِكِ الَّتِي يَقْتَضِي الْإِحْرَامُ إيجَابَهَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ وَاجِبَةً إذْ كَانَ الدُّعَاءُ إلَى الْحَجِّ وَقَعَ لَهَا كَوُقُوعِهَا لِسَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بالتسمية هي الذكور الْمَفْعُولُ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ أَوْ تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ هَذَا الذِّكْرِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَهُوَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الْهَدَايَا الْمُوجَبَةِ بِالْإِحْرَامِ لِلْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ وَمَا تَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِالْإِحْرَامِ وَيُرَادُ بِهَا تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ وَالذِّكْرُ الْمَفْعُولُ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ إذْ لَمْ تَكُنْ إرَادَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ مُمْتَنِعَةً بِالْآيَةِ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ حِينَ يَنْحَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَرَوَى الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ تَقُولُ إذَا نَحَرْتَ قَالَ أَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ شَرِيفٍ أَنَّ عَلِيًّا ضَحَّى يَوْمَ النَّحْرِ بِكَبْشٍ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ وَمِنْ عَلِيٍّ لَكَ . باب في أَكْلُ لُحُومِ الْهَدَايَا قَالَ اللَّهُ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها قَالَ أَبُو بَكْرٍ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ الْأَكْلِ إلَّا أَنَّ السَّلَفَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَضَاحِيّ وَهَدْيَ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ أَوْ الْهَدَايَا الَّتِي تَجِبُ مِنْ جِنَايَاتٍ تَقَعُ مِنْ الْمُحْرِمِ في الإحرام نجو جَزَاءِ الصَّيْدِ وَمَا يَجِبُ عَلَى اللَّابِسِ وَالْمُتَطَيِّبِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى وَهَدْيِ الْإِحْصَارِ وَنَحْوِهَا فَأَمَّا دِمَاءُ الْجِنَايَاتِ فَمَحْظُورٌ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْهَا وَأَمَّا دَمُ الْقِرَانِ وَالْمُتْعَةِ وَالتَّطَوُّعِ فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ
следующие страницы →