← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23579

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (1 926 стр.). Показаны 1891–1926 · переход к 1896.

стр. 1891

بِيَمِينٍ وَأَعْزِمُ بِاَللَّهِ إنْ أَرَادَ يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ وَذَكَرَ الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَمِينَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ يَمِينٌ فَكَذَلِكَ أَشْهَدُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ جَعَلَ هَذَا الْإِطْلَاقَ يَمِينًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْرِنَهُ بِاسْمِ اللَّهِ وَقَالَ تَعَالَى فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ فَعَبَّرَ عَنْ الْيَمِينِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْقَسَمِ وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ فِي حَذْفِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي إظْهَارِهِ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَسَمَ فِي كِتَابِهِ فَأَظْهَرَ تَارَةً الِاسْمَ وَحَذَفَهُ أُخْرَى وَالْمَفْهُومُ بِاللَّفْظِ فِي الْحَالَيْنِ وَاحِدٌ بقوله وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ فَحَذَفَهُ تَارَةً اكْتِفَاءً بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِإِضْمَارِهِ وَأَظْهَرَهُ أُخْرَى وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَبَرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رُؤْيَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَبْت بَعْضًا وَأَخْطَأْت بَعْضًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُقْسِمْ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ أَقْسَمْت عَلَيْك يَمِينًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ الْقَسَمَ لِقَوْلِهِ لَا تُقْسِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا وَأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ لَا تُقْسِمْ لِأَنَّ عِبَارَةَ الرُّؤْيَا ظَنٌّ قَدْ يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ وَهَذَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ أَقْسَمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَنْ يَبَرَّ قَسَمَهُ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُخْبِرْهُ لَمَّا أَقْسَمَ عَلَيْهِ لِيُخْبِرَهُ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ تأويل رؤيا فليس عليه الإخبار به لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَرَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ عَلَى الشَّامِّ فَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَأَنَا أَشُدُّ الْإِبِلَ بِأَقْتَابِهَا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ قَالَ لَهُ النَّاسُ تَدَعُ عُمَرَ يَنْطَلِقُ إلَى الشَّامِ وَاَللَّهِ إنَّ عمر ليكفيك الشام وهو هاهنا قَالَ أَقْسَمْت عَلَيْك لَمَّا أَقَمْت وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَبَّاسِ فِيمَا خَاصَمَ فِيهِ عَلِيًّا مِنْ أَشْيَاءَ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِيثَارِهِ أَقْسَمْت عَلَيْك لَمَّا سَلَّمْته لِعَلِيٍّ وَقَدْ رَوَى الْبَرَاءُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْقَسَمِ وَأَنَّهُ يَمِينٌ وَهَذَا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا قَالَ أَقْسَمْت عَلَيْك وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ الْقَسَمُ يَمِينٌ وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ أَقْسَمْت وَأَقْسَمْت بِاَللَّهِ سَوَاءٌ.

стр. 1892

بَابُ مَنْ فَرَّطَ فِي زَكَاةِ مَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الْآيَةَ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَبَّابٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَالٌ يُبْلِغُهُ بَيْتَ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يُزَكِّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ وَتَلَا قوله تعالى وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ الْآيَةَ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا أَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ ظَاهِرَةٌ عَلَى حُصُولِ التَّفْرِيطِ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا وَوَجَبَ أَدَاؤُهَا مِنْ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَكَانَتْ قَدْ تَحَوَّلَتْ إلَى الْمَالِ فَلَزِمَ الْوَرَثَةَ إخْرَاجُهَا فَلَمَّا سَأَلَ الرَّجْعَةَ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَدَاءَ فَائِتٌ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْمَالِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَرَثَةُ آخِرُ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ. سُورَةُ الطَّلَاقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْتَمِلُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ بِالْخِطَابِ وُجُوهًا أَحَدُهَا اكْتِفَاءٌ بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِأَنَّ مَا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خِطَابٌ لَهُمْ إذْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ إلَّا مَا خُصَّ بِهِ دُونَهُمْ فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ ثُمَّ عَدَلَ بِالْخِطَابِ إلَى الْجَمَاعَةِ إذْ كَانَ خِطَابُهُ خِطَابًا لِلْجَمَاعَةِ وَالثَّانِي أَنَّ تَقْدِيرَهُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأُمَّتِك إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ وَالثَّالِثُ عَلَى الْعَادَةِ فِي خِطَابِ الرَّئِيسِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْأَتْبَاعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ وقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي الْحَيْضِ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا وَلْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُفَارِقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا أَوْ يُمْسِكُهَا فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ قَالَ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي الْحَيْضِ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُطَلِّقْهَا وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ مُرَادَ الله في قوله

стр. 1893

تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَنَّ وَقْتَ الطَّلَاقِ الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا وَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِيقَاعِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِحَيْضَةٍ بِقَوْلِهِ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا إنْ شَاءَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَبَاحَ طَلَاقَهَا فِي الطُّهْرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ إلَّا شَيْئًا رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ إذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ فَقَدْ طَلَّقَهَا لِلسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَهَا وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَخِلَافُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحَامِلَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ إذَا طَلَّقَهَا حَامِلًا فَقَدْ طَلَّقَهَا لِلسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَهَا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصْلَ الْحَدِيثِ وَأَغْفَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَ الْحَامِلِ وقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ مُنْتَظِمٌ لِلْوَاحِدَةِ وَلِلثَّلَاثِ مُفَرَّقَةً فِي الْأَطْهَارِ لِأَنَّ إدْخَالَ اللَّامِ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ قَدْ انْتَظَمَ فِعْلُهَا مُكَرَّرًا عِنْدَ الدُّلُوكِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا إبَاحَةُ الثَّلَاثِ مُفَرَّقَةً فِي الْأَطْهَارِ وَإِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ قَالَ إيقَاعُ الثَّلَاثِ فِي الْأَطْهَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَاللَّيْثِ وَالثَّانِي تَفْرِيقُهَا فِي الْأَطْهَارِ وَحَظْرِ جَمْعِهَا في طهر واحد لأن قوله لِعِدَّتِهِنَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَا فِعْلَ الْجَمِيعِ فِي طُهْرٍ واحد كقوله تعالى لِدُلُوكِ الشَّمْسِ لَمْ يَقْتَضِ فِعْلَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا اقْتَضَى فِعْلَ الصَّلَاةِ مُكَرَّرَةً فِي الْأَوْقَاتِ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا إنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الْوَقْتِ وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ وَهُوَ أَنْ لَا يَزِيدَ فِي الطُّهْرِ الْوَاحِدِ عَلَى تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْوَقْتُ مَشْرُوطٌ لِمَنْ يُطَلِّقُ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ مَنْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَطَلَاقُهَا مُبَاحٌ فِي الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فَأَبَاحَ طَلَاقَهَا فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ طُهْرٍ أَوْ حَيْضٍ وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ مِنْ السُّنَّةِ وَمِنْ مَنْعِ إيقَاعِ الثَّلَاثِ فِي الْأَطْهَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا جَازَ طَلَاقُ الْحَامِلِ بَعْدَ الْجِمَاعِ كَذَلِكَ الْحَائِلُ يَجُوزُ طَلَاقُهَا فِي الطُّهْرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ قِيلَ لَهُ لَا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ الْأَثَرِ وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا طَهُرَتْ

стр. 1894

مِنْ حَيْضَتِهَا ثُمَّ جَامَعَهَا لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا قَدْ حَمَلَتْ مِنْ الْوَطْءِ وَعَسَى أَنْ لَا يُرِيدَ طَلَاقَهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا فَيَلْحَقُهُ النَّدَمُ وإذا لم يجامعها بعد الطهر فإن وجد الحيض علم براءة الرَّحِمِ فَيُطَلِّقُهَا وَهُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ طَلَاقِهَا قوله تعالى وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْعِدَّةُ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وبقوله وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ- إلَى قَوْلِهِ- وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ عَدَدٌ لِلْمُطْلَقَاتِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ لَهُنَّ فَيَكُونُ إحْصَاؤُهَا لِمَعَانٍ أَحَدُهَا لِمَا يُرِيدُ مِنْ رَجْعَةٍ وَإِمْسَاكٍ أَوْ تَسْرِيحٍ وَفِرَاقٍ وَالثَّانِي مُرَاعَاةُ حَالِهَا فِي بَقَائِهَا عَلَى الْحَالِ الَّتِي طَلُقَتْ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ حَالٍ يُوجِبُ انْتِقَالَ عِدَّتِهَا إلَيْهَا وَالثَّالِثُ لِكَيْ إذَا بَانَتْ يُشْهِدُ عَلَى فِرَاقِهَا وَيَتَزَوَّجُ مِنْ النِّسَاءِ غَيْرَهَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُ جَمْعُهَا إلَيْهَا وَلِئَلَّا يُخْرِجَهَا مِنْ بَيْتِهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ يَقُولُونَ إنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ أَيْضًا إذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا طَلَّقَهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً فَذَكَرُوا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ السُّنَّةُ وَالثَّانِيَ أَيْضًا سُنَّةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ شَيْءٌ وَخِلَافُهُ سُنَّةً وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا حَلَالًا وَلَوْ قَالَ إنَّ الثَّانِيَ رُخْصَةٌ كَانَ أَشْبَهَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بمعرفة أصول العبادات ولا يَجُوزُ وُرُودُهُ مِنْهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ وَلَا يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ جَوَازَ وُرُودِ العبادات بِمِثْلِهِ إذْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ السُّنَّةُ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يُخَيَّرَ بَيْنَ إيقَاعِ الْوَاحِدَةِ فِي طهر والاقتصار عَلَيْهَا وَبَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَهَا فِي الطُّهْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ أَحْسَنَ مِنْ الْآخِرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ ثم قال وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَخَيَّرَ اللَّهُ الْحَانِثَ فِي يَمِينِهِ بَيْنَ أَحَدِ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةٍ وَأَيَّهَا فَعَلَ كَانَ فَرْضَهُ وَقَوْلُهُ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا حَرَامًا يُوجِبُ نَفْيَ التَّخْيِيرِ فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ وَالْفُرُوضِ كَمَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ حَرَامًا حَلَالًا وَعُوَارُ هَذَا الْقَوْلِ وَفَسَادُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْإِطْنَابِ فِي الرَّدِّ عَلَى قَائِلِهِ وَرُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنَا بِعَيْنِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وقَوْله تَعَالَى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ فِيهِ نَهْيٌ لِلزَّوْجِ عَنْ إخْرَاجِهَا وَنَهْيٌ لَهَا من الْخُرُوجِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا مادامت فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ بُيُوتَهُنَّ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْهَا هِيَ

