Полный текст (1 926 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ وَأَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ كَمَا قَالَ تَعَالَى [ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا] مَعْنَاهُ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَقَوْلُهُ [ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ] مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ شَهِيدٌ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي اللُّغَةِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَأَمَّا قَوْلُكَ إنَّ ذِكْرَ عَرَفَاتٍ
قَدْ تَقَدَّمَ في قوله [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ] فَلَا يَكُونُ
لِقَوْلِهِ [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ] وَجْهٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ] لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى إيجَابِ الْوُقُوفِ وَقَوْلَهُ [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ] هُوَ أَمْرٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَدْ أَفَادَ بِهِ مِنْ إيجَابِ الْوُقُوفِ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ قَوْلُهُ [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ] إذْ لَا دَلَالَةَ فِي قَوْلِهِ [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ] عَلَى فَرْضِ الْوُقُوفِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ اُقْتُصِرَ على قوله [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ] لَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ يَقِفُ بِهَا دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى الْوُقُوفَ بِهَا فَيَكُونُ التَّارِكُونَ لِلْوُقُوفِ عَلَى جُمْلَةِ أَمْرِهِمْ فِي الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَاتٍ فَأَبْطَلَ ظَنَّ الظَّانِّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ] وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى
أَنَّ تَارِكَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا حَجَّ لَهُ وَنَقَلَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وَعَمَلًا
وَرَوَى بُكَيْر بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ الْحَجُّ قَالَ (الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ أَوْ يَوْمَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضْرِسٍ الطَّائِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ بِالْمُزْدَلِفَةِ (مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَوَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْل ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ)
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَجَابِرٍ إذَا وَقَفَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَالْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى ذلك وقد اختلف الفقهاء فيمن لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَيْلًا فَقَالَ سَائِرُهُمْ إذَا وَقَفَ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إنْ لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْإِمَامِ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ بَطَل حَجُّهُ وَأَصْحَابَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ فَرْضَ الْوُقُوفِ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ وَأَنَّ الْوُقُوفَ نَهَارًا غَيْرُ مفروض إنما هُوَ مَسْنُونٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَدَ حَجُّهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ
قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عروة ابن مُضَرِّسٍ وَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أو نهارا فقدتم حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ
стр. 387
حَجِّهِ وَإِتْمَامِهِ بِوُقُوفِهِ فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ] وحيث اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ وَهُوَ عَرَفَاتٌ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَلَمْ يُخَصِّصْهُ بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلْوَقْتِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ وَقَفَ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّا وَجَدْنَا سَائِرَ الْمَنَاسِكِ ابْتِدَاؤُهَا بِالنَّهَارِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ تَبَعًا وَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنْهَا يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ حَتَّى لَا يَصِحَّ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ فَقَوْلُ مَنْ جَعَلَ فَرْضَ الْوُقُوفِ بِاللَّيْلِ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ أَلَا تَرَى أَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَالْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالرَّمْيَ وَالذَّبْحَ وَالْحَلْقَ كُلُّ ذَلِكَ مَفْعُولٌ بِالنَّهَارِ وَإِنَّمَا يُفْعَلُ بِاللَّيْلِ عَلَى أَنَّهُ يُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلنَّهَارِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَيْضًا
قد نقلت الأمة وقوف النبي ﷺ نَهَارًا
إلَى يَوْمِنَا هَذَا وَأَنَّهُ دَفَعَ مِنْهَا عِنْدَ سُقُوطِ الْفَرْضِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ هُوَ النَّهَارُ وَوَقْتَ الْغُرُوبِ هُوَ الدَّفْعُ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الدَّفْعُ هُوَ وَقْتَ الْفَرْضِ وَوَقْتُ الْوُقُوفِ لَا يَكُونُ وَقْتًا لِلْفَرْضِ وَأَيْضًا لَمَّا قِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَنُقِلَتْ هَذِهِ التسمية عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَمِنْهَا إنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَتْ الْأُمَّةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهَارَ وَقْتُ الْفَرْضِ فِيهِ وَأَنَّ الْوُقُوفَ لَيْلًا إنَّمَا يَفْعَلهُ مَنْ وَقَفَ فَائِتًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْأَضْحَى وَيَوْمُ الْفِطْرِ كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ وَاقِعَةً فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ نَهَارًا وَلِذَلِكَ أُضِيفَتْ إلَيْهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْوُقُوفِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنَّهُ يُفْعَلُ لَيْلًا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ لِمَا فَاتَهُ كَمَا يَرْمِي الْجِمَارَ لَيْلًا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ لِمَا فَاتَهُ نَهَارًا وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ الْوُقُوفِ
فَرَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ
وَرَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ارتفعوا عن وادي عرنة وَالْمِنْبَرِ عَنْ مُسِيلَةَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مَوْقِفٌ ولم يختلف رواة الْأَخْبَارِ
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْهَا إذا صارت الشمس على رؤس الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فخالفهم النبي ﷺ وَدَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَمِنْ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ الطُّلُوعِ
وَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَطَبَ رسول الله ﷺ الناس
стр. 388
يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ البر في إيجاب الْخَيْلِ وَلَا فِي إيضَاعِ الْإِبِلِ وَلَكِنْ سَيْرًا حسنا جميلا ولا تواطئوا ضَعِيفًا وَلَا تُؤْذُوا مُسْلِمًا)
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ كَانَ سَيْرُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَدْفَعُ مِنْ عَرَفَاتٍ الْعَنَقَ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا وَجَدَ فَجْوَةً نص والله أعلم.
بَابُ الْوُقُوفِ بِجُمَعٍ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ] وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ هُوَ الْمُزْدَلِفَةُ وَتُسَمَّى جَمْعًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ هَذَا الذِّكْرَ هُوَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ اللَّتَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالذِّكْرُ الثَّانِي في قوله [وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ] هُوَ الذِّكْرُ الْمَفْعُولُ عِنْدَ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ غَدَاةَ جَمْعٍ فَيَكُونُ الذِّكْرُ الْأَوَّلُ غَيْرَ الثَّانِي وَالصَّلَاةُ تسمى ذكرا
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا) وَتَلَا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى [وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي]
فَسَمَّى الصَّلَاةَ ذِكْرًا فَعَلَى هَذَا قَدْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ تَأْخِيرَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تُجْمَعَ مع العشاء بالمزدلفة
وروى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ الصَّلَاةَ فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَلَمَّا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ صَلَّاهَا مَعَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ
وَالْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ متواترة في جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وقد اختلف فيمن صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا تُجْزِيهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُجْزِيهِ وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ] إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةَ يُمْنَعُ جَوَازُهَا قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ
وَحَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الذِّكْرِ الْمَفْعُولِ فِي حَالِ الْوُقُوفِ بِجَمْعٍ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى [وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ] هُوَ الذِّكْرُ فِي مَوْقِفِ جَمْعٍ فَوَاجِبٌ أَنْ نَحْمِلَ الذِّكْرَ الْأَوَّلَ عَلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَكُونَ قَدْ وَفَّيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الذِّكْرَيْنِ حَظَّهُ مِنْ الْفَائِدَةِ وَلَا يَكُونُ تَكْرَارًا وَأَيْضًا فَإِنَّ قوله [فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ] هُوَ أَمْرٌ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ وَالذِّكْرُ الْمَفْعُولُ بِجَمْعٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَمَتَى حُمِلَ عَلَى فِعْلِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِجَمْعٍ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى مقتضاه من الوجوب فوجب حمله عليه وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ هَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ أَمْ لَا فَقَالَ قَائِلُونَ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ وَمَنْ فَاتَهُ فَلَا حَجَّ لَهُ كَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بعرفة
стр. 389
وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَجُّهُ تَامٌّ وَلَا يُفْسِدهُ تَرْكُ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ فُرُوضِهِ بِمَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْحَجُّ عَرَفَةَ فَمَنْ وَقَفَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)
وَقَالَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ
فَحَكَمَ بِصِحَّةِ حَجِّهِ بِإِدْرَاكِ عَرَفَةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَعَهُ الْوُقُوفَ بِجَمْعِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا
رَوَى ابن عباس وابن عمرو نقله الناس قائلين لَهُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ
وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ ضَعَفَةَ النَّاسِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْلًا وَقَالَ لَهُمْ لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
فَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ بِهَا فَرْضًا لَمَا رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَرْكِهِ لِلضَّعْفِ كَمَا لَا يُرَخِّصُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ الضَّعْفِ فَإِنْ قِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا وَقَفُوا لَيْلًا وَهُوَ وَقْتُ الْوُقُوف بها وروى سالم بن عمرو هو أَحَدُ مَنْ رَوَى حَدِيثَ تَقْدِيمِ ضَعَفَةِ النَّاسِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ فَكَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِلَيْلٍ فَيَذْكُرُونَ مَا بَدَا لَهُمْ ثُمَّ يَدْفَعُونَ قِيلَ لَهُ وَقْتُ الْوُقُوف بِهَا بَعْد طُلُوع الْفَجْر
وَقَدْ نَقَلَ النَّاسُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَمْ يَأْمُرْ النبي ﷺ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِالْوُقُوفِ حِينَ عَجَّلَهُمْ مِنْهَا لَيْلًا
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الْوُقُوفِ لَأَمَرَهُمْ بِهِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي تَرْكِهِ مَعَ إمْكَانِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ لَيْسَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا إنَّ هَذَا وَقْتُ الْوُقُوفِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ لِلذِّكْرِ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى مِنًى وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَنَّا وَجَدْنَا سَائِرَ أَفْعَالِ الْمَنَاسِكِ إنَّمَا وَقْتُهَا بالنهار والليل يدخل فِيهِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَ الْوُقُوفَ بِهَا فَرْضًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى [فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ] فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَيَحْتَجُّونَ أَيْضًا
بِحَدِيثِ مُطْرَفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مضرس عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا وَالْإِمَامُ وَاقِفٌ فَوَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ أَفَاضَ مَعَ النَّاسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ فَلَا حَجَّ لَهُ)
وَبِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَاتٍ فَأَقْبَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْحَجِّ فَقَالَ (الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ)
فَأَمَّا قوله [فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ] فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالذِّكْرِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ هُنَاكَ
стр. 390
غَيْرُ مَفْرُوضٍ فَإِنَّ تَرْكَهُ لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي الْحَجِّ وَلَيْسَ لِلْوُقُوفِ ذِكْرٌ فِي الْآيَةِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الذِّكْرِ هُوَ فِعْلُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ هُنَاكَ وَأَمَّا
حَدِيثُ مُطْرَفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَاهُ خَمْسَةٌ مِنْ الرُّوَاةِ غَيْرُ مُطْرَفٍ مِنْهُمْ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ وَسَيَّارُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ذكروا فيه أنه قَالَ (مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَوَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ)
وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَنَّهُ قَالَ فَلَا حَجَّ لَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ اتَّفَقُوا أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ هُنَاكَ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَقَدْ ذَكَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَكَذَلِكَ الْوُقُوفُ وَقَوْلُهُ فَلَا حَجَّ لَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الْفَضْلِ لَا نفى الأصل كَمَا
قَالَ ﷺ (لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)
وَكَمَا
رَوَى عُمَرُ مَنْ قَدَّمَ نَفْلَهُ فَلَا حَجَّ لَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ
قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ بُكَيْر بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِيهِ (مَنْ وَقَفَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)
فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي شَرْطِ إدْرَاكِ الْحَجِّ وَأَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا قَبْلَ الصُّبْحِ وَهْمٌ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَهْمًا وَقَدْ نَقَلَتْ الْأُمَّةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وُقُوفَهُ بِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا بِالْوُقُوفِ بِهَا لَيْلًا وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عَارَضَتْهُ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي رُوِيَتْ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ ثُمَّ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ وَسَائِرُ أَخْبَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَة فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَذَلِكَ يَنْفِي رِوَايَةَ مَنْ شَرَطَ مَعَهُ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَأَظُنُّ الْأَصَمَّ وَابْنَ عُلَيَّةَ الْقَائِلَيْنِ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَاحْتَجُّوا فِيهِ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْحَجِّ وُقُوفَانِ وَاتَّفَقْنَا عَلَى فَرْضِيَّةِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ فَرْضًا لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُمَا فِي الْقُرْآنِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ كَانَا فَرْضَيْنِ في الصلاة فقال لَهُ أَمَّا قَوْلُكَ إنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مَذْكُورَيْنِ فِي الْقُرْآن كَانَا فَرْضَيْنِ فَإِنَّهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَذْكُورٍ فِي الْقُرْآنِ فَرْضًا وَهَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ الْوُقُوفَ وَإِنَّمَا قال [فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ] وَالذِّكْرُ لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْوُقُوفُ فَرْضًا فَالِاحْتِجَاجُ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ سَاقِطٌ فَإِنْ كَانَ أَوْجَبَهُ قِيَاسًا عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ
стр. 391
بِالدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِهَذَا الْقِيَاسِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ وَيُقَالُ لَهُ أَلَيْسَ
قَدْ طَافَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَسَعَى ثُمَّ طَافَ أَيْضًا يَوْمَ النَّحْرِ وَطَافَ لِلصَّدْرِ وَأَمَرَ بِهِ
فَهَلْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الطَّوَافِ كُلِّهِ حُكْمٌ وَاحِدٌ فِي بَابِ الْإِيجَابِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الطَّوَافِ نَدْبًا وَبَعْضُهُ وَاجِبًا فَمَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْوُقُوفِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ بَعْضُهُ نَدْبًا وَبَعْضُهُ وَاجِبًا
قَوْله تَعَالَى [فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ] قَضَاءُ الْمَنَاسِك هُوَ فِعْلُهَا عَلَى تَمَامٍ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ [فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً] وَقَوْلِهِ [فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ] ومنه
قوله ﷺ (فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا)
يَعْنِي افعلوا عَلَى التَّمَامِ وَقَوْلُهُ [فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ] قَدْ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْأَذْكَارُ الْمَفْعُولَةُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِ الْمَنَاسِك كَقَوْلِهِ [إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ]
وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ عَلَى مَجْرَى قَوْلِهِمْ إذَا حَجَجْتَ فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَإِذَا أَحْرَمْتَ فَاغْتَسِلْ وَإِذَا صَلَّيْتَ فَتَوَضَّأْ وقَوْله تَعَالَى [إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ] وإنما هو قبل الصلاة وكذلك [فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ] جَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ الْأَذْكَارَ الْمَسْنُونَةَ بِعَرَفَاتٍ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَعِنْدَ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَقِيلَ فِيهِ إنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ فَيَذْكُرُونَ مَآثِرَهُمْ وَمَفَاخِرَ آبَائِهِمْ فَأَبْدَلَهُمْ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُ وَشُكْرَهُ عَلَى نِعَمِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ (إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمَهَا بِالْآبَاءِ النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إلَّا بِالتَّقْوَى)
ثُمَّ تَلَا [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ] فَكَانَ خُرُوجُ الْكَلَامِ عَلَى حَالٍ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي ذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ أَيَّام مِنًى وَالنَّفْر فِيهَا
قَالَ اللَّهُ [وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَوَى سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ
وَاتَّفَقَ أهل العلم على أن قوله بيان المراد الآية في قوله [أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ
أَنَّ الْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ
وعمر
стр. 392
وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ إلَّا شَيْءٌ
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْمِنْهَالِ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الْمَعْدُودَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ ويومان بعده اذبح فِي أَيُّهَا شِئْتَ
وَقَدْ قِيلَ إنَّ هَذَا وَهْمٌ وَالصَّحِيحُ
عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي الْمَعْلُومَاتِ
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَنْفِي ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَالَ [فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ] وَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّحْرِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِرَمْيِ الجمار والمفعول فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَمَّا الْمَعْلُومَاتُ
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَاذْبَحْ فِي أَيُّهَا شِئْتَ
قَالَ ابْنُ عُمَرَ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْلُومَاتُ الْعَشْرُ وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ أَيَّامُ التَّشْرِيقُ وَالْمَعْدُودَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ التَّشْرِيقُ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَخْبَرْنَا عُمَارَةُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ مُجَاهِدٍ عن ابن عباس قال المعدودات أَيَّامُ الْعَشْرِ وَالْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ فَقَوْلُهُ الْمَعْدُودَاتُ إنَّهَا أَيَّامُ الْعَشْرِ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ خَطَأٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ] وَلَيْسَ فِي الْعَشْرِ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِيَوْمَيْنِ دُونَ الثَّلَاثِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الْعَشْرُ وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي آخَرِينَ مِنْهُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الْعَشْرُ وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ كَتَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ الطُّوسِيُّ إلَى أَبِي يُوسُفَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ فَأَمْلَى عَلَيَّ أبى يُوسُفَ جَوَابَ كِتَابِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا أَيَّامُ النَّحْرِ
وَإِلَى ذَلِكَ أَذْهَبُ لِأَنَّهُ قَالَ [عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ] وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الْقَارِي عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الْعَشْرُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ يَوْمُ الْأَضْحَى وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَحَصَلَ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْقَارِي عَنْ محمد ورواية بشر ابن الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَلَمْ تَخْتَلِفْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ أَيَّامُ الْعَشْرِ وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورُ وقَوْله تَعَالَى [عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ] لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَيَّامُ النَّحْرِ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يُرِيدَ لِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كَقَوْلِهِ [وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ] والمعنى لما
стр. 393
هَدَاكُمْ وَأَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا أَيَّامَ الْعَشْرِ لِأَنَّ فِيهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَفِيهِ الذَّبْحُ وَيَكُونُ بِتَكْرَارِ السِّنِينَ عَلَيْهِ أَيَّامًا وَذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْمَعْدُودَاتِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْمَعْلُومَات بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِي بَابِ الْعَدَدِ وَذَلِكَ لِأَنَّ وَصَفَهَا بِالْمَعْدُودَاتِ دَلَالَةُ التَّقْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى [بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ] وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالْعَدَدِ إذَا أُرِيدَ بِهِ التَّقْلِيلُ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَقِيضَ كَثْرَةٍ فَهُوَ كَقَوْلِك قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ فَعُرِفَتْ الْمَعْدُودَاتُ بِالتَّقْلِيلِ وَقِيلَ لِلْأُخْرَى مَعْلُومَاتٌ فَعُرِفَتْ بِالشُّهْرَةِ لِأَنَّهَا عَشَرَةٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ العلم أن أيام منى ثلاثة يوم النحر وبعد أن لِلْحَاجِّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْهَا إذَا رَمَى الْجِمَارَ وَيَنْفِرَ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ فِيهِ ثُمَّ يَنْفِرُ وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَنْفِرَ فَلَا يَنْفِرُ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ الْغَدِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إذَا رَمَى وَقْتَ الظُّهْرِ كُلَّهُ فَإِنْ أَدْرَكَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِمِنًى فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ إذَا لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْفِرَ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُصْبِحَ بِمِنًى فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ أَقَامَ بِمِنًى إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّفْرُ حَتَّى يَرْمِيَ وَإِنَّمَا قَالُوا إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِإِقَامَتِهِ بِمِنًى إلَى أَنْ يُمْسِيَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي تَلِي الْيَوْمَ الثَّانِيَ هِيَ تَابِعَةٌ لَهُ حُكْمُهَا حُكْمُهُ وَلَيْسَ حُكْمُهَا حُكْمَ الَّذِي بَعْدَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ رَمَاهُ فِي لَيْلَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُؤَخِّرًا لَهُ عن وقته
لأنه ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا
فَكَانَ حُكْمُ اللَّيْلَةِ حُكْمَ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا وَلَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا حُكْمَ الَّذِي بَعْدَهَا فَلِذَلِكَ قَالُوا إنَّ إقَامَتَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِمِنًى إلَى أَنْ يُمْسِيَ بِمَنْزِلَةِ إقَامَتِهِ بِهَا نَهَارًا وَإِذَا أَقَامَ حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَزِمَهُ الرَّمْيُ بِلَا خِلَافٍ وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ رَمْيَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْلَ الزَّوَالِ إذْ قَدْ صَارَ وَقْتًا لِلُزُومِ الرَّمْيِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِوُجُوبِهِ ثُمَّ لَا يَصِحُّ فِعْلُهُ فِيهِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى [فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى] فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِ وَذُنُوبِهِ بِالْحَجِّ الْمَبْرُورِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمِثْلُهُ مَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يفسق رجع
стр. 394
كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ فِي التَّعْجِيلِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الحسن وغيره وقال [مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ] لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ التَّأْخِيرُ وَقَوْلُهُ [لِمَنِ اتَّقى] يَحْتَمِلُ لِمَنْ اتَّقَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ بِقَوْلِهِ [فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ] وَإِنْ لَمْ يَتَّقِ فَغَيْرُ مَوْعُودٍ بِالثَّوَابِ.
قَوْله تَعَالَى [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا] الْآيَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنْ الِاغْتِرَارِ بِظَاهِرِ الْقَوْلِ وَمَا يُبْدِيهِ مِنْ حَلَاوَةِ الْمَنْطِقِ وَالِاجْتِهَادِ فِي تَأْكِيدِ مَا يُظْهِرُهُ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُظْهِرُ بِلِسَانِهِ مَا يُعْجِبُكَ ظَاهِرُهُ [وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ] وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى [قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً] وَقَوْلُهُ [وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ] فَأَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ضَمَائِرَهُمْ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِظَاهِرِ أَقْوَالِهِمْ وَجَعَلَهُ عِبْرَةً لَنَا فِي أَمْثَالِهِمْ لِئَلَّا نَتَّكِلَ عَلَى ظَاهِرِ أُمُورِ النَّاسِ وَمَا يُبْدُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالِاحْتِيَاطِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْثَالِهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَلَا نَقْتَصِرُ فِيمَا أُمِرْنَا بِائْتِمَانِ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا عَلَى ظَاهِرِ حَالِ الْإِنْسَانِ دُونَ الْبَحْثِ عَنْهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءَ حَالِ مَنْ يُرَادُ لِلْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ والفتية وَالْإِمَامَةِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فِي أَنْ لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسئل وَيَبْحَثَ عَنْهُمْ إذْ قَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَمْثَالَهُمْ فِي تَوْلِيَتِهِمْ عَلَى أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ [وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ] فَكَانَ ذِكْرُ التَّوَلِّي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إعْلَامًا لَنَا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى ظَاهِرِ مَا يُظْهِرُهُ دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ لِحَالِهِ مِنْ غَيْرِ جهته قوله تعالى [وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ] هو وصف له بالمبالغة في شدة الخصومة والقتل لِلْخَصْمِ بِهَا عَنْ حَقِّهِ وَإِحَالَتِهِ إلَى جَانِبِهِ وَيُقَالُ لَدَّهُ عَنْ كَذَا إذَا حَبَسَهُ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا أَقْضِي بِمَا أَسْمَعُ فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ
فَكَانَ معنى قوله [وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ] أَنَّهُ أَشَدُّ الْمُخَاصِمِينَ خُصُومَةً وَقَوْلُهُ [وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ] نَصَّ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ أَهْل الْإِجْبَارِ لِأَنَّ مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَهُوَ لَا يُرِيدُهُ وما يُرِيدُهُ فَهُوَ لَا يُحِبُّهُ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَهَذَا يُوجِب أَنْ لَا يَفْعَل الْفَسَادَ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكَانَ مُرِيدًا لَهُ وَمُحِبًّا لَهُ وهو
стр. 395
مِثْلُ قَوْلِهِ [وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ] فَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ فِعْلَ الظُّلْمِ لِأَنَّهُ لَوْ فعله لكان مريدا له لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يُرِيدُ وَيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّتَهُ لِكَوْنِ الْفِعْلِ هِيَ إرَادَتَهُ له أنه غير جائز أن يجب كَوْنَهُ وَلَا يُرِيدَ أَنْ يَكُونَ بَلْ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ وَهَذَا هُوَ التَّنَاقُضُ كَمَا لَوْ قَالَ يُرِيدُ الْفِعْلَ وَيَكْرَهُهُ لَكَانَ مُنَاقِضًا مُخْتَلًّا فِي كَلَامِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ] وَالْمَعْنَى إنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ الْإِرَادَةُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إنَّ اللَّهَ أَحَبَّ لَكُمْ ثَلَاثًا وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا أَحَبَّ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ وَكَرِهَ لَكُمْ الْقِيلَ وَالْقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)
فَجَعَلَ الْكَرَاهَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَحَبَّةِ فَدَلَّ أَنَّ مَا أَرَادَهُ فَقَدْ أَحَبَّهُ كَمَا أَنَّ مَا كَرِهَهُ فَلَمْ يُرِدْهُ إذْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِرَادَةِ كَمَا هِيَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَحَبَّةِ فَلَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ نَقِيضًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ
قَوْله تَعَالَى [فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] فَإِنَّ الْعَزِيزَ هُوَ الْمَنِيعُ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يمنع ولا يَمْنَعَ لِأَنَّ أَصْلَ الْعِزَّةِ الِامْتِنَاعُ وَمِنْهُ يُقَالُ أَرْضٌ عَزَازٌ إذَا كَانَتْ مُمْتَنِعَةً بِالشِّدَّةِ وَالصُّعُوبَةِ وَأَمَّا الْحَكِيمُ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ فِي صِفَةِ اللَّهِ تعالى على معنيين أحدهما العالم إذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَزَلْ حَكِيمًا وَالْمَعْنَى الْآخَرُ مِنْ الْفِعْل الْمُتْقَن الْمُحْكَمِ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَزَلْ حَكِيمًا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا فَوَصْفُهُ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ حَكِيمٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ الظُّلْمَ وَالسَّفَهَ وَالْقَبَائِحَ وَلَا يُرِيدُهَا لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ أَهْلِ الْجَبْرِ
وقَوْله تَعَالَى [هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ] هَذَا مِنْ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِرَدِّهِ إلَى الْمُحْكَمِ فِي قَوْلِهِ [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ]
وَإِنَّمَا كَانَ مُتَشَابِهًا لِاحْتِمَالِهِ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ وَإِتْيَانُ اللَّهِ وَاحْتِمَالُهُ أَنْ يُرِيدَ أَمْرَ اللَّهِ وَدَلِيلَ آيَاتِهِ كَقَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ] فَجَمِيعُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا بينه في قوله [أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ] لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ وَلَا الْمَجِيءُ وَلَا الِانْتِقَالُ وَلَا الزَّوَالُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ وَدَلَالَاتِ الْحَدَثِ وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ مُحْكَمَةٍ [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] وَجَعَلَ إبْرَاهِيمُ ﵇ مَا شَهِدَهُ مِنْ حركات النجوم وانتقالها
стр. 396
دليلا على حدثها وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ اللَّهُ [وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ] يَعْنِي فِي حَدَثِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَجْسَامِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ جَاءَ رَبُّك بِمَعْنَى جَاءَ كِتَابُهُ أَوْ جَاءَ رَسُولُهُ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ قِيلَ لَهُ هَذَا مَجَازٌ وَالْمُجَازُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَقُومُ الدليل عليه وقد قال تعالى [وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها] وَهُوَ يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَقَالَ [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] وَهُوَ يَعْنِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَالْمَجَازُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ أَوْ فِيمَا لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ وَقَوْلُهُ [وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْأُمُورُ كُلُّهَا قَبْلَ أَنْ يُمَلِّكَ الْعِبَادَ شَيْئًا مِنْهَا لَهُ خَاصَّةً ثُمَّ مَلَّكَهُمْ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ ثُمَّ تَكُونُ الْأُمُورُ كُلُّهَا فِي الْآخِرَةِ إلَيْهِ دُونَ خَلْقِهِ جَازَ أَنْ يَقُولَ تُرْجَعُ إلَيْهِ الْأُمُورُ وَالْمَعْنَى الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ [أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ] يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ لَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكِنْ إلَيْهِ ثُمَّ صَارَتْ إلَيْهِ لَكِنْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
وَمَا الْمَرْءُ إلَّا كَالشِّهَابِ وَضَوْئِهِ ... يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
وإنما عنى على أَنَّهُ يَصِيرُ رَمَادًا لَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَمَادًا مَرَّةً ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ
قَوْله تَعَالَى [كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ] الْآيَةَ قِيلَ فِيهِ إنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْكُفْرِ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي مَذَاهِبِهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ إلَّا أَنَّهُمْ قَلِيلُونَ فِي نَفْسِهِمْ وَجَائِزٌ إذَا كَانَ كَذَلِكَ إطْلَاقُ اسْمِ الْأُمَّةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ لِانْصِرَافِهِ إلَى الْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْحَقِّ فَاخْتَلَفُوا وَقَوْلُهُ [فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ] فَإِنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاوُسٍ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتُوا الْكِتَابَ قَبْلَنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ ولليهود غدو للنصارى بَعْدَ غَدٍ)
وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لَنَا وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ [فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ] هُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَعُمُومُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي سَائِرَ الْحَقِّ الَّذِي هُدِيَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَيَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَحَدَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 397
بَابُ مَنْ يُبْدَأُ بِهِ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ
قال الله تعالى [يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ] الْآيَةَ فَالسُّؤَالُ وَاقِعٌ عَنْ مِقْدَارِ مَا يُنْفَقُ وَالْجَوَابُ صَدَرَ عَنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مَعَ بَيَانِ مَنْ تُصْرَفُ إلَيْهِ النَّفَقَةُ فَقَالَ تَعَالَى [قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ] فَذَاكَ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ لِشُمُولِ اسْمِ الْخَيْرِ لِجَمِيعِ الْإِنْفَاقِ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَبَيَّنَ فِيمَنْ تُصْرَفُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ [فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ] وَمَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ فِي مَنْزِلَتِهِمْ بِالْقُرْبِ وَالْفَقْرِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ النَّفَقَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ [وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ] فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَا يَفْضُل عَنْ أَهْلِك وَقَالَ قَتَادَةُ الْعَفْوُ الْفَضْلُ فَأَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ النَّفَقَةَ فِيمَا يَفْضُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى
قَالَ ﷺ (خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَفِي خَبَرٍ آخَرَ- خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى وَابْدَأْ بمن تعول)
فهذا موافق لقوله [وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أخبار في التبدئة بالأقرب فالأقرب فِي النَّفَقَةِ فَمِنْهَا
حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمُّكَ وَأَبُوكَ وَأُخْتُكَ وَأَخُوكَ وَأَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ
وَرَوَى مِثْلَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ زَهْدَمٍ وَطَارِقٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ [قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ] وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ فِي الْإِنْفَاقِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْآيَةَ فِي الزَّكَاةِ وَالتَّطَوُّعِ جَمِيعًا وَأَنَّهَا ثَابِتَةُ الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ عَلَيْهِ وَقَالَ السُّدِّيُّ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هِيَ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ عَامَّةٌ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ أَمَّا الْفَرْضُ فَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْوَالِدَيْنِ وَلَا الْوَلَدَ وَإِنْ سلفوا لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْجَمِيعِ وَمَتَى أَمْكَنَنَا اسْتِعْمَالُهُمَا مَعَ فَرْضِ الزَّكَاةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ الْحُكْمُ بِنَسْخِهَا وَكَذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ الْآيَاتِ مَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ جَمِيعِهَا فِي أَحْكَامِهَا مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ نَسْخٍ لَهَا لَمْ يَجُزْ لَنَا الْحُكْمُ بِنَسْخِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ غَنِيًّا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى [قُلِ الْعَفْوَ] قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا يَفْضُلُ فَإِذَا كَانَ هُوَ وَعِيَالُهُ مُحْتَاجِينَ لَا يَفْضُلُ عَنْهُمْ شَيْءٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا أَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْ النَّفَقَةِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوَابَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إذَا أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ وَيَنْتَظِمُ
стр. 398
ذَلِكَ الصَّدَقَاتِ مِنْ النَّوَافِلِ وَالْفُرُوضِ وَمِنْهَا أَنَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ أَوْلَى بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ [فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ] مع
بيان النبي ﷺ لِمُرَادِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ وَأَدْنَاكَ فَأَدْنَاك
وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ نَفَقَةُ الْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَجَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ قِيلَ لَهُ قَدْ اقْتَضَى ظَاهِرُهَا ذَلِكَ وَخَصَّصْنَا بَعْضَهَا مِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّهَا الْأَقَارِبُ بِدَلَالَةٍ وَهُمْ دَاخِلُونَ فِي الزَّكَاةِ وَالتَّطَوُّعِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ دِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ مِسْكِينًا وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ فَإِنَّ الدِّينَارَ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا وقد روى ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه ابن زَيْدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَنْفَقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً
فهذه الآثار موافقة لمعنى قوله [يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ] وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقَالَ ابْنُ عباس وقتادة الفضل عن الغنى قال الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَرَادَ بِهِ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إذَا كَانَ الْعَفْوُ مَا فَضَلَ فَجَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِيمَا فَضَلَ عَنْ مِقْدَارِ الْحَاجَةِ وَحَصَلَ بِهِ الْغِنَى وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّدَقَاتِ الواجبة ويجوز أن يريد به صدقة التَّطَوُّعَ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَفْضُلُ يَصْرِفُهُ إلَى الْأَجَانِبِ وَيُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَسَائِرَ الصَّدَقَاتِ لَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِالْإِنْفَاقِ مِنْ الْعَفْوِ وَالْفَاضِلِ عَنْ الغنى.
قَوْله تَعَالَى [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] هَذَا يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ الْقِتَالِ لِأَنَّ قَوْلَهُ [كُتِبَ عَلَيْكُمُ] بِمَعْنَى فُرِضَ عَلَيْكُمْ كَقَوْلِهِ [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ] ثُمَّ لَا يَخْلُو الْقِتَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَعْهُودٍ قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطَبُونَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى مَعْهُودٍ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَدْخُلَانِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْمَعْهُودِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ قِتَالًا قَدْ عَرَفُوهُ رَجَعَ الْكَلَامُ
стр. 399
إلَيْهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى [وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً] وَقَوْلِهِ [وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ] فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ بِقِتَالٍ عَلَى وَصْفٍ وَهُوَ أَنْ نُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ إذَا قَاتَلُونَا فَيَكُونَ حِينَئِذٍ كَلَامًا مَبْنِيًّا عَلَى مَعْهُودٍ قَدْ عُلِمَ حُكْمُهُ مُكَرَّرٌ ذِكْرُهُ تَأْكِيدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِعًا إلَى مَعْهُودٍ فَهُوَ لَا مَحَالَةَ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ وُرُودِهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْنَا بِقِتَالِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَلَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِيهِ وَمَا لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِيهِ فَهُوَ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ وَسَنُبَيِّنُ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي فَرْضِ الْجِهَادِ وَكَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ مَصِيرِنَا إلى قوله [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ] إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ [وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] مَعْنَاهُ مَكْرُوهٌ لَكُمْ أُقِيمَ فِيهِ الْمَصْدَرُ مَقَامَ المفعول كقولك فلان رضى أى مرضى
وقوله تعالى [يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ] قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَنَظِيرُهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مِثْلِهِ قَوْلُهُ [الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ] وَقَوْلُهُ [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ]
وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إلَّا أَنْ يُغْزَى فَإِذَا حَضَرَ ذَلِكَ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نَسْخِ ذَلِكَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ حُكْمُهُ بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ مَا لَهُمْ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَغْزُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ثُمَّ غَزَوْهُمْ بَعْدُ فِيهِ قَالَ فَحَلَفَ لِي مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَمِ وَلَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا قَالَ وَمَا نُسِخَتْ وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْقِتَالَ جَائِزٌ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَالْأَوَّلُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ] وَقَوْلِهِ [قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ] الْآيَةَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ حَظْرِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ هُمْ فَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ إنَّ الْكُفَّارَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْعَيْبِ لِلْمُسْلِمِينَ بِاسْتِحْلَالِهِمْ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَقَالَ آخَرُونَ المسلمون سألوا
стр. 400
عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا كَيْفَ الْحُكْمُ فِيهِ وَقِيلَ إنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ قَتْلُ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ مُشْرِكًا فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بَقَاءَ حَظْرِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وأرى المشركين مناقصة بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ مَعَ اسْتِعْظَامِهِمْ الْقَتْلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ مَعَ أَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ الْإِجْرَامِ وَمَعَ إخْرَاجِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْهُ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ [إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ أَنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ وَبِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَسْجِدَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِعِبَادَتِهِمْ إيَّاهُ فِيهِ فَجَعَلُوهُ لِأَوْثَانِهِمْ وَمَنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ كُفْرًا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَخْرَجُوا أَهْلَهُ مِنْهُ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْ الكفار فأعلمهم الله أن الكفار مع هذه الْإِجْرَامِ أَوْلَى بِالْعَيْبِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ المشركين في الشهر الحرام والله أعلم.