стр. 1895

الْبُيُوتُ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ فَأَمَرَ بِتَبْقِيَتِهَا فِي بَيْتِهَا وَنَسَبِهَا إلَيْهَا بِالسُّكْنَى كَمَا قال وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَإِنَّمَا الْبُيُوتُ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَمَنَعُوهَا مِنْ السَّفَرِ فِي الْعِدَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ إسْكَانَهَا وَنَفَقَتَهَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ بَيْتِهَا وقَوْله تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خُرُوجُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَاحِشَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَّا أن تبذوا عَلَى أَهْلِهِ فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهَا وَقَالَ الضَّحَّاكُ الْفَاحِشَةُ الْمُبَيِّنَةُ عِصْيَانُ الزَّوْجِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنْ تَزْنِيَ فَتُخْرَجَ لِلْحَدِّ وَقَالَ قَتَادَةُ إلَّا أَنْ تَنْشُزَ فَإِذَا فَعَلَتْ حَلَّ إخْرَاجُهَا قَالَ أَبُو بكر هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ وجائز أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا مُرَادًا فَيَكُونَ خُرُوجُهَا فَاحِشَةً وَإِذَا زَنَتْ أُخْرِجَتْ لِلْحَدِّ وَإِذَا بَذَتْ عَلَى أَهْلِهِ أُخْرِجَتْ أَيْضًا وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ بِالِانْتِقَالِ حِينَ بَذَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا فَأَمَّا عِصْيَانُ الزَّوْجِ وَالنُّشُوزُ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَذَاءِ وَسُوءِ الْخُلُقِ اللَّذَيْنِ يَتَعَذَّرُ الْمَقَامُ مَعَهَا فِيهِ فَجَائِزٌ أَنْ يكون مراد وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا عَصَتْ زَوْجَهَا فِي شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي إخْرَاجِهَا وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّأْوِيلِ الْمُرَادِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ انْتِقَالِهَا لِلْعُذْرِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لَهَا الْخُرُوجَ لِلْأَعْذَارِ الَّتِي وَصَفْنَا قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ وَقَعَ طَلَاقُهُ وَكَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ بِتَعَدِّيهِ حُدُودَ اللَّهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِيبَ طَلَاقِ الْعِدَّةِ فَأَبَانَ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ فَطَلَاقُهُ وَاقِعٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وُقُوعَ طَلَاقِهِ مَعَ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ قَوْله تَعَالَى عَقِيبَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً يَعْنِي أَنْ يَحْدُثَ لَهُ نَدَمٌ فَلَا يَنْفَعُهُ لِأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَهُوَ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ السُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ حِينَ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَتَرَكَ اعْتِبَارَ مَا عَسَى أَنْ يَلْحَقَهُ مِنْ النَّدَمِ بِإِبَانَتِهَا وَحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا فِي الْحَيْضِ وَأَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ كَانَ خَطَأً فَأَمَرَهُ بِالرَّجْعَةِ لِيَقْطَعَ أَسْبَابَ الْخَطَإِ وَيَبْتَدِئَهُ عَلَى السُّنَّةِ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَالِ الْحَيْضِ لَا يَقَعُ وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسُؤَالُ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ لِابْنِ عُمَرَ عَنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ وَذِكْرُهُ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُ بِالْمُرَاجَعَةِ قَالَ قُلْت فَيَعْتَدُّ بِهَا قَالَ فَمَهْ أَرَأَيْت إن عجز

стр. 1896

واستمخق فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أيمن مولى عروة يسئل ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ فَقَالَ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا قَالَ طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَالَ إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ فَقَالَ الْمُحْتَجُّ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لم يقع فيقال لَهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرْت دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِالطَّلَاقِ بَلْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ عَلَى وُقُوعِهِ لِأَنَّهُ قَالَ وَرَدَّهَا عَلَيَّ وَهُوَ يَعْنِي الرَّجْعَةَ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُبِنْهَا مِنْهُ وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ وَابْنِ جبير وزيد ابن أَسْلَمَ وَمَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْهُ كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وقَوْله تَعَالَى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعنى به مقاربة بلوغ الأجل لا حقيقة لِأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ بَعْدَ بُلُوغِ الْأَجَلِ الَّذِي هُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى طَلَاقَ الْمَدْخُولِ بِهَا ابْتِدَاءً إلَّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً يَعْنِي أَنْ يَبْدُوَ لَهُ فَيُرَاجِعَهَا وَقَوْلُهُ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ. بَابُ الْإِشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ أَوْ الْفُرْقَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ وَالْفُرْقَةِ أَيَّتَهمَا اخْتَارَ الزَّوْجُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وطاوس وإبراهيم وأبى قلابة أَنَّهُ إذَا رَجَعَ وَلَمْ يُشْهِدْ فَالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ وَيُشْهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا جُعِلَ لَهُ الْإِمْسَاكُ أَوْ الْفِرَاقُ ثُمَّ عَقَبَهُ بِذِكْرِ الْإِشْهَادِ كَانَ مَعْلُومًا وُقُوعُ الرَّجْعَةِ إذَا رَجَعَ وَجَوَازُ الْإِشْهَادِ بَعْدَهَا إذْ لَمْ يَجْعَلْ الْإِشْهَادَ شَرْطًا فِي الرَّجْعَةِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِرَاقِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ تَرْكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَأَنَّ الْفُرْقَةَ تَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا وَيُشْهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِشْهَادَ عَقِيبَ الْفُرْقَةِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَذَلِكَ الرَّجْعَةُ وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ الْفُرْقَةُ حقا

стр. 1897

لَهُ وَجَازَتْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ إذْ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى رِضَا غَيْرِهِ وَكَانَتْ الرَّجْعَةُ أَيْضًا حَقًّا لَهُ وَجَبَ أَنْ تَجُوزَ بِغَيْرِ إشْهَادٍ وَأَيْضًا لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْإِمْسَاكِ أَوْ الْفُرْقَةِ احْتِيَاطًا لَهُمَا وَنَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُمَا إذَا عُلِمَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يُعْلَمْ الرَّجْعَةُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ فَلَا يُؤْمَنُ التجاحد بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَكُنْ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا مَقْصُورًا عَلَى الْإِشْهَادِ فِي حَالِ الرَّجْعَةِ أَوْ الْفُرْقَةِ بَلْ يَكُونُ الِاحْتِيَاطُ بَاقِيًا وَإِنْ أَشْهَدَ بَعْدَهُمَا وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُمَا إذَا أَشْهَدَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي صِحَّةِ وُقُوعِ الرَّجْعَةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ فَإِنَّ سُفْيَانَ رَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ بِالْبَيِّنَةِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ احْتِيَاطًا مِنْ التجاحد لَا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَعَهَا وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَكَمِ قَالَا إذَا غَشِيَهَا فِي الْعِدَّةِ فَغَشَيَانُهُ رَجْعَةٌ وقوله تعالى وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ فِيهِ أَمْرٌ بِإِقَامَةِ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ عَلَى الحقوق كلها لأن الشهادة هنا اسم للجنس وَإِنْ كَانَ مَذْكُورًا بَعْدَ الْأَمْرِ بِإِشْهَادِ ذَوَيْ عَدْلٍ عَلَى الرَّجْعَةِ لِأَنَّ ذِكْرَهَا بَعْدَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ فَانْتَظَمَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْأَمْرُ بِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَالْآخَرُ أَنَّ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَفَادَ بِذَلِكَ تَأْكِيدَهُ وَالْقِيَامَ بِهِ. بَابُ عِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ إثْبَاتَ الْإِيَاسِ لِمَنْ ذُكِرَتْ فِي الْآيَةِ مِنْ النِّسَاءِ بلا ارتياب وقوله تعالى إِنِ ارْتَبْتُمْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِارْتِيَابَ فِي الْإِيَاسِ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ حُكْمَ مَنْ ثَبَتَ إيَاسُهَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ فَوَجَبَ أَنْ يكون الِارْتِيَابَ فِي غَيْرِ الْإِيَاسِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرِّيبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ فَرَوَى مُطَرِّفٌ عن عمرو ابن سَالِمٍ قَالَ قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَدَدًا مِنْ عَدَدِ النِّسَاءِ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ فَأَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ ارْتِيَابَهُمْ فِي عَدَدِ مَنْ ذُكِرَ من

стр. 1898

الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَأُولَاتِ الْأَحْمَالِ وَأَنَّ ذِكْرَ الِارْتِيَابِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ ذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فَكَانَ بِمَعْنَى وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا فَرَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ عن عمر رضى الله عنه قَالَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلُقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ اسْتَبَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَاكَ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا سَنَةً قَالَ تِلْكَ الرِّيبَةُ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الَّتِي تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً قَالَ هَذِهِ رِيبَةٌ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عمر وَعَنْ طاوس مِثْلَهُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وزيد ابن ثَابِتٍ أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ وَرَوَى مَالِكٌ عن يحيى بن سعد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ قَالَ وَكَانَ عِنْدَ جَدِّهِ حِبَّانَ امْرَأَتَانِ هَاشِمِيَّةٌ وَأَنْصَارِيَّةٌ فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَرَّتْ بِهِ سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ وَلَمْ تَحِضْ فَقَالَتْ أَنَا أَرِثُهُ وَلَمْ أَحِضْ فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَلَامَتْ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ فَقَالَ هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّك هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ يعنى على ابن أَبِي طَالِبٍ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ وَبَقِيَتْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فَشَاوَرَ عُثْمَانُ عَلِيًّا وَزَيْدًا فَقَالَا تَرِثُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّائِي قَدْ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ وَلَا مِنْ الْأَبْكَارِ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى حَيْضَتِهَا مَا كَانَتْ مِنْ قليل أو كثير وهذا يدل من قولهما أن قوله تعالى إِنِ ارْتَبْتُمْ لَيْسَ عَلَى ارْتِيَابِ الْمَرْأَةِ وَلَكِنَّهُ عَلَى ارْتِيَابِ الشَّاكِّينَ فِي حُكْمِ عَدَدِهِنَّ وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ آيِسَةً حَتَّى تَكُونَ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَا يُرْجَى حَيْضُهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا لَا يأس مِنْهُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ إنَّ عِدَّتَهَا الْحَيْضُ حَتَّى تَدْخُلَ فِي السِّنِّ الَّتِي لَا تَحِيضُ أَهْلُهَا مِنْ النِّسَاءِ فَتَسْتَأْنِفَ عِدَّةَ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وهو قول الثوري والليث والشافعى قال مَالِكٌ تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الثَّلَاثَةَ أَشْهُرٍ اسْتَقْبَلَتْ الْحَيْضَ فَإِنْ مَضَتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا حَاضَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثُمَّ ارْتَابَتْ فَإِنَّمَا تَعْتَدُّ بِالتِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ مِنْ يَوْمِ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا لَا مِنْ يَوْمِ طَلُقَتْ قَالَ مَالِكٌ فِي قوله تعالى إِنِ ارْتَبْتُمْ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ تَدْرُوا مَا تَصْنَعُونَ

стр. 1899

فِي أَمْرِهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ شَابَّةٌ فَارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ سَنَةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَوْجَبَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عِدَّةَ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَاقْتَضَى ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِدَّةُ لِمَنْ قَدْ ثَبَتَ إيَاسُهَا مِنْ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ ارْتِيَابٍ كَمَا كَانَ قوله وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ لِمَنْ ثَبَتَ أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ وَكَقَوْلِهِ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ لِمَنْ قَدْ ثَبَتَ حَمْلُهَا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَاللَّائِي يَئِسْنَ لِمَنْ قَدْ ثَبَتَ إيَاسُهَا وَتُيُقِّنَ ذَلِكَ مِنْهَا دُونَ مَنْ يَشُكُّ فِي إيَاسِهَا ثُمَّ لَا يخلو قوله إِنِ ارْتَبْتُمْ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي أَنَّهَا آيِسَةٌ وَلَيْسَتْ بِآيِسَةٍ أَوْ الِارْتِيَابَ فِي أَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ أَوْ ارْتِيَابَ الْمُخَاطَبِينَ فِي عِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي أَنَّهَا آيِسَةٌ أَوْ غَيْرُ آيِسَةٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَ مَنْ جَعَلَ الشُّهُورَ عِدَّتَهَا أَنَّهَا آيِسَةٌ وَالْمَشْكُوكُ فِيهَا لَا تَكُونُ آيِسَةً لاستحالة مجامعة اليأس الرجاء إذْ هُمَا ضِدَّانِ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا حَتَّى تَكُونَ آيِسَةً مِنْ الْمَحِيضِ مَرْجُوًّا ذَلِكَ مِنْهَا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الِارْتِيَابَ فِي الْيَأْسِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْمُسِنَّةَ الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ إيَاسُهَا مِنْ الْحَيْضِ مُرَادَةٌ بِالْآيَةِ وَالِارْتِيَابُ الْمَذْكُورُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ فِي الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ إيَاسُهَا ارْتِيَابُ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْعِدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَشْكُوكِ فِي إيَاسِهَا مِثْلُهُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْجَمِيعِ وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا وَهِيَ شَابَّةٌ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَهَذِهِ غَيْرُ مُرْتَابٍ فِي إيَاسِهَا بَلْ قَدْ تُيُقِّنَ أَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهَا سَنَةً مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا غَيْرُ آيِسَةٍ وَأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَتَرَاخِي مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مِنْ الْمُدَّةِ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَالْمُوجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةَ الشُّهُورِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِدَّةَ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ الْحَيْضَ بِقَوْلِهِ تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَنْ طَالَتْ مُدَّةُ حَيْضَتِهَا أو قصرت ولا يجوز أيضا أن يكون الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي الْإِيَاسِ مِنْ الْحَمْلِ لِأَنَّ الْيَأْسَ مِنْ الْحَيْضِ هُوَ الْإِيَاسُ مِنْ الْحَبَلِ وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ رَدَّ الِارْتِيَابَ إلَى الْحَيْضِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَجْهُ الثالث وهو ارتياب المخاطبين على مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بْنِ كَعْبٍ حِينَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ شَكَّ فِي عِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِارْتِيَابَ فِي الْإِيَاسِ لَكَانَ تَوْجِيهُ الْخِطَابِ إلَيْهِنَّ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إلَى الرِّجَالِ لِأَنَّ الْحَيْضَ إنَّمَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ جِهَتِهَا وَلِذَلِكَ كَانَتْ مُصَدَّقَةً فِيهِ فَكَانَ يَقُولُ إن ارتبتن أو ارتبن «٢٣- أحكام مس»

стр. 1900

فَلَمَّا خَاطَبَ الرِّجَالَ بِذَلِكَ دُونَهُنَّ عُلِمَ أَنَّهُ أراد ارتياب المخاطبين في العدة وقوله تعالى وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ يَعْنِي وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَمِيرٍ وَضَمِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا وَهُوَ الْعِدَّةُ بِالشُّهُورِ. بَابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ بَعْدَهُمْ أَنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ تَعْتَدُّ الْحَامِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا آخِرَ الْأَجَلَيْنِ وَقَالَ عمر وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عِدَّتُهَا الْحَمْلُ فَإِذَا وَضَعَتْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مسعود قال من شاء لا عنته ما نزلت وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ إلَّا بَعْدَ آيَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا إثْبَاتُ تَارِيخِ نُزُولِ الْآيَةِ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذِكْرِ الشُّهُورِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالثَّانِي أَنَّ الْآيَةَ مُكْتَفِيَةٌ بِنَفْسِهَا فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ عَلَى عُمُومِهَا غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ ذِكْرِ الْمُطَلَّقَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْحَمْلِ فِي الْجَمِيعِ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَأَنْ لَا يُجْعَلَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ بِلَا دَلَالَةٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا دَاخِلَةٌ فِي الْآيَةِ مُرَادَةٌ بِهَا اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مُضِيَّ شُهُورِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا يُوجِبُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا دُونَ وَضْعِ الْحَمْلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُرَادَةٌ بِهَا فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْحَمْلِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهِ وَلَوْ جَازَ اعْتِبَارُ الشُّهُورِ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي آيَةٍ أُخْرَى لَجَازَ اعْتِبَارُ الْحَيْضِ مَعَ الْحَمْلِ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَفِي سُقُوطِ اعْتِبَارِ الْحَيْضِ مَعَ الْحَمْلِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ الشُّهُورِ مَعَ الْحَمْلِ وَقَدْ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ بْنِ بِعَكَكٍ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ فتشوفت لِلنِّكَاحِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إنْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَلَا أَجَلُهَا وَرَوَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُرَيْبًا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ إنَّ سبيعة وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَيَّامٍ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ

стр. 1901

سبيعة أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا بِشَهْرَيْنِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجِي وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا عِدَّةَ امْرَأَةِ الصَّغِيرِ من الوفاة الحمل إذا مات عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ امْرَأَةِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَلَا بَيْنَ مَنْ يَلْحَقُهُ بِالنَّسَبِ أَوْ لَا يَلْحَقُهُ. بَابُ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ الْآيَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا سُكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ إنَّمَا هِيَ لِلرَّجْعِيَّةِ قَالَ أبو بكر قوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قَدْ انْتَظَمَ الرَّجْعِيَّةَ وَالْمَبْتُوتَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا وَاحِدَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلْعِدَّةِ إذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا بِالْآيَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يطلقها طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّطْلِيقَةِ الْأُولَى وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قَدْ تَضَمَّنَ الْبَائِنَ ثُمَّ قَالَ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَجَبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ مِنْ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا قَالَ تَعَالَى لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً وَقَالَ فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الرَّجْعِيَّ قِيلَ لَهُ هَذَا أَحَدُ مَا انْتَظَمَتْهُ الْآيَةُ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْخِطَابِ فِي الرَّجْعِيِّ دُونَ الْبَائِنِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَهُوَ عُمُومٌ فِي الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ ثُمَّ قَوْلُهُ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ خَاصٌّ فِي الرَّجْعِيِّ وَلَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عَامًّا فِي الْجَمِيعِ وَاحْتَجَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَسَنَتَكَلَّمُ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا سُكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ وَلَا نَفَقَةَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ وَكَانَ يُرَى أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إنْ شَاءَتْ وَقَالَ مَالِكٌ لِلْمَبْتُوتَةِ السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ نَفَقَةَ الْحَامِلِ الْمَبْتُوتَةِ إنْ

стр. 1902

كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ لِلْمَبْتُوتَةِ السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّلَالَةَ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ السُّكْنَى لَمَّا كَانَتْ حَقًّا فِي مَالٍ وَقَدْ أَوْجَبَهَا اللَّهُ لَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ إذْ كَانَتْ الْآيَةُ قَدْ تَنَاوَلَتْ الْمَبْتُوتَةَ وَالرَّجْعِيَّةَ فَقَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ وُجُوبَ النَّفَقَةِ إذْ كَانَتْ السُّكْنَى حَقًّا فِي مَالٍ وَهِيَ بَعْضُ النَّفَقَةِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ وَلا تُضآرُّوهُنَّ وَالْمُضَارَّةُ تَقَعُ فِي النَّفَقَةِ كَهِيَ فِي السُّكْنَى والثالث قوله لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَالتَّضْيِيقُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّفَقَةِ أَيْضًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَلَا يُضَيِّقَ عَلَيْهَا فِيهَا وقوله تَعَالَى وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ قَدْ انْتَظَمَ الْمَبْتُوتَةَ وَالرَّجْعِيَّةَ ثُمَّ لَا تَخْلُو هَذِهِ النَّفَقَةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا لِأَجْلِ الحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ لِلرَّجْعِيَّةِ بِالْآيَةِ لَا لِلْحَمْلِ بَلْ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ وَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّ الْمَبْتُوتَةُ النَّفَقَةَ لَهَذِهِ الْعِلَّةِ إذْ قَدْ عُلِمَ ضَمِيرُ الْآيَةِ فِي عِلِّيَّةِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ لِلرَّجْعِيَّةِ فَصَارَ كقوله فأنفقوا عليهن لِعِلَّةِ أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي تَقُومُ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِلْحَمْلِ أَوْ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ فَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْحَمْلِ لَوَجَبَ أَنَّ الْحَمْلَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ كَمَا أَنَّ نَفَقَةَ الصَّغِيرِ فِي مَالِ نَفْسِهِ فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ كَانَتْ نَفَقَةُ أُمِّهِ عَلَى الزَّوْجِ لَا فِي مَالِ الْحَمْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً فِي بَيْتِهِ وَأَيْضًا كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ نَفَقَةُ الْحَامِلِ فِي مَالِ الْحَمْلِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ كَمَا أن نفقته بعد الولادة من ماله فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَهَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لَمْ تَجِبْ فِي مَالِ الْحَمْلِ وَجَبَ مِثْلُهُ فِي الْبَائِنِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي نَصِيبِ الْحَمْلِ مِنْ الْمِيرَاثِ فَإِنْ قِيلَ فَمَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْحَامِلِ بِالذِّكْرِ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ قِيلَ لَهُ قَدْ دَخَلَتْ فِيهِ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ وَلَمْ يَمْنَعْ نَفْيَ النَّفَقَةِ لِغَيْرِ الْحَامِلِ فَكَذَلِكَ فِي الْمَبْتُوتَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحَمْلَ لِأَنَّ مُدَّتَهُ قَدْ تَطُولُ وَتَقْصُرُ فَأَرَادَ إعْلَامَنَا وُجُوبَ النَّفَقَةِ مَعَ طُولِ مُدَّةِ الْحَمْلِ الَّتِي هِيَ فِي الْعِدَّةِ أَطْوَلُ مِنْ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ النَّاشِزَةَ إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ لِعَدَمِ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا

стр. 1903

فِي بَيْتِ الزَّوْجِ وَمَتَى عَادَتْ إلَى بَيْتِهِ اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ فَثَبَتَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ هُوَ تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ فَلَمَّا اتَّفَقْنَا وَمَنْ أَوْجَبَ السُّكْنَى عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى وَصَارَتْ بِهَا مُسَلِّمَةً لِنَفْسِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ وَأَيْضًا لَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي الْعِدَّةِ وَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّهَا الْمَبْتُوتَةُ وَالْمَعْنَى فِيهَا أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ وَإِنْ شِئْت قُلْت إنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ صَحِيحٍ وَإِنْ شِئْت قُلْت إنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلسُّكْنَى فَأَيُّ هَذِهِ الْمَعَانِي اعْتَلَلْت بِهِ صَحَّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا طَلَاقًا بَائِنًا فَأَتَتْ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ لَا نَفَقَةَ لَك وَلَا سُكْنَى قَالَ فَأَخْبَرْت بِذَلِكَ النَّخَعِيّ فَقَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ فَقَالَ لَسْنَا بِتَارِكِي آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَعَلَّهَا أُوهِمَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ قَدْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ فَقَدْ نَصَّ هَذَانِ الْخَبَرَانِ عَلَى إيجَابِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَفِي الْأَوَّلِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ لَا نَدَعُ كِتَابَ ربنا وسنة نبينا يقضى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصًّا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إيجَابِهِمَا وَاحْتَجَّ الْمُبْطِلُونَ لِلسُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَمَنْ نَفَى النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنَى بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ هَذَا وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ ظَهَرَ مِنْ السَّلَفِ النَّكِيرُ عَلَى رَاوِيهِ وَمِنْ شَرْطِ قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ تَعَرِّيهَا مِنْ نَكِيرِ السَّلَفِ أَنْكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَرْوَانَ ذكر لعائشة حديث فاطمة بنت قيس فقال لَا يَضُرُّك أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَقَالَتْ فِي بَعْضِهِ مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْنِي قَوْلَهَا لَا سُكْنَى لَك وَلَا نَفَقَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا بِلِسَانِهَا فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقَالِ وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا مَا كَانَتْ تُحَدِّثُ بِهِ وَرَوَى الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهَا اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ يَقُولُ كَانَ أُسَامَةُ إذَا ذَكَرَتْ فَاطِمَةُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا رَمَاهَا بِمَا كَانَ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَكُنْ يُنْكِرُ عَلَيْهَا هَذَا النَّكِيرَ إلَّا وَقَدْ عَلِمَ بُطْلَانَ مَا روته وروى