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب تحريم الخمر
стр. 401
[الجزء الثاني]
[تتمة سورة البقرة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب تحريم الخمر
قال الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما هَذِهِ الْآيَةُ قَدْ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لَوْ لَمْ يَرِدْ غَيْرُهَا فِي تَحْرِيمِهَا لَكَانَتْ كَافِيَةً مُغْنِيَةً وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَالْإِثْمُ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِثْمَ مُحَرَّمٌ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى إخْبَارِهِ بِأَنَّ فِيهَا إثْمًا حَتَّى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ كبير تأكيدا لحظرها وقوله وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى إبَاحَتِهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات مَنَافِعَ لِمُرْتَكِبِيهَا فِي دُنْيَاهُمْ إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَنَافِعَ لَا تَفِي بِضَرَرِهَا مِنْ الْعِقَابِ الْمُسْتَحَقِّ بِارْتِكَابِهَا فَذِكْرُهُ لِمَنَافِعِهَا غَيْرُ دَالٍّ عَلَى إبَاحَتِهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَكَّدَ حَظْرَهَا مَعَ ذِكْرِ مَنَافِعِهَا بِقَوْلِهِ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما يَعْنِي أَنَّ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِمَا مِنْ الْعِقَابِ أَعْظَمُ مِنْ النَّفْعِ الْعَاجِلِ الَّذِي يَنْبَغِي مِنْهُمَا وَمِمَّا نَزَلَ فِي شَأْنِ الْخَمْرِ قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْهَا وَفِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا يُسْكِرُ مِنْهَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِفِعْلِهَا فِي أَوْقَاتِهَا فَكُلُّ مَا أَدَّى إلَى الْمَنْعِ مِنْهَا فَهُوَ مَحْظُورٌ فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ مَمْنُوعَةً فِي حَالِ السُّكْرِ وَكَانَ شُرْبُهَا مُؤَدِّيًا إلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ كَانَ مَحْظُورًا لِأَنَّ فِعْلَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْفَرْضِ مَحْظُورٌ وَمِمَّا نَزَلَ فِي شَأْنِ الْخَمْرِ مِمَّا لَا مَسَاغَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ- إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ ذِكْرَ تَحْرِيمِهَا مِنْ وُجُوهٍ أحدها قوله رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ إلَّا فِيمَا كَانَ محظورا محرما ثم أكده بقوله فَاجْتَنِبُوهُ وَذَلِكَ أَمْرٌ يَقْتَضِي لُزُومَ اجْتِنَابِهِ ثُمَّ قَالَ تعالى فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَمَعْنَاهُ فَانْتَهُوا فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي قَوْله تعالى فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَلِيلِ مِنْهَا لِأَنَّ مُرَادَ الْآيَةِ مَا يَلْحَقُ مِنْ الْمَأْثَمِ بِالسُّكْرِ وَتَرْكِ الصلاة والمواثبة
стр. 402
وَالْقِتَال فَإِذَا حَصَلَ الْمَأْثَمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ فَقَدْ وَفَّيْنَا ظَاهِرَ الْآيَةِ مُقْتَضَاهَا مِنْ التَّحْرِيمِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَلِيلِ مِنْهَا قِيلَ لَهُ مَعْلُومٌ أَنَّ فِي مَضْمُونِ قَوْلِهِ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ضَمِيرُ شُرْبِهَا لِأَنَّ جِسْمَ الْخَمْرِ هُوَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مَأْثَمَ فِيهَا وَإِنَّمَا الْمَأْثَمُ مُسْتَحَقٌّ بِأَفْعَالِنَا فِيهَا فَإِذَا كَانَ الشُّرْبُ مُضْمَرًا كَانَ تَقْدِيرُهُ فِي شُرْبِهَا وَفِعْلِ الْمَيْسِرِ إثْمٌ كَبِيرٌ فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنْهَا وَالْكَثِيرِ كما لو حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شُرْبُهَا وَالِانْتِفَاعُ بِهَا فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَحْرِيمَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ حَدَّثَنَا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ قَالَ الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ كَانَ الرَّجُلُ فِي الجاهلية يخاطر على أهله وماله وقال وقَوْله تَعَالَى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ قَالَ كَانُوا لَا يَشْرَبُونَهَا عِنْدَ الصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّوْا الْعِشَاءَ شَرِبُوهَا ثُمَّ إنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَرِبُوهَا فَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَكَلَّمُوا بِمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ قال فالميسر القمار والأنصاب الأوثان والأزلام القداح كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قال حدثنا عبد الرحمن ابن مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ قَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ فَنَزَلَتْ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فَقَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ فَنَزَلَتْ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فَقَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ فَنَزَلَتْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ- إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فَقَالَ عُمَرُ انْتَهَيْنَا إنَّهَا تُذْهِبُ الْمَالَ وَتُذْهِبُ الْعَقْلَ قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ شُرِبَتْ الْخَمْرَ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الْبَقَرَةِ وَبَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ فَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا حَتَّى تَحْضُرَ الصَّلَاةُ فَإِذَا حَضَرَتْ تَرَكُوهَا ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فَانْتَهَى الْقَوْمُ عَنْهَا فَلَمْ
يَعُودُوا فِيهَا فَمِنْ النَّاس مَنْ يَظُنّ أَنَّ قَوْلَهُ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَالًّا لَمَا شَرِبُوهُ وَلَمَا أَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ولما سئل عمر البيان بعده وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ عِنْدَنَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا تَأَوَّلُوا فِي قَوْلِهِ
стр. 403
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ مَنَافِعِهَا فَإِنَّ الْإِثْمَ مَقْصُورٌ عَلَى بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّمَا ذَهَبُوا عَنْ حُكْمِ الْآيَةِ بِالتَّأْوِيلِ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَرَامًا لَمَا أَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شُرْبِهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ عِلْمُ النَّبِيّ ﷺ بِشُرْبِهَا وَلَا إقْرَارِهِمْ عَلَيْهِ بَعْد عِلْمِهِ وَأَمَّا سُؤَالُ عُمَرَ ﵁ بيانا بعد نزول هذه الآية فلأنه كَانَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ مَسَاغٌ وَقَدْ عَلِمَ هُوَ وَجْهَ دَلَالَتِهَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَكِنَّهُ سَأَلَ بَيَانًا يَزُولُ مَعَهُ احْتِمَالُ التَّأْوِيلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الْآيَةَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ النَّقْلِ فِي أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ كَانُوا يَشْرَبُونَهَا بِالْمَدِينَةِ وَيَتَبَايَعُونَ بِهَا مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهِ إلَى أَنْ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ النَّاسِ مِنْ يَقُولُ إنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ إنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ- إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَقَدْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَهِيَ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى وَأَنَّ بَعْضَ مَنَافِعِهَا قَدْ كَانَ مُبَاحًا وَبَعْضَهَا مَحْظُورًا بِقَوْلِهِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ إلَى أَنْ أَتَمَّ تَحْرِيمَهَا بِقَوْلِهِ فَاجْتَنِبُوهُ وَقَوْلِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَقَدْ بَيَّنَّا مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حُكْمِ الْآيَات مِنْ حُكْمِ التَّحْرِيم وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْفُقَهَاءِ اسْمُ الْخَمْرِ في الحقيقة يتناول التي الْمُشْتَدَّ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَزَعَمَ فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَهُوَ خَمْرٌ وَالدَّلِيلُ على أن اسم الخمر مخصوص بالتي الْمُشْتَدِّ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ دُونَ غَيْرِهِ وَأَنَّ غَيْرَهُ إنْ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ فَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَمُشَبَّهٌ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَشْوَانَ فَقَالَ لَهُ أَشَرِبْتَ خَمْرًا فَقَالَ مَا شَرِبْتُهَا مُنْذُ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَمَاذَا شَرِبْتَ قَالَ الْخَلِيطَيْنِ قَالَ فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَلِيطَيْنِ
فَنَفَى الشَّارِبُ اسْمَ الْخَمْرِ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُسَمَّى خَمْرًا مِنْ جِهَةِ لُغَةٍ أَوْ شَرْعٍ لَمَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ إذْ كَانَ فِي نَفْيِ التَّسْمِيَةِ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا حُكْمٌ نَفْيُ الْحُكْمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقِرُّ أَحَدًا عَلَى حَظْرِ مُبَاحٍ وَلَا عَلَى اسْتِبَاحَةِ مَحْظُورٍ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ مُنْتَفٍ عَنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ إلَّا مِنْ النِّيّ الْمُشْتَدِّ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخَلِيطَانِ لَا يُسَمَّيَانِ خَمْرًا مَعَ وُجُودِ قُوَّةِ الْإِسْكَارِ مِنْهُمَا عَلِمْنَا أَنَّ الِاسْمَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَيَدُلَّ عَلَيْهِ
стр. 404
مَا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَلَائِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْغَطَفَانِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْأَشْرِبَةِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ حَرَامٌ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ
قَالَ عَبْدُ الْبَاقِي وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَلَائِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ قَطَنٍ عَنْ مُنْذِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بن الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا حَرَامٌ وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ حَوَى هَذَا الْخَبَرُ مَعَانِيَ مِنْهَا أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ مَخْصُوصٌ بِشَرَابٍ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي تَسْمِيَتِهِ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَأَنَّ غَيْرَهَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ غَيْرُ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ لِقَوْلِهِ وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ وَقَدْ دَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ هُوَ مَا يَحْدُثُ عِنْدَهُ السُّكْرُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى السُّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَمَا فَصَلَ بَيْنهَا وَبَيْنَ الْخَمْرِ فِي جِهَةِ التَّحْرِيمِ وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا غَيْرُ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهَا قِيَاسًا وَلَا اسْتِدْلَالًا إذْ عَلَّقَ حُكْمَ التَّحْرِيمِ بِعَيْنِ الْخَمْرِ دُونَ مَعْنَى فِيهَا سِوَاهَا وَذَلِكَ يَنْفِي جَوَازَ الْقِيَاسِ عَلَيْهَا لِأَنَّ كُلَّ أَصْلٍ سَاغَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ الْحُكْمُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وَلَا مُتَعَلِّقًا بِهِ بِعَيْنِهِ بَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ مَنْصُوبًا عَلَى بَعْضِ أَوْصَافِهِ مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ فِي فُرُوعِهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ تَابِعًا لِلْوَصْفِ جَارِيًا مَعَهُ فِي مَعْلُولَاتِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ لَا يَتَنَاوَلُهَا اسْمُ الْخَمْرِ
قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ
فَقَوْلُهُ الْخَمْرُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ لِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَيْهِ فَاسْتَوْعَبَ بِهِ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْرِبَةِ يُسَمَّى بِهِ إلَّا وَقَدْ اسْتَغْرَقَهُ ذَلِكَ فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ يُسَمَّى خَمْرًا ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا هَلْ جَمِيعُ الْخَارِجِ مِنْهُمَا مُسَمًّى بِاسْمِ الْخَمْرِ أَمْ لَا فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ غَيْرُ مُسَمًّى بِاسْمِ الْخَمْرِ لِأَنَّ الْعَصِيرَ وَالدِّبْسَ وَالْخَلَّ وَنَحْوَهُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ وَلَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهُ خَمْرًا عَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُ بَعْضُ الْخَارِجِ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ
стр. 405
وَذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْخَبَرِ فَاحْتَجْنَا إلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِ فِي إثْبَاتِ اسْمِ الْخَمْرِ لِلْخَارِجِ مِنْهُمَا فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي تَحْرِيمِ جَمِيعِ الْخَارِجِ مِنْهُمَا وَتَسْمِيَتِهِ بِاسْمِ الْخَمْرِ وَيُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْخَمْرَ أَحَدُهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ- وامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ أَحَدَهُمَا فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُمَا جَمِيعًا فَإِنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ هُوَ أَوَّلُ شَرَابٍ يُصْنَعُ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ بَعْضَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ بَعْضِهَا خَمْرًا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ خَارِجٍ مِنْهُمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ لِأَنَّ مِنْ يَعْتَوِرُهَا مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ مِنْهَا التَّبْعِيضُ وَمِنْهَا الابتداء كَقَوْلِك خَرَجْت مِنْ الْكُوفَةِ وَهَذَا كِتَابٌ مِنْ فُلَانٍ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فَيَكُونُ مَعْنَى مِنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى ابتداء ما يخرج منهما وذلك إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْعَصِيرَ الْمُشْتَدَّ وَالدِّبْسَ السَّائِلَ مِنْ النَّخْلِ إذَا اشْتَدَّ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ شَيْئًا إنَّهُ عَلَى رُطَبِهَا وَتَمْرِهَا وَدِبْسِهَا لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا من مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِابْتِدَاءِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَيَدُلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ انْتِفَاءِ اسْمِ الْخَمْرِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ إلَّا مَا وَصَفْنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وَمَا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ مِنْهَا شَيْءٌ وَابْنُ عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ السُّكْرُ وَسَائِرُ الْأَنْبِذَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ التَّمْرِ لِأَنَّ تِلْكَ كَانَتْ أَشْرِبَتَهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَمَا يَشْرَبُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ إلَّا الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كُنْتُ سَاقِيَ عُمُومَتِي مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَكَانَ شَرَابُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفضيح فَلَمَّا سَمِعُوا أَرَاقُوهَا فَلَمَّا نَفَى ابْنُ عُمَرَ اسْمَ الْخَمْرِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ عِنْدَهُ كانت شراب العنب التي الْمُشْتَدِّ وَأَنَّ مَا سِوَاهَا غَيْرُ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّي الْخَمْرَ سَبِيئَةً وَلَمْ تَكُنْ تُسَمِّي بِذَلِكَ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ تَمْرِ النَّخْلِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُجْلَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْر بِلَادِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَعْشَى:
وَسَبِيئَةٍ مِمَّا يُعَتِّقُ بَابِلُ ... كَدَمِ الذَّبِيحِ سَلَبْتهَا جَرْيًا لَهَا
وَتَقُولُ سَبَأْتُ الْخَمْرَ إذَا شريتها فنقلوا الاسم إلى المشترى بَعْد أَنْ كَانَ الْأَصْلُ إنَّمَا هُوَ بِجَلْبِهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ عَلَى عَادَتِهَا فِي الِاتِّسَاعِ فِي الْكَلَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ
стр. 406
أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ حُجَّةٌ فِيمَا قَالَ مِنْهَا فَقَالَ:
دَعْ الْخَمْرَ تَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي ... رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِيًا لِمَكَانِهَا
فَإِنْ لَا تَكُنْهُ أَوْ يَكُنْهَا فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا
فَجَعَلَ غَيْرَهَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ أَخًا لَهَا بِقَوْلِهِ رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِيًا لِمَكَانِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُسَمَّى خَمْرًا لَمَا سَمَّاهُ أَخًا لَهَا ثُمَّ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَا تَكُنْهُ أَوْ يَكُنْهَا فَإِنَّهُ أَخُوهَا فَأَخْبَرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ هُوَ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ مَخْصُوصٌ بِمَا وَصَفْنَا وَمَقْصُورٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّا وَجَدْنَا بَلْوَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِشُرْبِ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ كَانَتْ أَعَمَّ مِنْهَا بِالْخَمْرِ وَإِنَّمَا كَانَتْ بَلْوَاهُمْ بِالْخَمْرِ خَاصَّةً قَلِيلَةً لِقِلَّتِهَا عِنْدَهُمْ فَلَمَّا عَرَفَ الْكُلُّ مِنْ الصَّحَابَةِ تَحْرِيمَ النِّيّ الْمُشْتَدِّ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا وَرُوِيَ عَنْ عُظَمَاءِ الصَّحَابَةِ مِثْلُ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ شُرْبُ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَخْلَافِهِمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَعْرِفُونَ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ وَلَا يُسَمُّونَهَا بِاسْمِ الْخَمْرِ بَلْ يَنْفُونَهُ عَنْهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا وَلَا يَتَنَاوَلُهَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ شَارِبِ الْخَمْرِ وَأَنَّ جَمِيعَهَا مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ وَالثَّانِي أَنَّ النَّبِيذَ غَيْرُ محرم لأنه لو كان محرما لعرفوا تحريمهم كمعرفتهم بتحريم الخمر إذا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ تَحْرِيمِهَا أَمَسَّ مِنْهَا إلَى مَعْرِفَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِعُمُومِ بَلْوَاهُمْ بِهَا دُونَهَا وَمَا عَمَّتْ الْبَلْوَى مِنْ الْأَحْكَامِ فَسَبِيلُ وُرُودِهِ نَقْلُ التَّوَاتُرِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لَمْ يُعْقَلْ بِهِ تَحْرِيمُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ وَلَا عُقِلَ الْخَمْرُ اسْمًا لَهَا وَاحْتَجَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي يُسْكِرُ كَثِيرُهَا خَمْرٌ بِمَا
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ)
وَبِمَا
رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ (التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ)
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ نَحْوُهُ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ وَبِمَا
رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال (كل خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ حَيْثُ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَا كَانَ خمرنا يومئذ إلا الفضيح فَحِينَ سَمِعُوا تَحْرِيمَ الْخَمْرِ أَهْرَاقُوا الْأَوَانِيَ وَكَسَرُوهَا وَقَالُوا فَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ خَمْرًا وَكَذَلِكَ عُمَرُ وَأَنَسٌ وعقلت الأنصار من تحريم الخمر تحريم الفضيح وَهُوَ نَقِيعُ الْبُسْرِ وَلِذَلِكَ
стр. 407
أَرَاقُوهَا وَكَسَرُوا الْأَوَانِيَ وَلَا تَخْلُو هَذِهِ التَّسْمِيَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَاقِعَةً عَلَى هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَوْ الشَّرْعِ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَحُجَّتُهُ ثَابِتَةٌ وَالتَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا أَسْكَرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ كَثِيرُهُ فَهُوَ خَمْرٌ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِتَحْرِيمِ اللَّهِ إيَّاهَا مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ حَقِيقَةً لِنَفْسِهِ وَعِبَارَةً عَنْ مَعْنَاهُ وَالضَّرْبُ الْآخَرُ مَا سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ مَجَازًا فَأَمَّا الضَّرْبُ الأول فواجب استعماله حيث ما وُجِدَ وَأَمَّا الضَّرْبُ الْآخَرُ فَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ نَظِيرُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْإِرَادَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ حَقِيقَةً وَنَظِيرُ الضَّرْبِ الثَّانِي قَوْلُهُ فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فأطلق لَفْظِ الْإِرَادَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِع مَجَازٌ لَا حقيقة ونحو قوله إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ فَاسْمُ الْخَمْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَقِيقَةٌ فِيمَا أُطْلِقَ فِيهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً فَأَطْلَقَ اسْمَ الْخَمْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَجَازًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْصَرُ الْعِنَبُ لَا الْخَمْرُ وَنَحْوُ قَوْلِهِ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها فَاسْمُ الْقَرْيَةِ فِيهَا حَقِيقَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُنْيَانَ ثم قوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها مَجَازٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَا مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ أَهْلَهَا وَتَنْفَصِلُ الْحَقِيقَةُ مِنْ الْمَجَازِ بِأَنَّ مَا لَزِمَ مُسَمَّيَاتِهِ فَلَمْ يَنْتِفْ عَنْهُ بِحَالٍ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَمَا جَازَ انْتِفَاؤُهُ عَنْ مُسَمَّيَاتِهِ فَهُوَ مَجَازٌ أَلَا تَرَى أَنَّكَ إذَا قُلْتَ إنَّهُ لَيْسَ للحائط إرادة كنت صادقا ولو قال قائل إن الله لا يريد شيئا أو الإنسان الْعَاقِلُ لَيْسَتْ لَهُ إرَادَةٌ كَانَ مُبْطِلًا فِي قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ تَقُولَ إنَّ الْعَصِيرَ لَيْسَ بِخَمْرٍ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ إنَّ النِّيَّ الْمُشْتَدَّ مِنْ مَاء الْعِنَبِ لَيْسَ بِخَمْرٍ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ فِي مَعْنَى أَسْمَاءِ الْمَجَازِ لَا تَتَعَدَّى بِهَا مَوَاضِعَهَا الَّتِي سُمِّيَتْ بِهَا فَلَمَّا وَجَدْنَا اسْمَ الْخَمْرِ قَدْ يَنْتَفِي عَنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ سِوَى النِّيّ الْمُشْتَدِّ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَمْرٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ انْتِفَاءِ اسْمِ الْخَمْرِ عَمَّا وَصَفْنَا
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَشْوَانَ فَقَالَ أَشَرِبْتَ خَمْرًا فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا شَرِبْتُهَا مُنْذُ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَمَاذَا شَرِبْتَ قَالَ شَرِبْتُ الْخَلِيطَيْنِ فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَلِيطَيْنِ يَوْمَئِذٍ
فَنَفَى اسْمَ الْخَمْرِ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَمْرٍ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ مِنْهَا شَيْءٌ فَنَفَى اسْمَ الْخَمْرِ عَنْ أَشْرِبَةِ تَمْرِ
стр. 408
النَّخْلِ مَعَ وُجُودِهَا عِنْدَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ
وَهُوَ أَصَحُّ إسْنَادًا مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ فَنَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا خرج من غيرهما خمرا إذا كَانَ قَوْلُهُ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ اسْمًا لِلْجِنْسِ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ مَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ فَهَذَا الْخَبَرُ مُعَارِضٌ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَهُوَ أَصَحُّ إسْنَادًا مِنْهُ وَيَدُلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ مُسْتَحِلَّ الْخَمْرِ كَافِرٌ وَأَنَّ مُسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ لَا تَلْحَقُهُ سِمَةُ الْفِسْقِ فَكَيْفَ بِأَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَمْرٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ خَلَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ لَا يُسَمَّى خَلَّ خَمْرٍ وَأَنَّ خَلَّ الْخَمْرِ هُوَ الْخَلُّ الْمُسْتَحِيلُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ النِّيّ الْمُشْتَدِّ فَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا انْتِفَاءَ اسْمِ الْخَمْرِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَأَنَّهُ إنْ ثَبَتَ تَسْمِيَتُهَا بِاسْمِ الْخَمْرِ فِي حَالٍ فَهُوَ عَلَى جِهَةِ التَّشْبِيهِ بِهَا عِنْدَ وُجُودِ السُّكْرِ مِنْهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَنَاوَلهَا إطْلَاقُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْمَجَازِ لَا يَجُوزُ دُخُولُهَا تَحْتَ إطْلَاقِ أَسْمَاءِ الْحَقَائِقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ مَحْمُولًا عَلَى الْحَالِ الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنْهَا السُّكْرُ فَسَمَّاهَا بِاسْمِ الْخَمْرِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِأَنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ عَمَلَ الْخَمْرِ فِي تَوْلِيدِ السُّكْرِ وَاسْتِحْقَاقِ الْحَدِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ إنَّمَا تَسْتَحِقُّهَا فِي حَالِ تَوْلِيدِهَا السُّكْرَ قَوْلُ عُمَرَ الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ وَقَلِيلُ النَّبِيذِ لَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ لِأَنَّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ هُوَ مَا غَطَّاهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ فِي قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ وَإِذَا ثَبَتَ بِمَا وَصَفْنَا أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ مَجَازٌ فِي هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْطَوِيَ تَحْتَ إطْلَاقِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَلَا تَرَى
أَنَّهُ ﷺ قَدْ سَمَّى فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ رَكِبَهُ لِفَزَعٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا فَسَمَّى الْفَرَسَ بَحْرًا
إذْ كَانَ جَوَادًا وَاسِعَ الْخَطْوِ وَلَا يعقل بإطلاق اسم البحر الْفَرَسِ الْجَوَادِ وَقَالَ النَّابِغَةُ لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ:
فَإِنَّك شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ ... إذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
وَلَمْ تَكُنْ الشَّمْسُ اسْمًا لَهُ وَلَا الْكَوَاكِبُ اسْمًا لِلْمُلُوكِ فَصَحَّ بِمَا وَصَفْنَا أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لَا يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي وَصَفْنَا وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَاءِ الْعِنَبِ النِّيّ الْمُشْتَدِّ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهَا مَجَازًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَاب تَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ
قال الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ دَلَالَتُهُ
стр. 409
عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ كَهِيَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِهِ وَيُقَال إنَّ اسْمَ الْمَيْسِرِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّجْزِئَةِ وَكُلُّ مَا جزأته فقد يسرته يقال لجاز الْيَاسِرُ لِأَنَّهُ يُجَزِّئُ الْجَزُورَ وَالْمَيْسِرُ الْجَزُورُ نَفْسُهُ إذَا تَجَزَّى وَكَانُوا يَنْحَرُونَ جَزُورًا وَيَجْعَلُونَهُ أَقْسَامًا يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم على ذَلِكَ فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ نَظَرُوا إلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ السِّمَةِ فَيَحْكُمُونَ لَهُ بِمَا يَقْتَضِيهِ أَسْمَاءُ الْقِدَاحِ فَسُمِّيَ عَلَى هَذَا سَائِرُ ضُرُوبِ الْقِمَارِ مَيْسِرًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ الْمَيْسِرُ الْقِمَارُ وَقَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْكِعَابِ وَالْجَوْزِ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عن أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْكِعَابَ الْمَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِهَا زَجْرًا فَإِنَّهَا مِنْ الْمَيْسِرِ)
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ حِلَاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ إنْ أَكَلْت كَذَا وَكَذَا بَيْضَةً فَلَكَ كَذَا وَكَذَا فَارْتَفَعَا إلَى عَلِيٍّ فَقَالَ هَذَا قِمَارٌ وَلَمْ يُجِزْهُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ الْقِمَارِ وَأَنَّ الْمُخَاطَرَةَ مِنْ الْقِمَارِ قَالَ ابْن عَبَّاسٍ إنَّ الْمُخَاطَرَةَ قِمَارٌ وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُخَاطِرُونَ عَلَى الْمَالِ وَالزَّوْجَةِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا إلَى أَنْ وَرَدَ تَحْرِيمُهُ وَقَدْ خَاطَرَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيقُ الْمُشْرِكِينَ حِينَ نزلت الم غُلِبَتِ الرُّومُ
وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ زِدْ فِي الْخَطَرِ وَأَبْعِدْ فِي الْأَجَلِ
ثُمَّ حُظِرَ ذَلِكَ وَنُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْقِمَارِ وَلَا خِلَافَ فِي حَظْرِهِ إلَّا مَا رَخَّصَ فِيهِ مِنْ الرِّهَانِ فِي السَّبَقِ فِي الدَّوَابِّ وَالْإِبِل وَالنِّصَالِ إذَا كَانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ وَاحِدًا إنْ سَبَقَ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْآخَرُ إنْ سُبِقَ وَإِنْ شَرَطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا أَخَذَ وَمَنْ سَبَقَ أَعْطَى فَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَدْخَلَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا إنْ سَبَقَ اسْتَحَقَّ وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يُعْطَ فَهَذَا جَائِزٌ وَهَذَا الدَّخِيلُ الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مُحَلِّلًا
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ
وَإِنَّمَا خَصَّ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ رِيَاضَةً لِلْخَيْلِ وَتَدْرِيبًا لَهَا عَلَى الرَّكْضِ وَفِيهِ اسْتِظْهَارٌ وَقُوَّةٌ عَلَى الْعَدُوِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ روى أنها الرمي وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ فظاهر قوله وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ يَقْتَضِي جَوَازَ السَّبَقِ بِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ القوة على العدو وذلك الرَّمْيُ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ وَهُوَ الْقِمَارُ يُوجِب تَحْرِيمَ الْقُرْعَةِ فِي الْعَبِيدِ يُعْتِقُهُمْ الْمَرِيضُ ثُمَّ يَمُوتُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقِمَارِ وَإِحْقَاقِ بَعْضٍ وَإِنْجَاحِ بَعْضٍ وَهَذَا هو معنى
стр. 410
الْقِمَارِ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَتْ الْقُرْعَةُ فِي الْقِسْمَةِ كَذَلِكَ لأن كل واحد يستوفى في نَصِيبَهُ لَا يُحَقِّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَاَللَّه أَعْلَم.
بَابُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ
قَالَ اللَّهُ تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْيَتِيمُ الْمُنْفَرِدُ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَقَدْ يَكُونُ يَتِيمًا مِنْ الْأُمِّ مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ وَقَدْ يَكُونُ يَتِيمًا مِنْ الْأَبِ مَعَ بَقَاءِ الْأُمِّ إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْيَتِيمُ مِنْ الْأَبِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ بَاقِيَةً وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ الْإِطْلَاقُ فِي الْيَتِيمِ مِنْ الْأُمِّ إذَا كَانَ الْأَبُ بَاقِيًا وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَيْتَامِ إنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْفَاقِدُونَ لِآبَائِهِمْ وَهُمْ صِغَارٌ وَلَا يُطْلَق ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلا على وجه المجاز لقرب عهدهم باليتيم وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْيَتِيمَ اسْمٌ لِلْمُنْفَرِدِ تَسْمِيَتُهُمْ لِلْمَرْأَةِ الْمُنْفَرِدَةِ عَنْ الزَّوْجِ يَتِيمَةً سَوَاءً كَانَتْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً قَالَ الشَّاعِرُ:
إنَّ الْقُبُورَ تَنْكِحُ الْأَيَامَى ... النِّسْوَةَ الْأَرَامِلَ الْيَتَامَى
وَتُسَمَّى الرَّابِيَةُ يَتِيمَةً لِانْفِرَادِهَا عَمَّا حَوَالَيْهَا قَالَ الشَّاعِر يَصِفُ ناقته:
قو داء تملك رَحْلَهَا ... مِثْلُ الْيَتِيمِ مِنْ الْأَرَانِبِ
يَعْنِي الرَّابِيَةَ وَيُقَالُ دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ لِأَنَّهَا مُفْرَدَةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا وَكِتَابٌ لِابْنِ الْمُقَفَّعِ فِي مَدْحِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ يُسَمَّى الْيَتِيمَةُ قَالَ أَبُو تَمَّامٍ:
وَكُثَيِّرُ عَزَّةَ يَوْمَ بَيْنٍ يَنْسُبُ ... وَابْنُ الْمُقَفَّعِ فِي الْيَتِيمَةِ يُسْهِبُ
وَإِذَا كَانَ الْيَتِيمُ اسْمًا لِلِانْفِرَادِ كَانَ شَامِلًا لِمَنْ فَقَدَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَّا أَنَّ الْإِطْلَاقَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ فَقْدِ الْأَبِ فِي حَالِ الصِّغَرِ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ابن صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ قال اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَضُمُّوا الْيَتَامَى إلَيْهِمْ وَتَحَرَّجُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمْ وَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عنه فأنزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى - إلى قوله- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
قال لو شاء الله لأخرجكم وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ فَقَالَ وَمَنْ
стр. 411
كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ
وَيُرْوَى ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ وَعَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ دَفْعُ مَالِ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةٌ وَالتِّجَارَةُ بِهِ وَقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ضُرُوبًا مِنْ الْأَحْكَامِ أَحَدُهَا قوله قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ خَلْطِ مَالِهِ بِمَالِهِ وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَى إذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَاحًا وَجَوَازُ دَفْعِهِ مُضَارَبَةً إلَى غَيْرِهِ وَجَوَازُ أَنْ يَعْمَلَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً أَيْضًا وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَغَالِبِ الظَّنِّ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ماله لنفسه إذا كان خير لِلْيَتِيمِ وَذَلِكَ بِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْيَتِيمُ أَكْثَرُ قِيمَةً مِمَّا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَبِيعُ أَيْضًا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِلْيَتِيمِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْإِصْلَاحِ لَهُ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ لَهُ تَزْوِيجَ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْإِصْلَاحِ وَذَلِكَ عِنْدَنَا فِيمَنْ كَانَ ذَا نَسَبٍ مِنْهُ دُونَ الْوَصِيِّ الَّذِي لَا نَسَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ نَفْسَهَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الْوِلَايَةَ فِي التَّزْوِيجِ وَلَكِنَّهُ قَدْ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُزَوِّجَهُ وَيَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا لَهُ فِيهِ صَلَاحٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالْأَدَبِ وَيَسْتَأْجِرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ يُؤَاجِرَهُ مِمَّنْ يُعَلِّمُهُ الصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ وَنَحْوَهَا لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ الْيَتِيمُ فِي حِجْرِهِ من ذوى الرحم الْمَحْرَمِ فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ لِيَعْلَمَ الصِّنَاعَاتِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَقَالُوا إنَّهُ إذَا وُهِبَ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فَلِمَنْ هُوَ فِي حِجْرِهِ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ لِمَا له فيه من الإصلاح فَظَاهِرُ الْآيَةِ قَدْ اقْتَضَى جَمِيعَ ذَلِكَ كُلِّهِ وقوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ إنما عنى بالمضمرين في قوله ويسئلونك الْقُوَّامُ عَلَى الْأَيْتَامِ الْكَافِلِينَ لَهُمْ وَذَلِكَ يَنْتَظِمُ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِأَنَّ لَهُ إمْسَاكَ اليتيم وحفظه وحياضته وَحَضَانَتَهُ وَقَدْ انْتَظَمَ قَوْلُهُ قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ سَائِرَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ وَقَوْلُهُ خَيْرٌ قَدْ دَلَّ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا إبَاحَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى الْيَتَامَى مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَحَقُّ بِهِ الثَّوَابُ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ خَيْرًا وَمَا كَانَ خَيْرًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الثَّوَابُ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ وَإِنَّمَا وَعَدَ بِهِ الثَّوَابَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِالتِّجَارَةِ وَلَا هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى تَزْوِيجِهِ
стр. 412
لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الندب والإرشاد وقوله وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِيهِ إبَاحَةُ خَلْطِ مَالِهِ بِمَالِهِ وَالتِّجَارَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُخَالِطَ الْيَتِيمَ بِنَفْسِهِ فِي الصِّهْرِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَأَنْ يُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ أَوْ يُزَوِّجَ الْيَتِيمَةَ بَعْضَ وَلَدِهِ فَيَكُونُ قَدْ خَلَطَ الْيَتَامَى بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَاخْتَلَطَ هُوَ بهم فقد انتظم قوله وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ إبَاحَةَ خَلْطِ مَالِهِ بِمَالِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَجَوَازَ تَزْوِيجِهِ بَعْضَ وَلَدِهِ وَمَنْ يَلِي عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَدْ خَلَطَهُ بِنَفْسِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمُخَالَطَةِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ خَلِيطُ فُلَانٍ إذَا كَانَ شَرِيكًا وَإِذَا كَانَ يُعَامِلُهُ وَيُبَايِعُهُ وَيُشَارِيهِ وَيُدَايِنُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا وَكَذَلِكَ يُقَالُ قَدْ اخْتَلَطَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ إذَا صَاهَرَهُ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْخُلْطَةِ الَّتِي هِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحُقُوقِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِيهَا وَهَذِهِ الْمُخَالَطَةُ مَعْقُودَةٌ بِشَرِيطَةِ الْإِصْلَاحِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا تَقْدِيمُهُ ذِكْرَ الْإِصْلَاحِ فِيمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْيَتَامَى وَالثَّانِي قَوْلُهُ عَقِيبَ ذِكْرِ الْمُخَالَطَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَإِذَا كَانَتْ الْآيَةُ قَدْ انْتَظَمَتْ جَوَازَ خَلْطِهِ مَالَ الْيَتِيمِ بِمَالِهِ فِي مِقْدَارِ مَا يَغْلِبُ فِي ظَنِّهِ أَنَّ الْيَتِيمَ يَأْكُلهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْمُنَاهَدَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا النَّاسُ فِي الْأَسْفَارِ فَيُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا مَعْلُومًا فَيَخْلِطُونَهُ ثُمَّ يُنْفِقُونَهُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ أَكْلُ النَّاسِ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَبَاحَ فِي أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ فَهُوَ فِي مَالِ الْعُقَلَاءِ الْبَالِغِينَ بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ أَجْوَزُ وَنَظِيرُهُ فِي تَجْوِيزِهِ الْمُنَاهَدَةَ قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً
فَكَانَ الْوَرِقُ لَهُمْ جَمِيعًا لِقَوْلِهِ بِوَرِقِكُمْ فَأَضَافَهُ إلَى الْجَمَاعَةِ وَأَمْرَهُ بِالشِّرَاءِ لِيَأْكُلُوا جَمِيعًا مِنْهُ وقوله وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ قَدْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ
الْمُشَارَكَةِ وَالْخُلْطَةِ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِمَا يَتَحَرَّى فِيهِ الْإِصْلَاحَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَإِخْوانُكُمْ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ إذْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى مَعُونَةِ أَخِيهِ وَتَحَرِّي مَصَالِحِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)
فَقَدْ انْتَظَمَ قَوْلُهُ فَإِخْوانُكُمْ الدَّلَالَةَ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ وَاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ بِمَا يَلِيهِ منه وقوله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ يَعْنِي بِهِ لِضَيَّقَ عَلَيْكُمْ فِي التَّكْلِيفِ فَيَمْنَعُكُمْ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَيْتَامِ وَالتَّصَرُّفِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَلَأَمَرَكُمْ بِإِفْرَادِ أَمْوَالِكُمْ عَنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ لَأَمَرَكُمْ عَلَى جِهَةِ الْإِيجَابِ بِالتَّصَرُّفِ لَهُمْ وَطَلَبِ الْأَرْبَاحِ بِالتِّجَارَاتِ لَهُمْ وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ وَأَبَاحَ لَكُمْ التَّصَرُّفَ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَوَعَدَكُمْ
стр. 413
الثَّوَابَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُلْزِمْكُمْ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْإِيجَابِ فَيُضَيِّقُ عَلَيْكُمْ تَذْكِيرًا بِنِعَمِهِ وَإِعْلَامًا مِنْهُ الْيُسْرَ وَالصَّلَاحَ لِعِبَادِهِ وَقَوْلُهُ فَإِخْوانُكُمْ يَدُلُّ عَلَى أن أطفال المؤمنون هُمْ مُؤْمِنُونَ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُمْ إخْوَانًا لَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ والله تعالى أعلم.
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالح عن معاوية ابن صَالِحٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قَالَ ثُمَّ اسْتَثْنَى أَهْلَ الْكِتَابِ فَقَالَ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ قَالَ عَفَائِفُ غَيْرُ زَوَانٍ فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْلَهُ وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَأَنَّ الْكِتَابِيَّاتِ مُسْتَثْنَيَاتٌ مِنْهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَر أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْكِتَابِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بن نافع عن ابن عمر كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَرِهَ نِكَاحَ نِسَائِهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة قَالَ إنَّ اللَّه حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَلَا أَعْلَمُ مِنْ الشِّرْكِ شَيْئًا أَكْبَرَ أَوْ قَالَ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ رَبُّهَا عِيسَى أَوْ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ فَكَرِهَهُ فِي الْحَدِيثِ الأول ولم يذكر التحريم وتلافى الْحَدِيثِ الثَّانِي الْآيَةَ وَلَمْ يَقْطَعْ فِيهَا بِشَيْءٍ وأخبر أَنَّ مَذْهَبَ النَّصَارَى شِرْكٌ قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو عبيد قال حدثنا على بن سعد عن أبى المليح عن ميمون ابن مِهْرَانَ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ إنَّا بِأَرْضٍ يُخَالِطُنَا فِيهَا أَهْلُ الْكِتَابِ فَنَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ وَنَأْكُلُ طَعَامَهُمْ قَالَ فَقَرَأَ عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ وَآيَةَ التَّحْرِيمِ قَالَ قُلْت إنِّي أَقْرَأُ مَا تَقْرَأُ فَنَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ وَنَأْكُلُ طَعَامَهُمْ قَالَ فَأَعَادَ عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ وَآيَةَ التحريم قال أبو بكر عدو له بِالْجَوَابِ بِالْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ إلَى تِلَاوَةِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ وَاقِفًا فِي الْحُكْمِ غَيْرَ قَاطِعٍ فِيهِ بِشَيْءِ وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ كَمَا يُكْرَهُ تَزَوُّجُ نِسَاءِ أَهْلِ
стр. 414
الْحَرْبِ مِنْ الْكِتَابِيَّاتِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إبَاحَةُ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن الْيَمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَنَافِعِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُمَرَ مَوْلَى عَفْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ يَقُولُ إنَّ عُثْمَانَ تَزَوَّجَ نَائِلَةَ بنت الفراصة الْكَلْبِيَّةِ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ عَلَى نِسَائِهِ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ نَافِعٍ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَيْضًا أَنَّهُ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ خَلِّ سَبِيلَهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ حُذَيْفَةُ أَحَرَامٌ هِيَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرْ لَا وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تُوَاقِعُوا الْمُومِسَاتِ مِنْهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ إبَاحَةُ تَزْوِيجِ الْكِتَابِيَّاتِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِنَّ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ فَلَا دلالة فِيهِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ مُحَرَّمًا وَإِنَّمَا فِيهِ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ كَمَا رُوِيَ كَرَاهَةُ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ تَزْوِيجَ الْكِتَابِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَقَدْ تَزَوَّجَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَحُذَيْفَةُ الْكِتَابِيَّاتِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ لَظَهَرَ مِنْهُمْ نَكِيرٌ أَوْ خِلَافٌ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِهِ وَقَوْلُهُ وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ غَيْرُ مُوجِبٍ لِتَحْرِيمِ الْكِتَابِيَّاتِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ الْمُشْرِكَاتِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْهُمْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكِتَابِيَّاتُ إلَّا بِدَلَالَةٍ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَقَالَ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى شُمُولِ الِاسْمِ لِلْجَمِيعِ وَأَنَّهُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِضَرْبٍ مِنْ التَّعْظِيمِ أَوْ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَأَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمَا مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَاقْتَضَى عَطْفُهُ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَهُمْ وَأَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ مَقْصُورًا عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ لَوْ
كَانَ عُمُومًا فِي الْجَمِيعِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَأَنْ لَا تُنْسَخَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالَهُمَا فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
стр. 415
إنَّمَا أَرَادَ بِهِ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وقوله مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ قِيلَ لَهُ هَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ دَالٌّ عَلَى غَبَاوَةِ قَائِلِهِ وَالْمُحْتَجِّ بِهِ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الِاسْمَ إذَا أُطْلِقَ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ مِنْهُمْ كَقَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَقَوْلِهِ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَلَا يُعْقَلُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَسْلَمَ إلَّا بِتَقْيِيدِ ذِكْرِ الْإِيمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ ذَكَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ ذِكْرِهِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْمُؤْمِنَاتِ وَقَدْ انْتَظَمَ ذَكَرُ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي كُنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَسْلَمْنَ وَمَنْ كُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فِي الْأَصْل لِأَنَّهُ قَالَ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْمُحْصَنَاتِ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهِنَّ وَرُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمَا
رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ أَرَادَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهُ وَقَالَ إنَّهَا لَا تُحْصِنُك
قَالَ فَظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فَيُقَالُ إنَّ هَذَا حَدِيثٌ مَقْطُوعٌ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِمِثْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي إيجَابِ نَسْخِهِ وَلَا تَخْصِيصِهِ وَإِنْ ثَبَتَ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِحُذَيْفَةَ تَزْوِيجَ الْيَهُودِيَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنَّهَا لَا تُحْصِنُك وَنَفْيُ التَّحْصِينِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفَسَادِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُحْصِنُهُ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَيَجُوزُ نِكَاحُهُمَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَزْوِيجِ الْكِتَابِيَّةِ الْحَرْبِيَّةِ فَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَا تَحِلُّ نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا كَانُوا حَرْبًا قَالَ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ- إلى قوله- وَهُمْ صاغِرُونَ قال الحكم فحدثت به إبراهيم فأعجبه قال أَبُو بَكْرٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَأَى ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ وَأَصْحَابُنَا يَكْرَهُونَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنه كره نساء أهل «٢- أحكام في»
стр. 416
الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
وقَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْن الْحَرْبِيَّاتِ وَالذِّمِّيَّاتِ وَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ وقَوْله تَعَالَى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِجَوَازِ النِّكَاحِ وَلَا فَسَادِهِ وَلَوْ كَانَ وُجُوبُ الْقِتَالِ عِلَّةً لِفَسَادِ النِّكَاحِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ نِكَاحُ نِسَاءِ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَبَانَ بِمَا وَصَفْنَا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِوُجُوبِ الْقِتَالِ فِي إفْسَادِ النِّكَاحِ وَأَنَّ مَا كَرِهَهُ أَصْحَابُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ وَالنِّكَاحُ يُوجِبُ الْمَوَدَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ النِّكَاحَ سَبَبُ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَنَهَانَا عَنْ مُوَادَّةِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَرِهُوا ذَلِكَ وقوله يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا هُوَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي حَدٍّ وَنَحْنُ فِي حَدٍّ وَكَذَلِكَ الْمُشَاقَّةُ وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا فِي شِقٍّ وَنَحْنُ فِي شِقٍّ وَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ وَلَدَهُ يُنَشَّأُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَخْلَاقِ أَهْلِهَا وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ
قَالَ ﷺ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْمُشْرِكِينَ
وَقَالَ ﷺ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ
فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَاصِرًا لِحُكْمِهِ عَلَى الذِّمِّيَّاتِ مِنْهُنَّ دُونَ الْحَرْبِيَّاتِ قِيلَ لَهُ الْآيَةُ إنَّمَا اقْتَضَتْ النَّهْيَ عَنْ الْوِدَادِ وَالتَّحَابِّ فَأَمَّا نَفْسُ عَقْدِ النِّكَاحِ فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِلْمُوَادَّةِ وَالتَّحَابِّ فَنَفْسُ الْعَقْدِ لَيْسَ هُوَ الْمُوَادَّةَ وَالتَّحَابَّ إلَّا أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ فَاسْتَحْسَنُوا لَهُ غَيْرَهُنَّ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا قَالَ عَقِيبَ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ حَرَّمَ نِكَاحَهُنَّ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ الذِّمِّيَّاتِ وَالْحَرْبِيَّاتِ مِنْهُنَّ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ نِكَاحِهِنَّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ قِيلَ لَهُ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ عِلَّةً مُوجِبَةً لِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكَانَ غَيْرُ جَائِز إبَاحَتُهُنَّ بِحَالٍ فَلَمَّا وَجَدْنَا نِكَاحَ الْمُشْرِكَاتِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ نَزَلَ تَحْرِيمُهُنَّ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ دُعَاءُ الْكَافِرِينَ لَنَا إلَى النَّارِ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ بِعِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَقَدْ كَانَتْ امْرَأَةُ نُوحٍ وَامْرَأَةُ لُوطٍ كَافِرَتَيْنِ تَحْتَ نَبِيَّيْنِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 417
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ فَأَخْبَرَ بِصِحَّةِ نِكَاحِهِمَا مَعَ وُجُودِ الْكُفْرِ مِنْهُمَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي سِيَاقِ تَحْرِيمِ الْمُشْرِكَاتِ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ فَجَعَلَهُ عَلَمًا لِبُطْلَانِ نِكَاحهنَّ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَجُرِّي مَجْرَى الْعِلَل الشَّرْعِيَّةِ فَلَيْسَ فِيهِ تَأْكِيدٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ مِنْ الِاسْمِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ كَتَخْصِيصِ الِاسْمِ وَإِذَا كَانَ قَوْله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَجُوز بِهِ تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ الَّذِي عَلَقَ بِالِاسْمِ جَازَ أَيْضًا تَخْصِيصُ الْحُكْمِ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِلَل الشَّرْعِيَّةِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَذَكَر مَا يَحْدُثُ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَحْظُورَةِ وَأَجْرَاهَا مَجْرَى الْعِلَّة وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إجْرَاؤُهَا فِي مَعْلُولَاتهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ سَائِرُ الْبِيَاعَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَعُقُودِ الْمُدَايَنَات لِإِرَادَةِ الشَّيْطَان إيقَاعَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَنَا فِي سَائِرهَا وَأَنْ يَصُدَّنَا بِهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى فِي سَائِر مَا وُجِدَ فِيهِ بَلْ كَانَ مَقْصُورَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَذْكُور دُونَ غَيْره كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا مِنْهَا وَالْمُقْتَضَيَةِ وَالْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَوَجَبَ بِمَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ مَقْصُورًا فِيمَا وَصَفْنَا عَلَى الْمُشْرِكَات مِنْهُنَّ دُونَ غَيْرهنَّ وَيَكُونَ ذِكْرُ دُعَائِهِمْ إيَّانَا إلَى النَّارِ تَأْكِيدًا لِلْحَظْرِ فِي الْمُشْرِكَات غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ إلَى سِوَاهُنَّ لِأَنَّ الشِّرْكَ وَالدُّعَاءَ إلَى النَّار هُمَا عَلَمًا تَحْرِيمِ النِّكَاح وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكِتَابِيَّاتِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ الْمُحَارِبِينَ كَانُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ لِئَلَّا يُمَكَّنَ بِهِمْ إلَى مَوَدَّةِ أَهَالِيهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى التَّقْصِيرِ مِنْهُمْ فِي قِتَالِهِمْ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمُوَادِّينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِتَرْكِ قِتَالهمْ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ الْحَرْبِيَّاتِ لِوُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى وَلَا نَجِدُ بُدًّا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى حُكْمِ مَعْلُولِ هَذِهِ الْعِلَّة بِمَا قَدَّمْنَا وقَوْله تَعَالَى وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلَى الْحُرَّة لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَزْوِيجِ الْأَمَةِ الْمُؤْمِنَةِ بَدَلًا مِنْ الْحُرَّة الْمُشْرِكَة الَّتِي تُعْجِبهُمْ وَيَجِدُونَ الطَّوْل إلَيْهَا وَوَاجِدُ الطَّوْلِ إلَى الْحُرَّة
стр. 418
الْمُشْرِكَة هُوَ وَاجِده إلَى الْحُرَّة الْمُسْلِمَة إذْ لَا فَرْقَ بَيْنهمَا فِي الْعَادَةِ فِي الْمُهُور فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا يَصِحّ التَّرْغِيبُ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ الْمُؤْمِنَة وَتَرْكِ الْحُرَّة الْمُشْرِكَةِ إلَّا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى تَزْوِيجِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فَتَضَمَّنَتْ الْآيَةُ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلَى الْحُرَّةِ وَيَدُلُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ عَامٌّ فِي وَاجِدِ الطول او غير وَاجِدِهِ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مِنْهُمْ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بقوله وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ فَأَبَاحَ نِكَاحَهَا لِمَنْ حُظِرَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْمُشْرِكَةِ فَكَانَ عُمُومًا فِي الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مُوجِبًا لِجَوَازِ نكاح الأمة للفريقين.
باب الحيض
قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَالْمَحِيضُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْحَيْضِ نَفْسِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهِ مَوْضِعُ الْحَيْضِ كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ هُوَ مَوْضِعُ الْقَيْلُولَةِ وَمَوْضِعُ الْبَيْتُوتَةِ وَلَكِنْ فِي فَحْوَى اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحِيضِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الْحَيْضُ لِأَنَّ الجواب ورد بقوله هو أذى وذلك صفة لنفس الحيض لا الموضع الَّذِي فِيهِ وَكَانَتْ مَسْأَلَةُ الْقَوْمِ عَنْ حُكْمِهِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنْ الْيَهُودِ يُجَاوِرُونَهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَكَانُوا يجتنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالسهن فِي حَالِ الْحَيْضِ فَأَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا حُكْمَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَأَجَابَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا هُوَ أذى يَعْنِي أَنَّهُ نَجَسٌ وَقَذَرٌ وَوَصْفُهُ لَهُ بِذَلِكَ قَدْ أَفَادَ لُزُومَ اجْتِنَابِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِلُزُومِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ فَأَطْلَقَ فِيهِ لفظا علقوا مِنْهُ الْأَمْرَ بِتَجَنُّبِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَى اسْمٌ يَقَعُ عَلَى النَّجَاسَاتِ
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إذَا أَصَابَ نَعْلَ أَحَدِكُمْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهَا بِالْأَرْضِ وَلْيُصَلِّ فِيهَا فَإِنَّهُ لَهَا طَهُورٌ)
فَسَمَّى النَّجَاسَةَ أَذًى وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ قُلْ هُوَ أَذىً الْإِخْبَارَ عَنْ حَالِهِ فِي تَأَذِّي الْإِنْسَانِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِنَجَاسَتِهِ وَلُزُومِ اجْتِنَابِهِ وَلَيْسَ كُلُّ أَذًى نَجَاسَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ وَالْمَطَرُ لَيْسَ بِنَجَسٍ وَقَالَ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنَّمَا كَانَ الْأَذَى الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عِبَارَةً عَنْ النَّجَاسَةِ وَمُفِيدًا لِكَوْنِهِ قَذَرًا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ لِدَلَالَةِ الْخِطَابِ عَلَيْهِ وَمُقْتَضَى سُؤَالِ السَّائِلِينَ عَنْهُ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ مِنْ الْحَائِضِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا بِمَا
стр. 419
فَوْقَ الْمِئْزَرِ وَوَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
روته عائشة وميمون ة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ وَهُنَّ حُيَّضٌ فَوْقَ الْإِزَارِ
وَاتَّفَقُوا أيضا أَنَّ عَلَيْهِ اجْتِنَابَ الْفَرْجِ مِنْهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ بَعْدَ أَنْ يجتنب شعائر الدَّمِ
فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَا يَجْتَنِبُ مَوْضِعَ الدَّمِ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالضَّحَّاكِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ لَهُ مِنْهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو بكر قوله فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ قَدْ انْتَظَمَ الدَّلَالَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى حَظْرِ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي لُزُومَ اجْتِنَابِهَا فِيمَا تَحْتَ الْمِئْزَرِ وَفَوْقَهُ فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا بما فوقه سلمناه للدلاة وَحُكْمُ الْحَظْرِ قَائِمٌ فِيمَا دُونَهُ إذْ لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ قَوْلُهُ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ وَذَلِكَ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ فَلَا يُخَصُّ مِنْهُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إلَّا مَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ السنة
حديث يزيد ابن أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاق سَأَلُوا عُمَرَ عَمَّا يَحِلُّ لِزَوْجِ الْحَائِضِ مِنْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالَ سَأَلْت عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال لَك مِنْهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَلَيْسَ لَك منها مَا تَحْتَهُ
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا
حَدِيثُ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا
فَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ وَرَوَى الشَّيْبَانِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ مِثْلَهُ وَمَنْ أَبَاحَ لَهُ مَا دُونَ الْمِئْزَرِ احْتَجَّ
بِحَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُخْرِجُونَ الْحَائِضَ مِنْ الْبَيْتِ وَلَا يُؤَاكِلُونَهَا وَلَا يُجَامِعُونَهَا فِي بَيْتٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ الْآيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ)
وَبِمَا
رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ فَقَالَتْ إنِّي حَائِضٌ فَقَالَ لَيْسَتْ حَيْضَتُك فِي يَدِكِ
قَالُوا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أن كل عضو منها ليس فيه الْحَيْضِ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْحَيْضِ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ لِمَنْ رَأَى حَظْرَ مَا دُونَ مِئْزَرِهَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ
стр. 420
إنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ وَمَا كَانَتْ الْيَهُودُ تَفْعَلُهُ فَأَخْبَرَ عَنْ مُخَالَفَتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إخْرَاجُهَا مِنْ الْبَيْتِ وَتَرْكُ مُجَالَسَتِهَا وَقَوْلُهُ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِمَاعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ النِّكَاحِ وَالْمُجَامَعَةِ وَحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَاضٍ عَلَيْهِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثَ أَنَسٍ إخْبَارًا عَنْ حَالِ نُزُولِ الْآيَةِ وَحَدِيثُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ حَالِ نُزُولِ الْآيَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّا يَحِلُّ مِنْ الْحَائِضِ وَذَلِكَ لَا مَحَالَةَ بَعْدَ حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لم يسئل عَمَّا يَحِلُّ مِنْهَا إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمُ إتْيَانِ الْحَائِضِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ السُّؤَالُ فِي حَالِ نُزُولِ الْآيَةِ عَقِيبَهَا لَاكْتَفَى بِمَا
ذَكَرَهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُؤَالَ عُمَرَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ حَدِيثُ عُمَرَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ لَكَانَ حَدِيثُ عُمَرَ أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَظْرِ الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَفِي ظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ الْإِبَاحَةُ وَالْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ إذَا اجْتَمَعَا فَالْحَظْرُ أَوْلَى وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ خَبَرَ عُمَرَ يَعْضُدُهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ وَخَبَرُ أَنَسٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ وَمَا يُوَافِقُ الْقُرْآنَ مِنْ الْأَخْبَارِ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا يَخُصُّهُ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ خَبَرَ أَنَسٍ مُجْمَلٌ عَامٌّ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ إبَاحَةِ مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ وخبر عمر مفسر فيه بيان الحكم في الْمَوْضِعَيْنِ مِمَّا تَحْتَ الْإِزَارِ وَمَا فَوْقَهُ وَاَللَّهُ أعلم.