стр. 1904

عَمَّارُ بْنُ رزيق عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ كُنْت عِنْدَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا لَا سُكْنَى لَك وَلَا نَفَقَةَ قال فرماه الأسود بحصا ثم قال ويلك اتخذت بِمِثْلِ هَذَا قَدْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ لَسْنَا بِتَارِكِي كِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا تَدْرِي لَعَلَّهَا كَذَبَتْ قَالَ الله تعالى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَفْتَتْ بِنْتَ أَخِيهَا وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا بِالِانْتِقَالِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَرْوَانُ فأرسل إلى فاطمة يسئلها عن ذَلِكَ فَذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْتَاهَا بِذَلِكَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَرْوَانُ وَقَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ إنَّمَا هَذَا فِي الرَّجْعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ فَقَالَ مَرْوَانُ لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَك وَسَآخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْت النَّاسَ عَلَيْهَا فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّلَفِ النَّكِيرُ عَلَى فَاطِمَةَ فِي رِوَايَتِهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُنْكِرُونَ رِوَايَاتِ الْأَفْرَادِ بِالنَّظَرِ والمقايسة فلو أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا خِلَافَهُ مِنْ السُّنَّةِ وَمِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لَمَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهَا وَقَدْ اسْتَفَاضَ خير فَاطِمَةَ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أرطاة عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا نَفَقَةَ لَهُمَا وَتَعْتَدَّانِ حَيْثُ شَاءَتَا فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي رَدِّ خَبَرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مِنْ جِهَةِ ظُهُورِ النَّكِيرِ مِنْ السَّلَفِ عَلَيْهَا وَفِي رِوَايَتِهَا وَمُعَارَضَةُ حَدِيثِ عُمَرَ إيَّاهُ يُلْزِمُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ نُفَاةِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَمِمَّنْ نَفَى النَّفَقَةَ وَأَثْبَتَ السُّكْنَى وَهُوَ لِمَنْ نَفَى النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنَى أَلْزَمُ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا حَدِيثَهَا فِي نَفْيِ السُّكْنَى لِعِلَّةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ فَتِلْكَ الْعِلَّةُ بِعَيْنِهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِتَرْكِ حَدِيثِهَا فِي نَفْيِ النَّفَقَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهَا فِي نَفْيِ السُّكْنَى لِمُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تعالى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ قِيلَ لَهُ قَدْ احْتَجَّتْ هِيَ فِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنْ جاز عليها الوهم والغلط في روايتها حدثنا مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ فَكَذَلِكَ سَبِيلُهَا فِي النَّفَقَةِ وَلِلْحَدِيثِ عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبها فِيمَا رَوَتْهُ مِنْ نَفْيِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا اسْتَطَالَتْ بِلِسَانِهَا عَلَى أَحْمَائِهَا فَأَمَرُوهَا بِالِانْتِقَالِ وَكَانَتْ سَبَبَ النَّقْلَةِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهِ

стр. 1905

أَنْ تَسْتَطِيلَ عَلَى أَهْلِهِ فَيُخْرِجُوهَا فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ النَّقْلَةِ مِنْ جِهَتِهَا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ النَّاشِزَةِ فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا جَمِيعًا فَكَانَتْ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لا سقاط النَّفَقَةِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِإِسْقَاطِ السُّكْنَى وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِنَا الَّذِي قَدَّمْنَا فِي أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفَقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِحْقَاقِ السُّكْنَى فَإِنْ قِيلَ ليست النفقة كالسكنى لأن السكنى حق الله تَعَالَى لَا يَجُوزُ تَرَاضِيهِمَا عَلَى إسْقَاطِهَا وَالنَّفَقَةُ حَقٌّ لَهَا لَوْ رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِهَا لَسَقَطَتْ قِيلَ لَهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ قِيَاسُهَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّكْنَى فِيهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كَوْنُهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ وَالْآخَرُ حَقٌّ لَهَا وَهُوَ مَا يَلْزَمُ فِي الْمَالِ مِنْ أُجْرَةِ الْبَيْتِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَوْ رَضِيَتْ بِأَنْ تُعْطَى هِيَ الْأُجْرَةُ وَتُسْقِطَهَا عَنْ الزَّوْجِ جَازَ فَمِنْ حَيْثُ هِيَ حَقٌّ فِي الْمَالِ قَدْ اسْتَوَيَا وَاخْتَلَفُوا فِي نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وشريح وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ نَفَقَتُهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مَالِ الزَّوْجِ بَلْ هِيَ عَلَى نَفْسِهَا وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى نَفَقَتُهَا فِي مَالِ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَقَالَ مَالِكٌ نَفَقَتُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا وَلَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ لِلزَّوْجِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالْمَرْأَةُ أَحَقُّ بسكناها حتى ينقضي عِدَّتُهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ فَأَخْرَجُوهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى فِي مَالِ الزَّوْجِ هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مَالِ الزوج الْمَيِّتِ وَلَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهِيَ أَحَقُّ بِالسُّكْنَى مِنْ الْغُرَمَاءِ وَتُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ وَيُشْتَرَطُ السُّكْنَى عَلَى الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ إذَا كَانَتْ حَامِلًا أُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ حَتَّى تَضَعَ فَإِذَا وَضَعَتْ أُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ نَصِيبِهِ وَرَوَى الْمُعَافَى عَنْهُ أَنَّ نَفَقَتَهَا مِنْ حِصَّتِهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمَرْأَةِ يَمُوتُ زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ حَتَّى تَضَعَ وَقَالَ اللَّيْثُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَإِنْ وَلَدَتْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَظِّ وَلَدِهَا وَإِنْ لَمْ تَلِدْ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا يُتْبَعُ بِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ لِلْمُتَوَفَّى عنها زوجها بالنفقة مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَالْآخَرُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى

стр. 1906

عَنْهَا زَوْجُهَا غَيْرِ الْحَامِلِ وَلَا سُكْنَى فَوَجَبَ أن تكون الحامل مثلها لا تفاق الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ لِلْحَمْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُوجِبْهَا فِي نَصِيبِ الْحَمْلِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَإِنَّمَا قَالُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ قَائِلٌ يَجْعَلُ نَفَقَتَهَا مِنْ نَصِيبِهَا وَقَائِلٌ يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنْ جَمِيعِ مَالِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يُوجِبْهَا أَحَدٌ فِي حِصَّةِ الْحَمْلِ فلما تَجِبْ النَّفَقَةُ لِأَجْلِ الْحَمْلِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِأَجْلِ كَوْنِهَا فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لِلْعِدَّةِ لَوَجَبَتْ لِغَيْرِ الْحَامِلِ فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ تَسْتَحِقَّ السُّكْنَى فِي مَالِ الزَّوْجِ بِدَلَائِلَ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّفَقَةَ إذَا وَجَبَتْ فَإِنَّمَا تَجِبُ حَالًّا فَحَالًّا فَلَمَّا مَاتَ الزَّوْجُ انْتَقَلَ مِيرَاثُهُ إلَى الورثة وليس للزوج مال في هذا الْحَالِ وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْوَارِثِ فَلَا يَجُوزُ إيجَابُهَا عَلَيْهِمْ فَإِنْ قِيلَ تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ قِيلَ لَهُ الدَّيْنُ الَّذِي يَثْبُتُ فِي مِيرَاثِ الْمُتَوَفَّى إنَّمَا يَثْبُتُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا عَلَى الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْ الْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِثْلَ الْجِنَايَاتِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ إذَا وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالنَّفَقَةُ خَارِجَةٌ عَنْ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَجُوزُ إيجَابُهَا فِي مَالِهِ لِعَدَمِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تَعَلُّقُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَعَدَمُ مَالِهِ بِزَوَالِهِ إلَى الْوَرَثَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ وَأَنَّ مِلْكَ الْمَيِّتِ قَدْ زَالَ إلَى الْوَرَثَةِ فَلَمْ يَبْقَ لِإِيجَابِ النَّفَقَةِ وَجْهٌ أَلَا تَرَى أَنَّ غَيْرَ الْحَامِلِ لَا نَفَقَةَ لَهَا بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَإِنْ قِيلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ وَهُوَ عُمُومٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلَّقَةِ كَمَا كَانَ قَوْلِهِ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ عُمُومًا فِي الصِّنْفَيْنِ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ خِطَابٌ لَهُمْ وَقَدْ زَالَ عَنْهُمْ الْخِطَابُ بِالْمَوْتِ وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطَابًا لِغَيْرِ الْأَزْوَاجِ فَلَمْ تَقْتَضِ الْآيَةُ إيجَابَ نَفَقَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِحَالٍ وقَوْله تَعَالَى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قد انتظم الدلالة على أحكام منها أنها إذَا رَضِيَتْ بِأَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَهَا لِأَمْرِ اللَّهِ إيَّاهُ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ إذَا أَرْضَعَتْ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ أَوْلَى بِحَضَانَةِ الْوَلَدِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ وَلَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا بَعْدَ الرَّضَاعِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَقَدْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْمَنَافِعِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بِعُقُودِ الْإِجَارَاتِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا بَيْعَ لَبَنِ الْمَرْأَةِ

стр. 1907

كَمَا لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى الْمَنَافِعِ وَفَارَقَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ لَبَنَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ شَاةٍ لِرَضَاعِ صَبِيٍّ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُسْتَحَقُّ بِعُقُودِ الإجارات كاستئجار النخل والشجر وقوله تعالى وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ يعنى والله أعلم لا تشترط الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا تَطْلُبُهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَلَا يُقَصِّرْ الزَّوْجُ لَهَا عَنْ الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحَقِّ وقوله تعالى وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى قِيلَ إنَّهُ إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا وَرَضِيَتْ غَيْرُهَا بِأَنْ تَأْخُذَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَجْنَبِيَّةَ وَيَكُونُ ذَلِكَ في بيت الأم لأنها أحق بإمساكه والسكون عنده قوله تعالى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تُفْرَضُ عَلَيْهِ عَلَى قِدْرِ إمْكَانِهِ وَسَعَتِهِ وَأَنَّ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ أَقَلُّ من نفقة الموسر وقوله تَعَالَى وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلِيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ بَلْ عَلَى قِدْرِ إمْكَانِهِ يُنْفِقُ وقَوْله تَعَالَى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مالا يُطِيقُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عُلِمَ بِالْعَقْلِ إذ كان تكليف ما لا يطاق قبحا وَسَفَهًا فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ تَأْكِيدًا لِحُكْمِهِ فِي الْعَقْلِ وَقَدْ تَضَمَّنَ مَعْنًى آخَرَ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ الْإِنْفَاقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَإِذَا لَمْ يُكَلَّفْ الْإِنْفَاقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَتِهَا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَاجِزِ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَهَا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ آتَاهُ الطَّلَاقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ قِيلَ لَهُ قَدْ بَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُ النَّفَقَةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَلَا يَجُوزُ إجْبَارُهُ عَلَى الطَّلَاقِ مِنْ أَجْلِهَا لِأَنَّ فِيهِ إيجابه التَّفْرِيقِ بِشَيْءٍ لَمْ يَجِبْ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أنه لم يكفه مِنْ الْإِنْفَاقِ إلَّا مَا آتَاهُ وَالطَّلَاقُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْفَاقِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي اللَّفْظِ وَأَيْضًا إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهُ مَا لَا يُطِيقُ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يُكَلِّفُهُ كُلَّ مَا يُطِيقُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنْ خِطَابِ الْآيَةِ وقوله تعالى سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ عَجْزِهِ عَنْ النَّفَقَةِ لِأَنَّ الْعُسْرَ يُرْجَى لَهُ الْيُسْرُ آخِرُ سُورَةِ الطَّلَاقِ. سُورَةُ التَّحْرِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ

стр. 1908

وُجُوهٌ أَحَدُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ وَيَأْكُلُ عِنْدَ زَيْنَبَ فَتَوَاطَأَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى أَنْ تَقُولَا لَهُ نَجِدُ مِنْك رِيحَ الْمَغَافِيرِ قَالَ بَلْ شَرِبْت عِنْدَهَا عَسَلًا وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَقِيلَ إنَّهُ شَرِبَ عِنْدَ حَفْصَةَ وَقِيلَ عِنْدَ سَوْدَةَ وَأَنَّهُ حَرَّمَ الْعَسَلَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَاَللَّهِ لَا أَذُوقُهُ وَقِيلَ إنَّهُ أَصَابَ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَعَلِمَتْ بِهِ فَجَزِعَتْ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلَا أَقْرَبُهَا قَالَتْ بَلَى فَحَرَّمَهَا وَقَالَ لَا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ فَذَكَرَتْهُ لِعَائِشَةَ فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الْآيَةَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَدْ كَانَا مِنْ تَحْرِيمِ مَارِيَةَ وَتَحْرِيمِ الْعَسَلِ إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ حَرَّمَ مَارِيَةَ وَأَنَّ الْآيَةَ فِيهَا نَزَلَتْ لِأَنَّهُ قَالَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَلَيْسَ فِي تَرْكِ شُرْبِ الْعَسَلِ رِضَا أَزْوَاجِهِ وَفِي تَرْكِ قُرْبِ مَارِيَةَ رِضَاهُنَّ فَرُوِيَ فِي الْعَسَلِ أَنَّهُ حَرَّمَهُ وَرُوِيَ أَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ وَأَمَّا مَارِيَةُ فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ حَرَّمَهَا وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آلَى وَحَرَّمَ فَقِيلَ لَهُ الْحَرَامُ حَلَالٌ وَأَمَّا الْيَمِينُ فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ حَرَّمَ جَارِيَتَهُ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ حَرَّمَ وَحَلَفَ أَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا فِيهَا التَّحْرِيمُ فَقَطْ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُلْحَقَ بِالْآيَةِ مَا لَيْسَ فِيهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا لِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَحْرِيمٌ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالتَّحْرِيمَ أَيْضًا يَمِينٌ وَهَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا يَخْتَلِفُ فِي وَجْهٍ وَيَتَّفِقُ فِي وَجْهٍ آخَرَ فَالْوَجْهُ الَّذِي يُوَافِقُ الْيَمِينُ فِيهِ التَّحْرِيمَ أَنَّ الْحِنْثَ فِيهِمَا يُوجِبُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَالْوَجْهُ الَّذِي يَخْتَلِفَانِ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ قَالَ قَدْ حَرَّمْت هَذَا الرَّغِيفَ عَلَى نَفْسِي فَأَكَلَ مِنْهُ الْيَسِيرَ حَنِثَ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُمْ شَبَّهُوا تَحْرِيمَهُ الرَّغِيفَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت مِنْ هَذَا الرغيف شيئا تشبيها بِسَائِرِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ أَنَّهُ اقْتَضَى تَحْرِيمَ الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الرَّجُلِ يُحَرِّمُ امْرَأَتَهُ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْحَرَامَ يَمِينٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وعطاء وطاوس

стр. 1909

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ مِثْلُهُ وَرُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رِوَايَةٌ وَابْنِ عُمَرَ رِوَايَةٌ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ قَالُوا هِيَ ثَلَاثٌ وَرَوَى خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ بِمَنْزِلَةِ الظِّهَارِ وَرَوَى مَنْصُورٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال النَّذْرُ وَالْحَرَامُ إذَا لَمْ يُسَمَّ مُغَلَّظَةٌ فَتَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَرَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا أَمَا لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ يَمِينٍ وَأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا وَقَالَ مَسْرُوقٌ مَا أُبَالِي إيَّاهَا حَرَّمْت أَوْ قَصْعَةً مِنْ ثَرِيدٍ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أُبَالِي حَرَّمْت امْرَأَتِي أَوْ مَاءً فُرَاتًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ يَمِينًا لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا فِي تَحْرِيمِ الثَّرِيدِ وَالْمَاءِ أَنَّهُ يَمِينٌ فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا ذَلِكَ طَلَاقًا وَكَذَلِكَ نَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ فَلَمْ تَظْهَرْ مُخَالَفَةُ هَذَيْنِ لِمَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ بِلَغْوٍ وَأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَمِينًا أَوْ طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي الْحَرَامِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إن نوى الطلاق فواحدة بائنة أن لا يَنْوِيَ ثَلَاثًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَهُوَ يَمِينٌ وَهُوَ مُولٍ وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ نَوَى ظِهَارًا لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا لِأَنَّ الظِّهَارَ أَصْلُهُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ وَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ نَوَى ظِهَارًا كَانَ ظِهَارًا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى هِيَ ثلاث ولا أسئله عَنْ نِيَّتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحَرَامُ لَا يَكُونُ يَمِينًا فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ يُحَرِّمَ امْرَأَتَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَهُوَ ثَلَاثٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَاحِدَةً أَوْ اثنتين فَيَكُونَ عَلَى مَا نَوَى وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فُرْقَةً وَلَا يَمِينًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ هِيَ كِذْبَةٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هُوَ عَلَى ما نوى وإن يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الظِّهَارِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ بِطَلَاقٍ حَتَّى يَنْوِيَ فَإِذَا نَوَى فَهُوَ طَلَاقٌ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ عَدَدِهِ وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا بِلَا طَلَاقٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَيْسَ بِمُولٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ جَعَلَ أَصْحَابُنَا التَّحْرِيمَ يَمِينًا إذَا لَمْ تُقَارِنْهُ نِيَّةُ الطَّلَاقِ إذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَهَا وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَيَكُونُ مُولِيًا وَأَمَّا إذَا حَرَّمَ غَيْرَ امْرَأَتِهِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ بمنزلة قوله والله

стр. 1910

لا آكل منه وو الله لَا أَشْرَبُ مِنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ثُمَّ قَالَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فَجَعَلَ التَّحْرِيمَ يَمِينًا فَصَارَتْ الْيَمِينُ فِي مَضْمُونِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَمُقْتَضَاهُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ فَإِذَا أَطْلَقَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْيَمِينِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا فَيَكُونُ مَا نَوَى فَإِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَأَرَادَ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ وَكُلُّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ مَتَى أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِرُكَانَةَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ بِاَللَّهِ ما أردت إلا واحدة فتضمن ذلك معنين أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ مَتَى أَرَادَ الثَّلَاثَ كَانَ ثَلَاثًا لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ عَلَيْهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الثَّلَاثُ بِوُجُودِ اللَّفْظِ وَجَعْلِ الْقَوْلِ قوله لاحتمال فِيهِ فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ أَنَّا لَا نَجْعَلُهُ طَلَاقًا إلَّا بِمُقَارَنَةِ الدَّلَالَةِ لِإِرَادَةِ الطَّلَاقِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ لِلطَّلَاقِ يَجُوزُ إيقَاعُ الطَّلَاقُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا فِي نَفْسِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِسَوْدَةِ اعْتَدِّي ثُمَّ رَاجَعَهَا فَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِقَوْلِهِ اعْتَدِّي لَاحْتِمَالِهِ لَهُ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ مَنَعَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ هُوَ يَمِينٌ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ عِنْدَنَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةُ الطَّلَاقِ وَلَمْ تُقَارِنْهُ دَلَالَةُ الْحَالِ وَزَعَمَ مَالِكٌ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ وإن ذلك ليس بيمين وقد ذكرنا ما اقْتَضَى قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ كَوْنِهِ يَمِينًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُ مُوجَبِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ كَوْنِ الْحَرَامِ يَمِينًا بِرِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ الْعَسَلَ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِأَنَّ مَنْ رَوَى الْيَمِينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا عَنَى بِهِ التَّحْرِيمَ وَحْدَهُ إذْ كَانَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا وَيَدُلُّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ أَنَّ الْمُحَرِّمَ لِلشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ قَدْ اقْتَضَى لَفْظُهُ إيجَابَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ كَالْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ وَذَلِكَ فِي مَعْنَى النَّذْرِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ النَّذْرُ يَمِينًا بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ النَّذْرِ فَتَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إذَا حَنِثَ كَمَا تَجِبُ فِي النَّذْرِ وقَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ قَالَ عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ الْخَيْرَ وَقَالَ الْحَسَنُ تُعَلِّمُهُمْ وَتَأْمُرُهُمْ وَتَنْهَاهُمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا تَعْلِيمَ أَوْلَادِنَا وَأَهْلِينَا الدين