بَابُ بَيَانِ مَعْنَى الْحَيْضِ وَمِقْدَارِهِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَيْضُ اسْمٌ لِمِقْدَارٍ مِنْ الدَّمِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحَظْرُ الْجِمَاعِ وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَاجْتِنَابُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَتَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ بَالِغَةً فَإِذَا تَعَلَّقَ بِوُجُودِ الدَّمِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كَانَ لَهُ مِقْدَارُ مَا سُمِّيَ حَيْضًا وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ لَمْ يُسَمَّ حَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ تَرَى الدَّمَ فِي أَيَّامِهَا وَبَعْدَ أَيَّامِهَا عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَكُونُ مَا فِي أَيَّامِهَا مِنْهُ حَيْضًا لِتَعَلُّقِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِهِ مَعَ وُجُودِهِ وَمَا بَعْدَ أَيَّامِهَا فَلَيْسَ بِحَيْضٍ لِفَقْدِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَعَ وُجُودِهِ وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْحَامِلِ إنَّهَا لَا تَحِيضُ وَهِيَ قَدْ تَرَى الدَّمَ وَلَكِنْ ذَلِكَ الدَّمُ لَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ لَمْ يُسَمَّ حَيْضًا فَالْمُسْتَحَاضَةُ قَدْ تَرَى الدَّمَ السَّائِلَ دَهْرًا وَلَا يَكُونُ حَيْضًا وَإِنْ كَانَ كَهَيْئَةِ الدَّمِ الَّذِي
стр. 421
يَكُونُ مِثْلُهُ حَيْضًا إذَا رَأَتْهُ فِي أَيَّامِهَا فَالْحَيْضُ اسْمٌ لِدَمٍ يُفِيدُ فِي الشَّرْعِ تَعَلُّقَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِهِ إذَا كَانَ لَهُ مِقْدَارٌ مَا وَالنِّفَاسُ وَالْحَيْضُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَجِمَاعِ الزَّوْجِ وَاجْتِنَابِ مَا يَجْتَنِبهُ الْحَائِضُ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مِقْدَارَ مُدَّةِ الْحَيْضِ لَيْسَ هُوَ مِقْدَارَ مُدَّةِ النِّفَاسِ وَالثَّانِي أَنَّ النِّفَاسَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا فِي الْبُلُوغِ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحُدُّ الْحَيْضَ بِأَنَّهُ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الرَّحِمِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً فِي ابْتِدَائِهِ بِهَا وَمَا تَعْتَادُهُ النِّسَاءُ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ تَكُونَ بَالِغَةً فِي ابْتِدَائِهِ بِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ بُلُوغُهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السِّنِّ أَوْ الِاحْتِلَامِ أَوْ الْإِنْزَالِ عِنْدَ الْجِمَاعِ فَأَمَّا إذَا تَقَدَّمَ بُلُوغُهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِمَا وَصَفْنَا ثُمَّ رَأَتْ دَمًا فَهُوَ حَيْضٌ إذَا رَأَتْهُ مِقْدَارَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَإِنْ لَمْ تَصِرْ بَالِغَةً فِي ابْتِدَائِهِ بِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إذَا كَانَ يَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَهُوَ حَيْضٌ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ لَا وَقْتَ لِقَلِيلِ الْحَيْضِ وَلَا لِكَثِيرِهِ وَحَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِك أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ فارس قال حدثنا هارون ابن سُلَيْمَانَ الْجَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ بِذَلِكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ الْحَيْضُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِذَا زَادَتْ فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ وَقَالَ عَطَاءٌ إذَا زَادَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِقَوْلِ عَطَاءٍ إنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى مَا ذَكَرْنَا وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْقَائِلَيْنِ بِأَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ
حَدِيثُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ
فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ لِأَحَدٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مَالِكٍ أَنَّهُمَا قَالَا الْحَيْضُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَمَا زَادَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ إذَا ظَهَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاسْتَفَاضَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ فَهُوَ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَقَدْ رُوِيَ مَا وَصَفْنَا عَنْ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ
стр. 422
ظهر من نظرائهم عليهم فثبت حُجَّتُهُ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي هِيَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَاتٌ مَحْضَةٌ طَرِيقُ إثْبَاتِهَا التَّوْقِيفُ أَوْ الِاتِّفَاقُ مِثْلُ أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَفَرَائِضِ الْإِبِلِ فِي الصَّدَقَاتِ وَمِثْلُهُ مِقْدَارُ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَمِنْهُ مِقْدَارُ الْمَهْرِ الَّذِي هُوَ مَشْرُوطٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْقُعُودُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَمَتَى رُوِيَ عَنْ صَحَابِيٍّ فِيمَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ قَوْلٌ فِي تَحْدِيدِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِثْبَاتِ مِقْدَارِهِ فَهُوَ عِنْدَنَا تَوْقِيفٌ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ الْحَيْضِ مُعْتَبَرًا بِعَادَاتِ النِّسَاءِ فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَرَدَّهَا إلَى الْعَادَةِ
وَأَثْبَتَهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا فَجَائِزٌ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالْعَشَرَةِ فِي أَكْثَرِهِ وَبِالثَّلَاثِ فِي أَقَلِّهِ إنَّمَا صَدَرَ عَنْ الْعَادَةِ عِنْدَهُ قِيلَ لَهُ إنَّمَا الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُخَالِفِينَا فِي الْأَقَلِّ الَّذِي لَا نَقْصَ عَنْهُ وَفِي الْأَكْثَرِ الَّذِي لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى الْمَذْكُورِ مِنْ العدد وفي قصة حمنة وهو سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ لَيْسَ بِحَدٍّ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي إثْبَاتِ التَّحْدِيدِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَقَوْلُهُ لحمنة تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ فِي كُلِّ شَهْرٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونُ دَلِيلًا مُبْتَدَأً لِصِحَّةِ قَوْلِنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ
قَوْلَهُ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ فِي كُلِّ شَهْرٍ
لَمَّا كَانَ مُسْتَوْعِبًا لِجِنْسِ النِّسَاءِ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ جَمِيعِ النِّسَاءِ وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ حَيْضُ امْرَأَةٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْلَا قِيَامُ دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَكُونُ ثَلَاثًا لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ الْحَيْضَ أَقَلَّ مِنْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ فَلَمَّا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى كَوْنِ الثَّلَاثِ حَيْضًا خَصَّصْنَاهُ مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ وَبَقِيَ حُكْمُ مَا دُونِ الثَّلَاثِ مَنْفِيًّا بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ وَيُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا
رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب مِنْهُنَّ فَقِيلَ مَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ فَقَالَ تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ لَا تُصَلِّي
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
حَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِك ثم اغتسلي وتوضأى لِكُلِّ صَلَاةٍ
وَرَوَى الْحَكَمُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ سَوْدَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنِّي أُسْتَحَاضُ فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ أَيَّامَ حَيْضِهَا فَإِذَا مَضَتْ تَوَضَّأَتْ
стр. 423
لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلَّتْ
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهُ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ أَنَّهَا تُهْرَاقُ الدَّمَ فَقَالَ لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحَيُّضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ
وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْهُ ﷺ قَالَ الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا
وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي رَوَتْ قِصَّتَهَا أُمُّ سَلَمَةُ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ لَهَا عَنْ مِقْدَارِ حَيْضِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَجَبَ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الْحَيْضِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَيَّامِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَلَوْ كَانَ الْحَيْضُ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمَا أَجَابَهَا بِذِكْرِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا
وَذَلِكَ لَفْظٌ عَامٌّ فِي سَائِرِ النِّسَاءِ وَاسْمُ الْأَيَّامِ إذَا أُطْلِقَتْ فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ يَقَعُ أَقَلُّهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرُهُ عَلَى عَشَرَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَدَدٌ مَحْصُورٌ يُضَافُ إلَيْهِ الْأَيَّامُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ووجه آخر وهو أَنَّهُ مَتَى تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ الَّذِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ الْأَيَّامُ فَإِنَّ اسْمَ الْأَيَّامِ لَا يَتَنَاوَلُ عَدَدًا مَحْصُورًا نَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ أَيَّامُ السَّنَةِ فَلَا تَخْتَصُّ بِالثَّلَاثَةِ وَلَا بِالْعَشَرَةِ وَقَوْلُهُ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ لَمْ تَخْتَصَّ بِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ لِأَنَّهُ قَالَ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَلَمَّا أَضَافَهَا إلَى الْوَقْتِ الَّذِي قَدْ تَقَرَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ لَمْ تَخْتَصَّ بِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَقَوْلُهُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَأَيَّامَ أَقْرَائِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عِنْدَ السَّامِعِينَ عَدَدُ أَيَّامِهَا فَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَيَّامِ رَاجِعًا إلَيْهَا دُونَ مَا تَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْعَدَدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّ اسم الأيام قد تطلق ويراد بها وقت مبهم كَمَا يُطْلَقُ اسْمُ اللَّيَالِي عَلَى وَقْتٍ مُبْهَمٍ ولا يراد بها سَوَادُ اللَّيْلِ فَإِذَا تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْأَيَّامُ فَذِكْرُ الْأَيَّامِ فِيهِ بِمَعْنَى الْوَقْتِ الْمُبْهَمِ الَّذِي لَا يُرَادُ بِهِ عَدَدٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَيَالِيَ تَصْطَادُ الرِّجَالَ بِفَاحِمِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سَوَادَ اللَّيْلِ دُونَ بَيَاضِ النَّهَارِ وَقَالَ آخر:
стр. 424
وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْحِمَى ثُمَّ أَنْثَنِي ... عَلَى كَبِدِي مِنْ خَشْيَةٍ أَنْ تَصَدَّعَا
وَلَيْسَتْ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعٍ ... إلَيْك وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعَا
وَلَمْ يُرِدْ بِذِكْرِ الْأَيَّامِ بَيَاضَ النَّهَارِ وَلَا بِذِكْرِ الْعَشِيَّاتِ أَوَاخِرَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ وَقْتًا قَدْ تَقَرَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ دُونَ آخِرِهِ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَصْبَحَتْ عَاذِلَتِي مُعْتَلَّهْ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الصَّبَاحَ دُونَ الْمَسَاءِ وَقَالَ لَبِيدٌ:
وَأَمْسَى كَأَحْلَامِ النِّيَامِ نَعِيمُهُمْ ... وَأَيُّ نَعِيمٍ خِلْته لَا يُزَايِلُ
وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَسَاءَ دُونَ الصَّبَاحِ وَإِنَّمَا أَرَادَ وَقْتًا مُبْهَمًا وَهَذَا أَشْهُرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى الْإِكْثَارِ مِنْ الشَّوَاهِدِ فَلَمَّا انْقَسَمَ اسْمُ الْأَيَّامِ إلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ قُلْنَا فِيمَا تَقَرَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْأَيَّامُ فَمَعْنَاهُ الْوَقْتُ وَمَا كَانَ مِنْهُ حُكْمًا مُبْتَدَأً فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَصِحُّ إضَافَةُ الْأَيَّامِ إلَيْهِ فَمَعْنَاهَا إذَا عُيِّنَ وَهُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي مَفْهُومِ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ اسْمَ الْأَيَّامِ إذَا أُضِيفَ إلَى عَدَدٍ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَلَى مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَلَا يُفَارِقُ هَذَا الْعَدَدُ اسْمَ الْأَيَّامِ بِحَالٍ لِأَنَّك إذَا قُلْت أَحَدَ عَشَرَ لَمْ تَقُلْ أَيَّامًا وَإِنَّمَا تَقُولُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَذَلِكَ إذَا أَطْلَقْت أَيَّامَ الشَّهْرِ فَقُلْت ثَلَاثِينَ لَمْ يَحْسُنْ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَيَّامِ وَقُلْت ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمَّا كَانَ اسْمُ الْأَيَّامِ مَعَ ذِكْرِ الْعَدَدِ الْمُضَافِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ عَلِمْنَا أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا تُصْرَفُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ لِأَنَّهُ مَجَازٌ مِنْ حَيْثُ جَازَ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ اسْمُ الْأَيَّامِ بِحَالٍ وَهُوَ إذَا عُيِّنَ عَدَدُهُ أُضِيفَتْ الْأَيَّامُ إلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا قَالَ دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ فَجَعَلَ الْأَيَّامَ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ لِلْأَقْرَاءِ وَهِيَ جَمْعٌ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ حَصَلَ لِكُلِّ يَوْمٍ قُرْءٌ قِيلَ لَهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَيَّامَ أَقْرَائِك حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ بِدَلَالَةِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ مُرَادُهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ فِي مِثْلِهِمَا
بِقَوْلِهِ أَقْرَائِك حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ
فَكَذَلِكَ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا ويدل على ذلك
قوله ثم اغتسلي وتوضأى لِكُلِّ صَلَاةٍ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَهُ عِنْدَ مُضِيِّ كُلِّ حَيْضَةٍ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ
بِقَوْلِهِ أَيَّامَ إقرائك أيام حيضة
وَأَيْضًا قَالَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَيَّامَ مَحِيضِك وَفِي غَيْرِهِ أَيَّامَ حَيْضِك وَقَالَ فَلْتَدَعْ الصَّلَاةَ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ الَّتِي كَانَتْ
стр. 425
تَقْعُدُ وَقَالَ نُقْصَانُ دِينِهِنَّ تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ لَا تُصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَقْرَاءَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحَيْضَ فَوَجَبَ بِمُقْتَضَاهَا أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ أَيَّامًا وَأَنَّ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَيَّامِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ لِأَنَّهُ ﷺ قَصَدَ إلَى بَيَانِ حُكْمِ جَمِيعِ النِّسَاءِ فِي الْحَيْضِ
وَقَدْ حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنِ شُجَاعٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْر قَالَ حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ذَكَرَتْ قِصَّتَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ (مُرِي فَاطِمَةَ فَلْتُمْسِكْ كُلَّ شَهْرٍ عَدَدَ أَيَّامِ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلْ)
فَأَبَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُرَادِهِ بِذِكْرِ الْأَقْرَاءِ وَأَنَّهَا حَيْضَةٌ فِي كُلِّ شَهْرٍ لِأَنَّهُ قَالَ تُمْسِكْ كُلَّ شَهْرٍ عَدَدَ أَيَّامِ أَقْرَائِهَا
وَقَدْ أَخْبَرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عَادَةَ النِّسَاءِ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ بِقَوْلِهِ لِحَمْنَةَ تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا كما تَحِيضُ النِّسَاءُ فِي كُلِّ شَهْرٍ
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى الْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ أَقُرَّاءَ وَالْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ إنَّمَا هِيَ قُرْءٌ وَاحِدٌ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأَقْرَاءُ اسْمًا لِجَمَاعَةِ حِيَضٍ قِيلَ له لما كان القراء اسْمًا لِدَمِ الْحَيْضِ جَازَ أَنْ تُسَمَّى الْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ أَقْرَاءَ عَلَى أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ أَجْزَاءِ الدَّمِ كَمَا يُقَالُ ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ يُرَادُ بِهِ الْعِبَارَةُ عَنْ كُلِّ قِطْعَةٍ مِنْهُ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلَاقُ ... شَرَاذِمُ يَضْحَكُ مِنْهُ التَّوَّاقُ
فَسَمَّى الْقَمِيصَ الْوَاحِدَ أَخْلَاقًا لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعِبَارَةَ عَنْ كُلِّ قِطْعَةٍ مِنْهُ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ تُسَمَّى الْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ أَقْرَاءَ عِبَارَةً بِهَا عَنْ أَجْزَاءِ الدَّمِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ اسْمَ الْأَيَّامِ قَدْ يَقَعُ عَلَى يَوْمَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهَا قِيلَ لَهُ إنَّمَا يُطْلَقُ اسْمُ الْأَيَّامِ عَلَيْهِمَا مَجَازًا وَحَقِيقَتُهَا ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقَهَا وَحُكْمُ اللَّفْظِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ صَرْفِهِ إلَى الْمَجَازِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مُدَّةَ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إلَى إثْبَاتِ مِقْدَارِهَا من طريق المقابيس وكان طريقها التوقيف أو الاتفاق عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ثُمَّ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ حِيَضٌ وَكَذَلِكَ الْعَشْرُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ وَفَوْقَ الْعَشْرِ أَثْبَتْنَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَمْ نُثْبِتْ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُهُ مِنْ تَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ مَا تَرَى الدَّمَ وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَتُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ حَيْضٌ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الدَّمَ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا احْتَاجَ إلَى دَلَالَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ بَدِيًّا فَلَا
следующие страницы →