стр. 1911

وَالْخَيْرَ وَمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ الْآدَابِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنَّا مَزِيَّةٌ فِي لُزُومِنَا تَعْلِيمَهُمْ وَأَمْرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّاعِيَ كَمَا عَلَيْهِ حِفْظُ مَنْ اُسْتُرْعِيَ وَحِمَايَتُهُ وَالْتِمَاسُ مَصَالِحِهِ فَكَذَلِكَ عَلَيْهِ تَأْدِيبُهُ وتعليمه وقال ﷺ فَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ حدثنا محمد ابن مُوسَى السَّعْدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَهْرَمَانِ آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا خَيْرًا مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جُبَارَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ وَيُحْسِنَ أَدَبَهُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنُ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحسن بن عَطِيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا بَلَغَ أَوْلَادُكُمْ سَبْعَ سِنِينَ فَعَلِّمُوهُمْ الصَّلَاةَ وَإِذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ وقَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ قَالَ الْحَسَنُ أَكْثَرُ مَنْ كَانَ يُصِيبُ الْحُدُودَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْمُنَافِقُونَ فَأُمِرَ أَنْ يَغْلُظَ عَلَيْهِمْ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ وَقِيلَ جِهَادُ الْمُنَافِقِينَ بالقول وجهاد الكفار بالحرب قال أَبُو بَكْرٍ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْغِلْظَةِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَنَهْيٌ عَنْ مُقَارَنَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ إذَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تُنْكِرُوا عَلَى الْفَاجِرِ فألقوه بوجه مكفهر وقوله تعالى فَخانَتاهُما قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَتَا مُنَافِقَتَيْنِ مَا زَنَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ وَكَانَتْ خِيَانَتُهُمَا أَنَّ امْرَأَةَ نُوحٍ ﵇ كَانَتْ تَقُولُ لِلنَّاسِ إنَّهُ مَجْنُونٌ وَكَانَتْ امْرَأَةُ لُوطٍ ﵇ تَدُلُّ عَلَى الضَّيْفِ آخِرُ سُورَةِ التَّحْرِيمِ. سُورَةُ نُونٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ قِيلَ مَنْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ كَاذِبًا وَسَمَّاهُ مَهِينًا

стр. 1912

لِاسْتِجَازَتِهِ الْكَذِبَ وَالْحَلِفَ عَلَيْهِ وَالْحَلَّافُ اسْمٌ لِمَنْ أَكْثَرَ الْحَلِفَ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ وقوله تعالى هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يَعْنِي وَقَّاعًا فِي النَّاسِ عَائِبًا لَهُمْ بِمَا ليس فيهم وقوله مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يَعْنِي يَنْقُلُ الْكَلَامَ مِنْ بَعْضٍ إلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ التَّضْرِيبِ بَيْنَهُمْ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ يَعْنِي النَّمَّامَ وقَوْله تَعَالَى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ قِيلَ فِي الْعُتُلِّ إنَّهُ الْفَظُّ الْغَلِيظُ وَالزَّنِيمُ الدَّعِيُّ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتُرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ البجلي عَنْ شهر ابن حَوْشَبٍ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلَا جعظري وَلَا عُتُلٌّ زَنِيمٌ قُلْت وَمَا الْجَوَّاظُ قَالَ كُلُّ جَمَّاعٍ قُلْت وَمَا الجعظري قَالَ الْفَظُّ الْغَلِيظُ قُلْت وَمَا الْعُتُلُّ الزَّنِيمُ قَالَ رَحْبُ الْجَوْفِ آخِرُ سورة نون. سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا دِيمَ عَلَيْهِ وَقَرَأْت الَّذِينَ هم على صلاتهم دائمون وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ دَائِمُونَ عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْآيَةِ قَالَ الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ وقَوْله تَعَالَى لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ روى عن ابن عباس الذي يسئل وَالْمَحْرُومُ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ تِجَارَةٌ وَقَالَ أَبُو قلابة الْمَحْرُومُ مَنْ ذَهَبَ مَالُهُ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَغَنِمَتْ فَجَاءَ آخَرُونَ بَعْدَ ذلك فنزلت فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَعَنْ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَعْنَى الْمَحْرُومِ وَاخْتِلَافَهُمْ فِيهِ آخِرُ سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ. سورة المزمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا رَوَى زرارة بْنُ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ قُلْت لِعَائِشَةَ أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رسول الله ﷺ قَالَتْ أَمَا تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ يَا أَيُّهَا

стр. 1913

الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا قُلْت بَلَى قَالَتْ فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ الْقِيَامَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَأَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ أَنْزَلَ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ السُّورَةِ فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوَ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا نَحْوَ سنة وقوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيِّنْهُ تَبْيِينًا وَقَالَ طَاوُسٌ بَيِّنْهُ حَتَّى تَفْهَمَهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قَالَ وَالِ بَعْضَهُ عَلَى إثْرِ بَعْضٍ عَلَى تُؤَدَةٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي نَسْخِ فَرْضِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَرُوِيَ عَنْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ حَتَّى إذَا انْفَجَرَ عَمُودُ الصُّبْحِ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ سَبَّحَ وَكَبَّرَ حَتَّى إذَا انْفَجَرَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وقَوْله تَعَالَى إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا نَشَأْت قَائِمًا فَهِيَ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ اللَّيْلُ كُلُّهُ إذَا قَامَ يُصَلِّي فَهُوَ نَاشِئَةٌ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَهُوَ نَاشِئَةٌ وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا قَالَ أَجَهْدُ لِلْبَدَنِ وَأَثْبَتُ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ مجاهد وأقوم قيلا قال أثبت قراءة وقوله تَعَالَى وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا قَالَ مُجَاهِدٌ أَخْلِصْ إلَيْهِ إخْلَاصًا وَقَالَ قَتَادَةُ أَخْلِصْ إلَيْهِ الدُّعَاءَ وَالْعِبَادَةَ وَقِيلَ الِانْقِطَاعُ إلَى اللَّهِ وَتَأْمِيلُ الْخَيْرِ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَيَانِ الصَّلَاةِ فَيَدُلُّ عَلَى جواز الافتتاح بسائر أسماء الله تعالى وقوله تعالى سَبْحاً طَوِيلًا قَالَ قَتَادَةُ فَرَاغًا طَوِيلًا وَقَوْلُهُ تَعَالَى هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً قَالَ مُجَاهِدٌ وَاطَأَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ مُوَاطَأَةً وَوِطَاءً ومن قرأ وطاء قَالَ مَعْنَاهُ هِيَ أَشَدُّ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ وقَوْله تَعَالَى إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ- إلى قوله تعالى- فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَانِيَ أَحَدُهَا أَنَّهُ نَسَخَ بِهِ قِيَامَ اللَّيْلِ الْمَفْرُوضَ كَانَ بَدِيًّا وَالثَّانِي دَلَالَتُهَا عَلَى لُزُومِ فرض القراءة في الصلاة بقوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالثَّالِثُ دَلَالَتُهَا عَلَى جَوَازِ

стр. 1914

الصَّلَاةِ بِقَلِيلِ الْقِرَاءَةِ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ مَنْ تَرَكَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَرَأَ غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا نَزَلَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ قِيلَ لَهُ إنَّمَا نَسَخَ فَرْضَهَا وَلَمْ يَنْسَخْ شَرَائِطَهَا وَسَائِرَ أَحْكَامِهَا وَأَيْضًا فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْقِرَاءَةِ بعد ذكر التسبيح بقوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الصلاة المكتوبة قيل إذَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا فِي التَّطَوُّعِ فَالْفَرْضُ مِثْلُهُ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا فَإِنَّ قوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا مَوْضِعَ يُلْزِمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إلَّا فِي الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ بالقراءة فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالصَّلَاةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ الْقِرَاءَةِ قِيلَ لَهُ إنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا فَإِنَّ عَلَيْهِ إذَا صَلَّاهَا أَنْ لَا يُصَلِّيَهَا إلَّا بِقِرَاءَةٍ وَمَتَى دَخَلَ فِيهَا صَارَتْ الْقِرَاءَةُ فَرْضًا كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَ شَرَائِطِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدُ السَّلَمِ وَسَائِرُ عُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَمَتَى قَصَدَ إلَى عَقْدِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْقِدَهَا إلَّا عَلَى مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدُ السَّلَمِ وَلَكِنَّهُ مَتَى قَصَدَ إلَى عَقْدِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْقِدَهُ بِهَذِهِ الشَّرَائِطِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا المراد بقوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ الصَّلَاةُ نَفْسُهَا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ فِيهِ صَرْفَ الْكَلَامِ عَنْ حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ إلَى الْمَجَازِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَعَلَى أنه لو أسلم لَك مَا ادَّعَيْت كَانَتْ دَلَالَتُهُ قَائِمَةً عَلَى فَرْضِ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ إلَّا وَهِيَ مِنْ أَرْكَانِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ أَرَادَ بِهِ الصَّلَاةَ وَقَالَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ فَعَبَّرَ عَنْ الصَّلَاةِ بِالرُّكُوعِ لِأَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِهَا آخِرُ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ. سُورَةُ المدثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ لَا تُعْطِ عَطِيَّةً لِتُعْطَى أَكْثَرَ مِنْهَا وَقَالَ الْحَسَنُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ لَا تَمْنُنْ حَسَنَاتِك عَلَى اللَّهِ مُسْتَكْثِرًا لَهَا فَيُنْقِصَك ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَقَالَ آخَرُونَ لَا تَمْنُنْ بِمَا أَعْطَاك اللَّهُ مِنْ النُّبُوَّةِ وَالْقُرْآنِ

стр. 1915

مُسْتَكْثِرًا بِهِ الْأَجْرَ مِنْ النَّاسِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا لَا تَضْعُفْ فِي عَمَلِك مُسْتَكْثِرًا لِطَاعَتِك قال أبو بكر هذه المعاني كلها يحتملها اللَّفْظُ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا مُرَادًا بِهِ فَالْوَجْهُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي سَائِرِ وُجُوهِ الاحتمال وقوله تعالى وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَاتِ لِلصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ لِأَنَّ تَطْهِيرَهَا لَا يَجِبُ إلَّا لِلصَّلَاةِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى عَمَّارًا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ فَقَالَ مِمَّ تَغْسِلُ ثَوْبَك فَقَالَ مِنْ نُخَامَةٍ فَقَالَ إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ الدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ وَقَالَتْ عَائِشَةُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَسْلِ الْمَنِيِّ مِنْ الثَّوْبِ إذَا كَانَ رَطْبًا وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ عَمَلُك أَصْلِحْهُ وقال إبراهيم وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ مِنْ الْإِثْمِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثِيَابَهُ عَلَى عَذِرَةٍ وَهَذَا كُلُّهُ مَجَازٌ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَلَامِ إلَيْهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَاحْتَجَّ هَذَا الرَّجُلُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤْمَرَ بِغَسْلِ ثِيَابِهِ مِنْ الْبَوْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا كَلَامٌ شَدِيدُ الِاخْتِلَالِ وَالْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ لِأَنَّ فِي الْآيَةِ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَجْرِ الأوثان بقوله تعالى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ هَاجِرًا لِلْأَوْثَانِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَكَانَ مُجْتَنِبًا لِلْآثَامِ وَالْعَذِرَاتِ فِي الْحَالَيْنِ فَإِذَا جَازَ خِطَابُهُ بترك هذه الأشياء وإن كان النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ تَارِكًا لَهَا فَتَطْهِيرُ الثِّيَابِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ مِثْلُهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا قَطُّ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَنَاقُضِ قَوْلِ هَذَا الرَّجُلِ وَفَسَادِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ من أول ما نزل الله مِنْ الْقُرْآنِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا الطَّهَارَةُ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَشِرْكِهَا وَالْأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ وَقَدْ نَقَضَ بِهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَدِيًّا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤْمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَةِ أَفَتَرَاهُ ظَنَّ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُوصَى بِتَرْكِ الْأَوْثَانِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ تَارِكًا لَهَا وَقَدْ جاز أَنْ يُخَاطَبَ بِتَرْكِهَا فَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ فَمَا فِي ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ أَمْرَهُ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ لَصَلَاةٍ يَفْرِضُهَا عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ آخر سورة المدثر. «٢٤- أحكام مس»

стр. 1916

سُورَةِ الْقِيَامَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ بَلْ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ جَوَارِحُهُ شَاهِدَةٌ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْله تَعَالَى وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَوْ اعْتَذَرَ وَقَبِلَ شَهَادَةَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِذَارِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهَا إذْ لَا تَنَافِيَ فِي هَذَا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى نَفْسِهِ وَشَاهِدًا عَلَيْهَا وَلَمَّا عَبَّرَ عَنْ كَوْنِهِ شَاهِدًا عَلَى نفسه بأنه على نفسه بصيرة دل عَلَى تَأْكِيدِ أَمْرِ شَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَثُبُوتِهَا فَيُوجِبُ ذَلِكَ جَوَازَ عُقُودِهِ وَإِقْرَارَهُ وَجَمِيعَ مَا اعْتَرَفَ بِلُزُومِ نَفْسِهِ آخِرُ سُورَةِ الْقِيَامَةِ. سُورَةُ الإنسان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ- إلى قوله تعالى وَأَسِيراً عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِأَسْرَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَ مَنْ يُطْعِمُهُمْ ثُمَّ قَرَأَ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ الْآيَةَ وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَ أَسِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُشْرِكَ فَأَخُوك الْمُسْلِمُ أَحَقُّ أَنْ تُطْعِمَهُ وَعَنْ الْحَسَنِ وأسيرا قَالَ كَانُوا مُشْرِكِينَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْأَسِيرُ الْمَسْجُونُ وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا قال هُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَظْهَرُ الْأَسِيرُ الْمُشْرِكُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْمَسْجُونَ لَا يُسَمَّى أَسِيرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي إطْعَامِ الْأَسِيرِ قُرْبَةً وَيَقْتَضِي ظَاهِرُهُ جَوَازَ إعْطَائِهِ مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ إلَّا أن أصحابنا لا يجيزون إعطاءه من الزكاة وَصَدَقَاتِ الْمَوَاشِي وَمَا كَانَ أَخَذَهُ مِنْهَا إلَى الْإِمَامِ وَيُجِيزُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ جَوَازَ إعْطَائِهِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُجِيزُ دَفْعَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ إلَّا إلَى الْمُسْلِمِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ آخِرُ سُورَةِ الْإِنْسَانِ. سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً قَالَ الشَّعْبِيُّ يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ

стр. 1917

ظَهْرَهَا لِلْأَحْيَاءِ وَبَطْنَهَا لِلْأَمْوَاتِ وَالْكِفَاتُ الضِّمَامُ فَأَرَادَ أَنَّهَا تَضُمُّهُمْ فِي الْحَالَيْنِ وَرَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ مُجَاهِدٍ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كفاتا قَالَ تَكْفِتُ الْمَيِّتَ فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ وَأَحْيَاءً قَالَ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ لَا يُرَى مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مُوَارَاةِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ وَدَفْنِ شَعْرِهِ وَسَائِرِ مَا يُزَايِلُهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَعْرَهُ وَشَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ دَفْنَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ شَعْرَ غَيْرِهَا بِشَعْرِهَا فَمَنَعَ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَهَذِهِ الْآيَةُ نظير قوله تعالى ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا وَرُوِيَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَخَذَ قَمْلَةً فَدَفَنَهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الحصى ثم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِثْلُهُ وَأَخَذَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَمْلَةً عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَطَرَحَهَا فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَنْفِي الْأَوَّلَ وَعُمُومُهُ يَقْتَضِي الْجَمِيعَ آخِرُ سُورَةِ المرسلات. سورة إذا السماء انشقت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ قَالَ مُجَاهِدٌ الشَّفَقُ النَّهَارُ أَلَا تَرَاهُ قَالَ الله تعالى وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الشَّفَقُ الْبَيَاضُ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّفَقُ السَّوَادُ الَّذِي يَكُونُ إذَا ذَهَبَ الْبَيَاضُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الشَّفَقُ فِي الْأَصْلِ الرِّقَّةُ وَمِنْهُ ثَوْبٌ شَفَقٌ إذَا كَانَ رَقِيقًا وَمِنْهُ الشَّفَقَةُ وَهُوَ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلَهُ فهو البياض أَوْلَى مِنْهُ بِالْحُمْرَةِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الضِّيَاءِ رَقِيقَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَفِي وَقْتِ الْحُمْرَةِ أَكْثَفُ وقَوْله تَعَالَى وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لِذَمِّهِ لِتَارِكِ السُّجُودِ عِنْدَ سَمَاعِ التِّلَاوَةِ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ السُّجُودِ عِنْدَ سَمَاعِ سَائِرِ الْقُرْآنِ إلَّا أَنَّا خَصَصْنَا مِنْهُ مَا عَدَا مَوَاضِعَ السُّجُودِ وَاسْتَعْمَلْنَاهُ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نَسْتَعْمِلْهُ عَلَى ذَلِكَ كُنَّا قَدْ أَلْغَيْنَا حُكْمَهُ رَأْسًا فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْخُضُوعَ لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَقَعُ عَلَى الْخُضُوعِ قِيلَ لَهُ هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ خُضُوعٌ عَلَى وَصْفٍ وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ الرُّكُوعَ وَالْقِيَامَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَسَائِرَ الْعِبَادَاتِ خُضُوعٌ وَلَا يُسَمَّى سُجُودًا لِأَنَّهُ خُضُوعٌ عَلَى صِفَةٍ إذَا خَرَجَ عَنْهَا لَمْ يُسَمَّ بِهِ آخِرُ سُورَةِ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ.

стр. 1918

سورة سبح اسم ربك الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ قَالَا أَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ السُّنَّةُ أَنْ تُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَيُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى عَلَى جَوَازِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِسَائِرِ الْأَذْكَارِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ الصَّلَاةَ مُتَّصِلًا بِهِ إذْ كَانَتْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ بِلَا تَرَاخٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ آخر سورة سبح. سورة البلد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ رَجُلٌ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ أَعْتِقْ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ قَالَ أَلَيْسَا سَوَاءً يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَ إعْطَاءِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الصَّدَقَاتِ لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ فِي ثَمَنِهِ وَهُوَ نَحْوَ قَوْلِهِ في شأن الصدقات وفي الرقاب وقوله تعالى ذِي مَسْغَبَةٍ ذي مجاعة وقوله تعالى أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَتْرَبَةُ بُقْعَةُ التُّرَابِ أَيْ هُوَ مَطْرُوحٌ فِي التُّرَابِ لَا يُوَارِيهِ عَنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا رِوَايَةٌ الْمَتْرَبَةُ شِدَّةُ الْحَاجَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ تَرِبَ الرَّجُلُ إذا افتقر وقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعْنَاهُ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا فَصَارَتْ ثُمَّ هاهنا بمعنى الواو آخر سورة البلد. سورة الضحى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ قِيلَ لَا تَقْهَرْهُ بِظُلْمِهِ وَأَخْذِ مَالِهِ وَخَصَّ الْيَتِيمَ لِأَنَّهُ لَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ فَغَلَّظَ فِي أَمْرِهِ لِتَغْلِيظِ الْعُقُوبَةِ عَلَى ظَالِمِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ اتَّقُوا ظُلْمَ مَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ وقَوْله تَعَالَى وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ إغْلَاظِ الْقَوْلِ لَهُ لِأَنَّ الِانْتِهَارَ هُوَ الزَّجْرُ وَإِغْلَاظُ الْقَوْلِ وَقَدْ أَمَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِحُسْنِ

стр. 1919

الْقَوْلِ لَهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ المكلفين آخر السورة. سورة ألم نشرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ وَهُوَ مَسْرُورٌ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي أَنَّ الْعُسْرَ الْمَذْكُورَ بَدِيًّا هُوَ الْمُثَنَّى بِهِ آخِرًا لِأَنَّهُ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَرْجِعُ إلَى المعهود الْمَذْكُورِ وَالْيُسْرُ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَنْكُورٌ وَلَوْ أَرَادَ الْأَوَّلَ لَعَرَّفَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وقَوْله تعالى فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا فَرَغَتْ مِنْ فَرْضِك فَانْصَبْ إلَى مَا رَغَّبَك تَعَالَى فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ وَقَالَ الْحَسَنُ فَإِذَا فَرَغْت مِنْ جِهَادِ أَعْدَائِك فَانْصَبْ إلَى رَبِّك فِي الْعِبَادَةِ وَقَالَ قَتَادَةُ فَإِذَا فَرَغْت مِنْ صَلَاتِك فَانْصَبْ إلَى رَبِّك فِي الدُّعَاءِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَإِذَا فَرَغْت مِنْ أَمْرِ دُنْيَاك فَانْصَبْ إلَى عِبَادَةِ رَبِّك وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَالْوَجْهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليها فيكون كلها جميعها مرادا وإن خِطَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ آخِرُ السُّورَةِ. سُورَةُ ليلة القدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- إلَى قَوْلِهِ- لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قِيلَ إنَّمَا هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَذَلِكَ لِمَا يُقْسَمُ فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ مِثْلُهُ فِي أَلْفِ شَهْرٍ فَكَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا وَجْهُ تَفْضِيلِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِمَا يَكُونُ فيها من الخير الجزيل والنفع الكثير واختلاف الرِّوَايَاتُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ليلة القدر متى تكون واختلف الصَّحَابَةُ فِيهَا فَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَاطْلُبُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ

стр. 1920

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةُ تِسْعَ عَشَرَةَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو داود قال حدثنا حميد ابن زنجويه النَّسَائِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ فَإِنَّ صَاحِبَنَا يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْهَا فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَتَّكِلُوا وَاَللَّهِ إنَّهَا فِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً فَتَكُونُ فِي سَنَةٍ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَفِي سَنَةٍ أُخْرَى فِي غَيْرِهَا وَفِي سَنَةٍ أُخْرَى فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَفِي سَنَةٍ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَفِي سَنَةٍ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ وَفِي سَنَةٍ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ مَسْعُودٍ من يقم الحول يصيبها إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى نَبِيِّهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِشَهْرٍ مِنْ السَّنَةِ وَأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي سَائِرِ السَّنَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَمْضِيَ حَوْلٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِالشَّكِّ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِوَقْتٍ فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ حَوْلٍ آخِرُ السُّورَةِ. سُورَةُ لَمْ يكن الذين كفروا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ فِيهِ أَمْرٌ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَهُوَ أَنْ لَا يُشْرَكَ فِيهَا غَيْرُهُ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ ضِدَّ الْإِشْرَاكِ وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالنِّيَّةِ لَا فِي وُجُودِهَا وَلَا فِي فَقْدِهَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي إيجَابِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ مَتَى اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِخْلَاصُ فِي الْعِبَادَةِ وَنَفْيُ الْإِشْرَاكِ فِيهَا آخِرُ السُّورَةِ.

стр. 1921

سورة أرايت الذي يكذب بالدين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ وَرَوَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ يَسْهُونَ عَنْ مِيقَاتِهَا حَتَّى يَفُوتَ وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ يُؤَخِّرُونَهَا عن وقتها يراؤن بِصَلَاتِهِمْ إذَا صَلَّوْا وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ هُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي أَعْلَى شَفْعٍ انْصَرَفَ أَوْ عَلَى وَتْرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَسْلِيمَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ مِنْهَا عَلَى غِرَارٍ وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا وَنَظِيرُهُ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً أُخْرَى وَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ فَالرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ سَاهُونَ قَالَ لَاهُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ يَسْهُونَ لِلَهْوِهِمْ عَنْهَا فَإِنَّمَا اسْتَحَقُّوا اللَّوْمَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلسَّهْوِ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهَا إذْ كَانُوا مُرَائِينَ فِي صَلَاتِهِمْ لِأَنَّ السَّهْوَ الَّذِي لَيْسَ مَنْ فَعَلَهُ لَا يَسْتَحِقُّ العقاب عليه وقوله تعالى يَدُعُّ الْيَتِيمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ يَدْفَعُهُ عَنْ حقه وقوله تعالى وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال على وابن عباس رواية ابن عُمَرَ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ الْمَاعُونُ الزَّكَاةُ وَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ الْمَاعُونُ مَنْعُ الْفَأْسِ وَالْقِدْرِ وَالدَّلْوِ وكذلك قال ابن مسعود عن ابن عباس رضى الله عنهما رِوَايَةٌ أُخْرَى الْعَارِيَّةُ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ الْمَاعُونُ الْمَالُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كُلُّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ الْمَاعُونُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا رُوِيَ فِيهِ مُرَادًا لِأَنَّ عَارِيَّةَ هَذِهِ الْآلَاتِ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً فِي حَالِ الضَّرُورَةِ إلَيْهَا وَمَانِعُهَا مَذْمُومٌ مُسْتَحَقٌّ لِلذَّمِّ وَقَدْ يَمْنَعُهَا الْمَانِعُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَيُنْبِئُ ذَلِكَ عَنْ لُؤْمِ وَمُجَانَبَةِ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق آخر السورة. سورة الكوثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قَالَ الْحَسَنُ صَلَاةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَنَحْرُ الْبُدْنِ وقال

стр. 1922

عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ صَلِّ الصُّبْحَ بِجَمْعٍ وَانْحَرْ الْبُدْنَ بِمِنًى قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَتَضَمَّنُ معنيين أحدهما إيجاب صلاة الضحى وَالثَّانِي وُجُوبُ الْأُضْحِيَّةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا سَلَفَ وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قَالَ وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى السَّاعِدِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ وَضْعُهُ عَلَى صَدْرِهِ وَرَوَى أَبُو الْجَوْزَاءِ عن ابن عباس فصل لربك وانحر قَالَ وَضَعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ عِنْدَ النَّحْرِ فِي الصَّلَاةِ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ رَفَعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ يُقَالُ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ بِنَحْرِك فَإِنْ قِيلَ يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى إلَى الْبَقِيعِ فَبَدَأَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ فَسَمَّى صَلَاةَ الْعِيدِ وَالنَّحْرَ سُنَّةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا فِي الْكِتَابِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ كَمَا ظَنَنْت لِأَنَّ مَا سَنَّهُ اللَّهُ وَفَرَضَهُ فَجَائِزٌ أَنْ نَقُولَ هَذَا سُنَّتُنَا وَهَذَا فَرْضُنَا كَمَا نَقُولُ هَذَا دِينُنَا وَإِنْ كَانَ اللَّهُ فَرَضَهُ عَلَيْنَا وَتَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى حَقِيقَةِ نَحْرِ الْبُدْنَ أَوْلَى لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ غَيْرُهُ لِأَنَّ مَنْ قَالَ نَحَرَ فُلَانٌ الْيَوْمَ عُقِلَ مِنْهُ نَحْرُ الْبُدْنَ وَلَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ يَدَهُ عِنْدَ النَّحْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ أَسْفَلَ السُّرَّةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ آخر السورة. سورة الكافرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا وَقَدْ قَالَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ فَإِنَّهَا قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ مُرَادُونَ بِالْآيَةِ ثُمَّ جَعَلَ دِينَهُمْ دِينًا وَاحِدًا وَدِينَ الْإِسْلَامِ دِينًا وَاحِدًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مَعَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ آخِرُ السُّورَةِ.

стр. 1923

سورة إذا جاء نصر الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ رُوِيَ أَنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً لِأَنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهِ ولا ينصرف إلى الصلح إلا بتقييد وقوله تعالى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ رَوَى أَبُو الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك قَالَتْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاك قَدْ أَحْدَثْتهَا قَالَ جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي إذَا رَأَيْتهَا قُلْتهَا إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلَى آخِرِهَا آخر السورة. سورة تبت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَوْله تَعَالَى مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا كَسَبَ يَعْنِي وَلَدَهُ وَسَمَّاهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ الْكَسْبَ الْخَبِيثَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إن أَفْضَلَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ كَقَوْلِهِ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ اسْتِيلَادِ الْأَبِ لِجَارِيَةِ ابْنِهِ وَأَنَّهُ مُصَدَّقٌ عَلَيْهِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ كَسْبًا لَهُ كَمَا لَا يُقَادُ لِعَبْدِهِ الَّذِي هُوَ كَسْبُهُ وقَوْله تَعَالَى سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ إحْدَى الدَّلَالَاتِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ وَامْرَأَتَهُ سَيَمُوتَانِ عَلَى الْكُفْرِ وَلَا يُسْلِمَانِ فَوُجِدَ مُخْبَرُهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ وَقَدْ كَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ سَمِعَا بِهَذِهِ السُّورَةِ وَلِذَلِكَ قَالَتْ امْرَأَتُهُ إنَّ مُحَمَّدًا هَجَانَا فَلَوْ أَنَّهُمَا قَالَا قَدْ أَسْلَمْنَا وَأَظْهَرَا ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدَاهُ لَكَانَا قَدْ رَدَّا هَذَا الْقَوْلَ وَلَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجِدُونَ مُتَعَلَّقًا وَلَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُمَا لَا يُسْلِمَانِ إلا بِإِظْهَارِهِ وَلَا بِاعْتِقَادِهِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ وَكَانَ مُخْبَرُهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ لَوْ قَالَ إنَّكُمَا لَا تَتَكَلَّمَانِ الْيَوْمَ فَلَمْ يَتَكَلَّمَا مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ وَصِحَّةِ الْآلَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الدَّلَالَاتِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَبَا لَهَبٍ

стр. 1924

بِكُنْيَتِهِ وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِاسْمِهِ وَكَذَلِكَ زَيْدٌ وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُمْ بِالِاسْمِ دُونَ الْكُنْيَةِ لِأَنَّ أَبَا لَهَبٍ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى وَغَيْرُ جَائِزٍ تَسْمِيَتُهُ بِهَذَا الِاسْمِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ اسمه إلى كنيته آخر سورة. سُورَةِ الْفَلَقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النفيلي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ إذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَيَقُولُ يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا قَالَ وَسَمِعْته يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَقَاهُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَسَتَرْقِي مِنْ الْعَيْنِ وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا رُقْيَةَ إلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّى وَعَنْ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ قَالَتْ قُلْت لِمَ تَقُولُ هَذَا وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تَقْذِفُ فَكُنْت أَخْتَلِفُ إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ يَرْقِينِي فَإِذَا رَقَانِي سَكَنَتْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إنَّمَا ذَلِكَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ كَانَ يَنْخُسُهَا بِيَدِهِ فَإِذَا رَقَاهُمَا كَفَّ عَنْهُمَا إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولِي كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا وقَوْله تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ قَالَ أَبُو صَالِحٍ النَّفَّاثَاتُ فِي الْعُقَدِ السَّوَاحِرُ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ تَلَا وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ قال إياكم وما يخالط السِّحْرِ مِنْ هَذِهِ الرُّقَى قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّفَّاثَاتُ فِي الْعُقَدِ السَّوَاحِرُ يَنْفُثْنَ عَلَى الْعَلِيلِ وَيَرْقُونَهُ بِكَلَامٍ فِيهِ كُفْرٌ وَشِرْكٌ وَتَعْظِيمٌ لِلْكَوَاكِبِ وَيُطْعِمْنَ الْعَلِيلَ الْأَدْوِيَةَ الضَّارَّةَ وَالسُّمُومَ الْقَاتِلَةَ وَيَحْتَالُونَ فِي التَّوَصُّلِ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَزْعُمْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رُقَاهُنَّ هَذَا لِمَنْ أَرَدْنَ ضَرَرَهُ

стр. 1925

وَتَلَفَهُ وَأَمَّا مَنْ يَزْعُمْنَ أَنَّهُنَّ يُرِدْنَ نَفْعَهُ فَيَنْفُثْنَ عَلَيْهِ وَيُوهِمْنَ أَنَّهُنَّ يَنْفَعْنَ بِذَلِكَ وَرُبَّمَا يسقينه بعض الأدوية النافعة فينفق لِلْعَلِيلِ خِفَّةُ الْوَجَعِ فَالرُّقْيَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ رُقْيَةُ الْجَاهِلِيَّةِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَأَمَّا الرُّقْيَةُ بِالْقُرْآنِ وَبِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ وَقَدْ أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَدَبَ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي التَّبَرُّكِ بِالرُّقْيَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ لِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِأَنَّهُنَّ يَنْفَعْنَ بِذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ فِي الدِّينِ مِنْ حَيْثُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ نَفْعِهَا وَضَرَرِهَا بِتِلْكَ الرُّقْيَةِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى شَرُّهُنَّ فِيمَا يَحْتَلْنَ مِنْ سقى السموم والأدوية الضارة وقوله تعالى وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تعالى وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ قَالَ يَقُولُ مِنْ شَرِّ عَيْنَيْهِ وَنَفْسِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ رَوَتْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنْ الْعَيْنِ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الْعَيْنُ حَقٌّ وَالْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِصِحَّةِ الْعَيْنِ مُتَظَاهِرَةٌ حَدَّثَنَا ابْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إبْرَاهِيمَ السَّقَّاءُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَيْنُ حَقٌّ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ فَإِذَا استغسلتم فَاغْسِلُوا قَالَ أَبُو بَكْرٍ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ضَرَرَ الْعَيْنِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ شَيْءٍ يَنْفَصِلُ مِنْ الْعَائِنِ فَيَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ وَهَذَا هُوَ شَرٌّ وَجَهْلٌ وَإِنَّمَا الْعَيْنُ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحْسَنِ عِنْدَ الْعَائِنِ فَيَتَّفِقُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ ضَرَرٌ يَقَعُ بِالْمَعِينِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ إعْجَابِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَرَاهُ تَذْكِيرًا لَهُ لِئَلَّا يَرْكَنْ إلَى الدُّنْيَا وَلَا يَعْجَبَ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَهُوَ نَحْوَ مَا رُوِيَ أَنَّ الْعَضْبَاءَ نَاقَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَابَقَ بِهَا فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﷺ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْعَائِنِ عِنْدَ إعْجَابِهِ بِمَا يَرَاهُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ وَقُدْرَتَهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَأَخْبَرَ بِهَلَاكِ جَنَّتِهِ عِنْدَ إعْجَابِهِ بِهَا بِقَوْلِهِ فَقَالَ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً- إلَى قَوْله تَعَالَى وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أَيْ لِتَبْقَى عَلَيْك نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى وَقْتِ وَفَاتِك وَحَدَّثَنَا

стр. 1926

عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الهذلي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ رَأَى شَيْئًا أَعْجَبَهُ فَقَالَ اللَّهَ اللَّهَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ.